٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين بقوله: {أية : وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا } تفسير : [الأعراف: 47] أتبعه أيضاً بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أهل النار، واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: {مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ، ولا يليق أيضاً إلا بأكابرهم، والمراد بالجمع، إما جمع المال، وإما الاجتماع والكثرة {وَمَا كُنتُمْ تَستَكبِرُون} والمراد: استكبارهم عن قبول الحق، واستكبارهم على الناس المحقين. وقرىء {تستكثرون} من الكثرة، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب، وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام، ثم زادوا على هذا التبكيت، وهو قولهم: { أَهَـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ } فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة، كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما هزؤوا بهم، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية، لمن كان مستضعفاً عنده قلق لذلك، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه. وأما قوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } فقد اختلفوا فيه. فقيل هم أصحاب الأعراف، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله تعالى بهذا القول. وقيل: بل يقول بعضهم لبعض والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة، واللحوق بالمنزلة التي أعدها الله تعالى لهم، وعلى هذا التقدير فقوله: {أَهَـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ } من كلام أصحاب الأعراف. وقوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } من كلام الله تعالى، ولا بد ههنا من إضمار، والتقدير: فقال الله لهم هذا كما قال: {أية : يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } تفسير : [الأعراف: 110] وانقطع ههنا كلام الملأ. ثم قال فرعون: {أية : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ }تفسير : [الأعراف: 110] فاتصل كلامه بكلامهم من غير إظهار فارق، فكذا ههنا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاٍ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} أي من أهل النار. {قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} أي للدنيا وٱستكباركم عن الإيمان. {أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ} إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء؛ كبِلاَل وسَلْمَان وخَبَّاب وغيرهم. {أَقْسَمْتُمْ} في الدنيا. {لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ} في الآخرة. {بِرَحْمَةٍ} يوبخونهم بذلك. وزيدوا غَمًّا وحسرة بأن قالوا لهم {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} وقرأ عكرمة «دخلوا الجنة» بغير ألف والدال مفتوحة. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «أدْخِلوا الجنة» بكسر الخاء على أنه فعل ماض. ودلّت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء؛ فإن قولهم ذلك إخبار عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}، ويكون «أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ» إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخاً لهم على ما كان من قولهم في الدنيا. وروي عن ابن عباس، والأوّل عن الحسن. وقيل: هو من كلام الملائكة الموكلين بأصحاب الأعراف؛ فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}.
ابن كثير
تفسير : يقول الله تعالى إخباراً عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم يعرفونهم في النار بسيماهم: {مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} أي: كثرتكم {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} أي: لا ينفعكم كثرتكم، ولا جموعكم، من عذاب الله، بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال {أَهَـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: أصحاب الأعراف {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس: {قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} الآية، قال: فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا، يعني: أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار، قال الله لأهل التكبر والأموال: { أَهَـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. وقال حذيفة: إن أصحاب الأعراف قوم تكاثفت أعمالهم، فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم، فقالوا: يا آدم أنت أبونا، فاشفع لنا عند ربك، فقال: هل تعلمون أن أحداً خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم، فيأتون إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: هل تعلمون من أحد اتخذه الله خليلاً، هل تعلمون أن أحداً أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى عليه السلام، فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليماً، وقربه نجياً غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى، فيأتونه عليه السلام، فيقولون له: اشفع لنا عند ربك، فيقول: هل تعلمون أحداً خلقه الله من غير أب؟ فيقولون: لا، فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا، فيقول: أنا حجيج نفسي، ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيأتوني، فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، فآتي ربي عز وجل، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، ثم أثني على ربي عز وجل، ثم أخر ساجداً، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: ربي أمتي، فيقول: هم لك، فلا يبقى نبي مرسل، ولا ملك مقرب، إلا غبطني بذلك المقام، وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة، فأستفتح، فيفتح لي، ولهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحيوان، حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة، وريح أهل الجنة، فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال: مساكين أهل الجنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَٰبُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً } من أصحاب النار {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَٰهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ } من النار {جَمْعُكُمْ } المال أو كثرتكم {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } أي واستكباركم عن الإِيمان، ويقولون لهم مشيرين إلى ضعفاء المسلمين:
الماوردي
تفسير : وفي قوله: {وَنَادَى} وجهان: أحدهما: أنه بمعنى ينادي، لأنه في المستقبل. والثاني: أنه على الحذفِ وتقديره: إذا كان يوم القيامة نادى أصحاب الأعراف.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَنَادَى} وينادي، أو تقديره: إذا كان يوم القيامة نادى.
ابن عادل
تفسير : لمَّا بين بقوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النَّار} أتبعه أيضاً بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أهل النار، فاستغنى عن ذكر النار؛ لأنَّ الكلام المذكور لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: {مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ}. قوله: "مَا أغْنَى" يجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والتقريع، وهو الظاهر، ويجوزُ أن تكون نافية. وقوله: "وما كنتم" "ما" مصدرية ليُنْسَق مصدرٌ على مثله أي: ما أغنى عنكم جمعكم المال والاجتماع والكثرة وكونكم مستكبرين عن قَبُولِ الحقِّ، أو استكباركم على الناس. وقرىء "تَسْتَكْثِرُون" بثاء مُثلثة من الكثرة.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} قال: في النار {يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} وتكبركم {وما كنتم تستكبرون} قال الله لأهل التكبر {أهولاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} يعني أصحاب الأعراف {أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يعرفونهم بسيماهم} قال: سواد الوجوه وزرقة العيون . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} قال: هذا حين دخل أهل الجنة الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ونادى أصحاب الأعراف} قال: مرَّ بهم ناس من الجبارين عرفوهم بسيماهم، فناداهم أصحاب الأعراف {قالوا: ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} قال: هم الضعفاء . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة أدخلوا الجنة} قال: دخلوا الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} قال: كان رجال في النار قد أقسموا بالله لا ينال أصحاب الأعراف من الله رحمة، فاكذبهم الله فكانوا آخر أهل الجنة دخولاً، فيما سمعناه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
التستري
تفسير : قال الله تعالى: {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ}[48] إقامتهم لشرفهم في الدارين وأهلهما، يعرفهم الملكان كما أشرفهم على أسرار العباد في الدنيا وأحوالهم.
القشيري
تفسير : ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد، وهي مما لا يخفى على ذي عينين، فيقولون لهم: هل يُغْنِي عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم، وسكنتم إليه من فاسد ظنونكم، وباطل تأويلكم؟ فشاهِدوا - اليومَ - تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ضعفاؤكم، وانظروا هل يغني عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم؟
اسماعيل حقي
تفسير : {ونادى اصحاب الاعراف} وهم الذى علت درجاتهم من الانبياء واشراف اهل الموقف وهو الانسب بما بعد الآية اذ قولهم ادخلوا الجنة لا يليق بالمقصرين فى العمل {رجالا} من رؤساء الكفار حين رأوهم فيما بين اصحاب النار وهم ابو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وعاص بن وائل واضرابهم {يعرفونهم بسيمـٰهم} اى علاماتهم الدالة على سوء حالهم حينئذ وعلى رياستهم فى الدنيا والباء سببية {قالوا} بدل من نادى اى قال اصحاب الاعراف وهم على السور مخاطبين لرؤساء الكفار توبيخا وشماتة {ما اغنى عنكم} ما استفهامية للتقريع او نافية ومعناه على الثانية [دفع نكرد عذاب ازشما] {جمعكم} اى اتباعكم واشياعكم او جمعكم للمال {وما كنتم تستكبرون} ما مصدرية اى واستكباركم المستمر على الخلق [يعنى استكبار شما مانع عذاب نشد].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ما أغنى} استفهامية أو نافية، و {ما كنتم}: مصدرية، و {ادخلوا}: محكى بقول محذوف، أي: قيل لهم ادخلوا...الخ. يقول الحقٌ جلّ جلاله: {ونادى أصحابُ الأعراف رجالاً} من رؤساء الكفرة، {يعرفونهم بسيماهم}؛ بعلامة فيهم من سوء حالهم، {قالوا} لهم: {ما أغنى عنكم جمعكم} أي: كثرتكم، أو جمعكم للمال، شيئًا أو أيّ شيء أغنى عنكم جمعكم، {وما كنتم تستكبرون}؟ أي: واستكباركم؟ {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالُهم اللهُ برحمةٍ} وهم ضعفاء المسلمين الذين كانت الكفرة تستحقرهم في الدنيا، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة، قد قيل لهم: {ادخلوا الجنة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}. أو تقول الملائكة لأهل الأعراف: {ادخلوا الجنة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}، بعد أن حُبسوا على الأعراف حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم، وقالوا لهم ما قالوا، تفضل الله عليهم، فقيل لهم: ادخلوا الجنة. وقيل: لما عيَّر أصحابُ الأعراف أهل النار، أقسموا ـ أي: أهل النار ـ أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فقال لهم الله تعالى: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم برحمة ادخلوا} يا أهل الأعراف {الجنة}. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب الأعراف: قوم من الصالحين حصل لهم محبة القوم، ليسوا من عوام أهل اليمين ولا من خواص المقربين، فإذا نظروا إلى أهل الطعن على الفقراء المتوجهين، والترفع عليهم، قالوا لهم: ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم، أهؤلاء الذين كنتم تطعنون عليهم، وأقسمتم أنهم ليسوا على شيء؟ قد قيل لهم: ادخلوا جنة المعارف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وأنتم حصل لكم الخيبة، والحرمان، والأسر في أيدي النفوس، والحصر في سجن الأكوان. عائذًا بالله من ذلك. ثم ذكر استغاثة أهل النار بأهل الجنة، فقال: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ}.
الطوسي
تفسير : قوله {ونادى أصحاب الأعراف} معناه سينادي، وانما جاز ان يذكر الماضي بمعنى المستقبل، لامرين: احدهما - لتحقيق المعنى كأنه قد كان. والثاني - على وجه الحكاية والحذف. التقدير اذا كان يوم القيامة {نادى أصحاب الأعراف}. ونادى معناه دعا، غير ان في {نادى} معنى امتداد الصوت ورفعه، لانه مشتق من النداء يقال: صوت نداء أي يمتد وينصرف خلاف الواقف، وليس كذلك (دعا) لانه قد يكون بعلامة كالاشارة من غير صوت ولا كلام، ولكن اشارة تنبىء عن معنى يقال. في هذه الآية اخبار وحكاية من الله تعالى ان اصحاب الاعراف ينادون قوما يعرفونهم من الكفار بسيماهم من سواد الوجوه وزرقة العين وضروب من تشويه الخلق يبينون به من اهل الجنة وغيرهم {ما أغنى عنكم جمعكم} معناه ما نفعكم ذلك. وقيل في معنى (الجمع) قولان: احدهما - جماعتكم التي استندتم اليها. الثاني - جمعكم الاموال والعدد في الدنيا. قوله {وما كنتم تستكبرون} معناه ولا نفعكم تكبركم وتجبركم في دار الدنيا عن الانقياد لانبياء الله واتباع امره.
اطفيش
تفسير : {ونَادَى أصْحابُ الأعْرافِ رجالاً} من أهل الظلم والشرك رؤساء {يعْرفُونهم بسِيماهُم} أى يعرفون أنهم من أهل النار بسماهم من سواد وجه، وزرقة عين، فالياء متعلقة بيعرفون، وكما عرفوهم من أهل النار بالسيماء قد عرفوهم بأعيانهم أنهم فلان وفلان وفلان الذين كانوا فى الدنيا رؤساء لقوله: {قالُوا} أى أصحاب الأعراف {ما أغْنى عَنْكم جَمْعكُم} ما جمعتم من جنود وأموال وخدم، وما استفهامية إنكارية مفعول لأغنى، أى أى شىء جمعكم مفعول مطلق، أى أى إغناء أغنى جمعكم، أو نافية، والمفعول محذوف، أى لم يغن عنكم جمعكم شيئا، ورجح بعضهم الأول. {وما كُنْتم} {تَسْتكبرونَ} عن الحق، أو على الخلق، وقرىء تستكثرون من الكثرة، أو المعنى يعرفونهم بأعيانهم فلان وفلان وفلان، الذين كانوا فى الدنيا رؤساء مشركين، وفيهم سيماء يضافون إليها تدل أنهم من أهل النار، فالباء متعلق بمحذوف حال من مفعول يعرفون، أو يعرفونهم فى أعيانهم بعلاماتهم التى يعرفونهم بها فى الدنيا ولو عظمت الأجساد، وتغيرت الوجوه والعيون، فتعلق الباء بيعرف أو يعرفونهم رؤساء شرك بعلامات تدل على ذلك، ولو لم يعرفوهم أنهم فلان وفلان متعلق بيعرف أيضا. وهذه الأوجه صالحة مع كون أهل الأعراف بشرا، ومع كونهم ملائكة، والمشهور أنهم يعرفون أعيانهم، قال الكلبى: ينادونهم: يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام، يا فلان، يا فلان فينظرون من النار إلى الجنة وبينهما الأعراف، فيرون فيها من استضعفوه من المسلمين كعمار وسليمان وصهيب وحباب وبلال.
اطفيش
تفسير : {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً} من الكفرة من الأُمم كانوا معذبين، وأَظهروا للتقرير أَو لأَن المراد البعض وفيما مر الكل، وكانوا يعرفونهم فى الدنيا أَو يعرفون كفاراً هناك بعلامة الكفر، ولا يعرفون لهم جموعاً {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} مثل أَن يقولوا من هذه الأُمة يا أَبا جهل يا أَبا لهب يا أَبا الوليد يا وليد بن المغيرة وكأَنه قيل ماذا قالوا بعد ندائهم فقال {قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ} ما نافية أَو استفهامية توبيخية واقعة على العذاب أَو الأَغنياء، أَى أَى عذاب أَو أَى غناء أَغنى عنكم جمعكم جماعتكم أَو جمعكم المال أَو جمعكم الأَصحاب والأَعوان، وعطف على جمعكم قوله {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} أَى كونكم تستكبرون عن الإِيمان أَو على الحق، ومن جملة ما قالوا قوله {أَهَؤُلاَءِ} إِشارة إلى جماعة من ضعفاءِ المسلمين وفقرائهم كبلال وصهيب وسلمان، وهو مبتدأ خبره قوله {الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ} وجواب القسم قوله {لاَ يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ} كان الكفار فى الدنيا يقولون فى مثل بلال وصهيب وسلمان رضى الله عنهم ممن عدوه ضعيفاً واحتقروه: والله لا يدخلون الجنة، وحذف الحال عاملا فى قوله {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} أَى مقولاً لهم ادخلوا إِلخ. إِن كان القول قبل الدخول، ودوموا فى كونكم فيها بعد دخولها إِن كان القول بعد الدخول، فمقول حال من الذين والذين تابع لهؤلاءِ والخبر نقول بالرفع والقائل الملائكة عن الله، أَو تقول الملائكة عن الله عز وجل فى شأن أَصحاب الأَعراف للكفار أَهؤلاءِ الذين هم أَصحاب الأَعراف قيل لهم أَو مقول لهم أَو مقولاً لهم ادخلوا يا أَصحاب الأَعراف الجنة إِلخ. ولما عير أَصحاب الأَعراف أَهل النار أَقسموا أَن أَصحاب الأَعراف لا يدخلون الجنة فقال الله لهم {أَهؤلاءِ الذين أَقسمتم لا ينالهم الله برحمة} وهم أَهل الأَعراف ادخلوا الجنة يا أَهل الأَعراف لا خوف عليكم ولا أَنتم تحزنون، أَو بقوله أَصحاب الأَعراف بعض لبعض.
الالوسي
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ } كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار لزيادة التقرير. وقيل: لم يكتف بالإضمار للفرق بين المراد منهم هنا. والمراد منهم فيما تقدم فإن المنادي هناك الكل وهنا البعض. وفي إطلاق أصحاب الأعراف على أولئك الرجال بناءً على أن مآلهم إلى الجنة دليل على أن عنوان الصحبة للشيء لا يستدعي الملازمة له كما زعمه البعض {رِجَالاً } من رؤساء الكفرة كأبـي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل حين رأوهم فيما بين أصحاب النار {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـٰهُمْ } بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها من سواد الوجه وتشويه الخلق وزرقة العين كما قال الجبائي أو بصورهم التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا كما قال أبو مسلم أو بعلامتهم الدالة على سوء حالهم يومئذٍ وعلى رياستهم في الدنيا كما قيل ولعله الأولى. وأياً ما كان فالجار والمجرور متعلق بما عنده ـ ويفهم من كلام بعضهم ـ وفيه بعد أنه متعلق بنادى والمعنى نادوا رجالاً يعرفونهم في الدنيا بأسمائهم وكناهم وما يدعون به من الصفات. {قَالُواْ } بيان لنادى أو بدل منه {مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ } استفهام للتقريع والتوبيخ ويجوز أن يراد النفي أي ما كفاكم ما أنتم فيه {جَمْعُكُمْ } أتباعكم وأشياعكم أو جمعكم المال فهو مصدر مفعوله مقدر {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } أي واستكباركم المستمر عن قبول الحق أو على الخلق وهو الأنسب بما بعده. وقرىء {تستكثرون} من الكثرة. و { مَا } على هذه القراءة تحتمل أن تكون اسم موصول على معنى ما أغنى عنكم أتباعكم والذي كنتم تستكثرونه من الأموال. ويحتمل عندي أن تكون في القراءة السبعية كذلك والمراد بها حينئذٍ الأصنام. ومعنى استكبارهم / إياها اعتقادهم عظمها وكبرها أي ما أغنى عنكم جمعكم وأصنامكم التي كنتم تعتقدون كبرها وعظمها.
ابن عاشور
تفسير : التّعريف في قوله: {أصحاب الأعراف} للعهد بقرينة تقدّم ذكره في قوله: {أية : وعلى الأعراف رجال}تفسير : [الأعراف: 46] وبقرينة قوله هنا {رجالاً يعرفونهم} إذ لا يستقيم أن يكون أولئك الرّجال يناديهم جميع من كان على الأعراف، ولا أن يَعرفهم بسيماهم جميع الذين كانوا على الأعراف، مع اختلاف العصور والأمم، فالمقصود بأصحاب الأعراف هم الرّجال الذين ذكروا في الآية السابقة بقوله: {أية : وعلى الأعراف رجال}تفسير : [الأعراف: 46] كأنّه قيل: ونادى أولئك الرّجالُ الذين على الأعراف رجالاً. والتّعبير عنهم هنا بأصحاب الأعراف إظهار في مقام الإضمار، إذ كان مقتضى الظّاهر أن يقال. ونادوا رجالاً، إلاّ أنّه لما تعدّد في الآية السّابقة ما يصلح لعود الضّمائر إليه وقع الإظهار في مقام الإضمار دفعاً للالتباس. والنّداء يؤذن ببعد المخاطب فيظهر أنّ أهل الأعراف لما تطلّعوا بأبصارهم إلى النّار عرفوا رجالاً، أو قَبْلَ ذلك لمّا مُرّ عليهم بأهل النّار عرفوا رجالاً كانوا جبارين في الدّنيا. والسيما هنا يتعيّن أن يكون المراد بها المشخّصات الذاتية التي تتميّز بها الأشخاص، وليست السيما التي يتميّز بها أهل النّار كلّهم كما هو في الآية السّابقة. فالمقصود بهذه الآية ذكر شيء من أمر الآخرة، فيه نذارة وموعظة لجبابرة المشركين من العرب الذين كانوا يحقرون المستضعفين من المؤمنين، وفيهم عبيد وفقراء فإذا سمعوا بشارات القرآن للمؤمنين بالجنّة سكتوا عمن كان من أحرار المسلمين وسادتهم. وأنكروا أن يكون أولئك الضّعاف والعبيد من أهل الجنّة، وذلك على سبيل الفرض، أي لو فرضوا صدق وجود جنّة، فليس هؤلاء بأهل لسكنى الجنّة لأنّهم ما كانوا يؤمنون بالجنّة، وقصدهم من هذا تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم وإظهار ما يحسبونه خَطلا من أقواله، وذلك مثل قولهم: {أية : هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد}تفسير : [سبأ: 7] فجعلوا تمزّق الأجساد وفناءها دليلا على إبطال الحشر، وسكتوا عن حشر الأجساد التي لم تمزّق. وكلّ ذلك من سوء الفهم وضعف الإدراك والتّخليط بين العاديات والعقليات. قال ابن الكلبي: «ينادي أهل الأعراف وهم على السور يَا وليدُ بنَ المغيرة يا أبَا جهل بنَ هشام يا فلان ويا فلان» فهؤلاء من الرّجال الذين يعرفونهم بسيماهم وكانوا من أهل العزّة والكبرياء. ومعنى {جمعكم} يحتمل أن يكون جَمْع النّاس، أي ما أغنت عنكم كثرتكم التي تعتزّون بها، ويحتمل أن يراد من الجمع المصدر بمعنى اسم المفعول. أي ما جمعتموه من المال والثّروة كقوله تعالى: {أية : ما أغنى عني ماليه} تفسير : [الحاقة: 28]. و(مَا) الأولى نافية، ومعنى {ما أَغْنَى} ما أَجْزَى مصدره الغَناء ــــ بفتح الغين وبالمدّ ــــ. والخبر مستعمل في الشّماتة والتّوقيف على الخطأ. و(ما) الثّانية مصدريّة، أي واستكباركم الذي مضى في الدّنيا، ووجه صوغه بصيغة الفعل دون المصدر إذ لم يقل استكباركم ليتوسّل بالفعل إلى كونه مضارِعا فيفيد أنّ الاستكبار كان دأبَهم لا يفترون عنه. وجملة {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} من كلام أصحاب الأعراف. والاستفهام في قوله {أهؤلاء الذين أقسمتم} مستعمل في التّقرير. والإشارة بــــ{أهؤلاء} إلى قوم من أهل الجنّة كانوا مستضعفين في الدّنيا ومحقرين عند المشركين بقرينة قوله: {الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} ــــ وقوله ــــ {ادخلوا الجنة} قال المفسّرون هؤلاء مثل سلمانَ، وبلال، وخبَّاب، وصُهَيب من ضعفاء المؤمنين، فإما أن يكونوا حينئذ قد استقرّوا في الجنّة فَجَلاَهم الله لأهل الأعراف وللرّجال الذين خاطبوهم، وإمّا أن يكون ذلك الحِوار قد وقع قبل إدخالهم الجنّة. وقسمُهم عليهم لإظهار تصلّبهم في اعتقادهم وأنّهم لا يخامرهم شكّ في ذلك كقوله تعالى: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت}تفسير : [النحل: 38]. وقوله: {لا ينالهم الله برحمة} هو المقسم عليه، وقد سلّطوا النّفي في كلامهم على مراعاة نفي كلام يقوله الرّسول عليه الصّلاة والسّلام أو المؤْمنون، وذلك أنّ بشارات القرآن أولئك الضّعفاءَ، ووعدَه إياهم بالجنّة، وثناءَه عليهم نُزل منزلة كلام يقول: إنّ الله ينالهم برحمة، أي بأن جُعل إيواء الله إياهم بدار رحمته، أي الجنّة، بمنزلة النَّيْل وهو حصول الأمر المحبوب المبحُوث عنه كما تقدّم في قوله: {أية : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب}تفسير : [الأعراف: 37] آنفاً، فأطلق على ذلك الإيواءِ فعل (يَنال) على سبيل الاستعارة. وجعلت الرّحمة بمنزلة الآلة للنَّيل كما يقال: نال الثّمرة بمحجن. فالباء للآلة. أو جعلت الرّحمة ملابسة للنَّيل فالباء للملابسة. والنّيل هنا استعارة، وقد عمدوا إلى هذا الكلام المقدّر فنفوه فقالوا: {لا ينالهم الله برحمة}. وهذا النّظم الذين حكي به قسمهم يؤذن بتهكّمهم بضعفاء المُؤمنين في الدّنيا، وقد أغفل المفسّرون تفسير هذه الآية بحسب نظمها. وجملة: {ادخلوا الجنة} قيل مقول قول محذوف اختصاراً لدلالة السّياق عليه، وحذفُ القول في مثله كثير ولا سيما إذا كان المقول جملة إنشائيّة، والتّقدير: قال لهم الله ادخلوا الجنّة فكذّب اللَّهُ قسمَكُم وخيّب ظنّكم، وهذا كلّه من كلام أصحاب الأعراف، والأظهر أن يكون الأمر في قوله: {ادخلوا الجنة} للدّعاء لأنّ المشار إليهم بهؤلاء هم أناس من أهل الجنّة، لأنّ ذلك الحين قد استقرّ فيه أهل الجنّة في الجنّة وأهلُ النّار في النّار، كما تقتضيه الآيات السّابقة من قوله: {أية : ونادوا أصحابَ الجنّة أنْ سلام عليكم} تفسير : [الأعراف: 46] إلى قوله {أية : القومِ الظالمين}تفسير : [الأعراف: 47] فلذلك يتعيّن جعل الأمر للدّعاء كما في قول المعرّي:شعر : ابْقَ في نعمة بقاءَ الدّهور نافِذاً لحُكْم في جميع الأمور تفسير : وإذ قد كان الدّخول حاصلاً فالدّعاء به لإرادة الدّوام كما يقول الدّاعي على الخارج: أخرج غير مأْسوففٍ عليك، ومنه قوله تعالى: {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}. ورفُع {خوف} مع (لا) لأنّ أسماء أجناس المعاني التي ليست لها أفراد في الخارج يستوي في نفيها بلا الرّفعُ والفتحُ، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}تفسير : [الأعراف: 35].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن أصحاب الأعراف قالوا لرجال من أهل النار: يعرفونهم بسيماهم لم ينفعكم ما كنتم تجمعونه في الدنيا من المال، ولا كثرة جماعتكم وأنصاركم، ولا استكباركم في الدنيا. وبين في مواضع أخر وجه ذلك: وهو أن الإنسان يوم القيامة، يحشر فرداً، لا مال معه، ولا ناصر، ولا خادم، ولا خول. وأن استكباره في الدنيا يجزى به عذاب الهون في الآخرة، كقوله. {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}تفسير : [الأنعام: 94]، وقوله: {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً}تفسير : [مريم: 80]، وقوله: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 95]، وقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تفسير : [الأحقاف: 20] الآية.
الواحدي
تفسير : {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} من أهل النَّار {يعرفونهم بسيماهم} من رؤساء المشركين فيقولون لهم: {ما أغنى عنكم جمعكم} المال واستكثاركم منه {وما كنتم تستكبرون} عن عبادة الله، ثمَّ يقسم أصحاب النَّار أنَّ أصحاب الأعراف داخلون معهم النَّار، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف: {أهؤلاء الذين أقسمتم} يا أصحاب النَّار {لا ينالهم الله برحمة} يقولون لأصحاب الأعراف: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}. {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} يعني: الطَّعام، وهذا يدلُّ على جوعهم وعطشهم {قالوا إنَّ الله حرمهما على الكافرين} تحريم منع [لا تحريم تعبُّدٍ]. {الذين اتخذوا دينهم} الذي شُرع لهم {لهواً ولعباً} يعني: المستهزئين المُقتسمين {فاليوم ننساهم} نتركهم في جهنَّم {كما نسوا لقاء يومهم هذا} كما تركوا العمل لهذا اليوم {وما كانوا بآياتنا يجحدون} أَيْ: وكما جحدوا بآياتنا ولم يُصدِّقوها. {ولقد جئناهم} يعني: المشركين {بكتاب} هو القرآن {فصلناه} بيّناه {على علم} فيه. يعني: ما أُودع من العلوم وبيان الأحكام {هدى} هادياً {ورحمة} وذا رحمةٍ {لقوم يؤمنون} لقومٍ أريد به هدايتهم وإيمانهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بسيماهم: السيما العلامة الدالة على من هي فيه. جمعكم: أي للمال وللرجال كالجيوش. أهؤلاء: إشارة إلى ضعفاء المسلمين وهم في الجنة. أو مما رزقكم الله: أي من الطعام والشراب. حرمهما: منعهما. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الجنة وأصحاب النار قال تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً} أي من أهل النار يعرفونهم بسيماهم التي هي سيما أصحاب النار من سواد الوجوه وزرقة العيون نادوهم قائلين: {مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} أي للأموال والرجال للحروب والقتال، كما لم يغن عنكم استكباركم على الحق وترفعكم عن قبوله وها أنتم في أشد ألوان العذاب، ثم يشيرون لهم إلى ضعفة المسلمين الذين يسخرون منهم في الدنيا ويضربونهم ويهينونهم {أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ} أي حلفتم {لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} ثم يقال لأصحاب الأعراف {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. وفي الآية الثالثة يقول تعالى مخبراً عن أصحاب النار وأصحاب الجنة {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ} وذلك لشدة عطشهم {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} أي من الطعام وذلك لشدة جوعهم فيقال لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا} أي شراب الجنة وطعامها {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} فلا ينالوهما بحال من الأحوال. ثم وصف الكافرين ليعرض جرائمهم التي اقتضت حرمانهم وعذابهم ليكون ذلك عظة وعبرة للكفار من قريش ومن سائر الناس فقال وهو ما تضمنته الآية الرابعة {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ} أي نتركهم في عذابهم كما تركوا يومهم هذا فلم يعملوا له من الإِيمان والصالحات، وبسبب جحودهم لآياتنا الداعية إلى الإِيمان وصالح الأعمال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عدم إغناء المال والرجال أيَّ إغناء لمن مات كافراً مشركاً من أهل الظلم والفساد. 2- بشرى الضعفة من المسلمين بدخول الجنة وسعادتهم فيها. 3- تحريم اتخاذ شيء من الدين لهواً ولعباً. 4- التحذير من الاغترار بالدنيا حتى ينسى العبد آخرته فلم يعد لها ما ينفعه فيها من الإِيمان وصالح الأعمال.
القطان
تفسير : وهذا نداءٌ آخرُ من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبِرين الّذين كانوا يعتزون في الدنيا بِغِناهم وقوتهم، ويحتقرون ضعفاءَ المؤمنين لفقرِهم وضعف عصبيتهم. لقد كانوا يزعمون ان من أغناه الله وجعلَه قويّاً في الدينا فهو الذي يكون له نعيمُ الآخرة. فيقولون لهم الآن: ما أفادَكُم جمعُكم الكثيرُ العدد، ولا استكبارُكم على أهل الحق بسبب عصبيّتكم وغناكم!! ها أنتم أذِلاّءُ ترون حالهم وحالكم. ثم وجّه إليهم سؤال توبيخٍ وتأنيب: {أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟}. أهولاء الذين حلفتم في الدنيا أن رحمة الله لن تنالهم! ها هم قد دخلوا الجنة، وكانوا من الفائزين. {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. قال الله تعالى لأصحاب الاعراف بعد أن طال وقوفُهم، وهم ينظرون إلى الفريقين: ادخُلوا الجنةَ لا خوف عليكم من أمر مستقبلكم، ولا أنتم تحزنون عن أمرٍ فاتكم. وقد تكلم العلماء في هذا المقام كثيرا، وتعدّدت الآراء فبعضهم قال إن رجال الأعراف ملائكة، وبعضهم قال إنهم الانبياء، او عدول الأُمم الشهداءُ على الناس، او أهل الفترة، او هم الّذين تساوت حسناتُهم وسيئاتهم الى غير لك من الأقوال. والذي يجب أن نقفَ عنده هو ان هناك حجاباً بين الجنة والنار، اللهُ أعلمُ بحقيقته، لأنه في عالم الآخرة. والمقصودُ ان ذلك الحجاب يحجِز بين الفريقين، لكنّه لا يمنع من وصول الأصوات وان هناك مكاناً له صفةُ الامتياز والعلوّ، فيه رجال لهم من المكانة ما يجعلهم مشرِفين على هؤلاءِ وهم ينادون كلّ فريقٍ بما يناسبه.. يحيُّون أهل الجنة، ويبِكّتُون أهل النار. ثم إن أصحاب هذا الحجاب يدخلون الجنة برحمة من الله وفضله.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابُ} {بِسِيمَاهُمْ} (48) - وَيَعْرِفُ أَهْلُ الأَعْرَافِ رُؤُوسَ الكُفْرِ، وَقَادَةَ الشِّرْكِ، وَهُمْ فِي النَّارِ، بِسِيمَاهُمْ (أَيْ بِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ) فَيُقَرِّعُونَهُمْ قَائِلِينَ: لَمْ تَنْفَعْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وَجَمْعُكُمُ المَالَ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْكُمُ اسْتِكْبَارُكُمْ، مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَهَا أَنْتُمْ قَدْ صِرْتُمْ إِلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَذَابِ، وَسُوءِ المَصِيرِ. لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ - لَمْ تُفِدْكُمْ وَلَمْ تَنْفَعْكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأن أصحاب الأعراف قد صرفت أنظارهم لأصحاب النار ويرون فيهم طبقات من المعذبين، فهذا أبو جهل، وذاك الوليد، ومعه أمية بن خلف وغيرهم ممن كانوا يظنون أن قيادتهم لمجتمعهم وسيادتهم على غيرهم تعطيهم كل سلطان وكيان، وكانوا يسخرون من السابقين إلى الإسلام كعمار وبلال وصهيب وخباب، وغيرهم ممن عاشوا للحق مع الحق، فيقول أهل الأعراف لهؤلاء: {مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}. وكأنهم يقولون لهم: إن اجتماعكم على الضلال في الدنيا لم ينفعكم بشيء.. شياطينكم، والأصنام والسلطان لم ينفعوكم وكذلك استكباركم على الدعوة إلى الإيمان هل أغنى عنكم شيئاً؟ لا. لم يغن عنكم شيئاً. ويقول الحق بعد ذلك: {أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بِسِيمَاهُمْ} معناه بِعَلاماتِهِمْ.
الجيلاني
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ} على وجه التوبيخ والتقريع {رِجَالاً} من صناديدهم كانوا {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} بوجوههم الباطلة من المال والجاه والرئاسة والتفوق وغيرها {قَالُواْ} لهم متهكمين: {مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} أي: ما أسقط جمعكم المال وجمعيتكم بسببب الجاه شيئاً من عذاب الله {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف: 48] أي: ما يفيد لكم استكباركم على خلق الله وعن آياته اليوم؟! انظروا أيها الحمقى {أَهَـۤؤُلاۤءِ} المترفهون المتنعمون في مقر العز والتمكن هم {ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ} في النشأة الأولى أنهم {لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} في النشأة الأخرى، كيف قبل لهم من قبل الحق تفضلاً وامتناناً عليهم: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} التي هي دار الأمن والأمان {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ} بعدما دخلتم فيها {وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49] أصلاً من فوت شيء وتعويقه. {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} متمنين منهم متحسرين: {أَنْ أَفِيضُواْ} صبوا {عَلَيْنَا} رشحة {مِنَ ٱلْمَآءِ} الذي هو سبب حياتكم الحقيقي وبقائكم السرمدي {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} من الرزق المعنوي {قَالُوۤاْ} في جوابهم بإلهام الله إياهم: {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع الاستعدادات عباده {حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50]. {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ} الذي هو سبب الحياة الحقيقية في حياتهم الصورية ونشأتهم الدنيوية {لَهْواً وَلَعِباً} يلهون ويلعبون به ويكذبون من أرسل إليهم وأنزل عليهم الكتب لتبيينه {وَ} ما ذلك إلا أن {غَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} بمزخرفاتها من اللذات الجسمانية والشهوات النفسانية، وصاروا بسبب تغريراتها ناسين العهود والمواثيق التي جرت بيننا وبينهم في بدء فطرتهم {فَٱلْيَوْمَ} أي: حين كشف السرائر وارتفعت الحجب {نَنسَـٰهُمْ} ولم نلتفت نحوهم {كَمَا نَسُواْ} في النشأة الأولى {لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} في النشاة الأخرى مع ورود الإنذارات التخويفات الجارية على ألسنة الرسل و الكتب {وَمَا} أي: وكما {كَانُواْ بِآيَٰتِنَا} الدالة على أمثال هذه الإنعامات {يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51] ينكرون ويصرون كذلك يخدلون في النار وينسون.
همام الصنعاني
تفسير : 903- حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي في قوله تعالى: {أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ}: [الآية: 48]، قال: كل شيءٍ مرْتَفِع. 904- قال معمر، وقال قتادة: هو السور الذي بين الجنة والنَّارِ. 905- عبد الرزاق، قال معمر: وقال قتادة: قال ابن عباس: أَهل الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم على سور بين الجنة والنار، لم يدخلوها وهم يَطْمعون. 906- حدثنا عبد الرزاق، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن [عُبَيْد الله بن أبي يزيد]، قال: سمعنا ابن عباس يقول: الأَعراف، الشيء المشرف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):