٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
القرطبي
تفسير : ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغِلِّ من صدورهم. والنزع: الاستخراج. والغِل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غِلال. أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغِل في الدنيا. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الغل على باب الجنة كمَبَارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين»تفسير : . وروىٰ عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالىٰ فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. وقيل: نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل منازلهم. وقد قيل أن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21] أي يطهر الأوضَار من الصدور؛ على ما يأتي بيانه في سورة «الإنْسَانِ» و «الزُّمَر» إن شاء الله تعالىٰ. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} أي لهذا الثواب؛ بأن أرشدنا وخلق لنا الهداية. وهذا ردّ على القدرية. {وَمَا كُنَّا} قراءة ابن عامر بإسقاط الواو. والباقون بإثباتها. {لِنَهْتَدِيَ} لام كي. {لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} في موضع رفع. {وَنُودُوۤاْ} أصله. نودِيوا {أَن} في موضع نصب مخففة من الثقيلة؛ أي بأنه {تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ}. وقد تكون تفسيراً لما نودوا به؛ لأن النداء قول؛ فلا يكون لها موضع. أي قيل لهم: «تِلْكُمُ الْجَنَّةُ» لأنهم وعدوا بها في الدنيا، أي قيل لهم: هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال لهم ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد. وقيل: «تِلْكُمُ» بمعنىٰ هذه. ومعنىٰ {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال {أية : ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 70] وقال: وقال: {أية : فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ}تفسير : [النساء: 175]. وفي صحيح مسلم: حديث : «لن يُدخل أحداً منكم عَمَلُه الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»تفسير : . وفي غير الصحيح: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل؛ فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهلُ النار النارَ رُفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله. ثم يقال: يا أهل الجنة رِثُوهم بما كنتم تعملون؛ فتقسم بين أهل الجنة منازلهم. قلت: وفي صحيح مسلم: «حديث : لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً»تفسير : . فهذا أيضاً ميراث؛ نعَّم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء. وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تُنال إلا برحمته؛ فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم. وقِرىء «أُورِثْتُمُوهَا» من غير إدغام. وقرىء بإدغام التاء في الثاء.
البيضاوي
تفسير : {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ} أي نخرج من قلوبهم أسباب الغل، أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التواد. وعن علي كرم الله وجهه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } زيادة في لذتهم وسرورهم. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } لما جزاؤه هذا. {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } لولا هداية الله وتوفيقه، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله. وقرأ ابن عامر «ما كنا» بغير واو على أنها مبينة للأولى. {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ } فاهتدينا بإرشادهم. يقولون ذلك اغتباطاً وتبجحاً بأن ما علموه يقيناً في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة. {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ } إذا رأوها من بعيد، أو بعد دخولها والمنادى له بالذات. {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي أعطيتموها بسبب أعمالكم، وهو حال من الجنة والعامل فيها معنى الإِشارة، أو خبر والجنة صفة تلكم وأن في المواقع الخمسة هي المخففة أو المفسرة لأن المناداة والتأذين من القول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } حِقْدٍ كان بينهم في الدنيا {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ } تحت قصورهم {ٱلأَنْهَٰرُ وَقَالُواْ } عند الاستقرار في منازلهم {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَٰذَا } العمل الذي هذا جزاؤه {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلآ أَنْ هَدٰنَا ٱللَّهُ } حذف جواب «لولا» لدلالة ما قبله عليه {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُواْ أَن } مخففة: أي إنه أو مفسرة في المواضع الخمسة {تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }.
ابن عطية
تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل أنه ينقي قلوب ساكني الجنة من الغل والحقد، وذلك أن صاحب الغل متعذب به ولا عذاب في الجنة، وورد في الحديث "حديث : الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا الحديث إذا حمل على حقيقته، أن الله عز وجل يخلق جوهراً يجعله حيث يرى كمبارك الإبل، لأن الغل عرض لا يقوم بنفسه، وإن قيل إن هذه استعارة وعبر عن سقوطه عن نفوسهم فهذه الألفاظ على جهة التمثيل كما تقول فلان إذا دخل على الأمير ترك نخوته بالباب ملقاة فله وجه، والأول أصوب وأجرى مع الشرع في أشياء كثيرة، مثل قوله يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش فيذبح وغير ذلك، وروى الحسن عن علي بن أبي طالب قال: فينا والله أهل بدر نزلت {أية : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين} تفسير : [الحجر:47] وروي عنه أيضاً أنه قال: فينا والله نزلت {ونزعنا ما في صدورهم من غل} ، وذكر قتادة: أن علياً قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم {ونزعنا ما في صدورهم من غل}. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المعنى الصحيح، فإن الآية عامة في أهل الجنة، و"الغل" الحقد والإحنة الخفية في النفس وجمعه غلال ومنه الغلول أخذ في خفاء ومنه الانغلال في الشيء، ومنه المغل بالأمانة، ومنه قول علقمة بن عبدة: شعر : سلاءة كعصا الهندي غل لها ذو فيئة من نوى قران معجوم تفسير : وقوله: {من تحتهم الأنهار} بين لأن ما كان لاطئاً بالأرض فهو تحت ما كان منتصباً آخذاً في سماء، و {هدانا} بمعنى أرشدنا، والإشاره بهذا تتجه أن تكون إلى الإيمان والأعمال الصالحة المؤدية إلى القرآن، وقرأ ابن عامر وحده "ما كنا لنهتدي" بسقوط الواو من قوله: {وما كنا} ، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، قال أبو علي: وجه سقوط الواو أن الكلام متصل مرتبط بما قبله، ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} فقضوا بأن ذلك حق قضاه من يحس وكانوا في الدنيا يقضون بأن ذلك حق قضاه من يستدل {ونودوا} أي قيل لهم بصياح، وهذا النداء، من قبل الله عز وجل، و {أن} يحتمل أن تكون مفسرة لمعنى النداء بمعنى أي، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وفيها ضمير مستتر تقديره أنه تلكم الجنة، ونحو هذا قول الأعشى: [البسيط] شعر : في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل تفسير : تقديره أنه هالك، ومنه قول الآخر: [الوافر] شعر : أكاشره ويعلم أنْ كلانا على ما ساء صاحبه حريصُ تفسير : و {تلكم الجنة} ابتداء وصفة و {أورثتموها} الخبر و {تلكم} إشارة فيها غيبة فإما لأنهم كانوا وعدوا بها في الدنيا فالإشارة إلى تلك، أي تلكم هذه الجنة، وحذفت هذه، وإما قبل أن يدخلوها وإما بعد الدخول وهم مجتمعون في موضع منها، فكل غائب عن منزله، وقوله: {بما كنتم تعملون} لا على طريق وجوب ذلك على الله، لكن بقرينة رحمته وتغمده، والأعمال أمارة من الله وطريق إلى قوة الرجاء، ودخول الجنة إنما هو بمجرد رحمة الله تعالى، والقسم فيها على قدر العمل، و "أورثتم" مشيرة إلى الأقسام، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر "أورثتموها" وكذلك الزخرف، وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي "أورتموها" بإدغام الثاء في التاء وكذلك في الزخرف.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَنَزَعْنَا} الحقد من صدورهم لطفاً بهم، أو انتزاعه من لوازم الإيمان الذي هدوا إليه، وهو أحقاد الجاهلية، أو لا تحاقد ولا عداوة بعد الإيمان.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} هذا إخبار من اللَّه عز وجل أنه ينقي قُلُوبَ ساكني الجنة من الغِلِّ، والحِقْدِ، وذلك أن صاحب الغل مُعَذَّبٌ به، ولا عذاب في الجَنَّةِ. وورد في الحديث: « حديث : الغلُّ على بَابِ الجنة كَمَبَارِكِ الإِبِلِ قد نَزَعَهُ اللَّه من قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ».تفسير : والغل الحِقْدُ والإِحنة الخَفِيَّةُ في النفس. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَٰنَا لِهَـٰذَا} الإِشارة بـــ «هذا» يتجه أن تكون إلى الإيمان، والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نَفْسِهَا، أي: أرشدنا إلى طرقها. وقرأ ابن عمر وَحْدَهُ: «ما كنا لنهتدي» بسقوط الواو، وكذلك هي في مَصَاحِف أهل «الشام»، ووجهها أن الكَلاَمَ مُتَّصِلٌ، مرتبط بما قبله. ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن اللَّه سبحانه، وَعَايَنُوا إنجاز المواعيد قالوا: {لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُواْ} أي: قيل لهم بِصِيَاحٍ، وهذا النداء من قِبَلِ اللَّه، «وأن» مفسرة لمعنى النداء، بمعنى: أي. وقوله: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} لا على طَرِيق وجوب ذلك على اللَّه تعالى لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من اللَّه سبحانه وطريق إلى قوة الرَّجَاء، ودخولُ الجَنَّة إنما هو بِمُجَرَّدِ رحمته، والقَسْمُ فيها على قدر العمل. «وأورثتم» مشيرة إلى الأَقْسَام.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم} فالنزع هو بمعنى ينزع فهو على حد {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1]، والنزع: قلع الشَّيء عن مكانه. وقوله: "مِنْ غِلٍّ" يجوز أن تكون "مِنْ" لبيان جنس "مَا" ويجوز أن تكون حالاً متعلّقاً بمحذوف أي: كائناً من غلٍّ. الغل: الحِقْد والإحْنَةُ والبُغْض، وكذلك الغُلُولُ. قال أهل اللُّغَةِ: وهو الذي يغل بلطفه إلى صَميمِ القَلْب أي: يدخلُ، ومنه الغلول، وهو الوصول بالحيلَةِ إلى الذُّنُوبِ الدقيقة. ويقال: انغل في الشَّيء، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافته كما يدخل في صميم الفؤادِ وجمع الغل غلال، والغُلُولُ: الأخذ في خُفْيَةٍ، وأحسن ما قيل إنَّ ذلك من لفظ الغلالة كأنّه تدرع ولبس الحِقْدَ والخيانة حتَّى صار إليه كالغلالةِ الملبوسة. فصل في تأويل الآية. في الآية تأويلان: أحدهما: أزَلْنَا الأحقادَ التي كانت لبعضهم في دار الدُّنْيَا، ومعنى نزع الغل: تصفية الطِّباع، وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، فإن الشَّيطانَ لمَّا كان في العذابَ لم يتفرغ لإلقاء الوساوِس في القُلُوبِ، وإلى هذا المعنى أشار عليُّ بْنُ أبي طالب - رضي الله عنه - إذ قال: "إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير من الذين قال الله - جل ذكره - فيهم: {ونَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}". والتأويل الثاني: أنَّ المراد منه أن درجات أهل الجنَّة متفاوتة بحسب الكمال والنُّقصان، فاللَّهُ - تعالى - أزَالَ الحسدَ عن قلوبهم حتّى إنَّ صاحب الدّرجة النّازلة لا يحسدُ صاحب الدرجة الكاملة. قال صاحبُ هذا التأويل: وهذا أوْلَى من الوجه الأوَّلِ، حتَّى يكون في مقابلة ما ذكره الله - تعالى - من تبرُّؤ بعض أهل النَّار من بعض، ولعن بعضهم بعضاً، ليعلم أنَّ حال أهل الجنَّة في هذا المعنى مفارقة لحالِ أهْلِ النَّارِ، فإن قيل: كيف يُعقل أنْ يُشَاهد الإنسان النعم العظيمة والدرجة العالية، ويرى نفسه مَحْرُوماً عنها، عاجزاً عن تحصيلها، ثم إنَّهُ لا يميل طبعه إليها ولا يغتم بسبب الحرمان عنها؟ فإنْ عُقل ذلك فلم لا يعقل أيضاً أن يغيرهم الله - تعالى -، ولا يخلق فيهم شهوة الأكْلِ والشّرب والوقاع ويغنيهم عنها؟. فالجوابُ: أنَّ الكلّ ممكن، والله تعالى قادر عليه، إلاَّ أنَّهُ تعالى وعد بإزلة الحِقْدِ والحسد عن القلوب، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشّرب عن النُّفوس. قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ}. في هذه الجملة ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّها حال من الضَّميرِ في "صُدُورِهِم"، قاله أبُو البقاءِ وجعل العَامِلَ في هذه الحال معنى الإضافة. والثاني: أنَّها حال أيضاً، والعامل فيها "نَزَعْنَا"، قاله الحوفيُّ. الثالث: أنَّها استئناف إخبار عن صِفَةِ أحوالهم. وردَّ أبُو حيَّان الوجهين الأوَّلين؛ أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ معنى الإضافة لا يعمل إلاّ إذا أمكن تجريدُ المضاف، وإعماله فيما بعده رفعاً أو نصباً. وأما الثاني فلأن {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} ليس من صفة فاعل "نَزَعْنَا"، ولا مفعوله وهما "نَا" و "مَا" فكيف ينتصب حالاً عنهما؟ وهذا واضح. قال شهابُ الدِّين: "قد تقدَّم غيره مرة أنَّ الحال تأتي من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه لمدرك آخر، لا لما ذكره أبو البقاءِ من أنَّ العامل هو معنى الإضافة، بل العامل في الحال هو العامل في المضاف، وإنْ كانت الحال ليست منه؛ لأنَّهما لمَّا كانا متضايفين، وكانا مع ذلك شيئاً واحداً ساغ ذلك". فصل في شرب المؤمنين من ساق الشجرة. قال السُّدِّيُّ في هذه الآية: إنَّ أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شَجَرَةً في أصل ساقها عينان فَيَشْرَبُوا من أحديهما، فينزعُ ما في صدورهم من غلٍّ، وهو الشَّراب الطّهور، ويغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نَضْرَة النَّعيم فلم يشقوا، ولم يسجنوا بَعْدَها أبداً. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} أي: إلى هذا يعني طريق الجنة. وقال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: "معناه هدانا لعمل هذا ثوابه". قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} قرأ الجماعة: "ومَا كُنَّا" بواو، وكذلك هي في مصاحف الأمصار غير "الشَّامِ" وفيها وجهان: أظهرهما: أنَّها "واو" الاستئناف، والجملة بعدها مستأنفة. والثاني: أنَّها حاليّة. وقرأ ابن عامر "ما كنا" بدون واو، [و] الجملة على ما تقدَّم من احتمال الاستئناف والحال، وهي في مصحف الشَّاميين كذا، فقد قرأ كلٌّ بما في مصحفه. ووجه قراءة ابن عامر أنَّ قوله: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} جار مجرى التَّفْسيرِ لقوله: "هَدَانَا لِهَذَا"، فلما كان أحدهما غير الآخر؛ وجب حذف الحرف العاطف. قوله: {لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} "أن" وما في حيزها في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر محذوف على ما تقرَّر، وجواب "لَوْلاَ" مدلولٌ عليه بقوله: "ومَا كُنَّا" تقديره: لولا هدايته لنا موجودة لشقينا، أو ما كنا مهتدين. فصل في الدلالة في الآية دلّت هذه الآية على أنَّ المهتدِي من هداه الله، وإنْ لم يهده الله لم يَهْتَدِ. ثم نقول: مذهب المعتزلة أنّ كلَّ ما فعله الله في حقّ الأنبياء، والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حقِّ جميع الكُفَّارِ والفسَّاقِ، وإنَّما حصل الامتيازُ بين المؤمن والكافر، والمحقّ والمبطل بسعي نفسه واختيار نفسه، فكان يجب عليه أنْ يحمد نفسه؛ لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان، وهو الذي أوصل نَفْسَهُ إلى درجات الجنان، وخلَّصها من دركاتِ النِّيرانِ، فلمَّا لم يحمد نفسه ألْبَتَّةَ إنَّما حمد الله - تعالى - فقط علمنا أن الهادي ليس إلا الله تعالى. قوله: "لَقَدْ جَاءَتْ" جواب قسم مقدَّر، و "بالحَقِّ" يجوز أن تكون الياء للتعدية، فـ "بالحق" مفعول معنى، ويجوز أن تكون للحال [أي:] جَاءُوا ملتبسين بالحقِّ، وهذا من قول أهلِّ الجنَّةِ حين رَأوْا ما وعدهم الرُّسُلُ عياناً، "ونُودُوا" هذا النداء يحتمل أن يكون من الله - تعالى -، وأن يكون من الملائكة. قوله: {أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ} يجوز أنْ تكونَ المفسِّرة، فسَّرت النداء - وهو الظَّاهِرُ - بما بعدها، ويجوز أن تكون المخففة واسمها ضمير الأمر محذوفاً، فهي وما بعدها في محلّ نصب أوْ جرِّ؛ لأنَّ الأصل: "بِأنْ تِلْكُمُ"، وأُشير إليها بإشارة البعيد؛ لأنَّهُم وُعِدوا في الدُّنْيَا. وعبارة بعضهم "هي إشَارَةٌ لغائب" مسامحة؛ لأنَّ الإشارة لا تكونُ إلا لحاضِرٍ، ولكنَّ العلماء تُطلق على البعيد غائباً مجازاً. قوله: "أوْرِثْتُمُوها" يجوز أن تكون هذه الجملة حاليّة كقوله: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}تفسير : [النمل: 52]. ويجوز أن تكُون خبراً عن "تِلْكُم"، ويجوز أن تكون "الجنّة" بدلاً أو عطف بيان و "أورِثْتُمُوها" الخبر. ومنع أبُو البقاءِ أن تكون حالاً من تلكم للفصل بالخبر، ولأنَّ المبتدأ لا يعمل في الحال. وأدغم أبُو عَمْرو والأخوان الثّاء في التاء، وأظهرها الباقون. و{أية : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : تقدَّم [المائدة: 105]. فصل في معنى "أورثتموها" قال أهلُ المَعَانِي: معناه صارت إليكم كما يصيرُ الميراث إلى أهله، والإرث قد يستعمل في اللُّغَةِ ولا يرادُ به زوال الملك عن الميِّت إلى الحي، كما يقال: هذا الفعل يورثك الشَّرف ويورثك العار أي: يصيرك إليه. ومنهم من يقول: إنَّهُم أعطوا تلك المنازلَ من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث. وقيل: إنَّ أهْلَ الجنَّة يرثون منازل أهل النَّارِ. قال عليه الصَّلاة والسَّلامُ: "حديث : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنَّار منزل، فإذا دخل أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة، وأهل النَّارِ النَّارَ، رفعت الجنة لأهل النَّار فينظرون إلى منازلهم فيها فيقال لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعَةِ الله - تعالى - ثمَّ يقال: يا أهْلَ الجنة، رثوهم بما كنتم تعملون، فيقسم بين أهل الجنة منازلهم ". تفسير : فإن قيل: هذه الآية تَدُلُّ على أنَّ العَبْدَ يدخل الجنَّة بعمله، وقوله - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -: "حديث : لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ الجنة بِعَملِهِ، وإنَّمَا يَدْخُلُونَهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ"تفسير : ، وبينهما تناقض. فالجوابُ: أنَّ العمل لا يوجب دخولَ الجنَّةِ لِذَاتِهِ، وإنَّما يوجبه لأن الله بفضله جعله علامة عليه، وأيضاً لمَّا كان الموفق للعمل الصَّالح هو الله تعالى - كان دخول الجنَّة في الحقيقة ليس إلاّ بفضل الله - تعالى -.
البقاعي
تفسير : ولما كانت الدار لا تطيب إلا بحسن الجوار قال: {ونزعنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء {ما} كان في الدنيا {في صدورهم من غل} أي ضغينة وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل، أي يدخل بلطف إلى صميم القلب، ومن الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: غل في الشيء وتغلغل فيه - إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد، حتى أن صاحب الدرجة السافلة لا يحسد صاحب العالية. ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلاّ بطيب القرار باحكام الدار، وكان الماء سبب العمارة وطيب المنازل، وكان الجاري منه أعم نفعاً وأشد استجلاباً للسرور قال تعالى {تجري من} وأشار إلى علوهم بقوله: {تحتهم الأنهار} فلما تمت لهم النعمة بالماء الذي به حياة كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون عنه الرياض والأشجار وكل ما به حسن الدار، أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ولرسوله المستجلب للزيادة بقوله: {وقالوا الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة لذاته لا لشيء آخر؛ ثم وصفوه بما يقتضي ذلك له لأوصافه أيضاً، فقالوا معلمين أنه لا سبب لهم في الوصول إلى النعيم غير النعيم غير فضله في الأولى والأخرى: {الذي هدانا} أي بالبيان والتوفيق، وأوقعوا الهداية على ما وصلوا إليه إطلاقاً للمسبب على السبب {لهذا} أي للعمل الذي أوصلنا إليه {وما} أي والحال أنا ما {كنا لنهتدي} أصلاً لبناء جبلاتنا على خلاف ذلك {لولا أن هدانا الله} أي الذي له الأمر كله، وقراءة ابن عامر بغير واو على أن الجملة موضحة لما قلبها، والقراءتان دامغتان للقدرية. ولما كان تصديقهم للرسل في الدنيا إيماناً بالغيب من باب علم اليقين، أخبروا في الآخرة بما وصلوا إليه من عين اليقين سروراً وتبججاً لا تعبداً، وثناء على الرسل ومن أرسلهم بقولهم مفتتحين بحرف التوقع لأنه محله: {لقد جاءت رسل ربنا} أي المحسن إلينا {بالحق} أي الثابت الذي يطابقه الواقع الذي لا زوال له. ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله، عطف على قولهم قوله مانّاً عليهم بقبول أعمالهم، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {ونودوا} أي إتماماً لنعيمهم {أن} هي المخففة من الثقيلة أو هي المفسرة {تلكم الجنة} العالية {أورثتموها} أي صارت إليكم من غير تعب ولا منازع {بما} أي بسبب ما {كنتم تعملون*} لأنه سبحانه جعله سبباً ظاهرياً بكرمه، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم من توفيقه. ولما استقرت بهم الدار، ونودوا بدوام الاستقرار، أخبر سبحانه أنهم أقبلوا متبججين على أهل النار شامتين بهم في إحلالهم دار البوار تلذيذاً لأنفسهم بالنعيم وتكديراً على الأشقياء في قوله: {ونادى أصحاب الجنة} أي بعد دخول كل من الفريقين إلى داره {أصحاب النار} يخبرونهم بما أسبغ عليهم من النعم، ويقررونهم بما كانوا يتوعدونهم به من حلول النقم؛ ثم فسر ما وقع له النداء بقوله: {أن} أو هي مخففة من الثقيلة، وذكر حرف التوقع لأنه محله فقال: {قد وجدنا} أي بالعيان كما كنا واجدين له بالإيمان {ما وعدنا ربنا} أي المحسن إلينا في الدارين من الثواب {حقاً} أي وجدنا جميع ما وعدنا ربنا لنا ولغيرنا حقاً كما كنا نعتقد {فهل وجدتم} أي كذلك {ما وعد} وأثبت المفعول الأول تلذيذاً، وحذفه هنا احتقاراً للمخاطبين، وليشمل ما للفريقين فيكون وجد بمعنى العلم وبمعنى اللقى، وفي التعبير بالوعد دون الوعيد مع ذلك تهكم بهم {ربكم} أي الذي أحسن إليكم فقابلتم إحسانه بالكفران من العقاب {حقاً} لكونكم وجدتم ما توعدكم به ربكم حقاً {قالوا نعم} أي قد وجدنا ذلك كله حقاً؛ قال سيبويه: نعم عِدَة، أي في جواب: أتعطيني كذا، وتصديق في مثل قد كان كذا، والآية من الاحتباك: أثبت المفعول الثاني أولاً دليلاً على حذف مثله ثانياً، وحذفه ثانياً دليلاً على إثبات مثله أولاً - والله أعلم. ولما حبوا من النعم بما تقدم، وكان منه الجار الحسن، وكان العيش مع ذلك لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء، أخبروا ببعده وزيدوا سروراً بإهانته في قوله: {فأذن} أي بسبب ما أقر به أهل النار على انفسهم {مؤذن بينهم} أي بين الفريقين {أن } مخففه أو مفسرة في قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم، وشددها الباقون ونصبوا {لعنة الله} أي طرد الملك الأعظم وإبعاده على وجه الغضب {على الظالمين*} أي الذين كانوا مع البيان الواضح يضعون الأشياء في غير مواضعها كحال من لم ير نوراً أصلاً {الذين يصدون} أي لهم فعل الصد لمن أراد الإيمان ولمن آمن ولغيرهما بالإضلال بالإرغاب والإرهاب والمكر والخداع {عن سبيل الله} أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له الواضح الواسع {ويبغونها} أي يطلبون لها {عوجاً} بإلقاء الشكوك والشيهات، وقد تقدم ما فيه في آل عمران {وهم بالآخرة كافرون*} أي ساترون ما ظهر لعقولهم من دلائلها؛ فمتى وجدت هذه الصفات الأربع حقت اللعنة {وبينهما} أي وحال الفريقين عند هذه المناداة أنه بينهما أو بين الدارين {حجاب} أي سور لئلا يجد أهل النعيم في دارهم ما يكدر نعيمها {وعلى الأعراف} جمع عرف وهو كل عال مرتفع لأنه يكون أعرف مما انخفض، وهي المشرفات من ذلك الحجاب {رجال} استوت حسناتهم وسيئاتهم فوفقوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته كما جاء مفسراً في مسند ابن أبي خثيمة من حديث جابر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم {يعرفون كلاًّ} أي من أصحاب الجنة وأصحاب النار قبل دخول كل منهم داره {بسيماهم} أي علامتهم {ونادوا} أي أصحاب الأعراف {أصحاب الجنة} أي بعد دخولهم إليها واستقرارهم فيها {أن سلام عليكم} أي سلامة وأمن من كل ضار. ولما كان هذا السلام ربما أشعر أنه بعد دخول أهل الأعراف الجنة، فكأنه قيل أكان نداؤهم بعد مفارقتهم الأعراف ودخولها؟ فقيل لا، {لم يدخلوها} أي الجنة بعد {وهم} أي والحال أنهم {يطمعون*} في دخولها، وعبر بالطمع لأنه لا سبب للعباد إلى الله من أنفسهم وإن كانت لهم أعمال فضلاً عن هؤلاء الذين لا أعمال لهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية {ونزعنا ما في صدورهم من غل} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله {ونزعنا ما في صدروهم من غل} قال: هي العداوة . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا، فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فلن يشعثوا ولن يشحبوا بعدها أبداً . وأخرج ابن جرير عن أبي نضرة قال: يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يقتص لبعضهم من بعض حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحد أحداً بقلامة ظفر ظلمها إياه، ويحبس أهل النار دون النار، حتى يقتص لبعضهم من بعض، فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحداً بقلامة ظفر ظلمها إياه. أما قوله تعالى {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} . أخرج النسائي وابن أبي الدنيا وابن جرير في ذكر الموت وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل أهل النار يرى منزله من الجنة، يقول: لو هدانا الله فيكون حسرة عليهم، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول: لولا أن هدانا الله " تفسير : فهذا شكرهم . وأخرج سعيد بن منصور وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي هاشم قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز أن من قبلنا من أهل البصرة قد أصابهم من الخير خير حتى خفت عليهم. فكتب إليه عمر: قد فهمت كتابك، وأن الله لما أدخل أهل الجنة رضي منهم بأن قالوا {الحمد لله الذي هدانا لهذا} فمر من قبلك أن يحمدوا الله . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} قال" حديث : نودوا: أن صحوا فلا تسقموا، وأنعموا فلا تبأسوا، وشبوا فلا تهرموا، واخلدوا فلا تموتوا " . تفسير : وأخرج هناد وابن جرير وعبد بن حميد عن أبي سعيد قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، فذلك قوله {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} قال: ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل مبين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم، رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثم يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون. فيقتسم أهل الجنة منازلهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي معاذ البصري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده أنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبصارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قَيِّمَهَا فيفتح له، فإذا رآه خرّ له ساجداً فيقول: ارفع رأسك إنما أنا قَيِّمُكَ وُكِّلْتُ بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فيستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فدخل بيتاً من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة يُرَى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم، هذه الأنهار من تحتهم تطرد أنهاراً من ماء غير آسن، فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً. ثم تلا { ودانية عليهم ظلالها وَذُلِّلت قطوفها تذليلاً } [الأعراف: 8-9] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيذهب الملك فيقول: سلام عليكم {تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}"
التستري
تفسير : وقوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}[43] قال: هو الأهواء والبدع.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الآية: 43]. قيل: هو التحاسد والتباغض والتدابر الذى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. قال سهل: هو الأهواء والبدع. قال بعضهم: من تخطى بساط القرب سقط عنه رعونات النفس وحظوظ الشيطان. قال الله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. قيل فيه: دلنا على توحيده وجعلنا فى سابق علمه على خواص عباده، واختار لنا أعز الأديان. ولو وكلنا إلى اختيارنا لضللنا فى أول لحظة. قال بعضهم فى هذه الآية: رؤية الهيبة توقع قبضًا فى الأحوال وربما تورث بسطًا، والعبد متردد فيما بينهما من قبض وبسط، وحال البسط أورث قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ}. طهرنا قلوبهم من كل غش، واستخلصنا أسرارهم عن كل آفة. وطَهَّرَ قلوب العارفين من كل حظ وعلاقة، كما طهَّر قلوب الزاهدين عن كل رغبة ومُنْية، وطهَّر قلوب العابدين عن كل تهمة وشهوة، وطهَّر قلوب المحبين عن محبة كل مخلوق وعن غل الصدر - كل واحد على قدر رتبته. ويقال لمَّا خَلَق الجنة وَكَلَ ترتبيها إلى رضوان، والعرش ولي حفظه إلى الجملة، والكعبة سلَم مفتاحها إلى بني شيبة، وأمَّا تطهير صدور المؤمنين فتولاّه بنفسه. وقال: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. ويقال إذا نزع الغل من الصدور مِنْ قِبَله فلا محلّ للغرم الذي لزمهم بسبب الخصوم حيث كان منه سبحانه وجه آدائه. قوله جلّ ذكره: {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}. في قولهم اعترافٌ منهم وإقرارٌ بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من جزيل تلك العطيات، وعظيم تلك الرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم، وإنما ذلك أجمع ابتداء فضل منه ولطف. قوله جلّ ذكره: {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. تسكينٌ لقلوبهم، وتطييبٌ لهم، وإلا فإذا رأوا تلك الدرجات علموا أن أعمالهم المشوبة بالتقصير لم توجب لهم كل تلك الدرجات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ونزعنا} النزع قلع الشئ عن مكانه {ما فى صدورهم} قلوبهم {من غل} وهو الحقد الكامن والبغض المختفى فى الصدور اى تخرج من قلوبهم اسباب الحقد الذى كان لبعضهم فى حق بعض فى الدنيا فان ذلك الحقد انما نشأ من التعلق بالدنيا وما فيها وبانقطاع تلك العلاقة انتهى ما يتفرع عليه من الحقد ومن جملة اسبابه ايضا ان الشيطان كان يلقى الوساوس الى قلوب بنى آدم فى الدنيا وقد انقطع ذلك فى الآخرة بسبب ان الشيطان لما استغرق فى عذاب النيران لم يتفرغ لالقاء الوسوسة فى قلب الانسان ويجوز ان يكون المراد نطهر قلوبهم من الغل نفسه حتى لا يكون بينهم الا التواد يعنى لا يحسد بعض اهل الجنة بعضا اذا رآه ارفع درجة منه ولا يغتم بسبب حرمانه من الدرجات الرفيعة العالية. قال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت هذه الآية فى ابى بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وابن مسعود وعمار بن ياسر وسلمان وابى ذر ينزع الله فى الآخرة ما كان فى قلوبهم من غش بعضهم لبعض فى الدنيا من العداوة والقتل الذى كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والامر الذى اختلفوا فيه فيدخلون اخوانا على سرر متقابلين شعر : باك وصافى شو وازجاه طبيعت بدرآى كه صفا يى ندهد آب تراب آلو ده تفسير : {تجرى من تحتهم} اى من تحت شجرهم وغرفهم {الانهار} زيادة فى لذتهم وسرورهم {وقالوا} اى اهل الجنة اذا رأوا منازلهم {الحمد لله الذى هدٰنا} بفضله {لهذا} اى لدين وعمل جزاؤه هذا {وما كنا لنهتدى} اى لهذا المطلب الاعلى {لولا ان هدٰنا الله} ووفقنا له شعر : كر بدرقه لطف تو ننمايد راه ازراه تو هيجكس نكردد آكاه آنكه كه بره رسند وبايد رفتن توفيق رفيق نشد واو يلاه تفسير : ـ روى ـ عن السدى انه قال فى هذه الآية ان اهل الجنة اذا سيقوا الى الجنة وجدوا عند بابها شجرة فى اصل ساقها عينان فشربوا من احداهما فينزغ ما فى صدورهم من غل وهو الشراب الطهور واغتسلوا من الاخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعده ابدا والشعث انتشار شعر الرأس والاشعث مغبر الرأس ويقال شحب جسمه يشحب بالضم اذا تغير وشربوا واغتسلوا ويبشرهم خزنة الجنة قبل ان يدخلوها بان يقولوا لهم {ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون} فاذا دخلوها واستقروا فى منازلهم منها قالوا الحمد لله الآية. واعلم ان الغل ظلمة الصفات البشرية وكدورتها وطهارة القلوب بنور الايمان والارواح بماء العرفان والاسرار بشراب طهور تجلى صفات الجمال وليس فى صدور اهل الحقيقة من غل وغش اصلا لا فى الدنيا ولا فى العقبى {لقد جاءت رسل ربنا} جواب قسم مقدر اى والله لقد جاؤا {بالحق} فالباء للتعدية او لقد جاؤا ملتبسين بالحق فهى للملابسة يقوله اهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا واستقروا فيه اظهارا لكمال نشاطهم وسرورهم. قال الحدادى شهادة منهم بتبليغ الرسل للحق اليهم اى جاؤا بالصدق فصدقناهم {ونودوا ان تلكم الجنة} يعنى ان الملائكة ينادونهم حين رأى المؤمنون الجنة من بعيد بان يقولوا لهم ان تلك التى رأيتموها هى الجنة التى وعدتم بها فى الدنيا فان مفسرة او مخففة وتلك مبتدأ اشير به الى ما رأوه من بعيد والجنة خبره واللام فيها للعهد {اورثتموها} اى اعطيتموها والجملة حال من الجنة {بما كنتم تعملون} فى الدنيا من الاعمال الصالحة اى بسبب اعمالكم. فان قيل هذه الآية تدل على ان العبد يدخل الجنة بعمله وقد قال عليه السلام "حديث : لن يدخل الجنة احدكم بعمله وانما تدخلونها برحمة الله تعالى وفضله " . تفسير : فما وجه التوفيق بينهما. اجيب بان العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته وانما يوجبه من حيث انه تعالى وعد للعاملين ان يتفضل بها بمحض رحمته وكمال فضله واحسانه ولما كان الوعد بالتفضل فى حق العاملين بمقابلة عملهم كان العمل بمنزلة السبب المؤدى اليها فلذلك قيل اورثتموها باعمالكم كذا فى حواشى ابن الشيخ وفى الخبر انه يقال لهم يوم القيامة "حديث : جوزوا الصراط بعفوى وادخلوا الجنة برحمتى واقتسموها باعمالكم " . تفسير : وهى جنة الاعمال وهى التى ينزل الناس فيها باعمالهم فمن كان افضل من غيره فى وجوه التفاضل كان له من الجنة اكثر سواء كان الفاضل بهذه الحالة دون المفضول او لم يكن فما من عمل الا وله جنة يقع التفاضل فيها بين اصحابها "حديث : ورد فى الحديث الصحيح عن النبى عليه السلام انه قال لبلال يا بلال "بم سبقتنى الى الجنة فما وطئت منها موضعا الا سمعت خشخشتك" فقال يا رسول الله ما أحدثت قط الا توضأت وما توضأت الا صليت ركعتين فقال عليه السلام "بهما" " . تفسير : فعلمنا انها كانت مخصوصة بهذا العمل فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم ومكروه الا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص يناله من دخلها. والتفاضل على مراتب. فمنها بالسن ولكن فى الطاعة والاسلام فيفضل الكبير السن على الصغير السن اذا كانا على مرتبة واحدة من العمل. ومنها بالزمان فان العمل فى رمضان وفى يوم الجمعة وفى ليلة القدر وفى عشر ذى الحجة وفى عاشوراء اعظم من سائر الزمان. ومنها بالمكان فالصلاة فى المسجد الحرام افضل منها فى مسجد المدينة وهى من الصلاة فى المسجد الاقصى وهى منها فى سائر المساجد. ومنهما بالاحوال فان الصلاة بالجماعة افضل من صلاة الشخص وحده. ومنها بنفس الاعمال فان الصلاة افضل من اماطة الاذى ومنها فى العمل الواحد فالمتصدق على رحمه صاحب صلة رحم وصدقة وكذا من اهدى هدية لشريف من اهل البيت افضل ممن اهدى لغيره او احسن اليه ومن الناس من يجمع فى الزمن الواحد اعمالا كثيرة فيصرف سمعه وبصره ويده فيما يبتغى فى زمان صومه وصدقته بل فى زمان صلاته فى زمان ذكره فى زمان نيته من فعل وترك فيؤجر فى الزمن الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممن ليس له ذلك. ومن الجنات جنة اختصاص الهى وهى التى يدخلها الاطفال الذين لم يبلغوا حد العمل وحده من اول ما يولد اى يستهل صارخا الى انقضاء ستة اعوام ويعطى الله من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء. ومن اهلها المجانين الذين ما عقلوا. ومن اهلها اهل التوحيد العلمى. ومن اهلها اهل الفترات ومن لم يصل اليهم دعوة رسول. ومن الجنات جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا ومن المؤمنين وهى الاماكن التى كانت معينة لاهل النار لو دخلوها وفى الحديث "حديث : كل من اهل النار يرى منزله فى الجنة فيقولون لو هدانا الله فيكون عليهم حسرة وكل من اهل الجنة يرى منزله فى النار فيقولون لولا ان الله هدانا ". تفسير : واعلم ان الجنة صورية ومعنوية صورية محسوسة مؤجلة ومعنوية معقولة معجلة واهلها اهل الفناء فى الله والبقاء بالله: قال الحافظ شعر : جنت نقدست اين جا عشرت وعيش وحضور زانكه درجنت خدا بربنده ننويسد كناه تفسير : اللهم شرفنا بالجنان انك انت المنان.
الطوسي
تفسير : نزع الغل في الجنة تصفية الطباع، وإِسقاط الوساوس، وإِعطاء كل نفس مناها، ولا يتمنى أحد ما لغيره. قرأ ابن عامر {ما كنا لنهتدي} بلا واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. الباقون باثباتها. وجه الاستغناء عن الواو أن الجملة متصلة بما قبلها فأغنى التباسها بها عن حرف العطف. ومثله {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} فاستغنى عن حرف العطف بالالتباس من احدى الجملتين بالأخرى. ومن أثبت الواو فلعطفه جملة على جملة. في هذه الآية إِخبار عما يفعله بالمؤمنين في الجنة بعد أن يخلدهم فيها، بأن ينزع ما في صدورهم من غل، فالنزع رفع الشىء عن مكانه المتمكن فيه، إِما بتحويله، وإِما باعدامه. ومعنى نزع الغل - ها هنا - إِبطاله. وقيل في ما ينزع الغل من قلوبهم قولان: أحدهما - قال أبو علي: بلطف الله لهم في التوبة حتى تذهب صفة العداوة. الثاني - بخلوص المودة حتى يصير منافياً لغل الطباع. والثاني أقوى، لأن قوله {تجري من تحتهم الأنهار} حال لنزع الغل، وكأنه قال: ونزعنا ما في صدورهم من غل في حال تجري من تحتهم الأنهار وعلى الأولى يكون {تجري من تحتهم الأنهار} مستأنفاً. والغُل: الحقد الذي ينقل بلطفه الى صميم القلب، ومنه الغلول، وهو الوصول بالحيلة الى دقيق الخيانة، ومنه الغَل الذي يجمع اليدين والعنق بانغلاله فيها. والصدر: ما يصدر من جهته التدبير والرأي، ومنه قيل للرئيس: صدر، وقيل صدر المجلس. وقوله {تجري من تحتهم الأنهار} فالجريان انحدار المائع، فالماء يجري، والدم يجري، وكذلك كل مايصح أن يجري، فهو مائع، وجرى الفرس في عدوه مشبه بجري الماء في لينه وسرعته. وقوله {تجري من تحتهم الأنهار} فالنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه النهار لاتساع ضيائه، وانْهار الدم لاتساع مخرجه. وقوله {وقالوا الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنتهدي لولا أن هدانا الله} إِخبار عن قول أهل الجنة واعترافهم بالشكر لله تعالى الذي عرضهم له بتكليفه إِياهم ما يستحقون به الثواب. وقيل: معنى {هدانا لهذا} يعني لنزع الغل من صدورنا. وقيل: هدنا لثبات الايمان في قلوبنا. وقيل: هدنا لجواز الصراط. وقوله {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} إِقرار من أهل الجنة واعتراف بأن ما جاءت به الرسل اليهم من جهة الله أنه حق لا شبهة فيه، ولا مرية في صحته. وقوله {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} فالنداء الدعاء بطريقة يا فلان كأنه قيل لهم: أيُّها المؤمنون {أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} جزاء لكم على ذلك، على وجه التهنئة لهم بها. و (أن) مخففة من الثقيلة و (الهاء) مضمرة، والتقدير ونودوا بأنه تلكم الجنة. وقال الزجاج {أن تلكم} تفسير للنداء، والمعنى قيل لكم: تلكم الجنة. وإِنما قال {تلكم} لأنهم وعدوا بها في الدنيا، وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها. ويجوز أن يكونوا عاينوها، فقيل لهم - قبل أن يدخلوها - إِشارة اليها {تلكم الجنة}. ومن أدغم، فلان الثاء والتاء مهموستان متقاربتان فاستحسن الادغام. ومن ترك الادغام في {أورثتموها} وهو ابن كثير، ونافع وعاصم وابن عامر - فلتباين المخرجين، وأن الحرفين في حكم الانفصال، وإِن كانا في كلمة واحدة، كما لم يدغموا {أية : ولو شاء الله ما اقتتلوا}تفسير : وإِن كانا مثلين لا يلزمان لأن تاء (افتعل) قد يقع بعدها غير التاء، فكذلك أورث، قد يقع بعدها غير التاء، فلا يجب الادغام. واستدل الجبائي بذلك على ان الثواب يستحق بأعمال الطاعات، ولا يستحق من جهة الاصلح، لان الله تعالى بين انهم اورثوها جزاء بما عملوه من طاعته (عز وجل).
الجنابذي
تفسير : {وَنَزَعْنَا} فى الدّنيا او فى الجنّة {مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} الغلّ بالكسر الحقد وتشبيه الغلّ بالثّوب واستعمال النّزع فيه استعارة تخييليّة وترشيح للاستعارة، والمقصود انّه تعالى يطهّر صدور المؤمنين من موجبات الغلّ من الكدورات الدّنيويّة والصّفات الرّذيلة النّفسانيّة حتّى تصفو صدورهم من الحقد والحسد، خصوصاً بالنّسبة الى اخوانهم المؤمنين وكذا من العجب والرّياء والشّك والشّرك الخفىّ فلا يبقى فى صدروهم الاّ الودّ الخالص والصّدق التّام {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} الجملة حاليّة او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او خبرٌ بعد خبر {وَ} بعد ما صارت صدورهم مصفّاة ممّا يؤذيهم ومقامهم مأمناً عمّا لا يلائمهم ومجالسوهم فارغين ممّا يسوؤهم {قَالُواْ} تبجّحاً وشكراً {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} المقام او هذا الفضل والمراد بالهداية الايصال الى المطلوب او الى طريق المطلوب مع تهيّة اسباب سلوكه {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} قالوا ذلك لانّهم كانوا مؤمنين بالغيب غير مشاهدين فلمّا شاهدوا ما آمنوا به فرحوا بما شاهدوا او اظهروه لغاية السّرور {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يعنى ما كنتم تعملون سبب من طرف القابل لا انّه سبب فاعلىّ. اعلم، انّ الانسان بانسانيّته له قوّة الوصول الى الجنان وبفطرته له النّسبة الى العقل الكلّىّ ومظهره الّذى هو النّبىّ (ص) والولىّ (ع) وبتلك النّسبة يصحّ نسبة الابوّة والبنوّة بينهما تكويناً ويصحّ نسبة الاخوّة بين كلّ الاناسىّ تكويناً، فاذا اتّصل هذه النّسبة بالنّسبة التّكليفيّة بالبيعة العامّة النّبويّة او الخاصّة الولويّة تقوى تلك النّسبة وظهرت بحيث يصير الولد والداً والوالد ولداً، وبتلك النّسبة وقدر ظهورها يرث الولد من والده بعضاً من ملكه او جميع ممالكه واذا لم يتّصل النّسبة التّكوينيّة بالنّسبة التّكليفيّة لا بالبيعة ولا حال الاحتضار انقطعت لا محالة، واذا انقطعت نسبته عن الوالد الّذى هو العقل الكلّىّ ومظهره لم يرث منه شيئاً وورثه ما كان ينبغى ان يرثه هو اخوه المناسب له فى بعض الجهات فصحّ ان يقال اورثتموها من الله او من العقل او من مظهر العقل، وصحّ ان يقال اورثتموها من اهل الجحيم كما يصحّ ان يقال: اهل الجحيم اورثوا منازل اهل الجنّة من الجحيم وقد مضى تحقيق الايراث وكيفيّته.
اطفيش
تفسير : {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} حقد نزعه الله عز وجل بعد إِعطائهم كتبهم بأَيمانهم وقبل دخولهم الجنة. الغل الذى كان فى الدنيا وأَسبابه، وإِنما ذلك لزوال متعلقات الدنيا وعدم شياطين الإِنس والجن إِذ شغلوا بعذاب النار، وصفاء النفوس بتطهير الله عز وجل لها فلا يحقد أَحد على أَحد لما فى الدنيا، ولا لمضرة فى الجنة لعدم الضرر، ويترتب على ذلك أَنه لا يحسد ذو الدرجة المنحطة ذا الدرجة العالية عليه بل لا يخطر فى قلبه علوها أَو يحضره إِلا راَى نفسه أَفضل درجة ممن فوقه، ومن أَسباب الغل الحسد، ولا حسد فيها، وليس المراد النزع فى الدنيا كما قال بعض، بل فى الآخرة لمناسبة ما بعده ومقابلة تلاعن أَهل النار فى الآخرة، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنهم يتآخذون الظلامات عند بابها فلا يحقد أَحد أَحداً فيدخلونها، وقيل المراد إِزالة الحقد عند الموت فيموتون بلا حقد {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ} قصورهم {اَلأَنْهَارُ} زيادة فى لذتهم ينبع عينان من أَصل شجرة على باب الجنة يشربون من إِحداهما فيخرج الله عز وجل غلهم وقذرهم، وهو الشراب الطهور فى قوله تعالى "أية : وسقاهم ربهم شرابًا طَهورًا" تفسير : [الإنسان: 21] ويشربون من الأُخرى فيطيب الله أجسادهم من كل وسخ، وجرت عليهم النصرة فلا يشعثون ولا يشحبون ولا يتغيرون فيناديهم خزنة الجنة أن تلكم الجنة الآية.. {وَقَالُوا} عند استقرارهم فى منازلهم من الجنة {الْحَمْدُ للهِ الَّذِى هَدَانَا} وفقنا {لِهَذَا} الذى جزاؤه ما نحن فيه الآن، وهو الإِيمان والعمل الصالح والتقوى، وذكر قالوا بدل يقولون لتحقق الوقوع بعد، وأَشار بهذا إِلى العمل الواقع فى الدنيا مع بعده استحضاراً له وفرحا به، أَو لحضور عاقبته ومسببه، وهى حرى الأَنهار ودخول الجنة، فكأَنه حضر ذلك الذى فى الدنيا، أَو الإِشارة إِلى دخول الجنة، وجرى الأَنهار، أَى هدانا إِلى ذلك وأوصلنا إِليه بسبب الإِيمان والعمل والتقوى، ويضعف ما قيل من أن الإِشارة إِلى نزع الغل من الصدور {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ} إِلى العمل الصالح والإِيمان والتقوى أَو إِلى هذه المنازل والأَملاك {لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ} وفقنا إِلى ذلك {لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} الصدق عن الله فى ثواب الإِيمان والعمل والتقوى إِذ شاهدوا الثواب طبق ما أخبر الله جل وعز به. وهذه الجملة لإِنشاء السرور فى المعنى إِخبار لفظاً كإِنشاء التحسر فى قوله: شعر : هواى مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثمانى بمكة موثق تفسير : {وَنُودُوا} أى ناداهم الملائكة أو الله بأَن خلق لهم صوتاً سمعوه {أَنْ} مخففة أو مفسرة لتقدم معنى القول دون حروفه وكذا ما بعد {تِلْكُمُ} مبتدأ {الْجَنّةُ} خبر إِشارة إِليها قبل دخولها وبعد ظهورها برؤيتها من بعيد، ولذلك كان إِشارة البعد، وقيل بعد دخولها وعليه فالإِشارة باعتبار الإِخبار عنها فى الدنيا، أَى الجنة البعيدة منكم فى الدنيا حين أخبركم الرسول بها، وقيل إشارة البعد لرفع الرتبة {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بكونكم تعملون العمل الصالح، ومنه جبذ النفس عن المعاصى، أَو بما كنتم تعملونه، والجملة حال من الخبر كقوله تعالى {أية : فتلك بيوتهم خاويةً}تفسير : [النمل: 52] أَو خبر والجنة تابع، ولا تنافى الآية قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله بل بفضل الله ورحمته وشفاعتى" تفسير : وانقسام الدرجات بالأَعمال والمعنى أَن العمل لا يوجبها ولكن جعله الله سبباً عادياً وعلامة، وما أَقبح ما قيل عن المعتزلة أَن دخولها ليس بفضل الله بل بمجرد العمل، وهذا عجيب جداً، وقال ابن حجر: المنفى فى الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت فى الآية دخولها بالعمل المتقبل، والقبول فضل من الله. وذكر القرطبى أَنهم إِذا دخلوها بأَعمالهم فقد دخلوها برحمته لأَن أَعمالهم رحمة من الله لهم، وذكر الله الإِيراث لأَن الحى يرث الميت والمؤمن حى والكافر ميت {أية : أموات غير أَحياء}تفسير : [النحل: 21]،{أية : دعاكم لما يحييكم}تفسير : [الأَنفال: 24] {أية : أَو من كان ميتاً فأحييناه}تفسير : [الأَنعام: 122] {أية : لينذر من كان حياً}تفسير : [يس: 70] قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من أَحد إِلا وله منزل فى الجنة ومنزل فى النار فأما الكافر فإِنه يورث المؤمن منزله من الجنة والمؤمن يورث الكافر منزله من النار"تفسير : ، فذلك قوله تعالى {أَورثتموها بما كنتم تعملون} فالإِيراث استعارة أَصلية للإِعطاء اشتق منها تبعية فى لفظ أَورث، ثم إِنه لما كان دخولها بفضل الله لا بالعمل كان كالإِرث بتحصل من غير كسب وذلك فيما لهم وفيما انتقل إِليهم من الكفرة.
الالوسي
تفسير : {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } أي قلعنا ما في قلوبهم من حقد مخفي فيها وعداوة كانت بمقتضى الطبيعة لأمور جرت بينهم في الدنيا. أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: «إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة (فبلغوها) وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان (فيشربون) من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور (ويغتسلون) من الأخرى (فتجري) عليهم نضرة النعيم (فلن) يشعثوا (ولن) (يشحبوا) بعدها أبداً». وأخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن قال: بلغني أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يحبس أهل الجنة بعدما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعض على بعض غل ». تفسير : وقيل: المراد طهرنا قلوبهم وحفظناها من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب بحيث لا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة الرفيعة. وهذا في مقابلة ما ذكره سبحانه من لعن أهل النار بعضهم بعضاً. وأياً ما كان فالمراد ننزع لأنه في الآخرة إلا أن صيغة الماضي للإيذان بتحققه. وقيل: إن هذا النزع إنما كان في الدنيا، والمراد عدم اتصافهم بذلك من أول الأمر إلا أنه عبر عن عدم الاتصاف به مع وجود ما يقتضيه حسب البشرية أحياناً بالنزع مجازاً، ولعل هذا بالنظر إلى كمل المؤمنين كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم رحماء بينهم يحب بعضهم بعضاً كمحبته لنفسه أو المراد إزالته بتوفيق الله تعالى قبل الموت بعد أن كان بمقتضى الطباع البشرية. ويحتمل أن يخرج على الوجهين ما أخرجه غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هذه الآية: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، ويقال على الثاني فيما وقع مما ينبـىء بظاهره عن الغل. إنه لم يكن إلا عن اجتهاد إعلاءاً لكلمة الله تعالى. ولا يخفى بعد هذا المعنى وإن ساعده ظاهر الصيغة. و {مّنْ غِلّ } على سائر الاحتمالات حال من (ما). وقوله سبحانه: {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } حال أيضاً إما من الضمير في {صُدُورُهُمْ } لأن المضاف جزء من المضاف إليه والعامل معنى الإضافة أو العامل في المضاف، وإما من ضمير {نَزَعْنَا} على ما قيل والعامل الفعل. واختار بعضهم أن الجملة مستأنفة للإخبار عن صفة أحوالهم. والمراد تجري من تحت غرفها مياه الأنهار زيادة في لذتهم وسرورهم. { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } الفوز العظيم والنعيم المقيم. والمراد الهداية لما أدى إليه من الأعمال القلبية والقالبية مجازاً وذلك بالتوفيق لها وصرف الموانع عن الاتصاف بها./ وقيل: المراد من الهداية لما هم فيه من النعيم مجاوزة الصراط إلى أن وصلوا إليه. ومن الناس من جعل الإشارة إلى نزع الغل من الصدور ولا أراه شيئاً {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ } أي لهذا أو لمطلب من المطالب التي هذا من جملتها {لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } وفقنا له، واللام لتأكيد النفي وهي المسماة بلام الجحود وجواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه، وليس إياه لامتناع تقدم الجواب على الصحيح ومفعول {نَهْتَدي}. {وَهَدَانَا} الثاني محذوف لظهور المراد أو لإرادة التعميم كما أشير إليه، والجملة حالية أو استئنافية، وفي مصاحف أهل الشام {مَا كُنَّا } بدون واو وهي قراءة ابن عامر فالجملة كالتفسير للأولى، وهذا القول من أهل الجنة لإظهار السرور بما نالوا والتلذذ بالتكلم به لا للتقرب والتعبد فإن الدار ليست لذلك؛ وهذا كما ترى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو هذا ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة. وقوله سبحانه: {لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقّ } جملة قسمية لم يقصد بها التقرب أيضاً وهي بيان لصدق وعد الرسل عليهم السلام إياهم بالجنة على ما نص عليه بعض الفضلاء، وقيل: تعليل لهدايتهم. والباء إما للتعدية فهي متعلقة بجاءت أو للملابسة فهي متعلقة بمقدر وقع حالاً من الرسل، ولا يخفى ما في هذه الآية من الرد الواضح على القدرية الزاعمين أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى ولم يخلق الله تعالى له ذلك، ودونك فاعرض قول المعتزلة في الدنيا المهتدي من اهتدى بنفسه على قول الله تعالى حكاية عن قول الموحدين في مقعد صدق {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } واختر لنفسك أي الفريقين تقتدي به ولا أراك أيها العاقل تعدل بما نوه الله تعالى به قول ضال يتذبذب مع هواه وتعصبه. ولما رأى الزمخشري هذه الآية كافحة في وجوه قومه فسر الهدى باللطف الذي بسببه يخلق العبد الاهتداء لنفسه، وهو لعمري كلام من حرم اللطف نسأل الله تعالى العفو والعافية. {وَنُودُواْ } أي نادتهم الملائكة، وجوز بعضهم احتمال أن المنادي هو الله، والآثار تؤيد الأول. {أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ } أي أي تلكم على أن {أَنْ} مفسرة لما في النداء من معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من أن وحرف الجر مقدر واسمها ضمير شأن محذوف أي بأنها أو بأنه تلكم، وأوجب البعض الثاني بناءً على أنه يجب أن يؤنث ضمير الشأن إذا كان المسند إليه في الجملة المفسرة مؤنثاً، والصحيح عدم الوجوب على ما صرح به ابن الحاجب وابن مالك، ومعنى البعد في اسم الإشارة إما لرفع منزلتها وبعد مرتبتها، وإما لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد، وإما للإشعار بأنها تلك الجنة التي وعدوها في الدنيا وإليه يشير كلام الزجاج. والظاهر أن {تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ } مبتدأ وخبر وقوله سبحانه: {أُورِثْتُمُوهَا } حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة ويجوز أن تكون الجنة نعتاً لتلكم أو بدلاً و {أُورِثْتُمُوهَا } الخبر، ولا يجوز أن يكون حالاً من المبتدأ ولا من ـ كم ـ كما قاله أبو البقاء وهو ظاهر، والتزم بعضهم في توجيه البعد أن {تِلْكُمُ } خبر مبتدأ محذوف أي هذه تلكم الجنة الموعودة لكم قبل أو مبتدأ حذف خبره أي تلك الجنة التي أخبرتم عنها أو وعدتم بها في الدنيا هي هذه ولا حاجة إليه. والمنادى له أولاً وبالذات كونها موروثة لهم وما قبله توطئة له، والميراث مجاز عن الإعطاء أي أعطيتموها. {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الأعمال الصالحة، والباء للسببية وتجوز بذلك عن الإعطاء إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجباً وإن كان سبباً بحسب الظاهر كما أن الإرث ملك بدون كسب وإن كان النسب مثلاً / سبباً له، والباء في قوله صلى الله عليه وسلم على ما في بعض الكتب: « حديث : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » تفسير : وكذا في قوله عليه الصلاة والسلام على ما في «الصحيحين» من حديث أبـي هريرة وجابر « حديث : لن ينجو أحد منكم بعمله » تفسير : للسبب التام فلا تعارض، وجوز أن تكون الباء فيما نحن فيه للعوض أي بمقابلة أعمالكم، وقيل: تلك الإشارة إلى منازل في الجنة هي لأهل النار لو كانوا أطاعوا جعلها الله تعالى إرثاً للمؤمنين، فقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال: «ما من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل (مبين) فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل [لهم] هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله تعالى ثم يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون (فيقتسم) أهل الجنة منازلهم»، وأنت تعلم أن القول بهذا الإرث الغريب لا يدفع الحاجة إلى المجاز. وزعم المعتزلة أن دخول الجنة بسبب الأعمال لا بالتفضل لهذه الآية، ولا يخفى أنه لا محيص لمؤمن عن فضل الله تعالى لأن اقتضاء الأعمال لذاتها دخول الجنة أو إدخال الله تعالى ذويها فيها مما لا يكاد يعقل، وقصارى ما يعقل أن الله تعالى تفضل فرتب عليها دخول الجنة فلولا فضله لم يكن ذلك، وأنا لا أرى أكثر جرأة من المعتزلة في هذا الباب ككثير من الأبواب فإن مآل كلامهم فيه أن الجنة ونعيمها الذي لا يتناهى إقطاعهم بحق مستحق على الله تعالى الذي لا ينتفع بشيء ولا يتضرر بشيء لا تفضل له عليهم في ذلك بل هو بمثابة دين أدى إلى صاحبه سبحانك هذا بهتان عظيم وتكذيب لغير ما خبر صحيح.
ابن عاشور
تفسير : انتساق النّظم يقتضي أن تكون جملة: {تجري من تحتهم الأنهار} حالاً من الضّمير في قوله: {أية : هم فيها خالدون}تفسير : [الأعراف: 42]، وتكونَ جملة: {ونزعنا} مُعترضة بين جملة: {أية : أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}تفسير : [الأعراف: 42]، وجملة: {وقالوا الحمد لله} إلخ، اعترضاً بُيِّنَ به حال نفوسهم في المعاملة في الجنّة، ليقابِل الاعتراض الذي أُدمِج في أثناءِ وصف عذاب أهل النّار، والمبيّن به حال نفوسهم في المعاملة بقوله: {أية : كلما دخلت أمة لعنت أختها}تفسير : [الأعراف: 38]. والتّعبير عن المستقبل بلفظ الماضي للتّنبيه على تحقّق وقوعه، أي: وننزع ما في صدورهم من غِل، وهو تعبير معروف في القرآن كقوله تعالى: {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل: 1]. والنّزْع حقيقته قلع الشّيء من موضعه وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وتنزع الملك ممن تشاء} تفسير : في آل عمران (26)، ونَزْع الغِل من قلوب أهل الجنّة: هو إزالة ما كان في قلوبهم في الدّنيا من الغِلّ عند تلقي ما يسوء من الغَيْر، بحيث طَهّر الله نفوسهم في حياتها الثّانية عن الانفعال بالخواطر الشرّية التي منها الغِلّ، فزال ما كان في قلوبهم من غِلّ بعضهم من بعض في الدّنيا، أي أزال ما كان حاصلاً من غلّ وأزال طباع الغلّ التي في النّفوس البشريّة بحيث لا يخطر في نفوسهم. والغِلّ: الحقد والإحْنَة والضِغْن، التي تحصل في النّفس عند إدراك ما يسوؤها من عمل غيرها، وليس الحسد من الغِلّ بل هو إحساس باطني آخر. وجملة: {تجري من تحتهم الأنهار} في موضع الحال، أي هم في أمكنة عالية تشرف على أنهار الجنّة. وجملة: {وقالوا الحمد لله} معطوفة على جملة: {أية : أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} تفسير : [الأعراف: 42]. والتّعبير بالماضي مراد به المستقبل أيضاً كما في قوله: {ونزعنا} وهذا القول يحتمل أن يكونوا يقولونه في خاصتهم ونفوسهم، على معنى التّقرب إلى الله بحمده، ويحتمل أن يكونوا يقولونه بينهم في مجامعهم. والإشارة في قولهم: {لهذا} إلى جميع ما هو حاضر من النّعيم في وقت ذلك الحمد، والهداية له هي الإرشاد إلى أسبابه، وهي الإيمان والعمل الصّالح، كما دلّ عليه قوله: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات} تفسير : [الأعراف: 42]، وقال تعالى: {أية : يهديهم ربهم بإيمانهم} تفسير : [يونس: 9] الآية، وجعل الهداية لنفس النّعيم لأنّ الدّلالة على ما يوصل إلى الشّيء إنّما هي هداية لأجل ذلك الشّيء، وتقدّم الكلام على فعل الهداية وتعديته في سورة الفاتحة (6). والمراد بهَدْي الله تعالى إياهم إرساله محمّداً صلى الله عليه وسلم إليهم فأيقظهم من غفلتهم فاتَّبعوه، ولم يعاندوا، ولم يستكبروا، ودلّ عليه قولهم: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} مع ما يسّر الله لهم من قبولهم الدّعوة وامتثالهم الأمر، فإنّه من تمام المنّة المحمود عليها، وهذا التّيسير هو الذي حُرّمه المكذّبون المستكبرون لأجل ابتدائهم بالتّكذيب والاستكبار، دون النّر والاعتبار. وجملة {وما كنا لنهتدي} في موضع الحال من الضّمير المنصوب، أي هدانا في هذه الحال حال بعدنا عن الاهتداء، وذلك ممّا يؤذن بكبر منّة الله تعالى عليهم، وبتعظيم حمدهم وتجزيله، ولذلك جاءوا بجملة الحمد مشتملة على أقصى ما تشتمل عليه من الخصائص التي تقدّم بيانها في سورة الفاتحة (6). ودلّ قوله: {وما كنا لنهتدي} على بعد حالهم السّالفة عن الاهتداء، كما أفاده نفي الكَون مع لام الجحود، حسبما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة} تفسير : الآية في سورة آل عمران (79)، فإنّهم كانوا منغمسين في ضلالات قديمة قد رسخت في أنفسهم، فأمّا قادتهم فقد زيّنها الشّيطان لهم حتى اعتقدوها وسنّوها لمن بعدهم، وأمّا دَهْمَاؤُهم وأخلافهم فقد رأوا قدوتهم على تلك الضّلالات. وتأصّلت فيهم، فما كان من السّهل اهتداؤُهم، لولا أنْ هداهم الله ببعثة الرّسل وسياستهم في دعوتهم، وأن قذف في قلوبهم قبول الدّعوة. ولذلك عقبوا تحميدهم وثناءهم على الله بقولهم: {لقد جاءت رسل ربنا بالحقّ} فتلك جملة مستأنفة، استئنافاً ابتدائياً، لصدورها عن ابتهاج نفوسهم واغتباطهم بما جاءتهم به الرّسل، فجعلوا يتذكّرون أسباب هدايتهم ويعتبرون بذلك ويغتبطون. تلذذاً بالتّكلّم به، لأن تذكّر الأمر المحبوب والحديثَ عنه ممّا تلذّ به النّفوس، مع قصد الثّناء على الرّسل. وتأكيد الفعل بلام القسم وبقَدْ، مع أنهم غير منكرين لمجيء الرسل: إما لأنّه كناية عن الإعجاب بمطابقة ما وعدهم به الرّسل من النّعيم لما وجدوه مثل قوله تعالى: {أية : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} تفسير : [الزخرف: 71] وقول النّبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»تفسير : . وإمّا لأنّهم أرادوا بقولهم هذا الثّناء على الرّسل والشّهادة بصدقهم جمعاً مع الثّناء على الله، فأتَوا بالخبر في صورة الشّهادة المؤكّدة التي لا تردّد فيها. وقرأ ابن عامر: {ما كنّا لنهتدي} ــــ بدون واو قبل (ما) ــــ وكذلك كتبت في المصحف الإمام الموجّه إلى الشّام، وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة مفصولة عن التي قبلها، على اعتبار كونها كالتّعليل للحمد، والتّنويه بأنّه حمد عظيم على نعمة عظيمة، كما تقدّم بيانه. وجملة: {ونودوا} معطوفة على جملة: {وقالوا} فتكون حالاً أيضاً، لأنّ هذا النّداء جواب لثنائهم، يدلّ على قبول ما أثْنَوا به، وعلى رضى الله عنهم، والنّداء من قبل الله، ولذلك بُني فعله إلى المجهول لظهور المقصود. والنّداء إعلان الخطاب، وهو أصل حقيقته في اللّغة، ويطلق النّداء غالباً على دعاء أحد ليقبل بذاته أو بفهمه لسماع كلام، ولو لم يكن برفع صوت: {أية : إذ نادى ربَّه نداء خفياً}تفسير : [مريم: 3] ولهذا المعنى حروف خاصة تدلّ عليه في العربيّه، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : وناداهما ربهما} تفسير : في هذه السّورة (22). و(أنْ) تفسير لـ {نودوا}، لأنّ النّداء فيه معنى القول. والإشارة إلى الجنّة بــــ {تلكم}، الذي حقّه أن يستعمل في المشار إليه البعيد، مع أنّ الجنّة حاضرة بين يديهم، لقصد رفعة شأنها وتعظيم المنّة بها. والإرث حقيقته مصير مال الميت إلى أقرب النّاس إليه، ويقال: أورثَ الميّت أقرباءه ماله، بمعنى جعلهم يرثونه عنه، لأنّه لما لم يصرفه عنهم بالوصيّة لغيره فقد تركه لهم، ويطلق مجازاً على مصير شيء إلى حد بدون عوض ولا غصب تشبيهاً بإرث الميّت، فمعنى قوله: {أورثتموها} أعطيتموها عطيّة هنيئة لا تعب فيها ولا منازعة. والباء في قوله: {بما كنتم تعملون} سببيّة أي بسبب أعمالكم، وهي الإيمان والعمل الصّالح، وهذا الكلام ثناء عليهم بأنّ الله شكر لهم أعمالهم، فأعطاهم هذا النّعيم الخالد لأجل أعمالهم، وأنّهم لما عملوا ما عملوه من العمل ما كانوا ينوون بعملهم إلا السّلامة من غضب ربّهم وتطلبَ مرضاته شكراً له على نعمائه، وما كانوا يمُتون بأن توصلهم أعمالهم إلى ما نالوه، وذلك لا ينافي الطّمع في ثوابه والنّجاة من عقابه، وقد دلّ على ذلك الجمعُ بين {أورثتموها} وبين باء السّببيّة. فالإيراث دلّ على أنّها عطيّة بدون قصد تعاوُضٍ ولا تعاقُد، وأنّها فضلٌ محض من الله تعالى، لأنّ إيمان العبد بربّه وطاعته إياه لا يوجب عقلاً ولا عدْلاً إلاّ نجاتَه من العقاب الذي من شأنه أن يترتّب على الكفران والعصيان، وإلاّ حُصولَ رضى ربّه عنه، ولا يوجب جزاء ولا عطاء، لأنّ شكر المنعم واجب، فهذا الجزاء وعظمته مجرّد فضل من الرّب على عبده شكراً لإيمانه به وطاعته، ولكن لما كان سبب هذا الشّكر عند الرّب الشّاكر هو عمل عبده بما أمره به، وقد تفضّل الله به فوعد به من قبللِ حصوله. فمن العجب قول المعتزلة بوجوب الثّواب عقلاً، ولعلّهم أوقعهم فيه اشتباه حصول الثّواب بالسّلامة من العقاب، مع أنّ الواسطة بين الحالين بيّنة لأولي الألباب. وهذا أحسن ممّا يطيل به أصحابنا معهم في الجواب. وباء السّببيّة اقتضت الذي أعطاهم منازل الجنّة أراد به شكر أعمالهم وثوابها من غير قصد تعاوض ولا تقابل فجعلها كالشيء الذي استحقّه العامل عوضاً عن عمله فاستعار لها باء السّببيّة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه جل وعلا، ينزع ما في صدور أهل الجنة من الحقد، والحسد الذي كان في الدنيا، وأنهم تجري من تحتهم الأنهار في الجنة، وذكر في موضع آخر أن نزع الغل من صدورهم يقع في حال كونهم إخواناً على سرر متقابلين آمنين من النصب، والخروج من الجنة. وهو قوله تعالى في "الحجر": {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}تفسير : [الحجر: 47-48].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْهَارُ} {هَدَانَا} (43) - وَيَنْزِعُ اللهُ مَا فِي صُدُورِ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْ حِقْدٍ وَضَغِينَةٍ وَحَسَدٍ، فَيُصْبِحُونَ مُتَحَابِّينَ، وَتَجْرِي الأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ فِي أَرْضِ الجَنَّةِ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَيَقُولُونَ: الحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانَا إِلَى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وَلَوْلاَ هُدَى اللهِ لَمَا كُنَّا اهْتَدَينا إِليهِ، لَقَدْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ رُسُلُ اللهِ هُوَ الحَقَّ. وَيُنَادَوْنَ (يُنَادِيهِم اللهُ تَعَالَى أَوْ تُنَادِيهِم المَلاَئِكَةُ الكِرَامُ): إِنَّ هذِهِ الجَنَّةَ التِي أَنْتُمْ تَحُلُّونَهَا قَدْ أَوْرَثَكُمُ اللهُ إِيَّاهَا ثَوَاباً لَكُمْ وَجَزَاءً عَلَى إِيمَانِكُمْ وَأَعْمَالِكُمُ الصَّالِحَةِ. الغِلٌّ - الحِقْدُ وَالضَّغِينَةُ وَالعَدَاوَةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله الحق: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} ينطبق- أيضا- على أهل الاجتهاد الذين اجتهد كل منهم في الدنيا، واختلفوا، هؤلاء يبعثون يوم القيامة وليس في صدر أحدهم غل ولا حقد. لذلك تجد سيدنا الإِمام عليًّا -كرم الله وجهه- حين يقرأ هذه الآية يقول: "اللهم اجعلني أنا وعثمان وطلحة والزبير من هؤلاء". لأن هؤلاء هم الذين وقع بينهم الخلاف في مسألة الخلافة، وكل منهم صحابي ومبشر بالجنة، فإن كانت النفوس قد دخلت فيها أغيار، فإياكم أن تظنوا أن هذه الأغيار سوف تصحبكم في دار الجزاء في الآخرة؛ لأن الله يقول: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. إن الخلاف كان خلافاً اجتهادياً بين المؤمنين وهم قد عملوا الصالحات وكل منهم أراد الحسن من الأعمال، ونشأ عن ذلك في أغيار الدنيا شيء من عمل القلب، فأوضح سبحانه: إياكم أن تفهموا أن ذلك سوف يستمر معهم في الآخرة؛ لأنهم جميعاً حينما اختلفوا كانوا يعيشون باجتهادات الله، وفي الآخرة لا اجتهاد لأحد. ويريد الحق أن يجعل هذا الأمر قضية كونية، ومثال ذلك تجد رجلاً قد تزوج امرأة بمقاييس غير مقاييس الله في الزواج؛ تزوجها لأنها جميلة مثلاً، أو لأن والدها له جاه أو غني، وبعد الزواج لم يعطه والدها الغني شيئاً من ماله فيقول: غشني وزوجني ابنته، أو كانت جميلة، ثم لقى فيها خصال قبيحة كثيرة فكرهها، ونقول لمثل هذا الرجل: مادمت لم تأخذها بمقاييس الله فعليك أن تنال جزاء الاختيار. ولكن من تزوج امرأة على دين الله، ووجد منها قبحاً، فلن يصحبه هذا القبح في الآخرة، ولذلك نجد الحق قد جاء بهذه القضية بالذات، ولم يأت بها في الأبناء أو في البنات، بل في الزوج والزوجة لأنهما عماد الأسرة. فبيّن للرجل: إياك أن تتخيل أن المرأة التي أغاظتك أو أتعبتك أو كدرت عليك بخصلة سيئة فيها، إياك أن تظن أن هذه الخصلة السيئة ستصاحبها في الآخرة، ولذلك قال سبحانه: {أية : وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ...} تفسير : [آل عمران: 15] وأزواج مطهرة من الأشياء التي كنت تغضب منها وستكون مطهرة بتطهير الله لها. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ...} [الأعراف: 43] ونجد الحق يقول مرة: {تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} ومرة يقول: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ}، ونجد "مِن" فارقاً بين القولين. إننا نرى من يستقر في قصر ونجد الماء منساباً حوله وتحته يسر العيون، وماء الآخرة هو ماء غير آسن، وليس فيه أكدار الدنيا، وكما أننا نسر بالماء في الدنيا سنسر به أضعاف ذلك في الآخرة. وقد تجري المياه تحت القصر ولكن نبعها من مكان بعيد فيخاف صاحب القصر أن يقطعها آخر عنه، ويطمئن الحق عباده الصالحين: ستجري من تحت جنانكم الأنهار وكل المياه ستكون ذاتيتها من موقع كل مكون أنت فيه ولن يتحكم فيك أحد، ولن يسد أحد عنك منبع المياه وسترى أنهار الآخرة بلا شطآن؛ لأن كل شيء ممسوك لا بالأسباب كما في الدنيا، ولكن بـ "كن" التي هي لله. ولذلك يقول العباد في جنة الآخرة: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ...} [الأعراف: 43] إنهم يقولون الحمد لله لأنه جل وعلا قد جمعهم ودلهم وأرشدهم إلى الثواب والنعيم دون منغصات، والحمد لله هي عبادة يقولها المؤمنون في الآخرة؛ لأنهم أدوا حق الله في تكاليفه في الدنيا ويعطيهم الله فوق ما يتوقعون في الآخرة. ونعيم الآخرة لا قيد عليه، ولن يستطيع بشر مهما ارتقى بالابتكار أن يصل إلى ما في الجنة؛ لأن الشيء يتحقق لك من فور أن يخطر ببالك. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ}. وهذا الحمد لله كان في الدنيا عبادة تكليف، أمّا في الآخرة فهو "عبادة غبطة وسرور وتلذذ. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ}. يقولها المؤمن؛ لأن الله لو لم ينزل منهجاً سماوياً يحدد له حركة حياته استقامة وينذره ويخوفه من المعاصي لما وصل إلى الجنة. والهداية- كما قلنا- هي الدلالة على الطريق الموصل للغاية، إذن لابد أن تعرف الغاية أولاً ثم تضع الطريق الموصل لها، بحيث لا يكون معوجاً ولا يعترضك فيه ما يطيل عليك المسافة، وقوله الحق: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} يمنع أن يضع البشر للبشر قوانين تهديهم إلى الغاية؛ لأن البشر أنفسهم لا يعرفون الغاية؛ لذلك يوضحها لهم خالقهم بمنهجه المنزل على رسوله. ومادامت الهداية من الله فسبحانه لن يخاطب كل إنسان مباشرة، لكنه سبحانه ينزل الرسل يتلون علينا آيات الله ويوضحون لنا المنهج؛ لذلك يأتي الحق في الآية نفسها يقوله الحكيم: {...لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] أنت في الحياة الدنيا حين تجد من يقول لك: إن أردت أن ترتاح فأنا أنصحك أن تمشي إلى المكان الفلاني واذهب إليه عن الطريق الفلاني، وستجدك سعيداً مرتاح البال، ثم صدقته ونفذت ما قال، ووجدت الرجل صادقاً. ألا تشعر بالسعادة؟. وإذا كان الحق قد أرسل الرسل بالبينات والآيات والمنهج الصحيح، وسار عليه المؤمنون ثم وجدوا الجنة والنعيم؛ لذلك كان لابد أن يشكروا الله وأن يقولوا: {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}, لأن الرسل لم يكذبوهم بل جاءوا بالخير لهم. {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. وكأن الحق يوضح لنا ونحن في دار التكليف أن نستقبل المنهج على هذا الأساس، وعلى كل واحد أن يحدد مكانه من الجنة؛ بقربه من منهج الله أو بعده عنه؛ لأن دخول الجنة هو جزاء العمل طبقاً لمنهج الحق. ووقف العلماء هنا- جزاهم الله خيراً- وقالوا: كيف نوفق بين هذه الآية: {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لأعراف: 43] وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يُدخل أحداً عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة . تفسير : وأقول: ليس هناك تناقض بين قول الله سبحانه وتعالى وقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي بلغ عن الله سبحانه، بل بينهما تأييد؛ فالحق ساعة ما شرع أوضح أن من يعمل العمل الصالح سيدخل الجنة، وهذا التشريع لم يجبر أحد الله عليه، بل هو الذي يعطيه لنا فضلا منه؛ فليس لأحد حق على الله؛ لأنه لا يوجد عمل يعود بفائدة على الله، واتباع المنهج إنما يعود على العبد بالمنفعة والخير، فإن دخلت الجنة فهذا أيضاً بالفضل من الله. وينبهنا القرآن إلى الجمع بين هذه الآيات وأنه لا تعارض بين نص حديثي ونص قرآني. يقول: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58] فجزاء كل عمل عائد على الإنسان لأنه يأخذ مكافأته على فعله، فإن كانت المكأفاة أكبر من جزاء الفعل فهي من الفضل؛ لأن الحق هو القائل: {أية : ...كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} تفسير : [الطور: 21] وسبحانه أيضاً هو القائل: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39] إن فهمت اللغة وكنت صاحب ملكة ناضجة نقول: هذه "اللام" للملك. وتفيد أنه لاحق لك على الله إلا بسعيك على وفق منهج الله، وأن هذه الآية قد حددت العدل ولم تحدد الفضل. {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ...} تفسير : [يونس: 58] والمثال على ذلك أننا كمسلمين نصلى على الميت المسلم، وقد أمرنا التشريع بذلك، وأن ندعو الله أن يتجاوز عن سيئاته. فهل تضيف هذه الصلاة إلى الميت شيئا زائداً عن عمله؟ لو لم تكن صلاة تضيف شيئاً لما أمر التشريع بها. فهي صلاة على ميت مسلم، وأسلامه من عمله، ونجد الحق يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ...} تفسير : [الطور: 21] أي أن الآباء والأبناء يشتركون معاً في الإيمان وفي العمل، قوله تعالى: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...} تفسير : [الطور: 21] هذا الإلحاق يفيد أن منزلة الذرية كانت أقل من منزلة الآباء، لكن الحق يرفع من منزلتهم إكراماً للآباء. وهذا الإلحاق جزاء للذرية، وقد يكون أيضاً جزاء للآباء؛ فيحضر لهم أولادهم معهم مادام الكل قد اشتركوا في الإيمان، وكان الآباء يتحرون الحلال في إطعام الأبناء ولا يربونهم إلا على منهج الله. وقد يرى الأب أبناء جار له يلبسون الملابس الفاخرة ويأكلون الأكل الطيب، ويتحمل الأبناء ويعيشون عيش الكفاف مع هذا الأب الملتزم بالعمل الصالح والأجر الحلال، وينال الأبناء الجنة مع الأب لأنهم تحملوا معه مشاق الالتزام بالحلال. وهكذا نجد كل إنسان مؤمن قد أخذ نتيجة عمله وزيادة. {...وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لأعراف: 43] و{أُورِثْتُمُوهَا} من "الإرث" وتدل على أن هناك شيئاً آل إلى الغير. ونعلم أن الله، علم أزلا كيف سيسلك كل مخلوق وما سيفعله من كفر وإيمان وطاعة ومعصية، وعلى رغم ذلك أعد سبحانه لكل واحد من خلقه مكانه في الجنة على أنه مؤمن، وأعد لكل واحد من خلقه مكاناً في النار على أساس أنه سيكفر. إذن فقد أعدَّ سبحانه جناناً بعدد خلقه، وأعدَّ أماكن في الجحيم بعددهم، فليست هناك أزمة أماكن عند إله قادر مقتدر. فإن آمنا كلنا فلن يضيق بنا واسع الجنة، و- والعياذ بالله - إن كفر الخلق جميعاً فلن تضيق بهم النار. فإذا كانوا جماعة من خلق سيدخلون الجنة بالعمل، فأين تذهب أماكن أهل النار؟ إن الحق بفضل منه يمنحها المؤمنين. إذن فقد ورثوا الذين لم يستحقوا الجنة بسبب الكفر. وبعد الكلام في الجنة والجزاء وفي حمد التلذذ والسرور والغبطة وفي عهد الجنة، بعد ذلك كان من المناسب أن يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن موقف أهل الجنة من أهل النار؛ فيقول سبحانه: {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ...}
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [43] 204- أنا محمد بن إدريس، نا عبيد بن يعيش، نا يحيى بن آدم، عن حمزة بن حبيب، عن أبي إسحاق، عن الأَغرِّ، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ} قال: "حديث : نودوا أن صِحُّوا فلا تَسْقموا، وانعَمُوا فلا تَبْؤُسواـ وشِبُّوا فلا تَهْرَموا ".
همام الصنعاني
تفسير : 901- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}: [الآية: 43]، قال: قال علي بن أبي طالب: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منَ الذينَ قال اللهُ تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، الآية. 902- حدثنا عبد الرزاق، عن أبن عُيَيْنَةَ، عن إسرائيل أبي موسى، قال: سمعت الحسن يقول: قال عليٌّ: فِينَا وَاللهِ أَهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}: [الآية: 43].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):