٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
79
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله: {فَوَيْلٌ} ٱختُلِف في الوَيْل ما هو؛ فروى عثمان بن عفّان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار. وروى أبو سعيد الخُدْرِي أن الويل وادٍ في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفاً. وروى سفيان وعطاء بن يَسار: أن الويل في هذه الآية وادٍ يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار. وقيل: صهريج في جهنم. وحكى الزّهراوي عن آخرين: أنه باب من أبواب جهنم. وعن ٱبن عباس: الويل المشقة من العذاب. وقال الخليل: الويل شدّة الشر. الأصمعي: الويلُ تفجُّعٌ، والوَيْحُ ترحُّمٌ. سيبويه: وَيْلٌ لمن وقع في الهَلَكة، ووَيْحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهَلَكة. ٱبن عرفة: الويل الحزن؛ يقال: تَوَيّل الرجل اذا دعا بالويل؛ وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه؛ ومنه قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}. وقيل: أصله الهَلَكة، وكل من وقع في هَلَكة دعا بالويل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الكهف: 49]. وهي الوَيْل والوَيْلة، وهما الهَلَكة، والجمع الويلات؛ قال:شعر : له الوَيْل إن أمْسَى ولا أمّ هاشم تفسير : وقال أيضاً:شعر : فقالت لك الوَيْلات إنك مُرْجلِي تفسير : وٱرتفع «وَيْلٌ» بالابتداء، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء. قال الأخفش: ويجوز النصب على إضمار فعل؛ أي ألزمهم الله وَيْلاً. وقال الفَرّاء: الأصل في الويل «وَيْ» أي حُزْن؛ كما تقول: وَيْ لفلان؛ أي حُزْن له، فوصلته العرب باللام وقدّروها منه فأعربوها. والأحسن فيه إذا فُصل عن الإضافة الرفع؛ لأنه يقتضي الوقوع. ويصحّ النصب على معنى الدعاء؛ كما ذكرنا. قال الخليل: ولم يُسمع على بنائه إلا وَيْح ووَيْس وَويْه ووَيْك ووَيْل ووَيْب؛ وكله يتقارب في المعنى. وقد فرّق بينها قوم؛ وهي مصادر لم تنطق العرب منها بفعل. قال الجَرْمِيّ: ومما ينتصب ٱنتصاب المصادر وَيْلَه وعَوْلَه ووَيْحه ووَيْسَه؛ فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت: وَيْلٌ له، ووَيْح له. الثانية: قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ} الكتابة معروفة. وأوّل من كتب بالقلم وخطّ به إدريس عليه السلام؛ وجاء ذلك في حديث أبي ذَرّ، خرّجه الآجُرّي وغيره. وقد قيل: إن آدم عليه السلام أعطي الخط فصار وراثة في ولده. الثالثة: قوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ} تأكيد، فإنه قد عُلم أن الكَتْب لا يكون إلا باليد؛ فهو مثل قوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38]، وقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} تفسير : [آل عمران: 167]. وقيل: فائدة {بِأَيْدِيهِمْ} بيان لجُرْمهم وإثبات لمجاهرتهم، فإن مَن تولّى الفعل أشدّ مواقعة ممن لم يتوَلّه وإن كان رأياً له. وقال ٱبن السّراج: {بِأَيْدِيهِمْ} كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة في كَتْبِ أيديهم. الرابعة: في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل من بدّل وغيّر أو ٱبتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم؛ وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال: «حديث : ألاَ إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب ٱفترقوا على ٱثنتين وسبعين مِلّة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»تفسير : الحديث، وسيأتي. فحذّرهم أن يُحدِثوا من تلقاء أنفسهم في الدِّين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيُضِلّوا به الناس؛ وقد وقع ما حذّره وشاع، وكثر وذاع؛ فإنا لله وإنّا إليه راجعون. الخامسة: قوله تعالى: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقِلة؛ إمّا لفنائه وعدم ثباته، وإمّا لكونه حراماً؛ لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله. قال ٱبن إسحٰق والكلبي: كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم رَبْعة أسمر؛ فجعلوه آدم سَبْطاً طويلاً، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يُبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا. وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب؛ فخافوا إن بيّنُوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم؛ فمِن ثَمّ غيّروا. ثم قال تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} قيل من المآكل. وقيل من المعاصي. وكرَّر الويل تغليظاً لفعلهم.
البيضاوي
تفسير : {فَوَيْلٌ} أي تحسر وهلك. ومن قال إنه واد أو جبل في جهنم فمعناه: أن فيها موضعاً يتبوأ فيه من جعل له الويل، ولعله سماه بذلك مجازاً. وهو في الأصل مصدر لا فعل له وإنما ساغ الابتداء به نكرة لأنه دعاء. {لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } يعني المحرفين، ولعله أراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة. {بِأَيْدِيهِمْ } تأكيد كقولك: كتبته بيميني {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } كي يحصلوا به عرضاً من أعراض الدنيا، فإنه وإن جعل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العقاب الدائم. {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني المحرف. {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } يريد به الرشى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَوَيْلٌ } شدّة عذاب {لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ } أي مُخْتَلقاً من عندهم {ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } من الدنيا وهم اليهود غيَّروا صفة النبي في التوراة وآية الرجم وغيرهما وكتبوها على خلاف ما أَنزل {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } من المختلق {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } من الرشا جمع رشوة.
ابن عطية
تفسير : {الذين} في هذه الآية يراد بهم الأحبار والرؤساء، قال الخليل: الويل شدة الشر، وقال الأصمعي: الويل القبوح وهو مصدر لا فعل له، ويجمع على ويلات، والأحسن فيه إذا انفصل الرفع، لأنه يقتضي الوقوع، ويصح النصب على معنى الدعاء أي ألزمه الله ويلاً، وويل وويح وويس وويب تتقارب في المعنى، وقد فرق بينها قوم، وروى سفيان وعطاء بن يسار أن الويل في هذه الآية: واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وادٍ في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفاً، وقال أبو عياض: إنه صهريج في جهنم، وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من جبال النار. وحكى الزهراوي عن آخرين أنه باب من أبواب جهنم، و {الذين يكتبون}: هم الأحبار الذين بدلوا التوراة. وقوله تعالى: {بأيديهم} بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من كتب وبين من أمر، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأياً له، وقال ابن السراج: هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم، والذي بدلوا هو صفة النبي صلى الله عليه وسلم ليستديموا رياستهم ومكاسبهم، وقال ابن إسحاق: كانت صفته في التوراة أسمر ربعة، فردوه آدم طويلاً، وذكر السدي أنهم كانوا يكتبون كتباً يبدلون فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم ويبيعونها من الأعراب ويبثونها في أتباعهم ويقولون هي من عند الله، وتناسق هذه الآية على التي قبلها يعطي أن هذا الكتب والتبديل إنما هو للأتباع الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قرىء لهم. والثمن قيل عرض الدنيا، وقيل الرشا والمآكل التي كانت لهم، ووصفه بالقلة إما لفنائه وإما لكونه حراماً، وكرر الويل لتكرار الحالات التي استحقوه بها، {يكسبون} معناه من المعاصي والخطايا، وقيل من المال الذي تضمنه ذكر الثمن. وقوله تعالى: {وقالوا لن تمسَّنا النارُ} الآية، روى ابن زيد وغيره أن سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود من أهل النار؟ فقالوا: نحن ثم تخلفوننا أنتم، فقال لهم: كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم، فنزلت هذه الآية، ويقال إن السبب أن اليهود قالت: إن الله تعالى أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل، قاله ابن عباس وقتادة، وقالت طائفة: قالت اليهود إن في التوراة أن طول جهنم مسيرة أربعين سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وابن جريج: إنهم قالوا إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإن الله تعالى يعذبهم بكل ألف سنة يوماً. و {اتخذتمْ} أصله "ايتخذتم"، وزنه افتعلتم من الأخذ، سهلت الهمزة الثانية لامتناع جمع همزتين فجاء "ايتخذتم" فاضطربت الياء في التصريف فجاءت ألفاً في ياتخذوا وواواً في "موتخذ" فبدلت بحرف جلد ثابت وهو التاء وأدغمت، فلما دخلت في هذه الآية ألف التقرير استغني عن ألف الوصل، ومذهب أبي علي أن {اتخذتم} من "تخذ" لا من "أخذ" وقد تقدم ذكر ذلك. وقال أهل التفسير: العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، وقال ابن عباس وغيره: معناه هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار؟، فعلى هذا التأويل الأول يجيء المعنى: هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون؟ وعلى التأويل الثاني يجيء: هل أسلفتم عند الله أعمالاً توجب ما تدعون؟، وقوله {فلن يخلف الله عهده} اعتراض أثناء الكلام. و {بلى} رد بعد النفي بمنزلة نعم بعد الإيجاب، وقال الكوفيون: أصلها بل التي هل للإضراب عن الأول وزيدت عليها الياء ليحسن الوقف عليها وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام بما يأتي بعدها، وقال سيبويه: هي حرف مثل بل وغيره، وهي في هذه الآية رد لقول بني إسرائيل {لن تمسنا النار} فرد الله عليهم وبين الخلود في النار والجنة بحسب الكفر والإيمان، و {من} شرط في موضع رفع بالابتداء، و "أولئك" ابتداء ثان، و {أصحاب} خبره، والجملة خبر الأول، والفاء موطئة أن تكون الجملة جواب الشرط. وقالت طائفة: السيئة الشرك كقوله تعالى {أية : ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} تفسير : [النمل: 90]، والخطيئات كبائر الذنوب، وقال قوم: "خطيئته" بالإفراد، وقال قوم: السيئةُ هنا الكبائر، وأفردها وهي بمعنى الجمع لما كانت تدل على الجنس، كقوله تعالى {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34]، والخطيئة الكفر، ولفظة الإحاطة تقوي هذا القول وهي مأخوذة من الحائط المحدق بالشيء، وقال الربيع بن خيثم والأعمش والسدي وغيرهم: معنى الآية مات بذنوب لم يتب منها، وقال الربيع أيضاً: المعنى مات على كفره، وقال الحسن بن أبي الحسن والسدي: المعنى كل ما توعد الله عليه بالنار فهي الخطيئة المحيطة، والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك بالخلد. وقوله تعالى: {والذين آمنوا} الآية. يدل هذا التقسيم على أن قوله {من كسب سيئة} الآية في الكفار لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضاً قوله: {أحاطت} لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته، ويدل على ذلك أيضاً أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة فهم المراد بالخلود، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَوَيْلٌ} عذاب، أو تقبيح، أو حزن، أو وادٍ في النار، أو جبل فيها, أو وادٍ من صديد في أصلها. {يَكْتُبُونَ} يغيرون ما في التوراة من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم {بِأَيْدِيهِمْ} تحقيق للإضافة إليهم، أو من تلقاء أنفسهم. {ثَمَناً قَلِيلاً} حراماً، أو {أية : مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77].
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ...} الفاء للاستئناف أو للسبب. ابن عطية: قال الخليل: الويل شدة الشر. وقال الأصمعي: الويل (القبائح) وهو مصدر (لا فعل له) ينصب على الدعاء. واستبعده ابن عرفة أن يراد به القبائح قال: إنما يفهم منه العقوبة المترتبة على القبائح قال: وويل وويح (وويس وريب) (متقاربة) وقد فرق بينها قوم. قلت: قال: القاضي عياض في الإكمال في كتاب الإيمان في حديث خرّجه مسلم من رواية واقد بن محمد أنه سمع أباه يحدث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: حديث : ويحكم، أو قال: وَيْلَكم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . تفسير : قال القاضي عياض: ويح، وويل للتّعجب والتوجّع كما قال سيبويه ويل (لمن) (وقع) في مهلكة، وويح يترحم بمعناها، وحكى عنه ويح لمن أشرف على (المهلكة). قال غيره: ولا يراد بها الدعاء بإيقاع الهلاك ولكن الترحم. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ويح ترحم. قال الهروي: ويح لمن وقع في مهلكة لا يستحقها/ (فيرثى) له ويترحم عليه، وويل للذي يستحقها ولا يترحم عليه. وقال الأصمعي: ويح ترحم، وابن عباس: الويل المشقة. قال ابن عرفة: هو الحزن (وقيل الهلاك). قلت: وقال القاضي في حديث (ويحك يَا أَنجشة) (رويدك بالقوارير). قال سيبويه: هي لمن وقع في مهلكة (لا يستحقها) فيرثى له ويترحم عليه، وويل بضده، وويس تصغير أي (دونها ذكره في كتاب الفضائل). قوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ...}. ("ثم") لبعد ما بين منزلة الكتب والقول. قيل لابن عرفة: (الكتاب) لا شيء فيه، إنما العقوبة على نسبته إلى الله. فقال: لا بل على الأمرين كمن يكتب (عقودا) يضرب فيها على الخطوط والشهادات (ويخليها) عنده، فإنه قد ارتكب محظورا فإن أظهرها ونسبها إلى تلك الشهود وطلب بها فهو قد فعل محظورا (آخر). قيل لابن عرفة: نص ابن التلمساني في آخر باب النسخ على أنهم أجمعوا على تكفير من كَّذب الله، واختلفوا في تكفير من كذَب على الله. فقال ابن عرفة: هذا مشكل فمن يفتي بالخطأ كاذبا على الله يلزم أن يكون كافرا وليس كذلك. قوله تعالى: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً...}. قال ابن عرفة: إما أن يراد (يبيعونه) بشئ تافه، أو بلا شيء كقول سيبويه: مررت بأرض فلمّا تنبت (البقلا) أي لا تنبت شيئا ونحوه. قال الزمخشري في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} تفسير : وَفِي قَوْلِهِ في النساء: {أية : فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : وأنشد: شعر : (قليل التشكي للمهمّ يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك) تفسير : وأنكره أبو حيان وذكره أيضا الزمخشري في سورة النّمل في قول الله عز وجل: {أية : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النمل: 62]. تفسير : قال: المعنى نفي التذكير. والقلة تستعمل في معنى النفي. قال ابن عرفة: معنى كتبهم: إما أنهم يكتبون زيادات يدلّون فيها (صفات) النّبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ممّا يقصدون تبديله لغرض ما ويعطون ذلك لعوام ويقولون لهم: إنّه منقول من التوراة، وإما أنهم يخبرونهم بذلك بالقول: إنه (من) التوراة دون (كتب)، وأما (تبديلهم) ذلك في نفس التوراة فلا، (وقد قال ابن فورك: إنّ صفاته صلى الله عليه وسلم الآن موجودة في التوراة). وقال المازري في الأحوذي له عن (الجوزقي) إن اسمه فيها بالعبرانية "وار كليط" وما زالت تقع في (الكتبيين للبيع). والفرق بينهما أن القرآن أخبرنا اللهُ تعالى فيه أنّه تكفل بحفظه والتوراة أمر أهلها بحفظها ونحن لا نثق بهم في قولهم: إنّهم حفظوها، فلعلهم عصوا ذلك، لأمر ولم يمتثلوه.. وبرهان هذا واضح بالبحث عن القرآن في الأقطار كلها المحصل للعلم والتواتر. قيل لابن عرفة: قال بعضهم: الدليل على أنّ التوراة لم تزل في نفسها على ما كانت عليه غير مبدلة أنها في الأقطار كلها متساوية الجرم على نوع واحد ولو بدلوها لاختلفت في الأقطار؟ قالوا: وهي لا تقع إلا في خمسة أسفار (وصفات) النبي صلى الله عليه وسلّم في الخامس منها. قال ابن عطية: قال ابن إسحاق: كانت صفته في التوراة أسمر اللون ربعة، فردوه آدم طويلا. قال ابن عرفة: نصوا على أنّه لا يُقَالُ فيه عليه الصلاة والسلام: أسمر لأنه نقص. قيل له: ذكروا في صفاته عليه الصلاة والسلام أنه أبيض بياضا مشوبا بحمرة. وهذا أحد ما تصدق عليه السمرة. فقال: لفظ (أسمر) موهم لإطلاقه على القريب من الأسود. قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ}. أي من كل خطيئة يكسبونها بالإطلاق كتبا أو غيره، فهو من عطف العام على الخاص.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}. قال الخليلُ: «الوَيْلُ»: شِدَّةُ الشر، وهو مصدر، لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل: الرفْعُ؛ لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي: ألزمه اللَّه وَيْلاً، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم. وروَىٰ سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ؛ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار. وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم «حديث : أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفاً » تفسير : وروى عثمانُ بن عفَّانَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم «حديث : أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار» تفسير : ، والذين يكْتُبُونَ: هم الأَحْبَارُ والرؤساءُ. و {بِأَيْدِيهِمْ } قال ابن السَّرَّاج: هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدَّلوه هو صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ليستديمُوا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ؛ أنهم كانوا يكتبون كتباً يبدِّلون فيها صفةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عند اللَّه، والثَّمَنُ: قيل: عَرَضُ الدنيا، وقيل: الرُّشَا والمآكلُ التي كانتْ لهم، و {يَكْسِبُونَ } معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن. وقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً...}: روى ابن زَيْد وغيره؛ أنَّ سببها "حديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْيَهُودِ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟» فَقَالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَا أَنْتُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: «كَذَبْتُمْ؛ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ»"تفسير : فنزلَتْ هذه الآية. قال أهل التفسير: العهد في هذه الآية: الميثاقُ والموعد، و «بَلَىٰ» رد بعد النفْيِ بمنزلة «نَعَمْ» بعد الإِيجاب، وقالت طائفة: السيئة هنا الشرك؛ كقوله تعالَىٰ: {أية : وَمَنْ جَاءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ } تفسير : [النمل:90] والخَطِيئاتُ: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، والسُّدِّيُّ: كل ما توعد اللَّه عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطَةُ، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار؛ بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه. قال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ: أجمعتِ الأمَّة علَىٰ تخليد مَنْ مات كافراً، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسُول صلى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن بــ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } تفسير : [النساء:116] لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، ٱجْتَنَبَ كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي؛ ٱتكالاً علَىٰ ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار. انتهى. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ...} الآية: يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً } الآية في الكفار، لا في العصاة؛ ويدل على ذلك أيضاً قوله: {وَأَحَـٰطَتْ }؛ لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته؛ ويدل على ذلك أيضاً أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أياماً معدودةً، فهم المراد بالخلود، واللَّه أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج وكيع وابن المنذر والنسائي عن ابن عباس في قوله {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} قال: نزلت في أهل الكتاب. وأخرج أحمد وهناد بن السري بن الزهد وعبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : في قوله {فويل لهم مما كتبت أيديهم} قال: الويل جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود لأنهم حرفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما كانوا يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة ". تفسير : وأخرج البزار وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في النار حجراً يقال لها ويل يصعد عليه العرفاء وينزلون فيه ". تفسير : وأخرج الحربي في فوائده عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ويحك يا عائشة...! فجزعت منها. فقال لي: يا حميراء إن ويحك أو ويك رحمة فلا تجزعي منها، ولكن اجزعي من الويل ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوّة عن علي بن أبي طالب قال: الويح والويل بابان. فأما الويح فباب رحمة، وأما الويل فباب عذاب. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: ويل وادٍ في جهنم يسيل من صديد أهل النار. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير قال: الويل واد من فيح في جهنم. وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عطاء بن يسار قال: ويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت من شدة حره. وأخرج هناد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ويل سيل من صديد في أصل جهنم وفي لفظ ويل واد في جهنم يسيل فيه صديده. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى عفرة قال: إذا سمعت الله يقول: ويل هي النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فويل للذين يكتبون الكتاب...} الآية. قال: هم أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة أكحل أعين ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فلما وجدوه في التوراة محوه حسداً وبغياً، فأتاهم نفر من قريش فقالوا: تجدون في التوراة نبياً أمياً؟ فقالوا: نعم، نجده طويلاً أزرق سبط الشعر، فانكرت قريش وقالوا: ليس هذا منا. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: وصف الله محمداً صلى الله عليه وسلم في التوراة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حسده أحبار اليهود فغيَّروا صفته في كتابهم، وقالوا: لا نجد نعته عندنا، وقالوا للسفلة: ليس هذا نعت النبي الذي يحرم كذا وكذا كما كتبوه، وغيَّروا نعت هذا كذا كما وصف فلبسوا على الناس، وإنما فعلوا ذلك لأن الأحبار كانت لهم مأكلة يطعمهم إياها السفلة لقيامهم على التوراة، فخافوا أن تؤمن السفلة فتنقطع تلك المأكلة. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه أحدث أخباراً لله تعرفونه غضاً محضاً لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلهم، ولا والله ما رأينا منهم أحداً قط سألكم عن الذي أنزل إليكم؟. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال كان ناس من اليهود يكتبون كتاباً من عندهم، ويبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، فيأخذون ثمناً قليلاً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتاباً بأيديهم ليتأكلوا الناس، فقالوا: هذه من عند الله وما هي من عند الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ليشتروا به ثمناً قليلاً} قال: عرضاً من عرض الدنيا {فويل لهم مما يكسبون} يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي. أنه كره كتابة المصاحف بالأجر، وتلا هذه الآية {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم...} الآية. وأخرج وكيع عن الأعمش. أنه كره أن يكتب المصاحف بالأجر، وتأوّل هذه الآية {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} . وأخرج وكيع وابن أبي داود عن محمد بن سيرين أنه كان يكره شراء المصاحف وبيعها. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن أبي الضحى قال: سألت ثلاثة من أهل الكوفة عن شراء المصاحف. عبد الله بن يزيد الخطمي، ومسروق بن الأجدع، وشريحاً، فكلهم قال: لا نأخذ لكتاب الله ثمناً. وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن زرارة عن مطرف قال: شهدت فتح تستر مع الأشعري، فأصبنا دانيال بالسوس، وأصبنا معه ربطتين من كتان، وأصبنا معه ربعة فيها كتاب الله، وكان أول من وقع عليه رجل من بلعنبر يقال له حرقوص، فأعطاه الأشعري الربطتين وأعطاه مائتي درهم، وكان معنا أجير نصراني يسمى نعيماً فقال: بيعوني هذه الربعة بما فيها، فقالوا: إن يكن فيها ذهب أو فضة أو كتاب الله؟ قال: فإن الذي فيها كتاب الله، فكرهوا أن يبيعوه الكتاب فبعناه الربعة بدرهمين ووهبنا له الكتاب. قال قتادة: فمن ثم كره بيع المصاحف لأن الأشعري وأصحابه كرهوا بيع ذلك الكتاب. وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كرها بيع المصاحف. وأخرج ابن أبي داود عن حماد بن أبي سليمان أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: كان إبراهيم يكره بيعها وشراءها. وأخرج ابن أبي داود عن سالم قال: كان ابن عمر إذا أتى على الذي يبيع المصاحف قال: بئس التجارة. وأخرج ابن أبي داود عن عبادة بن نسي. أن عمر كان يقول: لا تبيعوا المصاحف ولا تشتروها. وأخرج ابن أبي داود عن ابن سيرين وإبراهيم. أن عمر كان يكره بيع المصاحف وشراءها. وأخرج ابن أبي داود عن ابن مسعود: أنه كره بيع المصاحف وشراءها. وأخرج ابن أبي داود من طريق نافع عن ابن عمر قال: وددت أن الأيدي تقطع على بيع المصاحف. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود من طريق سعيد بن جبير قال: وددت أن الأيدي قطعت على بيع المصاحف وشرائها. وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: بئس التجارة المصاحف. وأخرج ابن أبي داود عن جابر بن عبد الله: أنه كره بيع المصاحف وشراءها. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود عن عبد الله بن شقيق العقيلي: أنه كان يكره بيع المصاحف قال: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشددون في بيع المصاحف ويرونه عظيماً. وأخرج ابن أبي داود عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أنه كره بيع المصاحف كراهية شديدة، وكان يقول: أعن أخاك بالكتاب أو هب له. وأخرج ابن أبي داود عن علي بن حسين قال: كانت المصاحف لا تباع، وكان الرجل يأتي بورقة عند المنبر فيقول من الرجل يحتسب فيكتب لي؟ ثم يأتي الآخر فيكتب حتى يتم المصحف. وأخرج ابن أبي داود عن مسروق وعلقمة وعبد الله بن يزيد الأنصاري وشريح وعبادة. أنهم كرهوا بيع المصاحف وشراءها، وقالوا: لا نأخذ لكتاب الله ثمناً. وأخرج ابن أبي داود عن إبراهيم عن أصحابه قال: كانوا يكرهون بيع المصاحف وشراءها. وأخرج ابن أبي داود عن أبي العالية. أنه كان يكره بيع المصاحف، وقال: وددت أن الذين يبيعون المصاحف ضربوا. وأخرج ابن أبي داود عن ابن سيرين قال: كانوا يكرهون بيع المصاحف وكتابتها بالأجر. وأخرج ابن أبي داود عن ابن جريج قال: قال عطاء: لم يكن من مضى يبيعون المصاحف إنما حدث ذلك الآن، وإنما يجلسون بمصاحفهم في الحجر فيقول أحدهم للرجل إذا كان كاتباً وهو يطوف: يا فلان إذا فرغت تعال فاكتب لي. قال: فيكتب المصحف وما كان من ذلك حتى يفرغ من مصحفه. وأخرج ابن أبي داود عن عمرو بن مرة قال: كان في أوّل الزمان يجتمعون فيكتبون المصاحف، ثم أنهم استأجروا العباد فكتبوها لهم، ثم أن العباد بعد أن كتبوها باعوها، وأوّل من باعها هم العباد. وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن عمران بن جرير قال: سألت أبا مجلز عن بيع المصاحف قال: إنما بيعت في زمن معاوية فلا تبعها. وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: كتاب الله أعز من أن يباع. وأخرج ابن سعيد عن حنظلة قال: كنت أمشي مع طاوس فمر بقوم يبيعون المصاحف فاسترجع. ذكر من رخص في بيعها وشرائها أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: لا بأس، إنما يأخذون أجور أيديهم. وأخرج ابن أبي داود عن ابن الحنفية أنه سئل عن بيع المصاحف قال: لا بأس، إنما يبيع الورق. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن الشعبي قال: لا بأس ببيع المصاحف، إنهم لا يبيعون كتاب الله إنما يبيعون الورق وعمل أيديهم. وأخرج ابن أبي داود عن جعفر عن أبيه قال: لا بأس بشراء المصاحف وأن يعطى الأجر على كتابتها. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن مطر الوراق. أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: كان خيرا أو حبرا هذه الأمة لا يريان ببيعها بأساً، الحسن والشعبي. وأخرج ابن أبي داود عن حميد. أن الحسن كان يكره بيع المصاحف، فلم يزل به مطر الوراق حتى رخص فيه. وأخرج ابن أبي داود من طرق عن الحسن قال: لا بأس ببيع المصاحف وشرائها ونقطها بالآجر. وأخرج ابن أبي داود عن الحكم: أنه كان لا يرى بأساً بشراء المصاحف وبيعها. وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن أبي شهاب موسى بن نافع قال: قال لي سعيد بن جبير: هل لك في مصحف عندي قد كفيتك عرضه فتشتريه؟ وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود من طرق عن ابن عباس قال: اشتر المصاحف ولا تبعها. وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس قال: رخص في شراء المصاحف وكره في بيعها. قال ابن أبي داود: كذا قال رخص كأنه صار مسنداً. وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن جابر بن عبد الله في بيع المصاحف قال: ابتعها ولا تبعها. وأخرج ابن أبي داود عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. مثله. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر. مثله.
ابو السعود
تفسير : {فَوَيْلٌ} هو وأمثالُه من ويحٍ وويسٍ وويبٍ وويهٍ وويكٍ وعوْلٍ من المصادر المنصوبة بأفعال من غير لفظها لا يجوز إظهارُها البتة فإن أضيف نُصب نحو ويلَك وويحَك وإذا فُصل عن الإضافة رُفع نحوُ ويلٌ له ومعنى الويلِ شدةُ الشر، قاله الخليل، وقال الأصمعيُّ: الويلُ التفجُّع والويحُ الترحُّم، وقال سيبويه: ويلٌ: لمن وقع في الهَلَكة وويحٌ: زجرٌ لمن أشرف على الهلاك، وقيل: الويلُ الحزن، وهل ويح وويب وويس بذلك المعنى أو بـينه وبـينها فرق وقيل: ويل في الدعاء عليه وويح وما بعده في الترحم عليه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الويلُ العذاب الأليم وعن سفيان الثوري أنه صديدُ أهلِ جهنم ورَوى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الويلُ وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافرُ أربعين خريفاً قبل أن يبلُغ قَعْرَه» تفسير : وقال سعيد بن المسيب: إنه وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حرِّه، وقال ابن بريدة: جبلُ قيحٍ ودمٍ وقيل: صهريج في جهنم. وحكىٰ الزهراوي: أنه باب من أبواب جهنم وعلى كل حالٍ فهو مبتدأً خبرُه قوله عز وعلا: {لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي المحرَّفَ أو ما كتبوه من التأويلات الزائغة {بِأَيْدِيهِمْ} تأكيدٌ لدفع توهمِ المجاز كقولك: كتبتُه بـيميني {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا} أي جميعاً على الأول، وبخصوصه على الثاني {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} رُوي أن أحبارَ اليهود خافوا ذهابَ مآكلِهم وزوالَ رياستهم حين قدِم النبـي صلى الله عليه وسلم المدينةَ فاحتالوا في تعويق أسافلِ اليهودِ عن الإيمان فعمَدوا إلى صفة النبـي صلى الله عليه وسلم في التوراة وكانت هي فيها: حسنُ الوجهِ حسَنُ الشعرِ أكحلُ العينين رَبْعةٌ، فغيّروها وكتبوا مكانها: طوُالٌ أزرقُ سِبَطُ الشعر. فإذا سألَهم سَفَلتُهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفاً لصفته عليه السلام فيكذِّبونه، و(ثم) للتراخي الرتبـيّ فإن نسبةَ المحرَّفِ والتأويل الزائغِ إلى الله سبحانه صريحاً أشدُّ شناعةً من نفس التحريفِ والتأويلِ {لِيَشْتَرُواْ بِهِ} أي يأخذوا لأنفسهم بمقابلته {ثَمَناً} هو ما أخذوه من الرُّشا بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل، وإنما عُبر عن المشترىٰ الذي هو المقصودُ بالذات في عقد المعاوضة بالثمن الذي هو وسيلةٌ فيه إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلةً والوسيلةَ مقصوداً بالذات {قَلِيلاً} لا يُعبأ به فإن ذلك وإن جل في نفسه فهو أقلُّ قليلاً عندما استوجبوا به من العذاب الخالد {فَوَيْلٌ لَّهُمْ} تكريرٌ لما سبق للتأكيد وتصريحٌ بتعليله بما قدمت أيديهم بعد الإشعار به فيما سلف بإيراد بعضِه في حيِّز الصلةِ وبعضِه في معرِضِ الغرض، والفاءُ للإيذان بترتُّبه عليه. و(مِنْ) في قوله عز وجل: {مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} تعليليةٌ متعلقةٌ بويل، أو بالاستقرار في الخبر و(ما) موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوف أي كتَبَتْه أو مصدرية والأول أدخَلُ في الزجر عن تعاطي المحرَّفِ والثاني في الزجر عن التحريف {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} الكلام فيه كالذي فيما قبله، والتكريرُ لما مر من التأكيد والتشديد، والقصدُ إلى التعليل بكل من الجانبـين وعدم التعرض لقولهم هذا من عند الله لما أنه من مبادىء ترويجِ ما كتبت أيديهم فهو داخل في التعليل به.
اسماعيل حقي
تفسير : {فويل} كلمة يقولها كل واقع فى هلكة بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب اى عقوبة عظيمة وهو مبتدأ خبره ما بعده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الويل واد فى جهنم يهوى فيه الكافر اربعين خريفا قبل ان يبلغ قعره ". تفسير : وقال سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه انه واد فى جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره اى ذابت {للذين يكتبون الكتاب} المحرف {بايديهم} تأكيد لدفع توهم المجاز فقد يقول انسان كتبت الى فلان اذا امر غيره ان يكتب عنه اليه {ثم يقولون} لعوامهم {هذا} اى المحرف {من عند الله} فى التوراة روى ان احبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبى عليه السلام المدينة فاحتالوا فى تعويق اسافل اليهود عن الايمان فعمدوا الى صفة النبى عليه السلام فى التوراة وكانت هى فيها حسن الوجه جعد الشعر اكحل العين ربعة اى متوسط القامة فغيروها وكتبوا مكانه طوال ازرق سبط الشعر وهو خلاف الجعد فاذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته عليه السلام فيكذبونه {ليشتروا به} اى يأخذوا لانفسهم بمقابلة المحرف {ثمنا} هو ما اخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل الزائغ وانما عبر عن المشترى الذى هو المقصود بالذات فى عقد المعاوضة بالثمن الذى هو وسيلة فيه ايذانا بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة مقصودة بالذات {قليلا} لا يعبأ به انما وصفه بالقلة اما لفنائه وعدم ثوابه واما لكونه حراما لان الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله كذا فى تفسير القرطبى {فويل لهم} اى العقوبة العظيمة ثابتة لهم {مما كتب ايديهم} من اجل كتابتهم اياه {وويل لهم مما يكسبون} من اخذهم الرشوة وعملهم المعاصى واصل الكسب الفعل لجر نفع او دفع ضر ولهذا لا يوصف به سبحانه. وفى الآيات اشارات: الاولى ان علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله لا يفيده الايمان الحقيقى الا ان يتداركه الله بفضله ورحمته قال الله تعالى {أية : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا} تفسير : [النور: 21]. وان الله تعالى كلم ابليس وخاطبه بقوله {أية : يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى} تفسير : [ص: 75]. وما افاده الايمان الحقيقيى اذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته ولم يبق على الايمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان: قال فى المثنوى شعر : جز عنايت كه كشايد جشم را جز محبت كه تشاند خشم را جهدبى توفيق خود كس را مباد درجهان والله اعلم بالسداد جهد فرعونى جوبى توفيق بود هرجه او مىدوخت آن تفتيق بود تفسير : والثانية ان العالم المعاند والعامى المقلد سواء فى الضلال لان العالم عليه ان يعمل بعلمه وعلى العامى ان لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم وان الدين ليس بالتمنى فالذين ركنوا الى التقليد المحض واغتروا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم الا قراءتها دون معرفة معانيها وادراك اسرارها وحقائقها وهذا حال اكثر اهل زماننا من مدعى الاسلام فالمدعى والمتمنى عاقبتهما خسران وضلال وحسرة وندامة ووبال: وفى المثنوى شعر : تشنه را كر ذوق آيد از سراب جون رسد دروى كريزد جويد آب مفلسان كرخوش شوند اززرقلب ليك ان رسوا شود دردار ضرب تفسير : والثالثة ان من بدل أو غير أو ابتدع فى دين الله ما ليس منه فهو داخل فى الوعيد المذكور وقد حذر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم امته لما علم ما يكون فى آخر الزمان فقال "حديث : ألا ان من قبلكم من اهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وان هذه الامة ستفترق على ثلاث وسبعين كلها فى النار الا واحدة ". تفسير : فحذرهم ان يحدثوا من تلقاء انفسهم فى الدين خلاف كتاب الله او سنته او سنة اصحابه فيضلوا به الناس وقد وقع ما حذره وشاع وكثر وذاع فانا لله وانا اليه راجعون: قال السعدى شعر : نخواهى كه نفرين كنندازبست نكوباش تابد نكويد كست ته هر آدمى زاده ازددبهست كه ددز آدمى زاده بدبهست تفسير : والرابعة ان بعض المتسمين بالصوفية ينضم الى الاولياء وارباب القلوب ظاهرا ثم لا يصدق الارادة ويميل الى اهل الغفلة ويصغى الى اقوالهم ويشتهى ارتكاب افعالهم وكلما دعته هواتف الحظوظ سارع الى الاجابة طوعا واذا قادته دواعى الحق تكلف كرها ليس له اخلاص فى الصحبة فى طريق الحق فويل لهم مما كتب ايديهم وويل لهم مما يكسبون من الالحاد عن الحق واعتقاد السوء واغراء الخلق واضلالهم فهم الذين ضلوا واضلوا كثيرا: وفى المثنوى شعر : صدهزاران دام ودانه است اى خدا ماجو مرغان حريض بى نوا دمبدم ما بتسهء دام نويم هريكى كرباز وسميرغى شويم تفسير : فعلى السالك ان يجتهد فى الوصول الى الموجود الحق ويتخلص من الموهوم المطلق ولا يغتر بظواهر الحالات غافلا عن بطون الاعتبارات فان طريق الحق ادق من كل دقيق وماء عميق وفج سحيق واجهل الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التى لا شك فيها الظن ما عند الناس من صلاحية حاله قال حارث بن اسد المحاسبى رضى الله عنه الراضى بالمدح بالباطل كمن يهزؤ به ويقال ان العذرة التى تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك وهو يفرح ويرضى بالسخرية به فالعاقل لا يغتر بمثله بل يجتهد الى ان يصل الى الحقيقة فويل لواعظ تكبر وافتخر بتقبيل الناس يده ورأى نفسه خيرا من السامعين ويتقيد بالمدح والذم اللهم الا ان يخرج ذلك من قلبه والمعيار مساواة المقبل واللاطم عنده بل رجحان اللاطم والضارب. قال فى مجلس وعظه جنيد البغدادى لو لم اسمع قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". تفسير : لما اجترات على الوعظ فانا ذلك الرجل الفاجر.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ويل}: كلمة يستعملها كل واقع في هلكة، وأصلها العذاب والهلكة، وهو في الأصل مصدر لا فعل له، وسوغ الابتداء به الدعاء، وقال أبو سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : الويلُ وادٍ في جَهنَّم" تفسير : [لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} تحريفاً لكتاب الله، {وَيقُولُونَ هَذَا مِنْ عند الله} خوفاً من أن تزول رئاستهم، وينقطع عنهم ما كانوا يأخذونه من سفلتهم، نزلت في أحبار اليهود لما قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، خافوا أن تزول رئاستهم، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإسلام، وكانت صفة النبي صلى الله عليه وسلم "حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، ربعة"، فغيروها، وكتبوا: طوالاً، أزرق، سبط الشعر، {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ}، ويأخذون من سفلتهم، فهو وإن كان كثيراً في الحسن فهو، بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الأليم، قليل. الإشارة: ينزجر بهذه الآية صنفان: أحدهما: علماء الأحكام، إذا أفتوا بغير المشهور، رغبة فيما يقبضون على الفتوى من الحطام الفاني، وكذلك القضاة إذا حكموا بالهوى، رغبة فيما يقبضون من الرشا، أو يحصلونه من الجاه، {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} الثاني: أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين وغيرهم، فإنهم إذا رأوا أحداً قام بولاية أو نسة خافوا على زوال رئاستهم، فيحتالون على الناس بالتعويق عن الدخول في طريقته، فيكتبون في ذلك سفسطات وترهات، يُنفِّرون الناس عن اتباع الحق،{أية : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}تفسير : [التّوبَة: 32].
الطوسي
تفسير : اللغة والاعراب: قال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة. واصله في اللغة العذاب والهلاك وارتفع بالابتداء، وخبره الذين. ولو كان في غير القرآن، لجاز بالنصب على معنى جعل الله ويلا للذين. والرفع على معنى ثبوت الويل للذين، ومثله الويح والويس اذا كان بعدهن لام رفعتهن. واما التعس والبعد وما اشبههما فهو نصب ابداً. فان اضفت ويل وويح وويس نصب من غير تنوين. تقول ويلَ زيدٍ وويسَ زيد. ولا يحسن في التعس والبعد الاضافة بغير لام فلذلك لم ترفع. وقد نصب قوم مع اللام فيقولون ويلا لزيد، ويحاً لخالد. قال الشاعر: شعر : كسا اللؤم تيماً خضرة في جلودها فويلاً لتيم من سرابيلها الخضر تفسير : المعنى: قال ابن عباس: "الويل" في الآية العذاب. وقال الاصمعي هو التقبيح. ومنه قوله: {ولكم الويل مما تصفون}. وقال المفضل: معناه الحزن. وقال قوم: هو الهوان والخزي، ومنه قول الشاعر: شعر : يا زبرقان اخا بني خلف ما انت ويل ابيك والفخر تفسير : وقال ابو سعيد الخدري: الويل واد في جهنم. وقال عثمان بن عفان: هو جبل في النار. وقوله: {يكتبون الكتاب بأيديهم} معناه انهم يقولون كتبته، ثم يضيفونه إلى الله، كقوله {أية : خلقت بيدي } تفسير : و {أية : عملت أيدينا } تفسير : أي نحن تولينا ذلك ولم نكله إلى احد من عبادنا. ومثله رأيته بعيني وسمعته باذني ولقيته بنفسي. والمعنى في جميع ذلك التأكيد، ولأنه قد يأمر غيره بالكتابة، فتضاف اليه مجازاً. فلذلك يقول الامي كتبت إلى آل فلان بكذا، وهذا كتابي اليك، وكما تقول: حملت إلى بلد كذا. وانما امرت بحمله. فاعلمنا الله تعالى انهم يكتبونه بايديهم، ويقولون هو من عند الله، وقد علموا يقيناً اذا كتبوه بايديهم انه ليس من عند الله. وفي الآية دلالة على ابطال قول المجبرة، لأنه تعالى عابهم بهذا القول، اذ نسبوا ما كتبوه من التحريف إلى انه من عند الله، وجعل عليهم الويل. واذا كان تحريفه من الكتاب ـ ليس من عند الله، من جهة القول والحكم ـ فليس ذلك منه من جهة القضاء والحكم ولا التقدير والمشيئة. وقال ابن السراج: معنى {بأيديهم} أي من تلقاء انفسهم. وقوله {ليشتروا به ثمناً قليلاً}. قال قوم: أي انه عرض الدنيا لأنه قليل المدة، كما قال تعالى: {أية : قل متاع الدنيا قليل } تفسير : ذهب اليه ابو العالية. وقال آخرون: إنه قليل لأنه حرام. وروي عن ابي جعفر (ع)، وذكره ايضاً جماعة من اهل التأويل أن أحبار اليهود كانت غيرت صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) ليوقعوا الشك للمستضعفين من اليهود. وقوله: {ويل لهم مما كانوا يكسبون} يقولون مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم. واصل الكسب العمل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر، وكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل. ومعناه ها هنا الاحتراف فهو كاسب لما عمل. قال لبيد ابن ربيعة: شعر : لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب لا يمنّ طعامها تفسير : وقيل الكسب عبارة عن كل عمل بجارحة يجتلب به نفع، أو يدفع به مضرة ومنه قيل للجوارح من الطير: كواسب.
الجنابذي
تفسير : {فَوَيْلٌ} تفريعٌ على قوله يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه يعنى انّ الّذين يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه يكتبون الكتاب بأيدى أنفسهم اى بأيدٍ منسوبةٍ الى أنفسهم لا الى الله ولا الى أمر الله فويلٌ {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} او تفريع على مجموع سماع كلام الله وتحريفه وعدم ادراك جهةٍ حقّانيّةٍ من الكتاب وانحصار ادراكهم فى الجهة الباطلة يعنى انّ الّذين لا يعلمون من الكتاب الاّ الجهة الموافقة لآمالهم لا يكتبون الكتاب على الصّحائف الجسمانيّة الاّ بأيديهم المسخّرة لانفسهم، او لا يكتبون الكتاب على صحائف أذهانهم الاّ بأيدٍ مسخّرةٍ لأنفسهم الامّارة بالسّوء لا بأيدٍ منسوبةٍ الى الله، او الى أمر الله فويلٌ للّذين يكتبون الكتاب بأيدى أنفسهم من دون مدخليّةٍ لله ولأمر الله فيه {ثُمَّ يَقُولُونَ} افتراءً ظاهراً {هَـٰذَا} المكتوب بأيدينا المسخّرة تحت الانفس المسخّرة للشّيطان {مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} وليس من عند الله بل هو من عند الشّيطان فانّه جرى اوّلاً منه على الأنفس المحكومة له ثمّ منها على الأوهام ثمّ على الألسن او الأيدى فهو من عند الشّيطان وهم يفترون بان يقولوا: هذا من عند الله {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} من الاعراض الدّنيويّة والاعراض الاعتباريّة والاغراض النّفسانيّة من التّبسّط والجاه والتّحبّب وغيرها {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} من الالفاظ والنّقوش الملقاة من الشّيطان على صدورهم فانّها أسباب تمكّن الشّيطان منهم {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} من الثّمن القليل فانّه أشدّ حرمة من كلّ حرامٍ لانّهم توسّلوا بآلات الدّين الى الاغراض النّفسانيّة وجعلوا آلة الدّين شركاً للدّنيا، وصاروا أضرّ على ضعفاء العقول والدّين من جيش يزيد على أصحاب الحسين (ع).
الهواري
تفسير : قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}. قال الكلبي: هم أحبار اليهود وعلماؤهم؛ عمدوا إلى نعت النبي عليه السلام في كتابهم، فزادوا فيه ونقصوا منه، ثم أخرجوه إلى سفلتهم فقالوا: هذا نعت النبي الذي يبعثه الله في آخر الزمان، ليس كنعت هذا الرجل. فلما نظر السفلة إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم يروا فيه النعت الذي في كتابهم الذي كتبت أحبارهم. وكانت للأحبار مأكلة، فقال الله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}. أي: تلك المأكلة: {فَوَيْلٌ لَّهُم} في الآخرة {مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبَونَ}. {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. قال بعض المفسّرين: قالت اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلّة القسم، عدد الأيَّام التي عبدنا فيها العجل، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والشر. قال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ِمَا لاَ تَعْلَمُونَ}. أي: إنكم لم تتخذوا عند الله عهداً وإنكم لتقولون على الله ما لا تعلمون. وقوله: {أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً}، يعني التوحيد وهو مثل قوله: (أية : أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)تفسير : [سورة ن: 39]. وتفسير ذلك في سورة ن. ذكروا عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : خمس صلوات كتبهن الله على عباده، من جاء بهن تامة فإن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة. وإن لم يجىء بهن تامة فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه . تفسير : وتفسير مجاهد: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً} أي: موثقاً بأنه كما تقولون: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. وقال الكلبي: إن اليهود زعمت أنهم يعذَّبون أربعين يوماً عدد أيام العجل الذي عبدوه فيها. فقال الله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ}. قال: فإذا أدخلهم الله النار عذّبهم عدد تلك الأيام لكل يوم سنة، فتلك أربعون سنة، ثم يُقال لهم: يا أعداء الله، هذه الأيام قد مضت والأجل الذي قلتم وبقي الأبد، لا تخرجون منها أبداً؛ فعند ذلك انقطع الرجاء، وأيقنوا بالخلود في النار، وقيل لهم:
اطفيش
تفسير : {فَوَيْلٌ}: قال ابن عباس رضى الله عنهما: الويل شدة العذاب، وأخرج الترمذى عن أبى سعيد الخذري وقال حديث غريب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الويل واد فى جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" تفسير : والخريف عبارة عن العام، لأنه بعض العام، وفى رواية عن أبى سعيد: وادٍ فى جهنم بين جبلين يهوى فيه الهاوى أربعين خريفاً، وكذلك رواه غير الترمذى مرفوعاً إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه واد فى جهنم. ورواه ابن المنذر مرفوعاً عن ابن مسعود، وروى سفيان الثورى وعطا ابن يسار أنهُ واد يجرى بفناء جهنم من صديد أهل النار، وروى عثمان بن عفان عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه جبل من جبال النار، وقول الخليل أنه شدة الشر هو فى معنى قول ابن عباس، ومعنى كونه لهم وهو واد أو جبل أن لهم فيه مكانا يعذبون فيه، وليسوا مختصين به، وأصله مصدر لا فعل له على المشهور، وقيل له فعل هو وال، ومعناه تحسر وهلك، وتقوله العرب لمن وقع فى هلكة، وقال أبو حيان: لم يصح عن العرب فإنما سمى به الوادى أو الجبل المذكور، لأنه سبب وملزوم للهلاك والتحسر، وآلة العذاب، فهو مجاز مرسل، ويجوز إبقاؤه فى الآية على المصدرية وساغ الابتداء به مع أنه نكرة، لأنه جاء على طريقة الدعاء فى كلام العرب، وليس بدعاء حقيقة لأنهُ تعالى مالك كل شئ وقادر على كل شئ. {للَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}: فقط بدون أن تسبقهم كتابة من الله، أو من موسى ونحوه من الصادقين، فكان ما يكتبوه كذباً إذ لم يكن من الله لفظه ومعناه، ولا معناه والكتابة، ولو كانت لا تكون إلا باليد لكن لما أريد بذكر الأيدى التعبير عن أنهم كتبوا من عند أنفسهم لا صدقاً، لم يكن ذكر الأيدى تأكيداً فى المعنى، لقوله: {يكتبون} وأيضاً قد يكون الإنسان كاتباً بغير يده بأن يأمر من يكتب، فاحترز عن هذا بقوله: {بأيديهم} فليس تأكيداً، لأن ما احترز به عن المجاز ليس تأكيداً، ولو كان لو لم يحترز عنه لحمل الكلام على الحقيقة، وكتابه الحرام والأمر بها كلاهما لا يجوز. وأما الكتابة بالطابع فمن الكتابة باليد، لأن رسم حروفها، والمسح عليها بالمداد وتطبيق الورقة عليها باليد. وقال القاضى جار الله: إن قوله بأيديهم تأكيد فى المعنى لقوله: {يكتبون}، مراعاة لكون الكتابة الحقيقة لا تكون إلا باليد وأظنهما غفلا عن كون الأيدى ذكرت عبارة عن كون مكتوبهم كذباً، ثم رأيت أن ابن السراج ذكر أن قوله بأيديهم كناية عن أنهُ من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والحمد لله والكتاب اسم لما يكتب فيه من نحو ورق وجلد، ولا يسمى كتاباً إلا بعد أن يكتب فيه بعض الكتابة، وتسميته كتاباً، قبل ذلك من مجاز الأول، فالآية من هذا المجاز، ويجوز أن يراد الحقيقة بأن سماه كتاباً باعتبار ما يتحصل فيه أولا من ذكر، ثم ذكر لهم الويل لما يكتبونه فيه بعد من تحريف وكذب. {ثُمّ يَقُولُونَ}: كاذبين. {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ}: أى مضمون هذا التكاب من ألفاظ ومعان أو من معان هو من عند الله. {لِيَشْتَرُوا بِهِ}: أى بذلك الكتاب الذى كتبوه. {ثَمَناً قَلِيلاً}: عرضاً من أعراض الدنيا كمأكول ومشروب ودنانير ودراهم ونحوها من الأموال، وكالجاه والشهرة والرشوة، فإن كل ما نالوه بذلك قليل بالنسبة إلى ما فاتهم به من النعيم الدائم، وما استوجبوه من العذاب الخالد، وليشتروا تعليل ليقولون وليكتبون ففيه تنازع، علمت الأحبار والرؤساء من اليهود لعنهم الله أنه إذا تحققت عند اليهود صفة النبى صلى الله عليه وسلم مالوا إليه، فتذهب رئاستهم وعطاياهم التى تعطيهم العامة، تعمدوا إلى صفته صلى الله عليه وسلم فكتبوا بدلها: طويل أزرق العينين سبط الشعر، فكانوا إذا سألهم عامتهم قرءوا عليهم ما كتبوا، فيجدونه صلى الله عليه وسلم ليس كذلك فينكرون نبوته ورسالته. وذكر السدى أنهم كانوا يكتبون كتباً يبدلون فيها صفة النى صلى الله عليه وسلم ويبيعونها من الأعراب ويبثوها فى أتباعهم، ودخل فى الآية كل ما كتبوا من باطل كما بدلوا الرجم والجلد والتحميم {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}: من الأكاذيب ومن التعليل، أى لأجل ما كتبت أيديهم أو للابتداء، أى يتحصل لهم مما كتبت أيديهم وكذا فى قوله: {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}: من الأثمان على ذلك والرشا وسائر معاصيهم.
اطفيش
تفسير : {فَوَيْلٌ} هلاك، أو واد فى جهنم، لو وقع فيه جبل لذاب وسال، أو واد فى جهنم يهودى فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره، كما ذكرته فى وفاء الضمانة {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ} ذكر الأيدى مع أن الكتابة لا تقع إلا باليد تأكيدا لقبح فعلهم، كما أكد فى قوله تعالى" أية : يطير بجناحيه" [الأنعام: 38] "أية : يقولون بأفواههم" تفسير : [آل عمران: 167] وأيضاً قد يقال، كتب فلان وهو لم يكتب بيده، بل كتب له غيره، ووجه آخر معناه، نفى أن يكتبه كاتب قبلهم، فهو مختلف من عند أنفسهم {ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا} أى هذا الكتاب {مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ} يستبدلوا {ثَمَناً} ما به الشراء، أو الشراء على ظاهره، والثمن المثمن، أى مثمناً {قَلِيلاً} بالنسبة إلى ما باعوا من دينهم ومن الجنة، خاف رؤساء اليهود على زوال ملكهم حين قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة، فبدلوا صفة النبى صلى الله عليه وسلم بضدها إثباتا لرياستهم، ولما يعطيهم سفلتهم وعامتهم {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ} أى كسبته {أَيْدِيهِمْ} أو من كتابة أيديهم {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} من سائر شركهم وبدعهم وكبائرهم وصغائرهم، ومن كبائرهم أخذ الرشا، وهم أربع فرق: محرفون: ومنافقون، ومانعون من إظهار الحق، وجاهلون مقلدون.
الالوسي
تفسير : {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ} ـ الويل ـ مصدر لا فعل له من لفظه، وما ذكر من قولهم: وأل مصنوع ـ كما في «البحر» ـ ومثله ويح وويب وويس وويه وعول، ولا يثنى ولا يجمع ويقال: ويلة ويجمع على ويلات وإذا أضيف فالأحسن فيه النصب ـ ولا يجوز غيره عند بعض ـ وإذا أفردته اختير ـ الرفع ـ ومعناه الفضيحة والحسرة وقال الخليل: شدة الشر؛ وابن المفضل ـ الحزن ـ وغيرها ـ الهلكة ـ وقال الأصمعي: هي كلمة تفجع وقد تكون ترحماً ومنه ـ ويل أمه مسعر حرب ـ وورد من طرق صححها الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الويل واد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره» تفسير : وفي بعض الروايات: «حديث : إنه جبل فيها» تفسير : وإطلاقه على ذلك إما حقيقة شرعية، وإما مجاز لغوي من إطلاق لفظ الحال على المحل ولا يمكن أن يكون حقيقة لغوية لأن العرب تكلمت به في نظمها ونثرها قبل أن يجىء القرآن ولم تطلقه على ذلك وعلى كل حال هو هنا مبتدأ خبره {لِلَّذِينَ} فإن كان علماً لما في الخبر فظاهر، وإلا فالذي سوغ الابتداء به كونه دعاء، وقد حول عن المصدر المنصوب للدلالة على الدوام والثبات، ومثله يجوز فيه ذلك لأنه غير مخبر عنه، وقيل: لتخصص النكرة فيه بالداعي كما تخصص سلام في ـ سلام عليك ـ بالمسلم فإن المعنى ـ سلامي عليك ـ وكذلك المعنى هٰهنا ـ دعائي عليهم بالهلك ثابت لهم ـ والكتابة معروفة. وذكر الأيدي تأكيداً لدفع توهم المجاز، ويقال: أول من كتب بالقلم إدريس، وقيل: آدم عليهما السلام، والمراد بالكتاب المحرف، وقد روي أنهم كتبوا في التوراة ما يدل على خلاف صورة النبـي صلى الله عليه وسلم وبثوها في سفهائهم وفي العرب وأخفوا تلك النسخ التي كانت عندهم بغير تبديل وصاروا إذا سئلوا عن النبـي صلى الله عليه وسلم يقولون: ما هذا هو الموصوف عندنا في التوراة ويخرجون التوراة المبدلة ويقرؤنها ويقولون: هذه التوراة التي أنزلت من عند الله، ويحتمل أن يكون/ المراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة وروّجوه على العامة، وقد قال بعض العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبـي صلى الله عليه وسلم ولكن بإشارة لا يعرفها إلا العالمون، ولو كان متجلياً للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضاً بنقله من لسان إلى لسان، وقد وجد في التوراة ألفاظ إذا اعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته عليه الصلاة والسلام بتعريض هو عند الراسخين جلي، وعند العامة خفي، فعمد إلى ذلك أحبار من اليهود فأوّلوه، وكتبوا تأويلاتهم المحرفة بأيديهم. {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} إعظاماً لشأنه وتمكيناً له في قلوب أتباعهم الأميين، و {ثُمَّ} للتراخي الرتبـي، فإن نسبة المحرفة والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحاً أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل، والإشارة إما إلى الجميع، أو إلى الخصوص. {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً} أي ليحصلوا ـ بما أشاروا إليه ـ غرضاً من أغراض الدنيا الدنيئة، وهو ـ وإن جل ـ أقل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الدائم، وحرموه من الثواب المقيم، وهو علة للقول ـ كما في «البحر» ـ ولا أرى في الآية دليلاً على المنع من أخذ الأجرة على كتابة المصاحف، ولا على كراهية بيعها، والأعمش تأول الآية واستدل بها على الكراهة ـ وطرف المنصف أعمى عن ذلك ـ نعم ذهب إلى الكراهة جمع منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ـ وبه قال بعض الأئمة ـ: لكن لا أظنهم يستدلون بهذه الآية، وتمام البحث في محله. {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} ـ الفاء ـ لتفصيل ما أجمل في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ} الخ، حيث يدل على ثبوت الويل للموصوفين بما ذكر لأجل اتصافهم به بناءً على التعليق بالوصف من غير دلالة على أن ثبوته لأجل مجموع ما ذكر أولاً ـ بل كل واحد ـ فبين ذلك بقوله: {وَيْلٌ لَهُمْ} الخ مع ما فيه من التنصيص بالعلة، ولا يخفى ما في هذا الإجمال والتفصيل من المبالغة في الوعيد والزجر والتهويل. و (من) تعليلية متعلقة بويل أو بالاستقرار في الخبر، و (ما) قيل: موصولة اسمية، والعائد محذوف، أي: كتبته وقيل: مصدرية والأول: أدخل في الزجر عن تعاطي المحرف والثاني: في الزجر عن التحريف و (ما) الثانية مثلها، ورجح بعضهم المصدرية في الموضعين ـ لفظاً ومعنى ـ لعدم تقدير العائد، ولأن مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب عليه ويثاب، وذكر بعض المحققين أن التحقيق أن العبد كما يعاقب على نفس فعله، يعاقب على أثر فعله، لإفضائه إلى حرام آخر ـ وهو هنا يفضي إلى إضلال الغير وأكل الحرام ـ وغاير بين الآيتين بأنه بين في الأولى: استحقاقهم العقاب بنفس الفعل وفي الثانية: استحقاقهم له بأثره، ولذا جاء ـ بالفاء ـ ولا يخفى أنه كلام خال عن التحقيق ـ كما لا يخفى على أرباب التدقيق ـ ومما ذكرنا ظهر فائدة ذكر ـ الويل ـ ثلاث مرات، وقيل: فائدته أن اليهود جنوا ثلاث جنايات. تغيير صفة النبـي صلى الله عليه وسلم، والافتراء على الله تعالى، وأخذ الرشوة. فهددوا بكل جناية ـ بالويل ـ وكأنه جعل محط الفائدة في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ} إلى آخر المعطوف كما في خبر «حديث : لا يؤمّن الرجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء»تفسير : وهو ـ على بعده ـ لا يظهر عليه وجه إيراد ـ الفاء ـ في الثاني، ثم الظاهر أن مفعول الكسب خاص ـ وهو ما دل عليه سياق الآية ـ وقيل: المراد بـ {مَا يَكْسِبُونَ} جميع الأعمال السيئة ليشمل القول ـ ولا يخفى بُعده ـ وعدم التعرض للقول لما أنه من مبادىء ترويج ما كتبت أيديهم والآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رياستهم بإبقاء صفة النبـي صلى الله عليه وسلم على حالها فغيروها، وقيل: خاف ملوكهم على مُلكهم ـ إذا آمن الناس ـ فرشوهم فحرفوا،/ والقول بأنها نزلت في الذين لم يؤمنوا بنبـي ولم يتبعوا كتاباً، بل كتبوا بأيديهم كتاباً وحللوا فيه ما اختاروا، وحرّموا ما اختاروا، وقالوا: هذا من عند الله غير مرضي، كالقول بأنها نزلت في عبد الله بن سرح كاتب النبـي صلى الله عليه وسلم كان يغير القرآن فارتد.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للترتيب والتسبب فيكون ما بعدها مترتباً على ما قبلها والظاهر أن ما بعدها مترتب على قوله: {أية : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}تفسير : [البقرة: 75] الدال على وقوع تحريف منهم عن عمد فرُتب عليه الإخبار باستحقاقهم سوء الحالة، أو رتب عليه إنشاء استفظاع حالهم، وأعيد في خلال ذلك ما أجمل في الكلام المعطوف عليه إعادة تفصيل. ومعنى: {يكتبون الكتاب بأيديهم} أنهم يكتبون شيئاً لم يأتهم من رسلهم بل يضعونه ويبتكرونه كما دل عليه قوله: {ثم يقولون هذا من عند الله} المشعر بأن ذلك قولهم: بأفواههم ليس مطابقاً لما في نفس الأمر. و(ثم) للترتيب الرتبي لأن هذا القول أدخل في استحقاقهم الويل من كتابة الكتاب بأيديهم إذ هو المقصود. وليس هذا القول متراخياً عن كتابتهم ما كتبوه في الزمان بل هما متقارنان. والويل لفظ دال على الشر أو الهلاك ولم يسمع له فعل من لفظه فلذلك قيل هو اسم مصدر، وقال ابن جني: هو مصدر امتنع العرب من استعمال فعله لأنه لو صُرِّف لوجوب اعتلال فائه وعينه بأن يجتمع فيه إعلالان أي فيكون ثقيلاً، والويلة: البلية. وهي مؤنث الويل قال تعالى: {أية : قالوا يا ويلتنا}تفسير : [الكهف: 49] وقال امرىء القيس:شعر : فقالت لك الويلات إنَّك مُرْجِلِي تفسير : ويستعمل الويل بدون حرف نداء كما في الآية ويستعمل بحرف النداء كقوله تعالى: {أية : قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين}تفسير : [الأنبياء: 14] كما يقال يا حسرتا. فأما موقعه من الإعراب فإنه إذا لم يضف أُعْرِب إعرابَ الأسماء المبتدإِ بها وأُخْبر عنه بلام الجر كما في هذه الآية وقوله: {أية : ويل للمطففين}تفسير : [المطففين: 1] قال الجوهري: وينصب فيقال: ويلاً لزيد وجعل سيبويه ذلك قبيحاً وأوجب إذا ابتدىء به أن يكون مرفوعاً، وأما إذا أضيف فإنه يضاف إلى الضمير غالباً كقوله تعالى: {أية : ويْلَكم ثوابُ الله خير لمن آمن}تفسير : [القصص: 80] وقوله: {أية : وَيْلك آمِن}تفسير : [الأحقاف: 17] فيكون منصوباً وقد يضاف إلى الاسم الظاهر فيعرب إعراب غير المضاف كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: «حديث : وَيْلُ أمِّه مِسْعَرَ حَرْبٍ»تفسير : . ولما أشبه في إعرابه المصادر الآتية بدلاً من أفعالها نصباً ورفعاً مثل: حمداً لله وصبرٌ جميل كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : الحمدُ لله}تفسير : [الفاتحة: 2] قال أكثر أئمة العربية: إنه مصدر أُميتَ فعله، ومنهم من زعم أنه اسم وجعل نصبَهَ في حالة الإضافة نصباً على النداء بحذف حرف النداء لكثرة الاستعمال فأصل وَيلَه يا ويله بدليل ظهور حرف النداء معه في كلامهم. وربما جعلوه كالمندوب فقالوا: ويْلاَه وقد أعربه الزجاج كذلك في سورة طه. ومنهم من زعم أنه إذا نصب فعلى تقدير فعل، قال الزجاج في قوله تعالى: {أية : ويْلَكم لا تفتروا على الله كذباً} تفسير : [طه: 61] في طه يجوز أن يكون التقدير ألزمكم الله ويلاً. وقال الفراء إن ويل كلمة مركبة من وَيْ بمعنى الحُزن ومن مجرورٍ باللام المكسورة فلما كثر استعمال اللام مع وَيْ صيروهما حرفاً واحداً فاختاروا فتح اللام كما قالوا يَالَ ضَبَّةَ ففتحوا اللام وهي في الأصل مكسورة. وهو يستعمل دعاء وتعجباً وزجراً مثل قولهم: لا أب لك، وثكلتك أمك. ومعنى: {فويل للذين يكتبون الكتاب} دعاء مستعمل في إنشاء الغضب والزجر، قال سيبويه: لا ينبغي أن يقال {ويل للمطففين} دعاء لأنه قبيح في اللفظ ولكن العباد كُلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم على مقدار فهمهم أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم. وقد جاء على مثال ويل ألفاظ وهي وَيْح ووَيْس ووَيْب ووَيْه ووَيْكَ. وذكر {بأيديهم} تأكيد مثل نَظَرْتُه بعيني ومثل: {أية : يقولون بأفواههم}تفسير : [آل عمران: 167] وقوله: {أية : ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38] والقصد منه تحقيق وقوع الكتابة ورفع المجاز عنها وأنهم في ذلك عامدون قاصدون. وقوله: {ليشتروا به ثمناً قليلاً} هو كقوله: {أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً}تفسير : [البقرة: 41] والثمن المقصود هنا هو إرضاء العامة بأن غيّروا لهم أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم أو انتحال العلم لأنفسهم مع أنهم جاهلون فوضعوا كتباً تافهة من القصص والمعلومات البسيطة ليتفيهقوا بها في المجامع لأنهم لما لم تصل عقولهم إلى العلم الصحيح وكانوا قد طمعوا في التصدر والرئاسة الكاذبة لفقوا نتفاً سطحية وجمعوا موضوعات وفراغات لا تثبت على محك العلم الصحيح ثم أشاعوها ونسبوها إلى الله ودينه وهذه شنشنة الجهلة المتطلعين إلى الرئاسة عن غير أهلية ليظهروا في صور العلماء لدى أنظار العامة ومن لا يميز بين الشحم والورم. وقوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} تفصيل لجنس الويل إلى ويلين وهما ما يحصل لهم من الشر لأجل ما وضعوه وما يحصل لهم لأجل ما اكتسبوه من جراء ذلك فهو جزاء بالشر على الوسيلة وعلى المقصد، وليس في الآية ثلاث وَيْلات كما قد توهم ذلك. وكأن هذه الآية تشير إلى ما كان في بني إسرائيل من تلاشي التوراة بعد تخريب بيت المقدس في زمن بختنصر ثم في زمن طيطس القائد الروماني وذلك أن التوراة التي كتبها موسى عليه السلام قد أمر بوضعها في تابوت العهد حسبما ذلك مذكور في سفر التثنية وكان هذا التابوت قد وضعه موسى في خيمة الاجتماع ثم وضعه سليمان في الهيكل فلما غزاهم بختنصر سنة 588 قبل المسيح أحرق الهيكل والمدينة كلها بالنار وأخذ معظم اليهود فباعهم عبيداً في بلده وترك فئة قليلة بأورشليم قصرهم على الغراسة والزراعة ثم ثاروا على بختنصر وقتلوا نائبه وهربوا إلى مصر ومعهم أرميا فخربت مملكة اليهود. ومن المعلوم أنهم لم يكونوا يومئذ يستطيعون إنقاذ التوراة وهم لم يكونوا من حفظتها لأن شريعتهم جعلت التوراة أمانة بأيدي اللاويين كما تضمنه سفر التثنية وأمر موسى القوم بنشر التوراة لهم بعد كل سبع سنين تمضي وقال موسى ضعوا هذا الكتاب عند تابوت العهد ليكون هناك شاهداً عليكم لأني أعرف تمردكم وقد صرتم تقاومون ربكم وأنا حي فأحرى أن تفعلوا ذلك بعد موتي ولا يخفى أن اليهود قد نبذوا الديانة غير مرة وعبدوا الأصنام في عهد رحبعام ابن سليمان ملك يهوذا وفي عهد يوربعام غلام سليمان ملك إسرائيل قبل تخريب بيت المقدس وذلك مؤذن بتناسي الدين ثم طرأ عليه التخريب المشهور ثم أعقبه التخريب الروماني في زمن طيطس سنة 40 للمسيح ثم في زمن أدريان الذي تم على يده تخريب بلد أورشليم بحيث صيرها مزرعة وتفرق من أبقاه السيف من اليهود في جهات العالم. ولهذا اتفق المحققون من العلماء الباحثين عن تاريخ الدين على أن التوراة قد دخلها التحريف والزيادة والتلاشي وأنهم لما جمعوا أمرهم عقب بعض مصائبهم الكبرى افتقدوا التوراة فأرادوا أن يجمعوها من متفرق أوراقهم وبقايا مكاتبهم. وقد قال: (لنجرك) أحد اللاهوتيين من علماء الإفرنج إن سفر التثنية كتبه يهودي كان مقيماً بمصر في عهد الملك يوشيا ملك اليهود وقال غيره: إن الكتب الخمسة التي هي مجموع التوراة قد دخل فيها تحريف كثير من علم صموئيل أو عزير (عزرا). ويذكر علماؤنا أن اليهود إنما قالوا عزير ابن الله لأنه ادعى أنه ظفر بالتوراة. وكل ذلك يدل على أن التوراة قد تلاشت وتمزقت والموجود في سفر الملوك الثاني من كتبهم في الإصحاح الحادي والعشرين أنهم بينما كانوا بصدد ترميم بيت المقدس في زمن يوشيا ملك يهوذا ادعى حلقيا الكاهن أنه وجد سفر الشريعة في بيت الرب وسلمه الكاهن لكاتب الملك فلما قرأه الكاتب على الملك مزق ثيابه وتاب من ارتداده عن الشريعة وأمر الكهنة بإقامة كلام الشريعة المكتوب في السفر الذي وجده حلقيا الكاهن في بيت الرب اهـ. فهذا دليل قوي على أن التوراة كانت مجهولة عندهم منذ زمان.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويل: الويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة أو عذاب. الكتاب: ما يكتبه علماء اليهود من أباطيل وينسبونه إلى الله تعالى ليتوصلوا به إلى أغراض دَنِيَّةٍ من متاع الدنيا القليل. من عند الله: ينسبون ما كتبوه بأيديهم إلى التوراه بوصفها كتاب الله ووحيه إلى موسى عليه السلام. يكسبون: الكسب يكون في الخير، وهو هنا في الشر فيكون من باب التهكم بهم. أياماً معدودة: أربعين يوماً وهذا من كذبهم وتضليلهم للعوام منهم ليصرفوهم عن الإسلام. أتخذتم عند الله عهداً: الهمزة للاستفهام الانكاري، والعهد: الوعد المؤكد. سيّئة: هذه سيئة الكفر والكذب على الله تعالى. أحاطت به: الإِحاطة بالشيء: الالتفاف به والدوران عليه. خطيئته: الخطيئة واحدة الخطايا وهي الذنوب عامة. الخلود: البقاء الدائم الذي لا تحول معه ولا ارتحال. معنى الآيات: يتوعد الرب تبارك وتعالى بالعذاب الأليم أولئك المضللين من اليهود الذين يحرفون كلام الله، ويكتبون أموراً من الباطل وينسبونها إلى الله تعالى ليتوصلوا بها إلى أغراض دنيوية سافلة. وينكر عليهم تبجحهم الفارغ بأنهم لا يعذبون بالنار مهما كانت ذنوبهم ما داموا على ملة اليهود إلا أربعين يوما ثم يخرجون، وجائز أن يتم هذا لو كان هناك عهد من الله تعالى قطعه لهم به ولكن أين العهد؟ إنما هو الادعاء الكاذب فقط ثم يقرر العليم الحكيم سبحانه وتعالى حكمه في مصير الإنسان بدخول النار أو الجنة ذلك الحكم القائم على العدل والرحمة البعيد عن التأثر بالأنساب والأحساب فيقول بلى، ليس الأمر كما تدعون، وإنما هي الخطايا والحسنات فمن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فخَبّثتْ نفسَه ولوّثتها فهذا لا يُلائم خبث نفسه إلا النار، ومن آمن وعمل صالحاً فزكى بالإِيمان والعمل الصالح نفسه وطهرها فإنه لا يلائم طهارةَ روحه وزكاة نفسه إلا الجنة دار النعيم. أما الحسب والنسب والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التحذير الشديد من الفتاوى الباطلة التي تحرم ما أحل الله أو تحلل ما حرم ليتوصل بها صاحبها إلى غرض دنيوي كمال، أو حظوة لدى ذي سلطان. 2- إبطال الإِنتفاع بالنّسب والإِنتساب، وتقرير أن سعادة الإِنسان كشقائه مردهما في السعادة إلى الإِيمان والعمل الصالح. وفي الشقاوة إلى الشرك والمعاصي. 3- التنبيه على خَطَرِ الذنوب صغيرها وكبيرها، وإلى العمل على تكفيرها بالتوبة والعمل الصالح قبل أن تحوط بالنفس فتحجبها عن التوبة والعياذ بالله.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (79) - وَهؤَلاَءِ صِنْفٌ مِنَ اليَهُودِ هُمُ العُلَمَاءُ، وَالدُّعَاةُ إِلى الضَّلاَلَةِ بِالكَذِبِ وَالبُهْتَانِ وَالزُّورِ، وَقَوْلِ غَيْرِ الحَقِّ عَلَى اللهِ، وَأَكْلِ أَمْوالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَهُمْ أَحْبَارُ اليَهُودِ الذِينَ كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ كِتَاباً مُحَرَّفاً وَمُلَفَّقاً مِنْ عِنْدِهِمْ، يَبِيعُونَهُ لِعَوامِّهِمْ زَاعِمِينَ أَنَّهُ التَّورَاةُ المُنْزَلَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، لِيَأْخُذُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً مِنْهُمْ. وَيُُحَََذِّرُ اللهُ هؤَلاءِ المُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: الوَيْلُ لَهُمْ - أَيِ الهَلاَكُ وَالدَّمَارُ لَهُمْ وَشِدَّةُ الشَّرِّ - مِمَّا أَكَلُوا مِنْ هذا الكَسْبِ الحَرَامِ. وَقَدِ ارْتَكَبَ هؤُلاءِ بِعَمَلِهِمْ هذا ثَلاثَ جِنَايَاتٍ: أُولاَهَا - كِتْمَانُ مَا فِي كِتَابِهِمْ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ وَتَغْيِيرِهَا. وَثَانِيَتُها - الافْتِراءُ عَلَى اللهِ وَنِسْبَةُ شَيءٍ إِليهِ لَمْ يَقُلْهُ. وَثَالِثُهَا - الكَسْبُ الحَرَامُ ثَمَناً لِهذا الكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ وَالإِفْكِ. فَوَيلٌ - هَلاكٌ أَوْ شِدَّةُ عَذابٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية الكريمة جاءت في القسم الثاني من اليهود وهو المقابل للأميين .. وهم إما أميون لا يعلمون الكتاب .. وإما يعلمون ولكنهم يغيرون فيه ويكتبونه بأيديهم ويقولون هذا من عند الله. ولذلك توعدهم الله تبارك وتعالى فقال: ويل لهم، وبدأ الآية بالوعيد بالجزاء مباشرة. نلاحظ أن كلمة ويل في اللغة تستعمل معها كلمتا ويح وويس .. وكلها تعني الهلاك والعذاب .. وتستعمل للتحسر على غفلة الإنسان من العذاب .. واقرأ قوله تعالى: {أية : يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ..} تفسير : [الكهف: 49]. وقوله جل جلاله: {أية : يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ..} تفسير : [الأنبياء: 97]. هذه الويلات تعني الحسرة وقت رؤية العذاب .. وقيل إن الويل وَادٍ في جهنم يهوي الإنسان فيه أربعين خريفا والعياذ بالله .. والحق تبارك وتعالى ينذر الذين يكتبون الكتاب بأيديهم أن عذابهم يوم القيامة سيكون مضاعفاً .. لأن كل من ارتكب إثماً نتيجة لتزييفهم للكتاب سيكونون شركاء وسيحملون عذابهم معهم يوم القيامة، وسيكون عذابهم مضاعفاً أضعافاً كثيرة. يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] .. ألم يكن يكفي أن يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى مفهوما .. يكتبون الكتاب بماذا؟ بأيديهم .. نقول لا .. لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد يتم بالفعل .. رئيس الدولة مثلاً يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتاباً بكذا فلماذا لم تنفذه؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره، ورؤساء الدول نادراً ما يكتبون كتباً بأيديهم. إن الله سبحانه وتعالى يريد هنا أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم .. فهم لا يكتفون مثلاً بأن يقولوا اكتبوا .. ولكن لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماماً .. فليست المسألة نزوة عابرة .. ولكنها مع سبق الإصرار والترصد .. وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمناً قليلاً، هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية .. يحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان. ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا اختلفوا في شيء .. ذهبوا إلى الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم .. لماذا؟ لأن الناس حين يختلفون يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين .. يعني لا أنهزم أمامه ولا ينهزم أمامي .. وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان .. فإذا كنا سنلجأ إلى تشريع السماء ليحكم بيننا .. لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ومنتصر .. ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم الله يكون كل منا راضياً بنتيجة هذا الحكم. ولكن رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة .. كل منهم حسب مصلحته وهواه .. ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا المتشابهة .. لأنه لم يعد الحكم بالعدل .. بل أصبح الحكم خاضعاً لأهواء ومصالح وقضايا البشر .. وحين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله .. إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان يأخذه بلا مناقشة .. وبذلك يكونون هم المشرعين باسم الله، ويكتبون ما يريدون ويسجلونه كتابة، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان والأحبار، بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة. ولكن لماذا يكتب هؤلاء الناس الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله؟! .. الحق سبحانه وتعالى يقول: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 79] .. وقد قلنا إن الإنسان لا يشتري الثمن .. ولكن يدفع الثمن ويشتري السلعة .. ولكنك هنا تدفع لتأخذ ثمناً .. تدفع من منهج الله وحكم الله فتغيره وتبدله لتأخذ ثمناً موقوتاً .. والله سبحانه وتعالى يعطيك في الآخرة الكثير ولكنك تبيعه بالقليل .. وكل ثمن مهما بلغ تأخذه مقابل منهج الله يعتبر ثمناً قليلاً. والحق سبحانه وتعالى: يقول {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] .. الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] .. ثم جاء قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .. فساعة الكتابة لها ويل وعذاب .. وساعة بيع الصفقة لها ويل وعذاب .. والذي يكسبونه هو ويل وعذاب. لقد انتشرت هذه المسألة في كتابة صكوك الغفران التي كانت تباع في الكنائس لمن يدفع أكثر. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .. وكلمة كسب تدل على عمل من أعمال جوارحك يجلب لك خيراً أو نفعاً وهناك كسب وهناك اكتسب .. كسب تأتي بالشيء النافع، واكتسب تأتي بالشيء الضار .. ولكن في هذه الآية الكريمة الحق سبحانه وتعالى قال: {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .. وفي آية ثانية قال: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} تفسير : [البقرة: 81]. فلماذا تم هذا الاستخدام؟ نقول إن هذا ليس كسباً طبيعياً، إنما هو افتعال في الكسب .. أي اكتساب .. ولابد أن نفهم أنه بالنسبة لجوارح الإنسان .. فإن هناك القول والفعل والعمل .. بعض الناس يعتقد إن هناك القول والعمل .. نقول لا .. هناك قول هو عمل اللسان .. وفعل هو عمل الجوارح الأخرى غير اللسان .. وعمل وهو أن يوافق القول الفعل .. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3]. إذن هناك قول وفعل وعمل .. والإنسان إذا استخدم جوارحه استخداماً سليماً بفعل ما هو صالح له .. فإذا انتقل إلى ما هو غير صالح إلى ما يغضب الله فإن جوارحه لا تفعل ولكنها تفتعل .. تتصادم ملكاتها بعضها مع بعض والإنسان وهو يفتح الخزانة ليأخذ من ماله يكون مطمئناً لا يخاف شيئاً .. والإنسان حين يفتح خزانة غيره يكون مضطرباً وتصرفاته كلها افتعال .. والإنسان مع زوجته منسجم في هيئة طبيعية، بعكس ما يكون في وضع مخالف .. إنها حالة افتعال .. وكل من يكسب شيئاً حراماً افتعله .. ولذلك يقال عنه اكتسب .. إلا إذا تمرس وأصبح الحرام لا يهزه، أو ممن نقول عنهم معتادو الإجرام .. في هذه الحالة يفعل الشيء بلا افتعال لأنه اعتاد عليه .. هؤلاء الذين وصلوا إلى الحد الذي يكتبون فيه بأيديهم ويقولون من عند الله .. أصبح الإثم لا يهزهم، ولذلك توعدهم الله بالعذاب مرتين في آية واحدة.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: فالوَيلُ وادٍ في جهنمَ مِنْ قَيحٍ.
الأندلسي
تفسير : {فَوَيْلٌ} أي هلكه وخسار. {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ} هم اليهود. {بِأَيْدِيهِمْ} تأكيد يرفع المجاز أي يباشرون بأنفسهم لا يأمرون بالكتابة كانوا يكتبون محرّفاً عن ما في كتابهم كما ذكر أنهم غيروا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم التي في التوراة فجعلوه آدم سبطاً طويلاً على خلاف ما في التوراة والمعنى يكتبونه مختلفاً. {ثُمَّ يَقُولُونَ} لاتباعهم الأميين. {هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} مع علمهم بالتبديل والتحريف. {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} من وضائع وما كل ورشا ووصفه بالقلة لفنائه وحقارته. {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} هذه مقدمة. {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} هذه نتيجة تلك المقدمة وكرر الويل حتى يتحقق أن الخسارة والهلكة تترتب على كل واحد من المكتوب والمكسوب وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اليهود من أهل النار. قالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم. فقال: كذبتم لقد علمتم انا لا نخلفكمتفسير : . فنزلت: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} أي قلائل يحصرها العد، فروي: أنهم قالوا: سبعة أيام، وعنهم أربعون يوماً عدد عبادتهم العجل. {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} هذا رد لدعواهم الكاذبة أي مثل هذا الاخبار الجازم لا يكون إلا ممن اتخذ عند الله عهداً بذلك وأنتم لم تتخذوه فقولكم كذب وافتراء. واتخذ تعدت إلى واحداً وإلى اثنين، فيكون الظرف هو الثاني وهمزة اتخذتم همزة استفهام. وقرىء بنقل حركتها إلى قل وحذفها، والمعنى عهداً بما قلتم ان النار لا تمسكم إلا أياماً معدودة. {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} قيل جواب الاستفهام الذي ضمّن معنى الشرط وفي هذا القول نظر، لأن الاستفهام عن ماض لفظاً ومعنى. (قال) ابن عطية: فلن يخلف الله عهده اعتراض أثناء الكلام كأنه يريد أن: {أَمْ تَقُولُونَ} معادل لقوله: {أَتَّخَذْتُمْ} فصارت هذه الجملة اعتراضاً بين المتعادلين فلا موضع لها من الإِعراب وكان التقدير أي هذين واقع اتخاذكم العهد عند الله أم قولكم. {عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أخرج مخرج التردد في تعيينه على سبيل التقرير وإن كان قد علم وقوع أحدهما وهو قولهم على الله ما لا يعلمون. وقيل: ام، بمعنى بل. والهمزة أي أتقولون استفهام إنكار إذ قد علم أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : توعد تعالى المحرفين للكتاب، الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون: { هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق، وإنما فعلوا ذلك مع علمهم { لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا } والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما، ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال: { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } أي: من التحريف والباطل { وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة، وفي ضمنها الوعيد الشديد. قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله: { أَفَتَطْمَعُونَ } إلى { يَكْسِبُونَ } فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة، على ما أصله من البدع الباطلة. وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله، لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معنى الكتاب والسنة، وهذا معقول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين، الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة، لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله. وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة، كالرافضة، وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [79] 11- أنا الحسن بن أحمد بن حبيب، حدثنا محمد - وهو ابن عبد الله بن نُمَير، نا وكيع، نا سفيان، عن عبد الرحمن بن علقمة قال: سمعت ابن عباس يقول: الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، نزلت في أهل الكتاب.
همام الصنعاني
تفسير : 80- عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ}: [الآية: 79]، قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتباً ليتأكَّلوا بها الناس، ثم قالوا: هذه من عند الله، وما هي من عند الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):