٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} في موضع خفض لـ «الظالمين» على النعت. ويجوز الرفع والنصب على إضمارِهُمْ أو أعني. أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام. فهو من الصدّ الذي هو المنع. أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون. وهذا من الصدود. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} يطلبون ٱعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها. وقد مضىٰ هذا المعنى. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ} أي وكانوا بها كافرين. فحذف وهو كثير في الكلام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ } الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {وَيَبْغُونَهَا } أي يطلبون السبيل {عِوَجَاً } معوجة {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ كَٰفِرُونَ }.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {الذين يصدون عن سبيل الله} يعني الذين يمنعون الناس عن الدخول في دين الإسلام {ويبغونها عوجاً} يعني ويحاولون أن يغيروا دين الله وطريقته التي شرع لعباده ويبدلونها، وقيل معناه أنهم يصلون لغير الله ويعظمون ما لم يعظمه الله وذلك أنهم طلبوا سبيل الله بالصلاة لغير الله وتعظيم ما لم يعظمه الله فأخطؤوا الطريق وضلوا عن السبيل {وهم بالآخرة كافرون} يعني وهم بكون الآخرة واقعة جاحدون منكرون لها. قوله عز وجل: {وبينهما حجاب} يعني بين الجنة والنار وقيل بين أهل الجنة وأهل النار حجاب وهو المذكور في قوله تعالى: {أية : فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب}تفسير : [الحديد: 13] قال مجاهد الأعراف حجاب بين الجنة والنار. وقال السدي وبينها حجاب هو السور وهو الأعراف وقوله: {وعلى الأعراف رجال} الأعراف: جمع عرف وهو كل مرتفع من الأرض ومنه قيل عرف الديك لارتفاعه على ما سواه من الجسد سمي بذلك لأنه بسبب ارتفاعه صار أعرف وأبين مما انخفض، وقال السدي: إنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الأعراف الشيء المشرف وعنه قال الأعراف سور كعرف الديك وعنه أن الأعراف جبل بين الجنة والنار. يحبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار واختلف العلماء في صلة الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك فروي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتخلفت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله تعالى فيهم، قال بعضهم: إنما جعلوا على الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار فهم لا من أهل الجنة ولا من أهل النار لكن الله تعالى يدخلهم الجنة بفضله ورحمته لأنه ليس في الآخرة دار إلا الجنة أو النار. وقال ابن مسعود رضي الله عنه يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر بواحدة دخل الجنة من كانت سيئاته أكثر بواحدة دخل النار وإن الميزان يخف ويثقل بمثال حبة من خردل ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الأعراف فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم وإذا نظروا إلى أهل النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين فهنالك يقول الله تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} فكان الطمع دخولاً قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إذا عمل العبد حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب له إلا واحدة ثم قال هلك من غلب آحاده عشراته، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الأعراف سور بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف هم قوم استوت حسناتهم وسيئآتهم فهم بذلك المكان حتى إذا أراد الله تعالى أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قصب الذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال تمنوا ما شئتم فيتمونون حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفاً فيدخلون الجنة ذكره ابن جرير في تفسيره. وقال شرحبيل بن سعد: أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو من غير إذن آبائهم. ورواه الطبري بسنده إلى يحيى بن غيل مولى لبني هاشم عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال "هم قوم قتلوا عصاة لآبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلو الجنة"تفسير : زاد في رواية "حديث : فهُم آخر من يدخل الجنة"تفسير : وذكر ابن الجوزي: إنهم قوم رضي آباؤهم دون أمهاتهم وأمهاتهم دون آبائهم. ورواه عن إبراهيم وذكر عن أبي صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنهم أولاد الزنا، وقيل: إنهم الذين ماتوا في الفترة وفيه بعد لأن آخر أمر أصحاب الأعراف إلى الجنة وهؤلاء الذين ماتوا في الفترة والله أعلم بحالهم وهو يتولى أمرهم وقيل إنهم أولاد المشركين الذين ماتوا أطفالاً وهذا القول يرجع معناه إلى القول الذي قبله لأنه داخل في حكمه فهذه الأقوال تدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة الله تعالى. وقال مجاهد: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء فعلى هذا القول إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة أو ليرى غيرهم شرفهم وفضلهم وقيل إنهم أنبياء حكاه ابن الأنباري وإنما أجلسهم الله على ذلك المكان العالي تمييزاً لهم على سائر أهل القيامة وإظهاراً لفضلهم وعلو مرتبتهم وليكونوا مشرفين على أهل الجنة والنار ومطلعين على أحوالهم ومقادير ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار. وقال أبو مجلز: أصحاب الأعراف ملائكة يعرفون الفريقين بسيماهم يعني يعرفون أهل الجنة وأهل النار، فقيل لأبي مجلز: إن الله تعالى يقول وعلى الأعراف رجال وأنت تقول إنهم ملائكة فقال إن الملائكة ذكور ليسوا بإناث وضعَّف الطبري قول أبي مجلز قال: لأن لفظ الرجال في لسان العرب لا يطلق إلا على الذكور من بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق وحاصل هذه الأقوال أن أصحاب الأعراف أفضل من أهل الجنة لأنهم أعلى منهم منزلة وأفضل. وقيل: إنما أجلسهم الله في ذلك المكان العالي ليميزوا بين أهل الجنة وبين أهل النار والله أعلم بمراده وأسراره كتابه. قوله عز وجل: {يعرفون كلاًّ بسيماهم} يعني: أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة بسيماهم وذلك ببياض وجوههم ونضرة النعيم عليهم ويعرفون أهل النار بسيماهم وذلك بسواد وجوههم وزرقة عيونهم والسيما العلامة الدالة على الشيء وأصله من السمة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أصحاب الأعراف إذا رأوا أصحاب الجنة عرفوا ببياض الوجوه وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد الوجوه. فإن قلنا إن أصحاب الأعراف من استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم دون أهل الجنة في الدرجة كان وقوفهم على الأعراف ليكونوا درجة متوسطة بين الجنة والنار فإذا رأوا أهل الجنة وعرفوهم ببياض وجوههم نادوهم أن سلام عليكم وهو قوله تعالى {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} يعني: نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة أن سلام عليكم يعني سلمتم من الآفات وحصل لكم الأمن والسلامة وإذا رأوا أهل النار يعرفونهم بسواد وجوههم {أية : قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}تفسير : [الأعراف: 47] وإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف والأفاضل من أهل الجنة كان جلوسهم على الأعراف ليطلعوا على أهل الجنة وأهل النار ثم لينقلهم الله عز وجل إلى الدرجات العلية في الجنة. وقوله تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} يعني في دخول الجنة. قال الحسن: ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: "الَّذينَ" يجوز أن يكون مرفوع المحل ومنصوبه على القطع فيهما، ومجروره على النَّعت، أو البدل، أو عطف البيانِ. ومفعول "يَصُدُّونَ" محذوف أي: يَصُدُّون النَّاسَ، ويجوز ألاّ يُقدر له مفعول. والمعنى: الَّذين من شأنهم الصَّدُّ كقولهم: "هو يعطي ويمنع". ومعنى "يَصُدُّونَ" أي: يمنعون النَّاس من قبول الدين الحقِّ، إمَّا بالقهر، وإمّا بسائر الحِيَلِ. ويجوز أن يكون "يَصُدُّونَ" بمعنى يعرضون من: صدَّ صُدُوداً، فيكون لازماً. قوله: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي بإلقاء الشكوك والشُّبُهَات في دلائل الدِّين الحق، ثم قال: و{بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ}. وهذا يدلُّ على فساد ما قاله القَاضِي من أنَّ ذلك اللعن يعم الفاسق والكافر. والعِوج بكسر العين في الدّين والأمر وكلّ ما لم يكن قائماً. وبالفتح في كلِّ ما كان قائماً كالحائظ والرُّمح ونحوه.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يصدون} يعرضون فهو لازم لان جعله متعديا بمعنى يمنعون الناس محوج الى تقدير المفعول ولا يصار اليه من غير ضرورة {عن سبيل الله} اى عن الدين الذى هو طريق الله الى جنته. والسبيل الطريق وما وضح منه كذا فى القاموس {ويبغونها عوجا} اى يبغون لها عوجا بان يصفوها بالزيغ والميل عن الحق وهى ابعد شئ منهما {وهم بالآخرة كافرون} جاحدون بالبعث بعد الموت فلما كان الظالمين بمعنى الكافرين كانت الاوصاف الجارية عليه من قبيل الصفات المؤكدة فان الظالم وصف فى الآية بثلاث صفات مختصة بالكفار. الاولى كونهم صادين معرضين عن سبيل الله. والثانية كونهم طالبين امالة سبيل الله ودينه الحق وتغييره الى الباطل بالقاء الشكوك والشبهات فى دلائل حقيته. والثالثة كونهم منكرين للآخرة مختصين بهذا الوصف وكل واحدة من هذه الصفات الثلاث مقررة لظلمهم بمعنى الكفر. والاشارة {أية : ونادى أصحاب الجنة} تفسير : [الأعراف: 44]. اى ارباب المحبة {أية : أصحاب النار} تفسير : [الأعراف: 44]. يعنى نار القطيعة {أية : أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} تفسير : [الأعراف: 44]. اى فيما قال "حديث : ألا من طلبنى وجدنى" {أية : فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} تفسير : [الأعراف: 44]. اى فيما قال "حديث : ومن يطلب غيرى لم يجدنى" {أية : قالوا نعم} تفسير : [الأعراف: 44]. فاجابوهم بلى وجدناه حقا {أية : فأذن مؤذن} تفسير : [الأعراف: 44]. العزة والعظمة بينهم {أية : أن لعنة الله على الظالمين} تفسير : [الأعراف: 44]. الذين وضعوا استعداد الطلب فى غير موضع مطلبه وصرفوه فى غير مصرفه {الذين يصدون} اى وهم الذين يصدون القلب والروح {عن سبيل الله} وطلبه {ويبغونها عوجا} اى يصرفون وجوههم الى الدنيا وما فيها {وهم بالآخرة كافرون} اى وهم ينكرون على اهل المحبة فيما يطلبون مما تأخر من حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما فى الآخرة كذا فى التأويلات النجمية فالناس على مراتب بحسب اقرارهم وانكارهم وسلوكهم وقعودهم: وفى المثنوى شعر : كودكان كرجه بيك مكتب درند در سبق هريك زيك بالا تريد خود ملائك نيز ناهمتا بدند زين سبب بر آسمان صف صف شدند تفسير : فعلى السالك الاجتهاد فى طلب الحق الى ظهور كنز الحقيقة فان المطلب الاعلى عند من يميز النقد الجيد من التبهرج والزيوف. وعن ذى النون رضى الله عنه قال اوحى الله سبحانه الى موسى عليه السلام يا موسى كن كالطير الوحدانى يأكل من رؤس الاشجار ويشرب الماء القراح او قال من الانهار اذا جنه الليل اوى الى كهف من الكهوف استئناسا بى واستيحاشا ممن عصانى يا موسى انى آليت على نفسى ان لا اتم لمدعى عملا ولأقطعن امل من امل غيرى ولأقصمنّ من استند الى سواى ولاطيلن وحشة من انس بغيرى ولاعرضن عمن احب حبيبا سواىً يا موسى ان لى عبادا ان ناجونى اصغيت اليهم وان نادونى ا قبلت عليهم وان اقبلوا على ادنيتهم وان دنوا منى قربتهم وان تقربوا منى كفيتهم وان والونى واليتهم وان صافونى صافيتهم وان عملوا الى جازيتهم انا مدبر امرهم كفيتهم وان والونى واليتهم وان صافونى صافيتهم وان عملوا الى جازيتهم انا مدبر امرهم وسائس قلوبهم ومتولى احوالهم لم اجعل لقلوبهم راحة فى شئ الا فى ذكرى فهؤلاء سقامهم شفاء وعلى قلوبهم ضياء لا يستأنسون الا بى ولا يحطون رحال قلوبهم الا عندى ولا يستقربهم قرار فى الايواه الى الىّ.
الطوسي
تفسير : {الذين} في موضع جر، لانه صفة للظالمين، والتقدير ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، وذلك يبين ان المراد بالظالمين الكفار، لان ما ذكرهم به من اوصاف الكفار. والصد هو العدول عن الشيء عن قلى، والصدُّ والاعراض بمعنى واحد، إِلا ان الصَّد يجوز ان يتعدى تقول: صده عن الحق يصده صدا، وصد هو عنه أيضاً، والاعراض لا يتعدى. وقوله {عن سبيل الله} يعني الحق الذي دعا الله اليه ونصب عليه الادلة وبعث به رسله. وقيل: هو دين الله. وقيل: الطريق الذي دل الله على انه يؤدي الى الجنة والمعنى متقارب. وقوله {يبغونها عوجا} معنى يبغونها يطلبون لها العوج بالشبه التي يلبسون بها ويوهمون انها تقدح فيها، وانها معوجة عن الحق بتناقضها. و (العِوج) بالكسر يكون في الطريق وفي الدين، وبالفتح يكون في الخلقة كقولك: في ساقه عَوج بفتح العين، قال الشاعر: شعر : قفا نسأل منازل آل ليلى على عِوج اليها وانثناء تفسير : بكسر العين، ويحتمل نصب عوجا أمرين: احدهما - ان يكون مفعولا به كقولك ببغون لها العوج. الثاني - ان يكون نصبا على المصدر، وكأنه قال: يطلبونها هذا الضرب من الطلب، كما تقول: رجع القهقرى أي هذا الضرب من الرجوع اي طلب الاعوجاج.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ} اى يعرضون او يمنعون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسيراً للظّلم {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ} فانّ سبيل الله هو وجهة القلب تكويناً وولاية الامام الّذى هو المتحقّق بتلك الوجهة تكليفاً، والكفر بالآخرة هو الكفر بالولاية التّكوينيّة والتّكليفيّة او مسبّب عنه.
اطفيش
تفسير : {الَّذينَ يصُدُّون} يعرضون أو يمنعون الناس {عَنْ سَبيلِ اللهِ} وهو الإسلام والطاعة، والذين نعت للظالمين، أو لمنعوت الظالمين، أو خبر لمحذوف على الذم: أو مفعول لمحذوف على الذم. {وتبْغُونها} أى سبيل الله، فإن السبيل يؤنث ويذكر، والتأنيث أكثر {عِوجاً} حال أى معوجة، أو ذات عوج، وصاحب الحال ضمير النصب، أو معوجين، أو ذوى عوج، فصاحبه ضمير الرفع، أو مفعول مسرح ليبغى، على أن المتصل به فى تقدير المقيد، الأصل يبغون لها عوجا، أى يطلبونه، وعلى كل حال فالمعنى أنهم حاولوا أن يبدلوا دين الله، وقيل: طلبوا سبيل الله بالعمل لغيره، وتنظيم غيره كالصلاة والذبح للأصنام، والعوج بكسر العين فى المعانى والأعيان غير المنتصبة، وبفتحها فى المنتصبة كالحوائط والرمح. {وهم بالآخرة كافرون * وبيْنَهما} بين الفريقين لئلا يقتبس الكافر من نور المؤمن، أو بين الجنة والنار لئلا يصل أثر أحدهما إلى الآخر {حِجابٌ} ستر وهو السور فى سورة الحديد. {وعَلى الأعْرافِ} أى الأعالى من ذلك الحجاب، أو أل عوض عن الضمير أى أعاليه، جمع عرف مستعار من عرف الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده، أو من عرف الفرس، وقيل: العرف كلما ارتفع من الأرض، وقيل: ما ارتفع من الأرض وغيرها، فإنه يكون بظهوره أعرف من غيره، وعن ابن عباس: الأعراف تل بين الجنة والنار، وقال السدى: سمى ذلك الموضع بذلك لأن أصحابه يعرفون الناس، قيل: وهذه عجمة. وعن السدى وابن عباس: الأعراف الشىء المفرط، وعنه أنه هو نفس الحجاب المذكور الذى هو السور المذكور فى سورة الحديد، وقيل: هو أحد أو أعاليه ينقل إلى ذلك المقام، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحداً نحبنا ونحبه وإنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار يحتبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة وإن أحداً على ركن من أركان الجنة ". تفسير : {رجالٌ} سعداء يحبسون عليه بين الجنة والنار عقابا لهم لكثرة تلذذهم بالمعاصى، وقلة عبادتهم، غير أنهم ماتوا على التوبة، هذا ما ظهر، وعن حذيفة، وابن مسعود، وابن جبير، والضحاك: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، والميزان يرجح بمثقال ذرة، ولم يرجح لهم وقد ماتوا على خير فيدخلون الجنة بعد القضاء بين الخلق، فلسعادتهم وموتهم تائبين استحقوا الجنة، ومحيت سيئاتهم بحسناتهم، وحبسوا بعدم زيادة حسناتهم، فلا إشكال ولو استشكله أو ستة، ولا ينافى هذا كون سيئاتهم تبدل حسنات، لأن أثر هذا الإبدال فى الدرجات، أو لأن معنى الإبدال توفيقه إلى عمل الحسنات بدل السيئات. ويقول حذيفة قال ابن عباس، وقالا: إن الله يأمر بهم إلى عين الحياة، وحافتاه قضبان الذهب مكللة باللؤلؤ، ترابه المسك، يلقون فيه فتلمح ألوانهم وتبدو فى نحورهم شامة بيضاء، يعرفون بها، ويقال لهم: تمنوا ما شئتم، فيتمنوا حتى تنقطع أمنيتهم، فيقال لهم: ذلك وسبعون ضعفا بالموحدة، ويدخلون الجنة، ويعرفون بتلك الشامة، ويسمون مساكين أهل الجنة، وذلك بعد أن يستشفعوا الأنبياء فلا يشفعون، فيشفع فيهم نبينا. وذكر الطبرى عن بعض، عنه صلى الله عليه وسلم أنهم قوم قتلوا فى سبيل الله عصاة لآبائهم وأنهم آخر من يدخل الجنة، ولم يصح هذا عنه صلى الله عليه وسلم، لأن من مات عاقاً لوالديه لا يدخل الجنة أبداً، كما تدل عليه الأحاديث، وقال بن الجوزى: قوم أرضوا آباءهم دون أمهاتهم، أو أمهاتهم دون آبائهم، وفيه ما ذكرت، وقيل: خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، ولعله جهاد مستغنى عنهم، فانظر شرحى على النيل. وعن ابن عباس: أنهم أولاد الزنى، وفيه أنه لا تبعة عليهم أو نقصان يلحقهم من زنى آبائهم، فضلا عن أن يحبسوا لذلك، وقيل أهل الفترة، وعندنا أهل الفترة إلى النار، وقيل: أولاد المشركين وهو قريب، وقيل: قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب فحبسوا لينالهم غم، وهو حسن. وعن ابن عباس: هم العباس وحمزة وعلى وجعفر ذو الجناحين، وعندنا أنهم فى الولاية إلاّ علياً فإن الصحيح أنه لم يتب، قال: يعرفون محبهم ببياض الوجوه، ومبغضهم بسوادها، وعند أصحاب الذنوب العظام، ولا يصح عندنا هذا إلا إن ماتوا على التوبة، فكان الحبس قصاصا، وهم على كل قول من الأقوال السابقة آخر أهل الجنة دخولا، وحبستهم قصاص. وقال مجاهد: قوم صالحون فقهاء علماء، فكونهم على الأعراف للتلذذ، وليرى شرفهم، وقيل: هم عدول القيامة يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم فى كل أمة، واختاره النحاس، وقال الزجاج، وابن الأنبارى: أنبياء أجلسهم الله هناك تشريفاً، وليطلعوا على أهل الجنة والنار، ومقادير الجزاء، وقيل الشهداء كانوا هنا للشريف، ولا بأس فى هذه الأقوال. وقال أبو مجلز: لا حق بين حميدهم ملائكة موكلون على التمييز بين الكافر والمؤمن، سماهم رجالا، لأنهم بصورة الرجل، ويخاطبون بخطاب الذكر، وليسوا بإناث، وقد ضعفه الطبرى، بأن الرجل فى لسان العرب للذكر الآدمى. {يَعْرفُون كلاًّ} من أهل الجنة وأهل النار {بسِيماهُم} بعلامتهم، كبياض الوجوه ونضرتها، وسواد الوجوه وزرقة العيون، يعرفونهم بالسيماء إلهاماً أو مع تعليم الملائكة أن علامة كذا لأهل كذا، ووزن سيما فعلى كذكرى، فالياء أصل والألف للتأنيث من سام إبله إذا علمها وأرسلها فى المرعى، وسام الشىء وسومه علمه، أو من وسمه بمعنى علمه أيضا، فقدمت السين على الواو، وقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها كما قيل: إن الجاه من الوجه، فذلك قلب مكنى وهو تقديم حرف على آخر، باعتبار ذلك يكون الوزن عدلا إلا إن كان ذلك اشتقاقا كبيرا كجيد وجدب، فالوزن فعلى أيضا وقد يرد ممدودا، ويقال سيماء بزيادة ياء بعد الميم. {ونادَوْا أصْحاب الجنَّة} إذا نظروا إليهم {أن سَلامٌ عليْكم} سلمكم الله سبحانه من الآفات، وبلغكم مناكم {لَم يدْخُلوها} حينئذ {وهم يَطْمعُون} فى دخولها بعد، قال الحسن: ما جعل الله ذلك الطمع فى قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. وقرىء: وهم طامعون، وقرأ ابن لقيط: وهم ساخطون ولم يدخلوها مستأنف وهم يطمعون حال من الواو، والضمائر لأصحاب الأعراف، ويجوز كون لم يدخلوها نعت لرجال، أو حال من واو نادوا، أو الطمع فى دخول الجنة يرجح أن أصحاب الأعراف آدميون، ولا يعين ذلك لجواز طمع الملائكة فى دخولها ليتلذذوا بذكر الله وخدمة أهل الجنة، وينجوا من عذابه، ويجوز أن يكون المعنى لم يدخلوها طامعين، بل دخلوها وقد غلب عليهم الإياس، ويؤيده قراءة ابن لقيط المذكورة، ويجوز أن يكون جملة لم يدخلوها حالا من أصحاب والواو لهم، أى نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة، والحال أن أهل الجنة لم يدخلوها قبل، وطمع أهل الأعراف لأن نورهم لم يطف كما طفى نور المنافقين.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي يصدون بأنفسهم عن دينه سبحانه ويعرضون عنه، فالموصول صفة مقررة للظالمين لأن هذا الإعراض لازم لكل ظالم، وجوز القطع بالرفع أو النصب وكلاهما على الذم وأمر الوقف ظاهر، وفسر الإمام النسفي الصد هنا بمنع الغير وعليه فلا تقرير، والمعنى يمنعون الناس عن دين الله تعالى بالنهي عنه وإدخال الشبه في دلائله {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها أو يطلبون لها تأويلاً وإمالة إلى الباطل، فالعوج إما على أصله وهو الميل وإما بمعنى التعويج والإمالة. ونصبه قيل: على الحالية. وقيل: على المفعولية. وجوز الطبرسي «أن يكون نصباً على المصدر كرجع القهقرى واشتمل الصماء، وذكر أن العوج بالكسر يكون في الدين والطريق وبالفتح في الخلقة فيقال في ساقه عوج بالفتح وفي دينه عوج بالكسر»، وقال الراغب: «العَوَج يقال فيما يدرك بالبصر [سهلاً] كالخشب المنتصب ونحوه، والعِوَج يقال فيما يدرك بفكر وبصيرة كما يكون في أرض بسيط... وكالدِّين والمعاش»، وسيأتي لذلك تتمة إن شاء الله تعالى. {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ كَـٰفِرُونَ } أي غير معترفين بالقيامة وما فيها، والجار متعلق بما بعده. والتقديم لرعاية الفواصل، والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية للدلالة على الدوام والثبات إشارة إلى رسوخ الكفر فيهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلآخِرَةِ} {كَافِرُونَ} (45) - وَيُعَرِّفُ اللهُ تَعَالَى هؤُلاءِ الظَّالِمِينَ لأَِنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنِ اتِّبَاعِ مَا شَرَعَ اللهُ مِنَ الهُدَى، وَمَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّاتُ، وَيَبْغُونَ أَنْ تَكُونَ سَبيلُ اللهِ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ حَتَّى لاَ يَسْلُكَهَا أَحَدٌ، وَيَكْفُرُونَ بِلِقَاءِ اللهِ فِي الآخِرَةِ، لاَ يُصَدِّقُونَ وَلا يُؤْمِنُونَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُبَالُونَ بِمَا يَأْتُونَ مِنْ مُنْكَرِ القَوْلِ وَالفِعْلِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَ اللهِ وَحِسَابَهُ. يَبُغُونَهَا عِوَجاً - يَطْلُبُونَهَا ذَاتَ اعْوِجَاجٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والذي يصد عن سبيل الله هو من امتنع عن سبيل الله، وصد غيره، أي ضلّ في ذاته ثم أضل غيره، وهؤلاء هم الذين يطلبون منهج الله معوجاً، ويذمونه ولا يؤمنون به فيعترضون على إقامة الحدود والقصاص، وينفرون الناس عن منهج الله؛ لينصرف الناس عن الدين. هم إذن قد صدوا عن سبيل الله وطلبوا العوج فيما شرع الله لينفروا الناس عمّا شرع الله، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل هم بالآخرة كافرون، ولو كان الواحد منهم مؤمناً بالآخرة ويعلم أن له مرجعاً ومرداً إلى الله لما فعل ذلك. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):