٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المراد بقوله: {وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ } اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. والفرقة الثانية: المنافقون، والفرقة الثالثة: الذين يجادلون المنافقين، والفرقة الرابعة: هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلداً، وههنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول. وقال آخرون: من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»تفسير : وذلك يدل على هذا القول، ولأن قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } لا يليق إلا بذلك. المسألة الثانية: «الأماني» جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة في أصل واحد، أحدها: ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه، ومن هذا قولهم: فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } تفسير : [النساء: 120] فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله: (إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة. وثانيها: {إِلاَّ أَمَانِىَّ } إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته. وثالثها: {إِلاَّ أَمَانِىَّ } أي إلا ما يقرأون من قوله: تمنى كتاب الله أول ليلة. قال صاحب «الكشاف» والاشتقاق منى من، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقاريء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، قال أبو مسلم: حمله على تمني القلب أولى بدليل قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } تفسير : [البقرة: 111] أي تمنيهم. وقال الله تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } تفسير : [النساء: 123] وقال: {أية : تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 111] وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلاّ يظنون } تفسير : [الجاثية: 24] بمعنى يقدرون ويخرصون. وقال الأكثرون: حمله على القراءة أولى كقوله تعالى: {أية : إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52] ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إِلاَّ أَمَانِىَّ } من الاستثناء المنقطع، قال النابغة:شعر : حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بغائب تفسير : وقرىء «إلا أماني» بالتخفيف. أما قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها، فهي ظن ويكون ذلك تكراراً. ولقائل أن يقول: حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه، فكأنه تعالى قال: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق، وفي الآية مسائل. أحدها: أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن. وثانيها: بطلان التقليد مطلقاً وهو مشكل لأن التقليد في الفروع جائز عندنا. وثالثها: أن المضل وإن كان مذموماً فالمغتر بإضلال المضل أيضاً مذموم لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة، ورابعها: أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم. أما قوله تعالى: {فَوَيْلٌ } فقالوا: الويل كلمة يقولها كل مكروب، وقال ابن عباس: إنه العذاب الأليم. وعن سفيان الثوري: إنه مسيل صديد أهل جهنم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره»تفسير : . قال القاضي: «ويل» يتضمن نهاية الوعيد والتهديد فهذا القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن وادٍ في جهنم أو عن العذاب العظيم. أما قوله تعالى: {يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ } ففيه وجهان. الأول: أن الرجل قد يقول كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله: {بِأَيْدِيهِمْ } أنه لم يقع منهم إلا على هذا الوجه. الثاني: أنه تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك. أما قوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر يعظم إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد طريقاً في الإضلال باقياً على وجه الدهر، فلذلك عظم تعالى ما فعلوه. فإن قيل: إنه تعالى حكى عنهم أمرين. أحدهما: كتبة الكتاب والآخر: إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب، فهذا الوعيد مرتب على الكتبة أو على إسناد المكتوب إلى الله أو عليهما معاً؟ قلنا: لا شك أن كتبة الأشياء الباطلة لقصد الإضلال من المنكرات والكذب على الله تعالى أيضاً كذلك والجمع بينهما منكر عظيم جداً. أما قوله تعالى: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } فهو تنبيه على أمرين. الأول: أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا، الثاني: أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلباً للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه. أما قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } فالمراد أن كتبتهم لما كتبوه ذنب عظيم بانفراده، وكذلك أخذهم المال عليه، فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب، ولو لم يعد ذكره كان يجوز أن يقال: إن مجموعهما يقتضي الوعيد العظيم دون كل واحد منهما، فأزال الله تعالى هذه الشبهة واختلفوا في قوله تعالى: {مِّمَّا يَكْسِبُونَ } هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم والأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم أنه يشمل الكل، لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام، فلا بد من تقييده وأولى ما يقيد به ما تقدم ذكره. قال القاضي: دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى، لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان اسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها. أنها من عند الله ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى. والجواب: أن الداعية الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضاً تكون كذلك، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} أي من اليهود. وقيل: من اليهود والمنافقين أميون؛ أي من لا يكتب ولا يقرأ، واحدهم أُمِّيّ، منسوب إلى الأمَّة الأُميّة التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها؛ ومنه قوله عليه السلام: «حديث : إنّا أُمّة أميِّة لا نكتب ولا نحسب»تفسير : الحديث. وقد قيل لهم إنهم أمّيُّون لأنهم لم يصدّقوا بأمّ الكتاب؛ عن ٱبن عباس. وقال أبو عبيدة: إنما قيل لهم أميُّون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نُسبوا إلى أمّ الكتاب؛ فكأنه قال: ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب. عكرمة والضحاك: هم نصارى العرب. وقيل: هم قوم من أهل الكتاب؛ رُفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أمِّيِّين. عليّ رضي الله عنه: هم المجوس. قلت: والقول الأوّل أظهر، والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} «إلاّ» ها هنا بمعنى لكن، فهو ٱستثناء منقطع؛ كقوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} وقال النابغة:شعر : حلفتُ يميناً غير ذي مَثْنَوِيةٍ ولا عِلْمَ إلاَّ حُسْنَ ظنٍ بصاحِب تفسير : وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج «إلاّ أمانِيَ» خفيفة الياء؛ حَذفوا إحدى الياءين ٱستخفافاً. قال أبو حاتم: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدّد، فلك فيه التشديد والتخفيف؛ مثل أثافي وأغاني وأماني، ونحوه. وقال الأخفش: هذا كما يقال في جمع مفتاح: مفاتيح ومفاتح، وهي ياء الجمع. قال النحاس: الحذف في المعتل أكثر؛ كما قال الشاعر:شعر : وهل يَرجع التسليمَ أو يكشفُ العَمَى ثلاثُ الأثفي والرّسومُ البلاقع تفسير : والأماني جمع أمنِيّة وهي التلاوة؛ وأصلها أمْنُويَة على وزن أُفعولة، فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أُمنية؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ}تفسير : [الحج:52] أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. وقال كعب بن مالك:شعر : تمنَّى كتابَ الله أوّلَ ليلهِ وآخِرَه لاقَى حِمَامَ المقادر تفسير : وقال آخر:شعر : تمنَّى كتابَ الله آخِر لَيْلِه تَمَنّى داودَ الزّبُورَ على رِسْلِ تفسير : والأماني أيضاً الأكاذيب؛ ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ما تمنّيت منذ أسلمت؛ أي ما كذبت. وقول بعض العرب لابن دَأْب وهو يحدّث: أهذا شيء رَوَيْتَه أم شيء تمنّيته؟ أي ٱفتعلَته. وبهذا المعنى فسّر ٱبن عباس ومجاهد «أمانيّ» في الآية. ولأمانيّ أيضاً ما يتمنّاه الإنسان ويشتهيه. قال قتادة: «إلا أمانيّ» يعني أنهم يَتَمَنَّوْن على الله ما ليس لهم. وقيل: الأماني التقدير؛ يقال: مَنَى له أي قدّر؛ قاله الجوهري، وحكاه ٱبن بحر، وأنشد قول الشاعر:شعر : لا تأمنَنّ وإن أمسيتَ في حَرَمٍ حتى تُلاقِي ما يَمْنِي لك المانِي تفسير : أي يقدّر لك المقدّر. الثالثة: قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} «إنْ» بمعنى ما النافية؛ كما قال تعالى: {أية : إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ }تفسير : [الملك:20]. و(يَظُنُّون) يكذبون ويحدثون؛ لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون، وإنما هم مقلّدون لأحبارهم فيما يقرأون به. قال أبو بكر الأنباري: وقد حدّثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظنّ عِلْماً وشكًّا وكذباً، وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظنّ يقين، وإذا ٱعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظنّ شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب؛ قال الله عز وجل: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أراد إلا يكذبون. الرابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: نَعتَ الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدّلون ويحرّفون فقال وقوله الحق: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}تفسير : [البقرة: 79] الآية. وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعيّة علمائهم، وأقبلوا على الدنيا حِرْصاً وطمعاً، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم، فأحدثوا في شريعتهم وبدّلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: هذا من عند الله؛ ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها. وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا: ليس علينا في الأُمِّيين سبيل؛ وهم العرب، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حِلّ لنا. وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا: لا يضرّنا ذنب، فنحن أحبّاؤه وأبناؤه؛ تعالى الله عن ذلك! وإنما كان في التوراة «يا أحباري ويا أبناء رسلي» فغيّروه وكتبوا «يا أحبّائي ويا أبنائي» فأنزل الله تكذيبهم: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}تفسير : [المائدة: 18]. فقالت: لن يعذّبنا الله، وإن عذّبنا فأربعين يوماً مقدار أيام العجل؛ فأنزل الله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً}تفسير : [البقرة: 80]. قال ٱبن مِقْسم: يعني توحيداً، بدليل قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}تفسير : [مريم: 87] يعني لا إلٰه إلا الله {أية : فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 80]. ثم أكذبهم فقال: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [البقرة: 81-82]. فبيّن تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب الكفر والإيمان؛ لا بما قالوه.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} جهلة لا يعرفون الكتابة فيطالعوا التوراة، ويتحققوا ما فيها. أو التوراة {إِلاَّ أَمَانِيَّ} استثناء منقطع. والأماني: جمع أمنية وهي في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، ولذلك تطلق، على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ والمعنى لكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليداً من المحرفين أو مواعيد فارغة. سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة. وقيل إلا ما يقرأون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره من قوله:شعر : تَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلِه تَمني دَاودَ الزبُورَ على رِسْلِ تفسير : وهو لا يناسب وصفهم بأنهم أميون. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } ما هم إلا قوم يظنون لا علم لهم، وقد يطلق الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع، وإن جزم به صاحبه: كاعتقاد المقلد والزائغ عن الحق لشبهة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} أي: ومن أهل الكتاب، قاله مجاهد، والأميون جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة، قاله أبو العالية والربيع وقتادة وإبراهيم النخعي وغير واحد، وهو ظاهر في قوله تعالى: {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُمي لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ }تفسير : [العنكبوت: 48] وقال عليه الصلاة السلام: «حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا»تفسير : الحديث، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب، وقال تبارك وتعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ }تفسير : [الجمعة: 2] وقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه؛ في جهله بالكتاب، دون أبيه. قال: وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} قال: الأميون: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله، وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين؛ لجحودهم كتب الله ورسله، ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأمي عند العرب الذي لا يكتب. قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَمَانِىَّ} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا أماني الأحاديث، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِلاَّ أَمَانِىَّ} يقول: إلا قولاً يقولونه بأفواههم كذباً. وقال مجاهد: إلا كذباً. وقال سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ أَمَانِىَّ} قال: أناس من اليهود، لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها، وعن الحسن البصري نحوه، وقال أبو العالية والربيع وقتادة: إلا أماني: يتمنون على الله ما ليس لهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إلا أماني، قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب، وليسوا منهم، قال ابن جرير: والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئاً، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتخرصون الأباطيل كذباً وزوراً، والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه، ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما تغنيت ولا تمنيت، يعني ما تخرصت الباطل، ولا اختلقت الكذب، وقيل: المراد بقوله: إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضاً: أي: إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ}تفسير : [الحج: 52] - أي: تلا - {أية : أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} تفسير : [الحج: 52] الآية، وقال كعب بن مالك الشاعر:شعر : تَمَنّى كتابَ اللّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ تفسير : وقال آخر:شعر : تَمَنَّى كتابَ اللّهِ آخِرَ ليلهِ تَمَنيَ داودَ الكتابَ على رِسْلِ تفسير : وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أي: ولا يدرون ما فيه، وهم يجدون نبوتك بالظن، وقال مجاهد: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}: يكذبون. وقال قتادة وأبو العالية والربيع: يظنون بالله الظنون بغير الحق. قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً} الآية، هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل، والويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة، وقال سفيان الثوري عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم. وقال عطاء بن يسار: الويل: واد في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لماعت. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث عن دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره»تفسير : ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج به، وقال: هذا الحديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة (قلت): لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوع منكر، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام، حدثنا صالح القشيري، حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} قال: «حديث : الويل جبل في النار»تفسير : وهو الذي أنزل في اليهود، لأنهم حرفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة، ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} وهذا غريب أيضاً جداً، وعن ابن عباس: الويل: المشقة من العذاب، وقال الخليل بن أحمد: الويل: شدة الشر، وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح: لمن أشرف عليها، وقال الأصمعي: الويل: تفجع، والويح: ترحم، وقال غيره: الويل: الحزن، وقال الخليل: وفي معنى ويل: ويح، وويش، وويه، وويك، وويب، ومنهم من فرق بينها، وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها، وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوز نصبها بمعنى: ألزمهم ويلاً (قلت): لكن لم يقرأ بذلك أحد، وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ} قال: هم أحبار اليهود، وكذا قال سعيد عن قتادة: هم اليهود، وقال سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس رضي الله عنه، عن قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ} قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب، وقال السدي: كان ناس من اليهود كتبوا كتاباً من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، فيأخذون به ثمناً قليلاً، وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله تقرؤونه غضاً لم يشب، وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمناً قليلاً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحداً قط سألكم عن الذي أنزل عليكم، رواه البخاري من طرق عن الزهري، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها. وقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ} يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، وويل لهم مما يكسبون، يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْهُمْ} أي اليهود {أُمّيُّونَ } عوامّ {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {إِلاَّ } لكن {أَمَانِىَّ } أكاذيب تَلَقَّوْها من رؤسائهم فاعتمدوها {وَإِن } ما {هُمْ } في جحد نبوّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وغيره مما يختلقونه {إِلاَّ يَظُنُّونَ } ظنا ولا علم لهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {مِنْهُمْ } أي: من اليهود. والأمي منسوب إلى الأمة الأمية، التي هي على أصل، ولادتها من أمهاتها، لم تتعلم الكتابة، ولا تحسن القراءة للمكتوب، ومنه حديث «حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»تفسير : وقال أبو عبيدة: إنما قيل لهم: أميون؛ لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال: ومنهم أهل الكتاب. وقيل: هم نصارى العرب. وقيل: هم قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لذنوب ارتكبوها وقيل: هم: المجوس، وقيل: غير ذلك. والراجح الأوّل. ومعنى {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ أَمَانِىَّ } أنه لا علم لهم به إلا ما هم عليه من الأماني التي يتمنونها، ويعللون بها أنفسهم. والأمانيّ: جمع أمنية، وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه، فهؤلاء لا علم لهم بالكتاب الذي هو التوراة لما هم عليه من كونهم لا يكتبون، ولا يقرءون المكتوب. والاستثناء منقطع، أي: لكن الأمانيّ ثابتة لهم من كونهم مغفوراً لهم بما يدّعونه لأنفسهم من الأعمال الصالحة، أو بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم. وقيل الأمانيّ: الأكاذيب، كما سيأتي عن ابن عباس. ومنه قول عثمان بن عفان: ما تمنيت منذ أسلمت، أي: ما كذبت، حكاه عنه القرطبي في تفسيره، وقيل الأماني: التلاوة، ومنه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ }تفسير : [الحج: 52] أي: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، أي: لا علم لهم إلا مجرد التلاوة من دون تفهم وتدبر، ومنه قول كعب بن مالك:شعر : تمنى كتابَ اللهِ أوّلَ لَيْلةٍ وأخِرَه لاقى حِمامَ المقادر تفسير : وقال آخر:شعر : تمنَّى كتابَ الله آخِرَ لَيْلةٍ تَمنِّي داودَ الزَّبُورَ على رِسْلَ تفسير : وقيل الأماني: التقدير. قال الجوهري: يقال مني له، أي قدّر، ومنه قول الشاعر:شعر : لا تأمنَنَّ وإن أمسيتَ في حَرَم حتى تُلاقِي ما يَمْنِي لك المانِي تفسير : أي: يقدر لك المقدر. قال في الكشاف: "والاشتقاق من مَنّي إذا قدّر؛ لأن المتمني يقدر في نفسه، ويجوّز ما يتمناه، وكذلك المختلق، والقارىء يقدران كلمة كذا بعد كذا". انتهى. و«إن» في قوله: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } نافية، أي: ما هم. والظن هو: التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم. كذا في القاموس. أي: ما هم إلا يترددون بغير جزم، ولا يقين، وقيل الظن هنا بمعنى: الكذب. وقيل: هو: مجرد الحدس، لما ذكر الله سبحانه أهل العلم منهم بأنهم غير عاملين بل يحرّفون كلام الله من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون، ذكر أهل الجهل منهم بأنهم يتكلمون على الأماني، ويعتمدون على الظن، الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره، ولا يظفرون بسواه. والويل: الهلاك. وقال الفراء: الأصل في الويل: وي، أي: حزن كما تقول وي لفلان: أي: حزن له، فوصلته العرب باللام، قال الخليل: ولم نسمع على بنائه إلا ويح، وويس، وويه، وويك، وويب، وكله متقارب في المعنى، وقد فرّق بينها قوم، وهي: مصادر لم ينطق العرب بأفعالها، وجاز الابتداء به، وإن كان نكرة؛ لأن فيه معنى الدعاء. والكتابة معروفة، والمراد: أنهم يكتبون الكتاب المحرّف، ولا يبينون، ولا ينكرونه على فاعله. وقوله: {بِأَيْدِيهِمْ } تأكيد؛ لأن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] وقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم }تفسير : [آل عمران: 167] وقال ابن السراج: هو: كناية عن أنه من تلقائهم. دون أن ينزل عليهم. وفيه أنه قد دلّ على أنه من تلقائهم قوله: {يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } فإسناد الكتابة إليهم يفيد ذلك. والاشتراء: الاستبدال، وقد تقدّم الكلام عليه، ووصفه بالقلة لكونه فانياً لا ثواب فيه، أو لكونه حراماً لا تحلّ به البركة، فهؤلاء الكتبة لم يكتفوا بالتحريف، ولا بالكتابة لذلك المحرّف، حتى نادوا في المحافل بأنه من عند الله، لينالوا بهذه المعاصي المتكرّرة هذا الغرض النزير، والعوض الحقير. وقوله: {مِّمَّا يَكْسِبُونَ } قيل من الرشا ونحوها. وقيل من المعاصي. وكرر الويل؛ تغليظاً عليهم، وتعظيماً لفعلهم، وهتكاً لأستارهم {وَقَالُواْ } أي: اليهود {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } الآية. وقد اختلف في سبب نزول الآية كما سيأتي بيانه. والمراد بقوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا } الإنكار عليهم لما صدر منهم من هذه الدعوى الباطلة أنها لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة: أي: لم يتقدّم لكم مع الله عهداً بهذا، ولا أسلفتم من الأعمال الصالحة ما يصدق هذه الدعوى حتى يتعين الوفاء بذلك، وعدم إخلاف العهد، أي: إن اتخذتم عند الله عهداً، فلن يخلف الله عهده {أم تقولون على الله مالا تعلمون}. قال في الكشاف، "و«أم» إما أن تكون معادلة بمعنى، أيّ الأمرين كائن على سبيل التقرير؛ لأن العلم واقع بكون أحدهما، ويجوز أن تكون منقطعة". انتهى. وهذا توبيخ لهم شديد. قال الرازي في تفسيره: العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد، وإنما سمي خبره سبحانه عهداً؛ لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة. وقوله: {بَلَىٰ } إثبات بعد النفي: أي بلى تمسكم، لا على الوجه الذي ذكرتم من كونه أياماً معدودة، والسيئة: المراد بها الجنس هنا، ومنه قوله تعالى {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] {أية : مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ }تفسير : [النساء: 123] ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لا بد أن تكون سيئة محيطة به. قيل: هي الشرك، وقيل الكبيرة، وتفسيرها بالشرك أولى؛ لما ثبت في السنة تواتراً من خروج عصاة الموحدين من النار، ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود، وإن كان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد قرأ نافع {خطياته} بالجمع، وقرأ الباقون بالإفراد، وقد تقدم تفسير الخلود. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: لا يدرون ما فيه: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } قال: وهم يجحدون، نبوّتك بالظن. وأخرج ابن جرير عنه قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله ولا كتاباً أنزله الله، فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله. وقد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين؛ لجحودهم كتب الله ورسله. وأخرج ابن جرير، عن النخعي قال: منهم من لا يحسن أن يكتب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ أَمَانِىَّ } قال: الأحاديث. وأخرج ابن جرير عنه أنها الكذب. وكذا روى مثله عبد بن حميد، عن مجاهد، وزاد {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } قال: إلا يكذبون. وأخرج النسائي، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: نزلت في أهل الكتاب. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وصححه عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره»تفسير : وأخرج ابن جرير من حديث عثمان مرفوعاً قال: «حديث : الويل جبل في النار» تفسير : وأخرج البزار، وابن مردويه، من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: أنه حجرٌ في النار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بأيديهم} قال: هم أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة أكحل، أعين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فلما وجدوه في التوراة مَحَوهُ حسداً، وبغياً، فأتاهم نفر من قريش، فقالوا: تجدون في التوراة نبياً أمياً؟ فقالوا: نعم، نجده طويلاً، أزرق، سبط الشعر. فأنكرت قريش، وقالوا: ليس هذا منا. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {ثَمَناً قَلِيلاً } قال: عرضاً من عرض الدنيا {فَوَيْلٌ لَّهُمْ } قال: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } يقول: مما يأكلون به الناس السفلة، وغيرهم. وقد ذكر صاحب الدرّ المنثور آثاراً عن جماعة من السلف أنهم كرهوا بيع المصاحف مستدلين بهذه الآية، ولادلالة فيها على ذلك، ثم ذكر ٱثاراً عن جماعة منهم أنهم جوّزوا ذلك ولم يكرهوه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والواحدي، عن ابن عباس؛ أن اليهود كانوا يقولون: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار، وإنما هي: سبعة أيام معدودة، ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: وجد أهل الكتاب مسيرة ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين، فقالوا: لن تعذب أهل النار إلا قدر أربعين، فإذا كان يوم القيامة ألجموا في النار، فساروا فيها حتى انتهوا إلى سقر، وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة، فقال لهم خزنة النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأمد، فيأخذون في الصعود يرهقون على وجوههم. وأخرج ابن جرير عنه أن اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة مدة عبادة العجل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة؛ قال: اجتمعت يهود يوماً، فخاصموا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، أربعين يوماً، ثم يخلفنا فيها ناس، وأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم،وردّ يديه على رأسه: «كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها، إن شاء الله أبداً، ففيهم نزلت هذه الآية: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ }» وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد، والبخاري، والدارمي، والنسائي، من حديث أبي هريرة؛ «أن النبي سأل اليهود في خيبر:حديث : من أهل النار؟ تفسير : فقالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبداً»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا } أي: موثقاً من الله بذلك أنه كما تقولون. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس أنه فسر العهد هنا بأنهم قالوا لا إله إلا الله، لم يشركوا به ولم يكفروا. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } قال: قال القوم: الكذب والباطل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً } قال: الشرك. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وقتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خطيئته} قال: أحاط به شركه، وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً } أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم حتى يحيط كفره بماله من حسنة {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } أي: من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خطيئته} قال: هي: الكبيرة الموجبة لأهلها النار. وأخرج وكيع، وابن جرير، عن الحسن أنه قال: كل ما وعد الله عليه النار، فهو الخطيئة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن الربيع بن خيثم؛ قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب. وأخرج مثله ابن جرير عن الأعمش.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ} فيه قولان: أحدهما: أن الأُمّي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو قول مجاهد وأظهرُ تأويله. والثاني: أنَّ الأُمّيين: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، وكتبوا كتاباً بأيديهم، وقال الجهال لقومهم: هذا من عند الله، وهذا قول ابن عباس. وفي تسمية الذي لا يكتب بالأمي قولان: أحدها: أنه مأخوذ من الأمة، أي على أصل ما عليه الأمّة، لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب، ومنه قول الأعشى: شعر : وإنّ معاويةَ الأكرمين حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ تفسير : والثاني: أنه مأخوذ من الأُم، وفي أخذه من الأُم تأويلان: أحدهما: أنه مأخوذ منها، لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب. والثاني: أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ، لأن الكتاب في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه، لجهلها بالكتاب دونه أبيه. وفي قوله تعالى: {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} أربعة تأويلات: أحدها: إِلاَّ أَمَانِيَّ: يعني: إلا كذباً، قاله ابن عباس ومجاهد، قال الشاعر: شعر : ولكنما ذاك الذي كان منكما أمانّي ما لاقت سماء ولا أرضا تفسير : والثاني: إِلاَّ أَمَانِيَّ، يعني، أنهم يَتَمَنَّونَ على الله ما ليس لهم، قاله قتادة. والثالث: إِلاَّ أَمَانِيَّ، يعني [إلا أماني يعني إلا تلاوة من غير فهم قاله الفراء والكسائي ومنه قوله تعالى: {أية : إلاَّ إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشيْطَانُ في أمنيِّتِه} تفسير : [سورة الحج: 52] يعني ألقى الشيطانُ في أُمنيِّتِه، وقال كعب بن مالك: شعر : تمنّى كتاب الله أول ليلهِ وآخرَه لاقي حمام المقادر تفسير : والرابع: أنَّ الأَمَانِيَّ: التقدير، حكاه ابن بحر وأنشد قول الشاعر: شعر : ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله حتى تَبَيّنَ ما يمني لك الماني تفسير : (وإلا): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع ومنه قوله تعالى: {أية : مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ} تفسير : [النساء: 157] قال النابغة: شعر : حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب تفسير : {وَإِنْ هُم إِلاَّ يَظُنُّونَ} فيه وجهان: أحدهما: يكذبون، قاله مجاهد. والثاني: يحدثون، قاله البصريون. قوله تعالى: {فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم} في الويل ستة أقاويل: أحدها: أنه العذاب، قاله ابن عباس. والثاني: أنه التقبيح، وهو قول الأصمعي. ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 18]. وقال الشاعر: شعر : كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ تفسير : والثالث: أنه الحزن، قاله المفضل. والرابع: أنه الخزي والهوان. والخامس: أن الويل وادٍ في جهنم، وهذا قول أبي سعيد الخدري. والسادس: أنه جبل في النار، وهو قول عثمان بن عفان. {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم} أي يغيرون ما في الكتاب من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته. وفي قوله تعالى: {بِأَيدِيهِم} تأويلان: أحدهما: أنه أراد بذلك تحقيق الإضافة، وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد، كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ}. والثاني: أن معنى {بِأَيْدِيهِم} أي من تلقاء أنفسهم، قاله ابن السراج. وفي قوله تعالى: {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً} تأويلان: أحدهما: ليأخذوا به عرض الدنيا، لأنه قليل المدة، كما قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وهذا قول أبي العالية. والثاني: أنه قليل لأنه حرام. {وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ} فيه وجهان: أحدهما: من تحريف كتبهم. والثاني: من أيام معاصيهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُمِّيُّونَ} قوم لم يصدقوا رسولاً، ولا كُتباً وكتبوا كتاباً بأيديهم وقالوا لجهالهم هذا من عند الله، والأظهر أن الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسب إلى أصل ما عليه الأمَّة من أنها لا تكتب ابتداء، أو أنه على ما ولدته أمه، أو نسب إلى أمه، لأن المرأة لا تكتب غالباً. {أمَانِىَّ} تلاوة، أو كذباً، أو أحاديث، أو يتمنون على الله ـ تعالى ـ ما ليس لهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ...} قال ابن عطية: الأميون عامة اليهود وأتباعهم لا يطمع في إيمانهم. قال ابن عرفة: يؤخذ منه ذم التقليد لكن في الباطل، ولا نزاع فيه. ابن عطية: وقيل: قوم ذهب كتابهم. وقيل: نصارى العرب. وعن عليّ هم المجوس. واستبعده ابن عرفة لأنهم لا كتاب لهم، (وقد) جعلهم منهم. ووجهه ابن عطية: بأن الضمير في "مِنْهُم" على هذا يرجع للكفار أجمعين (لا أنه) خاص بأهل الكتاب. قال أبو حيان: والاستثناء منفصل. قال الطيبي: يعلمون (بمعنى) يعرفون. ولا يصح أن تكون "أَمَانِيَّ" مفعولا ثانيا لها لأن عَلِمَ المتعدية إلى اثنين داخلة على المبتدأ والخبر والكتاب ليس هو الأماني بل غيرها. ورده ابن عرفة بأن ذلك إنما هو في الإثبات، وأما في النفي فيجوز أن تقول: لا أعلم زيدا حمارا. قيل له: هذا الثاني مثبت ولا يجوز أن تقول: لا أعلم زيد إلا حمارا؟ فقال: الأَمَانِي (هنا) في معنى النفي إذ ليس المراد إلا النفي المطلق. قال ابن عرفة: والأَمَانِيّ، إمّا بمعنى التلاوة أي لا يعلمون معنى الكتاب بل يحفظون ألفاظه فقط، وأنشدوا عليه قولا في عثمان: شعر : (تمنّى) كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقاد تفسير : وإِمَّا معنى (التمني) أي أنهم يتمنون أن يكونوا يحفظونه ويعلمونه. قلت: وتقدم لنا في الختمة الأخرى أنه من تأكيد الذّم بما يشبه المدح كقوله: شعر : هو الكلب إلاّ أنّ فيه ملالة وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب تفسير : وعكسه كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}. ابن عطية: الظن على بابه ونقل عن الشيخ أبي علي ناصر الدين أنه معنى يَشُكونَ. وردّه ابن عرفة: بأن فروع الشريعة عندنا يكفي فيها الظنّ والأمور الاعتقادية لا بد فيها من العلم وهذا أمر اعتقادي فالظن (فيه) غير (كاف) فلذلك سجل (عليهم بوصف الظنّ) دون الاتصاف بالعلم فلا يحتاج إلى جعله بمعنى الشك.
ابن عادل
تفسير : واعلم أنه ـ تعالى ـ لما وصف اليهود بالعِنَادِ، وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الضَّالة المضلّة، وهم الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه. والفرقة الثانية: المنافقون. والفرقة الثالثة: الذين يُجَادلون المنافقين. والفرقة الرابعة: هم المذكورون هنا، وهم العامة الأمّيون الذين لا يعرفون القراءة، ولا الكتابة، وطريقتهم التقليد وقَبُول ما يقال لهم، فبين الله ـ تعالى ـ أن المُمْتَنِعِينَ عن الإيمان ليس سبب ذلك واحداً، بل لكل قسم سبب. وقال بعضهم: هم بعض اليهود والمنافقين. وقال عكرمة والضَّحاك: "هم نصارى العرب". وقيل: "هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، فصاروا آمنين". وعن علي ـ رضي الله عنه ـ هم المجوس. قوله: "مِنْهُمْ" خبر مقدم، فتعلّق بمحذوف. و "أمّيون" مبتدأ مؤخر، ويجوز على رأي الأخفش أن يكون فاعلاً بالظرف قبله، وإن لم يعتمد. وقد بنيت على ماذا يعتمد فيما تقدم. و "أُمِّيُّونَ" جمع "أمّي" وهو من لا يَكْتب ولا يَقْرأ. واختلف في نسبته فقيل: إلى "الأمّ" وفيه معنيان: أحدهما: أنه بحال أُمّه التي ولدته من عدم معرفة الكتابة، وليس مثل أبيه؛ لأن النساء ليس من شُغْلهن الكتابة. والثاني: أنه بحاله التي ولدته أمه عليها لم يتغير عنها، ولم ينتقل. وقيل: نسب إلى "الأُمَّة" وهي القَامَة والخِلْقَة، بمعنى أنه ليس له من النَّاس إلا ذلك. وقيل: نسب إلى "الأُمَّة" على سَذَاجتها قبل أن يَعْرِف الأشياء، كقولهم: عامي أي: على عادة العامة. وعن ابن عَبَّاس: "قيل لهم: أميون؛ لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب". وقال أبو عبيدة: "قيل لهم: أُميون، لإنْزَال الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا لأم الكتاب". وقرأ ابن أبي عَبْلة: "أُمِّيُون" بتخفيف الياء كأنه استثقل توالي تضعيفين. وقيل: الأمي: من لا يُقِرّ بكتاب ولا رسول. قوله: "لاَ يَعْلَمُونَ" جملة فعلية في محلّ رفع صفة بـ "أميون"، كأنه قيل: أميون غير عالمين. قوله: "إِلاَّ أَمَانِيَّ" هذا استثناء منقطع؛ لأن "الأماني" ليست من جنس "الكتاب"، ولا مندرجة تحت مدلوله، وهذا هو المُنْقطع، ولكن شرطه أن يتوهّم دخوله بوجه ما، كقوله: {أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ}تفسير : [النساء:157] وقوله النَّابغة: [الطويل] شعر : 601ـ حَلَفْتُ يَمِيناً غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ وَلاَ عِلْمَ إِلاَّ حُسْنَ ظَنٍّ بِصَاحِبِ تفسير : لأن بذكر العلم اسْتُحضِر الظن، ولهذا لا يجوز: صَهَلَتِ الخيل إلاَّ حماراً. واعلم أن المنقطع على ضربين: ضرب يصحّ توجه العامل عليه، نحو: جاء القوم إلاّ حماراً. وضرب لا يتوجه نحو ما مثل به النحاة: "ما زاد إلا ما نقص"، و "ما نفع إلا ما ضر" فالأول فيه لُغتان: لغة "الحجاز" وجوب نصبه، ولغة "تميم" أنه كالمتّصل، فيجوز فيه بعد النفي وشبهه النصب والإتباع. والآية الكريمة من الضرب الأول، فيحتمل في نصبها وَجْهان: أحدهما: على الاستثناء المنقطع. والثاني: أنه بدل من "الكتاب". و "إلاّ" في المنقطع تقدر عند البصريين بـ "لَكِنَّ"، وعند الكونفيين بـ "بل"، وظاهر كلام أبي البقاء أن نصبه على المصدر بفعل مَحْذُوف، فإنه قال: "إلا أماني" استثناء منقطع؛ لأن الأماني ليس من جنس العلم، وتقدير "إلاّ" في مثل هذا بـ "لكن" أي: لكن يتمنونه أماني، فيكون عنده من باب الاستثناء المفرّغ المنقطع، فيصير نظير: "ماعلمت إلا ظنّاً". [وفيه نظر]. الأَمَاني جمع "أُمْنِيَّة" بتشديد الياء فيها. وقال أبو البَقَاءِ: "يجوز تخفيفها فيها". وقرأ أبو جعفر بتخفيفها، حَذَفَ إحدى الياءين تخفيفاً. قال الأخفش: "هذا كما يقال في جمع مفتاح: مفتاح ومفاتيح". قال النَّحَّاس: "الحذف في المعتلّ اكثر"؛ وأنشد قول النابغة: [الطويل] شعر : 602ـ وَهَلْ يُرْجِعُ التَّسْلِيمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ثَلاثُ الأَثَافِي والرُّسُومُ البَلاَقِعُ تفسير : وقال أبو حَاتِمٍ: "كلّ ما جاء واحده مشدداً من هذا النوع فلك في الجمع الوجهان". وأصله يرجع إلى ما قال الأخفش. ووزن "أمنية": "أُفْعُولَة" من تَمَنَّى يَتَمَنَّى: إذا تلا وقرأ؛ قال: [الطويل] شعر : 603ـ تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رِسْلِ تفسير : وقال كعب بن مالك: [الطويل] شعر : 604ـ تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاَقَى حِمَامَ المقَادِرِ تفسير : وقال تعالى: {أية : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ}تفسير : [الحج:52] أي: قرأ وتلا. والأصل على هذا: "أُمْنُويَة" فأعلت إعلال "ميت" و "سيد" وقد تقدم. وقيل: الأمنية: الكذب والاختلاق. قال أعرابي لابن دَأْب في شيء يحدث به: أهذا الشيء رويته أم تمنيته أي: اختلقته. وقيل: ما يتمنّاه الإنسان ويشتهيه. وقيل: ما يقدره ويحزره من مَنَّى: إذا كذب، أو تمنى، أو قدر؛ كقوله: [البسيط] شعر : 605ـ لاَ تَأْمَنَنَّ وَإِنْ أَمْسَيْتَ في حَرَمٍ حَتَّى تُلاَقِيَ مَا يَمْنِي لَكَ المَانِي تفسير : أي: يقدر لك المقدر. قال الراغب: والمني: التقدير، ومنه "المَنَا" الذي يُوزَن به، ومنه "المنية" وهو الأجل المقدر للحيوان، "والتَّمَنِّي": تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن ظنّ وتخمين، وقد يكون بناء على رَوِيَّةٍ وأصل، لكن لما كان أكثره عن تخمين كان الكذب أملك له، فأكثر التمني تصوّر ما لا حقيقة له [والأمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء]. ولما كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ الدَّال صار التمني كالمبدأ للكذب فعبر عنه. ومنه قوله عثمان: "ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت". وقال الزمخشري: والاشتقاق من منَّى: إذا قدَّر؛ لأن المتمني يُقَدِّرُ في نفسه، ويَحْزر ما يتمناه، وكذلك المختلق، والقارىء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، فجعل بين هذه المعاني قدراً مشتركاً وهو واضح. وقال أبو مسلم: حَمْله على تمني القلب أولى بقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}تفسير : [البقرة:111]. وقال الأكثرون: حمله على القراءة أليق؛ لأنا إذا حَمَلْنَاه على ذلك كان له به تعلّق، فكأنه قال: لا يعلمون الكتاب إلاَّ بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنَّهُمْ لا يتمكّنون من التدبُّر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً. قوله: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} "إن" نافية بمعنى "ما" وإذا كانت نافية المشهور أنها لا تعمل عمل "ما" الحِجَازية. وأجاز بعضهم ذلك ونسبه لسيبويه، وأنشد: [المنسرح] شعر : 606ـ إنْ هُوَ مُسْتَوْلِياً عَلَى أَحَدٍ إلاَّ عَلَى أَضْعَفِ المَجَانِينِ تفسير : "هو" اسمها، و "مستولياً" خبرها. فقوله: "هم" في محل رفع الابتداء لا اسم "إن" لأنها لم تعمل على المشهور، و "إلا" للأستثناء المفرغ، ويظنون في محلّ الرفع خبراً لقوله "هم". وحذف مفعولي الظَّن للعمل بهما واقتصاراً، وهي مسألة خلاف. فصل في بطلان التقليد في الأصول الآية تدلّ على بطلان التقليد. قال ابن الخطيب: وهو مشكل؛ لأن التقليد في الفروع جائز عندنا. قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ} "ويل" مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة، لأنه دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات، سواء كان دعاء له نحو: "سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ" أو دعاء عليه كهذه الآية، والجار بعده الخبر، فيتعلّق بمحذوف. وقال أبو البقاء: ولو نصب لكان له وجه على تقدير: ألزمهم الله ويلاً، واللام للتبيين؛ لأن الاسم لم يذكر قبل المصدر يعني: أن اللام بعد المنصوب للبيان، فيتعلّق بمحذوف. وقوله: لأن الاسم لم يذكر قبل، يعني أنه لو ذكر قبل "ويل" فقلت: "ألزم الله زيداً ويلاً" لم يحتج إلى تبيين بخلاف ما لو تأخر. وعبارة الجرمي توهم وجوب الرفع في المقطوع عن الإضافة؛ ونصّ الأخفش على جواز النّصب، فإنه قال: ويجوز النصب على إضمار فعل أي: ألزمهم الله ويلاً. واعلم أن "وَيْلاً" وأخواته وهي: "وَيْح" و "وَيْس" و "وَيْب" و "وَيْه" و "ويك" و "عَوْل" من المصادر المنصوبة بأفعال من غير لفظها، وتلك الأَفْعَال واجبة الإضمار، لا يجوز إظهارها ألبتة؛ لأنها جعلت بدلاً من اللفظ بالفعل، وإذا فصل عن الإضافة فالأحسن فيه الرفع نحو: "ويل له" وإن أضيف نصب على ما تقدم، وإن كانت عبارة الجرمي توهم وجوب الرفع عند قَطْعه عن الإضافة، فإنه قال: فإذا أدخلت اللاّم رفعت فقلت: "ويل له" و "ويح له" كأنه يريد على الأكثر، ولم يستعمل العرب منه فعلاً؛ لاعتلال عينه وفائه. وقد حكى ابن عرفة: "تَوَيَّلَ الرجل" إذا دعا بالوَيْلِ. وهذا لا يرد؛ لأنه مثل قولهم: سَوَّفْتَ ولَوْلَيت إذا قلت له: سَوْفَ وَلَوْ. ومعنى الويل: شدة الشر، قاله الخليل. وقال الأَصْمَعِيّ: الويل: التفجُّع، والويح: الترحم. وقال سيبويه: وَيْلٌ لمن وقع في الهَلكة، وويح زجر لمن أشرف على الهلاك. وقيل: الويل: الحزن. وهل "ويل وويح وويس وويب" بمعنى واحد أو بينها فرق؟ خلاف فيه، وقد تقدم ما فرق به سيبويه في بعضها. وقال قوم: "ويل" في الدعاء عليه، و "ويح" وما بعده ترحم عليه. وزعم الفراء أنّ أَصْل "ويل": وَيْ، أي: حزن، كما تقول: وي لفلان أي حُزْنٌ له، فوصلته العرب باللاّم، وقدرت أنها منه فأعربوها، وهذا غريب جدًّا. ويقال: وَيْلٌ وَوَيْلَة. وقال امرؤ القيس [الطويل] شعر : 607ـ لَهُ الوَيْلُ إنْ أَمْسَى وَلاَ أُمُّ عَامِرٍ لَدَيْه وَلاَ البَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا تفسير : وقال أيضاً: [الطويل] شعر : 608ـ وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ فَقَالَتْ: لَكَ الوَيْلاَتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي تفسير : فـ "وَيْلات" جمع "وَيْلة" لا جمع "وَيْل" كما زعم ابن عطية؛ لأن جمع المذكر بالألف والتاء لا ينقاس. قال ابن عباس رضي الله عنه: "الويل العذاب الأليم"، وعن سفيان الثورى أنه قال: "صديد أهل جهنم". وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "حديث : الوَيْلُ وَادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ"تفسير : ]. وقال سعيد بن المسيب: "وَادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدّنيا لانماعت من شدّة حره". وقال ابن يزيد: "جبل من قَيْح ودم". وقيل: صهريج في جهنم. وحكى الزهراوي عن آخرين: أنه باب من أبواب جَهَنّم. وعن ابن عباس: الويل المشقّة من العذاب. وقيل: ما تقدم في اللغة. قوله: "بِأَيْدِيْهِمْ" متعلّق بـ "يكتبُون"، ويبعد جعله حالاً من "الكتاب"، والكتاب ـ هنا ـ بعض المكتوب، فنصبه على المفعول به، ويبعد جعله مصدراً على بابه، وهذا من باب التأكيد، فإن [الكتابة] لا [تكون] بغير اليد، [ونظيره]: {أية : وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام:38] {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم}تفسير : [آل عمران:167]. وقيل: فائدة ذكره أنهم باشروا ذلك بأنفسهم، ولم يأمروا به غيرهم، فإنّ قولهم: فعل كذا يحتمل أنه أمر بفعله ولم يباشره، نحو: "بنى الأمير المدينة" فأتى بذلك رفعاً لهذا المجاز. وقيل: فائدة [ذكره أنهم باشروا ذلك بأنفسهم، ولم يأمروا به غيرهم. ففائدته] بيان جرأتهم ومجاهرتهم، فإن المُبَاشر للفعل أشدّ مواقعة ممن لم يباشره. وهذان القولان قريبان من التأكيد، فإنّ أصل التأكيد رفع توهّم المجاز. وقال ابن السراج: ذكر الأيدي كناية عن أنهم اختلقوا ذلك من تِلْقَائهِمْ، ومن عند أنفسهم، وهذا الذي قاله لا يلزم. والأيدي: جمع "يد"، والأصل: أَيْدُيٌ بضم الدال كـ "فلس وأفلس" في القِلّة، فاستثقلت الضمة قبل الياء، فقلبت كسرة للتجانُس، نحو: "بيض" جمع "أبيض"، والأصل "بُيْض" بضم الباء كـ "حمر" جمع "أحمر"، وهذا رأي سيبويه، أعني أنه يقر الحرف ويغير الحركة، ومذهب الأخفش عكسه، وسيأتي تحقيق مذهبهما عند ذكر "معيشة" إن شاء الله تعالى. وأصل "يد": يَدْيٌ ـ بسكون العين. وقيل: يَدَيٌ ـ بتحريكها ـ فَتحرَّكَ حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً، فصار: يَداً كـ "رَحًى" وعليه التثنية: يَدَيَانِ وعليه أيضاً قوله: [الزجز] شعر : 609ـ يَا رُبَّ سَارٍ بَاتَ ما تَوَسَّدَا إلاَّ ذِرَاعَ العَنْزِ أَوْ كَفَّ اليَدَا] تفسير : والمشهور في تثنيتها عدم ردِّ لامها، قال تعالى: {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}تفسير : [المائدة:64] {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}تفسير : [المسد:1] وقد شذّ الردُّ في قوله: يَدَيَانِ؛ قال: [الكامل] شعر : 610ـ يَدَيَانِ بَيْضَاوَانِ عِنْدَ مُحَلَّمٍ قَدْ يَمْنَعَانِكَ أَنْ تُضَامَ وتُقْهَرَا تفسير : و "أياد" جمع الجمع، نحو: كلب وأكلب وأكالب، ولا بد في قوله: "يَكْتُبُونَ الكِتَابَ" من حذف يصح معه المعنى، فقدره الزمخشري: "يكتبون الكتاب المحرف"، وقدره غيره حالاً من الكتاب تقديره: ويكتبون الكتاب محرفاً، وإنما [أحوج] إلى هذا الإضمار؛ لأن الإنكار لا يتوجّه على من كتب الكتاب بيده إلا إذا حرفه غيره. قوله: "لِيَشْتَرُوا" اللام: لام كي، وقد تقدمت، والضمير في "به" يعود على ما أشاروا إليه بقوله "هذا من عند الله". و "ثَمَناً" مفعوله. وقد تقدّم تحقيق دخول الباء على غير الثمن عند قوله: {أية : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}تفسير : [البقرة:41] فليلتفت إليه، واللاّم متعلقة بـ "يقولون" أي: يقولون ذلك لأجل الاشتراء. وأبعد من جعلها متعلّقة بالاستقرار الذي تضمنه قوله: {مِنْ عِنْد اللَّهِ}. قوله: {مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} متعلّق بـ "ويل" أو بالاستقرار في الخبر. و "من" للتعليل و "ما" موصولة اسمية، والعائد محذوف، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة. والأول أقوى، والعائد أيضاً محذوف أي: كتبته، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: من كَتْبِهِمْ. و {وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} مثل ما تقدم قبله، وإنما كرر الوَيْل؛ ليفيد أن الهَلَكَة متعلقة بكل واحد من الفعلين على حِدَته لا بمجموع الأمرين، وإنا قدم قوله: "كَتَبَتْ" على "يَكْسِبُون"؛ لأن الكتابة مقدمة، فنتيجتها كَسْب المال، فالكَتْب سبب والكَسْب مسبب، فجاء النظم على هذا. فصل في سبب هذا الوعيد هذا الوعيد مرتّب على أمرين: على الكتابة الباطلة لقصد الإضلال، وعلى أن المكتوب من عند الله، فالجمع بينهما منكر عظيم. وقوله: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تنبيه على أمرين: الأول: أنه يدلّ على نهاية شقاوتهم؛ لأن العاقل لا يرضى بثمن قليل في الدنيا يحرمه الأجر العظيم الأبدي في الآخرة. والثاني: إنما فعلوا ذلك طلباً للمال والجَاهِ، وهذا يدلّ على أن أَخْذَ المال بالباطل وإن كان بالتّراضي فهو مُحَرّم؛ لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان عن محبة ورضا. وقوله: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} دليل على أخذهم المال عليه، فلذلك كرر [ذكر] الويل. واختلفوا في قوله: "يَكْسِبُونَ" هل المراد سائر معاصيهم، أو ما كانوا يأخذون على الكتابة والتحريف؟ والأقرب في نظم الكلام أنه راجعٌ إلى الكَسْب المأخوذ على وجه الكتابة والتحريف، وإن كان من حيث العموم أنه يشمل الكل. فصل في الرد على المعتزلة قال القاضي: دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله ـ تعالى ـ لأنها لو كانت خلقاً لله ـ تعالى ـ لكانت إضافتها إليه ـ تعالى ـ بقولهم: {هو من عند الله} حقيقة؛ لأنه ـ تعالى ـ إذا خلقها فيهم فَهَبْ أن العبد يكتسب إلا أن نسبة ذلك الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب، فكان إسناد تلك الكتابة إلى الله ـ تعالىـ أولى من إسنادها إلى العَبْدِ، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها: إنها من عند الله، ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتابة ليست مخلوقة لله تعالى. والجواب: أنَّ الداعية الموجبة لها من خَلْق الله كما تقدم في مسألة الداعي. فصل يروى أن أَحْبار اليهود خافوا ذهاب كَلِمتهم ومآكلهم وزوال رِيَاستهم حين قدم رسول الله صلى لله عليه وسلم "المدينة" فاحْتَالوا في تَعْويق اليهود عن الإيمان، فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة فغيّروها، وكان صفته فيها حَسَن الوجه، حَسَن الشعر، أَكْحَل العينين رَبْعة القامة فغيّروها وكتبوا مكانها طويلاً أَزْرق سَبْطَ الشعر، فإذا سألهم سَفَلتهم عن محمد صلى الله عليه وسلم قرءوا ما كتبوه عليهم، فيجدونه مخالفاً لصفته فيكذبونه. وقال أبو مَالِكٍ: نزلت هذه الآية في الكاتب الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيغير ما يملي عليه. روى الثعلبي بإسناده حديث : عن أنس أن رجلاً كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد قرأ "البقرة" و "آل عمران" وكان النبي صلى الله عليه وسلم تلا "غفوراً رحيماً" فكتب "عليماً حكيماً" فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "اكْتُبُ كَيْفَ شِئْتَ" قال: فارتد ذلك الرجل عن الإسلام، ولحق بالمشركين فقال: أنا أعلمكم بمحمد إنِّي كنت أكتب ما شئت، فمات ذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الأَرْضَ لاَ تَقْبَلُهُ" قال: فأخبرني أبو طَلْحَة: أنه أتى الأرض التي مات فيها، فوجده منبوذاً. تفسير : قال أبو طلحة: ما شأن هذا الميت؟ قالوا دفناه مراراً فلم تقبله الأرض.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله، فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبرهم أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب} قال: منهم من لا يحسن أن يكتب. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب} قال: لا يدرون ما فيه {وإن هم إلا يظنون} وهم يجحدون نبوّتك بالظن. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب} قال: ناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب أماني تمنونها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا أماني} قال: إلا أحاديث. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {إلا أماني} قال: إلا قولاً يقولون بأفواههم كذباً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {إلا أماني} قال: إلا كذباً {وإن هم إلا يظنون} قال: الا يكذبون.
ابو السعود
تفسير : {وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ} وقرىء بتخفيف الياء، جمع أُمِّيّ، وهو من لا يقدر على الكتابة والقراءة واختُلف في نسبته فقيل: إلى الأم بمعنى أنه شبـيهٌ بها في الجهل بالكتابة والقراءة فإنهما ليستا من شؤون النساء بل من خِلال الرجال أو بمعنى أنه على الحالة التي ولدتْه أمُه في الخلوِّ عن العلم والكتابة وقيل: إلى الأُمّة بمعنى أنه باقٍ على سذاجتها خالٍ عن معرفة الأشياء كقولهم: عامّي أي على عادة العامة. روي عن عكرمة والضحاك أن المراد بهم نصارىٰ العربِ وقيل: هم قومٌ من أهل الكتاب رُفع كتابُهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أمّيـين، وعن عليّ رضي الله تعالى عنه: هم المجوسُ. والحقُّ الذي لا محيد عنه أنهم جَهلةُ اليهودِ والجملةُ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبـيان قبائحِهم إثرَ بـيانِ شنائعِ الطوائفِ السالفة، وقيل: هي معطوفةٌ على الجملة الحالية فإن مضمونَها منافٍ لرجاء الخير منهم وإن لم يكن فيه ما يحسِمُ مادةَ الطمع عن إيمانهم كما في مضمون الجملة الحالية وما بعدها، فإن الجهل بالكتاب في منافاة الإيمان ليس بمثابة تحريفِ كلامِ الله بعد سماعِه والعلمِ بمعانيه كما وقع - من الأولين أو النفاق والنهي عن إظهار ما في التوراة كما وقع - من الفِرقتين الأخْرَيـين، أي ومنهم طائفةٌ جهَلةٌ غيرُ قادرين على الكتابة والتلاوة. {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي لا يعرِفون التوراةَ ليطالعوها ويتحقَّقوا ما في تضاعيفها من دلائل النبوة فيؤمنوا وحَملُ الكتاب على الكتابة يأباه سباقُ النظم الكريم وسياقُه {إِلاَّ أَمَانِىَّ} بالتشديد وقرىء بالتخفيف جمع أمنية أصلُها أُمنُوية أفعولة من منَّى بمعنى قدِّر أو بمعنى تلا، كَتَمَنَّى في قوله: *تمنَّى كتابَ الله أولَ ليله* فأُعلَّت إعلالَ سيِّد وميِّت ومعناها على الأول ما يقدّره الإنسان في نفسه ويتمناه وعلى الثاني ما يتلوه وعلى التقديرين فالاستثناءُ منقطع إذ ليس ما يُتمنَّى وما يُتلى من جنس علم الكتاب أي لا يعلمون الكتابَ لكن يتمنَّوْن أمانيَّ حسبما منَّتْهم أحبارُهم من أن الله سبحانه يعفو عنهم وأن آباءَهم الأنبـياءَ يشفعون لهم، وغيرُ ذلك من أمانيهم الفارغةِ المستندة إلى الكتاب على زعم رؤسائِهم. أو لا يعلمون الكتابَ لكن يتلقَّوْنه قدْرَ ما يُتلى عليهم فيقْبَلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر فيه، وأما حملُ الأمانيَّ على الأكاذيبِ المختلفة على الإطلاق من غير أن يكون لها ملابسةٌ بالكتاب فلا يساعدُه النظمُ الكريم {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} ما هم إلا قومٌ قُصارى أمرِهم الظنُّ والتقليدُ من غير أن يصِلوا إلى رتبة العلمِ فأنَّى يُرْجىٰ منهم الإيمانُ المؤسَّسُ على قواعد اليقينِ. ولما بـين حالَ هؤلاء في تمسكهم بحبال الأمانيّ واتباعِ الظن عقَّب ببـيان حالِ الذين أوقعوهم في تلك الورطةِ وبكشف كيفية إضلالِهم وتعيـين مرجعِ الكلِّ بالآخرة فقيل على وجه الدعاء عليهم.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}[78] يعني أنهم يتمنون على الله الباطل ميلاً إلى هوى نفوسهم بغير هدى من الله، يعني اليهود.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاَّ أمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً}. أخبر أنهم متفاوتون في نقائص كفرهم، فقومٌ منهم أخَسُّ درجةً وأكثر جهلاً ركنوا إلى التقليد، ولم يملكهم استيلاء شبهة بل اغتروا بظنِّ وتخمين، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها، دون معرفة معانيها. ومنهم مَنْ أكثرُ شأنه ما يتمناه في نفسه، ولا يساعده إمكان، ولا لظنونه قط تحقيق. ثم أخبر عن سوء عاقبتهم بقوله جل ذكره: {فَوَيْلُ لَّهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}. أي خَسِروا في الحال والمآل، والإشارة في هذه الآية لمن عَدِم الإخلاص في الصحبة في طريق الحق؛ يَنْضَمُّ إلى الأولياء ظاهراً ثم لا تَصْدُقُ له إرادة فهو مع أهل الغفلة مُصَاحِب، وله مع هذه الطريقة جانب، كلما دَعَتْهُ هواتف الحظوظ تَسَارَعَ إلى الإجابة طوعاً، وإذا قادته دواعي الحق - سبحانه - يتكلف شيئاً، فَبِئْسَتْ الحالة حين لم يخلص، وما أشد ندمه فيما ادَّخَرَ عن الله ثم لا يُفْلحْ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومنهم} اى من اليهود {اميون} لا يحسنون الكتب ولا يقدرون على القراءة والامى منسوب الى امة العرب وهى الامة الخالية عن العلم والقراءة فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة {لا يعلمون الكتاب} اى لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة فيؤمنوا {الا امانى} جمع امنية من التمنى والاستثناء منقطع لانها ليست من جنس الكتب اى لكن الشهوات الباطلة ثابتة عندهم وهى المفتريات من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم وانهم لا يعذبون فى النار الا اياما معدودة وان آباءهم الانبياء يشفعون لهم وان الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم ولا حجة لهم فى صحة ذلك {وان هم} اى ما هم {الا يظنون} ظنا من غير تيقن بها اى ما هم الا قوم قصارى امرهم الظن والتقليد من غير ان يصلوا الى مرتبة العلم فانى يرجى منهم الايمان المؤسس على قواعد اليقين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: أماني: جمع أمنية، وهي في الأصل: ما يُقَدِّرُهُ الإنسان في نفسه من مُنى إذا قدَّر، ولذلك تطلق على الكذب، وعلى ما يتمنى وما يقرأ، قاله اليضاوي. والاستثناء منقطع، أي: لكن أكاذيب، ويقال: تمنى الرجل، إذا كذب واختلق الحديث، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: (والله ما تَمنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ منذُ أَسْلَمْتُ). يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَمِنْهُمْ} أي: من اليهود عوام {أُمِّيُّونَ} لا يقرؤون الكتاب ولا يفهمونه، لكن يسمعون من أحبارهم {أَمَانِيَّ} كاذبة، وأشياء يظنونها من الكتاب، ولا علم لهم بصحتها، كتغيير صفته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، أو مواعيد فارغة، ومطامع خاوية، سمعوها منهم، من أن الجنة لا يدخلها إلا هم، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة، وغير ذلك من أمنيتهم الفارغة وأمانيهم الباطلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن المنكرين على أهل الخصوصية ثلاث فرق: أهل الرئاسة المتكبرون، والفقهاء، المتجمدون، والعوام المقلدون، يصدق عليهم قوله تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني}؛ إذ لا علم عندهم يُميزون به المحق من المبطل، وإنما هم مقلدون، فوزرهم على مَن حرمهم بركة الاعتقاد، وأدخلهم في شؤم الانتقاد، ولقد أحسن "ابن البنا" حيث قال في شأن أهل الإنكار. شعر : واعلمْ رعاكَ اللّهُ مِنْ صَديقِ أنَّ الورَى حَادُوا عن التحقيق إذْ جَهِلُوا النفوسَ والقلوبَ وطلبُوا مَا لم يكُنْ مَطلُوبَا واشْتَغَلُوا بعَالَمْ الأبدانِ فالكلُّ نساءٍ منْهمُ ودَانِ وأنكَرُوا مَا جَهِلوا وزَعموا أنْ لَيسَ بعدَ الجسمِ شَيْءٌ يُعلمُ وكفَّرُوا وزندقُوا وبدَّعُوا إذَا دَعَاهُم اللَّبِيبُ الأوْرَعُ كلٍّ يرى أنْ لَيسَ فوقَ فَهْمِهِ فَهْمٌ ولاَ عِلْمٌ وراءَ عِلْمِهِ مُحْتَجِباً عَنْ رؤيةِ المَراتبْ عَلّ يُسْمَى عَالماً وَطالبِ هَيْهَاتَ هذا كُلَّه تقْصِيرُ يأنَفُهُ الحَاذقُ والنَّحْرِيرُ
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابو جعفر المدني: اماني مخففاً والباقون بالتشديد. المعنى: قوله: {ومنهم} يعني هؤلاء اليهود الذين قص الله قصتهم في هذه الآيات وقطع الطمع في ايمانهم. وقال اكثر المفسرين: سموا اميين، لأنهم لا يحسنون الكتابة، ولا القراءة. يقال منه: رجل امي بين الامية. ومنه قوله "ع" أما امة اميون لا يكتب ولا يحسب وانما سمي من لا يحسن الكتابة امياً لأحد امور. قال قوم: هو مأخوذ من الامة أي هو على اصل ما عليه الامة من انه لا يكتب. لا يستفيد الكتابة بعد اذ لم يكن يكتب الثاني ـ ان الامة: الخلقة. فسمي امياً لأنه باق على خلقته. ومنه قول الاعشى: شعر : وان معاوية الا كرميـ ـن حسان الوجوه طوال الامم تفسير : والثالث ـ انه مأخوذ من الام. وانما اخذ منه، لاحد امرين: احدهما ـ لأنه على ما ولدته امه من انه لا يكتب. والثاني ـ نسب إلى امه، لأن الكتابة كانت في الرجال دون النساء فنسب من لا يكتب من الرجال إلى امه، لجهلها دون ابيه. وقال ابو عبيدة الاميون هم الامم الذين لم ينزل عليهم كتاب. والنبي الامي: الذي لا يكتب، وانشد لتبع: شعر : له امة سميت بالزبو ر امية هي خير الامم تفسير : وروي عن ابن عباس: ان الاميين قوم لم يصدقوا رسولا ارسله الله عز وجل ولا كتاباً انزله، وكتبوا كتاباً بايديهم، وقالوا: لقوم جهال هذا من عند الله. وقال: قد اخبر انهم يكتبون بايديهم، ثم سماهم اميون لجحودهم كتاب الله عز وجل ورسله. والوجه الاول اوضح في اللغة. وهذا الوجه مليح لقوله في الآية الثانية {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} فأثبت انهم يكتبون ومن قال بالاول يحتاج، ان يجعل هذا مستأنفاً لغير من تقدم ذكره، أو لبعضهم. وقوله: {لا يعلمون الكتاب} أي لا يعلمون ما في الكتاب الذي انزله الله عز وجل، ولا يدرون ما أودعه من حدوده وأحكامه وفرائضه، كهيئة البهائم. وانما هم مقلدة لا يعرفون ما يقولون. والكتاب المعني به التوراة. وانما ادخل عليه لام التعريف، لأنه قصد به قصد كتاب معروف بعينه. ومعنى الآية فريق لا يكتبون ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه، والذي هو عندكم، وهم ينتحلونه، ويدعون الاقرار به من احكام الله عز وجل وفرائضه وما فيه من حدوده التي بينها فيه إلا اماني. قال ابن عباس ومجاهد إلا قولا يقولون بافواههم كذباً. وقال قتادة الاماني انهم يتمنون على الله ما ليس لهم. وقال آخرون: الاماني احاديث. وقال الكسائي والفراء وغيرهما: معناه إلا تلاوة، وهو المحكي عن ابي عبيدة على ما رواه عنه عبد الملك بن هشام، وكان ثقة. وضعف هذا الوجه الحسين بن علي المغربي، وقال هذا لا يعرف في اللغة. ومن صححه استدل بقوله تعالى: {أية : إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}. تفسير : قال كعب بن مالك: شعر : تمنى كتاب الله اول ليلة واخره لا في حمام المقادر تفسير : وقال آخر: شعر : تمنى كتاب الله بالليل خالياً تمني داود الزبور على رسل تفسير : وقال ابو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: الاماني التقدير. قال الشاعر: شعر : ولا تقولن لشيء سوف افعله حتى يبين ما يمني لك الماني تفسير : أي ما يقدر لك المقدر "وإلا" هاهنا استثناء منقطع. ومعناه لكن اماني وكل موضوع يعلم ان ما بعد إلا خارج عن الاول فهو بمعنى لكن، كقوله {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} وكقولهم ما في الدار واحد إلا حماراً، والا وتداً قال الشاعر: شعر : ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى وضرب الرقاب تفسير : وقال آخر: شعر : حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب تفسير : معناه لكن حسن ظني بصاحبي. ومثله {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ}. تفسير : ومثله {أية : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}. تفسير : ولولا ولوما وهلا وإلا الثقيلة بمعنى واحد قال الشاعر: شعر : تعدون عقر النيب افخر مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا تفسير : يعني هلا. وقال آخر: شعر : اتيت بعبد الله في القيد موثقاً فهلا سعيداً ذا الجناية والعذر تفسير : ثم قال آخر: شعر : وما شيخوني غير اني ابن غالب واني من الاثرين عند الزغايف تفسير : واحدهم زغيف: وهو التابع. وكل موضوع حسن ان يوضع فيه مكان إلا (لكن) فاعلم انه مكان استثناء منقطع. ولو قيل ها هنا ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون لكان صحيحاً. والاماني واحدها امنية مثقل ومن خفف الياء قال، لأن الجمع يكون على غير واحده بنقصان أو زيادة. والاماني كلهم يخففونها لكثرة الاستعمال، وكذلك الاضاحي. واولى التأويلات قول ابن عباس ومجاهد: من ان الاميين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، وانهم لا يفقهون من الكتاب الذي انزل اليه على موسى شيئاً لكنهم متخرصون الكذب. ويقولون: الباطل. والتمني في الموضوع تخلق الكذب وتخرصه. يقال منه تمنيت اذا افتعلته وتخلقته. ومنه ما روي عن بعض الصحابة انه قال: ما تعنيت ولا تمنيت أي ما تخرصت الباطل، ولا تخلقت الكذب والافك، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: {وإن هم إلا يظنون} فبين أنهم يتمنون ما يتمنون من الكذب ظناً لا يقيناً، ولو كان المعنى انهم يتلونه لما كانوا ظانين وكذلك لو كانوا يتمنونه، لأن الذي يتلوه اذا تدبر علمه، ولا يقال فيمن يقرأ كتاباً لم يتدبره، وتركه انه ظان لما يتلوه إلا ان يكون شاكا فيما يتلوه ولا يدري أحق هو ام باطل، ولم يكن القوم الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وسلم) من اليهود شاكين في التوراة انها من عند الله، وكذلك التمني. لا يجوز ان يقال: هو ظان بتمنيه، لأن التمني من المتمني اذا وجد لا يقال فيه شاك فيما هو عالم به، لأنه ينافي العلم. والمتمني في حال وجود تمنيه لا يجوز ان يقال هو يظن تمنيه. وقوله: {وإن هم إلا يظنون} قال جميع المفسرين معناه يشكوّن. والذي اقوله ان المراد بذلك نفي العلم عنهم، وقد ينتفي العلم تارة بالشك وتارة بالظن. واما في الحقيقة فالظن غير الشك، غير ان المعنى متفق عليه ها هنا.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} عطف على قد كان فريق منهم يسمعون كأنّه قال: افتطمعون ان يؤمنوا لكم ومنهم علماء يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه، ومنهم اميّون لا يعلمون الحقّ من الباطل ولا يدركون من الكتاب والشّريعة ابتداءً الاّ الامانىّ الّتى يحرّف الكتاب علماؤهم بعد تعقّل المقصود اليها يعنى انّ فريقاً منهم يعرفون المقصود من الكتاب لكنّهم يحرّفونه الى ما اقتضته أنفسهم وفريقاً منهم لا يعرفون من الكتاب الاّ ما يوافق أهواءهُمْ، والامّىّ هو المنسوب الى الامّ بمعنى انّه لم يزد على نسبته الى الامّ شيئاً من الكمالات الكسبيّة من القراءة والكتابة، وخصّص فى العرف بمن لا يقرأ ولا يكتب والمراد به هاهنا من لم يزدد على مقام التّابعيّة للامّ وهو مقام الصّباوة واتّباع الشهوات والامانىّ شيئاً من الانسانيّة الّتى اقتضت التّميز بين الحقّ والباطل واختيار الحقّ ورفض الباطل ولذا فسّره بقوله {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} والمراد بالكتاب مطلق أحكام النّبوّة، او مطلق الكتاب السّماوىّ، او شريعة موسى (ع)، او التّوراة، او أحكام شريعة محمّدٍ (ص)، او القرآن. والامانىّ جمع الامنيّة وهى ما يتمنّى الانسان سواء كان ممكناً او محالاً والمعنى افتطمعون ان يؤمنوا لكم ومنهم امّيّون متّبعون للأهوية والآمال غير متّصفين بالانسانيّة ومقتضياتها من التّميز بين الحقّ والباطل والادراك للجهة الحقّانيّة من الاشياء والاحكام والكتب، ومنزّلون للاحكام والكتب على ما يوافق أهويتهم وأمانيّهم؛ مثلاً لا يعلمون من الصّلوة الاّ ما يوافق آمالهم من حفظ الصّحة ورفع المرض وكثرة المال والجاه وحفظهما وغير ذلك من الامانىّ الكثيرة؛ فانّ أمانىّ النّفوس غير واقفةٍ على حدٍّ، او مقدّرون انّ ظهور الاحكام والكتب من الانبياء ظهور آمالهم ووصولهم الى أمانيّهم من التّبسّط فى البلاد والتّسلّط على العباد والجاه والمال غير مدركين منها ظهور الامر الالهىّ وبروز عبوديّة الانبياء ولا يدركون شيئاً من الحكم والمصالح المندرجة فيها، فالتّقدير على المعنى الاوّل لا يعلمون الكتاب الاّ أمانىّ لهم، وعلى المعنى الثّانى لا يعلمون الكتاب الاّ أمانىّ للانبياء ويحتمل ان يكون المعنى لا يدركون الكتاب الاّ أمانىّ رؤسائهم الّتى يحرّفون الكلم اليها ويبيّنون بها كما مضى فى بيان الامّىّ، ويمكن ان يراد معنىً اعمّ منها اى لا يعلمون الكتاب الاّ أمانىّ للانبياء ولهم ولرؤسائهم، ومن لا يدرك من الحقّ الاّ الباطل لا يذعن للحقّ بما هو حقّ فلا يؤمن هؤلاء علماؤهم وجهّالهم لكم من حيث انتم على الحقّ فعلم من هذا البيان انّ الاستثناء متّصل مفرّغ وليس منقطعاً كما ظنّه بعض العامّة وقلدّه على ذلك بعض الخاصّة رضوان الله عليهم، ولمّا توهّم من النّفى والاثبات ثبوت العلم متعلّقاً بالامانىّ لهم حصر تعالى ادراكهم حصر افراد فى الظّنّ فقال تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} ولا علم لهم اصلاً ولعلّك تفطّنت بوجه حصر ادراكهم فى الظّنّ ممّا أسلفنا من انّ ادراك النّفوس لجواز تخلّف المدرك عن الادراك شأنه شأن الظّنّ فقط. نقل انّه قال رجل للصّادق (ع): فاذا كان هؤلاء العوامّ من اليهود لا يعرفون الكتاب الاّ بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم الى غيره فكيف ذمّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم وهل عوام اليهود الاّكعوا منا يقلّدون علماءهم فان لم يجز لاولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم؟ - فقال (ع): بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهةٍ وتسوية من جهةٍ، امّا من حيث استووا فانّ الله قد ذمّ عوامنا بتقليدهم علماءهم كما قد ذمّ عوامهم، وامّا من حيث افترقوا فلا، قال: بيّن لى ذلك يا ابن رسول الله (ص)، قال (ع): انّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح وبأكل الحرام والرشوة، وبتغيير الاحكام عن وجهها بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتّعصّب الشّديد الّذى يفارقون به أديانهم، وأنّهم اذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرّمات واضطرّوا بمعارف قلوبهم الى انّ من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز ان يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله فلذلك ذمّهم لما قلّدوا من قد عرفوا ومن قد علموا انّه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه فى حكايته، ولا العمل بما يؤدّيه اليهم عمّن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النّظر أنفسهم فى أمر رسول الله (ص) اذ كانت دلائله أوضح من ان تخفى وأشهر من ان لا تظهر لهم، وكذلك عوامّ أمّتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظّاهر والعصبيّة الشّديدة والتّكالب على حطام الدّنيا وحرامها، واهلاك من يتعصّبون عليه وان كان لاصلاح أمره مستحقّاً، والرّفق والبرّ والاحسان على من تعصّبوا له وان كان للاذلال والاهانة مستحقّاً، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الّذين ذمّهم الله بالتّقليد لفسقة فقهائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام ان يقلّدوه؛ وذلك لا يكون الاّ فى بعض فقهاء الشّيعة لا جميعهم فانّ من يركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً ولا كرامة لهم.
الهواري
تفسير : يقول الله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} أي: إلا أحاديث لا يعلمون إلا ما حُدِّثُوا. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}. أي: هم على غير يقين، أي: إن صدقت قراؤهم صدقوا، وإن كذبت قراؤهم كذبوا. وقال الحسن: إلا أماني. أي: إلا أن يتمنّوا فيه الكذب من قولهم: (أية : لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى) تفسير : [البقرة:111]. تقول اليهود: نحن الذين يدخلون الجنة. وقالت النصارى: نحن الذين يدخلون الجنة. وتمنوا أيضاً (أية : وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً) تفسير : [البقرة:80]. وقال بعضهم: {إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}، يقول: لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه إلا أماني، يتمنّون على الله ما ليس لهم، ويظنون الظنون بغير الحق.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْهُمْ}: أى من اليهود. {أُمِّيُّونَ}: لا يكتبون ولا يقرءون الكتابة، باقون على حالهم التى خرجوا عليها من بطون أمهاتهم، لم يتعلموا كتابة ولا قراءة كتابة، فذلك نسبة إلى الأم، ويجوز أن يكون نسبوا إلى الأم لأن من شأن النساء ألا يكتبن ولا يقرأن كتابة لا إلى الأب، لأن من شأن الرجال أن يكتبوا ويقرءوا الكتابة كما قيل فى النبى الأمى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نسب إلى أمة العرب لقلة الكتابة فيهم، وقرأتها حين بعث صلى الله عليه وسلم، وقيل إنما ذلك فى اللغة، وأما فى العرف فالأميون العوام، وأقول هو خارج عما ذكرت لأن الكاتب الذى يقرأ الكتاب قد خرج عن العامة بالكتابة والقراءة، وغيره من العامة باعتبار عدمهما، ولو كان من الخاصة بسبب آخر فعلى ما ذكرته يكون قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ}: تأكيداً فى المعنى لقوله أميون، أو تفسيراً له، وأما على أن الأميين العوام فهذا تفسير له باللازم، والكتاب مصدر بمعنى الكتابة، أى لا يعرفون الكتابة فضلا عن أن يطالعوا التوراة فيتحققوا ما فيها، ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى التوراة، أى لم يعلموا معانيها وأحكامها، سواء علموا الكتابة أو لم يعلموا وحفظوا بعض ألفاظ التوراة أو لم يحفظوا. {إِلاَّ أَمَانِىَّ}: جمع أمنية بضم الهمزة وإسكان الميم وكسر النون وتشديد الياء، وهو مفرد بمعنى الخصلة القريبة المتمناة كأصطورة وأضحوكة وأحدوثة وأصله أمنوية أبدلت الواء ياءً وأدغمت الياء فى الياء وأبدلت الضمة على النون كسرة، والاستثناء منقطع، أى لكن أمانى تمنوها وطمعوا فيها غير صادقة، أخذوها تقليلا من المحرفين، واعتقدوها صادقة، وهى أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، والله يعفو عنهم ويرحمهم، ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأن من يدخل منهم النار يخرج منها بعد أيام معدودة، ويجوز أن تكون الأمانى بمعنى الأكاذيب، يقال تمنى أم صدق، أى أكذب أم صدق، قال أعرابى لابن دأب فى شئ حدث به: هذا شئ رويته أم تمنيته، أى افتريته وهى الأكاذيب التى قلدوا فيها المحرفين، وقد مر ذكرها: ومن ذلك قولهم إن محمداً رسول إلى العرب خاصة، ويجوز أن يكون المعنى إلا قراءات عارية من معرفة المعنى وتدبره بالقلب، وكل ذلك من منى إذا قدر، فإن من يطمع فى شئ ويتمناه يقدره فى نفسه، ويحرزه ويشتغل بتفاصيله، وكذا المفترى، وأما القارئ فيقدر أن كلمة كذا بعد كذا، ولا يقال هذا لا يناسب وصفهم بأنهم أميون، لأنا نقول هم أميون لا يكتبون ولا يقرءون ما كتب، لكن يقرءون بالإملاء لا بالنظر فى التكاب، أو لما كانوا لا يتدبرون ما يقرءون نظراً جعلوا كمن لا يقرأ كتابه، ومن التمنى بمعنى القراءة قول مادح عثمان بعد موته: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل تفسير : أى على مهل، وفى رواية: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة وآخره لاقى حمام المقادر تفسير : {وَإِنْ هُمْ}: أى ما هم. {إِلاَّ يَظُنُّونَ}: ما سمعوه من المحرفين حقاً أو مكتوباً فى التوراة، وليس بحق ولا هو مكتوب فيها، وهم رجعوا أنه حق مكتوب فيها كما هو ظاهر الظن، أو جزموا بأنه حق مكتوب فيها، فإن الظن قد يطلق على الاعتقاد الجازم سواء أصاب المعتقد أم لم يصب.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْهُمْ} من اليهود {أُمِّيُّونَ} لا يكتبون ولا يقرأون الكتابة، كأنهم فى جهنم ولدتهم أمهاتهم، أو أنهم باقون على أصل خلقهم، أو من العرب الذين لا يكتبون ولا يقرأون المكتوب، أو من أم القرى مكة وأهلها، لا يقرأون الكتابة ولا يكتبون {لاَ يَعْلَمُونَ} لا يعرفون {الْكِتَٰبَ} التوراة أو الكتابة فهم عوام، رسخ التقليد فى قلوبهم فكيف تطمعون أن يؤمنوا {إِلاَّ أَمَانِيَّ} أى لكن يعتقدون أمانى، أى أكاذيب، فالاستثناء منقطع، أو لا يعلمون المكتوب إلا مكتوبا مكذوبا فيه، أو إلا كتابا يقرأونه بلا معرفة معنى، لأن الأمانى بالشد والتخفيف بمعنى ما يقدر فى النفس ولو كذبا، وبمعنى ما يتمنى، وبمعنى ما يقرأ، فالاستثناء متصل، وذلك أنهم تلقوا من رؤسائهم المحرفين أكاذيب، أو كتبا كتبوها لهم مكذوبا بها، مثل، أن النبى صلى الله عليه وسلم الموعود به أسود أحول، قطط الشعر، قصير أو طويل بدل ربعة، وغير ذلك مما هو ضد صفته صلى الله عليه وسلم، وأن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، ونحن أبناء الله، وأحباؤه {وَإِنْ هُمْ} ما هم {إِلاَّ يَظُنُّونَ} فى جحود محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه، والمراد بالظن خلاف العلم، فتناول لاعتقاد الجازم غير المطابق، لا الظن المشهور الذى هو الاعتقاد الراجح مع تجويزظ المقيض، طابق الواقع أو لم يطابق، لأن بعضهم جازمون بالاعتقاد الفاسد، وجاهلون جهلا مركبا وبعضهم جاهل أمى، مقلد للجاهل جهلا مركبا، فالضمير لليهود مطلقا، والقسم الثالث العارف بالحق داخل فى ذلك، لأن لفظ الجازم بالإنكار، وهو ظان، أى غير قابل بالعلم، ويجوز عوده للأميين.
الخليلي
تفسير : الكلام لا يزال في بني إسرائيل وإنما غالب ما تقدم خاص بعلمائهم الذين تلاعبوا بما أنزل الله على أنبيائهم تارة بتبديل النصوص، وأخرى بتحريف التأويل، والمعنيون هنا هم دهماؤهم الذين لم يفهموا من الكتاب شيئا وإنما تعلقوا بأماني سولت لهم بها أنفسهم مستندين إلى ما يتردد على ألسنة أحبارهم الأفاكين من كونهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن آباءهم الأنبياء سيشفعون لهم عند الله فيرحمهم بحرمتهم. وقيل: بأن الآية في نصارى العرب. وقيل: في المجوس. والقولان لا يتلاءمان مع السياق. وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم ثم قالوا لقوم سفلة جهال هذا من عند الله، وقال قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله. قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب. وذكر ابن كير أن في صحة هذا التأويل عن ابن عباس بهذا الإِسناد نظرا. والأمي هو - كما قال ابن جرير - من لا يكتب منسوب إلى الأم لبقائه على الحالة التي ولدته عليها أمه، وقيل: منسوب إلى الأمة لأن هذه هي صفة جمهرة الناس عادة، وهذا كما يقال عامي نسبة إلى العامة. ويعضد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"تفسير : وجاء وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمية في القرآن، وبُين معناه في قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48]، وهذه الصفة مدح في رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره لأنها معدودة في معجزاته حيث أنزل الله عليه الكتاب فيه تبيان كل شيء وهو بهذه الحالة. ومن الأقوال الشاذة ما روى عن أبي عبيدة من أنهم قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب، فإنه تأويل ينقض آخره أوله، وأشذ منه ما روي عن ابن عباس أنهم قيل انهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب، فإن المعهود في النسب أن ينسب الشيء إلى ما لا بسه لا إلى ما باينه. والأماني جمع أمنية، وأصلها أمنوية كأرجوحة فأدغمت الواو في الياء لتجانسهما فكسرت النون لتلائم الياء، وهي ما يتعلق به القلب مع عدم وجود وسائل إليه أو عدم تعاطي أسباب الوصول إليه، وأصلها منى بمعنى قدر، ومنه قول الشاعر: شعر : لا تأمننَّ وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمنى لك الماني تفسير : والتفعل يفيد التكلف، فكأن المتمني يتكلف تقدير حصول أمر متعذر أو متعسر، والمراد بالأماني ما ذكرته في صدر تفسير الآية وهو ما يتعلقون به من الأوهام التي تثبطهم عن الأعمال الصالحة، وتجرئهم على انتهاك الحرمات، وليس ذلك من الكتاب - أي التوارة المنزلة - في شيء، فالاستثناء منقطع، وهو ما يقتضيه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما في رواية ابن جرير عنه "لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله"، وفي لفظ آخر "لا يدرون بما فيه". وروى ابن جرير عن قتادة أنه قال: " لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه، وقال: إنما هم أمثال البهائم لا يعلمون شيئا؛ وروى عن ابن زيد أنه قال: تمنوا فقالوا نحن من أهل الكتاب، وليسوا منهم. وأخرج عن أبي العالية أنه قال: يتمنون على الله ما ليس لهم. وتطلق الأماني على الأكاذيب؛ لأن الكاذب يتكلف تقدير ما يخطر بباله من الخيالات النفسية حتى يخرجها للسامعين في صورة حقائق واقعية، ومن شواهد ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال: ما تمنيت منذ أسلمت، أي ما كذبت، وقول بعض العرب لابن دأب - وهو يحدث - أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته، وبه فسر ابن عباس ومجاهد الأماني هنا، وجنح إليه ابن جرير، وهو مع التحقيق موافق للقول الأول وليس الخلف بينهما إلا لفظيا فإن ما سبق ذكره من أمانيهم الخادعة ما هو إلا إفك اصطنعته ألسنتهم حسبما زين لنفوسهم. وفسر جماعة الأماني بالقراءة، وحملوا الآية على أنهم ما كانوا يعلمون من الكتاب إلى كلمات تلوكها ألسنتهم من غير أن يفقهوا لها معنى، أو تترك في نفوسهم أثرا، واستشهدوا لذلك بقول الشاعر: شعر : تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر تفسير : وبقول الآخر: شعر : تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الزبور على رسل تفسير : كما استشهدوا له بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} تفسير : [الحج: 52]، وفي الاستشهاد بالآية نظر لأنه مبني على اسطورة الغرانيق الداحضة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما فيها عندما نصل بعون الله وتوفيقه في التفسير إلى سورة الحج. ومهما يكن المراد بالأماني فإن الآية الكريمة تنادي بالضلال والخسران على الذين يسعون وراء الأوهام متنكبين عن الصراط السوي المؤدي الى الحقيقة الواضحة، وهم الذين رضوا بالجهل بديلا عن العلم، وبالتقاليد الموروثة، والزور المتداول بدلا عن الحق الذي أنزله الله وأقام عليهم حجته، ورفع لهم مناره، وما أكثر هؤلاء في كل أمة، وأشد بلاءهم في كل زمان، فإذا ناداهم منادي الحقيقة سدوا منافذ آذانهم خشية أن تنجذب نفوسهم إلى صوته، وإذا لاح لهم نور الحق غمضوا أعينهم وولوا معرضين لئلا يكتشفوا شيئا من عوارهم، فمثلهم كمثل الخفافيش تأنس بالظلمة، وتستوحش من الضياء. وفي قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} تأكيد لما وصفهم به من عدم العلم فإن العقائد تبنى على القواطع لا على الظنون، فكثيرا ما يكون الظن ناشئا عن هوى متبع أو حب أو بغض، فيكون أقرب إلى الكذب منه إلى الصدق، ولذلك حذر تعالى من اتباع الظن بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} تفسير : [الحجرات: 12]. وفسر مجاهد الظن هنا بالكذب، كما في رواية ابن جرير عنه، وأخرج ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع أنهم قالوا: "يظنون الظنون بغير الحق". والفاء في قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} للترتيب، والمرتب عليه قوله عز وجل: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ....} الآية، وحسَّن مجيئها هنا أن ضلال الأميين المذكور قبل هذه الآية ناشئ عن التحريف المذكور (ثَمَّ). وويل من المصادر التي لا فعل لها كويح، وويب، وويس، وويه، وعول، وويك، ومعانيها متقاربة لإِفادة كل منها الزجر، وإنما فرق بينها بفروق دقيقة، منها أن ويلا وعيد لمن وقع في الهلكة، وويحا للتحذير من الوقوع فيها؛ وقد تستعمل ويل في الدعاء والتعجب والترحم، وقيل: معناها الحزن أخذا من قولهم: "تويَّل"، بمعنى حزن، والصواب أن التويل مشتق من الويل، لأن الحزين كثيرا ما يقول: "واويلاه"، وليس الويل مأخوذا منه. وفي التفسير المأثور تفسير ويل ببعض ما يعذب به في النار، من ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحة والحاكم في مستدركه - وصححه - عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره"تفسير : وأخرج ابن جرير من حديث عثمان مرفوعا أنه جبل في النار، وأخرج البزار وابن مردويه من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا أنه حجر في النار، وهو محمول على بيان بعض أنواع الويل - أي الهلاك - الذي يلاقيه الكفار في النار والعياذ بالله، وإلا فكلمة ويل كانت معروفة عند العرب، ومستعملة في كلامهم قبل نزول القرآن وورود الأحاديث، كقول الشاعر: شعر : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم .................... تفسير : وقول امرئ القيس: شعر : .............. فقالت لك الويلات إنك مرجلي تفسير : وقد رأيتم ما في هذه الروايات من التعارض الذي يوهن الاستناد عليها فضلا عما في أسانيدها من الضعف، فأقواها حديث أبي سعيد، وقد قال فيه الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة؛ وساق الحافظ ابن كثير له شاهدا من رواية عمرو بن الحارث، ثم قال: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإِسناد مرفوعا منكر. ولا يغرنكم تصحيح الحاكم له، فإنه مشهور بتساهله في التصحيح. ورويت عن المفسرين من السلف روايات في الويل منها قول أبي عياض بأنه صهريج في أصل جهنم يسيل فيه صديدهم، وعن عطاء بن ياسر قال: ويل، واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدت حره، وهذا من باب تفسير الشيء ببعض أنواعه كما قلت فيما روى من ذلك مرفوعا، وقد أخرج ابن جرير عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما أن الويل هو العذاب، وهو أعم من كل ما قيل وأنسب بمدلول الويل لغة. والكتابة لا تكون الا بيد الكاتب فتقييدها هنا بأنها كانت بأيديهم مع إسنادها إليهم إما للإِفادة بأن ما كتبوه ليس من عند الله وإنما هو اختلاق من عند أنفسهم، وإما لنفي ما يتوهم من المجاز في الإِسناد، وأنهم لم يباشروا الكتابة بأنفسهم وإنما أمروا بها غيرهم، وفي هذا تنبيه على أن من باشر المعصية بنفسه أعظم إثما، وأشد عقوبة ممن أمر بها غيره. والثمن القليل كل ما يُعطونه من أصحاب الأهواء في مقابل تحريفهم الكتاب ولو كان الدنيا بأسرها فإنها لا تساوي شيئا مما يفوتهم من ثواب الله الذي أعده لعباده المحسنين الحافظين لما أنزل من الحق والعاملين به. ويحتمل أن يكون المراد بالثمن المناصب التي يرقون إليها في الدنيا بسبب إرضائهم للعامة بإباحة ما حرم الله عليهم. وأعيد توعدهم بالويل على ما كتبت أيديهم لبيان مضاعفة عقوبتهم، فإن معصيتهم ترتبت عليها معاصي الذين اغتروا بما كتبوه لهم، "ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، ثم أعيد مرة أخرى توعدهم بالويل على ما يكسبون، والمراد به ما يكسبونه من خطايا زينتها لهم أنفسهم أو ما يكسبونه من المال الحرام الذي توصلوا إليه بتحريف الكلم عن مواضعه. وهذا الوعيد يشمل أحبار هذه الأمة الذين ينهجون نهجم في تحليل ما حرم الله تقربا إلى الناس، وحرصا على الدنيا، ويهونون على الناس وعيد الله تعالى بالتأويلات الفاسدة التي لا أصل لها إلا الأماني الخادعة التي جرأت الناس على انتهاك حرم الله وتضييع فرائضه وتعدي حدوده، وقد أجاد الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده حيث اختتم تفسير هذه الآية بقوله: "من شاء أن يرى نسخة مما كان عليه أولئك اليهود فلينظر فيما بين يديه فإنه يراها واضحة جلية، يرى كتبا ألفت في عقائد الدين وأحكامه، حرفوا فيها مقاصده، وحولوها إلى ما يغر الناس ويمنيهم ويفسد عليهم دينهم، ويقولون هي من عند الله وما هي من عند الله، وإنما هي صادة عن النظر في كتاب الله، والاهتداء به، ولا يعمل بهذا إلا أحد رجلين، رجل مارق من الدين يتعمد إفساده، ويتوخى إضلال أهله، فيلبس لباس الدين ويظهر بمظهر أهل الصلاح، يخادع بذلك الناس ليقبلوا ما يكتب ويقول، ورجل يتحرى التأويل ويستنبط الحيل ليسهل على الناس مخالفة الشريعة ابتغاء المال والجاه". قال صاحب المنار: "ثم ذكر الأستاذ وقائع طابق فيها بين ما كان عليه اليهود من قبل وما عليه المسلمون الآن، ذكر وقائع للقضاة والمأذونين وللعلماء والواعظين فسقوا فيها عن أمر ربهم، فمنهم من يتأول ويغتر بأنه يقصد نفع أمته، كما كان أحبار اليهود يفتون بأكل الربا أضعافا مضاعفة ليستغنى شعب اسرائيل، ومنهم من يفعل ما يفعل عامدا عالما أنه مبطل، ولكن تغره أماني الشفاعات والمكفرات".
الالوسي
تفسير : {وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} مستأنفة مسوقة لبيان قبائح جهلة اليهود أثر بيان شنائع الطوائف السالفة، وقيل: عطف على {أية : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمُ } تفسير : [البقرة: 75] وعليه الجمع، وقيل: على {أية : وَإِذَا لَقُواْ }تفسير : [البقرة: 76] واختار بعض المتأخرين أنه وهذا الذي عطف عليه اعتراض وقع في البين لبيان أصناف اليهود استطراداً لأولئك المحرفين، والأميون جمع ـ أمي ـ وهو ـ كما في «المغرب» ـ مَن لا يكتب ولا يقرأ منسوب إلى أمة العرب الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرءون، أو إلى الأم بمعنى أنه كما ولدته أمه، أو إلى أم القرى لأن أهلها لا يكتبون غالباً، والمراد أنهم جهلة، و (الكتاب) التوراة ـ كما يقتضيه سباق النظم وسياقه ـ فاللام ـ فيه إما للعهد أو أنه من الأعلام الغالبة، وجعله مصدر كتب كتاباً ـ واللام ـ للجنس بعيد، وقرأ ابن أبـي عبلة: {أُمّيُّونَ} بالتخفيف. {إِلاَّ أَمَانِىَّ} جمع ـ أمنية ـ وأصلها ـ أمنوية، أفعولة وهو في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من ـ منى ـ إذا قدر، ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ، والمروي عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم أن ـ الأماني ـ هنا ـ الأكاذيب ـ أي إلا أكاذيب أخذوها تقليداً من شياطينهم المحرفين، وقيل: إلا ما هم عليه من أمانيهم أن الله تعالى يعفو عنهم ويرحمهم، ولا يؤاخذهم بخطاياهم/ وأن آبائهم الأنبياء يشفعون لهم، وقيل إلا مواعيد مجردة سمعوها من أحبارهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة ـ واختاره أبو مسلم ـ والاستثناء على ذلك منقطع لأن ما هم عليه من الأباطيل، أو سمعوه من الأكاذيب ليس من الكتاب، وقيل: إلا ما يقرؤن قراءة عادية عن معرفة المعنى وتدبره، فالاستثناء حينئذٍ متصل بحسب الظاهر، وقيل: منقطع أيضاً إذ ليس ما يتلى من جنس علم الكتاب، واعترض هذا الوجه بأنه لا يناسب تفسير الآتي بما في «المغرب»، وأجيب بأن معناه أنه لا يقرأ من الكتاب ولا يعلم الخط؛ وإما على سبيل الأخذ من الغير فكثيراً ما يقرؤن من غير علم بالمعاني، ولا بصور الحروف، وفيه تكلف إذ لا يقال للحافظ الأعمى: إنه أمي، نعم إذا فسر الأمي بمن لا يحسن الكتابة والقراءة على ما ذهب إليه جمع لا ينافي أن يكتب ويقرأ في الجملة واستدل على ذلك بما روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية أخذ الكتاب ـ وليس يحسن الكتب ـ فكتب: «هذا ما قضى عليه محمد بن عبد الله» الخ، ومن فسر الأمي بما تقدم أول الحديث بأن كتب فيه بمعنى أمر بالكتابة، وأطال بعض شراح الحديث الكلام في هذا المقام ـ وليس هذا محله. وقرأ أبو جعفر والأعرج وابن جماز عن نافع، وهارون عن أبـي عمرو {أَمَانِىّ} بالتخفيف. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} الاستثناء مفرغ والمستثنى محذوف أقيمت صفته مقامه، أي ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا إلى مرتبة العلم ـ فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين ـ وقد يطلق الظن على ما يقابل العلم اليقيني عن دليل قاطع سواء قطع بغير دليل، أو بدليل غير صحيح، أو لم يقطع، فلا ينافي نسبة الظن إليهم إن كانوا جازمين.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على قوله: {أية : وقد كان فريق منهم يسمعون}تفسير : [البقرة: 75] عطف الحال على الحال و{منهم} خبر مقدم وتقديمه للتشويق إلى المسند إليه كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول}تفسير : [البقرة: 8] والمعنى كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم محرفين وفريق جهلة وإذا انتفى إيمان أهل العلم منهم المظنون بهم تطلب الحق المنجي والاهتداء إلى التفرقة بينه وبين الباطل فكانوا يحرفون الدين ويكابرون فيما يسمعون من معجزة القرآن في الإخبار عن أسرار دينهم فكيف تطمعون أيضاً في إيمان الفريق الأميين الذين هم أبعد عن معرفة الحق وألهى عن تطلبه وأضل في التفرقة بين الحق والباطل وأجدر بالاقتداء بأئمتهم وعلمائهم فالفريق الأول هم الماضون. وعلى هذا فجملة {ومنهم أميون} معطوفة على جملة {وقد كان فريق منهم} إلخ باعتبار كونها معادلاً لها من جهة ما تضمنته من كونها حالة فريق منهم وهذه حالة فريق آخر. وأما قوله: {أية : وإذا لقوا}تفسير : [البقرة: 76] وقوله: {أية : وإذا خلا}تفسير : [البقرة: 76] فتلك معطوفات على جملة {وقد كان فريق} عطف الحال على الحال أيضاً لكن باعتبار ما تضمنته الجملة الأولى من قوله: {يسمعون} الذي هو حال من أحوال اليهود وبهذا لا يجيء في جملة {ومنهم أميون} التخيير المبني على الخلاف في عطف الأشياء المتعددة بعضها على بعض هل يجعل الأخير معطوفاً على ما قبله من المعطوفات أو معطوفاً على المعمول الأول لأن ذلك إذا كان مرجع العطف جهة واحدة وهنا قد اختلفت الجهة. والأمي من لا يعرف القراءة والكتابة والأظهر أنه منسوب إلى الأمة بمعنى عامة الناس فهو يرادف العامي، وقيل: منسوب إلى الأم وهي الوالدة أي إنه بقي على الحالة التي كان عليها مدة حضانة أمه إياه فلم يكتسب علماً جديداً ولا يعكر عليه أنه لو كان كذلك لكان الوجه في النسب أن يقولوا أمهى بناء على أن النسب يرد الكلمات إلى أصولها وقد قالوا في جمع الأم: أمهات فردُّوا المفرد إلى أصله فدلوا على أن أصل أم أمهة لأن الأسماء إذا نقلت من حالة الاشتقاق إلى جعلها أعلاماً قد يقع فيها تغيير لأصلها. وقد اشتهر اليهود عند العرب بوصف أهل الكتاب فلذلك قيل هنا:{ومنهم أميون} أي ليس جميعهم أهل كتاب. ولم تكن الأمية في العرب وصف ذم لكنها عند اليهود وصف ذم كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلاً}تفسير : [آل عمران: 75] وقال ابن صَيَّاد للنبي صلى الله عليه وسلم «أشهد أنك رسول» وذلك لما تقتضيه الأميين من قلة المعرفة ومن أجل ذلك كانت الأمية معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان أعلم الناس مع كونه نشأ أميًّا قبل النبوءة وقد قال أبو الوليد الباجي: إن الله علّم نبيه القراءة والكتابة بعد تحقق معجزة الأمية بأن يطلعه على ما يعرف به ذلك عند الحاجة استناداً لحديث البخاري في صلح الحديبية وأيده جماعة من العلماء في هذا وأنكر عليه أكثرهم مما هو مبسوط في ترجمته في كتاب «المدارك» لعياض وما أراد إلا إظهار رأيه. والكتاب إما بمعنى التوراة اسم للمكتوب وإما مصدر كتب أي لا يعلمون الكتابة ويبعده قوله بعده: {إلا أماني} فعلى الوجه الأول يكون قوله: {لا يعلمون الكتاب} أثراً من آثار الأمية أي لا يعلمون التوراة إلا علماً مختلطاً حاصلاً مما يسمعونه ولا يتقنونه، وعلى الوجه الثاني تكون الجملة وصفاً كاشفاً لمعنى الأميين كقول أوس بن حجر:شعر : الألمعي الذي يظن بك الظـ ـن كأن قد رأى وقد سمعا تفسير : والأمانيُّ بالتشديد جمع أُمْنِيَّة على وزن أفاعيل وقد جاء بالتخفيف فهو جمع على وزن أفاعل عند الأخفش كما جمع مفتاح على مفاتِح ومفاتيح، والأمنية كأثْفِيَّة وأُضحية أفْعُولة كالأعجوبة والأضحوكة والأكذوبة والأغلوطة، والأماني كالأعاجيب والأضاحيك والأكاذيب والأغاليط، مشتقة من مَنَى كرمى بمعنى قدَّر الأمرَ ولذلك قيل تمنى بمعنى تكلف تقدير حصول شيء متعذر أو متعسر، ومنَّاه أي جعله مَانياً أي مقدِّراً كناية عن الوعد الكاذب لأنه ينقل الموعود من تقدير حصول الشيء اليومَ إلى تقدير حصوله غداً، وهكذا كما قال كعب بن زهير:شعر : فلا يَغُرَّنْك ما مَنَّت وما وعدت إن الأَماني والأحلامَ تضليل تفسير : ولأن الكاذب ما كذب إلا لأنه يتمنى أن يكون ما في نفس الأمر موافقاً لخبره فمن أجل ذلك حدثت العلاقة بين الكذب والتمني فاستعملت الأمنية في الأكذوبة، فالأماني هي التقادير النفسية أي الاعتقادات التي يحسبها صاحبها حقاً وليست بحق أو هي الفعال التي يحسبها العامة من الدين وليست منه بل ينسون الدين ويحفظونها، وهذا دأب الأمم الضالة عن شرعها أن تعتقد مالها من العوائد والرسوم والمواسم شرعاً، أو هي التقادير التي وضعها الأحبار موضع الوَحي الإلهي إما زيادة عليه حتى أنستهم الأصل وإما تضليلاً وهذا أظهر الوجوه. وقيل: الأماني هنا الأكاذيب أي ما وضعه لهم الذين حرفوا الدين، وقد قيل الأماني القراءة أي لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظوها ويدرسونها لا يفقهون منها معنى كما هو عادة الأمم الضالة إذ تقتصر من الكتب على السرد دون فهم وأنشدوا على ذلك قول حسان في رثاء عثمان رضي الله عنه:شعر : تمنَّى كتابَ الله أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَه لاَقى حمام المَقَادِر تفسير : أي قرأ القرآن في أول الليل الذي قُتل في آخره. وعندي أن الأماني هنا التمنيات وذلك نهاية في وصفهم بالجهل المركب أي هم يزعمون أنهم يعلمون الكتاب وهم أميون لا يعلمونه ولكنهم يدَّعون ذلك لأنهم تمنوا أن يكونوا علماءَ فلما لم ينالوا العلم ادعوه باطلاً فإن غي العالم إذا اتهم بميسم العلماء دل ذلك على أنه يتمنى لو كان عالماً، وكيفما كان المراد فالاستثناء منقطع لأن واحداً من هاته المعاني ليس من علم الكتاب.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}. اختلف العلماء في المراد بالأماني هنا على قولين: أحدهما: أن المراد بالأمنية القراءة، أي: لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون إدراك معانيها. وهذا القول لا يتناسب مع قوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}. لأن الأمي لا يقرأ. الثاني: أن الاستثناء منقطع، والمعنى لا يعلمون الكتاب، لكن يتمنون أماني باطلة، ويدل لهذا القول قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} تفسير : [البقرة: 111]، وقوله: {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [النساء: 123].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (78) - وَمِنْ بَيْنِ الذِينَ يَتَحَدَّثُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُنَاسٌ أُمِّيُّونَ لا يَعْرِفُونَ القِرَاءَةَ وَلاَ الكِتَابَةَ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ مَا فِي كُتُبِهِمْ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ بِغَيرِ عِلْمٍ صَحِيحٍ عَمَّا فِي كِتَابِهِمُ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِن الكِتَابِ. وَهذا الذِي يَقُولُونَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ وَتَخَرُّصٌ لِلكَذِبِ. مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ لِلْمَعْنى، وَلاَ تَدَبُّرٍ وَلاَ عِلْمٍ. (أَمَانيَّ يَتَمَنَّونَها). أُمِّيُّونَ - لا يَقْرَؤُونَ. أَمَانِيَّ - أَكَاذِيبَ تَلَقَّوهَا عَنْ أَحْبَارِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الله سبحانه وتعالى لا زال يتحدث عن أهل الكتاب .. فبعد أن بين لنا الذين يقولون: {أية : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} تفسير : [البقرة: 76] .. انتقل سبحانه وتعالى إلى طائفة أخرى وهم من أسماهم بالأميين .. وأصح قول في الأمي هو أنه كما ولدته أمه .. أي لم يعلم شيئاً من ثقافة وعلم في الوجود منذ لحظة نزوله من بطن أمه. ولذلك فإن الأمي على إطلاقه هو الذي لا يكتسب شيئاً من ثقافة الوجود حوله، بصرف النظر عن أن يقال كما ولدته أمه .. لأن الشائع في المجتمعات أن الذي يعلم هم الخاصة لا العامة .. وعلى أية حال فالمعاني كلها ملتقية في تعريف الأمي. قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [البقرة: 78] .. تلاحظ أن هناك معسكرات من الأميين واجهت الدعوة الإسلامية .. فالمعسكر الأول كان المشركون في مكة، والمعسكر الثاني كان أهل الكتاب في المدينة. وأهل الكتاب تطلق على أتباع موسى وأتباع المسيح .. ولكن في الجزيرة العربية كان هناك عدد لا يذكر من النصارى .. وكان هناك مجتمع. والمقصود من قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] هم اليهود الذين كان لهم مجتمع في المدينة .. وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [البقرة: 78] .. معنى هذا أنه لابد أن يكون هناك منهم غير أميين .. وهؤلاء هم الذين سيأتي قول الله تعالى عنهم في الآية التالية: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ..} تفسير : [البقرة: 79]. هنا قسّم الله تبارك وتعالى اليهود إلى أقسام .. منهم قسم أُمِّي لا يعرفون الكتاب وما يقوله لهم أحبارهم هو الذي يعرفونه فقط .. وهؤلاء ربما لو كانوا يعلمون ما في التوراة .. من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا به .. والكتاب هنا يقصد به التوراة .. والله سبحانه وتعالى لم ينف عنهم مطلق العلم .. ولكنه نفى خصوصية العلم، لأنه قال لا يعلمون إلا أماني .. فكأن الأماني يعلمونها من الكتاب. ولكن ما الأماني؟ .. إنها تطلق مرة بدون تشديد الياء ومرة بتشديد الياء .. فإن كانت بالتخفيف تكون جمع أمنية .. وإن كانت بالتشديد تكون جمع أمنية بالتشديد على الياء .. الأمنية تجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ..} تفسير : [النساء: 123]. هذا بالنسبة للجمع. أما بالنسبة للمفرد .. في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ..} تفسير : [الحج: 52]. ما هي الأمنية؟ .. الأمنية هي الشيء الذي يحب الإنسان أن يحدث ولكن حدوثه مستحيل .. إذن لن يحدث ولن يكون له وجود .. ولذلك قالوا إن من معاني التمني اختلاق الأشياء .. الشاعر الذي قال: شعر : أَلا لَيْتَ الشَّـبابَ يعـودُ يوماً فَأُخْبِرُهُ بما فَعَلَ المَشِـيبُ تفسير : هل الشباب يمكن أن يعود؟ .. طبعاً مستحيل .. هذا شيء لن يحدث .. والشاعر الذي قال: شعر : لَيْـتَ الكـواكبَ تَـدْنُو لِي فَأَنْظمَـهَا عُقُـودَ مَـدْحٍ فَـما أَرْضَى لَـكُمْ كَـلِمِ تفسير : هل النجوم ستنزل من السماء وتأتي إلى هذا الشاعر .. ينظمها أبيات شعر إلى حبيبته .. إذن من معاني التمني الكذب والاختلاق. ولقد فسر بعض المستشرقين قول الله تبارك وتعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} تفسير : [الحج: 52] (أي قرأ): {أية : أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} تفسير : [الحج: 52] (أي في قراءته) .. وطبعاً الشيطان لن يلقي في قراءة الرسول إلا كذباً وافتراء وكفراً .. إقرأ قوله سبحانه: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ * أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 19-22]. قال أعداء الإسلام ما دام قد ذكر في القرآن أسماء الغرانيق .. وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار .. ومنها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى .. إذن فشفاعة هذه الأصنام ترتجى في الآخرة .. وهذا كلام لا ينسجم مع منطق الدين كله يدعو لعبادة الله وحده .. وخرج المستشرقون من ذلك بأن الدين فعلاً يدعو لعبادة الله وحده .. إذن فيكون الشيطان قد ألقى في أمنيته فيما يقوله رسول الله .. ثم أحكم الله سبحانه آياته فقال تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم: 23]. وهم يريدون بذلك أن يشككوا .. في أنه من الممكن أن يلقي الشيطان بعض أفكاره في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولكن الله سبحانه ينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم آياته. إن الله جل جلاله لم يترك وحيه لعبث الشيطان .. ولذلك سنبحث الآية بعيداً عن كل ما قيل .. نقول لو أنك تنبهت إلى قول الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} تفسير : [الحج: 52] لو قلنا تمنى بمعنى قرأ، ثم أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته .. إذن هو سبحانه لن يترك رسوله يخطئ .. وبذلك ضمنا أن كل ما ينتهي إليه الرسول صواب .. وأن كل ما وصلنا عن الرسول محكم .. فنطمئن إلى أنه ليس هناك شيء يمكن أن يلقيه الشيطان في تمني الرسول ويصلنا دون أن ينسخ. فإذا قلنا: إن الله ينسخ ما يلقي الشيطان فما الذي جعلكم تعرفون ما ألقاه الشيطان ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لكم إلا المحكم .. ثم من هو الرسول؟ بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بمنهج من السماء وأُمِرَ بتبليغه .. ومَنْ هو النبي؟ .. بشر أُوحِيَ إليه بمنهج. ولم يُؤْمَرْ بتبليغه .. وما دام لم يؤمر بتبليغه يكون خاصاً بهذا النبي .. ويكون النبي قدوة سلوكية .. لأنه يطبق منهج الرسول الذي قبله فهو لم يأتي بجديد. الآية الكريمة جاءت بكلمتي رسول أو نبي .. إذا كان معنى أمنية الشيطان مستقيماً بالنسبة للرسول فهو غير مستقيم بالنسبة للنبي .. لأن النبي لا يقرأ شيئاً، وما دام النبي ذكر في الآية الكريمة فلابد أن يكون للتمني معنى آخر غير القراءة .. لأن النبي لم يأت بكلام يقرؤه على الناس .. فكأنه سيقرأ كلاماً محكماً ليس فيه أمنية الشيطان أي قراءته. إن التمني لا يأتي بمعنى قراءة الشيطان .. وأمنية الرسول والنبي أن ينجحا في مهمتهما .. فالرسول كمبلغ لمنهج الله .. النبي كأسوة سلوكية .. المعنى هنا يختلف .. الرسول أمنيته أن يبلغ منهج الله .. والشيطان يحاول أن ينزع المنهج من قلوب الناس .. هذا هو المعنى .. والله سبحانه وتعالى حين يحكم آياته ينصر الإيمان ليسود منهج الله في الأرض وتنتظم حركة الناس .. هذا هو المعنى. وكلمة تمني في هذه الآية الكريمة بمعنى أن الرسول أو النبي يحب أن يسود منهجه الأرض .. والشيطان يلقي العراقيل والله يحكم آياته وينصر الحق. ويجب أن نفهم الآية على هذا المعنى .. بهذا ينتفي تماماً ما يدعيه المستشرقون من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يقرأ ما يوحى إليه يستطيع الشيطان أن يتدخل ويضع كلاماً في الوحي .. مستحيل. وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78].. معناها أنه يأتي قوم لا يعرفون شيئاً عن الكتاب إلا ظناً .. فيصدقهم هؤلاء الأميون دون علم .. وكان الله سبحانه يريد أن يلفتنا إلى أن كثيراً من المذاهب الدينية في الأرض ينشأ عن المبلغين لها .. فهناك أناس يأتمنون آخرين ليقولوا لهم ما انتهت إليه الأحكام الدينية .. فيأتي الأمي أو غير المثقف يسأل عالماً عن حكم من الأحكام الشرعية .. ثم يأخذ منه الحكم ويطبقه دون أن يناقشه .. لأن علمه قد انتهى عند السؤال عن الفتوى .. والحق سبحانه وتعالى كما يقول: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..} تفسير : [الأنعام: 164]. أي لا يحمل أحد ذنب أحد يوم القيامة .. فيقول تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} تفسير : [النحل: 25]. بعض الناس يظن أن الآيتين بينهما تعارض .. نقول لا .. من يرتكب إثماً يحاسب عليه .. ومن يضل غيره بفتوى غير صحيحة يحل له بها ما حرم الله .. فإنه يحمل معاصيه ومعاصي من أضل .. فيكون له وزر لأنه ضل، ووزر لأنه أضل غيره .. بل وأكثر من ذلك .. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ). تفسير : ولابد أن نتنبه إلى خطورة الفتوى في الدين بغير علم .. الفتوى في الدنيا أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه هو أن تجعلك تخسر صفقة .. لكن الفتوى في الدين ستدوم عمراً طويلاً.. الحق تبارك وتعالى يقول: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] .. والظن كما قلنا هو نسبة راجحة ولكن غير مؤكدة .. وإذا كان التمني كما ورد في اللغة هو القراءة .. فهؤلاء الأميون لا يعلمون الكتاب إلا قراءة لسان بلا فهم .. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عن اليهود: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة: 5]. وهكذا نرى أن هناك صنفاً يحمل التوراة وهو لا يعرف عنها شيئاً .. والله جل جلاله قال إن مثله كالحمار .. ولكن أقل من الحمار، لأن الحمار مهمته أن يحمل الأثقال .. ولكن الإنسان ليست مهمته أن يحمل ما يجهل .. ولكن لابد أن يقرأ الكتاب ويعلم المطلوب منه.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : يقول الله: {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}. يعني: كذباً. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [الآية: 78]. يعني: يكذبون. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاء عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: عمدوا إِلى ما أَنزل الله، عز وجل، في كتابه من نعت محمد، صلى الله عليه وسلم، فحرّفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضاً من عرض الدنيا، فقال الله، عز وجل: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [الآية: 79]. يعني من الخطيئة.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلام: معناهُ إِنَّما هُم أَمثالُ البَهائِمِ لا يَعْلَمونُ شَيئاً إِلاَّ أَنْ يَتَمنوا على الله تعالى الباطلَ، وما لَيسَ لَهُمْ.
الجيلاني
تفسير : هذا حال علمائهم وأحبارهم {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ} لا يعقلون ولا يفهمون {ٱلْكِتَابَ} والإنزال والإرسال والدين والإيمان وجميع التكاليف الشرعية؛ لعدم ذكائهم وتفظنهم في الأمور الدينية الاعتقادية، بل ما يأخذونه {إِلاَّ أَمَانِيَّ} كسائر الأماني الدنيوية؛ تقليداً لرؤسائهم ورهبانهم {وَإِنْ هُمْ} ما هم في أنفسهم من الممترين في المعتقدات {إِلاَّ} أنهم {يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] ظناً بليغاً في تمييز علمائهم المحرفين للكتاب، وبسبب هذا الظن لم يؤمنوا نبينا صلى الله عليه وسلم، ولما صار المحرفون ضالين في أنفسهم مضلين لغيرهم، استحقوا أشد العذاب. {فَوَيْلٌ} حرمان عن لذة الوصول بعدما قرب الحصول أو طرد، وتبعيد عن ذروة الوجوب إلى حضيض الإنكار، أو عود وترجيع لهم في الحرية إلى الرقية الأبدية في النشأة الأخرى {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} بعد تحريفهم بآرائهم السخيفة {ثُمَّ يَقُولُونَ} لسلفتهم وجهلتهم ترويجاً للمحرف {هَـٰذَا} ما نزل {مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} وإنما قالوا ذلك {لِيَشْتَرُواْ بِهِ} نبسبته إلى {ثَمَناً قَلِيلاً} على وجه التحف والهدايا من الضعفاء الذين يظنونهم عقلاء أمناء في أمور الدين كما يفعل مشايخ زماننا، أنصفهم الله مع من يتردد إليهم من عوام المؤمنين. ثم لما كانت الويل عبارة عن نهاية مراتب القهر والجلال، وغاية البعد عن مراتب اللطف والجمال كرره مراراً وفصله تحذيراً للخائنين المستوحشين عن طرده وإبعاده فقال: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} من المحرفات الباطلة {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] من القبوحات والمعاملات الخبيثة. ومن جملة هذياناتهم مع ضعفائهم أنهم لما ظهر فيما بينهم واشتهر ما نزل في التوراة: إن الذين اتخذوا العجل ألهاً يدخلون النار، اضطرب الضعفاء من هذا الكلام، وضاق المحرفون من اضطرابهم أن يميلوا إلى الإسلام. {وَقَالُواْ} لهم تسكيناً وتسلية: لا تخافوا ولا تضطربوا {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً} قلائل {مَّعْدُودَةً} أربعين يوماً مقدار زمان عبادة العجل وأقل من ذلك {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل توبيخاً وتقريعاً: أأنتم {أَتَّخَذْتُمْ} وأخذتم {عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} بألاَّ يمسكم النار إلا أياماً معدودة {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} إن ثبت، فنحن أيضاً من المصدقين المؤمنين {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ} افتراء {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80] ثبوته عنده فيجازيكم بما افتريتم. {بَلَىٰ} أي: بلى الأمر الحق المحقق الكلي الثابت عهده وجرى عليه سنته أن {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} مشغلة مبعدة عن الحق {وَ} مع ذلك {أَحَاطَتْ} شملت واحتوت {بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} خطاياه كلها إلى سيئة مبعدة {فَأُوْلَـۤئِكَ} البعداء عن طريق الحق {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} نار البعد والخذلان لا ينجون ولا يخرجون منها أصلاً بل {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] دائمون لها ما شاء الله.
همام الصنعاني
تفسير : 79- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}: [الآية: 78]، قال: أمثال البهائم، لا يعلمون شيئاً. قال: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} يتمنون على الله الباطل، وما ليس لهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):