٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان والطاعات أتبعه بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين وهي الأحوال التي ذكرها في هذه الآية. واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: {أية : وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا } تفسير : [الأعراف:43] دل ذلك على أنهم استقروا في الجنة في وقت هذا النداء فلما قال بعده: {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ } دل ذلك على أن هذا النداء إنما حصل بعد الاستقرار، قال ابن عباس: وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقاً؟ والغرض من هذا السؤال إظهار أنه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو وههنا سؤالات: السؤال الأول: إذا كانت الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرضين فمع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟ والجواب: هذا يصح على قولنا: لأنا عندنا البعد الشديد والقرب الشديد ليس من موانع الإدراك، والتزم القاضي ذلك وقال: إن في العلماء من يقول في الصوت خاصية إن البعد فيه وحده لا يكون مانعاً من السماع. السؤال الثاني: هذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟ والجواب: أن قوله: {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ } يفيد العموم والجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد، وكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في الدنيا. السؤال الثالث: ما معنى {أَن} في قوله: {أَن قَدْ وَجَدْنَا }. والجواب: إنه يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وأن تكون مفسرة كالتي سبقت في قوله: {أية : أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ } تفسير : [الأعراف: 43] وكذلك في قوله: {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ }. السؤال الرابع: هلا قيل: (مَا وَعَدَكُمُ رَبُّكُمْ حَقّا) كما قيل: {مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا }. والجواب: قوله: {مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا } يدل على أنه تعالى خاطبهم بهذا الوعد، وكونهم مخاطبين من قبل الله تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف. ومزيد التشريف لائق بحال المؤمنين، أما الكافر فهو ليس أهلاً لأن يخاطبه الله تعالى، فلهذا السبب لم يذكر الله تعالى أنه خاطبهم بهذا الخطاب بل ذكر تعالى أنه بين هذا الحكم. أما قوله تعالى: {قَالُواْ نَعَمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الآية تدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة بأن وعد الله ووعيده حق وصدق ولا يمكن ذلك إلا إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات الله وصفاته. فإن قيل: لما كانوا عارفين بذاته وصفاته، وثبت أن من صفاته أنه يقبل التوبة عن عباده، وعلموا بالضرورة أن عند قبول التوبة يتخلصون من العذاب، فلم لا يتوبون ليخلصوا أنفسهم من العذاب؟ وليس لقائل أن يقول إنه تعالى إنما يقبل التوبة في الدنيا لأن قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ }تفسير : [الشورى: 25] عام في الأحوال كلها، وأيضاً فالتوبة اعتراف بالذنب وإقرار بالذلة والمسكنة واللائق بالرحيم الحكيم التجاوز عن هذه الحالة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة. أجاب المتكلمون: بأن شدة اشتغالهم بتلك الآلام الشديدة يمنعهم عن الإقدام على التوبة ولقائل أن يقول: إذا كانت تلك الآلام لا تمنعهم عن هذه المناظرات، فكيف تمنعهم عن التوبة التي بها يتخلصون عن تلك الآلام الشديدة؟ واعلم أن المعتزلة الذين يقولون يجب على الله قبول التوبة لا خلاص لهم عن هذا السؤال. أما أصحابنا لما قالوا إن ذلك غير واجب عقلاً قالوا لله تعالى أن يقبل التوبة في الدنيا، وأن لا يقبلها في الآخرة، فزال السؤال. والله أعلم. المسألة الثانية: قال سيبويه: {نَعَمْ } عدة وتصديق، وقال الذين شرحوا كلامه معناه: إنه يستعمل تارة عدة، وتارة تصديقاً، وليس معناه: أنه عدة وتصديق معاً ألا ترى أنه إذا قال: أتعطيني؟ وقال نعم كان عدة ولا تصديق فيه، وإذا قال: قد كان كذا وكذا. فقلت: نعم فقد صدقت ولا عدة فيه، وأيضاً إذا استفهمت عن موجب كما يقال: أيقوم زيد؟ قلت: نعم ولو كان مكان الإيجاب نفياً لقلت: بلى ولم تقل نعم فلفظة نعم مختصة بالجواب عن الإيجاب، ولفظة بلى مختصة بالنفي كما في قوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172]. المسألة الثالثة: قرأ الكسائي {نِعْمَ } بكسر العين في كل القرآن. قال أبو الحسن: هما لغتان قال أبو حاتم: الكسر ليس بمعروف، واحتج الكسائي بأنه روى عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم. فقال عمر: أما النعم فالإبل. قال أبو عبيدة: هذه الرواية عن عمر غير مشهورة. أما قوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى التأذين في اللغة النداء والتصويت بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها، وقالوا في: {أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } نادى مناد أسمع الفريقين. قال ابن عباس: وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور. المسألة الثانية: قوله: {بَيْنَهُمْ } يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: (أذّن) والتقدير: أن المؤذن أوقع ذلك الأذان بينهم، وفي وسطهم، ويحتمل أن يكون صفة لقوله: {مُؤَذّنٌ } والتقدير: أن مؤذناً من بينهم أذن بذلك الأذان، والأول أولى والله أعلم. أما قوله تعالى: {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم {أَن} مخففة {لَّعْنَةُ } بالرفع والباقون مشددة {لَّعْنَةُ } بالنصب. قال الواحدي رحمه الله: من شدد فهو الأصل، ومن خفف {أَن} فهي مخففة من الشديدة على إرادة إضمار القصة والحديث تقديره أنه لعنه الله، ومثله قوله تعالى: {أية : وآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الحمد للهِ رَبِ العالمينَ}تفسير : [يونس: 10] التقدير: أنه، ولا تخفف أن إلا ويكون معها إضمار الحديث والشأن. ويجوز أيضاً أن تكون المخففة هي التي للتفسير كأنها تفسير لما أذنوا به كما ذكرناه في قوله: {أَن قَدْ وَجَدْنَا } وروى صاحب «الكشاف» أن الأعمش قرأ {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ } بكسر {إِن} على إرادة القول، أو على إجراء {أذَّنَ} مجرى «قال». المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على أن ذلك المؤذن، أوقع لعنة الله على من كان موصوفاً بصفات أربعة. الصفة الأولى: كونهم ظالمين. لأنه قال: {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال أصحابنا المراد منه المشركون، وذلك لأن المناظرة المتقدمة إنما وقعت بين أهل الجنة وبين الكفار، بدليل أن قول أهل الجنة هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ لا يليق ذكره إلا مع الكفار. وإذا ثبت هذا فقول المؤذن بعده {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } يجب أن يكون منصرفاً إليهم، فثبت أن المراد بالظالمين ههنا، المشركون، وأيضاً أنه وصف هؤلاء الظالمين بصفات ثلاثة. هي مختصة بالكفار وذلك يقوي ما ذكرناه، وقال القاضي المراد منه، كل من كان ظالماً سواء كان كافراً أو كان فاسقاً تمسكاً بعموم اللفظ. الصفة الثانية: قوله: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } ومعناه: أنهم يمنعون الناس من قبول الدين الحق، تارة بالزجر والقهر، وأخرى بسائر الحيل. والصفة الثالثة: قوله: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } والمراد منه إلقاء الشكوك والشبهات في دلائل الدين الحق. والصفة الرابعة: قوله: {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ كَـٰفِرُونَ } واعلم أنه تعالى لما بين أن تلك اللعنة إنما أوقعها ذلك المؤذن على الظالمين الموصوفين بهذه الصفات الثلاثة، كان ذلك تصريحاً بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين، وذلك يدل على فساد ما ذكره القاضي من أن ذلك اللعن يعم الفاسق والكافر، والله أعلم. .
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} هذا سؤال تقريع وتعيير. {أَن قَدْ وَجَدْنَا} مثل «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ» أي أنه قد وجدنا. وقيل: هو نفس النداء. {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} أي نادىٰ وصوّت؛ يعني من الملائكة. «بَيْنَهُمْ» ظرف؛ كما تقول: أعْلَم وسطهم. وقرأ الأعمش والكِسائي «نَعِم» بكسر العين. وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين. قال مكيّ: من قال «نعِم» بكسر العين أراد أن يفرق بين «نَعَم» التي هي جواب وبين «نعم» التي هي اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن عمر إنكار «نعَم» بفتح العين في الجواب، وقال: قل نَعِم. ونَعَم ونَعِم، لغتان بمعنىٰ العِدَة والتصديق. فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك: أيقوم زيد؟ فيقول نعم. والتصديق إذا أخبرت عما وقع، تقول: قد كان كذا وكذا، فيقول نعم. فإذا استفهمت عن منفيّ فالجواب بلىٰ نحو قولك ألم أكرمك، فيقول بلىٰ. فنعم، لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية. وبلىٰ، لجواب الاستفهام الداخل على النفي؛ كما قال تعالىٰ: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]. وقرأ البَزِّي وابن عامر وحمزة والكِسائيّ «أنّ لعنة الله» وهو الأصل. وقرأ الباقون بتخفيف «أن» ورفع اللعنة على الابتداء. فـ «أن» في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض. ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب. وتكون مفسرة كما تقدّم. وحكي عن الأعمش أنه قرأ «إن لعنة الله» بكسر الهمزة؛ فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون «فَنَادَاهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمحرَابِ إنَّ الله» ويُروى أن طاووساً دخل على هشام بن عبد الملك فقال له: ٱتق الله وٱحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالىٰ: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} فصعِق هشام. فقال طاووس: هذا ذُلُّ الصِّفة فكيف ذل المعاينة.
البيضاوي
تفسير : {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا} إنما قالوه تبجحاً بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسيراً لهم، وإنما لم يقل ما وعدكم كما قال {مَّا وَعَدَنَا } لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصاً وعده بهم، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة. {قَالُواْ نَعَمْ } وقرأ الكسائي بكسر العين وهما لغتان. {فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ} قيل هو صاحب الصور. {بَيْنَهُمْ} بين الفريقين. {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} وقرأ ابن كثير في رواية للبزي وابن عامر وحمزة والكسائي {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ} بالتشديد والنصب. قرىء {إِن} بالكسر على إرادة القول أو إجراء أذن مجرى قال. {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} صفة للظالمين مقررة، أو ذم مرفوع أو منصوب. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } زيغاً وميلاً عما هو عليه، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم تكن منتصبة، وبالفتح ما كان في المنتصبة، كان في المنتصبة كالحائط والرمح. {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ كَـٰفِرُونَ}. {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي بين الفريقين لقوله تعالى: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ }تفسير : [الحديد: 13] أو بين الجنة والنار ليمنع وصول أثر إحداها إلى الأخرى. {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ} وعلى أعراف الحجاب أي أعاليه، وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الفرس وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فإنه يكون لظهوره أعرف من غيره. {رِجَالٌ} طائفة من الموحدين قصروا في العمل فيحبسون بين الجنة والنار حتى يقضي الله سبحانه وتعالى فيهم ما يشاء وقيل قوم علت درجاتهم كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الشهداء رضي الله تعالى عنهم، أو خيار المؤمنين وعلمائهم، أو ملائكة يرون في صورة الرجال. {يَعْرِفُونَ كُلاًّ} من أهل الجنة والنار. {بِسِيمَـٰهُمْ} بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجه وسواده، فعل من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة، أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه، وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو تعليم الملائكة. {وَنَادَوْاْ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ} أي إذا نظروا إليهم سلموا عليهم. {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يُطْعِمُونِ} حال من الواو على الوجه الأول ومن أصحاب على الوجوه الباقية. {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ} نعوذ بالله. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي في النار. {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـٰهُمْ} من رؤساء الكفرة. {قَالُواْ مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} كثرتكم أو جمعكم المال. {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} عن الحق، أو على الخلق. وقرىء «تستكثرون» من الكثرة. {أَهَـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} من تتمة قولهم للرجال، والإِشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} أي فالتفتوا إلى أصحاب الجنة وقالوا لهم ادخلوا وهو أوفق للوجوه الأخيرة، أو فقيل لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بفضل الله سبحانه وتعالى بعد أن حبسوا حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا. قيل لما عيروا أصحاب النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله سبحانه وتعالى أو بعض الملائكة هؤلاء الذين أقسمتم. وقرىء {أَدْخِلُواْ} و «دخلوا» على الاستئناف وتقديره دخلوا الجنة مقولاً لهم {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ}. {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء} أي صبوه، وهو دليل على أن الجنة فوق النار. {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} من سائر الأشربة ليلائم الإِفاضة، أو من الطعام كقوله: علفتها تبناً وماء بارداً. {قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} منعهما عنهم منع المحرم من المكلف.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى بما يخاطب به أهلُ الجنة أهل النار إذا استقروا في منازلهم على وجه التقريع والتوبيخ: {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا} أن ههنا مفسرة للقول المحذوف، وقد للتحقيق، أي: قالوا لهم: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } تفسير : [الصافات: 55-59] أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا، ويقرعه بما صارإليه من العذاب والنكال، وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم: {أية : هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور: 14-16] وكذلك قرّع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى القليب يوم بدر، فنادى: «حديث : يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة وسمى رؤوسهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً» تفسير : وقال عمر: يا رسول الله تخاطب قوماً قد جيفوا؟ فقال: «حديث : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا»تفسير : وقوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} أي: أعلم معلم، ونادى مناد: {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: مستقرة عليهم، ثم وصفهم بقوله: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه، وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد، {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ كَـٰفِرُونَ} أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي: جاحدون، مكذبون بذلك، لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حساباً عليه ولا عقاباً، فهم شر الناس أقوالاً وأعمالاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ } تقريراً أوتبكيتاً {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا } من الثواب {حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ } كم {رَبُّكُمْ } من العذاب {حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ } نادى منادٍ {بَيْنَهُمْ } بين الفريقين أسمعهم {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : مناداة أصحاب الجنة لأصحاب النار لم تكن لقصد الإخبار لهم بما نادوهم به، بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في قلوبهم، و{أَن قَدْ وَجَدْنَا } هو نفس النداء، أي إنا قد وصلنا إلى ما وعدنا الله به من النعيم، فهل وصلتم إلى ما وعدكم الله به من العذاب الأليم؟ والاستفهام هو للتقريع والتوبيخ. وحذف مفعول وعد الثاني لكون الوعد لم يكن لهم بخصوصهم، بل لكل الناس كالبعث والحساب والعقاب. وقيل حذف لإسقاط الكفار عن رتبة التشريف بالخطاب عند الوعد: {قَالُواْ نَعَمْ } أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً. وقرأ الأعمش والكسائي «نعم» بكسر العين. قال مكي: من قال "نعم" بكسر العين فكأنه أراد أن يفرّق بين نعم التي جواب وبين نعم التي هي اسم للبقر والغنم والإبل. والمؤذن: المنادي، أي فنادي مناد بينهم أي بين الفريقين؛ قيل: هو من الملائكة {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، والبزي، بتشديد "أن" وهو الأصل. وقرأ الباقون بالتخفيف على أنها المخففة من الثقيلة أو المفسرة. وقرأ الأعمش بكسر همزة "إن" على إضمار القول، وجملة: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } صفة للظالمين، ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم، أو أعني. والصدّ: المنع، أي يمنعون الناس عن سلوك سبيل الحق {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي يطلبون اعوجاجها، أي ينفرون الناس عنها ويقدحون في استقامتها، بقولهم إنها غير حق وإن الحق ما هم فيه، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان، ما لم يكن منتصباً، وبالفتح ما كان في المنتصب كالرمح، وجملة: {وَهُم بِٱلآخِرَةِ كَـٰفِرُونَ } في محل نصب على الحال. قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } أي بين الفريقين، أو بين الجنة والنار. والحجاب هو السور المذكور في قوله تعالى: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } تفسير : [الحديد: 13]. قوله: {وَعَلَى ٱلأعْرَافِ رِجَالٌ } الأعراف: جمع عرف، وهي شرفات السور المضروب بينهم، ومنه عرف الفرس وعرف الديك والأعراف في اللغة: المكان المرتفع، وهذا الكلام خارج مخرج المدح كما في قوله: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [النور: 37]. وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف من هم؟ فقيل هم الشهداء، ذكره القشيري وشرحبيل بن سعد. وقيل: هم فضلاء المؤمنين، فرغوا من شغل أنفسهم وتفرّغوا لمطالعة أحوال الناس ذكره مجاهد. وقيل: هم قوم أنبياء، ذكره الزجاج. وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وابن عباس والشعبي، والضحاك وسعيد بن جبير. وقيل هم العباس وحمزة وعلي وجعفر الطيار، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسوادها، حكي ذلك عن ابن عباس؛ وقيل: هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة، واختار هذا القول النحاس. وقيل هم أولاد الزنا، روي ذلك عن ابن عباس. وقيل: هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، ذكره أبو مجلز. وجملة: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ } صفة لرجال والسيما العلامة، أي يعرفون كلاً من أهل الجنة والنار بعلاماتهم كبياض الوجوه وسوادها، أو مواضع الوضوء من المؤمنين، أو علامة يجعلها الله لكل فريق في ذلك الموقف، يعرف رجال الأعراف بها السعداء من الأشقياء. {وَنَادَوْاْ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } أي نادى رجال الأعراف أصحاب الجنة حين رأوهم {أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } أي نادوهم بقولهم سلام عليكم، تحية لهم وإكراماً وتبشيراً، أو أخبروهم بسلامتهم من العذاب. قوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، والحال أنهم يطمعون في دخولها. وقيل معنى: {يَطْمَعُونَ } يعلمون أنهم يدخلونها، وذلك معروف عند أهل اللغة، أي طمع بمعنى علم. ذكره النحاس. وهذا القول أعني كونهم أهل الأعراف مرويّ عن جماعة منهم ابن عباس وابن مسعود. وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة، أي أن أهل الأعراف قالوا لهم {سلام عليكم}، حال كون أهل الجنة لم يدخلوها والحال أنهم يطمعون في دخولها. قوله: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } أي إذا صرفت أبصار أهل الأعراف تلقاء أصحاب النار أي جهة أصحاب، وأصل معنى {تِلْقَاء } جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، ولم يأت مصدر على تفعال بكسر أوّله غير مصدرين، أحدهما هذا، والآخر تبيان. وما عداهما بالفتح {قَالُواْ } أي قال أهل الأعراف {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } سألوا الله أن لا يجعلهم منهم {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأعْرَافِ رِجَالاً } من الكفار {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـٰهُمْ } أي بعلاماتهم {قَالُواْ } بدل من نادى {مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ } الذي كنتم تجمعون للصدّ عن سبيل الله، والاستفهام للتقريع والتوبيخ. قوله: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ }. «ما» مصدرية، أي وما أغنى عنكم استكباركم {أَهَـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ } هذا من كلام أصحاب الأعراف، أي قالوا للكفار مشيرين إلى المسلمين الذين صاروا إلى الجنة هذه المقالة. وقد كان الكفار يقسمون في الدنيا عند رؤيتهم لضعفاء المسلمين بهذا القسم. وهذا تبكيت للكفار وتحسير لهم. قوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } هذا تمام كلام أصحاب الأعراف، أي قالوا للمسلمين ادخلوا الجنة، فقد انتفى عنكم الخوف والحزن بعد الدخول. وقرأ طلحة بن مصرف «أدخلوا» بكسر الخاء. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا } قال: من النعيم والكرامة {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا } قال: من الخزي والهوان والعذاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف على قليب بدر تلا هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السديّ، في قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } قال: هو السور، وهو الأعراف، وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن حذيفة قال: الأعراف سور بين الجنة والنار. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس قال: الأعراف هو الشيء المشرف. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عنه، قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال: الأعراف جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يقول على ذراها. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، أنها تلّ بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل الذنوب وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جرير، قال: زعموا أنه الصراط. وأخرج ابن جرير، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار، وهم آخر من يدخل الجنة، قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود: أنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم يقفون على الصراط. وأخرج ابن جرير عن حذيفة نحوه. وكذا أخرج نحوه عنه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن جابر بن عبد الله نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ فقال: «حديث : هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ ربّ العالمين من الفصل بين العباد، قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم»تفسير : . قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن. وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يجمع الناس يوم القيامة، فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، ويؤمر بأهل النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظر أمرك، فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم، فادخلوا بمغفرتي ورحمتي»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عبد الرحمن المزني قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ فقال: «حديث : هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم، فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصيتهم آباءهم»تفسير : . وأخرج الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وابن جرير، وابن مردويه، عن عبد الله بن مالك الهلالي، عن أبيه مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن رجل من مزينة مرفوعاً نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، أنه سئل عن قوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } قال: سلمت عليهم الملائكة وهم لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها حين سلمت. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن السديّ قال: أصحاب الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم، فإذا مرّوا بزمرة يذهب بهم إلى الجنة، قالوا سلام عليكم، وإذا مرّوا بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأعْرَافِ رِجَالاً } قال: في النار {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـٰهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } قال الله لأهل التكبر {أَهَـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ }؟ يعني أصحاب الأعراف {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {...وَعَلَى الأَعَرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمُ} أما الأعراف فسور بين الجنة والنار، قاله مجاهد، والسدي، وهو جَمْعٌ وَاحِدُهُ عُرْف وهو ما ارتفع عن غيره، ومنه عرف الديك وعرف الفرس، قال الراجز: شعر : كل كتاب لجمعه موافي كالعلم الموفي على الأعراف. تفسير : وفي الذين على الأعراف خمسة أقاويل: أحدها: أنهم فضلاء المؤمنين وعلماؤهم، قاله الحسن، ومجاهد، قال أمية بن أبي الصلت: شعر : وآخرون على الأعراف قد طمعوا بجنة حفها الرمان والخضر. تفسير : وهذا وإن كان شعراً جاهلياً وحال الأعراف منقول عن خبر يروى فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أمية قد وصل إلى علمه من الصحف الشرعية. والثاني: أن يكون الله قد انطق به أمية إلهاماً لتصديق ما جاء به القرآن. والثاني: أنهم ملائكة يُرَون في صور الرجال، قاله أبو مجلز. والثالث: أنهم قوم بطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، قاله حذيفة. والرابع: أنه قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فجعلوا هنالك حتى يقضى الله من أمرهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة، قاله ابن مسعود. والخامس: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله وكانوا عصاة لآبائهم، قيل إنهم غزوا بغير إذنهم، وقد روى محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: "حديث : هُمْ قَومٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيةِ آبَائِهِمْ، فَمَنَعَهُمْ قَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنِ النَّارِ ومنعهم مَعْصِيَةُ آبَائِهِم أَنْ يَدْخُلُواْ الجَنَّةَ " تفسير : ومعنى قوله: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} يعني يعرفون أهل النار وأهل الجنة بعلامتهم التي يتميزون بها، وعلامتهم في وجوههم وأعينهم، قال الحسن البصري: علامة أهل النار سواد الوجوه وزرقة العيون، وعلامة أهل الجنة بياض الوجوه وحسن العيون. فإن قيل في أصحاب الأعراف: إنهم فضلاء المؤمنين كان ذلك زيادة في ثوابهم ومبالغة في كرامتهم لأنهم يرون منازلهم في الجنة فيستمتعون بها، ويرون عذاب النار فيفرحون بالخلاص منها. وإن قيل: إنهم المفضلون وأصحاب الصغائر من المؤمنين كان ذلك لنقص ثوابهم عن استحقاق الدخول للجنة. وإن قيل: إنهم الملائكة، احتمل أمرهم ثلاثة أوجه: أحدها: أن يؤمروا بذلك حمداً لأهل الجنة وذماً لأهل النار وزيادة في الثواب والعقاب. والثاني: أن يكونوا حفظة الأعمال في الدنيا الشاهدين بها عند الله في الآخرة أمروا بذلك، ما أدوه من الشهادة تبشيراً لأهل الجنة وتوبيخاً لأهل النار. والثالث: أن يكونوا خزنه الجنة والنار، فإن من الملائكة من أفرد لخزنة الجنة، ومنهم من أفرد لخزنة النار، ويكون هؤلاء قد جمع لهم بين الأمرين، والله أعلم بغيب ذلك. وحكى ابن الأنباري أن قوله: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} معناه على معرفة أهل الجنة والنار رجال، وأن قوله: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوفٌ عَلَيكُم} الآية من قول أصحاب الأعراف، وهو مخالف لقول جميع المفسرين.
ابن عطية
تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما يحقق وقوعه، وهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في الكرب وهو بأن يشرفوا عليهم ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار، وقرأ جمهور الناس "نعَم" بفتح العين، وقرأ الكسائي "نعِم" بكسر العين ورويت عن عمر بن الخطاب وعن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها ابن وثاب والأعمش قال الأخفش هما لغتان، ولم يحك سيبويه الكسر، وقال: "نعم " عدة وتصديق أي مرة هذا ومرة هذا، وفي كتاب أبي حاتم عن الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كنت أسمع أشياخ قريش يقولون: إلا "نعِم" بكسر العين ثم فقدتها بعده، وفيه عن قتادةحديث : عن رجل من خثعم قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت تزعم أنك نبي:؟ قال: "نعِم" بكسر العينتفسير : ، وفيه عن أبي عثمان النهدي قال: سأل عمر عن شيء فقالوا نعم، فقال عمر: النعم الإبل والشاء، وقولوا "نعِم" بكسر العين. قال أبو حاتم: وهذه اللغة لا تعرف اليوم بالحرمين، وقوله {فأذن مؤذن بينهم} الآية؛ قال أبو علي الفارسي والطبري وغيرهما: "أذن مؤذن" بمعنى أعلم معلم، قال سيبويه: أذنت إعلام بتصويت، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل ونافع وأبو عمر وعاصم "أنْ لعنةُ الله" بتخفيف "أنْ" من الثقيلة ورفع اللعنة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير في رواية البزي وشبل "أنّ لعنةَ" بتثقيل "أنّ" ونصب اللعنة، وكلهم قرأ التي في النور {أية : أنّ لعنة الله} تفسير : [النور:7] و {أية : أنّ غضب الله} تفسير : [النور:9] بتشديد النون غير نافع فإنه قرأهما "أنْ لعنة الله وأنْ غضب" مخففتين، وروى عصمة عن الأعمش "مؤذن بينهم إن" بكسر الألف على إضمار قال. قال القاضي أبو محمد: لما كان الأذان قولاً، و "الظالمون" في هذه الآية: الكافرون، ثم ابتدأ صفتهم بأفعالهم في الدنيا ليكون علامة أن أهل هذه الصفة هم المراد يوم القيامة بقوله {أن لعنة الله على الظالمين} و {يصدون} معناه يعرضون، و"السبيل" الطريق والمنهج ويذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر، {ويبغونها} معناه: يطلبونها أو يطلبون لها، فإن قدرت يطلبونها فـ {عوجاً} نصب على الحال، ويصح أن يكون من الضمير العائد على السبيل أي معوجه، ويصح أن يكون من ضمير الجماعة في {يبغونها} أي معوجين، وإن قدرت {يبغونها} يطلبون لها وهو ظاهر تأويل الطبري رحمه الله فـ {عوجاً} مفعول بيبغون، والعِوج بكسر العين في الأمور والمعاني، والعَوج بفتح العين في الأجرام والمتنصبات.
النسفي
تفسير : {ونادٰى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا} «أن» مخففة من الثقيلة أو مفسرة وكذلك {أن لعنة اللّه على الظالمين} {ما وعدنا ربّنا} من الثواب {حقًّا} حال {فهل وجدّتم مّا وعد ربّكم} من العذاب {حقًّا} وتقديره وعدكم ربكم فحذف «كم» لدلالة {وعدنا ربنا} عليه. وإنما قالوا لهم ذلك شماتة بأصحاب النار واعترافاً بنعم الله تعالى {قالوا نعم} وبكسر العين حيث كان: عليٌّ {فأذّن مؤذّنٌ بينهم} نادى مناد وهو ملك يسمع أهل الجنة والنار {أن لّعنة اللّه علىٰ الظّالمين} {أن لعنة} مكي وشامي وحمزة وعلي {الّذين يصدّون} يمنعون {عن سبيل اللّه} دينه {ويبغونها عوجاً} مفعول ثان لـ «يبغون» أي ويطلبون لها الاعوجاج والتناقض {وهم بالآخرة} بالدار الآخرة {كافرون وبينهما} وبين الجنة والنار أو بين الفريقين {حجابٌ} وهو السور المذكور في قوله: {أية : فضرب بينهم بسور} تفسير : [الحديد: 13] {وعلى الأعراف} على أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه جمع عرف، استعير من عرف الفرس وعرف الديك {رجالٌ} من أفاضل المسلمين أو من آخرهم دخولاً في الجنة لاستواء حسناتهم وسيآتهم، أو من لم يرض عنه أحد أبويه أو أطفال المشركين {يعرفون كلاًّ} من زمرة السعداء والأشقياء {بسيماهم} بعلامتهم. قيل: سيما المؤمنين بياض الوجوه ونضارتها، وسيما الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون {ونادوا} أي أصحاب الأعراف {أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم} أنه سلام أو أي سلام وهو تهنئة منهم لأهل الجنة {لم يدخلوها} أي أصحاب الأعراف ولا محل له لأنه استئناف كأن سائلاً سأل أصحاب الأعراف فقيل {لم يدخلوها} {وهم يطمعون} في دخولها أوله محل وهو صفة لـ {رجال}. {وإذا صرفت أبصارهم} أبصار أصحاب الأعراف، وفيه أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا {تلقآء} ظرف أي ناحية {أصحاب النّار} ورأوا ما هم فيه من العذاب {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين} فاستعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} من رءوس الكفرة {يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ أغنىٰ عنكم جمعكم} المال أو كثرتكم واجتماعكم و «ما» نافية {وما كنتم تستكبرون} واستكباركم على الحق وعلى الناس ثم يقولون لهم: {أهؤلاء} مبتدأ {الّذين} خبر مبتدأ مضمر تقديره أهؤلاء هم الذين {أقسمتم} حلفتم في الدنيا، والمشار إليهم فقراء المؤمنين كصهيب وسليمان ونحوهما {لا ينالهم اللّه برحمةٍ} جواب {أقسمتم} وهو داخل في صلة {الذين} تقديره أقسمتم عليهم بأن لا ينالهم الله برحمة أي لا يدخلهم الجنة يحتقرونهم لفقرهم. فيقال لأصحاب الأعراف: {ادخلوا الجنّة} وذلك بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسيماهم وقالوا ما قالوا {لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون ونادٰى أصحاب النّار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من المآء} أن مفسرة. وفيه دليل على أن الجنة فوق النار {أو ممّا رزقكم اللّه} من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، أو أريد أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله: علفتها تبناً وماءاً بارداً أي وسقيتها وإنما سألوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة لأن المتحير ينطق بما يفيد وما لا يفيد {قالوآ إنّ اللّه حرّمهما على الكافرين} هو تحريم منع كما في {أية : وحرمنا عليه المراضع} تفسير : [القصص: 12] وتقف هنا إن رفعت أو نصبت ما بعده ذماً، وإن جررته وصفاً للكافرين فلا. {الّذين اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً} فحرموا وأحلوا ما شاءوا أو دينهم عيدهم {وغرّتهم الحيوٰة الدّنيا} اغتروا بطول البقاء {فاليوم ننساهم} نتركهم في العذاب {كما نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا بئاياتنا يجحدون} أي كنسيانهم وجحودهم. {ولقد جئناهم بكتابٍ فصّلناه} ميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه {علىٰ علمٍ} عالمين بكيفية تفصيل أحكامه {هدًى ورحمةً} حال من منصوب {فصلناه} كما أن {على علم} حال من مرفوعة {لّقومٍ يؤمنون هل ينظرون} ينتظرون {إلاّ تأويله} إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد {يوم يأتي تأويله يقول الّذين نسوه من قبل} تركوه وأعرضوا عنه {قد جآءت رسل ربّنا بالحقّ} أي تبين وصح أنهم جاءوا بالحق فأقروا حين لا ينفعهم {فهل لّنا من شفعآء فيشفعوا لنآ} جواب الاستفهام {أو نردّ} جملة معطوفة على الجملة قبلها داخلة معها في حكم الاستفهام كأنه قيل: فهل لنا من شفعاء، أو هل نرد؟ ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم كقولك ابتداء «هل يضرب زيد»، أو عطف على تقدير: هل يشفع لنا شافع أو هل نرد {فنعمل} جواب الاستفهام أيضاً {غير الّذي كنّا نعمل قد خسروآ أنفسهم وضلّ عنهم مّا كانوا يفترون} ما كانوا يعبدونه من الأصنام. {إنّ ربّكم اللّه الّذي خلق السّماوت والأرض في ستّة أيّامٍ} أراد السموات والأرض وما بينهما وقد فصلها في «حم السجدة» أي من الأحد إلى الجمعة لاعتبار الملائكة شيئاً فشيئاً، وللإعلام بالتأني في الأمور، ولأن لكل عمل يوماً، ولأن إنشاء شيء بعد شيء أدل على عالم مدبر مريد يصرّفه على اختياره ويجريه على مشيئته {ثمّ استوىٰ} استولى {على العرش} أضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه وتعالى مستولياً على جميع المخلوقات، لأن العرش أعظمها وأعلاها. وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار كما تقوله المشبهة باطل، لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان وهو الآن كما كان، لأن التغير من صفات الأكوان. والمنقول عن الصادق والحسن وأبي حنيفة ومالك رضي الله عنهم، أن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة. {يغشى الّيل النّهار} {يغشى} حمزة وعلي وأبو بكر. أي يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل {يطلبه حثيثاً} حال من الليل أي سريعاً. والطالب هو الليل كأنه لسرعة مضيه يطلب النهار {والشّمس والقمر والنّجوم} أي وخلق الشمس والقمر والنجوم {مسخّراتٍ} حال أي مذللات {والشمس والقمر والنجوم مسخراتٌ} شامي {والشمس} مبتدأ والبقية معطوفة عليها والخبر {مسخرات} {بأمره} هو أمر تكوين. ولما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال {ألا له الخلق والأمر} أي هو الذي خلق الأشياء وله الأمر {تبارك اللّه} كثر خيره أو دام بره من البركة النماء أو من البروك الثبات ومنه البركة {ربّ العالمين}. {ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفيةً} نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية، والتضرع تفعل من الضراعة وهي الذل أي تذللاً وتملقاً. قال عليه السلام «حديث : إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً إنه معكم أينما كنتم»تفسير : عن الحسن: بين دعوة السر والعلانية سبعون ضعفاً. {إنّه لا يحبّ المعتدين} المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره. وعن ابن جريج: الرافعين أصواتهم بالدعاء. وعنه: الصياح في الدعاء مكروه وبدعة. وقيل: هو الإسهاب في الدعاء. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» تفسير : ثم قرأ {إنه لا يحب المعتدين} {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي بالمعصية بعد الطاعة، أو بالشرك بعد التوحيد، أو بالظلم بعد العدل {وادعوه خوفاً وطمعاً} حالان أي خائفين من الرد طامعين في الإجابة، أو من النيران وفي الجنان، أو من الفراق وفي التلاق، أو من غيب العاقبة وفي ظاهر الهداية، أو من العدل وفي الفضل {إنّ رحمت اللّه قريبٌ مّن المحسنين} ذكر قريب على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، أو للإضافة إلى المذكر. {وهو الّذي يرسل الرّياح} {الريح} مكي وحمزة وعلي {بُشرا} {نشرا} حمزة وعلي. مصدر نشر، وانتصابه إما لأن أرسل ونشر متقاربان فكأنه قيل نشرها نشراً، وإما على الحال أي منشورات {بشرا} عاصم تخفيف «بشرا» جمع «بشير»، لأن الرياح تبشر بالمطر {نشراً} شامي تخفيف «نشر» كرسل ورسل وهو قراءة الباقين جمع «نشور» أي ناشرة للمطر {بين يدي رحمته} أمام نعمته وهو الغيث الذي هو من أجلّ النعم {حتّىٰ إذآ أقلّت} حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة لأن الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلاً {سحاباً ثقالاً} بالماء جمع سحابة {سقناه} الضمير للسحاب على اللفظ ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلاً {لبلدٍ مّيّتٍ} - ميت - لأجل بلد ليس فيه مطر ولسقيه {ميّت} مدني وحمزة وعلي وحفص {فأنزلنا به المآء} بالسحاب أو بالسوق وكذلك {فأخرجنا به من كلّ الثّمرات كذلك} مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات {نخرج الموتىٰ لعلّكم تذكّرون} فيؤديكم التذكر إلى الإيمان بالبعث إذ لا فرق بين الإخراجين، لأن كل واحد منهما إعادة الشيء بعد إنشائه {والبلد الطّيّب} الأرض الطيبة الترب {يخرج نباته بإذن ربّه} بتيسيره وهو موضع الحال كأنه قيل: يخرج نباتة حسناً وافياً لأنه واقع في مقابلة {نكدا} {والّذي خبث} صفة للبلد أي والبلد الخبيث {لا يخرجُ} أي نباته فحذف للاكتفاء {إلاّ نكداً} هو الذي لا خير فيه وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ وهو المؤمن ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك وهو الكافر، وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر مثل المطر وإنزاله بالبلد الميت وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد {كذلك} مثل ذلك التصريف {نُصرّف الآيات} نرددها ونكررها {لقومٍ يشكرون} نعمة الله وهم المؤمنون ليتفكروا فيها ويعتبروا بها.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} يعني ونادى أهل الجنة أهل النار وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار تقول أهل الجنة يا أهل النار {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً} يعني ما وعدنا في الدنيا على ألسنة رسله من الثواب على الإيمان به وبرسله وطاعته حقاً {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً} يعني من العذاب على الكفر {قالوا نعم} يعني قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة نعم وجدنا ذلك حقاً. فإن قلت: هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟ قلت: ظاهر قوله ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار يفيد العموم والجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا. فإن قلت: إذا كانت الجنة في السماء والنار في الأرض فكيف يمكن أن يبلغ هذا النداء أو كيف يصح أن يقع. قلت: إن الله تعالى قادر على أن يقوي الأصوات والأسماء فيصير البعيد كالقريب. وقوله تعالى: {فأذن مؤذن بينهم} يعني نادى مناد وأعلم لأن أصل الأذان في اللغة الإعلام. والمعنى نادى مناد أسمع الفريقين وهذا المنادي من الملائكة وقيل إنه إسرافيل صاحب الصور ذكره للواحدي {أن لعنة الله على الظالمين} يعني يقول المؤذن إن لعنة الله على الظالمين ثم فسر الظالمين من هم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {نعم} بكسر العين حيث كان: علي. الباقون بالفتح {مؤذن} بغير همز: النجاري عن روش ويزيد والشموني وحمزة في الوقف. {أن} مخففة {لعنة الله} بالرفع: عاصم وأبو عمرو وأبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الباقون: مشددة وبالنصب. الوقوف: {حقاً} ج لانتهاء الاستفهام. {نعم} ج للعطف مع الابتداء بالتأذين. {على الظالمين} ه لا لأن "الذين" صفتهم {عوجاً} ج لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال {كافرون} ه لأن ما بعده لم يدخل في التأذين ولم يجزأن يكون حالاً {حجاب} ج لتناهي حال الفئتين واتفاق الجملتين {بسيماهم} ط {يطمعون} ه {أصحاب النار} لا لأن ما بعده جواب "إذاً" {الظالمين} ه {تستكبرون} ه {برحمة} ط لتناهي الاستفهام والأقسام {تحزنون} ه {رزقكم الله} ط {الكافرين} ه {الحياة الدنيا} ج للابتداء مع فاء التعقيب {هذا} لا "وما" مصدرية كما في {كما نسوا} والتقدير ننساهم كنسيانهم وجحودهم {يجحدون} ه {يؤمنون} ه {إلا تأويله} ط {بالحق} ج لابتداء الاستفهام مع الفاء للتعقيب {كنا نعمل} ط {يفترون} ه. التفسير: ولما شرح وعيد الكفار وثواب الأبرار أتبعه المناظرات التي تدور بين الفريقين فقال: {ونادى} وإنما ذكره بلفظ الماضي لأن المستقبل الذي يخبر الله تعالى عنه من حيث تحقق وقوعه كالماضي. والظاهر أن هذا النداء إنما يكون بعد الاستقرار في الجنة لأنه ورد بعد قوله: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها} قيل: الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرض. ومع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟ وأجيب بأن البعد الشديد والقرب القريب عندنا ليس من موانع الإدراك، ولو سلم المنع في الشاهد فلا يسلم في الغائب. وهذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن أصحاب الجنة وأصحاب النار يفيد العموم لكن الجمع إذا قرن بالجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار. و"أن" في {إن قد وجدنا} مفسرة أو مخففة من الثقيلة كما مر في قوله:{أية : أن تلكم الجنة}تفسير : [الأعراف: 43] وكذا قوله: {أن لعنة الله } لأن النداء والتأذين في معنى القول: قال ابن عباس: {وجدنا ما وعدنا ربنا} في الدنيا من الثواب {حقاً} صحيحاً مطابقاً للواقع {فهل وجدتم ما وعد ربكم} من العقاب {حقاً} والغرض من هذا الاستفهام إظهار البشاشة والاغتباط وإيقاع الحزن في قلب العدو، وفي هذه الحكاية لطف للمؤمنين وترغيب كما في سائر الأخبار. وإنما حذف المفعول في {وعد ربكم} لدلالة المفعول في {وعدنا} عليه، ولأن كونهم مخاطبين من قبل الله تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف وأنه لا يليق إلا بحال المؤمنين ويحتمل أن يكون الإطلاق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة {قالوا نعم} قال سيبويه: نعم عدة وتصديق أي تستعمل تارة عدة وتارة تصديقاً. فإذا قال: أتعطيني؟ قال: نعم، فهو عدة. وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم فقد صدقت. والحاصل أن نعم للتصديق في الخبر والتحقيق في الاستفهام مثبتين كانا أو منفيين. فلو قيل: قام زيد أو أقام زيد فتقول: نعم. كان معناه نعم قام زيد مصدقاً أو محققاً ولو قيل: ما قام زيد أو ألم يقم زيد فقلت: نعم. كان المعنى ما قام زيد مصدقاً أو محققاً. ومن ثم قال ابن عباس: لو قالوا في جواب{أية : ألست بربكم}تفسير : [الأعراف: 172] "نعم" لكان كفراً. هذا من حيث اللغة وقد يكون العرف على خلاف ذلك كقول الفقهاء. لو قيل أليس لي عليك دينار فقلت: نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارىء بعد الوضع. وكنانة تكسر العين من نعم. وروي عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد {فأذن مؤذن} قال ابن عباس: هو الملك صاحب الصور يأمره الله فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار. ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام بالصلاة وبوقتها. والظالمون في الآية قيل: عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم الكفار لأن الصد عن سبيل الله أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله: {ويبغونها عوجاً} وقد مر في آل عمران. والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم بالآخرة تصحيحاً لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس. وأما في سورة هود فلما تقدم {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} وقال:{أية : ألا لعنة الله على الظالمين}تفسير : [الآية: 18] ولم يقل "عليهم" والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم فكرر ليعلم أنهم هم المذكرون لا غيرهم. ثم وصف أهل الجنة والنار فقال: {وبينهما} يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين {حجاب} وهو السور المذكور في قوله سبحانه:{أية : فضرب بينهم بسور له باب}تفسير : [الحديد:13] قيل: أي حاجة إلى ضرب هذا السور والجنة فوق السموات والجحيم في أسفل سافلين. وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب. والأعراف لغة جمع عرف بالضم وهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه. الأعراف في الآية يفسر بالمكان تارة وبغيره أخرى. أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال: إن الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس. وعنه أيضاً أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف من هم فيه قولان: أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب. وثانيهما: أنهم في الدرجة النازلة. وعلى الأول فيه وجوه: فقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. فقيل له: يقول الله تعالى: {وعلى الأعراف رجال} وأنت تقول: إنهم ملائكة. فقال: الملائكة ذكور لا إناث. ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على الذكر من بني آدم. وقيل: إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على ذلك المكان العالي إظهاراً لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم. وقيل: إنهم الشهداء. وعلى القول الثاني قيل: إنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أوقفهم الله على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار. ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة من الله وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء. وخصصه بعضهم فقال: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر. وقال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة. وقال قوم: هم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم الأعراف. وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا: إن المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو بتعريف الملائكة. قال الحسن: والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا. وعلى جميع التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار. قال قوم: يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. وزيف بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف بذلك. ويمكن أن يقال: إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين. وقال المحققون: إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به. ثم قال: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها. ثم أخبر على سبيل الاستئناف أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة {وهم يطمعون} كأن سائلاً سأل عن حالهم أو على أنه صفة أخرى لرجال. فإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون الله تعالى أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العلا في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "حديث : ان أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم"تفسير : ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم:{أية : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}تفسير : [الشعراء: 82] ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب. وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة {وإذا صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار} قال الواحدي: التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً. ولم يأت من المصادر على "تفعال" بالكسر إلا حرفان "تبيان" و "تلقاء" وإنه في الاسم كثير كتمثال وتقصار، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم. وفي بناء الفعل للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا. ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أكابر أهل النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} المال أو كثرتكم واجتماعكم {وما كنتم تستكبرون} عن الحق وعلى الناس، وفيه تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما استهزؤا بهم وأنفوا من مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} أما قوله: {ادخلوا الجنة} إلى آخر الآية. فمن قول الله تعالى لأصحاب الأعراف، أو من قول الملائكة لهم بأمره، أو من قول بعضهم لبعض وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا. قال المفسرون: الرجال ههنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل السهمي ونظراؤهم. وكانوا يقولون إن بلالاً وسلمان وعماراً وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار كلاً والله إن الله لا يفضل علينا خدمنا ورعاتنا، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف. ثم ختم المناظرت بقوله: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة} قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: {أفيضوا علينا من الماء} طلبوا الماء أوّلاً لما في بواطنهم من الاحتراق الشديد. وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار. قال بعض العلماء: إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول. وقال آخرون: بل مع اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل: الغريق يتعلق بالزبد. وإن علم أنه لا يغنيه. قوله: {أو مما رزقكم الله} قيل: أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة. وقيل: أي من الثمار أو الطعام. والمراد: وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله: شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم. ثم كأن سائلاً سأل فبماذا أجابهم أهل الجنة؟ فقيل: {قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا الله منها. ثم وصف هؤلاء الكافرين بأنهم {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة} وقد مر تفسير الوصفين في أوسط سورة الأنعام. وقال ابن عباس: يريد المستهزئين المقتسمين، وجملة الأمر أن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين غريقاً في بحر الدنيا ومشتهياتها. ثم ذكر جزاءهم يوم القيامة على سبيل الحكاية فقال: {فاليوم ننساهم} أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا قاله الحسن ومجاهد والسدي والأكثرون، وقيل: أي نعاملهم معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، فسمي جزاء النسيان نسياناً كقوله: {أية : وجزاء سيئة سيئة} تفسير : [الشورى: 40] والحاصل أنه لا يجيب دعائهم ولا يرحم ضعفهم وذلهم. عن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب فيستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فتقول أهل الجنة {إن الله حرمهما على الكافرين}، ويقولون لمالك ليقض علينا ربك فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام إنكم ماكثون، ويقولون ربنا أخرجنا منها فيجيبهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في زفير وشهيق. وعن ابن عباس في صفة أهل الجنة: إنهم يرون الله عز وجل في كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا الله تعالى دخل من كل باب ملك معهم الهدايا الشريفة. وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد وقوائمها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرتها أمثال القلال أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم فيها. فهذه صفة الفريقين من القرآن والحديث فتأهب لأيهما شئت والله الموفق. ولما شرح الله تعالى حال الطائفتين والمناظرات الجارية بينهم لتكون حاملاً للمكلف على الحذر من مواجب النار وعلى الرغبة في مستتبعات الجنة بيّن شرف هذا الكتاب الكريم وغاية منافعه الجليلة فقال: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه} ميزنا بعضه عن بعض تمييزاً يهدي إلى الرشاد ويؤمن من الغلط والتخليط. وإنما فعلنا ذلك لا كيفما اتفق بل {على علم} بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة حتى جاء بريئاً من كل خلل وقدح ومعجزاً باقياً على وجه الدهر. وقوله: {وهدى ورحمة} حالان من منصوب {فصلناه} كما أن {على علم} حالٍ من مرفوعه. ويحتمل أن يكونا مفعولاً لهما {لقوم يؤمنون} لأن فائدته تعود إليهم، ثم لما بيّن إزاحة العلة بسب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب به فقال: {هل ينظرون إلا تأويله} والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع، وكيف ينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟ الجواب لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا ولهذا السبب انتظروه. وأيضاً إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة. قال الفراء: الضمير في تأويله للكتاب أي إلا عاقبة أمره وما يؤل إليه من بيان صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، أو عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل {يوم يأتي} يريد يوم القيامة وانتصابه على أنه ظرف {يقول} ومعنى: {نسوه} تركوا العمل به والإيمان أو أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أي متلبسين بما هو الحق، أو الباء للتعدية والمراد اعترافهم بثبوت الحشر والنشر وأحوال القيامة وأهوالها إذا عاينوها {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} منصوب بإضمار "أن" بعد الفاء والتقدير: هل يثبت لنا شفيع فيشفع {أو} هل {نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} فنوحد الله تعالى بدلاً عن الشرك ونطيعه بدلاً عن المعصية. وفيه دليل على أن أهل الآخرة لا تكليف لهم خلافاً للنجار ومن تبعه وإلا لم يسألوا الرد إلى دار التكليف ولم يتمنوه بل كانوا يتوبون في الحال. ثم حكم بأن ذلك التمني لا يفيدهم شيئاً وأن مطلوبهم لا يكون ألبتة فقال: {قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي لا ينتفعون بالأصنام التي عبدوها في الدنيا وليس تفيدهم نصرة الأوثان التي بالغوا في نصرها. التأويل: نادى أهل المحبة أهل القطيعة {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً} يعني قوله: "ألا من طلبني وجدني" {فهل وجدتم ما وعدكم} {ربكم} حقاً وهو قوله: "ومن طلب غيري لم يجدني" {فأذن مؤذن} العزة والعظمة على الظالمين الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، الذين يصدون القلب والروح عن سبيل الله وطلبه، ويطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها {وبينهما حجاب} من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة وكذا بين أهل الجنة وأهل الله - وهم أصحاب الأعراف - حجاب من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة الروحانية. وسميت أعرافاً لأنها موطن أهل المعرفة، وسموا رجالاً لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه، فالأعراف مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن {يعرفون كلاً} من أهل الجنة وأهل النيران {بسيماهم} من آثار نور القلب وظلمته {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} يعني هنيئاً لكم ما أنتم فيه من النعيم والحور والقصور. ثم أخبر عن همة أهل الأعراف فقال: {لم يدخلوها} أي الجنة ونعيمها ولم يلتفتوا إلى غير المولى {وهم يطمعون} في الوصول إلى الحق سبحانه. {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} ابتلاء ليعرفوا أنه تعالى من أي دركة خلصهم وبأي كرامة خصصهم ومن هذا القبيل يكون ما يسنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية وما أتاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله في الخلوات {رجالاً يعرفونهم بسيماهم} يعني أهل الجنة وأهل النار {ما أغنى عنكم جمعكم} يا أهل الجنة وأهل الله من الطاعات ويا أهل النار من الدنيا والشهوات {وما كنتم تستكبرون} عن السير في حقيقة لا إله إلا الله {أهؤلاء الذين أقسمتم} يعني أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات من يقول لدناءة همته لأهل المحبة والمعرفة {لا ينالهم الله برحمة} الوصول {ادخلوا الجنة} يعني الجنة المضافة إليه في قوله:{أية : ادخلي جنتي}تفسير : [الفجر: 30] في حظائر القدس وعالم الجبروت {لا خوف عليكم} من الخروج {ولا أنتم تحزنون} على ما فاتكم من نعيم الجنة إذ فزتم بشهود جمالنا. اعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا الجنة الحقيقية المضافة إلى الله في حظائر القدس وسرادق العزة انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقرّبين فافهم. يحكى عن بابا جعفر الأبهري أنه دخل على بابا طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك ثمة؟ فقال بابا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص وكنت داخلاً مع الأخص فما رأيتني. {فيضوا علينا من الماء} كانوا في الدنيا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا على ما ماتوا، وإن أهل الجنة لما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات النفس والمضايقة بها {فقالوا إن الله حرمهما على الكافرين} وفي الحقيقة إنما حرمهما عليهم في الأزل فلم يوفقوا لمعاملات تورث الجنة {هل ينظرون إلا تأويله} أي ما يؤل إليه عاقبته في شأنهم. فللمؤمنين كشف الغطاء وسبوغ العطاء، ولأهل الجحود الفرقة الافتقار وعذاب النار أعاذنا الله تعالى منها.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً...} الآية. هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار. وقوله سبحانه: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} أي: أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون. * ت *: حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملِكِ فقال له: اتّقِ لله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟ فقال قوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ انتهى. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في {يَبْغُونَهَا} عائد على السَّبيل. وقوله سبحانه: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ}. {وَبَيْنَهُمَا}: أي: بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره اللَّه عز وجل في قوله: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ}تفسير : [الحديد: 13]. قال ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار. وقال ابن عباس أيضاً: هو تَلٌّ بين الجنة والنار. وذكر الزَّهْرَاوِيُّ حديثاً أَن رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن أُحُداً جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلاًّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ ". تفسير : والأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا. وقال بعض الناس: سُمِّيَ الأعراف أَعرافاً؛ لأن أصحابه يعرفون الناس. قال * ع *: وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه. وقوله: {رِجَالٌ} قال الجمهور: إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ: هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم. وذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك حَدِيثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم. وقال ابن عباس، وغيره: هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم، ووقع في «مسند خيثمة بن سليمان» في آخر الجزء الخامس عشر عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّه؛ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: « حديث : تُوضَعُ المَوَازِينُ يوم القيامة، فتوزن الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيئاته مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل الجَنَّةَ، ومن رَجَحَتْ سيئاته على حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل النار. قيل: يا رَسُولَ اللَّه؛ فمن استوت حَسَنَاتُهُ وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأَعْرَافِ لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعُون ».تفسير : وقيل غير هذا من التَّأويلات. قال ع: واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السُّور، أو على مواضع مرتفعة عن الفَرِيقَيْنِ حيث شاء اللَّه تعالى رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار. و{يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ}، أي: بِعَلاَمَاتِهِمْ من بياض الوجوه، وحُسْنِهَا في أهل الجنة، وسَوَادِهَا وقبحها في أهل النَّارِ إلى غير ذلك في حَيِّزِ هؤلاء، وحيز هؤلاء. وقوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} المراد به: أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مَسْعُودٍ، والسدي، وقتادة، والحسن وقال: واللَّه ما جعل اللَّه ذلك الطَّمَعَ في قلوبهم إلا لخير أَرَادَهُ بهم. قال * ع *: وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نَظَرَ لأَحَدٍ مع قول النبي صلى الله عليه وسلم.
ابن عادل
تفسير : لمَّا شَرَحَ وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان أتبعه بذكر المُنَاظَراتِ التي تَدُورُ بين الفريقين في هذه الآية. قوله: {أََن قَدْ وَجَدْنَا} "أن" يحتمل أن تكون تفسيرية للنِّدَاءِ، وأن تكون مخففة من الثَّقِيلَةِ، واسمها ضمير الأمر والشَّأنِ، والجملة بعدها خبرها، وإذَا كان الفعل مُتَصَرّفاً غير دعاء، فالأجود الفصل بـ "قَدْ" كهذه الآية أو بغيرها. وقد تقدَّم تحقيقه في المائدة. قال الزَّمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل: {مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا}. قلت: حُذف ذلك تخفيفاً لدلالة "وَعَدَنَا" عليه. ولقائل أن يقول: أطْلِقَ ليتناول كلَّ ما وعد الله من البعث والحساب والعقاب والثواب، وسائر أحوال القيامة، لأنَّهُم كانوا مكذِّبين بذلك أجمع، ولأنَّ الموعود كله ممَّا ساءهم، وما نعيم أهل الجنَّة إلاَّ عذاب لهم فأطلق لذلك. قال شِهَابُ الدِّين: قوله: "ولقائل... إلى آخره. هذا الجواب لا يطابق سؤاله؛ لأنَّ المدعي حذف المفعول الأوَّل، وهو ضمير المخاطبين. والجوابُ وقع بالمفعول الثَّاني الذي هو الحِسَابُ والعقاب، وسائر الأحوال، [فهذا] إنَّما يناسب لو سئل عن حذف المفعول الثاني، لا المفعول الأول". وأجاب ابْنُ الخطيبِ عن السُّؤالِ بأن قوله: {مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} يدلُّ على أنَّهُ تعالى خاطبهم بهذا الوَعْدِ وكونهم مخاطبين من قبل الله - تعالى - بهذا الوعد يوجب مزيد التّشريف ومزيد التشريف لائق بحال المؤمنين. أمّا الكَافِرُ فليس أهلاً لأن يخاطبه الله - تعالى - فلهذا السّبب لم يذكر الله تعالى أنَّهُ خاطبهم بهذا الخطاب بل ذكر الله - تعالى - أنَّهُ بيَّن هذا الحكم. و "نعم" حرف جواب كـ "أجل" و "إي" و "جير" و "بلى"، ونقيضتها "لا". و "نَعَمْ" تكون لتصديق الإخبار، أو إعلام استخبار، أو وَعْدِ طالب، وقد يُجَابُ بها النَّفي المقرون باستفهام وهو قليل جدّاً كقول جحْدَرٍ: [الوافر] شعر : 2469 - أَليْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أمَّ عَمْرو وإيَّانَا فَذَاكَ بِنَا تَدَانِي نَعَمْ، وتَرَى الهِلالَ كَمَا أرَاهُ ويَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلاَنِي تفسير : فأجاب قوله: "ألَيْسَ" بـ "نعم"، وكان من حقه أن يقول: بلى، ولذلك يُرْوَى عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]: لو قالوا: نعم لكفروا، وفيه بحثٌ يأتي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تعالى - قريباً. وقرأ الكسائِيُّ والأعمشُ ويحيى بن وثَّابٍ بكسر عينها، وهي لغة "كنَانَة"، وطعن أبُو حَاتِمٍ عليها وقال: "ليس الكسر بمعروف". واحتج الكِسَائِيُّ لقراءته بما يُحكى عن عمر بن الخطاب أنَّه سأل قوماً فقالوا: نعم بالفتح، فقال: "أمَّا النَّعَم فالإبل فقولوا: نَعِم" أي بالكَسْرِ. قال أبو عبيد: "ولم نَرَ العرب يعرفون ما رَوَوْه عن عمر ونراه مُوَلَّداً". قال شهاب الدين: وهذا طَعْنٌ في المُتَوَاتِر فلا يُقبل، وتبدل عينها حاءً، وهي لغة فاشية، كما تبدل حاء "حتى" عيناً. قوله: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}. التأذين في اللُّغَةِ النداء والتّصويت الإعلام، والأذان للصّلاة إعلام بها وبوقتها. وقالوا في "أذَّن مؤذّن": نادى مناد أسمع الفريقين. قال ابن عباس: "وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحبُ الصُّورِ". قوله: "بينهم" يجوز أن يكون منصوباً بـ "أذَّن" أو بـ "مؤذن" فعلى الأول التقدير: أنَّ المؤذن أوقع ذلك الأذان بينهم أي في وسطهم. وعلى الثَّاني التَّقديرُ: أنَّ مؤذِّناً من بينهم أذَّن بذلك الأذان، والأول أوْلَى. وأن يكون مُتَعَلِّقاً بمحذوف على أنَّهُ صفة لـ "مؤذّن" قال مكيّ - عند إجازته هذا الوَجْهِ -: "ولكن لا يعمل في "أنْ" "مؤذِّن" إذ قد نعته" يعني أنَّ قوله: "أَن لَعْنَةَ اللَّهِ" لا يجوز أنْ يكون معمولاً لـ "مؤذّن"؛ لأنَّهُ موصوف واسم الفاعل متى وصف لم يعمل. قال شهابُ الدِّين: وهذا يوهم أنَّا إذا لم نجعل "بَيْنَهُم" نعتاً لـ "مؤذِّن" جاز أن يعمل في "أنْ"، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّكَ لو قلت: ضرب ضَارِبٌ [زيداً تنصب زيداً بـ "ضرب" لا بـ"ضارب"]. لكني قد رأيت الواحِدِي أجاز ما أجاز مكيّ من كون "مؤذّن" عاملاً في "أن"، وإذا وصفته امتنع ذلك، وفيه ما تقدّم وهو حسن. قوله: {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} "أنْ" يجوز أن تكون المفسِّرة، وأن تكون المخففة، والجملة الاسميَّة بعدها الخبر، فلا حاجة هنا لفاصل. وقرأ الأخوان، وابن عامر، والبزِّي: "أنَّ" بفتح الهمزة وتشديد النون، ونصب "اللَّعنة" على أنَّهَا اسمها، و "على الظالمين" خبرها، وكذلك في [النور 7] {أية : أَن لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}تفسير : خفَّف "أنْ" ورفع اللّعنة نافع وحده، والباقون بالتشديد والنَّصب. [قال الواحِديُّ: مَنْ شدّد فهو الأصلُ، ومن خفَّف فهو مخففة من التشديد على إرادة إضمار القصّة والحديث تقديره: أنه لعنة الله، ومثله قوله تعالى: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ}تفسير : [يونس: 10] التقدير: أنَّهُ، ولا يخفف "أنْ" هذه إلا وتكون بعد إضمار الحديث والشأن]. وقرأ عصمةُ عن الأعمشِ: "إنَّ" بالكسر والتشديد، وذلك: إمَّا على إضمار القول عند البصريين، وإمَّا على إجراء النِّداء مُجْرى القول عند الكوفِيِّين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً} قال: من النعيم والكرامة {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً} قال: من الخزي والهوان والعذاب . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: وجد أهل الجنة ما وُعِدُوا من ثواب، ووجد أهل النار ما وُعِدوا من عذاب . وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف قليب بدر من المشركين فقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتهم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال له الناس: أليسوا أمواتاً؟! فقال: إنهم يسمعون كما تسمعون " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وبينهما حجاب} قال: هو السور وهو الأعراف، وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس . أما قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجال} . أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حذيفة قال: الأعراف سور بين الجنة والنار. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: الأعراف هو الشيء المشرف . وأخرج الفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك . وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، سور له باب . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: الأعراف جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها يقول: على ذرها . وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: الأعراف في كتاب الله عُمقاناً سقطاناً. قال ابن لهيعة: واد عميق خلف جبل مرتفع . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: زعموا أنه الصراط . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الأعراف تل بين الجنة والنار، جلس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأعراف سور بين الجنة والنار . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: يعني بالأعراف السور الذي ذكر الله في القرآن، وهو بين الجنة والنار . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ {أية : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} تفسير : [الأعراف: 8-9] ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط ثم عرض أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم رأوا أصحاب النار {قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} فتعوّذوا بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون ناراً يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد مؤمن نوراً وكل أمة نوراً، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ربنا أتمم لنا نورنا. وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله {لم يدخلوها وهم يطمعون} فكان الطمع دخولاً. قال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلب وحدانه أعشاره . وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله من النار، وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار . وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: حديث : إن أصحاب الأعراف: تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم فقالوا: يا آدم أنت أبونا اشفع لنا عند ربك. فقال: هل تعلمون أحداً خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه ، وسبقت رحمة الله إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه، فيقول: هل تعلمون أحداً اتخذه الله خليلاً؟ هل تعلمون أحداً أحرقه قومه في الله غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى. فيأتون موسى فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليماً وقرَّبه نجيا غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربك: فيقول هل تعلمون أحداً خلقه الله من غير آب غيري؟ فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي، ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى عليه وسلم: فيأتونني فاضرب بيدي على صدري، ثم أقول "أنا لها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فأثني على ربي، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم اسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع، فارفع رأسي فأقول: يا رب أمتي فيقول: هم لك، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني يومئذ بذلك المقام وهو المقام المحمود، فآتي بهم باب الجنة، فاستفتح فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة، حافتاه قُضب من ذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرية، وتبقى في صدروهم شامات بيض يعرفون بها يقال لهم: مساكين أهل الجنة " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، غادرت بهم سيئاتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، جعلوا على سور بين الجنة والنار حتى يقضي بين الناس، فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربهم، فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنة فإني غفرت لكم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله {وعلى الأعراف} قال: هو السور الذي بين الجنة والنار، وأصحابه رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، يقومون على الأعراف يعرفون أهل النار بسواد الوجوه وأهل الجنة ببياض الوجوه، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها فأدخلهم الله الجنة، فذلك قوله {أية : أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} تفسير : [الأعراف: 49] يعني أصحاب الأعراف {أية : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} تفسير : [الأعراف: 49] . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : توضع الميزان يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار، قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ أولئك قال أصحاب الأعراف {لم يدخلوها وهم يطمعون} " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمرو بن حرير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ فقال " حديث : هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم ". تفسير : وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يجمع الناس يوم القيامة، فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ويؤمر بأهل النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظر أمرك. فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فدخلوا الجنة بمغفرتي ورحمتي " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وعلى الأعراف رجال} قال: الأعراف حائط بين الجنة والنار، وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تفضّل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم فحبسوا هنالك . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فوقفوا هنالك على السور، فإذا رأوا أصحاب الجنة عرفوهم ببياض وجوههم، وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد وجهوهم ثم قال {لم يدخلوها وهم يطمعون} في دخولها، ثم قال: إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبدالله بن الحرث بن نوفل قال: أصحاب الأعراف أناس تستوي حسناتهم وسيئاتهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له الحياة، تربته ورس وزعفران وحافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يغتسلون ويزدادون بياضاً، ثم يقال لهم: تمنوا ما شئتم. فيتمنون ما شاؤوا فيقال: لكم مثل ما تمنيتم سبعين مرة. فأولئك مساكين الجنة . وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبدالله بن الحارث عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار وهو الحجاب، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، فإذا أراد الله أن يعفو عنهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة، حافتاه قصب ذهب مكلل باللؤلؤ تربته مسك، فيكونون فيه ما شاء الله حتى تصفو ألوانهم، ثم يخرجون في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، فيقول الله لهم: سلوا فيسألون حتى تبلغ أمنيتهم، ثم يقال لهم: لكم ما سألتم ومثله سبعون ضعفاً، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ويسمون مساكين أهل الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منيع والحارث بن أبي أسامه في مسنديهما وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والخرائطي في مساوىء الأخلاق والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الرحمن المزني قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ فقال: هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم، فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصية آبائهم . تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ فقال "هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة، وهم على سور بين الجنة والنار حتى تذبل لحومهم وشحومهم حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم، تغمَّدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته" . تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال "هم قوم قتلوا في سبيل الله وهم لآبائهم عاصون، فمنعوا الجنة بمعصيتهم آبائهم ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله" . تفسير : وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن مالك الهلالي عن أبيه قال قائل: حديث : يا رسول الله ما أصحاب الأعراف؟ قال "هم قوم خرجوا في سبيل الله بغير إذن آبائهم فاستشهدوا، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة، فهم آخر من يدخل الجنة" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أصحاب الأعراف قوم خرجوا غزاة في سبيل الله وآباؤهم وأمهاتهم ساخطون عليهم، وخرجوا من عندهم بغير إذنهم، فأوقفوا عن النار بشهادتهم وعن الجنة بمعصيتهم آباءهم " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أصحاب الأعراف؟ فقال إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل الله " . تفسير : وأخرج البيهقي في البعث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد، فسألناه وما الأعراف؟ قال: حائط الجنة، تجري في الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار " . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الأضداد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن أبي مجلز قال: الأعراف مكان مرتفع عليه رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة بسيماهم وأهل النار بسيماهم، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار {ونادوا أصحاب الجنة} قال: أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة {أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} في دخولها. قيل: يا أبا مجلز، الله يقول {رجال} وأنت تقول: الملائكة؟ قال: إنهم ذكور ليسوا بإناث . وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة عن الحسن قال: أصحاب الأعراف قوم كان فيهم عجب قال قتادة: وقال مسلم بن يسار: هم قوم كان عليهم دين . وأخرج ابن جرير عن مجاهد {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم} الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنة مبيضة وجوههم . وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: أخبرت أن ربك أتاهم بعدما أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال: ما حبسكم محبسكم هذا؟ قالوا: أنت ربنا، وأنت خلقتنا، وأنت أعلم بنا! فيقول: علام فارقتم الدنيا؟ فيقولون: على شهادة أن لا إله إلا الله. قال لهم ربهم: لا أوليكم غيري، إن حسناتكم جوزت بكم النار وقصرت بكم خطاياكم عن الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن مجاهد في أصحاب الأعراف قال: هم قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم على سور بين الجنة والنار، وهم على طمع من دخول الجنة، وهم داخلون . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم . وأخرج أبو الشيخ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار أنه سئل عن قوله {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال: سلمت عليهم الملائكة وهم لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها حين سلمت . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال: أصحاب الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، وأهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم، فإذا مروا بزمرة يذهب بهم إلى الجنة قالوا: سلام عليكم، وإذا مروا بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين . وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال سالم مولى أبي حذيفة: وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف .
ابو السعود
تفسير : {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ} تبجحاً بحالهم وشماتةً بأصحاب النار وتحسيراً لهم لا لمجرد الإخبارِ بحالهم والاستخبارِ عن حال مخاطَبـيهم {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا} حيث نلنا هذا المنالَ الجليلَ {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا} حُذف المفعولُ من الفعل الثاني إسقاطاً لهم عن رتبة التشريفِ بالخطاب عند الوعدِ، وقيل: لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصاً بهم وعداً كالبعث والحسابِ ونعيمِ الجنة، فإنهم قد وجدوا جميعَ ذلك حقاً وإن لم يكن وعدُه مخصوصاً بهم {قَالُواْ نَعَمْ} أي وجدناه حقاً، وقرىء بكسر العين وهي لغةٌ فيه {فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ} قيل: هو صاحبُ الصُّور {بَيْنَهُمْ} أي بـين الفريقين {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} بأنْ المخفَّفةِ أو المفسِّرةِ، وقرىء بأنّ المشددةِ ونصْبِ (لعنةُ) وقرى إنّ بكسر الهمزة على إرادة القولِ أو إجراء أذّن مُجرى قال {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} صفةٌ مقرِّرةٌ للظالمين، أو رفعٌ على الذم أو نصْبٌ عليه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي يبغون لها عِوَجاً بأن يصفوها بالزيغ والميلِ عن الحق وهو أبعدُ شيء منهما والعِوَجُ بالكسر في المعاني والأعيان ما لم يكن منتصباً وبالفتح ما كان في المنتصِب كالرُّمحِ والحائط {وَهُم بِٱلآخِرَةِ كَـٰفِرُونَ} غيرُ معترفين. {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي بين الفريقين كقوله تعالى: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} تفسير : [الحديد، الآية 13] أو بـين الجنة والنار ليمنعَ وصولُ أثرِ إحداهما إلى الأخرى {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ} أي على أعراف الحجابِ وأعاليه وهو السورُ المضروبُ بـينهما جمعُ عُرف مستعار من عُرف الفرس وقيل: العرف ما ارتفع من الشيء فإنه بظهوره أعرفُ من غيره {رِجَالٌ} طائفةٌ من الموحدين قصّروا في العمل فيجلسون بـين الجنة والنارِ حتى يقضيَ الله تعالى فيهم ما يشاء، وقيل: قومٌ عَلَت درجاتُهم كالأنبـياء والشهداء والأخيارِ والعلماءِ من المؤمنين، أو ملائكةٌ يُرَون في صور الرجال {يَعْرِفُونَ كُلاًّ} من أهل الجنة والنار {بِسِيمَـٰهُمْ} بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبـياض الوجهِ وسوادِه، فِعْلىٰ من سام إبِلَه إذا أرسلها في المرعى مُعْلَمةً، أو مِنْ وَسَم، بالقلب، كالجاه من الوجه، وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو بتعليم الملائكة {وَنَادَوْاْ} أي رجالُ الأعراف {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ} حين رأوهم {أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ} بطريق الدعاءِ والتحية أو بطريق الإخبارِ بنجاتهم من المكارة {لَمْ يَدْخُلُوهَا} حالٌ من فاعل نادَوْا أو من مفعوله وقوله تعالى: {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} حال من فاعل يدخلوها أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم طامعين في دخولها مترقبـين له، أي لم يدخلوها وهم في وقت عدمِ الدخول طامعون.
القشيري
تفسير : اعترف أهل النار بحقيقة الدِّين، وأقروا بسوء ما عملوا، ولكن حين لم ينفعهم إقرارٌ بحالٍ من الأحوال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} سرورا بحالهم وشماتة باصحاب النار وتحسيرا لهم لا لمجرد الاخبار بحالهم والاستخبار عن حال مخاطبهم ووجه تيسر المناداة والمكالمة بين اهل الجنة واهل النار مع ان بعد ما بين الجنة والنار لا يعلم مقداره الا الله تعالى اذ كل درجة من درجات الجنان يقابلها دركة من دركات النيران فأى درجة فيها العامل بسبب عمله يستحق تارك ذلك العمل بسبب تركه اياه دركة من دركاة الجحيم فيكون اهل الدرجة مشرفا على اهل الدركة التى تقابلها كما قال تعالى {أية : فاطلع فرآه فى سواء الجحيم} تفسير : [الصافات: 55]. فامكن لهم تقريع اهل النار وتحسيرهم بقولهم {ان} تفسيرية للمنادى له لان النداء فى معنى القول او مخففة {قد وجدنا ما وعدنا ربنا} من الثواب والكرامة {حقا} بالفارسية [راست ودرست] {فهل وجدتم ما وعد ربكم} من العذاب. والوعد يستعمل فى الخير والشر {حقا} حذف المفعول من الفعل الثانى حيث لم يقل ما وعدكم كما قال ما وعدنا اسقاطا لهم عن رتبة التشريف بالخطاب عند الوعد {قالوا نعم} اى وجدناه حقا فاعترفوا فى وقت لا ينفعهم الاعتراف ولذا قيل شعر : كنون بايد اى خفته بيدار بود جو مرك اندر آرد زخوابت جه سود توبيش از عقوبت در عفو كوب كه سودى ندارد فغان زير جوب تفسير : {فأذن} [بس آواز دهد] {مؤذن} [آواز دهنده] وهو ملك ينادى من قبل الله تعالى نداء يسمعه كل واحد من اهل الجنة واهل النار. وقيل هو صاحب الصور اى اسرافيل عليه السلام {بينهم} منصوب باذن اى اوقع ذلك الاذان بين الفريقين اى فى وسطهم {ان} تفسيرية لان التأذين فى معنى القول او مخففة {لعنة الله} استقرت {على الظالمين} اى على الكافرين دون المؤمنين لان الظلم اذا ذكر مطلقا يصرف الى الكمال وكمال الظلم هو الشرك وهو اخبار. وقيل هو ابتداء لعن منه عليهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أن}: في هذه المواضع؛ مخففة من الثقيلة، أو: تفسيرية، وحذف مفعول: {وعد} الثاني؛ استغناء بمفعول وعد الأول، أو لإطلاق الوعد، فيتناول الثواب والعقاب. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ونادى أصحابُ الجنةِ أصحاب النار أن قد وجَدَنا ما وعدنا ربُّنا} من النعيم {حقًا فهل وجدتم} أنتم {ما وَعَدَ ربُّكم} من البعث والحساب {حقًا}، إنما قال أهل الجنة ذلك؛ تبجحًا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسيرًا لهم، فأجابهم أهل النار بقولهم: {نعم}، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، {فأذن مؤذن بينهم} بين الفريقين: {أن لعنةُ الله على الظالمين}؛ الكافرين، {الذين يصدُّون} الناس {عن سبيل الله} وهي الإسلام، {ويبغونها} أي: يطلبون لها {عِوجًا}، زيغًا وميلاً عما هو عليه من الاستقامة، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج، {وهم بالآخرة كافرون} أي: جاحدون. {وبينهما} أي: بين الفريقين {حجابٌ}، أو بين الجنة والنار حجاب، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى، {وعلى الأعراف}؛ وهو السور المضروب بين الجنة والنار، {رجالٌ}؛ طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم، كما في الحديث. وقال في الإحياء: يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية، فلا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، ولهم السلامة فقط، لا تقريب ولا تبعيد. هـ. قلت: لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة. ثم وصفهم بقوله: {يعرفون كُلاًّ} من أهل الجنة والنار، {بسيماهم}: بعلامتهم التي أعلمهم الله بها؛ كبياض الوجوه من أهل الجنة، وسوادها في أهل النار، أو غير ذلك من العلامات. {ونادوا أصحابَ الجنة}، إذا نظروا إليهم، فقالوا لهم: {أن سلامٌ عليكم}، أي: نادوهم بالسلام عليهم، {لم يدخلوها} أي: الجنة، {وهم يطمعون} في دخولها. {وإذا صُرِفت أبصارُهم تلقاءَ أصحابِ النار} أي: التفتوا إليهم على وجه القلة، تعوذوا من حالهم، {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} في النار. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العي الكبير؛ نادوا أهلَ البطالة والتقصير، فقالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا؛ من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب، حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا كما وجدنا نحن؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط: نعم، فأذن مؤذن بينهم، بلسان الحال: أن لعنة الله على الظالمين؛ الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم، ولم يخرقوا شيئًا من عوائدهم، مع تراميهم على مراتب الرجال، وادعائهم بلوغ غاية الكمال، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجًا، وهم بالخصلة الآخرة ـ وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية ـ هم كافرون، وبينما حجاب كبير، وهو حجاب الغفلة، فلا يعرفون أهل اليقظة، وهم أهل مقام الإحسان، بل بينهما مفاوز ومهَامِه، كما قال الشاعر: شعر : تَرَكنَا البُحور الزَّخراتِ ورَاءنا فَمِن أين يَدري النَّاسُ أينَ توجَّهنَا تفسير : وعلى الأعراف؛ وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة، رجال من أهل الاستشراف، يعرفون كلاًّ من العوام والخواص بسيماهم، ونادروا أصحاب الجنة أي: الواصلين إلى جنة المعارف: أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، لأنهم في حالة السير وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، أي: نار الحجاب والتعب، وهم العوام، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار، فقال: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة، والكسائي وابن كثير في رواية شبل {أنَّ} مشددة النون. الباقون خفيفة. وكذلك ابن كثير في رواية قنبل بتخفيف النون وسكونها ورفع {لعنة}. الباقون بتشديد النون ونصب {لعنة}. وقرأ الكسائي وحده {قالوا نعم} بكسر العين. وفي الشعراء {قال نعم} وفي الصافات {قل نعم} بفتح النون. قال ابو الحسن الاخفش: نَعم ونِعم لغتان، فالكسر لغة كنانة وهذيل، والفتح لغة باقي العرب، وفي القراءة الفتح. وقال سيبويه {نَعم} عدة وتصديق فاذا استفهمت اجبت بـ {نعم}. ولم يحك سيبويه الكسر، ومعنى قوله: عدة وتصديق انه يستعمل عدة ويستعمل تصديقا، ولا يريد أن العدة تجتمع مع التصديق ألا ترى انه اذا قال قائل: اتعطيني، فقال: نعم، كان عدة، ولا تصديق في ذلك، واذا قال: قد كان كذا وكذا، فقلت نعم، فقد صدقته، ولا عدة في هذا. وقوله {فأذن مؤذن} بمنزلة اعلم معلم، قال سيبويه: أذن اعلام بصوت، فالتي تقع بعد العلم. و (أن) إِنما هي الشددة او المخفضة عنها والتقدير اعلم معلم ان لعنة الله. ومن خفف (ان) كان على اضمار القصة والحديث، فتقديره انه لعنة الله، ومثل ذلك قوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} تفسير : والتقدير (انه) ولا تخفف (ان) الا مع اضمار الحديث فالقصة تراد معها. ومن ثقل نصب بـ (ان) ما بعدها، كما ينصب بالمشددة المكسورة. والمكسورة اذا خففت لا يكون ما بعدها على اضمار القصة والحديث، كما تكون المفتوحة كذلك. والفرق بينهما ان المفتوحة موصولة، والموصولة تقتضي صلتها، فصارت لاقتضائها الصلة اشد اتصالا بما بعدها من المكسورة، فقدِّر بعدها الضمير الذي هو من جملة صلتها، وليست المكسورة كذلك، لان (ان) المفتوحة بمعنى المصدر، فلا بدَّ لها من اسم وخبر، لانها تلتغي بأن يكون دخولها كخروجها، وليس كذلك (ان)، ومن المفتوحة قول الاعشى: شعر : في فتية كسيوف الهند قد علموا ان هالك كل من يخفى وينتعل تفسير : وأما قراءتهم في النور {أية : أن غضب الله}تفسير : فان (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، واما قراءة نافع {أن غضب الله} فحسن، وهو بمنزلة قوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله}تفسير : وليس لاحد ان يقول: هذا لا يستحسن لان المخففة من الشديدة لا يقع بعدها الفعل حتى يقع عوض من حذف (ان) ومن أنها تولى ما يليها من الفعل، يدل على ذلك {أية : علم أَن سيكون منكم} تفسير : وقوله {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء}تفسير : وذلك انهم استجازوا ذلك وان لم يدخل معه شيء من هذه الحروف، لانه دعاء، وليس شيء من هذه الحروف يحتمل الدخول معه، ونظير هذا في انه لما كان دعاء لم يلزمه العوض قوله {أية : نودي أن بورك من في النار ومن حولها}تفسير : فولي قوله {بورك} (ان) وان لم يدخل معها عوض، كما لم يدخل في قراءة نافع {أية : أن غضب الله عليها}تفسير : والدعاء قد استجيز معه ما لم يستجز مع غيره ألا ترى انهم قالوا: (اما ان جزاك الله خيرا من) حمله سيبويه على اضمار القصة في (ان) المكسورة ولم يضمر القصة مع المكسورة الا فى هذا الموضع. وقوله {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} معناه وقال اصحاب الجنة يا أصحاب النار بعد دخول هؤلاء الجنة ودخول هؤلاء النار. والصاحب هو المقارن للشيء على نية طول المدة، والصحبة والمقارنة نظائر، الا ان في الصحبة الارادة. ومنه قيل أصحاب الصحراء. وقوله {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} معناه وجدنا ما وعدنا الله على لسان رسله من الثواب على الايمان وعمل الطاعات {فهل وجدتم ما وعد ربكم} على السنتهم {حقا} جزاء على الكفر من العقاب وعلى معاصيه من أليم العذاب، فأجابهم اهل النار: بأن {قالوا نعم} والغرض بهذا النداء تبكيت الكفار وتوبيخهم، وان الله تعالى صدق فيما وعد به على لسان نبيه ليحزن الكفار بذلك ويتحسروا عليه. والوجدان على ضربين: احدهما بمعنى العلم فهو يتعدى الى مفعولين. والآخر بمعنى الاحساس يتعدى الى واحد. وانما كان كذلك، لان الذي بمعنى العلم يتعلق بمعنى الجملة، والذي يتعلق بالاحساس يتعلق بمعنى المفرد من حيث ان الاحساس لا يتعلق بالشيء الا من وجه واحد. وجواب الايجاب يكون (نعم) وجواب النفي (بلى)، لان (نعم) تحقق معنى الخبر المذكورة في الاستفهام و (بلى) تحققه باسقاط حرف النفي. وقوله {فأذن مؤذِّن بينهم} معناه نادى مناد نداء أسمع الفريقين {أن لعنة الله على الظالمين} ولعنة الله غضبه وسخطه وعقوبته على من كفر به فيسر بذلك اهل الجنة ويغتم اهل النار. وقال الاخفش والزجاج: يجوز ان تكون (ان) بمعنى اي {قد وجدنا} ولا يجب ان تكون (أن) بمعنى أي {قد وجدنا}. ونادوهم مشرفين عليهم من السماء في الجنة، لان الجنة في السماء، والنار في الارض. وقوله {وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً} إِنما أضافوا الوعد بالجنة الى نفوسهم، لأن الكفار ما وعدهم الله بالجنة والثواب إِلا بشرط أن يؤمنوا، فلما لم يؤمنوا فكأنهم لم يوعدوا، وكذلك قوله {ما وعد ربكم} يعنون من العقاب لان المؤمنين لما كانوا مطيعين مستحقين للثواب فكأنهم لم يوعدوا بالعقاب، وانما خص الكفار.
الجنابذي
تفسير : {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ} اظهاراً للنّعمة تبجّحاً وتقريعاً لاصحاب النّار {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} من الله {بَيْنَهُمْ} والمؤذّن هو صاحب مرتبة الجمع وهو الّذى على الاعراف ولذا فسّر بأمير المؤمنين (ع) وقال: انا ذلك المؤذّن {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} ولمّا كان الظّلم الحقيقىّ هو ستر وجهة القلب الّتى هى الولاية التّكوينيّة، ثمّ الاباء عن الولاية التّكليفيّة الّتى بها يفتح باب القلب ويوضح طريقه الى الله، وبهذين الظّلمين ينسدّ طريق القوى المستعدّة للاّتصال الى صاحب الولاية وهى باتّصالها بصاحب الولاية تصير من عترة الرّسول تكويناً، فسدّ طريقها ظلم عليها وظلم على العترة بوجهٍ وظلم على صاحب الولاية بوجهٍ، ثمّ جحود الولاية ثمّ الاستهزاء بصاحب الولاية ثمّ سدّ طريق العباد عن الولاية وذلك ايضاً ظلم على عترة محمّد (ص) بالوجوه السّابقة، فسّر الظّلم فى الكتاب بالظّلم على آل محمّد (ص) ووصف الظّالمين بقوله {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ}.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني علي بن عتاب [عن جعفر بن عبد الله، عن محمد بن عمر عن يحيى بن راشد عن كامل عن أبي صالح]: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن لعلي بن أبي طالب [عليه السلام. ر] في كتاب الله أسماءً لا يعرفها الناس. قال: قلنا: وما هي؟ قال: سماه الله في القرآن مؤذناً وأذاناً، فأما قوله [تعالى. ر] {فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين} فهو المؤذن بينهم يقول: ألا لعنة الله على [الظالمين.خ] الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقي. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما [أحدٌ. ب] في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور إلا عندنا اسمه واسم أبيه وإن في التوراة لمكتوب: ألا لعنة الله على الظالمين. فرات قال: حدثني الحسن بن علي بن بزيع معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: {ونادى اصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا: نعم فأذن مؤذن بينهم} علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام.
الهواري
تفسير : قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ}. هذا من قول الله وانقطع كلام الفريقين. {أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} أي المشركين والمنافقين، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. قوله: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} هذا الآن في الدنيا، وانقطعت القصة الأولى من قول أهل الجنة وقول أهل النار. قال: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي ويبغون سبيل الله، أي طريق الهدى، عوجاً. {وَهُم بِالأَخِرَةِ كَافِرُونَ}. قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي بين الجنة والنار حجاب. {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} والحجاب هو الأعراف. والأعراف هو المكان المشرف المرتفع فيما ذكروا عن ابن عباس. وذكروا أن مجاهداً قال: الأعراف حجاب بين الجنة والنار. وقال بعضهم: الحجاب حائط بين الجنة والنار. قوله: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} قال بعضهم: السيما الأعلام، فهم يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه. وقال مجاهد: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. ذكروا عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تفضل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم، فحبسوا هنالك. وقال بعضهم: وقد نباكم الله بمكانهم من الطمع إذ قال: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}. قوله تعالى: (أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) تفسير : [الحديد:13]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أُحُداً جبلٌ يحبّنا ونحبه. وإنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار، يحشر عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم، هم إن شاء الله من أهل الجنة . تفسير : وقال بعضهم عن حذيفة بن اليمان قال: أصحاب الأعراف رجال تجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة {إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمينَ}. فبينما هم كذلك إذ قال الله لهم: ادخلوا الجنة. قوله: {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي سلموا عليهم. وقال بعضهم: يميل بهم الصراط مرة إلى الجنة ومرة إلى النار، ثم يدخلون الجنة. قال الله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا} يعني أصحاب الأعراف {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أي: في دخولها. قال الحسن: هذا طمع اليقين كقول إبراهيم عليه السلام: (أية : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) تفسير : [الشعراء:82].
اطفيش
تفسير : {ونَادَى أصْحابُ الجنَّة أصْحابَ النَّار} بعد دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يا أهل النار {أنْ قَد وَجَدْنا مَا وَعَدنا ربُّنا} فى الدنيا من الثواب على الإيمان والطاعة حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من العذاب على الكفر والمعصية {حقاً قالُوا نَعَم} وإنما سمعوا مع أن الجنة فى السماء السابعة، والنار فى الأرض أو تحت الأرض السابعة، وبينهما أضعاف خمسمائة عام، لأن الله سبحانه، قوى الأصوات أو الأسماع أو كلها، والمنادى من أهل الجنة من شاء الله لا كلهم، أو ينادى من كان من أهل الجنة من يعرفه من الكفار فى الدنيا، وذلك النداء تلذذ لأهل الجنة، وغم لأهل النار، شتم بهم. وحذف مفعول، وعد للعلم به، وقد ذكر فى الأول، أى فهل وجدتم ما وعد ربكم، أو لأن مراد أهل الجنة بما وعدنا ربنا الثواب، وبما وعد ربكم جميع ما وعد من البعث والحساب، والثواب والعقاب، وسائر أحوال القيامة، لأن الكفار مكذبون بذلك، ولأن الموعود كله حتى تنعم أهل الجنة مما ساءهم، فأطلق ليعم وقرأ الكسائى نعم بكسر العين، ورويت عن النبى صلى الله عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وقرأها ابن وثاب والأعمش، وهما نعتان قال شيخ من ولد الزبير: ما كنت أسمع أشياخ قريش يقولون إلا نعم بكسر العين، ثم فقدتها بعد، وعن قتادة، عن رجل من خثعم قلت للنبى صلى الله عليه وسلم: أتزعم أنك نبى؟ قال: "نعم" بكسر العين، قال أبو حاتم: وهذه اللغة لا تعرف اليوم بالحرمين. {فأذَّن مُؤذِّنٌ} أعلم معلم بصوت رفيع، قال ابن عباس رضى الله عنهما: هو إسرافيل عليه السلام صاحب الصور وقيل ملك غيره {بيْنهم} بين الفريقين بحيث يسمعه كل {أن لَعنةُ الله عَلى الظَّالمينَ} وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائى، أن لعنة الله بتشديد نون أن ونصب لعنة، أى بأن لعنة الله وهى مقوية لوجه كون أن فى قراءة الإسكان مخففة، وإنما قرأ أبو بكر ذلك فى رواية البرى وشبل وقرأ فى رواية قنبل بإسكان النون ورفع لعنة، وقرأ الأعمش أن لعنة الله بكسر الهمزة وتشديد النون، ونصب لعنة على تقدير القول، أو لأن التأذين قول.
اطفيش
تفسير : {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} تبكيتاً وإِفحاماً وتبجحاً وتحسيراً وشماتة بعد دخولها، ودخول الكفار النار، أَما التبجح ففى قوله عز وجل {أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا} من الثواب للإِيمان على أَلسنة الأَنبياء {رَبُّنَا حَقًّا} وأَما التحسر والشماتة ففى قوله عز وجل {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ} من العقاب على أَلسنة الأَنبياء {حَقًّا} وأَما التبكيت والإِفحام ففى الموضعين، وقال وعد ربكم حقاً ولم يقل وعدكم ليشمل ما وعدهم وما وعد المؤمنين أَيضاً، ففى ذلك برهان لما وعد المؤمنين بعد برهان، وقالوا ما وعدنا ولم يقل ما وعد فرحا وتبجحا بما نالوا من الوعد خصوصاً وهو منازلهم فى الجنة ومنازل أَعدائهم فيها يفرحون بتعذيب أَعدائهم، أَو عموما كالبعث والحساب فإِنهما منفعة أَيضاً لأَنهما أَفضوا إِلى الجنة والتخاطب بين أَهل الجنة وأَهل النار من هذه الأَمة وسائر الأُمم، أَو المراد الحقيقة لا كل فرد كمن يقع خصام بينه وبين الكفار فى أَمر الإِيمان، والظاهر أَنهم يطلعون على أَهل النار من سور الجنة أَو من منازلهم فيوصل الله الكلام بينهم وبين أهل النار. قال الله عز وجل {أية : فاطلع فرآه فى سواء الجحيم} تفسير : [الصافات: 55] بتقوية الله أَصواتهم أَو بتقريب الجنة أَو النار للآخر، ويحتمل أَن الاطلاع الكشف فينكشفون من سور الجنة لأَنه شفاف {قَالُوا نَعَمْ} لم يمنعهم شدة العذاب عن الجواب ولا عن التوبة، إِلا أَنها لم تقبل فقد تابوا ولم تقبل كما هو ظاهر، لا ما قيل إِن الله يصرف قلوبهم عن التوبة فلا تصدر منهم إِلا أن يقال صرفها آخر {فَأَذَّنَ} بسبب السؤال والجواب كما تدل عليه الفاء {مُؤّذِّنٌ} هو إِسرافيل كما تولّى النفخ للموت والبعث، أَو جبريل لأَنه النازل بأَمر الدين، أَو خازن النار أَو من شاءَ الله من الملائكة {بَيْنَهُمْ} بين أَصحاب الجنة وأَصحاب النار تتميما لمسرة فريق الجنة وزيادة فى حزن فريق النار {أَن لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} يعرضون فشمل من ضل وأَضل غيره ومن ضل ولم يضل غيره، وهو من صد اللازم أَو يصدون الناس من المتعدى {وَيَبْغُونَهَا} يطلبون لها {عِوَجًا} ميلا بإِلقاءِ الشبه، أَو يقولون أَنها معوجة عن الحق، أو يجعلون مكانها عوجا كالصلاة لغير الله وتعظيم ما لم يعظمه الله، وها منصوب المحل على نزع الجار وعوجا حال أَى ذات عوج {وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} نافون للبعث والحساب والجنة والنار.
الالوسي
تفسير : {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } بعد الاستقرار فيها كما هو الظاهر، وصيغة الماضي لتحقق الوقوع، والمعنى ينادي ولا بد كل فريق من أهل الجنة {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } أي من كان يعرفه في الدنيا من أهلها تبجحاً بحالهم وشماتة بأعدائهم وتحسيراً لهم لا لمجرد الإخبار والاستخبار {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا } على ألسنة رسله عليهم السلام من النعيم والكرامة {حَقّاً } حيث نلنا ذلك {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ } أي ما وعدكم من الخزي والهوان والعذاب {حَقّاً } وحذف المفعول تخفيفاً وإيجازاً واستغناء بالأول، وقيل: لأن ما ساءهم من الوعود لم يكن بأسره مخصوصاً بهم وعده كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة فإنهم قد وجدوا جميع ذلك حقاً وإن لم يكن وعده مخصوصاً بهم. وتعقب بأنه لا خفاء في كون أصحاب الجنة مصدقين بالكل والكل مما يسرهم فكان ينبغي أن يطلق وعدهم أيضاً؛ فالوجه الحمل على ما تقدم، ونصب {حَقّاً } في الموضعين على الحالية، وجوز أن يكون على أنه مفعول ثان ويكون وجد بمعنى علم، والتعبير بالوعد قيل: للمشاكلة، وقيل: للتهكم. ومن الناس من جوز أن يكون مفعول وعد المحذوف ـ نا ـ وحينئذٍ فلا مشاكلة ولا تهكم. وأياً ما كان لا يستبعد هذا النداء هناك وأن بعد ما بين الجنة والنار من المسافة كما لا يخفى. {قَالُواْ } في جواب أصحاب الجنة {نَعَمْ } قد وجدنا ذلك حقاً. وقرأ الكسائي {نعم } بكسر العين وهي لغة فيه نسبت إلى كنانة وهذيل ولا عبرة بمن أنكره مع القراءة به وإثبات أهل اللغة له بالنقل الصحيح. نعم ما روي من أن عمر رضي الله تعالى عنه «سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما النعم فالإبل قولوا: / نعم» لا أراه صحيحاً لما فيه من المخالفة لأصح الفصيح {فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ } هو على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه صاحب الصور عليه السلام، وقيل: مالك خازن النار. وقيل: ملك من الملائكة غيرهما يأمره الله تعالى بذلك. ورواية الإمامية عن الرضا وابن عباس أنه علي كرم الله تعالى وجهه مما لم يثبت من طريق أهل السنة وبعيد عن هذا الإمام أن يكون مؤذناً وهو إذ ذاك في حظائر القدس {بَيْنَهُمْ } أي الفريقين لا بين القائلين نعم كما قيل، ولا يرد أن الظاهر أن يقال: بينهما لأنه غير متعين {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } بأن المخففة أو المفسرة، والمراد الإعلام بلعنة الله تعالى لهم زيادة لسرور أصحاب الجنة وحزن أصحاب النار أو ابتداء لعن. وقرأ ابن كثير. وابن عامر. وحمزة. والكسائي {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ } بالتشديد والنصب: وقرأ الأعمش بكسر الهمزة على إرادة القول بالتضمين أو التقدير أو على الحكاية بإذن لأنه في معنى القول فيجري مجراه.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {ونادى أصحاب الجنّة} يجوز أن تكون معطوفة على جملة {أية : وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} تفسير : [الأعراف: 43] إلخ، عطفَ القول على القول، إذْ حكي قولهم المنبيءُ عن بهجتهم بما هم فيه من النّعيم، ثمّ حكي ما يقولونه لأهل النّار حينما يشاهدونهم. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {أية : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها}تفسير : [الأعراف: 43] عطف القصّة على القصّة بمناسبة الانتقال من ذكر نداء من قبل الله إلى ذكر مناداة أهل الآخرة بعضِهم بعضاً، فعلى الوجهين يكون التعبير عنهم بأصحاب الجنّة دون ضميرهم توطئة لذكر نداء أصحاب الأعراف ونداء أصحاب النّار، ليعبَّر عن كلّ فريق بعنوانه وليكون منه محسن الطباق في مقابلته بقوله: {أصحاب النار}. وهذا النّداء خطاب من أصحاب الجنّة، عبّر عنه بالنّداء كناية عن بلوغه إلى أسماع أصحاب النّار من مسافة سحيقة البُعد، فإن سعة الجنّة وسعة النّار تقتضيان ذلك لا سيما قوله: {أية : وبينهما حجاب}تفسير : [الأعراف: 46]، ووسيلة بلوغ هذا الخطاب من الجنّة إلى أصحاب النّار وسيلة عجيبة غير متعارفة.وعلم الله وقدرتُه لا حدّ لمتعلّقاتهما. و(أنّ) في قوله: {أن قد وجدنا} تفسيرية للنّداء. والخبر الذي هو قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} مستعمل في لازم معناه وهو الاغتباط بحالهم، وتنغيص أعدائهم بعلمهم برفاهيّة حالهم، والتوركُ على الأعداء إذ كانوا يحسبونهم قد ضلّوا حين فارقوا دين آبائهم، وأنّهم حَرموا أنفسهم طيّبات الدّنيا بالانكفاف عن المعاصي، وهذه معانٍ متعدّدة كلّها من لوازم الإخبار، والمعاني الكنائيّة لا يمتنع تعدّدها لأنّها تبع للّوازممِ العقليّة، وهذه الكناية جمع فيها بين المعنى الصّريح والمعاني الكنائيّة، ولكنّ المعاني الكنائيّة هي المقصودة إذ ليس القصد أن يَعلم أهل النّار بما حصل لأهل الجنّة ولكن القصد ما يلزم عن ذلك. وأمّا المعاني الصّريحة فمدلولة بالأصالة عند عدم القرينة المانعة. والاستفهام في جملة: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} مستعمل مجازاً مرسلاً بعلاقة اللّزوم في توقيف المخاطبين على غلطهم، واثارة ندامتهم وغمّهم على ما فرط منهم، والشّماتة بهم في عواقب عنادهم. والمعاني المجازيّة التي علاقتها اللّزوم يجوز تعدّدها مثل الكناية، وقرينة المجاز هي: ظهور أنّ أصحاب الجنّة يعلمون أنّ أصحاب النّار وجدوا وعده حقاً. والوجدان: إلفاء الشّيء ولقيّه، قال تعالى: {أية : فوجد فيها رجلين يقتتلان} تفسير : [القصص: 15] وفِعله يتعدّى إلى مفعول واحد، قال تعالى: {أية : ووجد الله عنده} تفسير : [النور: 39] ويغلب أن يذكر مع المفعول حالُه، فقوله: {وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} معناه ألفيناه حالَ كونه حقاً لا تخلّف في شيء منه، فلا يدلّ قوله: {وجدنا} على سبق بحث أو تطلب للمطابقة كما قد يتوهّم، وقد يستعمل الوجدان في الإدراك والظنّ مجازاً، وهو مجاز شائع. و(ما) موصولة في قوله: {مَا وعدنا ربّنا} ــــ و{مَا وعد ربّكم} ودَلت على أنّ الصّلة معلومة عند المخاطبين، على تفاوت في الإجمال والتّفصيل، فقد كانوا يعلمون أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وعد المؤمنين بنعيم عظيم، وتوعّد الكافرين بعذاب أليم، سمع بعضهم تفاصيل ذلك كلَّها أو بعضها، وسمع بعضهم إجمالها: مباشرة أو بالتّناقل عن إخوانهم، فكان للموصولية في قوله: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} إيجازٌ بديع، والجواب بنَعَم تحقيق للمسؤول عنه بهل: لأنّ السؤال بهَل يتضمّن ترجيح السّائل وقوع المسؤول عنه، فهو جوابُ المقرّ المتحسّر المعترف، وقد جاء الجواب صالحاً لظاهر السّؤال وخفيِّه، فالمقصود من الجواب بها تحقيق ما أريد بالسؤال من المعاني حقيقة أو مجازاً، إذ ليست نعَم خاصة بتحقيق المعاني الحقيقيّة. وحذف مفعول (وعَدَ) الثّاني في قوله: {ما وعد ربكم} لمجرّد الإيجاز لدلالة مقابله عليه في قوله: {ما وعدنا ربنا} لأنّ المقصود من السّؤال سؤالهم عمّا يخصّهم. فالتّقدير: فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم، أي من العذاب لأنّ الوعد يستعمل في الخير والشرّ. ودلّت الفاء في قوله: {فأذّن مؤذن} على أنّ التّأذين مسبّب على المحاورة تحقيقاً لمقصد أهل الجنّة من سؤال أهل النّار من إظهار غلطهم وفساد معتقدهم. والتّأذينُ: رفع الصّوت بالكلام رفعاً يُسمع البعيد بقدر الإمكان وهو مشتقّ من الأذن ــــ بضمّ الهمزة ــــ جارحةِ السمع المعروفة، وهذا التّأذين إخبار باللّعن وهو الإبعاد عن الخير، أي إعلام بأنّ أهل النّار مبعدون عن رحمة الله، زيادة في التّأييس لهم، أو دعاء عليهم بِزيادة البعد عن الرّحمة، بتضعيف العذاب أو تحقيق الخلود، ووقُوع هذا التأذين عقب المحاورة يعلَم منه أنّ المراد بالظّالمين، وما تبعه من الصّفات والأفعال، هم أصحاب النّار، والمقصود من تلك الصّفات تفظيع حالهم، والنّداء على خبْثثِ نفوسهم، وفساد معتقدهم. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وقُنبل عن ابن كثير: {أنْ لعنة الله} ــــ بتخفيف نون (أن) ــــ على أنّها تفسيريّة لفعل (أذّنَ) ورفععِ (لعنة) على الابتداء والجملة تفسيرية، وقرأه الباقون ــــ بتشديد النّون وبنصب (لعنة) على (أنّ) الجملة مفعول (أذّن) لتضمنه معنى القَول، والتّقدير: قائلاً أنّ لعنة الله على الظّالمين. والتّعبير عنهم بالظّالمين تعريف لهم بوصف جرى مجرى اللّقب تعرف به جماعتهم، كما يقال: المؤمنين، لأهل الإسلام، فلا ينافي أنّهم حين وُصِفوا به لم يكونوا ظالمين، لأنّهم قد علّموا بطلان الشّرك حقّ العلم وشأن اسم الفاعل أن يكون حقيقة في الحال مجازاً في الاستقبال، ولا يكون للماضي، وأمّا إجراء الصّلة عليهم بالفعلين المضارعين في قوله: {يَصدّون} وقوله: {ويَبغونها} وشأنُ المضارع الدّلالة على حدث حاصل في زمن الحال، وهم في زمن التّأذين لم يكونوا متّصفين بالصدّ عن سبيل الله، ولا ببغي عوج السّبيل، فذلك لقصد ما يفيده المضارع من تكرّر حصول الفعل تبعاً لمعنى التّجدّد، والمعنى وصفهم بتكرّر ذلك منهم في الزّمن الماضي، وهو معنى قول علماء المعاني استحضار الحالة، كقوله تعالى في الحكاية عن نوح: {أية : ويصنع الفلك} تفسير : [هود: 38] مع أنّ زمن صنع الفلك مضى، وإنّما قصد استحضار حالة التّجدّد، وكذلك وصفهم باسم الفاعل في قوله: {وهم بالآخرة كافرون} فإن حقه الدلالة على زمن الحال، وقد استعمل هنا في الماضي: أي كافرون بالآخرة فيما مضى من حياتهم الدّنيا، وكلّ ذلك اعتماد على قرينة حال السّامعين المانعة من إرادة المعنى الحقيقي من صيغة المضارع وصيغة اسم الفاعل، إذ قد عَلِم كلّ سامع أنّ المقصودين صاروا غير متلبّسين بتلك الأحداث في وقت التّأذين، بل تلبّسوا بنقائضها، فإنّهم حينئذ قد علموا الحقّ وشاهدوه كما دلّ عليه قولهم: {نَعَم}. وإنَّما عُرّفوا بتلك الأحوال الماضية لأنّ النّفوس البشريّة تعرّف بالأحوال التي كانت متلبسة بها في مدّة الحياة الأولى. فبالموت تنتهي أحوال الإنسان فيستقر اتّصاف نفسه بما عاشت عليه، وفي الحديث: «حديث : يبعث كلّ عبد على ما مات عليه» تفسير : رواه مسلم، ويجوز أن تكون هذه اللّعنة كانت الملائكة يَلعنونهم بها في الدّنيا. فجهروا بها في الآخرة، لأنّها صارت كالشّعار للكفرة ينادَون بها، وهذا كما جاء في الحديث: «حديث : يؤتى بالمؤذّنين يوم القيامة يصرخون بالأذان» تفسير : مع أنّ في ألفاظ الأذان ما لا يقصد معناه يومئذ وهو: «حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح». وفي حكاية ذلك هنا إعلام لأصحاب هذه الصّفات في الدّنيا بأنّهم محقوقون بلعنة الله تعالى. والمراد بالظّالمين: المشركون، وبالصدّ عن سبيل الله: إمّا تعرّض المشركين للراغبين في الإسلام بالأذى والصّرف عن الدّخول في الدّين بوجوه مختلفة، وسبيل الله ما به الوصول إلى مرضاته وهو الإسلام، فيكون الصدّ مراداً به المتعدي إلى المفعول. وإما إعراضهم عن سماع دعوة الإسلام وسماع القرآن، فيكون الصدّ مراداً به القاصر، الذي قيل: إنّ مضارعه بكسر الصّاد، أو إن حق مضارعه كسر الصّاد، إذ قيل لم يسمع مكسور الصّاد، وإن كان القياس كَسْر الصّاد في اللاّزم وضمَها في المتعدي. والضّمير المؤنّث في قوله: {ويبغونها} عائد إلى {سبيل الله}. لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنّث قال تعالى: {أية : قل هذه سبيلي} تفسير : [يوسف: 108] وقال: {أية : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً} تفسير : [الأعراف: 146]. والعِوَج: ضدّ الاستقامة، وهو بفتح العين في الأجسام: وبكسر العين في المعاني. وأصله أن يجوز فيه الفتح والكسر. ولكن الاستعمال خصّص الحقيقة بأحد الوجهين والمجازَ بالوجه الآخر، وذلك من محاسن الاستعمال، فالإخبار عن السبيل ــــ (عِوج) إخبار بالمصدر للمبالغة، أي ويرومون ويحاولون إظهار هذه السّبيل عوجاء، أي يختلقون لها نقائص يموّهونها على النّاس تنفيراً عن الإسلام كقولهم: {أية : هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل مُمَزّق إنّكم لفي خَلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة} تفسير : [سبأ: 7، 8]، وتقدّم تفسيره عند قوله تعالى: {أية : يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً} تفسير : في سورة آل عمران (99). وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسميّة في قوله: وهم بالآخرة كافرون} للدّلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكّنه منهم، لأنّ الكفر من الاعتقادات العقليّة التي لا يناسبها التّكرّر، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصدّ عن سبيل الله وبغي إظهار العِوَج فيها، لأنّ ذَيْنك من الأفعال القابلة للتّكرير، بخلاف الكفر فإنّه ليس من الأفعال، ولكنّه من الانفعالات، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : يرزق من يشاء وهو القوي العزيز} تفسير : [الشورى: 19].
الواحدي
تفسير : {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا} في الدُّنيا من الثَّواب {حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم} من العذاب {حقاً} ؟ وهذا سؤال تعييرٍ وتقريرٍ، فأجاب أهل النَّار و {قالوا نعم فأذَّن مؤذنٍ بينهم} نادى منادٍ وسطهم نداءً يُسمع الفريقين، وهو صاحب الصُّور {أن لعنة الله على الظالمين}. {الذين يصدون} يمنعون {عن سبيل الله} دين الله وطاعته {ويبغونها عوجاً} ويطلبونها بالصَّلاة لغير الله، وتعظيم ما لم يعظِّمه الله. {وبينهما} بين أهل الجنَّة وبين أهل النَّار {حجاب} حاجزٌ، وهو سور الأعراف {وعلى الأعراف} يريد: سور الجنَّة {رجال} وهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم {يعرفون كلاً بسيماهم} يعرفون أهل الجنَّة ببياض الوجوه، وأهل النَّار بسوادها، وذلك لأنَّ موضعهم عالٍ مرتفع، فهم يرون الفريقين {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} إذا نظروا إلى الجنَّة سلَّموا على أهلها {لم يدخلوها} يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنَّة {وهم يطمعون} في دخولها. {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} أَيْ: جهة لقائهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 44- ونادى أهل الجنة أهل النار قائلين: قد وجدنا ما وعدنا ربنا من الثواب حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من العذاب حقا؟ فأجابوهم: نعم، فنادى مناد بين أهل الجنة وأهل النار: إن الحرمان أو الطرد من رحمة اللَّه جزاء الظالمين لأنفسهم بالكفر والضلال. 45- هؤلاء الظالمون هم الذين يمنعون الناس عن السير فى طريق اللَّه الحق، وهو الإيمان والعمل الصالح، ويضعون العراقيل والشكوك حتى يبدو الطريق معوجاً للناس فلا يتبعوه، وهؤلاء كافرون بالدار الآخرة لا يخشون عقاب اللَّه. 46- وبين أهل الجنة وأهل النار حاجز يسبق إلى احتلال أعرافه - وهى أماكنه الرفيعة العالية - رجال من خيار المؤمنين وأفاضلهم، يشرفون منها على جميع الخلائق، ويعرفون كلا من السعداء والأشقياء بعلامات تدل عليهم من أثر الطاعة والعصيان، فينادون السعداء قبل دخولهم الجنة وهم يرجون دخولها، فيبشرونهم بالأمان والاطمئنان ودخول الجنة. 47- وإذا تحولت أبصار المؤمنين إلى جهة أصحاب النار بعد هذا النداء، قالوا من هول ما رأوا من نيران: ربنا لا تدخلنا مع هؤلاء الظالمين الذين ظلموا أنفسهم والحقّ والناس. 48- ونادى أهل الدرجات العالية فى الجنة، من الأنبياء والصديقين. مَن كانوا يعرفونهم بأوصافهم من أهل النار، قائلين لهم لائمين: ما أفادكم جمعكم الكثير العدد ولا استكباركم على أهل الحق بسبب عصبيتكم وغناكم، وها أنتم أولاء ترون حالهم وحالكم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فأذن مؤذن: أي أعلن بأعلى صوته أن لعنة الله على الظالمين. لعنة الله: أي أمره بطرد الظالمين من الرحمة إلى العذاب. يصدون عن سبيل الله: سبيل الله هي الإِسلام والصد: الصرف فهم صرفوا أنفسهم وصرفوا غيرهم. ويبغونها عوجا: يطلبون الشريعة أن تميل مع ميولهم وشهواتهم فتخدم أغراضهم. وبينهما حجاب: أي بين أهل الجنة وأهل النار حاجز فاصل وهو سور الأعراف. وعلى الأعراف: سور بين الجنة والنار قال تعالى من سورة الحديد {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} تفسير : [الآية: 13]. يعرفون كلا بسيماهم: أي كل من أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم. صرفت أبصارهم: أي نظروا إلى الجنة التي فيها أصحاب النار. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الجنة وأصحاب النار فيخبر تعالى أن أصحاب الجنة نادوا أصحاب النار قائلين لهم إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا به من الجنة ونعيمها حقاً، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من النار وعذابها حقاً؟ فأجابوهم: نعم إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، وهنا أذن مؤذن قائلاً: لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله التي هي الإِسلام الموصل إلى رضا الله تعالى والجنة، ويبغونها عوجاً أي يريدون سبيل الله معوجة تدور معهم حيث داروا في شرورهم ومفاسدهم، وشهواتهم وأهوائهم، وهم بالآخرة كافرون أيضاً فهؤلاء يلعنونهم: لعنة الله على الظالمين الذين تلك صفاتهم قال تعالى في الآية الثالثة: {وَبَيْنَهُمَا} أي بين أهل الجنة وأهل النار {حِجَابٌ} فاصل أي حاجز وهو مكان على مرتفع، وعليه رجال من بني آدم استوت سيئاتهم وحسناتهم فحبسوا هناك حتى يقضي بين أهل الموقف فيحكم فيهم بدخلوهم الجنة إن شاء الله تعالى. وقوله: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} أي يعرفون أهل الجنة بسيماهم وهي بياض الوجوه ونضرة النعيم، ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وزرقة العيون. {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة قائلين: سلام عليكم يتطمعون بذلك كما قال تعالى {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} أي نظروا إلى جهة أهل النار فرأوا أهلها مسودة وجوههم زرق أعينهم يكتنفهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، رفعوا أصواتهم قائلين: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي أهل النار لأنهم دخلوها بظلمهم العياذ بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجود اتصال كامل بين أهل الجنة وأهل النار متى أراد أحدهم ذلك بحيث إذا أراد من في الجنة أن ينظر إلى من في النار ويخاطبه تم له ذلك. 2- يجوز إطلاق لفظ الوعد على الوعيد للمشاكلة أو التهكم كما في هذه الآيات. 3- التنديد بالصد عن سبيل الله، والظلم والكفر بالآخرة وهي أسباب الشقاء في الدار الآخرة. 4- تقرير مبدأ ثقل الحسنات ينجي وخفتها تردي، ومن استوت حسناته وسيئاته ينجو آخر من ينجو من دخول النار. 5- مشروعية الطمع إذا كان مقتضاه موجوداً.
القطان
تفسير : الوعد: خاص بالخير. وعده بخير، وأوعده بالشر. فأذن مؤذن: المراد به هنا رفع الصوت بالاعلام بالشيء. اللعنة: الطرد والابعاد. يصدون عن سبيل الله: يعرضون. يبغونها عوجا: يريدون ان تكون الطريق معوجة، أي بالضلال والإضلال. بعد أن ذكر الله وعيدَ الكفار وثواب أهلِ الإيمان بيّن ما يكون بين الفريقَين: فريق أهل الجنة، وفريق أهل النار، من المناظرة والحِوار بعد ان يستقرّ كلُّ منهما في داره. ولا يقتضي هذا الحوارُ والتخاطب قُرب المكان على ما هو معهود في الدنيا، فعالَمُ الآخرة عالَمٌ مختلِف كل الاختلاف. فيجوز أن يكونَ بين الجنة والنار آلافُ الأميال او اكثر، ومع ذلك يمكن للفريقَين ان يروا بعضَهم، ويسمعوا كلام بعضٍ بحالٍ لا ينَعْلَمُه، وبطريقةٍ تختلف كل الاختلاف عن حالِنا وعالمنا. {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ...}. ونادى اهل الجنة النار قائلين: قد وجدْنا ما وَعدَنا ربُّنا من الثواب حقّاً، فهل وجدتُم أنتم مثل ذلك في العذاب حقا؟ فأجابوهم: نعم، قد وجَدْنا ما أوعدَنا به ربُّنا حقّا كما بلَّغنا إياه على ألسنةِ الرسل فنادى منادٍ بين أهل الجنة وأهل النار قائلا: إن الطردَ من رحمة الله هو جزاءُ الظالمين لأنفهسم، الجانِين عليها بالكفر والضلال. قراءات: قرأ ابن كثير، وابن عامر وحمزة والكسائي: "أنَّ لعنةَ الله". بالتشديد وقرأ نافع وابو عمرو وعاصم: أنْ لعنةُ اللهِ باسكان النون ان، ورفع لعنة. ثم بيّن الله المرادَ مَن الظالمين فقال: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}. إنهم همُ الّذين يُعرِضون عن سبيل الله ويمنعون الناسَ عن السَّير في الطريق السويّ، وهو الايمان والعمل الصالح، ويبغون الطريق المعوجّة الضالَة المضلة. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ}. وهم منكرِون للبعث والجزاء. ولذلك تجدهم لا يبالون، فيأتون المنكَر من القول والعمل. هؤلاء هم شر الناس.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابُ} {أَصْحَابَ} {ٱلظَّالِمِينَ} (44) - وَبَعْدَ أَنْ يَسْتَقِرَّ أَهْلُ الجَنَّةِ فِيهَا، وَيَحْمَدُونَ اللهَ تَعَالَى عَلَى النَّعِيمِ الذِي أَسْبَغَهُ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، يَطَّلِعُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَرَوْنَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ العَذَابِ وَالنَّصَبِ، وَيَرَوْنَ قَوْماً مِمَّنْ عَرَفُوهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللهِ، وَيَكْفُرُونَ بِهَا، وَيَسْخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَيُشَكِّكُونَ فِي صِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ عَنْ ثَوَابِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَاعِلي الخَيْرِ، وَعَنِ العذابِ الذِي يَنْتَظِرُ المُكَذِّبِينَ المُجْرِمينَ، فَيُخَاطِبُونَهُمْ قَائِلِينَ: لَقَدْ وَجَدْنَا نَحْنُ مَا وَعَدَنَا رَبُّنا مِنْ نَعِيمٍ، وَجَنَّاتٍ، حَقّاً، جَزَاءً عَلَى الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ النَّارِ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ عَذَابٍ وَنَكَالٍ حَقّاً؟ فَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ النَّارِ: أَنْ نَعَمْ، لَقَدْ وَجَدْنَا ذَلِكَ. وَبَعْدَ أَنْ يُقِروا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، يُعْلِنُ مُعْلِنٌ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى الظَّالِمِينَ لأَِنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي. أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ - نَادَى مُنَادٍ، أَوْ أَعْلَنَ مُعْلِنٌ.
الثعلبي
تفسير : {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} من الثواب {حَقّاً} صدقاً {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ} من العذاب {حَقّاً} [هذا قول محمد بن جرير] {قَالُواْ نَعَمْ} قال الكسائي "نعم" بكسر العين وتجوز بإسكانها وهما لغتان {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} فنادى مناد منهم {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} الكافرين {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ} يصرفون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} دين الله {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} يطلبونها زيغاً وميلاً {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ * وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} يعني بين الجنّة والنار حجاب حاجز وهو السور الذي ذكر الله عزّ وجلّ في قوله {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} تفسير : [الحديد: 13]. {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ} يعني على ذلك الحجاب. والأعراف سور بين الجنّة والنار وهي جمع عرف وهو كلّ تل مرتفع ومنه عرف الديك لارتفاعه على ماسواه من جسده. وقال الشماخ: شعر : وظلت بأعراف تعالى كأنها رماح نحاها وجهة الريح راكز تفسير : ويروى: بأعراف قفالاً، أي قفالى أي قفلى بعضهم بعضاً، بمشغرة نصف حمير، وشبّه [قوامها] بالرماح نحاها قصد بها وجهة الريح، أي جهة الريح، وقوله: بأعراف أي نشوز من الأرض. وقال آخر: شعر : كل كناز لحمها نياف كالعلم الموفي على الأعراف تفسير : يعني كل كناز نياف لحمها والكناز الصلب. قال السدي: سمي أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال الحسين بن الفضل: هو الصراط، واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف من هم وما السبب الذي من أجله صاروا هناك؟ فقال حذيفة وابن عباس: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم في سيّئاتهم وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتّى يقضي الله فيهم ما يشاء ثمّ يدخلهم الجنّة بفضل رحمته وهم آخر مَنْ يدخل الجنّة قد عرفوا أهل الجنّة وأهل النار، فإذا أراد الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه من الذهب مكلّلا باللؤلؤ ترابه المسك فالقوا فيه حتّى يصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بهم فأتى بهم فقال الله لهم: تمنوا ماشئتم فيتمنون متى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفاً فيدخلون الجنّة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنّة. قال ابن مسعود: يحاسب الله عزّ وجلّ الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيّئاته بواحدة دخل الجنّة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثمّ قرأ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم}، ثمّ قال: الميزان يخفف بمثقال حبّة [فيرجح]. ومَنْ استوت حسناته وسيّئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ولم ينزع منهم النور الذي كان في أيديهم. "حديث : وروى يحيى بن [شبل] أنّ رجلا من بني النضير أخبره عن رجل من بني هلال أن أباه أخبره أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: هم رجال غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقتلوا فاعفوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنّة بمعصية أبائهم فهم آخر من [يدخل] الجنّة ". تفسير : قال شرحبيل بن سعيد: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم، وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء، وقال [التميمي] وأبو مجلن: هم ملائكة يعرفون أهل الجنّة وأهل النار فقيل لأبي مجلن يقول الله: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} وتزعم أنت أنهم ملائكة، فقال: إنهم ذكور ليسوا بإناث، قال ابن عباس: هم رجال كانت لهم ذنوب كثيرة، وكان حبسهم أمر الله يقومون على الأعراف {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}. وروى [صالح مولى الكوفة] أنّ ابن عباس قال: أصحاب الأعراف أولاد الزنا. وقال أبو العالية: هم قوم يطمعون أن يدخلوا الجنّة وما جعل [الله] ذلك الطمع فيهم إلاّ كرامة يريدها بهم. وقال عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: هم قوم رضي عنهم آبائهم دون أُمهاتهم أو أُمهاتهم دون آبائهم فلم يدخلهم الله الجنّة، لأن آباءهم وأُمهاتهم غير راضين عنهم ولم يدخلهم النار لرضا آبائهم أو أمهاتهم عنهم فيحبسون على الأعراف إلى أن يقضي الله عزّ وجلّ بين الخلق ثمّ يدخلهم الجنّة، وقال عبد العزيز بن يحيى [الكناني]: هم الذين ماتوا [بالفقر] ولم يبدلوا دينهم، وفي تفسير المنجوني: إنهم أولاد المشركين. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت محمد بن محمد بن الأشعب يحكي عن بعضهم أنهم أُناس عملوا لله عزّ وجلّ ولكنهم راؤوا في أعمالهم فلا يدخلون النار لأنّهم عملوا أعمالهم لله ولا يدخلون الجنّة لأنّهم طلبوا الثواب من غير الله فيوقفون على الأعراف إلى أن يقضي الله بين الخلق قوله: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}. وروى جويبر بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} قال: "الأعراف موضع عال (من) الصراط عليه العباس وحمزة، وعليّ بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يَعرفون محبيهم بياض الوجوه ومبغضيهم سواد الوجوه". وقوله: (يعرفون كلا بسيماهم) يعني يعرفون أهل الجنّة ببياض وجوههم ونظرة النعيم عليهم ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وزرقة عيونهم. {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} يعني أهل الأعراف. قال سعيد بن جبير: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم لأن الله تعالى [.....]، ويود المنافقون وهم على الصراط لو بقي أحدهم ولم [.........]. {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ} [وجوه] أهل النار {أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} وحيالهم تعوذوا بالله {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} الكافرين في النار {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً} كانوا عظماء أهل النار جبّارين {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} في الدنيا من المال و [الأولاد] {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} عن الإيمان. وقال الكلبي: إنهم ينادون وهم على السور يا وليد بن المغيرة ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان. ثمّ ينظرون إلى الجنّة فيرون فيها الضعفاء والفقراء والمساكين ممن كانوا يستهزؤن بهم مثل سلمان وصهيب وخبّاب وأتباعهم فينادون {أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ} حلفتم وأنتم في الدنيا {لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} يعني الجنّة ثمّ يقال لأصحاب الأعراف {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. وقال مقاتل أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة بل يدخلون النار معهم. فقالت الملائكة الذين حبسوا أصحاب الصراط هؤلاء الذين يعني أصحاب الأعراف الذين أقسمتم يا أهل النار لا [يُكلّمهم] الله برحمة، ثمّ قالت الملائكة لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنّة. {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ} [[صبّوا] وأوسعوا {عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} من طعام الجنّة {قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا} يعني الماء والطعام {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس: أي الصدقة أفضل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة الماء ألا رأيت أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنّة قالوا أفيضوا علينا من الماء ". تفسير : {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والمكاء والتصدية حول البيت وسائر الخصال الرديئة الدنيئة التي كانوا يفعلونها في جاهليتهم، والدين كل ما أطيع به والتزم من حق أو باطل، وقال أبو روق: دينهم أو عقيدتهم {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ} نتركهم في النار {كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا نرى التبكيت، وتصور لنا الآية كيف يرى أهل الجنة أهل النار، وهذا الترائي من ضمن النعيم ومن ضمن العذاب الأليم، فحين يرى المؤمن بمنهج الله من عاداه وقهره وآذاه وهو في النار فهذا من تمام اللذة. والآخر حين يرى مخالفه في الجنة فهذا أيضاً من تمام العذاب. إذن لابد أن يتراءوا، ولذلك يحدث الحوار، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار معترفين بأنهم وجدوا ما وعدهم به الله حقاً وصدقاً، وأن الحق قد وهبهم هذه الجنة. فهل - يا أهل النار - وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ ونلاحظ أن هناك خلافاً بين الأسلوبين مع أن السياق المنطقي واحد؛ فأهل الجنة يقولون: "قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً"، ولم يأت بالكاف في كلمة ما وعد (الثانية) بل قال: "فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً"؟ إنه قال سبحانه: "ما وعد" فقط، ولم يقل ما وعدكم كما قال: (ما وعدنا) لأن المراد أن يلفتهم إلى مطلق الوعد، وليس الخاص بهم فقط، بل وأيضاً الخاص بالمقابل، وهكذا يتحقق الوعد المطلق لله. فأهل الجنة بإيمانهم وأعمالهم في الجنة فضلاً من الله، وأهل النار بكفرهم وعصيانهم عقاباً من الله. وهنا يجيب أهل النار: (قالوا نعم). وهذا إقرار منهم بالواقع الذي عاشوه واقعاً بعد أن، كان وعيداً، وهم لم يكابروا لأن المكابرة إنما تحدث بين الخصمين في غير مشهد، وهم في الدنيا قبل أن يوجد المشهد كانوا يكذبون البلاغ عن الله، وصارت الدار الآخرة واقعاً، وتحقق وجودهم في النار. {...فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44] أي فينادي مناد من الملائكة يُسمع أهلَ الجنَّة وأهل النار بأن الطرد من رحمة الله على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم؛ بعدم الإِيمان وبالتكذيب باليوم الآخر. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...}
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما تمكن أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار {نَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ} ليفتضحوا على رءوس الأشهاد: {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} من المواعيد والتبشيرات على ألسنة الرسل وكتبه {حَقّاً} يقيناً بعدما تيقناه علماً وعيناً فيما مضى {فَهَلْ وَجَدتُّم} أيها المحبوسون في سجن الإمكان ونار الحرمان {مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ} من الوعيد والإنذارات الشديدة الجارية على ألسنة الرسل والكتب {حَقّاً} مطابقاً للواقع {قَالُواْ} متحسرين بحالهم مضطرين عما هم عليهم: {نَعَمْ} قد أصبنا ما كذبنا وحققنا ما أبطلنا، وبعدما جرى بينهم ما جرى من المقاولة {فَأَذَّنَ} صوت {مُؤَذِّنٌ} هاتفٍ وراء سرادقات الجلال {بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ} أي: طرده ومقته نازل ثابت {عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44]. {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ} يتصرفون وينحرفون {عَن} استقامة {سَبِيلِ ٱللَّهِ} الموصل إلى توحيده {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: يطلبون منها زيفاً وضلالاً {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 45] مكذبون منكرون. {وَبَيْنَهُمَا} أي: بين الموحدين المتمكنين في نعيم الجنان، المشرفين بشرف لقاء الرحمن، والمشركين المحبوسين في سجِّين الإمكان، المتحرقين بنيران الخذلان والحرمان {حِجَابٌ} لا يدرك كنهه إلا العليم العلام {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ} أي: البرزخ {رِجَالٌ} من الأبرار {يَعْرِفُونَ كُلاًّ} من الفريقين {بِسِيمَاهُمْ} أي: بوجوههم التي يلي الحق والباطل وهم متقربون في البرزخ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء {وَنَادَوْاْ} أهل البرزخ {أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} هنيئاً لكم، ما تتنعمون فيها وتتمتعون بها حال كونهم {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] دخولها من فضل الله وسعة رحمته وجوده. {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} أي: أبصروا بذلك البرزخ {تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ قَالُواْ} متضرعين متخشعين: {رَبَّنَا} وإن صدر عنا من التقصير ما صدر {لاَ تَجْعَلْنَا} بلطفك {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 47] الخارجين عن حدودك مطلقاً عناداً وإصراراً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لما ذكر استقرار كل من الفريقين في الدارين، ووجدوا ما أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب من الثواب والعقاب: أن أهل الجنة نادوا أصحاب النار بأن قالوا: { أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا } حين وعدنا على الإيمان والعمل الصالح الجنة فأدخلناها وأرانا ما وصفه لنا { فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ } على الكفر والمعاصي { حَقًّا قالوا نعم } قد وجدناه حقا، فبين للخلق كلهم، بيانا لا شك فيه، صدق وعد اللّه، ومن أصدق من اللّه قيلا وذهبت عنهم الشكوك والشبه، وصار الأمر حق اليقين، وفرح المؤمنون بوعد اللّه واغتبطوا، وأيس الكفار من الخير، وأقروا على أنفسهم بأنهم مستحقون للعذاب. { فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ } أي: بين أهل النار وأهل الجنة، بأن قال: { أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ } أي: بُعْدُه وإقصاؤه عن كل خير { عَلَى الظَّالِمِينَ } إذ فتح اللّه لهم أبواب رحمته، فصدفوا أنفسهم عنها ظلما، وصدوا عن سبيل اللّه بأنفسهم، وصدوا غيرهم، فضلوا وأضلوا. واللّه تعالى يريد أن تكون مستقيمة، ويعتدل سير السالكين إليه، { و } هؤلاء يريدونها { عِوَجًا } منحرفة صادة عن سواء السبيل، { وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ } وهذا الذي أوجب لهم الانحراف عن الصراط، والإقبال على شهوات النفوس المحرمة، عدم إيمانهم بالبعث، وعدم خوفهم من العقاب ورجائهم للثواب، ومفهوم هذا النداء أن رحمة اللّه على المؤمنين، وبرَّه شامل لهم، وإحسانَه متواتر عليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):