Verse. 1000 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَبَيْنَہُمَا حِجَابٌ۝۰ۚ وَعَلَي الْاَعْرَافِ رِجَالٌ يَّعْرِفُوْنَ كُلًّۢابِسِيْمٰىہُمْ۝۰ۚ وَنَادَوْا اَصْحٰبَ الْجَنَّۃِ اَنْ سَلٰمٌ عَلَيْكُمْ۝۰ۣ لَمْ يَدْخُلُوْہَا وَہُمْ يَطْمَعُوْنَ۝۴۶
Wabaynahuma hijabun waAAala alaAArafi rijalun yaAArifoona kullan biseemahum wanadaw ashaba aljannati an salamun AAalaykum lam yadkhulooha wahum yatmaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وبينهما) أي أصحاب الجنة والنار (حجاب) حاجز قيل هو سور الأعراف (وعلى الأعراف) وهو سور الجنة (رجال) استوت حسناتهم وسيئاتهم كما في الحديث (يعرفون كلا) من أهل الجنة والنار (بسيماهم) بعلامتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) قال تعالى (لم يدخلوها) أي أصحاب الأعراف الجنة (وهم يطمعون) في دخولها قال الحسن: لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم وروى الحاكم عن حذيفة قال "" بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم "".

46

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } يعني: بين الجنة والنار، أو بين الفريقين، وهذا الحجاب هو المشهور المذكور في قوله: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ }تفسير : [الحديد: 13]. فإن قيل: وأي حاجة إلى ضرب هذا السور بين الجنة والنار؟ وقد ثبت أن الجنة فوق السموات وأن الجحيم في أسفل السافلين. قلنا: بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحِجاب، وأما الأعراف فهو جمع عرف وهو كل مكان عال مرتفع، ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف، وذلك لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه. إذا عرفت هذا فنقول: في تفسير لفظ الأعراف قولان: القول الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار، وهذا قول ابن عباس. وروي عنه أيضاً أنه قال: الأعراف شرف الصراط. والقول الثاني: وهو قول الحسن وقول الزجاج: في أحد قوليه أن قوله: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ } أي وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يعرفون كل أحد من أهل الجنة والنار بسيماهم. فقيل للحسن: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فضرب على فخذيه ثم قال: هم قوم جعلهم الله تعالى على تعرف أهل الجنة وأهل النار يميزون البعض من البعض، والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا! أما القائلون بالقول الأول فقد اختلفوا في أن الذين هم على الأعراف من هم؟ ولقد كثرت الأقوال فيهم وهي محصورة في قولين: أحدهما: أن يقال إنهم الأشراف من أهل الطاعة وأهل الثواب، الثاني: أن يقال إنهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة من أهل الثواب أما على التقدير الأول ففيه وجوه: أحدها: قال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار، فقيل له: يقول الله تعالى: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ } وتزعم أنهم ملائكة؟ فقال الملائكة ذكور لا إناث. ولقائل أن يقول: الوصف بالرجولية إنما يحسن في الموضع الذي يحصل في مقابلة الرجل من يكون أنثى ولما امتنع كون الملك أنثى امتنع وصفهم بالرجولية. وثانيها: قالوا إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم عن سائر أهل القيامة، وإظهاراً لشرفهم، وعلو مرتبتهم وأجلسهم على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة، وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم. وثالثها: قالوا: إنهم هم الشهداء، لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار، ثم قال قوم: إنهم يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم، وهذا الوجه باطل، لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف اختصاص بهذه المعرفة، لأن كل أحد من أهل الجنة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من أهل الجنة ومن أهل النار، ولما بطل هذا الوجه ثبت أن المراد بقوله: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ } هو أنهم كانوا يعرفون في الدنيا أهل الخير والإيمان والصلاح، وأهل الشر والكفر والفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف، وهي الأمكنة العالية الرفيعة ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به، ويعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات، وأهل العقاب إلى الدركات. فإن قيل: هذه الوجوه الثلاثة باطلة، لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف أنهم {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، والملائكة والشهداء. أجاب الذاهبون إلى هذا الوجه بأن قالوا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر، والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم. وأما قوله: {وَهُمْ يَطْمَعُونَ } فالمراد من هذا الطمع اليقين ألا ترى أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82] وذلك الطمع كان طمع يقين، فكذا ههنا. فهذا تقرير قول من يقول أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة. والقول الثاني: وهو قول من يقول أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً: أحدها: أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا جرم ما كانوا من أهل الجنة ولا من أهل النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة وبين النار ثم يدخلهم الله تعالى الجنة بفضله ورحمته وهم آخر قوم يدخلون الجنة، وهذا قول حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما واختيار الفراء، وطعن الجبائي والقاضي في هذا القول واحتجوا على فسادّه بوجهين: الأول: أن قالوا إن قوله تعالى: {أية : وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [الأعراف: 43] يدل على أن كل من دخل الجنة فإنه لا بد وأن يكون مستحقاً لدخولها، وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقون الجنة ولا النار، ثم إنهم يدخلون الجنة بمحض التفضل لا بسبب الاستحقاق. وثانيهما: إن كونهم من أصحاب الأعراف يدل على أنه تعالى ميزهم من جميع أهل القيامة بأن أجلسهم على الأماكن العالية المشرفة على أهل الجنة، وأهل النار، وذلك تشريف عظيم، ومثل هذا التشريف لا يليق إلا بالأشراف ولا شك أن الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة، فلا يليق بهم ذلك التشريف. والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يكون قوله: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا } خطاب مع قوم معينين، فلم يلزم أن يكون لكل أهل الجنة كذلك. والجواب عن الثاني: أنا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك المواضع على سبيل التخصيص بمزيد التشريف والإكرام، وإنما أجلسهم عليها لأنها كالمرتبة المتوسطة بين الجنة والنار، وهل النزاع إلا في ذلك؟ فثبت أن الحجة التي عولوا عليها في إبطال هذا الوجه ضعيفة. الوجه الثاني: من الوجوه المذكورة في تفسير أصحاب الأعراف قالوا: المراد من أصحاب الأعراف أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فحبسوا بين الجنة والنار. واعلم أن هذا القول داخل في القول الأول لأن هؤلاء، إنما صاروا من أصحاب الأعراف لأن معصيتهم ساوت طاعتهم بإجهاد، فهذا أحد الأمور الداخلة تحت الوجه الأول وبتقدير أن يصح ذلك الوجه فلا معنى لتخصيص هذه الصورة وقصر لفظ الآية عليها. والوجه الثالث: قال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة. والوجه الرابع: قال قوم إنهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم في الأعراف فهذا كله شرح قول من يقول: الأعراف عبارة عن الأمكنة العالية على السور المضروب بين الجنة وبين النار. وأما الذين يقولون الأعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار؛ فهذا القول أيضاً غير بعيد إلا أن هؤلاء الأقوام لا بد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة، وأهل النار وحينئذ يعود هذا القول إلى القول الأول، فهذه تفاصيل أقوال الناس في هذا الباب. والله أعلم، ثم إنه تعالى أخبر أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في المراد بقوله: {بِسِيمَـٰهُمْ } على وجوه. فالقول الأول: وهو قول ابن عباس: أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة بياض وجهه، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } تفسير : [آل عمران: 106] وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة، وكون كل واحد منهم أغر محجلاً من آثار الوضوء، وعلامة الكفار سواد وجوههم، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، وكون عيونهم زرقاً. ولقائل أن يقول: إنهم لما شاهدوا أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فأي حاجة إلى أن يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات؟ لأن هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحس، وذلك باطل. وأيضاً فهذه الآية تدل على أن أصحاب الأعراف مختصون بهذه المعرفة، ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا الاختصاص، لأن هذه الأحوال أمور محسوسة، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص. والقول الثاني: في تفسير هذه الآية أن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضاً بظهور علامات الكفر والفسق عليهم، فإذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا، وهذا الوجه هو المختار. أما قوله تعالى: {وَنَادَوْاْ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } فالمعنى إنهم إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا على أهلها، وعند هذا تم كلام أهل الأعراف. ثم قال: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } والمعنى أنه تعالى أخبر أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها، ثم إن قلنا إن أصحاب الأعراف هم الأشراف من أهل الجنة فقد ذكرنا أنه تعالى إنما أجلسهم على الأعراف وأخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم»تفسير : وتحقيق الكلام أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة، فعند وقوف أهل القيامة في الموقف يجلس الله أهل الأعراف في الاعراف، وهي المواضع العالية الشريفة فإذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة، فهم أبداً لا يجلسون إلا في الدرجات العالية. وأما إن فسرنا أصحاب الأعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة قلنا إنه تعالى يجلسهم في الأعراف وهم يطعمون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة. وأما قوله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } فقال الواحدي رحمه الله التلقاء جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، ولذلك كان ظرفاً من ظروف المكان يقال فلان تلقاءك كما يقال هو حذاءك، وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً، ثم نقل الواحدي رحمه الله بإسناده عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أنهما قالا: لم يأت من المصادر على تفعال «إلا» حرفان تبيان وتلقاء، فإذا تركت هذين استوى ذلك القياس، فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء، مثل تسيار وترسال. وقلت في كل اسم تفعال بكسر التاء، مثل تمثال وتقصار، ومعنى الآية: أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم. والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف، حتى يقدم المرء على النظر والاستدلال، ولا يرضى بالتقليد ليفوز بالدين الحق، فيصل بسببه إلى الثواب المذكور في هذه الآيات، ويتخلص عن العقاب المذكور فيها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي بين النار والجنة ـ لأنه جرىٰ ذكرهما ـ حاجز؛ أي سُورٌ. وهو السور الذي ذكره الله في قوله: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}تفسير : [الحديد: 13]. {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} أي على أعراف السور؛ وهي شُرَفُه. ومنه عُرف الفرس وعُرف الديك. روى عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف الشيء المُشْرِف. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف سور له عُرف كُعْرف الديك. والأعراف في اللغة: المكان المُشْرف؛ جمع عُرْف. قال يحيىٰ بن آدم: سألت الكسائيّ عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الدّيك. فقال: نعم والله، واحده يعني، وجماعته أعراف، يا غلام، هات القرطاس؛ فكتبه. وهذا الكلام خرج مخرج المدح؛ كما قال فيه: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 37] وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال: فقال عبد الله بن مسعود وحُذيفة ابن اليمان وابن عباس والشعبيّ والضحاك وابن جُبير: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن سليمان (في آخر الجزء الخامس عشر) حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «تُوضع الموازين يوم القيامة فتُوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صُؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار». قيل: يا رسول الله، فمن ٱستوت حسناته وسيئاته؟ قال: «أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون»تفسير : . وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقيل: هم الشهداء؛ ذكره المَهْدويّ. وقال القشيريّ: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس؛ فإذا رأوا أصحاب النار تعوّذوا بالله أن يُرَدّوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل شيء، وخلاف المعلوم مقدور. فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعدُ يرجون لهم دخولها. وقال شَرَحْبيل بن سعد: هم المستشهِدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم. وذكر الطبري في ذلك حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: وأنه تعادل عُقوقهم واستشهادهم. وذكر الثعلبيّ بإسناده عن ابن عباس في قوله عز وجل: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} قال: الأعراف موضع عالٍ على الصراط، عليه العباس وحمزة وعليّ بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبِّيهم ببياض الوجوه ومُبْغضيهم بسواد الوجوه. وحكى الزَّهرَاوِي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة. وٱختار هذا القول النحاس، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه؛ فهم على السور بين الجنة والنار، وقال الزجاج: هم قوم أنبياء. وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غَمٌّ فيقع في مقابلة صغائرهم. وتمنىَّ سالم مولىٰ أبي حُذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون. وقيل: هم أولاد الزِّنَىٰ؛ ذكره القُشَيريّ عن ابن عباس. وقيل: هم ملائكة موكَّلون بهذا السور، يميِّزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار؛ ذكره أبو مجلز. فقيل له: لا يقال للملائكة رجال؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم ـ؛ كما أوقع على الجنّ في قوله: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ}تفسير : [الجن: 6]. فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم؛ فيبشِّرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعدُ فيطمعون فيها. وإذا رأوا أهل النار دَعَوْا لأنفسهم بالسلامة من العذاب. قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالاً من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وُصف من الاعتبار في الفريقين. و {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} أي بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحسنُها في أهل الجنة، وسوادُها وقبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حَيِّز هؤلاء وحيز هؤلاء. قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. ثم قيل: الأعراف جمع عُرْف وهو كل عالٍ مرتفع؛ لأنه بظهوره أعرف من المنخفض. قال ٱبن عباس: الأعراف شُرَف الصراط. وقيل: هو جبل أُحُد يوضع هناك. قال ابن عطية: وذكر الزَّهْرَاوِيّ حديثاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أُحُداً جبل يُحبُّنا ونُحبّه وإنه يوم القيامة يمثّل بين الجنة والنار يُحبس عليه أقوام يعرفون كلاًّ بسيماهم هُمُ إن شاء الله من أهل الجنة»تفسير : . وذكر حديثاً آخر عن صَفْوان بن سُلَيم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أُحُداً على ركن من أركان الجنة».تفسير : قلت: وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أُحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلىٰ تُرْعة من تُرع الجنة».تفسير : قوله تعالىٰ: {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} أي نادىٰ أصحابُ الأعراف أصحابَ الجنة. {أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي قالوا لهم سلام عليكم. وقيل: المعنى سلمتم من العقوبة. {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، أي لم يدخلوها بعدُ. «وَهُمْ يَطْمَعون» على هذا التأويل بمعنىٰ وهم يعلمون أنهم يدخلونها. وذلك معروف في اللغة أن يكون طَمِع بمعنىٰ عَلِم؛ ذكره النحاس: وهذا قول ٱبن مسعود وٱبن عباس وغيرهما، أن المراد أصحاب الأعراف. وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعدُ وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارِّين على أصحاب الأعراف. والوقف على قوله: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ». وعلى قوله: «لَمْ يَدْخُلُوهَا». ثم يبتدىء «وَهُمْ يَطْمَعُونَ» على معنىٰ وهم يطمعون في دخولها. ويجوز ان يكون «وَهُمْ يَطْمَعُونَ» حالاً، ويكون المعنىٰ: لم يدخلها المؤمنون المارّون على أصحاب الأعراف طامعين، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها؛ فلا يوقف على «لم يدخلوها».

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار، نبه أن بين الجنة والنار حجاباً، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير: وهو السور الذي قال الله تعالى فيه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ} وهو الأعراف الذي قال الله تعالى فيه: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}: وهو السور، وهو الأعراف. وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، سور له باب، قال ابن جرير: والأعراف جمع عُرْف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفاً، وإنما قيل لعرف الديك عرفاً لارتفاعه. وحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة عن عُبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: الأعراف: هو الشيء المشرف. وقال الثوري عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور، كعرف الديك. وفي رواية عن ابن عباس: الأعراف: تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار، وفي رواية عنه: هو سور بين الجنة والنار. وكذا قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير. وقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافاً؛ لأن أصحابه يعرفون الناس، واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله، وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن الحسين، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا النعمان بن عبد السلام، حدثنا شيخ لنا يقال له: أبو عباد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال: «حديث : أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون» تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ورواه من وجه آخر عن سعيد بن سلمة عن أبي الحسام عن محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال: «حديث : إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل الله» تفسير : وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر حدثنا يحيى بن شبل عن يحيى بن عبد الرحمن المزني عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف، قال: «حديث : هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله» تفسير : ورواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به، وكذا رواه ابن ماجه مرفوعاً من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس، والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة، وفيه دلالة على ما ذكر. وقال ابن جرير حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن الشعبي، عن حذيفة: أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم، وقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا، فقال: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: قال الشعبي: أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش، فإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكراً ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات، فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة. { وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم ربك، فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم. وقال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير، وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة، دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة، دخل النار، ثم قرأ قول الله: {أية : فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ} تفسير : [الأعراف: 8] الآيتين، ثم قال: الميزان يخف بمثقال حبة، ويرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته، كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة، نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم، نظروا أهل النار {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تعوذوا بالله من منازلهم. قال: فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نوراً يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نوراً، وكل أمة نوراً، فإذا أتوا على الصراط، سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون، قالوا: {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا} تفسير : [التحريم: 8] وأما أصحاب الأعراف، فإن النور كان بأيديهم، فلم ينزع، فهنالك يقول الله تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} فكان الطمع دخولاً. قال: فقال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة، كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة، لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلبت آحاده عشراته. رواه ابن جرير. وقال أيضاً: حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: الأعراف: السور الذي بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بدا الله أن يعافيهم، انطلق بهم إلى نهر يقال له: نهر الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم، وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى، فقال: تمنوا ما شئتم، فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم، قال لهم: لكم الذي تمنيتم، ومثله سبعون ضعفاً، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون مساكين أهل الجنة، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى بن المغيرة عن جرير به، وقد رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت عن مجاهد، وعن عبد الله بن الحارث من قوله، وهذا أصح، والله أعلم. وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد. وقال سنيد بن داود: حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف، قال: «حديث : هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد، قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم» تفسير : وهذا مرسل حسن، وقيل: هم أولاد الزنى، حكاه القرطبي. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الوليد بن موسى عن منبه بن عثمان عن عروة بن رويم عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مؤمني الجن لهم ثواب، وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم، وعن مؤمنيهم، فقال: على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فسألناه: وما الأعراف؟ فقال: حائط الجنة، تجري فيه الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار. رواه البيهقي عن ابن بشران، عن علي بن محمد المصري، عن يوسف بن يزيد، عن الوليد بن موسى، به. وقال سفيان الثوري: عن خصيف عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء، وقال ابن جرير، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثناابن علية عن سليمان التيمي عن أبي مجلز في قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ} قال: هم رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة وأهل النار. قال: {أية : وَنَادَوْاْ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـٰهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ {أَهَـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} تفسير : [الأعراف: 46-49] قال: فيقال حين يدخل أهل الجنة الجنة: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين، وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق، وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه، وكذا قول مجاهد: إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضاً، والله أعلم، وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولاً منها: أنهم شهدوا أنهم صلحاء تهرعوا من فزع الآخرة، وخلق يطلعون على أخبار الناس، وقيل: هم أنبياء، وقيل: هم ملائكة. وقوله تعالى: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه. وكذا روى الضحاك عنه، وقال العوفي عن ابن عباس: أنزلهم الله تلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها، وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله، وكذا قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقال معمر عن الحسن: إنه تلا هذه الآية: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. وقال قتادة، قد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع، وقوله: { وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال الضحاك عن ابن عباس: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار، وعرفوهم، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. وقال السدي: وإذا مروا بهم، يعني: بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. وقال عكرمة: تحدد وجوههم للنار، فإذا رأوا أصحاب الجنة، ذهب ذلك عنهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} فرأوا وجوههم مسودة، وأعينهم مزرقة، {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَبَيْنَهُمَا } أي أصحاب الجنة والنار {حِجَابٌ } حاجز، قيل هو سور الأعراف {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ } وهو سور الجنة {رِجَالٌ } استوت حسناتهم وسيئاتهم كما في الحديث {يَعْرِفُونَ كُلاًّ } من أهل الجنة والنار {بِسِيمَٰهُمْ } بعلامتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم، إذ موضعهم عال {وَنَادَوْاْ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ } قال تعالى {لَمْ يَدْخُلُوهَا } أي أصحابُ الأعراف الجنة {وَهُمْ يَطْمَعُونَ } في دخولها، قال الحسن: لم يطمعهم إلا لكرامةٍ يريدها بهم. وروى الحاكم عن حذيفة قال: (بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال: قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم).

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {وبينهما} عائد على الجنة والنار، ويحتمل على الجمعين إذا يتضمنهما قوله تعالى: {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} تفسير : [الأعراف:44]، و "الحجاب": هو السور الذي ذكره عز وجل في قوله: {أية : فضرب بينهم بسور له باب} تفسير : [الحديد:13] قاله ابن عباس، وقاله مجاهد: {الأعراف} حجاب بين الجنة والنار، وقال ابن عباس أيضاً هو تل بين الجنة والنار، وذكر الزهراوي حديثاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أحداً جبل يحبنا ونحبه، وإنه يقوم يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحتبس عليه أقوام يعرفون كلاً بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة" تفسير : ، وذكر حديثاً آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أحداً على ركن من أركان الجنة" تفسير : و {الأعراف} جمع عرف وهو المرتفع من الأرض. ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : كل كناز لحمه نياف كالجمل الموفي على الأعراف تفسير : ومنه قول الشماخ: [الطويل] شعر : فظلت بأعراف تعالى كأنها رماح نحاها وجهة الريح راكز تفسير : ومنه عرف الفرس وعرف الديك لعلوهما، وقال السدي سمي الأعراف أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس. قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة وإنما المراد على أعراف ذلك الحجاب أعاليه، وقوله: {رجال} قال أبو مجلز لاحق بن حميد:هم الملائكة، ولفظة {رجال} مستعارة لهم لما كانوا في تماثيل رجال قال: وهم ذكور ليسوا بإناث. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد سمى الله رجالاً في الجن، وقال الجمهور: هم رجال من البشر، ثم اختلفوا فقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء، وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم كل أمة، وقاله الزجاج وقال قوم: هم أنبياء، وقال المهدوي: هم الشهداء، وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم، وذكر الطبري في ذلك حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم وقال ابن مسعود والشعبي وحذيفة بن اليمان وابن عباس وابن جبير والضحاك: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال القاضي أبو محمد: وقع في مسند خيثمة بن سليمان في آخر الجزء الخامس عشر حديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات, فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة, ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار، قيل يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون " تفسير : ، وقال حذيفة بن اليمان أيضاً: هم قوم أبطأت بهم صغارهم إلى آخر الناس. قال القاضي أبو محمد: واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالاً من أهل الجنة، يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين. و {يعرفون كلاً بسيماهم} أي بعلامتهم وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، وسوادها وقبحها في أهل النار إلى غير ذلك في حيز هؤلاء وحيز هؤلاء، والسيما العلامة وهو من وسم، وفيه قلب، يقال سيما مقصور وسيما ممدود وسيمياء بكسر الميم وزيادة ياء فوزنها فعلاً مع كونها من وسم، وقيل هي من سوم إذا علم فوزنها على هذا فعلاً، ونداؤهم أصحاب الجنة يحتمل أن يكون وأصحاب الجنة لم يدخلوها بعد فيكون أيضاً قوله {لم يدخلوها وهم يطمعون} محتملاً أن يعنى به أهل الجنة وهو تأويل أبي مجلز إذ جعل أصحاب الأعراف ملائكة، ومحتملاً أن يعنى به أهل الأعراف، ويحتمل أن يكون نداؤهم أهل الجنة بالسلام وهم قد دخلوها، فلا يحتمل حينئذ قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون} إلا أهل الأعراف فقط، وهو تأويل السدي وقتادة وابن مسعود والحسن، وقال: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لخير أراده بهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الأظهر الأليق ولا نظر لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: {وهم يطمعون} هي جملة مقطوعة، أخبر أنهم لم يدخلوها وهم طامعون بدخولها فكأن الجملة حال من الضمير في {نادوا} ، وقرأ أبو رقيش النحوي "لم يدخلوها وهم طامعون" وقرأ إياد بن لقيط "وهم ساخطون"، وذكر بعض الناس قولاً وهو أن يقدر قوله {وهم يطمعون} في موضع الحال من ضمير الجماعة في {يدخلوها}، ويكون المعنى لم يدخلوها في حال طمع بها بل كانوا في حال يأس وخوف لكنهم عمهم عفو الله عز وجل، وقال ابن مسعود: إنما طمع أصحاب الأعراف لأن النور الذي كان في أيديهم لم يطفأ حين يطفأ كل ما بأيدي المنافقين. والضمير في قوله {أبصارهم} عائد على أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة وإذا نظروا إلى النار وأهلها دعوا الله في التخليص منها، قاله ابن عباس وجماعة من العلماء, وقال أبو مجلز الضمير لأهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد، وقوله: {صرفت} معطية ما هنالك من هول المطلع، وقوله: {رجالاً} يريد من أهل النار، ويحتمل أن يكون هذا النداء وأهل النار في النار، فتكون معرفتهم بعلامات معرفة بأنهم أولئك الذين عرفوا الدنيا، ويحتمل أن يكون هذا النداء وهم يحملون إلى النار، فتكون السيما التي عرفوا بها أنهم أهل النار تسويد الوجوه وتشويه الخلق، وقال أبو مجلز الملائكة تنادي رجالاً في النار، وقال غيره بل الآدميون ينادون أهل النار، وقيل: إن {ما} في قوله: {ما أغنى} استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، وقيل {ما} نافية والأول أصوب، و {جمعكم} لفظ يعم جموع الأجناد والخول وجمع المال لأن المراد بالرجال أنهم جبارون ملوك يقررون يوم القيامة على معنى الإهانة والخزي، و {ما} الثانية: مصدرية، وقرأت فرقة "تستكثرون" بالثاء مثلثة من الكثرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَعْرَافِ} جمع "عرف"، وهو سور بين الجنة والنار، مأخوذ من الارتفاع، منه عرف الديك، وأصحابه فضلاء المؤمنين، قاله الحسن ومجاهد، أو ملائكة في صورة الرجال، أو قوم بطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، أو قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فجعلوا هنالك حتى يقضي الله ـ تعالى ـ فيهم ما شاء ثم يدخلون الجنة، قاله ابن مسعودـ رضي الله تعالى عنه ـ أو قوم قُتلوا في سبيل الله ـ تعالى ـ عصاة لآبائهم، سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: " حديث : قوم قُتلوا في سبيل الله ـ تعالى ـ بمعصية آبائهم فمنعهم القتل في سبيل الله ـ تعالى ـ عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة"تفسير : . {بِسِيمَاهُمْ} علامات في وجوههم وأعينهم، سواد الوجه وزرقة العين لأهل النار، وبياضه وحسن العين لأهل الجنة.

ابن عادل

تفسير : أي بين أصحاب الجنَّة وأصحاب النَّار، وهذا هو الظَّاهر كقوله: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}تفسير : [الحديد: 13]. وقيل: بين الجنَّة والنَّار، وبه بدأ الزَّمخشريُّ. فإن قيل: وأي حاجة إلى ضرب هذا السُّورِ بين الجنَّة والنَّار، وقد ثبت أن الجنَّة. فوق والنَّار في أسفل السَّافِلِينَ؟. فالجوابُ: بُعد إحداهما عن الأخرى لا يمنعُ أن يحصل بينهما سور وحجاب. قوله: "وَعَلى الأعْرَافِ": قال الزَّمَخْشَرِيُّ: أي: وعلى أعراف الحجاب. قال القرطبيُّ: أعراف السّور وهي شُرَفُه، ومنه عُرْفُ الفَرَسِ وعرف الدِّيكِ، كأَنَّهُ جعل "أل" عوضاً من الإضافة وهو مذهب كوفي، وتقدَّم تحقيقه. وجعل بعضهم نفس الأعْرَافِ هي نفس الحِجابِ المتقدم ذكره، عبر عنه تارةً بالحجاب، وتارةً بالأعراف. قال الوَاحِدِيُّ - ولم يذكر غيره -: "ولذلك عُرِّفَت الأعراف؛ لأنَّهُ عني بها الحِجَاب" قال ابن عباس. والأعراف: جمع عُرْف بضمِّ العَيْنِ، وهو كلُّ مرتفع من أرض وغيرها استعارةً من عُرْف الدّيك، وعُرْف الفرس. قال يَحْيَى بْنُ آدَمَ: سألت الكِسَائِيَّ عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: حدثتنا امرأتك عن جَابِرٍ عن مُجَاهِدٍ عن ابن عباس قال: "الأعراف سُورٌ له عرف مثل عرف الدِّيك" فقال: نعم، وإن واحده عُرْفُ بعيرٍ، وإن جماعته أعْرَاف، يا غُلام هات القرطاس كأنَّهُ عرف بارتفاعه دون الأشياء المنخفضة، فإنَّهَا مجهولة غالباً. قال أمية بن أبي الصلت: [البسيط] شعر : 2470 - وَآخَرُونَ عَلَى الأعْرَافِ قَدْ طَمِعُوا فِي جَنَّةٍ حَفَّهَا الرُّمَّانُ والخَضِرُ تفسير : ومثله أيضاً قوله: [الرجز] شعر : 2471 - كُلُّ كِنَازِ لَحْمِهِ نِيَافِ كالجَبَلِ المُوفِي عَلَى الأعْرَافِ تفسير : وقال الشَّمَّاخ: [الطويل] شعر : 2472 - فَظَلَّتْ بأعْرَافٍ تَعَادَى كأنَّهَا رِمَاحٌ نَحَاهَا وِجْهَةَ الرِّيحِ رَاكِزُ تفسير : وقال الزَّجَّاجُ، والحسنُ في أحد قوليه: إن قوله: "وَعَلى الأعْرَافِ" وعلى معرفة أهْل الجَنَّة والنَّار، كَتَبَةٌ رجال يعرفون كل من أهل الجنة والنَّار بسيماهم، للحسن: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فضرب على فَخِذِهِ ثم قال: هم قومٌ جعلهم الله على تعرف أهل الجنّة وأهل النّار، يميزون البعض من البعض والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا. قال المهدويُّ: "إنَّهم عدول القِيَامَةِ الذين يَشْهَدُونَ على النَّاس بأعمالهم، وهم في كُلِّ أمَّةٍ"، واختار هذا القول النَّحَّاسُ وقال: "هو من أحسن ما قيل فيه، فهم على السور بين الجنَّةِ والنَّارِ". فأمَّا القائلون بالقول الأوَّلِ فقد اختلفوا في الذين هم على الأعراف على قولين: فقيل: هم الأشْرَافُ من أهل الطَّاعَةِ، وقال أبو مجلز: "هم ملائكة يعرفون أهل الجنَّة وأهل النَّار"، فقيل له: يقول الله - عز وجل - {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ}، وتزعم أنَّهُمْ ملائكة، فقال: "الملائكة ذكور لا إناث". وقيل: هم الأنْبِيَاءُ - عليهم الصَّلاة والسَّلام - أجلسهم الله على أعلى ذلك السُّور إظهاراً لشرفهم وعلوّ مرتبتهم. وقيل: هم الشُّهَدَاءُ. فإن قيل: هذه الوجوه باطلة لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف: "لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها"، وهذا الوَصْفُ لا يليق بالملائكة والأنبياء والشُّهداء. فالجوابُ: قالوا: لا يبعد أن يقال: إنَّهُ تعالى بيَّن من صفة أهْلِ الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر، والسَّبب فيه أنَّهُ تعالى ميّزهم عن أهل الجنَّة وأهل النَّار، وأجلسهم على تلك الأماكن المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنّة في الجنَّة، وأحوال أهل النّار في النَّار، فيلحقهم السُّرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم إذا استقرَّ أهل الجنَّة في الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ، فحينئذٍ ينقلهم اللَّهُ إلى أماكنهم العَالِيَة في الجنَّةِ. فثبت أنَّ كونهم غير داخلين في الجنَّة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم. وأمّا قوله: "وَهُمْ يَطْمَعُونَ"والطمع هنا يحتمل أن يكون على بابه أو يكون بمعنى اليقين قال تعالى حِكايَةً عن إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الشعراء: 82]. وذلك الطمع طمع يقين، وقال الشَّاعرُ: [المتقارب] شعر : 2473 - وإنِّي لأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي تفسير : القول الثاني: أن أصحاب الأعراف أقوامٌ يكونون في الدرجة النازلة] من أهل الثواب وهؤلاء ذكروا وجوهاً: أحدها: أنَّهم أقوام تساوت حَسَنَاتُهُم وسيّئاتهم، فأوقفهم الله تعالى على الأعراف، لكونها درجة متوسطة بين الجنَّة والنار، ثم يدخلهم الله الجنَّة بفضله ورحمته، وهذا قولُ حذيفة وابن مسعود، واختيار الفرَّاءِ، وطعن الجُبَّائِيُّ والقاضي في هذا القول، واحتجُّوا على فساده من وجهين: الأوَّل: قالوا: إن قوله تعالى: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف: 43] يدلُّ على أنَّ كُلَّ من دخل الجنة فلا بُدَّ وأن يكون مستحقاً لدخولها، وذلك يمنع من القَوْلِ بوجود أقوام لا يستحقون الجَنَّة ولا النَّارَ، ثم إنَّهُم يدخلون الجنة بمحض التفضل، لا بسبب الاستحقاقِ. الثاني: أنَّ كونهم من أصحابِ الأعْرَاف يدلُّ على أنَّهُ تعالى ميَّزَهُم من جميع أهْل القيامةِ، ثمَّ أْجْلَسَهُمْ على الأماكن العالية [وقيل هذا التشريف لا يليق إلاَّ بالأشراف وأما الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة، فلا يليق بهم ذلك التشريف]. والجواب عن الأوَّل: أنَّهُ يحتمل أن يكون قوله: {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} خطاب مع أقوام مُعَيَّنِينَ، فلم يلزم أن يكون كلّ أهل الجنَّة كذلك. والجوابُ عَنِ الثَّانِي: أنَّا لا نسلّم أنَّهُ تعالى أجلسهم على تلك الأماكن العالية على سبيل التَّخصيص بمزيد التَّشْرِيفِ وإنَّمَا أجْلَسَهُم عَلَيْهَا؛ لأنَّها كالمرتَبَةِ المُتوسِّطَةِ بين الجنَّةِ والنَّارِ وهل النزاع إلاّ في ذلك؟‍‍‍‍! الوجه الثاني: أنَّهُم أقوامٌ خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدُوا فحبسوا بين الجَنَّةِ والنَّارِ، وهذا داخل في القول الذي قبله؛ لأنَّ معصيتهم ساوت طاعتهم بالجهاد. الثالث: قال عَبْدُ الله بْنُ الحَارثِ: "إنَّهُم مَسَاكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ". الرابع: قيل: إنَّهُمُ الفُسَّاقُ من أهل الصَّلاة يعفو اللَّه عنهم ويسكنهم في الأعراف. وأمّا القَوْلُ الثَّاني بأن الأعراف عبارة عن الرّجال الذين يعرفون أهل الجنّة والنَّار، فهذا قول غير بعيد؛ لأنَّ هؤلاء الأقوام لا بدّ لهم من مكان عال، يشرفون منه على أهل الجَنَّةِ وأهل النَّارِ. قوله: "يَعْرِفُونَ" في محلِّ رفع نعتاً لـ "رِجَال"، و "كلاًّ" أي: كل فريق من أصْحَابِ الجنَّةِ، وأصحاب النَّارِ. قوله: "بِسِيمَاهُمْ" قال ابْنُ عبَّاس: "إنَّ سيما الرجل المسلم من أهل الجَنَّة بياض وجهه. قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : [آل عمران: 106] [وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة وكون كل واحد أغر محجلاً من آثار الوضوء وعلامة الكفار سواد وجوههم]. وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، وكون عيونهم زرقاً". وقيل: إنَّ أصحاب الأعْرَافِ كَانُوا يَعْرِفُونَ المُؤمنينَ في الدنيا بظهور علاماتِ الإيمانِ والطَّاعة عليهم، ويعرفون الكافرين في الدُّنْيَا أيضاً بظهور علامات الكُفْرِ والفِسْقِ عليهم، فإذا شَاهَدُوا أولئك الأقوام في مَحْفَلِ القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدُّنْيَا، وهذا هو المختار؛ لأنَّهُم لمَّا شاهدوا أهل الجَنَّةِ [في الجنة] وأهل النَّار في النَّار فأيّ حاجة إلى أن يستدلّ على كونهم من أهل الجَنَّة بهذه العلامات؟ لأنَّ هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحسّ، وذلك باطل. والآية تدلُّ على أنَّ أصحاب الأعْرَافِ مختصُّون بهذه المعرفة فلو حملناه على هذا الوَجْهِ لم يبقَ لهذا الاختصاص فائدة؛ لأنَّهَا أمور محسوسة، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص. قوله: {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}. والمعنى: أنَّهُم إذا نظروا إلى أهل الجنَّةِ سلّموا على أهلها والضمير في "نَادُوا" وما بعده لرجال. وقوله: {أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} كقوله: {أية : أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأعراف: 44] إلا أنَّهُ لم يقرأ هنا إلاّ بـ "أن" الخفيفة فقط. فصل في معنى السلام في الآية والمعنى: يَقُولُون لهم: سلام عليكم، وقيل: سلمتم من العقوبة، وقوله: "وَهُمْ يَطْمَعُونَ" على هذا التأويل يعني وهم يعلمون أنَّهُمْ يدخلوها، وذلك معروف في اللُّغَةِ أن يكون طمع بمعنى علم، ذكره النَّحَّاسُ، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهم أنَّ المراد أصحاب الأعراف. قال القطربيُّ: قوله "لم يدخلوها" في هذه الجملة أوجه: أحدها: أنَّها حال من فاعل "نَادوا" أي: نادى أهل الأعراف حال كونهم غير داخلين الجنَّة. وقوله: "وهُمْ يَطْمَعُون" يحتمل أن يكون حالاً من فاعل "يَدْخُلُوهَا"، ثم لك اعتباران بعد ذَلِكَ. الأول: أن يكون المَعْنَى لم يَدخُلُوها طامِعِينَ في دخولها بل دخلوها على يأس من دخولها. والثاني: المعنى لم يدخلوها حَالَ كونهم طامعين، أي: لم يدخلوها بعد، وهم في وقت عَدَمِ الدُّخُولِ طامعون، ويحتمل أن يكون مستأنفاً أخبر عنهم بأنَّهُم طامعون في الدُّخُول. الوجه الثاني: أن تكون حالاً من مفعول "نَادوا" أي: نادوهم حال كونهم غير داخلين، وقوله: "وَهُمْ يَطْمَعُون" على ما تقدم آنفاً. والوجه الثالث: أن تكون في محل رفع صفة لـ "رِجَالٍ"، قاله الزمخشريُّ وفيه ضعف من حيث إنَّهُ فصل فيه بين الموصوف وصفته بجملة قوله: "ونَادَوْا"، وليست جملة اعتراض. والوجه الرابع: أنها لا مَحلَّ لها من الإعراب؛ لأنَّهَا جواب سائل سأل عن أصحاب الأعْرَافِ، فقال: ما صنع بهم؟ فقال: لم يدخلوها، وهم يَطْمَعُون في دخولها. وقال مكي كلاماً عجيباً، وهو أن قال: "إن حملت المعنى على أنَّهُمْ دخلوها كان "وَهُمْ يَطْمَعُونَ" ابتداءً وخبراً في موضع الحال من الضَّمير المرفوع في "يَدْخُلُوهَا"، معناه: أنَّهم يَئِسُوا من الدُّخُول، فلم يكن لهم طَمَعٌ في الدُّخول، لكن دخلوا وهم على يأس من ذلك، فإن حملت معناه أنَّهُم لم يدخلوا بعد، ولكنهم يطمعون في الدُّخُول برحمة الله كان ابتداءً وخبراً مستأنفاً". وقال بعضهم: جملة قوله: "لَمْ يَدْخُلُوهَا" من كلام أصحاب الجنَّةِ، وجملة قوله: "وهُمْ يَطْمَعُونَ" من كلام الملائكة. قال عطاء ابن عباس: "إنَّ أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة بالسَّلام، فيردُّون عليهم السلام، فيقول أصحاب اللجنَّة للخَزنَةِ: ما لأصحابنا على أعراف الجنَّة لم يدخلوها؟ فتقولُ لهم الملائكة جواباً لهم وهم يَطْمَعُون"وهذا يبعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن. فصل في معنى الآية قال ابن الخطيب: معنى الآية أنَّهُ تعالى أخبر أنَّ أهل الأعراف، لم يدخلوا الجنة، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها. ثم إن قلنا: إنَّ أصحابَ الأعْرَافِ هم أشراف أهل الجَنَّةِ، فالمعنى: أنه تعالى إنَّما جعلهم على الأعراف وأخّر إدخالهم الجَنَّة ليطلعوا على أهل الجَنَّةِ والنَّار، ثم إنَّهُ تعالى ينقلهم إلى الدّرجات العالية كما روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: "حديث : إنَّ أهْلَ الدَّرَجَاتِ العُلَى لَيَراهُمْ مِنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ الكوكبَ الدريَّ في أفقِ السَّمَاءِ، وإنَّ أبَا بكر وعُمَرَ مِنْهُمْ " تفسير : وتحقيق الكلام أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة فعند وقوف أهل القيامةِ في الموقف يجلس الله أهل الأعراف في الأعراف وهي المواضع العالية الشريفة، فإذا أدخل أهل الجنَّة الجنة، وأهل النار النَّار نقلهم إلى الدرجات العالية، فهم أبداً لا يجلسون إلا في الدرجات العالية. وإن قلنا: أصحاب الأعراف هم الذين يكونون في الدَّرَجَّةِ النازلة من أهل النجاة، فالمعنى أنَّهُ تعالى يجلسهم في الأعرافِ، وهم يطمعون في فضل اللَّه وإحسانه أنْ يَنْقلَهُم من تلك المواضع إلى الجنة قال الحَسَنُ: "الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون".

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ}[46] قال: أصحاب الأعراف هم أهل المعرفة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الآية: 46]. سمعت أبا الحسن الفارسى يقول: سمعت عباس بن عصام يقول: سمعت سهلاً يقول: أهل المعرفة هم أصحاب الأعراف قال الله {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} أقامهم ليشرفهم على الدارين وأهلهما ويعرفهم الملكين، كما أشرفهم على أسرار العباد فى الدنيا والآخرة وأحوالهم. قال فارس: وأصحاب الأعراف هم الذين عَرَّفهم الله مقام من استقطعتم عن الحق الحظوظ والمخالفات فأهل النار قطعهم عن الحق المخالفين وأهل الجنة قطعهم عنه الحظوظ، وبقى أصحاب الأعراف يعرفون كُلاً بسيماهم، ولا وَسْمَ لهم ولا سيما سوى الحق.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}. ذلك الحجاب الذي بينهما حصل من الحجاب السابق؛ لمَّا حُجِبُوا في الابتداء في سابق القسمة عما خُصَّ به المؤمنون من القربة والزلفة حُجِبوا في الانتهاء عما خَصَّ به السعداء من المغفرة والرحمة. ويقال حجاب وأي حجاب! لا يُرفَع بحيلة ولا تنفع معه وسيلة. حجابٌ سبق به الحكم قبل الطاعة والجُرْم. قوله جلّ ذكره: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}. هؤلاء الأشراف خصوا بأنوار البصائر اليوم فأشرفوا على مقادير الخلْق بأسرارهم، ويشرفون غداً على مقامات الكل وطبقات الجميع بأبصارهم. ويقال يعرفونهم غداً بسيماهم التي وجدوهم عليها في دنياهم؛ فأقوامٌ موسومون بأنوار القرب، وآخرون موسومون بأنوار الرد والحجب. قوله جلّ ذكره: {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}. سَلِمُوا اليومَ عن النكرة والجحودِ، وأكرِمُوا بالعرفان والتوحيد. وسلموا غداً من فنون الوعيد، وسَعِدُوا بلطائف المزيد. وتحققوا أنهم بلغوا من الرتب ما لم يَسْمُ إليه طرْفُ تأميلهم، ولم يُحِطْ بتفصيله كُنْهُ عقولهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} ان الله عباد دافى الدنيا قلوبهم تطير فى الملكوت وارواحهم تطير فى انوار الجبروت وعقولهم تستشرف على الاسرار واسرارهم تطلع على الانوار فيرون بنور الله بالله من العرش الى الثرى ويعرفون جميع الخلائق بسمات البعد والقرب التى تظهر من وجوههم وهى منقوش خاتم السعادة والشقاوة الذى لا يقرأه الا عارف ربانى ولهذا اشار عليه السلام بقوله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله وهؤلاء على اعراف ذروة شرفات الحضرة يوم القيامة مطلعون على احوال الدارين ينظر اليهم اهل الجحيم فيحتملون برؤيتهم اثقال العذاب وينظر اليهم اهل الجنة فيستزيدون من وجوههم سرور العيش وهم يشفعون علىكل مقصر وينعمون على كل متوفر والدليل على ذلك قوله تعالى {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} السلام منهم عليهم زيادة قربة اهل الجنة قوله تعالى {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } يعنى اهل الاعراف من اعظم شانهم فى حضرته وقفوا شفاعة الخلق وهم يطمعون ان يدخلوا الجنة ويعيشون مع عوام الجنة كالملوك يجلسون مع اهل الدناءة سريعة الطيبة قلوبهم والفرح بملكهم روى ابو الحسن الفارسى عن سهل بن عبد الله بقول اهل المعرفة هم اصحاب الاعراف قال الله يعرفون كلا بسيمهم اقامهم ليشرفهم على الدارين واهلها ويعرفهم الملكين كما اشرفهم على اسررا العباد فى الدنيا واحوالهم ويقال عرفوهم غدا بسيمهم التى وجدوهم عليها فى دنياهم فاقوام موسومون بانوار القرب وأخرون موسمون باثار الرد والحجب قوال الاستاد هؤلاء اصحاب الاشراف خصوا بانور البصائر اليوم واشرفوا على مقادير الحق باسرارهم واشرفوا غذا على مقامات الكل وطبقات الجميع بابصارهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وبينهما} اى بين الفريقين او بين الجنة والنار {حجاب} كسور المدينة حتى لا يقدر اهل النار ان يخرجوا الى الجنة ولئلا يتأذى اهل الجنة بالنار ولا يتنعم اهل النار بنعيم الجنة لان الحجاب المضروب بينهما يمنع وصول اثر احداهما الى الاخرى لانه قد جاء ان الحور العين لو نظرت واحدة منهن الى الدنيا نظرة لامتلأت الدنيا من ضوئها وعطرها وجاء فى وصف النار ان شرارة منها لو وقعت فى الدنيا لاحرقتها. قال الحدادى فان قيل كيف يصح هذا التأويل فى الحجاب بين الجنة والنار ومعلوم ان الجنة فى السماء والنار فى الارض قيل لم يبين الله حال الحجاب المذكور فى الآية ولا قدر المسافة فلا يمتنع ان يكون بين الجنة والنار حجاب وان بعدت المسافة {وعلى الاعراف} اى اعراف ذلك الحجاب اى اعاليه وهو السور المضروب بينها قيل هو جبل احد يوضع هناك جمع عرف وهو كل عال مرتفع ومنه عرف الديك والفرس سمى عرفا لانه بسبب ارتفاعه يكون اعرف مما انخفض منه {رجال} طائفة من المؤمنين تساوت حسناتهم وسيآتهم فهم ينظرون الى النار وينظرون الى الجنة وما لهم رجحان بما يدخلهم احدى الدارين فاذا دعوا الى السجود وهو الذى يبقى يوم القيامة من التكليف يسجدون فيرجح ميزان حسناتهم فيدخلون الجنة وهو احد الاقوال فى تعيين اصحاب الاعراف وسيجيء الباقى {يعرفون} صفة رجال {كلا} اى كل فريق ن اصحاب الجنة واصحاب النار {بسيمـٰهم} اى بسبب علاماتهم التى اعلمهم الله بها كبياض الوجه وسواده وهذا فى العرصات قبل دخول الجنة والنار فان المعرفة بعد الدخول تحصل بالمشاهدة والاحساس ولا يحتاج الى الاستدلال بسيماهم واما النداء والصرف والاتيان فبعد الدخول {ونادوا} اى الرجال وهو صفة ثانية لرجال عدل الى لفظ الماضى تنزيلا للنداء منزلة الواقع {اصحاب الجنة ان} تفسيرية او محققة {سلام عليكم} يعنى اذا نظروا اليهم سلموا عليهم سلام التحية والاكرام وبشروهم بالسلامة من جميع المكاره والآفات {لم يدخلوها} حال من فاعل نادوا اى نادوا حال كونهم لم يدخلوها {وهم يطمعون} اى والحال انهم طامعون فى دخولها حال من فاعل يدخلوها اى نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم طامعين فى دخولها مترقبين له اى لم يدخلوها وهم فى وقت عدم الدخول طامعون وسبب طمعهم انهم من اهل لا اله الا الله ولا يرونها فى ميزانهم ويعلمون ان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولو جيئ بذرة لاحدى الكفتين لرجحت بها لانها فى غاية الاعتدال فيطمعون فى كرم الله وعدله وانه لا بد ان يكون لكلمة لا اله الا الله عناية بصاحبها فيظهر لها اثر عليهم فيقفون هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة برحمته وهم آخر من يدخل الجنة واذا اراد الله ان يعافيهم انطلق بهم الى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قضب الذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك فالقوا فيه حتى تصلح الوانهم وفى نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ثم يؤتى بهم فيدخلون الجنة ويسمون مساكين اهل الجنة: قال الحافظ شعر : هست اميدكم على رغم عدو روز جزا فيض عفوش ننهد باركنه دوشم

الطوسي

تفسير : قوله {وبينهما} يعني بين أصحاب الجنة واصحاب النار {حجاب} والحجاب هو الحاجز المانع من الادراك، ومنه قيل للضرير: محجوب، وحاجب الامير، وحاجب العين. وحجبه عنه أي منعه من الوصول اليه. وقوله {وعلى الأعراف رجال} فالاعراف المكان المرتفع أخذ من عرف الفرس ومنه عرف الديك، وكل مرتفع من الارض يسمى عرفا، لانه بظهوره أعرف مما انخفض، قال الشماخ: شعر : وظلت بأعراف تغالي كأنها رماح نحاها وجهة الرمح راكز تفسير : وقال آخر: شعر : كل كناز لحمه نياف كالعلم الموفى على الاعراف تفسير : يعني بنشوز من الارض، وقيل: هو سور بين الجنة والنار، كما قال تعالى {أية : فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب}تفسير : وهو قول مجاهد والسدي. واختلفوا في الذين هم على الاعراف على أربعة اقوال: احدها - أنهم فضلاء المؤمنين - في قول الحسن ومجاهد - قال ابو علي الجبائي هم الشهداء، وهم عدول الآخرة، وقال ابو جعفر (ع) هم الائمة، ومنهم النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال ابو عبد الله (ع) الاعراف كثبان بين الجنة والنار، فيوقف عليها كل نبي وكل خليفة نبي مع المذنبين من اهل زمانه، كما يوقف قائد الجيش مع الضعفاء من جنده، وقد سبق المحسنون الى الجنة، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه انظروا الى اخوانكم المحسنين، قد سبقوا الى الجنة فيسلم المذنبون عليهم. وذلك قوله {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم}. ثم اخبر تعالى انهم {لم يدخلوها وهم يطمعون} يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون ان يدخلهم الله اياها بشفاعة النبي والامام، وينظر هؤلاء المذنبون الى اهل النار، فيقولون {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين}. ثم ينادي اصحاب الاعراف، وهم الانبياء والخلفاء اهل النار مقرعين لهم {ما أغنى عنكم جمعكم... أهؤلاء الذين أقسمتم} يعني هؤلاء المستضعفين الذين كنتم تحتقرونهم وتستطيلون بدنياكم عليهم. ثم يقولون لهؤلاء المستضعفين عن أمر الله لهم بذلك {أية : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}. تفسير : ويؤكد ذلك ما رواه عمر بن شيبة وغيره: ان عليا (ع) قسيم الجنة والنار، فروى بن شيبة بأسناده عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: "حديث : يا علي كأني بك يوم القيامة وبيدك عصا من عوسج تسوق قوما الى الجنة وآخرين الى النار ". تفسير : الثاني - قال ابو مجلز: هم ملائكة يرون في صورة الرجال. الثالث - قال حذيفة: هم قوم تبطىء بهم صغائرهم الى آخر الناس. الرابع - قال الفراء والزجاج وغيرهما: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فأدخلهم الله تعالى الجنة متفضلا عليهم. وطعن الرماني والجبائي على هذا الوجه بأن قالا: الاجماع منعقد على انه لا يدخل الجنة من المكلفين الا المطيع لله. وهذا الذي ذكروه ليس بصحيح، لان هذا الاجماع دعوى ليس على صحته دليل، بل من قال ما حكيناه لا يسِّلم ذلك، واكثر المرجئة أيضا لا يسلمون ذلك. وقوله {يعرفون كلا بسيماهم} يعني هؤلاء الرجال الذين هم على الاعراف يعرفون جميع الخلق بسيماهم اهل الجنة بسيما المطيعين واهل النار بسيما العصاة. والسيماء العلامة، وهي في اهل النار سواد الوجوه ورزقة العيون، وفي اهل الجنة بياض الوجوه وحسن العيون - في قول الحسن وغيره - وقيل في وزن سيما قولان: احدهما - انه (فِعلى) من سام ابله يسومها اذا أرسلها في المرعى، وهي السائمة. الثاني - ان وزنه وزن (فَعلى)، وهو من وسمت، فقلبت الواو الى موضع العين، كما قالوا له جاه في الناس أي وجه، وقالوا: اضمحل وامضحل وارض خامة أي وخيمة، وفيها ثلاث لغات القصر والمد. وسيماء، قال الشاعر: شعر : غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيماء لا تشق على البصر تفسير : على زنة (كبرياء). وقوله {ونادوا أصحاب الجنة} يعني هؤلاء الذين على الاعراف ينادون يا أصحاب الجنة {سلام عليكم، لم يدخلوها وهم يطمعون} قيل في الطامعين قولان: احدهما - قال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة انهم اصحاب الاعراف. وقال أبو مجلز: هم اهل الجنة الذين ما دخلوها بعد. والطمع - ها هنا - هو يقين بلا شك، لانهم عالمون بذلك ضرورة. وهو مثل قول ابراهيم {أية : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}تفسير : ولم يكن ابراهيم (ع) شاكا في ذلك بل كان عالما قاطعا، وانما حسن ذلك لعظم شأن المتوقع في جلالة النعمة به، وهو قول الحسن وابي علي الجبائي واكثر المفسرين.

الجنابذي

تفسير : {وَبَيْنَهُمَا} اى الفريقين او الجنّة والنّار {حِجَابٌ} والمراد بالحجاب البرزخ الاخروىّ الّذى هو واسطة بين الملكوتين ولا بدّ لاهل كلٍّ من العبور عليه، كما انّ المراد بالسّور فى قوله فضرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرّحمة وظاهره من قبله العذاب هو هذا البرزخ، وتحقيق كون الدّنيا برزخاً والبرزخ الاخروىّ واسطةً بين الملكوتين وكون الملكوت السّفلى ظلاًّ ظلمانيّاً للدّنيا والملكوت العليا عكساً نورانيّاً لها، وبعد الخلاص من عالم الطّبع لا بدّ من عبور كلّ على البرزخ الاخروىّ الّذى هو بوجهٍ جهنّم، كم انّ عالم الطّبع ايضاً بوجهٍ جهنّم، والبرزخ الاخروىّ هو الحجاب الّذى ظاهره يلى الملكوت السّفلىّ من قبله عذاب الملكوت السّفلى وباطنه الّذى يلى الملكوت العليا فيه الرّحمة الّتى هى نعم الجنان الصّوريّة ثمّ نعم الجنان المجرّدة عن الصّورة والتّقدّر قد مضى اجمالاً وسيجيء فى سورة الحديد {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ} اى اعراف الحجاب جمع العرف وهو ما ارتفع من الارض ومنه عرف الدّيك وعرف الفرس والمعنى على اعالى الحجاب {رِجَالٌ} مخصوصون وهم الّذين ادركوا البقاء بعد الفناء ووصلوا الى مقام الجمع وردّوا من الحضور الى الخلق لتكميلهم وهم الانبياء (ع) والاولياء (ع)، فانّهم بعد ردّهم يقفون بملكوتهم على البرزخ لكن على جهاته الّتى فيها الرّحمة وهى اعاليه حتّى يمكنهم الاحاطة والاتّصال بالملك والملكوتين، لانّهم بشأنهم الجبروتىّ اجلّ شأناً من ان يراقبوا الكثرة لانّ العالى لا التفات له الى الدّانى بالّذات وبشأنهم الملكىّ لاسعة لهم ولا احاطة حتّى يتيسّر لهم المراقبة واعطاء كلّ ذى حقٍّ حقّه، بل بشأنهم الملكوتى الّذى يتنزّلون به عن الملكوت العليا الى اعالى البرزخ فيراقبون اهل الملك والملكوت العليا والسّفلى ويعطون كلاًّ حقّه، ولمّا كان النّبوّات والولايات الجزئيّة اظلالاً من الولاية الكلّيّة وكان المتحقّق بالولاية الكلّيّة عليّاً واولاده الطّاهرين، صحّ تفسير الرّجال بهم وحصرهم فيهم ولمّا كان البرزخ مرتبةً من مراتبهم وشأناً من شؤنهم قال علىّ (ع): نحن الاعراف ولمّا كان جهة البرزخ العليا جهةً يعرف بها كلّ من عليها غيره من اهل الملك والملكوتين وكانت سبيل معرفة الله لغير من عليها صحّ قولهم (ع): نحن على الاعراف، نعرف انصارنا بسيماهم، ونحن الاعراف الّذين لا يعرف الله عزّ وجلّ الاّ بسبيل معرفتنا، ونحن الاعراف يوقفنا الله عزّ وجلّ يوم القيامة على الصّراط فلا يدخل الجنّة الاّ من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النّار الاّ من انكرنا وانكرناه، ولمّا كان المراد بالاعراف اعالى البرزخ صحّ تفسير اصحاب الاعراف بالّذين هم اصحاب البرزخ من الّذين استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فانّهم اصحاب البرزخ وكون صحابتهم للاعراف غير كون صحابة الّذين على الاعراف فانّهم مالكون للاعراف بوجهٍ ومتحقّقون بها بوجهٍ، بخلاف الّذين استوت حسناتهم وسيّئاتهم فانّهم (ع) واقفون فى البرزخ وتحت الاعراف للحساب {يَعْرِفُونَ كُلاًّ} من اهل الجنّة والنّار {بِسِيمَاهُمْ} بالعلامة الّتى هى على ظواهرهم من سرائرهم، فالضّمير راجع الى كلاًّ لا الى الرّجال {وَنَادَوْاْ} الضّمير راجع الى اصحاب الاعراف من شيعة علىّ (ع) الّذين استوت حسناتهم وسيّئاتهم كأنّهم ذكروا بالالتزام ذكر الاعراف {أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} الّذين تجاوزوا البرزخ وصحبوا الجنّة {أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} تحيّة لهم ورجاء للوصول اليهم {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} الدّخول.

فرات الكوفي

تفسير : {وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفونَ كُلاً بِسيماهُمْ46} فرات قال: حدثنا عبيد بن كثير معنعناً: عن الاصبغ [ر: أصبغ] بن نباتة قال: كنت جالساً عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فجاءه ابن الكوا. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله تعالى [أ، ب: عز وجل]: {أية : ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} تفسير : [198/ البقرة] فقال له أمير المؤمنين: نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى [ب: تؤتى] من أبوابها، ونحن باب الله وبيته [ب (ظ): وبيوته] الذي [ر: التي] يؤتى منه، فمن يأتينا وآمن بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها، ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها. فقال: يا أمير المؤمنين {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم}؟ فقال: نحن الأعراف، نعرف أنصارنا بأسمائهم ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلاّ بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار فلا يدخل الجنة إلاّ من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه، رزق من الله، لو شاء عرف الناس نفسه حتى يعرفوا حدّه ويأتوه من بابه، ولكنا جعلنا أبوابه وشراط رسله [ب (خ ل): وصراطه وسبيله] وبابه الذي يؤتى منه. قال: فمن عدل عن ولايتنا وفضل علينا غيرنا فإنهم [أ، ر: وأنهم] {أية : عن الصراط لناكبون} تفسير : [74/ المؤمنون] فلا سواء [ر: سوى] ما اعتصم به المعتصمون، ولا سواء ما اعتصم به الناس، ولا سواء حيث ذهب من ذهب فإنما ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ [ر: يفزع] بعضها في بعض، وذهب من ذهب إلينا إلى عيونٍ صافية تجري [أ، ر: يجري] عليهم بإذن الله [تعالى. ر] لا انقطاع لها ولا نفاد. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن حبّة العرني أن ابن الكوا أتى علياً فقال: يا أمير المؤمنين ما آيتان! في كتاب الله [تعالى. ر] قد أعيتاني وشككتاني [أ: سلكنابى. ر: سلكتا. ب: سلكتا] في ديني. قال: وما هما؟ قال: قول الله [تعالى. ر]: {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم}. قال: وما عرفت هذه [ر: هذا] إلى الساعة؟ قال: لا. قال: نحن الأعراف من عرفنا دخل الجنة ومن أنكرنا دخل النار. قال: وقوله: {أية : والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} تفسير : [41/ النور]. قال: وما عرفت هذه [ر: هذا] إلى الساعة؟ قال: لا. قال: إن الله خلق ملائكة [أ: من الملائكة] على صور [ر، أ: صورة] شتى فمنهم من صوره [ب: صورته. أ: صورت] على صورة الأسد، ومنهم من صوره على صورة فرس [أ، ر: نسر]، الله ملك على [خ ل: في] صورة ديك براثنه تحت الأرض السابعة السفلى وعرفه مثنى تحت العرش نصفه من نار ونصفه من ثلج، فلا الذي من النار يذيب الذي من الثلج ولا الذي من الثلج يطفئ الذي من النار، فإذا كان كل سحر خفق بجناحيه وصاح سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح، محمد خير البشر وعلي خير الوصيين. فصاحت الديكة. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت جالساً عند أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب عليه السلام. ب] فأتاه ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن قول الله تعالى: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلاً بسيماهم} فقال: ويحك يا ابن الكوا نحن الأعراف نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن أحبنا عرفناه [بسيماه وأدخلناه الجنة. أ] ومن أبغضنا وفضل علينا غيرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار. فرات قال: حدثني محمد بن الفضل بن جعفر بن الفضل العباسي معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلاً بسيماهم} قال: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين [عليهم السلام. ر] على سور [ي. ر] الجنة والنار يعرفون المحبين لهم ببياض الوجوه والمبغضين لهم بسواد الوجوه.

اطفيش

تفسير : {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ} أَى على أعراف الحجاب أَى أَعاليه، وهو أَعلى موضع فى الموضع العالى، والمفرد عرف وهو مأخوذ من عرف الديك، وقيل جبل أُحد ينقل إِلى ذلك الموضع، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : أُحد جبل يحبنا ونحبه وأَنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يجلس عليه اَقوام يعرفون كلا بسيماهم، وهو إِن شاءَ الله من أَهل الجنةتفسير : . وقيل سور الجنة، والأَول هو الذى ظهر لى ثم رأَيته لغيرى {رِجَالٌ} قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ومعهم نورهم وقفوا بين الجنة والنار على الأَعراف لتوسطهم بين الحسنات والسيئات ومصيرهم إِلى الجنة إِذ لا دار فى الآخرة إِلا هى أَو النار، يلقون فى نهر حافتاه قضب الذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك فتصلح ألوانهم فتكون فى نحورهم شامة بيض يعرفون بها يسمون مساكين أَهل الجنة: قاله حذيفة وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم. واعتبار استواء الحسنات والسيئات أَو الزيادة مذهب قومنا والمشارقة، وأَما المغاربة فلا يعتبرون ذلك بل إِن مات تائبا بطلت سيئاته كلها ولو كن أَكثر، أَو مصرا بطلت حسناته ولو كن أَكثر، ولا مانع من أَنهم ماتوا تائبين ولكن حبسوا لاستوائها، إِلا إِن صح أَنهم آخر من يدخل الجنة فإِنه من قلت حسناته ومات تائبا أَحق بالتأخير، وقيل أَهل الفترة، ولا يصح لأَنهم مشركون مصيرهم إِلى النار، ولا بأَن آمنوا بالله ووحدوه ولم يجدوا من يعلمهم سائر أُمور الشرع، أَو أَقوام خرجوا إِلى الجهاد من غير إِذن آبائهم فقتلوا، قاله شرحبيل بن سعد، وروى عنه صلى الله عليه وسلم أَنهم قوم قتلوا عصاة لآبائهم فمنعهم القتل عن النار معصية آبائهم عن الجنة، وهم آخر من يدخل الجنة، ذكره الطبرى أَو قوم رضى عنهم آباؤهم دون أُمهاتهم أَو أُمهاتهم دون آبائهم قاله إبراهيم النخعى، أَو أَطفال المشركين، رواه أَبو صالح عن ابن عباس، أَو قوم صالحون علماء فقهاء يكون هناك نزهة ولبيان شرفهم، قاله مجاهد، أَو أَنبياء، حكاه ابن الأَنبارى، إِظهارا لفضلهم وليطلعوا على أَهل الجنة والنار ومقادير الثواب والعقاب أَو ملائكة يعرفون الفريقين بسيماهم. والتأْنيث بتأَويل الجماعة كما فى قوله تعالى تتنزل الملائكة، وقوله تعالى تتوفاهم الملائكة طيبين، وقوله إِلا أَن تأْتيهم الملائكة لا يمنع ذلك، ذكره أَبو مجلز، واعترض بأَن لفظ الرجال يطلق على ذكور الآدميين والجن أَو الشهداءِ أَو فضلاءِ المؤمنين. والشهداء فرغوا من شغل أَنفسهم وتفرغوا لمطالعة أَحوال الناس، أِو عدول القيامة يشهدون على الناس وهم فى كل أُمة، واختاره النحاس، أَو قوم لهم صغائر لم تكفر بالمصائب وليس لهم كبائر ولو كفرت باجتناب الكبائر والوضوءِ والصلاة والحج والعمرة والصوم. وفيه أَنه إِذا كفرت لم تحتج إِلى تكفير آخر، وأَولاد الزنى، روى عن ابن عباس، وهو ضعيف إذ الزنى دنب لآبائهم، رأَيت هذه الأَقوال فى تذكرة القرطبى من نسخة مقابلة على نسخة نسخت من خطه {يَعْرِفُونَ} أَى يعرفون أَهل الجنة وأَهل النار {كُلاًّ بِسيمَاهُمْ} علاماتهم من بياض وجوه المؤمنين ونورهم وسواد وجوه الكفرة وظلمتهم، من سام الفرس إِذا أَرسلها فى المرعى من السيمة بمعنى العلامة لأَنهم يعلمون الدَّابة بعلامة ويسرحونها للمرعى فلا قلب، أَو من وسم أَى جعل علامة فقدمت السين على الواو وقلبت ياءَ للكسر فيها ففيها القلب الصرفى والمكانى، وذلك كاف فى المعرفة لا نور للكافر فى وجهه ولا ظلمة للمؤمن يومئذ، وقيل بالإِلهام أَو بإِخبار الملائكة، وهذه السيما زيادة على علامة كونهم فى الجنة وكونهم فى النار لأَن ذلك بعد كونهم فيها، ولا مانع من كونه بعد الكون فيهما، ولا حاجة للعلامة بعد الدخول إِلا قوله ونادى أَصحاب النار أَصحاب الجنة، فبعد الدخول، وذلك بينهم لا مدخل فيه لأَهل الأَعراف {وَنَادَوْا} من الأَعراف وهى عالية على الجنة أَو سور الجنة شفاف، أَو ينادون ولو بلا رؤية {اَصْحَابَ الْجَنَّةِ} بعد كونهم فيها {أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} إِخبار لا دعاء لأَن أَهل الجنة آمنون من المكاره، أَو دعاء بالزيادة لهم {لَمْ يَدْخُلُوهَا} أَى أَصحاب الأَعراف حال من الواو أَو مستأْنف، كأَنه قيل ما حال أَهل الأَعراف فقال لم يدخلوها {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} فى دخولها، وهذا ينافى أَن أَهل الأَعراف ملائكة أَو أَنبياء أَو شهداء لأَنهم موقنون بدخول الجنة لا طامعون، إِلا أَن يتكلفا قوله يطمعون كما فسر الحسن وأَبو على الطمع هنا باليقين، وأَيضا لا يلائم ذلك قوله عز وجل "أية : وإِذا صرفت أَبصارهم" تفسير : [الأَعراف: 47] إلخ، وأَيضا هؤلاءِ يدخلون قبل كل أَحد، ولا يعادله ما قيل أَنهم يوقفون ليشاهدوا أَحوال أَهل الجنة وأَهل النار ويزيدون لذة وأَهل النار حسرة بهم، أَو نادى أَصحاب الأَعراف أَهل الجنة قبل دخولها، فقوله لم يدخلوها حال من أَصحاب أَو مستأَنف والواو لأَصحاب الجنة الموقنين بدخولها، لكن الإِنسان ما لم يتصل بمقصوده يطمع فيه ولو أَيقن فيه، أو واو يطمعون لأَصحاب الأَعراف.

الالوسي

تفسير : {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } أي بين الفريقين كقوله تعالى: { أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } تفسير : [الحديد: 13] أو بين الجنة والنار حجاب عظيم ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى وإن لم يمنع وصول النداء وأمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا. {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ } أي أعراف الحجاب أي أعاليه، وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الدابة والديك. وقيل: العرف ما ارتفع من الشيء أي أعلى موضع منه لأنه أشرف وأعرف مما انخفض منه. وقيل: ذاك جبل أحد. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : أحد يحبنا ونحبه ـ و ـ إنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلاً بسيماهم وهم إن شاء الله تعالى من أهل الجنة » تفسير : . وقيل: هو الصراط وروي ذلك عن الحسن بن المفضل. وحكي عن بعضهم أنه لم يفسر الأعراف بمكان وأنه قال: المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار {رِجَالٌ } والحق أنه مكان والرجال طائفة من الموحدين قصرت بهم سيآتهم عن الجنة وتجاوزت / بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربهم فقال لهم: قوموا ادخلوا الجنة فإني غفرت لكم أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة. وفي رواية أخرى عنه « حديث : يجمع الله تعالى الناس ثم يقول لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظر أمرك فيقال: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتي ورحمتي » تفسير : . وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين. وقيل: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم على سائر أهل القيامة وإظهاراً لشرفهم وعلو مرتبهم. وروى الضحاك عن ابن عباس أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين رضي الله تعالى عنهم يجلسون على موضع من الصراط يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها. وقيل: إنهم عدول القيامة الشاهدون على الناس بأعمالهم وهم من كل أمة حكاه الزهري. وأخرج البيهقي وابن أبـي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ والطبراني وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أصحاب الأعراف فقال: « حديث : هم أناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله » تفسير : . وقيل: هم أناس رضي عنهم أحد أبويهم دون الآخر. وقال الحسن البصري: إنهم قوم كان فيهم عجب. وقال مسلم بن يسار: هم قوم كان عليهم دين، وقيل: هم أهل الفترة، وقيل: أولاد المشركين، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أولاد الزنا، وعنه أيضاً أنهم مساكين أهل الجنة. وعن أبـي مسلم أنهم ملائكة يرون في صورة الرجال لا أنهم رجال حقيقة لأن الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة. وقيل وقيل وأرجح الأقوال ـ كما قال القرطبـي ـ الأول وجمع بعضهم بينها بأنه يجوز أن يجلس الجميع ممن ورد فيهم أنهم أصحاب الأعراف هناك مع تفاوت مراتبهم على أن من هذه الأقوال ما لا يخفى تداخله. ومن الناس من استظهر القول بأن أصحاب الأعراف قوم علت درجاتهم لأن المقالات الآتية وما تتفرع هي عليه لا تليق بغيرهم. {يَعْرِفُونَ كُلاًّ } من أهل الجنة والنار {بِسِيمَـٰهُمْ } بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجوه بالنسبة إلى أهل الجنة وسوادها بالنسبة إلى أهل النار. ووزنه فعلى من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه فوزنه عفلى، ويقال: سيماء بالمد وسيمياء ككبرياء. قال الشاعر شعر : له سيمياء ما تشق على البصر تفسير : ومعرفتهم أن كذا علامة الجنة وكذا علامة النار تكون بالإلهام أو بتعليم الملائكة. وهذا كما روي عن أبـي مجلز رضي الله تعالى عنه قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. واستظهره بعضهم إذ لا حاجة بعد الدخول للعلامة. ويشعر كلام آخرين أنه بعده والباء للملابسة. {وَنَادَوْاْ } أي رجال الأعراف {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } حين رأوهم وعرفوهم {أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } بطريق الدعاء والتحية أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره {لَمْ يَدْخُلُوهَا } حال من فاعل {نَادُواْ } أو من مفعوله. وقوله سبحانه: {وَهُمْ يَطْمَعُونَ } حال من فاعل {يَدْخُلُوهَا } أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم / طامعين في دخولها مترقبين له أي لم يدخلوها وهم في وقت عدم الدخول طامعون قاله بعضهم. وفسر الطمع باليقين الحسن وأبو علي وبه فسر في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام. { أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } تفسير : [الشعراء: 82]. وفي «الكشاف» «أن جملة {لَمْ يَدْخُلُوهَا } الخ لا محل لها لأنها استئناف كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } وجوز أن يكون في محل الرفع صفة لرجال» وضعف بالفصل.

ابن عاشور

تفسير : تقديم {وبينهما} وهو خبر على المبتدأ للاهتمام بالمكان المتوسّط بين الجنّة والنّار وما ذكر من شأنه. وبهذا التّقديم صحّ تصحيح الابتداء بالنّكرة، والتّنكير للتّعظيم. وضمير {بينهما} يعود إلى لفظي الجنّة والنّار الواقعين في قوله {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}تفسير : [الأعراف: 44] وهما اسما مكان، فيصلح اعتبار التّوسّط بينهما. وجُعل الحجاب فصلاً بينهما. وتثنية الضّمير تُعيِّن هذا المعنى، ولو أريد من الضّمير فريقَا أهللِ الجنّة وأهل النّار، لقال: بينهم، كما قال في سورة الحديد (13) {أية : فضرب بينهم بسور} تفسير : الآية. والحجاب: سور ضُرب فاصلاً بين مكان الجنّة ومكان جهنّم، وقد سمّاه القرآن سوراً في قوله: {أية : فضرب بينهم بسور له باب} تفسير : في سورة الحديد (13)، وسمّي السور حجاباً لأنّه يقصد منه الحجب والمنع كما سمّي سوراً باعتبار الإحاطة. والأعراف: جمع عُرْف بِضّم العين وسكون الرّاء، وقد تضمّ الرّاء أيضاً وهو أعلى الشّيء ومنه سمّي عُرف الفرس، الشّعر الذي في أعلى رقبته، وسمّي عُرف الدّيك. الرّيش الذي في أعلى رأسه. و(أل) في الأعراف للعهد. وهي الأعراف المعهودة التي تكون بارزة في أعالي السّور. ليرقب منها النظَّارة حركات العد وليشعروا به إذا داهمهم. ولم يسبق ذكر للأعراف هنا حتّى تعرّف بلام العهد، فتعيّن أنّها ما يعهده النّاس في الأسوار. أو يجعل (ألْ) عوضاً عن المضاف إليه: أي وعلى أعراف السّور. وهما وجهان في نظائر هذا التّعريف كقوله تعالى: {أية : فإن الجنة هي المأوى} تفسير : [النازعات: 41] وأيّاً مّا كان فنظم الآية يأبى أن يكون المراد من الأعراف مكاناً مخصوصاً يتعرّف منه أهل الجنّة وأهل النّار، إذ لا وجه حينئذٍ لتعريفه مع عدم سبق الحديث عنه. وتقديم الجار والمجرور لتصحيح الابتداء بالنّكرة، إذ اقتضى المقام الحديث عن رجال مجهولين يكونون على أعراف هذا الحجاب، قبل أن يدخلوا الجنّة، فيشهدون هنالك أحوال أهل الجنّة وأحوال أهل النّار، ويعرِفون رجالاً من أهل النّار كانوا من أهل العزّة والكبرياء في الدّنيا، وكانوا يكذّبون وعد الله المؤمنين بالجنّة، وليس تخصيص الرّجال بالذّكر بمقتض أن ليس في أهل الأعراف نساء، ولا اختصاص هؤلاء الرّجال المتحدّث عنهم بذلك المكان دون سواهم من الرّجال، ولكن هؤلاء رجال يقع لهم هذا الخبر، فذكروا هنا للاعتبار على وجه المصادفة، لا لقصد تقسيم أهل الآخرة وأمكنتهم، ولعلّ توهّم أنّ تخصيص الرّجال بالذّكر لقصد التّقسيم قد أوقع بعض المفسّرين في حيرة لتطلّب المعنى لأنّ ذلك يقتضي أن يكون أهل الأعراف قد استحقّوا ذلك المكان لأجل حالة لاحظّ للنّساء فيها، فبعضهم حمل الرّجال على الحقيقة فتطلب عملاً يعمله الرّجال لاحظ للنّساء فيه في الإسلام، وليس إلاّ الجهاد، فقال بعض المفسرين: هؤلاء قوم جاهدوا وكانوا عاصين لآبائهم، وبعض المفسّرين حمل الرّجال على المجاز بمعنى الأشخاص من الملائكة، أطلق عليهم الرّجال لأنّهم ليسوا إناثاً كما أطلق على أشخاص الجنّ في قوله تعالى: {أية : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} تفسير : [الجن: 6] فيظهر وجه لتخصيص الرّجال بالذّكر تبعاً لما في بعض تلك الأحاديث التي أشرنا إليها. وأمّا ما نقل عن بعض السّلف أنّ أهل الأعراف هم قوم اسْتوت موازين حسناتهم مع موازين سيّئاتهم، ويكون إطلاق الرّجال عليهم تغليباً، لأنّه لا بدّ أن يكون فيهم نساء، ويروى فيه أخبار مسندة إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم لم تبلغ مبلغ الصّحيح ولم تنزل إلى رتبة الضّعيف: روى بعضَها ابنُ ماجة، وبعضَها ابنُ مردويه، وبعضَها الطّبري، فإذا صحت فإنّ المراد منها أن من كانت تلك حالتهم يكونون من جملة أهل الأعراف المخبر عنهم في القرآن بأنّهم لم يدخلوا الجنّة وهم يطمعون. وليس المراد منها أنّهم المقصودُ من هذه الآية كما لا يخفى على المتأمّل فيها. والذي ينبغي تفسير الآية به: أنّ هذه الأعراف جعلها الله مكاناً يوقف به من جعله الله من أهل الجنّة قبل دخوله إياها، وذلك ضرب من العقاب خفيف، فجعل الدّاخلين إلى الجنّة متفاوتين في السبق تفاوتاً يعلم الله أسبابه ومقاديره، وقد قال تعالى: {أية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى}تفسير : [الحديد: 10] وخصّ الله بالحديث في هذه الآيات رجالاً من أصحاب الأعراف. ثمّ يحتمل أن يكون أصحاب الأعراف من الأمّة الإسلاميّة خاصّة. ويحتمل أن يكونوا من سائر الأمم المؤمنين برسلهم، وأيّاما كان فالمقصود من هذه الآيات هم من كان من الأمّة المحمّديّة. وتنوين {كلاً} عوضٌ عن المضاف إليه المعروف من الكلام المتقدّم. أي كلّ أهل الجنّة وأهل النّار. والسيما بالقصر السمة أي العلامة، أي بعلامة ميَّز الله بها أهل الجنّة وأهل النّار، وقد تقدّم بيانها واشتقاقها عند قوله تعالى: {أية : تعرفهم بسيماهُم} تفسير : في سورة البقرة (273). ونداؤهم أهلَ الجنّة بالسّلام يؤذن بأنّهم في اتّصال بعيد من أهل الجنّة، فجعل الله ذلك أمارة لهم بحسن عاقبتهم ترتاح لها نفوسهم. ويعلمون أنّهم صائرون إلى الجنّة، فلذلك حكى الله حالهم هذه للنّاس إيذاناً بذلك وبأن طمعهم في قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون} هو طمع مستند إلى علامات وقوع المطموع فيه، فهو من صنف الرّجاء كقوله: {أية : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}تفسير : [الشعراء: 82]. و{أن} تفسير للنّداء، وهو القول {سلام عليكم}. و{سلام عليكم} دعاءُ تحيّة وإكرام. وجملة: {لم يدخلوها وهم يطمعون} مستأنفة للبيان، لأنّ قوله {ونادوا أصحاب الجنّة} يثير سؤالاً يبحث عن كونهم صائرين إلى الجنّة أو إلى غيرها. وجملة: {وهم يطمعون} حال من ضمير {يدخلوها} والجملتان معاً معترضتان بين جملة: {ونادوا أصحاب الجنة} وجملة {وإذا صرفت أبصارهم}. وجملة: {وإذا صرفت أبصارهم} معطوفة على جملة: {ونادوا أصحاب الجنة}. والصّرف: أمر الحالّ بمغادرة المكان. والصّرف هنا مجاز في الإلتفات أو استعارةٌ. وإسناده إلى المجهول هنا جار على المتعارف في أمثاله من الأفعال التي لا يُتطلّب لها فاعل، وقد تكون لهذا الإسناد هنا فائدة زائدة وهي الإشارة إلى أنّهم لا ينظرون إلى أهل النّار إلاّ نظراً شبيهاً بفعل من يحمله على الفعل حَامِل، وذلك أنّ النّفس وإن كانت تكره المناظر السيّئة فإنّ حبّ الاطّلاع يحملها على أن توجّه النّظر إليها آونة لتحصيل ما هو مجهول لديها. والتلقاء: مكان وجود الشّيء، وهو منقول من المصدر الذي هو بمعنى اللّقاء، لأنّ محلّ الوجود مُلاق للموجود فيه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن بين أهل الجنة، وأهل النار حجاباً يوم القيامة، ولم يبين هذا الحجاب هنا، ولكنه بينه في سورة الحديد بقوله: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد: 13] الآية. قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الأعراف، يعرفون كلا من أهل الجنة، وأهل النار بسيماهم، ولم يبين هنا سيما أهل الجنة، ولا أهل النار، ولكنه أشار لذلك في مواضع أخر، كقوله: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106] الآية. فبياض الوجوه وحسنها. سيما أهل الجنة، وسوادها وقبحها، وزرقة العيون، سيما أهل النار، كما قال أيضاً في سيما أهل الجنة: {أية : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [المطففين: 24]، وقال: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22] الآية، وقال في سيما أهل النار: {أية : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} تفسير : [يونس: 27] الآية. وقال {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}تفسير : [عبس: 40] الآية، وقال: {أية : وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} تفسير : [طه: 102].

القطان

تفسير : الحجاب: السور الحاجز. الاعراف: مفردع عُرف، وهو كل شيء مرتفع. والسيما والسيمياء: العلامة. واذا صُرفت ابصارهم: حولت. تلقاء: جهة وهي الجهة المقابلة. في هاتين الآيتين والآيتين اللاحقتين يجيء ذكر لفرقة لم يتحدث عنها القرآن الكريم باسمِها ومكانها وندائها إلا في هذه السورة. وهي الفرقة التي سميت "أصحابَ الأَعراف" وسُمّيَت السورة باسمها. وذلك وصفٌ لمشهد آخر من مشاهد يوم القيامة يبين أنَّ بين اهل النار واهل الجنة حجاباً، وأن هناك جماعةً على الأعراف ينادون أهلَ الجنة بالتحيّة والتكريم. {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}. يعرفون كلا من السعداء والاشقياء بعلامات تدل عليهم من اثر الطاعة والعصيان. {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} لم يدخلوا الجنةَ بعد، وهم يرجون دخولها. {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. وإذا تحوّلت أبصارُهم إلى أصحاب النار، قالوا من هول ما رأوا: يا ربّنا، لا تُدخِلنا مع هؤلاء الظالمين. ثم يأخذ اصحاب الاعراف في تبكيت أهل النار من جهةِ ما كانوا يجمعون من جموعٍ ليصدُّوا عن سبيل الله، وما كانوا يُبدون من استكبارٍ عن تقبُّل دعوة الحق. ولا ينسون توبيهم من جهة موقفِهم من المستضعَفِين من المؤمنين في الدنيا مثل بلالٍ وصُهيب وآلِ ياسر وغيرهم، حيث كانوا يستهزئون بهم ويُقسمون الأيمان المغلّظة على انهم لا يمكن ان يكونوا صالحين، فقال تعالى {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِسِيمَاهُمْ} {أَصْحَابَ} {سَلاَمٌ} (46) - وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ بَيْنَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَهْلِ النَّارِ حِاجَزاً (حِجَاباً) يَمْنَعُ وُصُولَ أَهْلِ النَّارِ إِلَى الجَنَّةِ، وَهُوَ السُّورُ الذِي قَالَ عَنْهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرى {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} وَهُوَ الأَعْرَافُ. وَيَقُولُ المُفسِّرُونَ: يَقِفُ عَلَى الأَعْرَافِ أُنَاسٌ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُمْ مَعَ سَيِّئَاتِهِمْ، فَلاَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَلا هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيهِمْ، وَلكِنَّهُمْ يَطْمَعُونَ فِي أَنْ يُدْخِلَهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَأَهْلُ الأَعْرَافِ يَعْرِفُونَ كُلاًّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الجَنَّةِ بِسِيمَاهُمُ التِي وَصَفَهُمُ اللهُ بِهَا (وَهِيَ بَيَاضُ الوَجْهِ، وَنَضْرَةُ النَّعِيمِ التِي تَعْلُو وُجُوهَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَوادُ الوَجْهِ وَالقَتَرَةُ التِي تَرْهَقُ وُجُوهَ أَهْلِ النَّارِ). وَيَتَوَجَّهُ أَهْلُ الأَعْرَافِ إِلى أَهْلِ الجَنَّةِ بِالسَّلاَمِ قَائِلينَ لَهُمْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، يَقُولُونَها مُهَنِّئِينَ بِالفَوْزِ بِالحِسَابِ، طَامِعِينَ فِي أَنْ يُدِخِلََهُمُ اللهُ الجَنَّةَ مَعَهُمْ. (وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) إِنَّ أَهْلَ الأَعْرَافِ يُسَلِّمُونَ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَجْتَازُوا الحِسَابَ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، إِذْ يَكُونُونَ طَامِعِينَ فِي دُخُولِها لِمَا رَأَوْهُ مِنْ يُسْرِ الحِسَابِ). بَيْنَهُمَا حِجَابٌ - حَاجِزٌ - وَهُوَ سُورٌ بَيْنَهُمَا. الأَعْرَافِ - أَعَالِي السُّورِ الفَاصِلِ بَيْنَ النَّارِ وَالجَنَّةِ. بِسِيمَاهُمْ - بِعَلاَمَاتٍ مُمَيِّزَةٍ فِيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحجاب موجود بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهم يتراءون من خلاله، وبيّنه الحق سبحانه فقال: {أية : يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد: 13] باطن هذا الحجاب الرحمة من ناحية أهل الجنة، وظاهره المواجه لأهل النار فيه العذاب، والحق هو القادر على كل شيء؛ لذلك لا ينال أهل الجنة شيء من شقاء أهل النار، ولا ينال أهل النار شيء من نعيم أهل الجنة، ويسمع أهل النار رداً على طمعهم في أن ينالهم بعض من نور أهل الجنة، إنكم تلتمسون الهدى في غير موطن الهدى؛ فزمن التكليف قد انتهى، ومن كان يرغب في نور الآخرة كان عليه أن يعمل من أجله في الدنيا، فهذا النور ليس هبة من خلق لخلق، وإنما هو هبة من خالق لمخلوق آمن به. وأنتم تقولون: انظرونا نقتبس من نوركم، وليس في مقدور أهل الجنة أن يعطوا شيئاً من نور أهل الجنة فالعطاء حينئذ لله. {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ...} [الأعراف: 46] و{كُلاًّ} المعنيّ بها أصحاب الجنة وأصحاب النار، فقد تقدم عندنا فريقان؛ أصحاب الجنة، وأصحاب النار وهناك فريق ثالث هم الذين على الأعراف، و"الأعراف" جمع "عُرف" مأخوذ من عرف الديك وهو أعلى شيء فيه، وكذلك عرف الفرس. كأن بين الجنة مكانا مرتفعاً كالعرف يقف عليه أناس يعرفون أصحاب النار بسيماهم فكأن من ضمن السمات والعلامات ما يميز أهل النار عن أهل الجنة. وكيف توجد هذه السمات؟ يقال إن الإنسان ساعة يؤمن يصير أهلا لاستقبال سمات الإيمان، وكلما دخل في منهج الله طاعة واستجابة أعطاه الله سمة جمالية تصير أصيلة فيه تلازمه ولا تفارقه, وبالعكس من ذلك أصحاب النار فتبتعد عنهم سمات الجلال والجمال وتحل محلها سمات القبح والشناعة والبشاعة. وإذا ما رأى أهل الأعراف أصحاب الجنة يقولون: سلام عليكم؛ لأن الأدنى منزلة- أصحاب الأعراف- يقول للأعلى- أصحاب الجنة- سلام عليكم. وجماعة الأعراف هم من تساوت سيئاتهم مع حسناتهم في ميزان العدل الإلهي الذي لا يظلم أحداً مثقال ذرة. {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 6-9] ويا رب لقد ذكرت الميزان، وحين قدرت الموزون لهم لم تذكر لنا إلا فريقين اثنين.. فريق ثقلت موازينه، وفريقاً خفت موازينه، ومنتهى المنطق في القياس الموازيني أن يوجد فريق ثالث هم الذين تتساوى سيئاتهم مع حسناتهم، فلم تثقل موازينهم فيدخلوا الجنة، ولم تجف موازينهم فيدخلوا النار، وهؤلاء هم من تعرض أعمالهم على "لجنة الرحمة" فيجلسون على الأعراف. ومن العجيب أنهم حين يشاهدون أهل الجنة يقولون لهم سلام عليكم على الرغم من أنهم لم يدخلوا، لكنهم يطمعون في أن يدخلوا، لأن رحمة الله سبقت غضبه. {...ونَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] وبطبيعة الحال ليس في هذا المكان غش ولا خداع. وماذا حين ينظرون إلى أهل النار؟

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ هو سورٌ بين الجَنةِ والنَّارِ. والأَعرافُ: كُلُّ موضعٍ مُرتفعٍ مُشرفٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجاب يقال له: { الأعْرَاف } لا من الجنة ولا من النار، يشرف على الدارين، وينظر مِنْ عليه حالُ الفريقين، وعلى هذا الحجاب رجال يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بسيماهم، أي: علاماتهم، التي بها يعرفون ويميزون، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نَادَوْهم { أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ } أي: يحيونهم ويسلمون عليهم، وهم - إلى الآن - لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، ولم يجعل اللّه الطمع في قلوبهم إلا لما يريد بهم من كرامته. { وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ } ورأوا منظرا شنيعا، وهَوْلا فظيعا { قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } فأهل الجنة [إذا رآهم أهل الأعراف] يطمعون أن يكونوا معهم في الجنة، ويحيونهم ويسلمون عليهم، وعند انصراف أبصارهم بغير اختيارهم لأهل النار، يستجيرون بالله من حالهم هذا على وجه العموم. ثم ذكر الخصوص بعد العموم فقال: { وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } وهم من أهل النار، وقد كانوا في الدنيا لهم أبهة وشرف، وأموال وأولاد، فقال لهم أصحاب الأعراف، حين رأوهم منفردين في العذاب، بلا ناصر ولا مغيث: { مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ } في الدنيا، الذي تستدفعون به المكاره، وتتوسلون به إلى مطالبكم في الدنيا، فاليوم اضمحل، ولا أغني عنكم شيئا، وكذلك، أي شيء نفعكم استكباركم على الحق وعلى من جاء به وعلى من اتبعه. ثم أشاروا لهم إلى أناس من أهل الجنة كانوا في الدنيا فقراء ضعفاء يستهزئ بهم أهل النار، فقالوا لأهل النار: { أَهَؤُلاءِ } الذين أدخلهم اللّه الجنة { الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ } احتقارا لهم وازدراء وإعجابا بأنفسكم، قد حنثتم في أيمانكم، وبدا لكم من اللّه ما لم يكن لكم في حساب، { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ } بما كنتم تعملون، أي: قيل لهؤلاء الضعفاء إكراما واحتراما: ادخلوا الجنة بأعمالكم الصالحة { لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ } فيما يستقبل من المكاره { وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } على ما مضى، بل آمنون مطمئنون فرحون بكل خير. وهذا كقوله تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } تفسير : إلى أن قال {أية : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ } تفسير : واختلف أهل العلم والمفسرون من هم أصحاب الأعراف وما أعمالهم؟ والصحيح من ذلك أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا رجحت سيئاتهم فدخلوا النار ولا رجحت حسناتهم فدخلوا الجنة فصاروا في الأعراف ما شاء اللّه ثم إن اللّه تعالى يدخلهم برحمته الجنة فإن رحمته تسبق وتغلب غضبه ورحمته وسعت كل شيء.

همام الصنعاني

تفسير : 907- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن، في قوله تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}: [الآية: 46]، قال: والله ما جعل الله ذلكَ الطمع في قلوبِهِمْ إلاَّ لكرامة يُريدُها بِهِمْ.