٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى: {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب. وقال قوم: موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد محذوف، كأنه قيل: لا نكلف نفساً منهم إلا وسعها، وإنما حذف العائد للعلم به. المسألة الثانية: معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة، والدليل عليه: أن معاذ بن جبل قال في هذه الآية إلا يسرها لا عسرها. وأما أقصى الطاقة يسمى جهداً لا وسعاً، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود. المسألة الثالثة: قال الجبائي: هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن الله تعالى كذبهم في ذلك، وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال، لأنه لو كان خالق أعمال العباد هو الله تعالى، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، لأنه تعالى أن كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه، فذلك تكليفه بما لا يطاق، لأنه أمر بتحصيل الحاصل، وذلك غير مقدور، وإن كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضاً تكليف ما لا يطاق، لأن على هذا التقدير: لا قدرة للعبد على تكوين ذلك الفعل وتحصيله، قالوا: وأيضاً إذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل، والكافر لا قدرة له على الإيمان مع أنه مأمور به فكان هذا تكليف ما لا يطاق، ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق، ثبت فساد هذين الأصلين. والجواب: أنا نقول وهذا الإشكال أيضاً وارد عليكم، لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل، حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل، لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل، وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال، والثاني باطل، لأن حال حصول الرجحان كان الحصول واجباً، فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمراً بتحصيل الحاصل، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمراً بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحاً، فيكون أمراً بالجمع بين النقيضين وهو محال، فكل ما تجعلونه جواباً عن هذا السؤال، فهو جوابنا عن كلامكم والله أعلم. وأما قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه، والغل العقد. قال أهل اللغة: وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب، أي يدخل، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: انغل في الشيء، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة، كالحب يدخل في صميم الفؤاد. إذا عرفت هذا فنقول: لهذه الآية تأويلان: القول الأول: أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا، ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ }. والقول الثاني:إن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة. قال صاحب «الكشاف»: هذا التأويل أولى من الوجه الأول، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض، ولعن بعضهم بعضاً، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضاً مفارقة لحال أهل النار. فإن قالوا: كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة، والدرجات العالية، ويرى نفسه محروماً عنها عاجزاً عن تحصيلها، ثم إنه لا يميل طبعه إليها، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها، فإن عقل ذلك، فلم لا يعقل أيضاً أن يعيدهم الله تعالى، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل، والشرب والوقاع، ويغنيهم عنها؟ قلنا: الكل ممكن، والله تعالى قادر عليه، إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس، فظهر الفرق بين البابين. ثم إنه تعالى قال: {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } والمعنى: أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم باللَّذات العظيمة، وقوله: {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } من رحمة الله وفضله وإحسانه، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية. ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } وقال أصحابنا: معنى {هَدَانَا ٱللَّهُ } أنه أعطى القدرة، وضم إليها الداعية الجازمة، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجباً لحصول تلك الفضيلة فإنه لو أعطى القدرة، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضاً لسائر الدواعي الصارفة، لم يحصل الفعل أيضاً. أما لما خلق القدرة، وخلق الداعية الجازمة، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجباً للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير الله تعالى، وتخليقه وتكوينه. وقالت المعتزلة: التحميد إنما وقع على أنه تعالى أعطى العقل ووضع الدلائل، وأزال الموانع، وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال. ثم قال تعالى: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر «ما كنا» بغير واو وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، والباقون بالواو، والوجه في قراءة ابن عامر أن قوله: {مَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } جار مجرى التفسير لقوله: {هَدَانَا لِهَـٰذَا } فلما كان أحدهما عين الآخر، وجب حذف الحرف العاطف. المسألة الثانية: قوله: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } دليل على أن المهتدي من هداه الله، وإن لم يهده الله لم يهتد، بل نقول: مذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام، والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد، فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر، والمحق والمبطل بسعي نفسه، واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه، لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنان، وخلصها من دركات النيران، فلما لم يحمد نفسه البتة، وإنما حمد الله فقط. علمنا أن الهادي ليس إلا الله سبحانه. ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ } وهذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عياناً، وقالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق. ثم قال تعالى: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذلك النداء إما أن يكون من الله تعالى، أو أن يكون من الملائكة، والأولى أن يكون المنادي هو الله سبحانه. المسألة الثانية: ذكر الزجاج في كلمة «أن» ههنا وجهين: الأول: أنها مخففة من الثقيلة، والتقدير: أنه والضمير للشأن، والمعنى: نودوا بأنه تلكم الجنة أي نودوا بهذا القول. والثاني: قال: وهو الأجود عندي أن تكون «أن» في معنى تفسير النداء، والمعنى: ونودوا. أي تلكم الجنة، والمعنى: قيل لهم تلكم الجنة كقوله: {أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ } تفسير : [صۤ: 6] يعني أي امشوا. قال: إنما قال: «تلكم» لأنهم وعدوا بها في الدنيا. فكأنه قيل: لهم هذه تلكم التي وعدتم بها وقوله: {أُورِثْتُمُوهَا } فيه قولان: القول الأول: وهو قول أهل المعاني أن معناه: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله، والإرث قد يستعمل في اللغة، ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال: هذا العمل يورثك الشرف، ويورثك العار أي يصيرك إليه، ومنهم من يقول: إنهم أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث. والقول الثاني: أن أهل الجنة يورثون منازل أهل النار. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم» تفسير : وقوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: تعلق من قال العمل يوجب هذا الجزاء بهذه الآية فإن الباء في قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تدل على العلية، وذلك يدل على أن العمل يوجب هذا الجزاء، وجوابنا: أنه علة للجزاء لكن بسبب أن الشرع جعله علة له، لا لأجل أنه لذاته موجب لذلك الجزاء، والدليل عليه أن نعم الله على العبد لا نهاية لها، فإذا أتى العبد بشيء من الطاعات وقعت هذه الطاعات في مقابلة تلك النعم السالفة فيمتنع أن تصير موجبة للثواب المتأخر. المسألة الثانية: طعن بعضهم فقال: هذه الآية تدل على أن العبد إنما يدخل الجنة بعمله، وقوله عليه السلام: «حديث : لن يدخل أحد الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى» تفسير : وبينهما تناقض، وجواب ما ذكرنا: أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته، وإنما يوجه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة عليه ومعرفة له، وأيضاً لما كان الموفى للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله تعالى. المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } خطاب عام في حق جميع المؤمنين، وذلك يدل على أن كل من دخل الجنة فإنما يدخلها بعمله، وإذا كان الأمر كذلك امتنع قول من يقول: إن الفساق يدخلون الجنة تفضلاً من الله تعالى. إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها. والثاني: باطل بالإجماع، والأول: لا يخلو إما أن يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق، والأول باطل، لأنا بينا أن هذه الآية تدل على أن أحداً لا يدخل الجنة بالتفضل، والثاني: أيضاً باطل لأنه لما دخل النار وجب أن يقال: إنه كان مستحقاً للعقاب فلو أدخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقاً للثواب، وحينئذ يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لأن الثواب منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب المنفعة والجمع بينهما محال. وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول استحقاقهما محالاً. والجواب: هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان. وقد بالغنا في إبطال هذا الكلام في سورة البقرة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} كلام معترض. أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ومعنىٰ {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي أنه لم يكلف أحداً من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه، دون ما لا تناله يده، ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل الفعل؛ قاله ابن الطيب. نظيره {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا}تفسير : [الطلاق: 7].
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } على عادته سبحانه وتعالى في أن يشفع الوعيد بالوعد، ولا نكلف نفساً إلا وسعها اعتراض بين المبتدأ وخبره للترغيب في اكتساب النعيم المقيم بما تسعه طاقتهم ويسهل عليهم. وقرىء لا تكلف نفس.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى حال الأشقياء، عطف بذكر حال السعداء، فقال: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي: آمنت قلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله واستكبروا عنها، وينبه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل؛ لأنه تعالى قال: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} أي: من حسد وبغض؛ كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا» تفسير : وقال السدي في قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ} الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة، وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبداً، وقد روى أبو إسحاق عن عاصم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحواً من هذا كما سيأتي في قوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان. وقال قتادة: قال علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} رواه ابن جرير: وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. وروى النسائي وابن مردويه واللفظ له من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكراً، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن الله هداني، فيكون له حسرة» تفسير : ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة، نودوا: أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة، فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا؛ لما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة» تفسير : قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «حديث : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَـٰتِ } مبتدأ، وقوله {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره، وهو {أُوْلـَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم منْ غِلٍّ...} فيه أربعة أوجه: أحدها: الأهواء والبدع، قاله سهل بن عبد الله. والثاني: التباغض والتحاسد. والثالث: الحقد. والرابع: نزع من نفوسهم أن يتمنوا ما لغيرهم. وفي نزعه وجهان: أحدهما: أن الله نزع ذلك من صدورهم بلطفه. والثاني: ان ما هداهم إليه من الإيمان هو الذي نزعه من صدورهم. وفي هذا الغل قولان: أحدهما: أنه غل الجاهلية، قاله الحسن. والثاني: أنهم لا يتعادون ولا يتحاقدون بعد الإيمان، وقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: {وَنََزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. وقيل: إنها نزلت في أهل بدر. ويحتمل قوله: {وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذا} وجهين: أحدهما: هدانا لنزع من صدورنا. والثاني: هدانا لثبوت الإيمان في قلوبنا حتى نزع الغل من صدورنا. وفيه وجه ثالث: قال جويبر: هدانا لمجاوزة الصراط ودخول الجنة.
ابن عادل
تفسير : لمَّا ذكر الوعيد أتْبَعَهُ بذكر الوعد، فقوله: "والَّذينَ آمَنُوا" مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما: أنه الجملة من قوله: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً}، وعلى هذا فلا بدّ من عائد وهو مقدَّرٌ، وتقديرُهُ، نفساً منهم. والثاني: هو الجملة من قوله: "أولَئِكَ أصْحَابُ"، وتكون هذه الجملة المنفيَّة معترضة بينهما، وهذا الوجه أعرب، وإنَّمَا حسن وقوع هذا الاعتراض بين المبتدأ والخبر؛ لأنَّهُ من جنس هذا الكلام؛ لأنَّهُ لمَّا ذكر عملهم الصالح ذكر أنَّ ذلك العمل في وسعهم، وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تَنْبِيهٌ للكفار على أنَّ الجنَّة مع عظم محلِّها يوصل إليها بالعَمَل السَّهْلِ من غير تحمل الصعب. فصل في معنى قوله: "وسعها" الوسعُ: ما يقدر الإنسان عليه في حال السِّعة والسُّهولة لا في حال الضّيق والشِّدَّة، ويدلُّ عليه قول معاذِ بْنِ جبلٍ في هذه الآية: إلا يسرها لا عسرها. وأمَّا أقصى الطَّاقة فلا يسمَّى وسعاً، وغلط من قال: إن الوسع بذلك المجهود.
القشيري
تفسير : رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة العمل فيسَّرنا عليهم الطاعاتِ بحسن التوفيق، وخَفَّفْنَا عنهم العباداتِ بتقليل التكليف.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين آمنوا} بالآيات {وعملوا الصالحات} اى الاعمال الصالحات التى شرعت بالآيات وهى ما اريد به وجه الله تعالى {لا نكلف نفسا الا وسعها} اى طاقتها وقدرتها هو اعتراض بين المبتدأ والخبر للدلالة على ان استحقاق الخلود فى النعيم المقيم بسبب اتصافهم بالايمان والعمل الصالح على حسب ما تسعه طاقتهم وان لم يبذلوا مجهودهم فيه {اولئك اصحاب الجنة} [ملازمان بهشت اند] {هم فيها خالدون} حال من اصحاب الجنة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة {لا نُكلف}: معترضة بين المبتدأ والخبر؛ للترغيب في اكتساب النعيم المقيم، بما تسعه طاقتهم، ويسهل عليهم، و {ما كنا لنهتدي}: اللام لتأكيد النفي، وجواب "لولا": محذوف، أي: لولا هدايته إيانا ما اهتدينا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين آمنوا} بالرسل، {وعملوا} الأعمال {الصالحات} على قدر طاقتهم، {لا نكلِّف نفسًا إلا وُسعَها} أي: ما تسعه طاقتها، فمن فعل ذلك فـ {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ} أي: نُخرج مِن قلوبهم كل غل وعدواة، ونطهرها منه، حتى لا يكون بينهم إلا التودد، فيصيرون أحبابًا وإخوانًا، وإما عبّر بالماضي؛ لتحقق وقوعه، كأنه وقع ومضى، وكذلك ما يجيء بعدها، ثم وصف الجنة فقال: {تجري من تحتهم} أي: من تحت قصورهم، {الأنهارُ}؛ من عسل وخمر وماء ولبن؛ زيادة في لذتهم وسرورهم، فالقصور مرتفعة في الهواء، والأنهار تجري تحتها. {وقالوا} حينئذٍ: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} أي: لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان في الدنيا والعمل الصالح، {وما كنا لنهتدي} بأنفسنا {لولا أن هدانا الله} بتوفيقه وإرادته، {لقد جاءت رُسلُ ربنا بالحق} فاهتدينا بإرشادهم، يقولون ذلك اغتباطًا وتبجحًا بأن ما عملوه في الدنيا يقينًا، صار لهم عين اليقين في الآخرة، {ونُودوا} أي: نادتهم الملائكة، أو الحق تعالى: {أن تلكُم الجنةُ} أي: هذه الجنة {أُورِثتُموها} أي: أُعطِيتموها {بما كنتم تعملون} أي: بسبب أعمالكم، وهذا باعتبار الشريعة، وأما باعتبار الحقيقة فكل شيء منه وإليه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَن يُدخِلَ الجنَّةَ أحدَكم عَمُلهُ، قالوا: ولا أنت، قال: ولا أنا، إلاَّ أن يَتَغَمَّدَنِيَ الله برحمَتِه " تفسير : . فالشريعة تنسب العمل للعبد، والحقيقة تعزله عنه، وقد آذنت بها الآية قبله بقوله: {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}، فقد نطقوا بما تحققوا به يوم القيامة. وقال القشيري: إنما قال: {أورثتموها بما كنتم تعملون}؛ تسكينًا لقلوبهم، وتطييبًا لهم، وَإلاَّ، فإذا رأوا تلك الدرجات، علموا أن أعمالهم المشوبة لم تبلغ تلك الدرجات. هـ. وعن ابن مسعود أنه قال: (يجوزون الصراط بعفو الله، ويدخلون الجنة برحمة الله، ويقتسمون المنازل بأعمالهم). هـ. الإشارة: والذين آمنوا بطريق الخصوص، وعملوا الأعمال التي تناسبها، من خرق العوائد واكتساب الفوائد، والتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل على حسب الطاقة؛ أولئك أصحاب جنة المعارف، هم فيها خالدون في الدنيا والآخرة، قد نزع الله من قلوبهم المساوىء والأكدار، وطَهَّرها من جملة الأغيار، حتى صاروا إخوانًا متحابين؛ لا لَغوَ بينهم ولا تأثيم، تجري من تحت أفكارهم أنهار العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، فإذا تمكنوا من هذه الحضرة (قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)، تحققوا أنهم محمولون بسابق العناية، محفوفون بعين الرعاية، فتحققوا بما جاءت به الرسل من عند الله، وما نالوه على يد أولياء الله من الذوق والوجدان، وكشف الغطاء عن عين العيان، منحنا الله من ذلك حظًا وافرًا، بمنِّه وكرمه. ثم ذكر تبجح أهل الجنة على أهل النار، فقال: {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ}.
الطوسي
تفسير : لما أخبر الله تعالى بصفة المكذبين المستكبرين عن آياته، وما أعدَّ لهم من أنواع العذاب والخلود في النيران، أخبر بعده بما أعده للمؤمنين، العاملين بالاعمال الصالحات، فقال {والذين آمنوا} يعني الذين صدقوا بآيات الله واعترفوا بها، ولم يستكبروا عنها. ثم أضافوا الى ذلك الأعمال الصالحات، وهو ما أوجبه الله عليهم أو ندبهم اليه. وقوله {لا نكلف نفساً إِلا وسعها} فالتكليف من الله هو إِرادة ما فيه المشقة، وقال قوم: هو اعلام وجوب ما فيه المشقة او ندبه. والارادة شرط. وقال قوم: التكليف هو تحميل ما يشق في الأمر والنهي، ومنه الكلفة، وهي المشقة. وتكلف القول أي تحمل ما فيه المشقة حتى أتى على ما ينافره العقل. أخبر الله تعالى أنه لا يُلزم نفساً إِلا قدر طاقتها وما دونها، لأن الوسع دون الطاقة. وفي ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة: من أن الله تعالى كلف العبد ما لا قدرة له عليه ولا يطيقه. وموضع {لا يكلف نفساً إِلا وسعها} قيل فيه قولان: أحدهما - ان يكون رفعا بأنه الخبر على حذف العائد، كأنه قيل: منهم، ولا من غيرهم، وحذف لأنه معلوم. والآخر - ألا يكون له موضع من الاعراب، لأنه اعتراض، والخبر الجملة في {أولئك} لأن قوله {والذين آمنوا} مبتدأ، وقوله {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} خبر بأن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ملازمون الجنة مخلدون لنعمتها.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} طاقتها وسعتها {ونزعنا} أي أذهبنا {ما في صدروهم من غل} غش وحقد وعداوة، وقيل: هو الحسد {تجري من تحتهم الأنهار} أي من تحت أبنيتهم {وقالوا الحمد لله الذي هدانا} أي وفقنا وأرشدنا {لهذا} يعني لطريق الجنة {لولا أن هدانا الله} أي وفقنا {ونودوا أن تلكم الجنة} يناديهم مناد من جهة الله تعالى أن تلكم أي هذه {أورثتموها} أعطيتموها، وقيل: صارت لكم إرثاً كما يصير المال الميراث لأهله، وقيل: ورثتم منازل الكفار التي حرموها لكفرهم، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لكل مكلف موضع في الجنة فإذا كفر أعطي منزله المؤمن" تفسير : {بما كنتم تعملون} فيقسم بين أهل الجنة منازلهم {قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً} من الثواب {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً} من العقاب {قالوا نعم} وهو سؤال توبيخ وشماتة وتقرير وإلاَّ فالجميع عالمون بذلك {فأذن مؤذن بينهم} أي نادى منادٍ من جهة الله تعالى أسمع الفريقين، قوله تعالى: {أن لعنة الله على الظالمين} يعني وجبت لعنة الله يعني عذابه {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً} يعني يصدون عن دين الله ويطلبونها زيغاً وميلاً {وبينهما حجاب} أي بين الفريقين، قيل: بين أهل الجنة وأهل النار وهو السور المذكور، قوله تعالى: {فضرب بينهم بسور} {وعلى الأعراف رجال} وعلى ذلك الحجاب رجال وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه، استعير من عرف الفرس أو عرف الديك فسمي أعرافاً لارتفاعه، وقيل: لأن أهله يعرفون الناس {رجال يعرفون} أهل الجنة وأهل النار، قيل: هم ملائكة يرون في صور الرجال يعرفون أهل الجنة وأهل النار، وروي عن ابن عباس أن الأعراف موضع عالٍ على الصراط عليه العباس وجعفر وحمزة وعلي (رضي الله عنهم) يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها، وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم {يعرفون كلاًّ بسيماهم} أي يعرفون كل أحد بعلامته قيل: سيماء أهل الجنة ببياض الوجوه وحسن العيون وسيماء أهل النار بسواد الوجوه وزرقة العيون {لم يدخلوها وهم يطمعون} يعني أهل الأعراف، وقيل: أهل الجنة قبل أن يدخلوها وهذا طمع يقين، قوله تعالى: {أهؤلاء الذين أقسمتم} أهؤلاء استفهام والمراد التوبيخ واختلفوا في القائل: أهؤلاء الذين أقسمتم؟ فقيل: هم أصحاب الأعراف يقولون: أهؤلاء يعني أهل الجنة الذين أقسمتم حلفتم يا أهل النار انهم {لا ينالهم الله برحمة}، وروي: أنهم ينادون على السور علي (عليه السلام) وأصحابه يا وليد يا أبا جهل يا فلان يا فلان ثم ينظرون إلى أهل الجنة فيرون الفقراء الذين كانوا يشتمون فقالوا: أهؤلاء الذين أقسمتم في الدنيا، وقيل: هو كلام أهل الجنة، وقيل: كلام الملائكة ثم يقال لأصحاب الجنة: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.
اطفيش
تفسير : {والَّذين آمنُوا وعَملُوا الصَّالحات لا نكلِّف نفْساً إلا وُسْعها} طاقتها التى لا حرج فيها {أية : وما جعل عليكم فى الدين من حرج} تفسير : ما كلفنا إلا بما يسهل، وقيل: الوسع بذل المجهود ورد بأن أكثر أهل الجنة لم يبذلوا مجهوداً، بل امتثلوا الفرائض، وفى طاقتهم أكثر منها، ولم يستعملوها فى غيرها، أو استعملوها فيها وفى نفل قليل، وقد يجاب بأن المراد بذل المجهود فى الطاعة اللازمة للناس فى الجملة، ووسعها منصوب على تقدير الباء، أو مفعول ثان لنكلف مضمنا معنى نلزم، وقرأ الأعمش: لا تكلف نفس، وجملة {لا نكلف نفساً إلا وسعها} أو {لا تكلف نفس إلا وسعها} معترضة بين المبتدأ الذى هو الذين وخبره الذى هو. {أولئِكَ أصْحابُ الجنَّة} للترغيب فى اكتساب ما لا يبلغ غايته، وصف الواصف من النعيم والشرف بما هو يسير فى الطاقة، لا يعجز النفس وللإعلام بأن الدين يسر، ويجوز كون الخبر جملة {لا نكلف نفساً إلا وسعها} أو {لا تكلف نفس إلا وسعها} والرابط محذوف أى نفساً منهم أو نفس منهم. {هُم فيها خَالدُونَ * ونَزَعْنا ما فى صُدُورِهم مِن غلٍّ} فى عامة المؤمنين المذكورين يخرج الله ما كان فى قلوبهم من الحقد والحسد من بعض على بعض، أو من بعض على غيرهم، وذلك أن الإنسان ولو كان مؤمناً لا يخلو من حقد وحسد مطبوعين فيه، لكن المؤمن يزاولهما ويجاهدهما، ولا يعمل بهما، وإن عمل تاب وتخلص إلا من شاء الله فإنه لا يقعان فى قلبه أصلا وهو قليل، أو يخرج من قلوبهم أسباب الغل والماصدق واحد، فإن من أخرج الله من قلبه الحقد والحسد إلى ما لا نهاية له، ومن أخرج منه أسبابهما كذلك، سواء فى بقاء القلب على المودة واللذة والسرور ورؤية نفسه فى كمال أبدا، حتى إنه لا يقع فى قلبه اشتهاء منزلة غيره، وصاحب الغل فى عذاب وهم، ولا عذاب ولا هم فى الجنة. وروى أنهم يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص من بعض لبعض، أى مما لا يمنع من دخول الجنة كمظلمة نسيها، وقد تاب فى الجملة توبة نصوحا، وكمظلمة لم يتوصل إلى خلاصها لعدم ماله، وقد تاب نصوحا حتى إذا هديوا دخلوا الجنة، واحدهم أهدى بمنزلة فيها منه بمنزلة فى الدنيا، وقيل: يشربون من عين فى أصل شجرة فى باب الجنة، فينزع غلهم، ويغسلون من عين أخرى فى أصلها فتجرى عليهم النظرة أبدا، وقيل: نزل: {ونزعنا ما فى صدورهم من غل} الخ فى أهل بدر، أى نزلت بسببهم ولفظها يعم المؤمنين، فإنه لا يبقى غل فى قلب أحد من المؤمنين، وفى الحديث: "حديث : الغل على باب الجنة كمبارِكِ الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين" تفسير : وهذا تمثيل وكناية عن دخولهم الجنة، ولا غل فيهم، وعنه: أنه لا غل فى الجنة، وإلا فالغل عرض لا يقوم بنفسه، أو يخلقه الله جسما يرى كمباركها كما يخلق الموت كبشا أو ككبش فيذبح، واختار بعضهم هذا الوجه. وقوله: {ونزعنا ما فى صدورهم من غل} إلى {بما كنتم تعملون} للصلح بين الناس، والمتباغضين، والاتفاق بين المتقاطعين يكتب بقلم فارغ من المداد يجر على حلوى، فتبقى فيها الحروف بالجر، ويطعم من أريد صلحه واتفاقه، وإن كتب على أوراق بعدد القوم، أو تمر أو تين أو نبق، من فعل ذلك بإذن الله، وتكتب لوجع القلب فى إناء فخار جديد، كما يخرج من تنور بزعفران وماء ورد، ويمحى بماء بئر ويشرب منه. {تَجْرى من تَحْتهُم الأنْهارُ} أى من تحت قصورهم وفرشهم من جانب، فإن ما التصق بالأرض مطلق عليه أنه تجب ما كان منتصبا آخذا فى السماء، وجرى الأنهار من تحتهم زيادة فى لذتهم وسرورهم. {وقالُوا} وهم فى الجنة {الحمْدُ للهِ الَّذى هَدانا لهذَا} أى إلى هذا الثواب العظيم، والأجر الجسيم، بأن وفقنا إلى موجبه وهو الإيمان والعمل الصالح، أو لموجب ذلك {وما كنَّا لنَهْتدِىَ} اللازم لتأكيد النفى وهى لام الجحود، أى لا مطمع فى اهتدائنا إلى ذلك {لوْلا أنْ هَدانا اللهُ} أن مصدرية، والمصدر مبتدأ محذوف الخبر، أى لولا هداية الله إيانا موجودة، والجواب محذوف دل عليه ما قبل لولا، وقرأ ابن عامر: ما كنا لنهتدى بإسقاط الواو، وكذا فى مصاحف أهل الشام، وذلك جملة موضحة لما يفهم مما قبلها من أن المهتدى من هداه الله. {لَقَدْ جاءتْ رُسُل ربِّنا بالحقِّ} فاتبعناهم، قالوا ذلك سرورا أو تنجيما بما نالوا وتلذذا بالتكلم به لا تقربا وتعبدا كما نرى من حصل على ربح عظيم بأقرب كسب، يذكر أسباب الربح، وكيف فعل فربح، ولا يملك نفسه عن ذكر ذلك. {ونُودُوا} يناديهم ملك أو يخلق الله لهم نداء {أنْ} مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، والباء مقدرة أى بأنه، أو مفسرة، وكذا فى المواضع الأربعة بعد هذه، وإنما جاز التفسير لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه وهو النداء والتأذين {تِلْكم الجنَّة} أشير إليها بإشارة البعيد، وهم فيها حاضرة لعلو شأنها، أو لأنهم حين النداء ليسوا فى قصورهم وملكهم، بل موضع بعيد عن ذلك منها، فالبعد باعتبار ملكهم وقصورهم فيها، وإلا فهم فيها، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ أن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وأن لكم أن تصحُّوا فلا تسقموا أبدا، وأن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبداً، وأن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً" تفسير : فذلك قوله عز وجل: {ونودوا أن تلكم الجنة} {أورِثتمُوها بما كُنتم تعْملُون} رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدرى. وقيل: ينادون إذا رأوا الجنة من بعيد قبل دخولها، فإشارة البعد ظاهرة على حالها، والجنة نعت أو بيان أو بدل، وأورثتموها خبراً، والجنة خبر، وأورثتموها خبر ثان، أو حال من الجنة والعامل فيها معنى الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الجنة التى وعدوا بها فى الدنيا، وأل فى الجنة للحضور، أى الجنة الموعود لكم بها هى هذه الجنة، وإشارة البعد على هذا واضحة على حالها، وعلى هذا الوجه يتعين كون الجنة خبرا، والجملة خبرا ثانيا أو حالا، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائى: أرثتموها بادغام الثاء، ومعنى أورثتموها أعطيتموها، وعبر بالإيراث، كأن المؤمن يأخذ منزله فى الجنة ومنزل الكفار فيها، والكافر منزله فى النار ومنزل المؤمن فيها، وقد سمى الله الكافر ميتا والمؤمن حيا، فأورث الحى منزل الميت، أو عبر به لأن ذلك الثواب العظيم مخلف عن الإيمان والعمل الصالح، كما يخلف الميت المال، أو شبه مصير الجنة إليهم بمصير المال إلى الوارث، والآية نص فى أن الجنة بالعمل. ومن قال بالتفضل فمراده أن ذلك العمل الذى هو سببها إنما وفقه الله إليه وقبله منه، فضلا ورحمة، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يدخل الجنة أحد بعمله وإنما يدخلها برحمة الله" تفسير : أن عمله لا يوجب الجنة، وأنه ليس ثمنا لها وافيا بها، وإنما هو رحمة من الله أهداها إليه، وعن الحسن: دخولها برحمة الله، وقسمتها بالأعمال، أى يحسب الأعمال. وفى الحديث: "حديث : الدرجة فوق الدرجة فى الجنة كما بين السماء والأرض فيرفع العبد بصره فيلمع له برق يكاد يخطف بصره فيقول: ما هذا؟ فيقال: نور أخيك فلان، فيقول كنا نعمل فى الدنيا على هكذا، فيقال: إنه كان أحسن منك عملا، ثم يجعل فى قلبه الرضا" تفسير : وهذا بظاهره يدل أنه كان فى قلبه عدم الرضا أولا، وفيه بحث، ولعله تكون ثم لمجرد الترتيب الذكرى، أو بمعنى الواو للمهملة لا فى الحكم، بل بحسب علو الشأن كأنه قيل: وأعظم من ذلك أن الرضا يكون فى قلبه بإذن الله لا بكسب.
اطفيش
تفسير : {والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} هذه الجملة السلبية معترضة بين المبتدأ وخبره على طريقة الاهتمام بتعجيل ذكر ما يهم ذكره وهو الترغيب بذكر تسهيل الطريق إِلى مضمون خبر المبتدأ وهو الجنة والخلود فيها ببنائه على وسع النفس الذى هو القدرة بلا تكلف مشقة تعظم، فالدين يسر لا عسر، لا كما قيل أَن الوسع هو أَقصى ما يمكن تحمله، ثم نسخ إِلى ما ذكر فإِن أقصى ما يمكن تحمله هو جهد لا وسع، وأَيضاً لا يخفى أَن المقام ترغيب فلا يناسبه هذا، وفى الآية تحسر للكفار إِذ حرموا أَنفسهم النعيم الذى لا عين أَبصرته ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب مع سهولة نيله، وزاد هذا الاعتراض حسنا بوصله بموجب مضمون الخبر، وموجبه هو الإِيمان والعمل الصالح، والخبر هو قوله {أَولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وليس كما قيل أن هذا مُسْتَأْنَفُ، والخبر لا نكلف نفساً إِلا وسعها.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي بآياتنا ولم يكذبوا بها {وَعَمِلُواْ } الأعمال {ٱلصَّـٰلِحَاتِ } ولم يستكبروا عنها {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أي ما تقدر عليه / بسهولة دون ما تضيق به ذرعاً، والجملة اعتراض وسط بين المبتدأ وهو الموصول والخبر الذي هو جملة {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } للترغيب في اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولة مناله وتيسر تحصيله. وقيل: المعنى لا نكلف نفساً إلا ما يثمر لها السعة أي جنة عرضها السمٰوات والأرض وهو خلاف الظاهر وإن كانت الآية عليه لا تخلو عن ترغيب أيضاً. وجوز أن يكون اسم الإشارة بدلاً من الموصول وما بعده خبر المبتدأ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف. وجوز أيضاً أن تكون جملة {لاَ نُكَلّفُ } الخ خبر المبتدأ بتقدير العائد أي منهم. وقوله سبحانه: {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } حال من {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ }، وجوز كونه حالاً من {ٱلْجَنَّةِ } لاشتماله على ضميرها أيضاً والعامل فيها معنى الإضافة أو اللام المقدرة. وقيل: خبر لأولئك على رأي من جوزه. و {فِيهَا } متعلق بخالدون قدم عليه رعاية للفاصلة.
ابن عاشور
تفسير : أُعقب الإنذار والوعيد للمكذّبين، بالبشارة والوعد للمؤمنين المصدّقين على عادة القرآن في تعقيب أحد الغرضين بالآخر. وعُطف على: {أية : الذين كذبوا بآياتنا} تفسير : [الأعراف: 40] أي: وإنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات إلخ، لأنّ بين مضمون الجملتين مناسبة متوسّطة بين كمال الاتّصال وكمال الانقطاع، وهو التّضاد بين وصف المسندِ إليهما في الجملتين، وهو التّكذيب بالآيات والإيمانُ بها، وبين حكم المسنَدَيْن وهو العذابُ والنّعيم، وهذا من قبيل الجامع الوهمي المذكور في أحكام الفصل والوصل من عِلم المعاني. ولم يذكر متعلِّقٌ لــــ {آمنوا} لأنّ الإيمان صار كاللّقب للإيمان الخاص الذي جاء به دين الإسلام وهو الإيمان بالله وحده. واسم الإشارة مبتدأ ثان، و{أصحاب الجنّة} خبره والجملة خبر عن {الذين آمنوا}. وجملة {لا نكلف نفساً إلا وسعها} معترضة بين المسند إليه والمسند على طريقة الإدماج. وفائدة هذا الإدماج الارتفاق بالمؤمنين، لأنّه لمّا بشّرهم بالجنّة على فعل الصّالحات أطْمن قلوبهم بأن لا يُطلبوا من الأعمال الصّالحة بما يخرج عن الطّاقة، حتّى إذا لم يبلغوا إليه أيسوا من الجنّة، بل إنّما يُطلبون منها بما في وسعهم، فإنّ ذلك يرضي ربّهم. وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنّه قال، في هذه الآية، إلاّ يُسرها لا عُسْرها أي قاله على وجه التّفسير لا أنّه قراءة. والوُسْع تقدّم في قوله تعالى: {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : في سورة البقرة (286). ودلّ قوله: أولئك أصحاب الجنة} على قصر ملازمة الجنّة عليهم، دون غيرهم، ففيه تأييس آخر للمشركين بحيث قويت نصيّة حرمانهم من الجنّة ونعيمها، وجملة: {هم فيها خالدون} حال من اسم الإشارة في قوله: {أولئك أصحاب الجنة}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إلا وسعها: طاقتها وما تتحمله وتقدر عليه من العمل. ونزعنا: أي أقلعنا وأخرجنا. من غل: أي من حقد وعداوة. هدانا لهذا: أي للعمل الصالح في الدنيا الذي هذا جزاؤه وهو الجنة. بما كنتم تعملون: أي بسبب أعمالكم الصالحة من صلاة وصيام وصدقات وجهاد. معنى الآيتين: لما ذكر تعالى جزاء أهل التكذيب والاستكبار عن الإِيمان والعمل الصالح وكان شقاء وحرماناً ذكر جزاء أهل الإِيمان والعمل الصالح فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}، ولما كان العمل منه الشاق الذي لا يطاق ومنه السهل الذي يقدر عليه قال: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي ما تقدر عليه من العمل ويكون في استطاعتها، ثم أخبر عن المؤمنين العاملين للصالحات فقال {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. كما أخبر في الآية الثانية أنه طهرهم باطناً فنزع ما في صدورهم من غل على بعضهم بعضاً، وأن الأنهار تجري من تحت قصورهم، وأنهم قالوا شاكرين نعم الله عليهم: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} أي لعمل صالح هذا جزاؤه أي الجنة وما فيها من نعيم مقيم، وقرروا حقيقة وهي أن هدايتهم التي كان جزاؤها الجنة لم يكونوا ليحصلوا عليها لولا أن الله تعالى هو الذي هداهم فقالوا: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ}، ثم قالوا والله {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} فهاهم أهل الكفر والمعاصي في النار، وها نحن أهل الإِيمان والطاعات في نعيم الجنة فصدقت الرسل فيما أخبرت به من وعد ووعيد، وناداهم ربهم سبحانه وتعالى: {أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فيزاد بذلك نعيمهم وتعظم سعادتهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- الإِيمان والعمل الصالح موجبان لدخول الجنة مقتض للكرامة في الدارين. 2- لا مشقة لا تحتمل في الدين الصحيح الذي جاءت به الرسل إلا ما كان عقوبة. 3- لا عداوة ولا حسد في الجنة. 4- الهداية هبة من الله فلا تطلب إلا منه، ولا يحصل عليها إلا بطلبها منه تعالى. 5- صدقت الرسل فيما أخْبَرَتْ به من شأن الغيب وغيره.
القطان
تفسير : وُسْعها: ما تقدر عليه. نزعنا ما في صدروهم: أخرجنا من نفوسهم كل حقد. الغل: الحقد من عداوة او حسد. أورثتموها: صارت اليكم كما يصير الميراث الى أهله. يعرض الله تعالى هنا المشهدَ المقابل، وهو حال المؤمنين وما يلاقونه يوم القيامة من نعيم، وكيف يُذهِب من صدروهم كلَّ حقدٍ وغل، فيحمَدون الله على نِعمه وما أورثهم من جنات. وتلك طريقة القرآن الكريم، وهذا منهجه الحكيم. والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة التي لم نكّلفهم إلا ما يُطيقونه منها، هم اهل الجنة يتنعّمون فيها، خالدين فيها ابدا. لقد أخرجْنا ما كان من صدورهم من حقد، فهم اليوم في الجنة، إخوان متحابّون - وهذا بخلاف الكّفار الّذين يلعن بعضُهم بعضا - تجري من تحتهم الأنهار بمائها العذب، ويعبّرون عن سرورهم بما نالوا من النعيم قائلين: الحمدُ لله الّذي هدانا فدلَّنا على طريق هذا النعيم، ووفّقنا الى سلوكه ولولا أن هدانا الله، بإرسال الرسل وتوفيه لنا، ما كان في استطاعتِنا ان نهتدي وحدنا. لقد جاءت رُسل ربّنا بالوحي الحق فآمنّا برسالاتهم. وهنا يناديهم ربهم ويقول لهم: إن هذه الجنةَ هبةٌ من الله أُعطيتموهما فضلاً مني دون عوض منكم، كالميراث، كل هذا جزاء إيمانكم واعمالكم الصالحة في الدنيا. قراءات: قرأ ابن عامر: "ما كنا لنهتدي" بدون واو والباقون وما كنا لنهتدي. روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخّدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ، ينادي منادٍ، إن لكم ان تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدا، وإن لكم ان تَحيوا فلا تموتوا أبدا، وان لكم ان تَشُبّوا فلا تهرَموا أبدا، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تيأسوا ابدا ". تفسير : وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سَدِّدوا وقاربوا وأبشِروا، فإنه لا يُدخِل أحداً الجنةَ عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال "ولا أنا، إلا أن يتغمّدَني الله بمغفرةٍ ورحمة ". تفسير : سدِّدوا وقاربوا: لا تغْلوا في دينكم، ولا تتكلفوا من العمل ما لا طاقة لكم به. وهذا الحديث تنبيهٌ من النبي الكريم لنا حتى لا نغترَّ بأنفُسِنا وبأعمالنا فنتّكلَ عليها كما يفعل كثير من المتدينين. فنراهم يشمخون بانوفهم، ويتعالون على غيرهم، وهذا ليس من الاسلام. ومعنى الحديث: إن هذا الجزاءَ الذيَ يحصَل عليه الطائعُ ليس بَدَلاً مماثلاً لطاعتهن وليس جزاء مساوياً كالشأن بين البدَلَين، وان كانت الطاعة هي التي اوجبتْه. لذا فإنه لن يدخلَ أحدُكم الجنةَ بعملٍ يساوي ما فيها من النعيم ففضلُ الله عظيمٌ سابغ باعتبار جعلِه الجنةَ بَدَلاً من عمل محدود لا يقابلها في ذاته.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُون} (42) - وَالذِينَ آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَصَدَّقُوا رُسُلَ اللهِ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، بِجَوارِحِهِمْ، فَهؤلاءِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَخْلُدُونَ فِيها أَبَداً. وَالإِيمَانُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ سَهْلانِ مَيْسُورٌ فِعْلُهُمَا لِجَمِيعِ النَّاسِ، لأَِنَّ اللهَ لاَ يُكَلِّفُ أَحَداً إلا قَدْرَ طَاقَتِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ. وُسْعَها - طَاقَتَها وَمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبهذا يخبرنا الحق أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أصحاب الجنة وهم فيها خالدون، ويضع لنا الحق تنبيهاً بين مقدمة الآية وتذييلها {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}؛ لنفهم أن المسرفين على أنفسهم بالكفر وتكذيب الآيات لم يفهموا حقيقة الإِيمان، وأن حبس النفس عن كثير من شهواتها هو في مقدور النفس وليس فوق طاقتها؛ لذلك أوضح لنا سبحانه أنه كلف بـ "افعل ولا تفعل" وذلك في حدود وسع المكلَّف. وحين نستعرض الصورة إِجمالاً للمقارنة والموازنة بين أهل النار وأهل الجنة نجد الحق قد قال في أهل النار: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 40] فهم لن يدخلوا الجنة، وعلى ذلك فقد سلب منهم نفعاً، ولا يتوقف الأمر على ذلك، ولكنهم يدخلون النار، إذن فهنا أمران: سلب النافع وهو دخولهم الجنة، إنه سبحانه حرمهم ومنعهم ذلك النعيم، وذلك جزاء إجرامهم. وبعد ذلك كان إدخالهم النار، وهذا جزاء آخر؛ فقال الحق: {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 41] في الأولى قال: - سبحانه - {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ}. وفي الثانية قال: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}. فكأن الإجرام كان سبباً في ألا يدخلوا الجنة، والظلم كان سبباً في أن يكون من فوقهم غواش، لهم من جهنم مهاد، وهم في النار يحيطهم سرداقها. ومن المناسب بعد تلك الشحنة التي تكرهنا في أصحاب النار وفي سوء تصرفهم فيما كلفوا به أولاً، وسبب بشاعة جزائهم ثانياً؛ أن نتلهف على المقابل. فقال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42] وقول الحق سبحانه وتعالى: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} جاء بين المبتدأ والخبر، ككلام اعتراضي؛ لأن أسلوب يقتضي إبلاغنا أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم الخلود في الجنة، وجاءت {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} بين العمدتين وهما المبتدأ والخبر؛ لأننا حينما نسمع {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فهذا عمل قلبي، ونسمع بعده {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} وهذا عمل الجوارح، وبذلك أي بعمل القلب مع عمل الجوارح يتحقق من السلوك ما يتفق مع العقيدة. والاعتقاد هو يسهل دائما السلوك الإيماني ويجعل مشاق التكاليف في الأعمال الصالحة مقبولة وهينة، ولذلك أوضح سبحانه: إياكم أن تظنوا أني قد كلفتكم فوق طاقتكم، لا؛ فأنا لا أكلف إلا ما في الوسع، وإياكم أن تفهموا قولي: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} هو رغبة في إرهاق نفوسكم، ولكن ذلك في قدرتكم لأنني المشرع، والمشرع إنما يضع التكليف في وسع المكلَّف. ونحن في حياتنا العملية نصنع ذلك؛ فنجد المهندس الذي يصمم آلة يخبرنا عن مدى قدرتها، فلا يحملها فوق طاقتها وإلا تفسد. وإذا كان الصانع من البشر لا يكلف الآلة الصماء فوق ما تطيق، أيكلف الذي خلق البشر فوق ما يطيقون؟ محال أن يكون ذلك. إذن فيجب أن نوصد الباب أمام الذين يحاولون أن يتحللوا من التزامات التكليف عليهم، فلا تعلق الحكم على وسعك الخائر الجائر، ولكن غلق الوسع على تكليف الله، فإن كان قد كلف فأحكم لأن ذلك في الوسع؛ والدليل على كذب من يريد الافلات من الحكم هو محاولته إخضاع الحكم لوسعه هو؛ أن غيره يفعل ما لا يريد أن يفعله. فحين ينهى الحق عن شرب الخمر تجد غيرك لا يشرب الخمر امتثالاً لأمر الله، وكذلك تجد من يمتنع عن الزنا أو أكل الربا؛ فإذا كان مثيلك وهو فرد من نوعك قادراً على هذا العمل فمن لا يمتنع عن مثل هذه المحرمات هو المذنب لا لصعوبة التكليف. فالتكليف هو أمر الشارع الحكيم بـ "افعل" و "لا تفعل" وسبحانه لا يكلف الإنسان إلا إذا كان قادراً على أن يؤدي مطلوبات الشرع؛ لأن الله لا يكلف إلا على قدر الطاقة، واستبقاء الطاقة يحتاج إلى قوت، طعام، شراب، لباس، وغير ذلك مما تحتاج إليه الحياة، لذلك أوضح سبحانه أنه يوفر للإِنسان كل ماديات الحياة الأساسية، وإياكم أن تظنوا أن الله حين يكلف الإنسان يكلفه شططاً، ولكن الإنسان هو الذي يضع في موضع الشطط. فقال: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ...} تفسير : [الطلاق: 7] {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي ضيق عليه قليلاً. ويقول سبحانه: {أية : فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا...} تفسير : [الطلاق: 7] إذن لا تفترض وتقدر أنت تكاليف المعيشة ثم تحاول إخضاع وارداتك إلى هذا التصور، بل انظر إلى الوارد أليك وعش في حيز وإطار هذا الوارد، فإن كان دخلك مائة جنيه فرتب حياتك على أن يكون مصروفك يساوي دخلك؛ لأن الله لا يكلفك إلا ما آتاك. ولننظر إلى ما آتانا الله؛ لذلك لا تدخل في حساب الرزق إلا ما شرع الله، فلا تسرق. ولا تنهب ولا تختلس ولا ترتش ثم تقول: هذا ما آتاني الله، لا، عليك ألاَ تأخذ ولا تنتفع إلا بما أحل الله لك، فإن عشت في نطاق ما أحل الله يعينك الله على كل أمرك وكل حاجاتك، لأنك تحيا بمنهج الله، فيصرف عنك الحق مهمات الحياة التي تتطلب أن تزيد على ما آتاك الله، فلا تخطر على بالك أو على بال أولادك. وتجد نفسك - على سبيل المثال - وأنت تدخل السوق وآتاك الله قدراً محدوداً من المال، وترى الكثير من الخيرات، لكن الحق يجعلك لا تنظر إلا في حدود ما في طاقتك، وكذلك يُحسّن لك الله ما في طاقتك ويبعد عنك ما فوق طاقتك؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها، ولا يحرك شهوات النفس إلا في حدود ذلك. ولذلك قال الحق: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42] وأصحاب الجنة هم الذين لا يفارقونها مثلما يحب الصاحب صاحبه؛ فالجنة تتطلبهم، وهم يتطلبون الجنة، والحياة فيها بخلود وما فاتك من متع الدنيا لم يكن له خلود، وأنت في الدنيا تخاف أن تموت وتفوت النعمة، وإن لم تمت تخاف أن تتركك النعمة؛ لأن الدنيا أغيار، وفي ذلك لفت لقضايا الله في كونه، تجد الصحيح قد صار مريضاً، والغني قد صار فقيراً، فلا شيء لذاتية الإنسان. وبهذا يعدل الله ميزان الناس فيأتي إلى الحالة الاقتصادية ويوزعها على الخلق، ونجد الذي لا يتأبى على قدر الله في رزقه وفي عمله يجعل الله له بعد العسر يسراً. وفي الجنة يُخلي الله أهلها من الأغيار. ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم...}
الأندلسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية لما أخبر تعالى بوعيد الكفار أخبر بوعد المؤمنين. وخبر والذين الجملة من لا نكلف نفساً أي منهم أو الجملة من أولئك وما بعده وتكون جملة لا نكلف اعتراضاً بين المبتدأ والخبر. وفائدته أنه ذكر قوله: وعملوا الصالحات، نبه على أن ذلك العمل وسعهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} الغل: الحقد والأحنة الخفية في النفس وجمعها غلال ومنه الغلول: أخذ الشىء في خفاء. ونزعنا أي أذهبنا في الجنة ما انطوت عليه صدورهم من الحقود ونزع الغل في الجنة أن لا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل منازلهم وكني بالصدر عن الشخص، والذي يظهر أن النزع للغل كناية عن خلقهم في الآخرة سالمي القلوب طاهريها متوادين متعاطفين كما قال: {أية : إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} تفسير : [الحجر: 47]، وتجري حال، قاله الحوفي قال: والعامل فيه نزعنا. وقال أبو البقاء: حال والعامل فيها معنى الإِضافة، وكلا القولين لا يصح لأن تجري ليس من صفات الفاعل الذي هو ضمير نزعنا ولا من صفات المفعول الذي هو ما في صدورهم ولأن معنى الإِضافة لا يعمل إلا إذا كانت إضافة يمكن للمضاف أن يعمل إذا جرد من الإِضافة رفعاً ونصباً فيما بعده. والظاهر أنه خبر مستأنف عن صفة حالهم. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} أي وفقنا لتحصيل هذا النعيم الذي صرنا إليه بالإِيمان والعمل الصالح إذ هو نعمة عظيمة يجب عليهم بها حمده تعالى والثناء عليه. {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} قرىء: ما كنا وقرىء: وما كنا. ومعنى لنهتدي أي من ذوات أنفسنا. {لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} وجواب لولا الجملة قبلها وهو وما كنا لنهتدي ولا ينكر تقديم جواب لولا عليها ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}تفسير : [القصص: 10]. وقوله: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}تفسير : [يوسف: 24]. وإن كان الأكثر في لسان العرب تأخير جواب لولا كقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}تفسير : [النساء: 83] ما زكى. وان هدانا في موضع رفع بالابتداء تقديره لولا هداية الله إيانا. {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} أي لموعود الذي وعدونا في الدنيا قضوا بأن ذلك حق قضاء مشاهدة بالحس وكانوا في الدنيا يقضون بذلك قضاء استدلال. {وَنُودُوۤاْ} يحتمل أن يكون النداء من الله تعالى وهو أسر لقلوبهم وأرفع لقدرهم ويحتمل أن يكون من الملائكة وأن يحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة أي ونودوا بأنه تلكم الجنة واسمها ضمير الشأن يحذف إذا خففت. ويحتمل أن تكون ان مفسرة لوجود شرطيها وهما أن يكون قبلها جملة في معنى القول وبعدها جملة. وكأنه قيل: تلكم الجنة، وتلكم إسم إشارة والذي بعدها خطاب للجماعة، والمعنى أن البعد فيها باعتبار سبق الوعد بها في الدنيا. والجنة صفة لتلكم وأورثتموها خبر عن تلكم والهمزة في أورثتموها بدل من واو بدلاً جائزاً لأن أصل المادة الواو والراء والثاء تقول ورث يرث، ولو قرىء وأوْرثتموها لكان عربياً لأن فاعل من ذوات الواو نحو: وأرى إذا بنيت للمفعول يجوز أن تبدل واوه همزة فتقول: أُوري وأصله وُوْري. {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} عبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه وهذا النداء فيه تقريع وتوبيخ وتوقيف على مآل الفريقين وزيادة في كرب أهل النار بأن يشرف عليهم أهل الجنة ويخلق إدراك أهل النار لذلك النداء في أسماعهم. وأتى في إخبار أهل الجنة ما وعدنا بذكر المفعول، وفي قصة أهل النار على ما وعدكم بذكر المفعول وعدلان أهل الجنة مستبشرون بحصول موعودهم فذكروا ما وعدهم الله تعالى مضافاً إليهم ولم يذكروا حين سألوا أهل الجنة متعلق ما وعدهم باسم الخطاب فيقولوا: ما وعدكم ليشمل كل موعود من عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنة وتكون إجابتهم بنعم تصديقاً لجميع ما وعد الله تعالى بوقوعه في الآخرة للصنفين ويكون ذلك اعترافاً منهم بحصول موعود المؤمنين ليتحسروا على ما فاتهم من نعيمهم، إذ نعيم أهل الجنة مما يحزنهم ويزيد في عذابهم. وأنْ يحتمل أن تكون تفسيرية، وأن تكون مصدرية مخففة من أن الثقيلة وإذا ولى المخففة فعل متصرف غير دعاء فصل بينهما بقد في الأجود كقوله: إن قد وجدنا. {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} أي أعلم معلم وأبهم تعالى من المؤذن فقيل: هو اسرافيل صاحب الصور وقيل غيره. بينهم ظرف لإِذن معمول له. والضمير في بينهم عائد على الفريقين. وان المخففة من الثقيلة أو مفسرة. و{يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} تقدم تفسير مثله. وهذا الوصف بالموصول هو حكاية عن حالهم السابقة والمعنى الذين كانوا يصدون لأنهم وقت الآذان لم يكونوا متصفين بهذا الوصف والمعنى بالظالمين الكفار، بدليل قوله: وهم بالآخرون كافرون، لأن الفاسق ليس كافراً بالآخرة بل مؤمن مصدق بها. {وَيَبْغُونَهَا} أي يبغون لها. والضمير عائد على السبيل، والسبيل يذكر ويؤنث. {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي بين الفريقين لأنهم المحدث عنهم. وهو الظاهر. وقيل: بين الجنة والنار وبهذا بدأ الزمخشري وابن عطية وفسر الحجاب بأنه المعني بقوله تعالى: {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}تفسير : [الحديد: 13]. وقال ابن عباس: ويقوي أنه بين الفريقين لفظ بينهم، إذ هو ضمير العقلاء ولا يحيل ضرب السور بعد ما بين الجنة والنار وإن كانت تلك السماء والنار أسفل السافلين. {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} الاعراف جمع عرف وهو المرتفع من الأرض. قال الشماخ: شعر : فظلت باعراف تعالى كأنها رماح نحاها وجهة الريح راكز تفسير : ومنه عرف الفرس وعرف الديك لعلوهما. وقال ابن عباس: الأعراف تل بين الجنة والنار. {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} أي كلاً من فريقي الجنة والنار بعلامتهم التي ميزهم الله تعالى بها من ابيضاض وجوه واسوداد وجوه في هذه الجملة التجنيس المغاير وهو أن يكون إحدى الكلمتين إسماً والأخرى فعلاً فالاعراف اسم ويعرفون فعل والرجال قوم تساوت حسناتهم وسيآتهم وقفوا هنالك ما شاء الله تعالى لم تبلغ حسناتهم بهم دخول الجنة ولا سيئآتهم دخول النار. وروي في مسند ابن أبي خيثمة عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فيه قيل: حديث : يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون . تفسير : {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} الضمير في نادوا عائد على رجال. وانْ تفسيرية او مخففة من الثقيلة كما تقدم. و{لَمْ يَدْخُلُوهَا} جملة حالية العامل فيها، نادوا أي نادوا غير داخلي الجنة. {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} جملة حالية أيضاً أي يطمعون في دخولها وأجاز الزمخشري أن يكون لم يدخلوها وهم يطمعون صفة لرجال وهو بعيد للفصل بين الموصوف والصفة بجملة ونادوا وليست جملة اعتراض.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه على مقتضى سنته من تعقيب الوعيد بالوعد: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة نحوه على مقتضى استعداداتهم وقابليتهم ومقدار وسعهم وطاقتهم؛ إذ {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الباذلون جهدهم في سلوك طريق الفناء {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} المعدة لأرباب الولاء، المتمكنون في مقام الرضا بما جرى عليهم ن القضاء {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42] ما شاء الله؛ إذ لا حول ولا قوة فيها إلا بالله. {وَ} بعدما دخلوا جنة التوحيد {نَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} مشعر بالاثنينية والأنانية؛ إذ {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ} أي: جداول المعارف والحقائق المتشرحة من بحر الوحدة {وَ} بعدما كوشفوا بفناء تعيناتهم وفازوا بالبقاء السرمي الإلهي {قَالُواْ} بلسان استعداداتهم بإلقاء الله إياهم ليتحققوا بمقام الشكر: {ٱلْحَمْدُ} والثناء المنبعث من محض التسليم والرضا {للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} أي: أوصلنا بمقام الرضا وشرف البقاء واللقاء {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} بأنفسنا لو بقينا في مجلس هوياتنا ومضيق تعيناتنا {لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} بلطفه وسعة جوده ورحمته، وحين تمكنوا في مقام الكشف والشهود أقسموا بالله {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا} لإرشادنا ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع في جميع ما جاءوا به {وَ} بعدما تحققوا بمقام الشكر واعترفوا بما اعترفوا {نُودُوۤاْ} من وراء سرادقات العز ولاجلاء: {أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ} أي: التوحيد الذاتي {أُورِثْتُمُوهَا} أعطيتم بها ومكنتم فيها {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] بمقتضى أوامر الله ونواهيه وإرشاد رسله وتذكير كتبه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الأعراف: 42] إلى قوله: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ} الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأعراف: 42]، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل فسيرنا عليهم العبودية بحسب التوفيق. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} [الأعراف: 42]؛ أي: الذي خلقناهم للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43]؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم} من ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فاخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدَّلنا أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور تجلي صفات الجمال وجعلناهم {أية : إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}تفسير : [الحجر: 47]؛ أي: إخواناً في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى. {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ} [الأعراف: 43]؛ أي: تجري من تحت أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} [الأعراف: 43] اعترافاً منهم وإقراراً على أنفسهم بأنهم ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء فضل منه ورحمة، {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوۤاْ} [الأعراف: 43] في أسرارهم: {أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد. {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} [الأعراف: 44]؛ أي: أرباب المحبة، {أَصْحَابَ ٱلنَّارِ} [الأعراف: 44]؛ يعني: أهل نار القطيعة، {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً} [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: ألا من طلبني وجدني، {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، {قَالُواْ نَعَمْ} [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقاً، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} [الأعراف: 44] العزة والعظمة، {بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، وصرفوه في مصرفه، {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ} [الأعراف: 45]؛ أي: هم الذين يصدون القلب والروح، {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأعراف: 45] وطلبه، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} [الأعراف: 45]؛ أي: يصرفون وجوههم إلى الدنيا وما فيها، {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ} الأعراف: 45]؛ أي: وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة. ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} [الأعراف: 46] إلى قوله: {أية : وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}تفسير : [الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجاباً وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف حجاباً وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}، {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت الأعراف أعرافاً؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل المعرفة رجالاً؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 37]. وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى: {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى: {أية : رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}تفسير : [التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكنونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلمَّا رأوا أهل الجنة وهم {أية : فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}تفسير : [يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئاً لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور. ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله: {أية : وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}تفسير : [الفجر: 30].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر الله تعالى عقاب العاصين الظالمين، ذكر ثواب المطيعين فقال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بجوارحهم، فجمعوا بين الإيمان والعمل، بين الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، بين فعل الواجبات وترك المحرمات، ولما كان قوله: { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } لفظا عاما يشمل جميع الصالحات الواجبة والمستحبة، وقد يكون بعضها غير مقدور للعبد، قال تعالى: { لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } أي: بمقدار ما تسعه طاقتها، ولا يعسر على قدرتها، فعليها في هذه الحال أن تتقي اللّه بحسب استطاعتها، وإذا عجزت عن بعض الواجبات التي يقدر عليها غيرها سقطت عنها كما قال تعالى: {أية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } {أية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا } {أية : مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } {أية : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } تفسير : فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. { أُولَئِكَ } أي: المتصفون بالإيمان والعمل الصالح { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أي: لا يحولون عنها ولا يبغون بها بدلا لأنهم يرون فيها من أنواع اللذات وأصناف المشتهيات ما تقف عنده الغايات، ولا يطلب أعلى منه. { وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } وهذا من كرمه وإحسانه على أهل الجنة، أن الغل الذي كان موجودا في قلوبهم، والتنافس الذي بينهم، أن اللّه يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا متحابين، وأخلاء متصافين. قال تعالى: { وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ } ويخلق اللّه لهم من الكرامة ما به يحصل لكل واحد منهم الغبطة والسرور، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم. فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض، لأنه قد فقدت أسبابه. وقوله: { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ } أي: يفجرونها تفجيرا، حيث شاءوا، وأين أرادوا، إن شاءوا في خلال القصور، أو في تلك الغرف العاليات، أو في رياض الجنات، من تحت تلك الحدائق الزاهرات. أنهار تجري في غير أخدود، وخيرات ليس لها حد محدود { وَ } لهذا لما رأوا ما أنعم اللّه عليهم وأكرمهم به { قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا } بأن من علينا وأوحى إلى قلوبنا، فآمنت به، وانقادت للأعمال الموصلة إلى هذه الدار، وحفظ اللّه علينا إيماننا وأعمالنا، حتى أوصلنا بها إلى هذه الدار، فنعم الرب الكريم، الذي ابتدأنا بالنعم، وأسدى من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يحصيه المحصون، ولا يعده العادون، { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } أي: ليس في نفوسنا قابلية للهدى، لولا أنه تعالى منَّ بهدايته واتباع رسله. { لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } أي: حين كانوا يتمتعون بالنعيم الذي أخبرت به الرسل، وصار حق يقين لهم بعد أن كان علم يقين [لهم]، قالوا لقد تحققنا، ورأينا ما وعدتنا به الرسل، وأن جميع ما جاءوا به حق اليقين، لا مرية فيه ولا إشكال، { وَنُودُوا } تهنئة لهم، وإكراما، وتحية واحتراما، { أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا } أي: كنتم الوارثين لها، وصارت إقطاعا لكم، إذ كان إقطاع الكفار النار، أورثتموها { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } . قال بعض السلف: أهل الجنة نجوا من النار بعفو اللّه، وأدخلوا الجنة برحمة اللّه، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته، بل من أعلى أنواع رحمته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):