٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار، أتبعه بذكر ما يقوله أهل النار لأهل الجنة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزحزحت، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، وقد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء } وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب بسبب شدة حر جهنم. وقوله: {أَفِيضُواْ } كالدلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار. فإن قيل: أسألوا مع الرجاء، والجواز، ومع اليأس؟ قلنا: ما حكيناه عن ابن عباس يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول. وقال القاضي: بل مع اليأس، لأنهم قد عرفوا دوام عقابهم وأنه لا يفتر عنهم، ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل: الغريق يتعلق بالزبد، وإن علم أنه لا يغيثه. وقوله: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } قيل إنه الثمار، وقيل إنه الطعام، وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد، والجوع الشديد لهم، عن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم، فيستغيثون فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع. ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما في بطونهم، ويستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فيقول أهل الجنة:{ إن الله حرمهما على الكافرين}، ويقولون لمالك: {أية : لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } تفسير : [الزخرف: 77] فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام، ويقولون: {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } تفسير : [المؤمنون: 107] فيجيبهم {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الزفير والشهيق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه ذكر في صفة أهل الجنة أنهم يرون الله عز وجل كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب، فإذا رأوا الله تعالى، دخل من كل باب ملك معه الهدايا الشريفة وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد، وترابها الذهب الأحمر، وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء، أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل، لا عجم له، فهذا صفة أهل الجنة، وصفة أهل النار، ورأيت في بعض الكتب: أن قارئاً قرأ قوله تعالى حكاية عن الكفار: {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } في تذكرة الأستاذ أبي علي الدقاق، فقال الأستاذ: هؤلاء كانت رغبتهم وشهوتهم في الدنيا في الشرب والأكل، وفي الآخرة بقوا على هذه الحالة، وذلك يدل على أن الرجل يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، ثم بين تعالى أن هؤلاء الكفار لما طلبوا الماء والطعام من أهل الجنة قال أهل الجنة {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } ولا شك أن ذلك يفيد الخيبة التامة، ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكفار بأنهم اتخذوا دينهم لهواً ولعباً، وفيه وجهان: الوجه الأول: أن الذي اعتقدوا فيه أنه دينهم، تلاعبوا به، وما كانوا فيه مجدين. والوجه الثاني: أنهم اتخذوا اللهو واللعب ديناً لأنفسهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد المستهزئين المقتسمين. ثم قال: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } وهو مجاز لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة بل المراد أنه حصل الغرور عند هذه الحياة الدنيا، لأن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال، وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين. غرقاً في طلب الدنيا، ثم لما وصف الله تعالى أولئك الكفار بهذه الصفات قال: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } وفي تفسير هذا النسيان قولان: القول الأول: أن النسيان هو الترك. والمعنى: نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين. والقول الثاني: أن معنى ننساهم كما نسوا أي نعاملهم معاملة من نسي نتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض بآياتنا، وبالجملة فسمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان كما في قوله: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] والمراد من هذا النسيان أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم، ثم بين تعالى أن كل هذه التشديدات إنما كان لأنهم كانوا بآياتنا يجحدون وهذه الآية لطيفة عجيبة وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم كانوا كافرين ثم بين من حالهم أنهم اتخذوا دينهم لهواً أولاً، ثم لعباً ثانياً، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثاً، ثم صار عاقبة هذه الأحوال والدرجات أنهم جحدوا بآيات الله، وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة» تفسير : وقد يؤدي حب الدنيا إلى الكفر والضلال.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَنَادَىٰ} قيل: إذا صار أهل الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا: يا رَبُّنَا إن لنا قرابات في الجنة فأْذن لنا حتى نراهم ونكلمهم. وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد وجوههم، فيقولون: {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} فبيّن أن ٱبن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب. {قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} يعني طعام الجنة وشرابها. والإفاضة التوسعة؛ يقال: أفاض عليه نِعمه. الثانية: في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تَرَوْا إلى أهل النار حين ٱستغاثوا بأهل الجنة «ان أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ»؟. وروى أبو داودحديث : أن سعداً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أيّ الصدقة أعجب إليك؟ قال: «الماء». وفي رواية: فحفر بئراً فقال «هذه لأمّ سعد». وعن أنس قال: قال سعد: يا رسول الله، إن أمّ سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: «نعم وعليك بالماء»تفسير : . وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عُبادة أن يسقي عنها الماء. فدلّ على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلاً مؤمناً موحداً وأحياه. روى البخارِيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «بينا رجل يمشي بطريق ٱشتدّ عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا كلب يأكل الثَّرَى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلبَ مثلُ الذي بلغ بي فملأ خفّه ثم أمسكه بفِيه ثم رَقِيَ فسقى الكلب فشكر اللَّهُ له فغفر له». قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجراً؟ قال: «في كل ذات كبد رَطْبة أجر»تفسير : . وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عُذّبت ٱمرأة في هِرّة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»تفسير : . وفي حديث عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ومن سَقَى مسلماً شَربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها»تفسير : . خرّجه ابن ماجه في السُّنَن. الثالثة: وقد ٱستدلّ بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقِربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ» لا حقّ لكم فيها. وقد بوّب البخارِيّ رحمه الله على هذا المعنى: (باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه) وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : والذي نفسي بيده لأذودنّ رجالاً عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض»تفسير : . قال المهلّب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه؛ لقوله عليه السلام: «حديث : لأذودنّ رجالاً عن حوضي».
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن ذلة أهل النار، وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم، وأنهم لا يجابون إلى ذلك. قال السدي: {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} يعني: الطعام. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يستطعمونهم، ويستسقونهم، وقال الثوري عن عثمان الثقفي عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: ينادي الرجل أباه أو أخاه، فيقول له: قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} وروي من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس مثله سواء. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} يعني: طعام الجنة وشرابها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا موسى بن المغيرة، حدثنا أبو موسى الصفار في دار عمرو بن مسلم قال: سألت ابن عباس، أو سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا: أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله» تفسير : وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال: لما مرض أبو طالب، قالوا له: لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا، فيرسل إليك بعنقود من الجنة؛ لعله أن يشفيك به، فجاءه الرسول، وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: إن الله حرمهما على الكافرين. ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهواً ولعباً، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للآخرة، وقوله: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} أي: يعاملهم معاملة من نسيهم؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، ولا ينساه؛ كما قال تعالى: {أية : فِى كِتَـٰبٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 52] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة؛ كقوله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] وقال: {أية : كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طـه: 126] وقال تعالى: {أية : وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} تفسير : [الجاثية: 34] وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا، وقال مجاهد: نتركهم في النار، وقال السدي: نتركهم من الرحمة؛ كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا، وفي الصحيح: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني؟
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } من الطعام {قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا } منعهما {عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء } الإفاضة: التوسعة، يقال أفاض عليه نعمه، طلبوا منهم أن يواسوهم بشيء من الماء، أو بشيء مما رزقهم الله من غيره من الأشربة أو الأطعمة، فأجابوا بقولهم: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا } أي الماء وما رزقهم الله من غيره {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } فلا نواسيكم بشيء مما حرّمه الله عليكم. وقيل: إن هذا النداء من أهل النار كان بعد دخول أهل الأعراف الجنة، وجملة {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا } في محل جر صفة الكافرين، وقد تقدّم تفسير اللهو واللعب والغرر. قوله: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ } أي نتركهم في النار {كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } "الكاف" نعت مصدر محذوف، و"ما" مصدرية، أي نسياناً كنسيانهم لقاء يومهم هذا. قوله: {وَمَا كَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ } معطوف على ما نسوا، أي كما نسوا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي ينكرونها. واللام في {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ } جواب القسم. والمراد بالكتاب الجنس، إن كان الضمير للكفار جميعاً، وإن كان للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمراد بالكتاب: القرآن، والتفصيل التبيين، و{عَلَىٰ عِلْمٍ } في محل نصب على الحال، أي عالمين حال كونه {هُدًى } للمؤمنين {وَرَحْمَةً } لهم. قال الكسائي والفراء: ويجوز «هدى ورحمة» بالخفض على النعت لكتاب. قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } بالهمز من آل، وأهل المدينة يخفون الهمزة. والنظر الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في الكتاب من العقاب الذي يؤول الأمر إليه. وقيل: تأويله جزاؤه. وقيل عاقبته. والمعنى متقارب. و{يوم} ظرف لـ {يقول} أي يوم يأتي تأويله، وهو يوم القيامة {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ } أي تركوه من قبل أن يأتي تأويله {قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ } الذي أرسلهم الله به إلينا، {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء } استفهام منهم، ومعناه التمني {فَيَشْفَعُواْ لَنَا } منصوب لكونه جواباً للاستفهام. قوله: {أَوْ نُرَدُّ } قال الفراء: المعنى أو هل نردّ {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ } وقال الزجاج: {نردّ} عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد، أو نردّ. وقرأ ابن أبي إسحاق «أو نردّ فنعمل» بنصبهما، كقول امرىء القيس:شعر : فقلت له لا تبك عيناً إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا تفسير : وقرأ الحسن برفعهما. ومعنى الآية: هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من العذاب، أو هل نُردُّ إلى الدنيا فنعمل صالحاً غير ما كنا نعمل من المعاصي {قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } أي لم ينتفعوا بها، فكانت أنفسهم بلاء عليهم ومحنة لهم، فكأنهم خسروها كما يخسر التاجر رأس ماله. وقيل خسروا النعيم وحظ الأنفس {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي افتراؤهم أو الذي كانوا يفترونه. والمعنى أنه بطل كذبهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا، أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكاً لله، فلم ينفعهم ولا حضر معهم. قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } هذا نوع من بديع صنع الله وجليل قدرته، وتفرّده بالإيجاد، الذي يوجب على العباد توحيده وعبادته. وأصل ستة سدسة، أبدلت التاء من أحد السينين، وأدغم فيها الدال، والدليل على هذا أنك تقول في التصغير سديسة، وفي الجمع أسداس، وتقول جاء فلان سادساً. واليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، قيل: هذه الأيام من أيام الدنيا. وقيل: من أيام الآخرة، وهذه الأيام الست أولها الأحد وآخرها الجمعة، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة، يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور، أو خلقها في ستة أيام لكون لكل شيء عنده أجلاً، وفي آية أخرى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } تفسير : [قۤ: 38]. قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قد اختلف العلماء في معنى هذا على أربعة عشر قولاً، وأحقها وأولاها بالصواب مذهب السلف الصالح أنه: استوى سبحانه عليه بلا كيف، بل على الوجه الذي يليق به مع تنزهه عما لا يجوز عليه، والاستواء في لغة العرب هو العلوّ والاستقرار. قال الجوهري: استوى على ظهر دابته، أي استقرّ. واستوى إلى السماء: أي صعد. واستوى: أي استولى وظهر، ومنه قول الشاعر:شعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : واستوى الرجل: أي انتهى شبابه. واستوى: أي انتسق واعتدل. وحكي عن أبي عبيدة أن معنى {ٱسْتَوَىٰ } هنا: علا، ومثله قول الشاعر:شعر : فأورد بهم ماء ثقيفاً بقفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى تفسير : أي علا وارتفع. {والعرش}. قال الجوهري: هو سرير الملك. ويطلق العرش على معان أخر، منها عرش البيت: سقفه، وعرش البئر: طيها بالخشب، وعرش السماك: أربعة كواكب صغار. ويطلق على الملك والسلطان والعزّ، ومنه قول زهير:شعر : تداركتما عبساً وقد ثلّ عرشها وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل تفسير : وقول الآخر:شعر : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب تفسير : وقول الآخر:شعر : رأوا عرشي تثلم جانباه فلما أن تثلم أفردوني تفسير : وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما، وهو المراد هنا. قوله: {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَار} أي يجعل الليل كالغشاء للنهار، فيغطى بظلمته ضياءه. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «يغشي» بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف وهما لغتان، يقال أغشى يغشي، وغشي يغشي، والتغشية في الأصل: إلباس الشيء الشيء. ولم يذكر في هذه الآية يغشي الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخركقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 8]. وقرأ حميد بن قيس «يغشي الليل النهار» على إسناد الفعل إلى الليل، ومحل هذه الجملة النصب على الحال، والتقدير: استوى على العرش مغشياً الليل والنهار، وهكذا قوله: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} حال من الليل، أي حال كون الليل طالباً للنهار طلباً حثيثاً لا يفتر عنه بحال، وحثيثاً صفة مصدر محذوف، أي يطلبه طلباً حثيثاً، أو حال من فاعل يطلب. والحث: الاستعجال والسرعة، يقال ولى حثيثاً: أي مسرعاً. قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } قال الأخفش: معطوف على السموات، وقرأ ابن عامر برفعها كلها على الابتداء والخبر. والمعنى على الأوّل: وخلق الشمس والقمر والنجوم حال كونها مسخرات، وعلى الثاني: الإخبار عن هذه بالتسخير. قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } إخبار منه سبحانه لعباده بأنهما له، والخلق: المخلوق، والأمر: كلامه، وهو "كن" في قوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40]، أو المراد بالأمر ما يأمر به على التفصيل، أو التصرّف في مخلوقاته. ولما ذكر سبحانه في هذه الآية خلق السموات والأرض في ذلك الأمد اليسير، ثم ذكر استواءه على عرشه وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وأن له الخلق والأمر. قال: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي كثرت بركته واتسعت، ومنه بورك الشيء وبورك فيه، كذا قال ابن عرفة. وقال الأزهري في {تَبَـٰرَكَ } معناه تعالى وتعاظم. وقد تقدم تفسير {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } في الفاتحة مستكملاً. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } الآية قال: ينادي الرجل أخاه فيقول: يا أخي أغثني، فإني قد احترقت، فأفض عليّ من الماء، فيقال أجبه، فيقول: {إن الله حرّمهما على الكافرين}. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } قال: من الطعام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في الآية قال: يستسقونهم ويستطعمونهم. وفي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: طعام الجنة وشرابها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، في قوله: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } يقول: نتركهم في النار كما تركوا لقاء يومهم هذا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ } قال: نؤخرهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } قال: عاقبته. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ} جزاؤه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } قال: يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } قال: ما كانوا يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتَ وَٱلأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } قال: كل يوم مقداره ألف سنة. وأخرج ابن مردويه، عن أم سلمة، قالت في قوله: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود كفر. وأخرج اللالكائي عن مالك أن رجلاً سأله كيف استوى على العرش؟ فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء والخطيب في تاريخه، عن الحسن بن عليّ، قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين آية في كل ليلة أن يعصمه الله من كل سلطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضاري، ومن كل لص عادي: آية الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } [الأعراف: 54] وعشراً من أوّل سورة الصافات، وثلاث آيات من الرحمن. أوّلها {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنس} تفسير : [الرحمٰن: 33]، وخاتمة الحشر. وأخرج أبو الشيخ عن عبيد بن أبي مرزوق قال: من قرأ عند نومه {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } الآية، بسط عليه ملك جناحه حتى يصبح، وعوفي من السرق. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن قيس صاحب عمر بن عبد العزيز قال: مرض رجل من أهل المدينة فجاءه زمرة من أصحابه يعودونه، فقرأ رجل منهم: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } الآية كلها، وقد أصمت الرجل فتحرّك ثم استوى جالساً، ثم سجد يومه وليلته حتى كان من الغد من الساعة التي سجد فيها، قال له أهله، الحمد لله الذي عافاك، قال: بعث إلى نفسي ملك يتوفاها، فلما قرأ صاحبكم الآية التي قرأ، سجد الملك وسجدت بسجوده، فهذا حين رفع رأسه، ثم مال فقضى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السديّ، في قوله: {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَار} قال: يغشى الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعاً حتى يدركه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: يلبس الليل النهار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {حَثِيثًا } قال: سريعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة، في قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأمْرُ } قال: الخلق ما دون العرش، والأمر ما فوق ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي، عنه، قال: الخلق هو الخلق، والأمر هو الكلام.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {...أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: من ماء الرحمة ومما رزقكم الله من القربة. والثاني: من ماء الحياة ومما رزقكم الله من النعم.
الخازن
تفسير : {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا} قال ابن عباس رضي الله عنهما لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار في الفرج فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فيأذن لهم فينظرون إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم وينظر أهل الجنة إلى قرابتهم من أهل النار فلم يعرفوهم لسواد وجوههم فينادون أي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم فينادي الرجل أباه وأخاه فيقول قد احترقت أفضْ عليّ من الماء فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون إن الله حرمهما على الكافرين. ومعنى الآية أن أهل النار يستغيثون بأهل الجنة إذا استقروا فيها وذلك عند نزول البلاء بأهل النار وما يلقون من شدة العطش والجوع عقوبة لهم من الله على ما سلف منهم في الدنيا من الكفر والمعاصي. يقول أهل النار لأهل الجنة يا أهل الجنة أفيضوا علينا من الماء يعني صبوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله يعني أو أطعمونا مما رزقكم الله ووسعوا علينا من طعام الجنة فيجيبهم أهل الجنة بقولهم {إن الله حرمهما على الكافرين} وهذا الجواب يفيد الحرمان، وقال بعضهم: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل والشرب عذبهم الله في الآخرة بشدة الجوع والعطش فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا في طلب الأكل والشرب فأجيبوا بأن الله حرمهما على الكافرين يعني طعام الجنة وشرابها ثم وصف الكافرين فقال تعالى: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} يعني أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم ولهوا عنه. وأصل اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. ويقال لهوت بكذا ولهيت عن كذا أي اشتغلت عنه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم المستهزؤون وذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به استهزاء بالله عز وجل، وقيل: هو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحائر والسوائب والمكاء والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية: وقيل: معنى دينهم عيدهم اتخذوه لهواً ولعباً لا يذكرون الله فيه {وغرتهم الحياة الدنيا} يعني وخدعهم عاجل ما هم فيه من خصب العيش ولذته وشغلهم ما هم فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسله وعن الأخذ بنصيبهم من الآخرة حتى أتتهم المنية على ذلك. والغرة غفلة في اليقظة وهو طمع الإنسان في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال والجاه ونيل الشهوات فإذا حصل ذلك صار محجوباً عن الدين وطلبِ الخلاص لأنه غريق في الدنيا بلذاته وما هو فيه من ذلك ولما وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الذميمة قال {فاليوم} يوم القيامة {ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} يعني فاليوم نتركهم في العذاب المهين جياعاً عطاشاً كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا. وهذا قول ابن عباس ومجاهد والسدي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نسيهم من الخير ولم ينسهم من الشر. وقيل معناه نعاملهم معاملة من نسي فنتركهم في النار كما تركوا العمل وأعرضوا عن الإيمان إعراض الناسي. سمى الله تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز لأن الله تعالى لا ينسى شيئاً فهو كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها فيكون المراد من هذا النسيان أن الله تعالى لا يجيب دعاءهم ولا يرحم ضعفهم وزلتهم بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان والعمل {وما كانوا بآياتنا يجحدون} يعني ونتركهم في النار كما كانوا بدلائل وحدانيتنا يكذبون. قوله تعالى: {ولقد جئناهم بكتاب} يعني ولقد جئنا هؤلاء الكفار بالقرآن الذي أنزلناه عليك يا محمد {فصلناه على علم} أي بيناه على علم منا بما نفصله ونبينه {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} أي جعلنا القرآن هادياً وذا رحمة لقوم يؤمنون {هل ينظرون} يعني ينتظر هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآياتنا وجحدوها ولم يؤمنوا بها {إلا تأويله} يعني هل ينظرون ويتوقعون إلا ما وعدوا به على ألسنة الرسل من العذاب وأن مصيرهم إلى النار والتأويل ما يؤول إليه الشيء {يوم يأتي تأويله} يعني يوم القيامة لأنه يوم الجزاء وما تؤول إليه أمورهم {يقول الذين نسوه من قبل} يعني: يقول الذين تركوا العمل بالقرآن ولم يؤمنوا به يوم القيامة عند معاينة العذاب {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أقروا على أنفسهم واعترفوا حين لا ينفعهم ذلك الاعتراف والإقرار. والمعنى أن الكفَّار أقرو بأن الذي جاءت به الرسل من الإيمان والتصديق والحشر والنشر والبعث يوم القيامة والثواب والعقاب حق وصدق وإنما أقروا بهذه الأشياء لأنهم شاهدوها معاينة وذلك حين لا ينفعهم ولما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} يعني أنه ليس لنا طريق إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب إلا أن يشفع لنا شفيع عند ربنا فيقبل شفاعته فينا فيخلصنا من هذا العذاب أو نرد إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها فنبدل الكفر بالتوحيد والإيمان والمعاصي بالطاعة والإنابة {قد خسروا أنفسهم} يعني أن الذي طلبوه لا يحصل لهم فتبين خسرانهم وإهلاكهم أنفسهم لأنهم كانوا في الدنيا أول مرة فلم يعملوا بطاعة الله ولو رُدوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعصيان لسابق علم الله تعالى فيهم {وضل عنهم ما كانوا يفترون} يعني وبطل وذهب عنهم ما كانوا يزعمون ويكذبون في الدنيا من أن الأصنام تشفع لهم فلما أفضوا إلى الآخرة ذهب ذلك عنهم وعملوا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاءِ...} الآية: لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وَقَعَ لهم علم بأن أهل الجَنَّة يسمعون نِدَاءَهُمْ، وجائز أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإِدراك يجعله اللَّه لهم عَلَى بُعْدِ السُّفْلِ من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السُّورُ والحجاب المتقدم الذِّكْر. وروي أن ذلك النداء هو عند اطِّلاَع أهل الجنة عليهم. وقوله سبحانه: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} إشارة إِلى الطعام. قاله السدي. فيقول لهم أهل الجنة: إن اللَّه حَرَّمَ طعام الجَنَّةِ وشَرَابَهَا على الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحُكْمِ هو عن أَمْرِ اللَّه تعالى. ومعنى قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً} أي بالإِعْرَاضِ والاستهزاء. بِمَنْ يدعوهم إلى الإسلام. {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغَايَةُ القصوى. وقوله: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ} هو من إخبار اللَّه عز وجل عما يَفْعَلُ بهم والنسيان هنا بمعنى التَّرْكِ، أي: نتركهم في العذاب، كما تركوا النَّظَر للقاء هذا اليوم. قاله ابن عباس وجماعة. و«ما كانوا» عطف على «ما» من قوله: «كما نسوا»، ويحتمل أن تقدر «ما» الثانية زائدة، ويكون قوله: «وكانوا» عَطْفاً على قوله: «نسوا». وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ} الضمير في «جئناهم» لمن تَقَدَّم ذكره، و«الكتاب» اسم جنس، واللام في «لقد» لام قَسَم. وقال يحيى بن سلام: بل الكلام تَمَّ في {يَجْحَدُونَ}، وهذا الضمير لمكذبي نبينا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وهو ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن، و{عَلَىٰ عِلْمٍ} معناه: على بَصِيرَةٍ. وقوله سبحانه: {هَلْ يَنظُرُونَ} أي ينتظرون {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}، أي مآله وعاقبته يوم القيامة. قاله ابن عباس وغيره. وقال السدي: مآله في الدنيا وقعة بَدْرٍ وغيرها، ويوم القيامة أيضاً، ثم أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يَقَعُ معه نَدَمُهُمْ، ويقولون تأسُّفاً على ما فاتهم من الإيمان: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}، فالتأويل على هذا من آل يؤول، {وَنَسُوهُ } يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بَيِّنٌ. * ت *: وهذا التقرير يُرَجِّحُ تأويل ابن سلام المتقدم.
ابن عادل
تفسير : قال عطاءٌ عن ابن عباس: "لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنَّة طمع أهل النَّار في الفرج، فقالوا: يا رب، إنَّ لنا قرابات من أهل الجَنَّة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فأمر الله الجنة فتزحزحت فنظروا إلى قراباتهم في الجنة، وما هم فيه من النعيم، فعرفوهم، ولم يعرفهم أهل الجنة لسواد وجوههم، فَنَادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ}. قوله: "أنْ أفِيْضُوا" كأحوالها من احتمال التفسير والمصدرية، و "مِنَ المَاءِ" متعلق بـ "أفيضَوا" على أحد وجهين: إمَّا على حذف مفعول أي: شيئاً من الماء، فهي تبعيضية طلبوا منهم البعض اليسير، وإمّا على تضمين "أفِيضُوا" معنى ما يتعدّى بـ "من" أي: أنعموا منه بالفيض. وقوله: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ} "أو" هنا على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين؛ إمَّا تخييراً، أو إباحة، أو غير ذلك مما يليق بهما، وعلى هذا يقال: كيف قيل: حرَّمهما فأعيد الضَّميرُ مثنى وكان من حق من يقول: إنَّها لأحد الشيئين أن يعود مفرداً على ما تقرَّر غير مّرة؟ وقد أجابوا بأن المعنى: حرّم كلاًّ منهما. وقيل: إن "أو" بمعنى الواو فعود الضمير واضح عليه. و "مِمَّا" "ما" يجوزُ أن تكون موصولة اسميّة، وهو الظَّاهِرُ، والعائد محذوف أي: أو من الذي رزقكموه الله، ويجوزُ أن تكون مصدرية، وفيه مجازان. أحدهما: أنَّهم طلبوا منهم إفَاضَةَ نفس الرزق مبالغة في ذلك. والثاني: أن يراد بالمصدر اسم المفعول، كقوله: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 60] في أحد وجهيه. وقال الزمخشريُّ: أو مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من غيره من الأشْرِبَةِ لدخوله في حكم الإفاضة". ويجوزُ أن يُراد: أن ألْقوا علينا من ما زرقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله: [الرجز]. شعر : 2474 - عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارداً ......................... تفسير : قال أبُو حيَّان: وقوله: "وألْقوا علَيْنَا مِمَّا رَزَقكُمُ اللَّهُ منَ الطَّعامِ والفاكهة" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: "أفيضُوا" ضُمِّن معنى قوله: "ألقوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله" فيصحُّ العطف. ويحتمل - وهو الظاهر من كلامه - أن يكون أضمر فعلاً بعد "أو" يصل إلى مما رزقكم اللَّهُ، وهو "ألقوا"، وهما مذهبان للنحاة فيما عُطفَ على شيء بحرف عطف، والفعل لا يصل إليه، والصَّحيحُ منهما التّضمين لا الإضمار. قال شهابُ الدِّين: "يعني الزمخشري: أن الإفاضة أصل استعمالها في الماء، وما جرى مجراه في المائعات، فقوله: "أو من غيره من الأشْرِبَةِ" تصحيح ليسلّط الإفاضة عليه؛ لأنَّهُ لو حُمِلَ مما رزقكم اللَّه على الطعام والفاكهة لم يَحْسُن نسبة الإفاضة إليهما إلاَّ بتجوز، فذكر وجه التجوز بقوله: "ألقوا"، ثم فسَّره الشيخ بما ذكر، وهو كما قال، فإن العلف لا يُسند إلى الماء فيؤولان بالتضمين أي: فعلفتها، ومثله: [الوافر] شعر : 2475 -...................... وَزَجَّجْنُ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا تفسير : وقوله: [مجزوء الكامل] شعر : 2476 - يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ}تفسير : [الحشر: 9] وقد مَضَى من هذا جملة صالحة". وزعم بعضهم أن قوله: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} عام يندرج فيه الماء المتقدِّم، وهو بعيد أو متعذّر لِلْعَطْفِ بـ "أو". والتَّحريم هنا المنع كقوله: [الطويل] شعر : 2477 - حَرَامٌ عَلَى عَيْنَيَّ أنْ تَطْعَمَا الكَرَى .......................... تفسير : فصل في فضل سقي الماء قال القرطبيُّ: "هذه الآية دليل على أن سقي الماء أفضل الأعمال". وقد سئل ابن عباس: أي الصّدقة أفضل؟ قال: الماء، ألم تروا إلى أهْلِ النَّار حين استغاثوا بأهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممَّا رزقكم الله. وروى أبو داود "حديث : أن سعداً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أحب إليك؟ قال: المَاءُ، فَحَفَر بِئراً وقال: هذه لأمِّ سَعْدٍ ". تفسير : فصل في أحقية صاحب الحوض بمائه قال القرطبي: "وقد استدلّ بهذه الآية من قال: إنَّ صاحب الحوض والقربة أحقُّ بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنَّة: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} لا حق لكم فيها".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس. أنه سئل أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الصدقة سقي الماء، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " . تفسير : وأخرج أحمد عن سعد بن عبادة "حديث : أن أمَةً ماتت فقال: يا رسول الله أتصدق عليها؟ قال نعم. قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ونادى أصحاب الجنة...} الآية. قال: ينادي الرجل أخاه فيقول: يا أخي أغثني فإني قد احترقت فأفض عليّ من الماء. فيقال: أجبه. فيقول {إن الله حرَّمهما على الكافرين} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {افيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} قال: من الطعام . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: لما مرض أبو طالب قالوا له: لو أرسلت إلى ابن أخيك فيرسل إليك بعنقود من جنة لعلَّه يشفيك، فجاءه الرسول وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: إن الله حرَّمهما على الكافرين . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} قال: يستسقونهم ويستطعمونهم. وفي قوله {إن الله حرَّمهما على الكافرين} قال: طعام الجنة وشرابها. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في شعب الإِيمان عن عقيل بن شهر الرياحي قال: شرب عبد الله بن عمر ماء بارداً فبكى فاشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟! قال: ذكرت آية في كتاب الله {أية : وحيل بينهم وبين ما يشتهون }تفسير : [سبأ: 54] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله عز وجل {أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} . وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يلقى إبراهيم أباه يوم القيامة وعلى وجهه قترة وغبرة، فيقول: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني فأي خزي أخزى من أبي إلا بعد في النار، فيقول الله: إني حرَّمت الجنة على الكافرين " .
ابو السعود
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ} بعد أن استقر بكل من الفريقين القرارُ واطمأنت به الدار {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء} أي صُبّوه، وفي دَلالةٌ على أن الجنة فوق النار {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} من سائر الأشربةِ ليُلائِمَ الإفاضة، أو من الأطعمة على أن الإفاضةَ عبارةٌ عن الإعطاء بكثرة {قَالُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل: قالوا: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي منعهما منهم منعاً كلياً فلا سبـيل إلى ذلك قطعاً {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} كتحريم البَحيرة والسائبةَ ونحوِهما والتصديةِ حولَ البـيت، واللهوُ صرفُ الهمِّ إلى ما لا يحسُن أن يُصْرفَ إليه، واللعبُ طلبُ الفرحِ بما لا يحسن أن يُطلب {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} بزخارفها العاجلةِ {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ} نفعل بهم ما يفعل الناسي بالمنسيِّ من عدم الاعتدادِ بهم وتركِهم في النار تركاً كلياً، والفاء في فاليوم فصيحةٌ وقوله تعالى: {كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ، أي ننساهم نسياناً مثلَ نسيانِهم لقاءَ يومِهم هذا حيث لم يُخطِروه ببالهم ولم يعتدّوا له، وقولُه تعالى: {وَمَا كَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ} عطفٌ على ما نسوا أي وكما كانوا منكرين بأنها من عند الله تعالى إنكاراً مستمراً. {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَـٰهُ} أي بـيّنا معانيَه من العقائد والأحكامِ والمواعظ، والضميرُ للكفرة قاطبةً والمرادُ بالكتاب الجنسُ أو للمعاصِرين منهم والكتابُ هو القرآن {عَلَىٰ عِلْمٍ} حالٌ من فاعل فصلناه أي عالمين بوجه تفصيلِه حتى جاء حكيماً أو من مفعوله أي مشتملاً على علم كثير، وقرىء فضلناه أي على سائر الكتب عالمين بفضله {هُدًى وَرَحْمَةً} حال من المفعول {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم المغتنمون لآثاره المقتبسون من أنواره.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: { أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} [الآية: 50]. قال بعضهم: ماء الرحمة، أو مما رزقكم الله من القربة. قال بعضهم: أفيضوا علينا من ماء الحياة ليحيى به، أو مما رزقكم الله من النعمة لتنعم به.
القشيري
تفسير : دلَّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشربَ؛ فإنهم في تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوعُ والعطش حتى يتضرعون كلَّ ذلك التضرع؛ فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم في غاية الآلام، والعادة - اليومَ - أن من كان في ألم شديد لا يأكل ولا يشرب، وهذا شديد. ثم أَبْصِرْ كيف لا يسقيهم قطرةً - مع استغنائه عن تعذيبهم، وقدرتِه على أن يعطيه ما يريدون! ولكنه قهر الربوبية وعِزُّ الأحدية، وأنه فَعَّالٌ لما يريد. فكما لم يرزقهم - اليومَ - من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غداً في تلك الأحوال قطرة، وفي معناه أنشدوا: شعر : وأَقْسَمْنَ لا يسقيننا - الدهرَ - قطرةً ولو فُجِّرت من أرضهن بحورُ تفسير : ويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعدما نفدت دموعهم، وفي هذا المعنى قيل: شعر : يا نازحاً نَزَفَتْ دمعي قطيعتُه هَبْ لي من الدمعِ ما أبكي عليكَ به تفسير : وفي هذا المعنى أنشدوا. شعر : جرف البكاءُ دموعَ عينك فاستعِرْ عيناً لغيرك دمعها مدرار مَنْ ذا يُعيرك عينَه تبكي بها أرأيتَ عيناً للبكاء تُعار؟ تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ}. كما تركوا أمره وضيَّعوه تركهم في العقوبة، ولا (...) فيما يشكون، فتأتي عليهم الأحقاب، فلا كشف عذاب، ولا بَرْد شراب، ولا حسن جواب، ولا إكرامٌ بخطاب. ذلك جزاءٌ لِمَنْ يعرف قَدْرَ الوصلة في أوقات المهلة.
البقلي
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ} ان من لطف الله وكرمه على خلقه ان رفع الحجاب من الجنة لاهل النار حتى يحتملوا الام العذاب رؤية الجنان واهلها وهذا من الطافه الخفية الا ترى الى عاشق ينظر الى وجه معشوقة وهو فى وسط الثلج والزمهرير فلا يجدا لامة لما وجد من حلاوة مشاهدة معشوقه اذكر شان صويحايات يوسف عليه السلام كيف قطعن ايديهن فى مشاهدة يوسف وما شعرن فى مشاهدته الام القطع سمعت ان بعضا من المشايخ مضى اى مسجده بقرب داره بين المغرب والعشاء وكان ينزل الثلج فراى شابا تحت منظر يتكلم مع مشعوقه على لامنظر وهما غائبان فى حديثهما عن رؤية الشيخ حتى صلى ورجع فلما حان وقت الصبح ومضى الى قربهما فراهما واقفين بين الثلج والثلج بلغ الى وسطها ومع شيخ سراج فقالت المعشوقة لعاشقها مريا حبيبى فان الشيخ يمضو الى صلاة العمة وانشد فى هذا المعنى شعر : شهور نيفضين وما شعرنا بانصاف لهن ولا سرارى تفسير : فصاح الشيخ صيحة وحر مغشيا عليه ثم قال بعد ذلك وتارة وفرق فميص وقال واويلاه ان أدميين لما يعلما فى عشقهم ومشاهدتهما العتمة من الصباح ولم يشعر الام الثلج فى البردى وانا ادعى حب خالق اخلق واكون بهذه الصفة غافلا انشد الجلاج فى بلايد فى رؤية مبليه شعر : وحرمه الود الذى لم يكن يطمع فى افساده الدهر ما نالنى عند نزول البلاء بوس ولا مسنى الضر تفسير : وقولهم افيضوا علينا منا لماء لان الماء ضد النار اى يا اهل القدرة فى الحضرة افيضوا علينا من مياه الشفقة وما رزقكم الله من مقام الشفاعة مع استغنائه عن تعذيبهم وقدرته على ان يعطيهم ما يريدون ولكن قهر الربوبية وعز الاحدية وانه فعال لما يريد وكما لم يرزقهم اليوم من عرفانه ذرة لا يسقيهم غدا فى تلك الاحوال قطرة فى معناه انشدوا شعر : واقسمن لا يسقينا الدهر شربه وول زخرت من ارضهن بحور تفسير : وقال انما الماء ليبكوا به لانه نفدت دموعهم كما قال قائلهم شعر : يا نازحا ترحت دمعى قطيعته هب لى من الدمع ما ابكى عليك به
اسماعيل حقي
تفسير : {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة} بعد الاستقرار فى الدارين {أن} مفسرة او مخففة كما سبق غير مرة {افيضوا علينا} اى صبوا {من الماء} اى ماء الجنة حتى يطفئ عنا حر ما نجد من العطش وذلك انهم لما بقوا فيها جياعا عطاشا قالو ياربنا ان لنا قرابات فى الجنة فائذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فيؤذن لهم فى ذلك فينظرون الى قراباتهم فى الجنة والى ما هم فيه من انواع النعيم فيعرفونهم ولا يعرفهم اهل الجنة لسواد وجوههم فينادون قراباتهم من اهل الجنة بعد اخبارهم بقرابتهم ويقولون افيضوا علينا من الماء {او مما رزقكم الله} من سائر الاشربة ليلائم الافاضة فان الاصل فيها ان تستعمل فى المائعات من المشروبات او من الاطعمة فنأكلها لعلها تدفع عنا الجوع على ان الافاضة عبارة عن الاعطاء بكثرة. قال ابو حيان الصحيح تضمين افيضوا معنى القوا وهؤلاء القائلون كانوا فى الدنيا عبيد البطون حريصين على الطعام والشراب حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ماتوا عليه وان اهل الجنة لما اطالوا الجوع والعطش فى الدنيا وانما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم فى الجنة بشهوات النفس. وفى الآية بيان ان الانسان لا يستغنى عن الطعام والشراب وان كان فى العذاب. قال ابو الجوزاء سألت ابن عباس رضى الله عنهما أى الصدقة افضل قال الماء ارأيت اهل النار لما استغاثوا باهل الجنة قالوا افيضوا علينا من الماء. "حديث : وعن سعد بن عبادة انه قال يا رسول الله ان ام سعد ماتت فأى صدقة افضل قال عليه السلام "الماء" فحفر بئرا فقال عليه السلام "هذه لام سعد" " . تفسير : يقول الفقير فى الحديث دلالة على نفع الصدقة فى الاموات كما ذهب اليه اهل السنة وتخصيص الماء اما لان ارض الحجاز احوج شئ اليه فيكون اكثر ثوابا واما لان جهنم بيت الحرارة واندفاعها بضدها وهى البرودة التى من اوصاف الماء فان كل شئ يقابل بنقيضه والله اعلم {قالوا} روى انه لا يؤذن لاهل الجنة فى الجواب مقدار اربعين سنة ثم يؤذن لهم فى جوابهم فيقولون {ان الله حرمهما على الكافرين} اى منع طعام الجنة وشرابها عنهم منع المحرم عن المكلف فلا سبيل الى ذلك قطعا وانما جعل شراب الكافرين الحميم الذى يصهر به ما فى بطونهم والجلود وطعامهم الضريع والزقوم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {هدى ورحمة}: حال من مفعول {فصَّلناه}، {فيشفعوا}: جواب الاستفهام، {أو نُرد}؛ بالنصب: عطف عليه، وبالرفع: استئناف، فعلى الأول: المسؤول أحد الأمرين؛ إما الشفاعة أو الرد، وعلى الثاني: المسؤول الشفاعة فقط. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ونادى}، يوم القيامة، {أصحابُ النار أصحابَ الجنةِ أن أفيضُوا} أي: صبوا {علينا من الماء}، وفيه دليل على أن الجنة فوق النار، أو: صبوا علينا مما رزقكم الله؛ من سائر الأشربة، ليلائم قوله {أفيضوا}، أو: من الطعام؛ على حذف الفعل، أي: أو أعطونا مما رزقكم الله، {قالوا إن الله حرمهما على الكافرين}، أي: منعهما عنهم، {الذين إتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا}؛ كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به؛ عريانًا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو: صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به؛ لخلوه عن منفعة دينية، {وغرّتهم الحياة الدنيا}؛ بأن أنستهم القيامةَ، {فاليوم نَنساهُم كما نَسُوا لقاءَ يومهم هذا}، والكاف: أي: ننساهم؛ لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، {وما كانوا بآياتنا يجحدون} أي: نُهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله. {ولقد جِئناهم بكتاب فصّلناه على علمٍ} أي: بيَّنا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ، مفصلةً {على علم}، أي: عالمين بوجه تفصيله حتى جاء في غاية الإتقان، {وهدىً ورحمةً لقوم يؤمنون} فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم. {هل ينظرون} أي: ما ينتظر الكفار به {إلا تأويلَه}، أي: ما يؤول إليه أمره؛ من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، بقيام الساعة وما بعدها، {يوم يأتي تأويلُه}؛ بظهور ما نطق به، {يقول الذين نَسُوه من قبل}، ولم يؤمنوا به: {قد جاءت رسُل ربنا بالحق} أي: قد تبين أنهم جاؤوا بالحق، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا: {فهل لنا من شفعاءَ فيشفعوا لنا} اليوم، {أو نُردُّ} أي: وهل نرد إلى الدنيا {فنعملَ غيرَ الذي كنا نعملُ} فنستبدل الكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة والإذعان، أو: فيشفعوا لنا في أحد الأمرين: إما السلامة من العذاب، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى: {قد خسروا أنفسهم}؛ أي: بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم، {وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون} أي: غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير، وأفاض عليهم من ماء غيبه، حتى امتلأت قلوبهم وأسرارهم، فأثمر لهم العلوم اللدنية والأسرار الربانية؛ ناداهم أهل البطالة والتقصير: أفيضوا علينا من الماء الذي سقاكم الله منه، أو مما رزقكم من العلوم والمعارف. قالوا: إن الله حرمهما على البطالين؛ الذين اتخذوا طريق القوم لهوًا ولعبًا، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها، فيقول تعالى: فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي، وحلاوة معرفتي، كما نسوا لقائي بشهود ذاتي، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي، وجحدوا وجود التربية وحجروا على قدرتي، ولقد جئناهم بكتاب فصّلنا فيه كل شيء؛ فقلنا فيه: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ } تفسير : [البَقَرَة:106] إلى يوم القيامة، هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين، في أعلى عليين، حينئذٍ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين، أو بالتربية النبوية في كل زمان وحين، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم، أو يرد إلى العمل بعملهم.. هيهات! قد بُعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور، فخسر المبطلون، وفاز المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ثم عرَّف الحق ـ جل جلاله ـ بنفسه؛ ليعرفه من أراد معرفته في الدنيا، فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية ان اصحاب النار يوم القيامة ينادون اصحاب الجنة واصحاب النار هو المخلدون في عذابها، لا جميع من فيها، لان فيها الزبانية الموكلون بعذاب اهلها. وانما توعد الله بالعقاب بالنار دون اختراع لآلام او غيره من الاسباب، لانه أهول في النفس واعظم في الزجر، لما يتصور من الحال فيه، وما تقدم من ادراك البصر له، وانهم يسألونهم ان يفيضوا عليهم شيئا من الماء. والافاضة اجراء المائع من عل، ومنه قولهم: افاضوا في الحديث أي اخذوه بينهم من أوله لانه بمنزلة اعلاه. وافاضوا من عرفات الى مزدلفة معناه صاروا اليها. قال الرماني: حد الماء جسم سيال يروي العطشان من غير غذاء الحيوان، وهو جوهر عظيم الرطوبة يزيد على جميع المائعات في كثرة المنفعة. وقوله {أو مما رزقكم الله} قال ابن زيد والسدي: طلبوا مع الماء شيئا من الطعام. وقال ابو علي: طلبوا شيئا من نعيم الجنة، فأجابهم اهل الجنة بتحريم المنع، لا تحريم العبادة، فقالوا: {إن الله حرمهما على الكافرين} وانما جاز ان يطلبوا شيئا من نعيم الجنة مع اليأس منه، لانهم لا يخلون من الكلام به او السكوت عنه، وكلاهما لا فرج لهم فيه. وانما لم يدرك اهل الجنة - مع خيريتهم - رقة على اهل النار، لان من الخيرية القسوة على اعداء الله واعدائهم، وذلك من تهذيب طباعهم كما يبغض المسيء ويحب المحسن، وذلك دلالة على ان الله تعالى بنى هذه الجملة بنية لا تستغني عن الغذاء، لان اهل النار مع ما هم عليه من العذاب يطلبون الطعام والشراب.
الجنابذي
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ} لانّ الحجاب الّذى بينهما مانع من الوصول لا من الرّؤية اذا شاء الله {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} السّاترين وجهة القلب الّتى هى الطّريق الى الله.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة} أي سينادي، {أن أفيضوا علينا} أي صبُّوا وذكر لفظ الافاضة لأن أهل الجنة في أعلى مكان {قالوا} يعني أهل الجنة {إن الله حرمهما على الكافرين} وروي في تفسير الثعلبي عن ابن عباس أنه سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء أما رأيت أهل النار بما استغاثوا بأهل الجنة فقالوا: أفيضوا علينا من الماء {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} وهو ما زين لهم الشيطان {وغرَّتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم} نفعل لهم فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم من الخير ولا يذكرونهم {كما نسوا لقاء يومهم هذا} يعني كما فعلوا بلقائه فعل الناسين له فلم يهتموا به {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} أي عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه {هل ينظرون إلا تأويله} يعني إلاَّ عاقبة أمره وما يؤُل إليه من تبيين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، قال قتادة: تأويله ثوابه، وقال مجاهد: جزاؤه، قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} من أيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة، وإنما خلقها في ستة أيام لتشاهد الملائكة حدوث شيء بعد شيء، وقيل: ستة أيام من أيام الآخرة {ثم استوى على العرش}، قيل: استولى، وقيل: أحدث خلق العرش كما قال تعالى: {ثم استوى إلى السماء} وقيل: العرش الملك، وهو في اللغة السرير {يغشي الليل النهار} أي يلحق الليل بالنهار ويلحق النهار بالليل {يطلبه حثيثاً} أي سريعاً {مسخرات بأمره} أي بارادته يعني أنها تجري على حسب ما يريد {ألا له الخلق والأمر} قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} تضرعاً تخشعاً لله وتذللاً في الدعاء وخفيةً قيل: سراً، وقيل: المتضرع والاخفاء السر يقول: ادعوه سراً وعلانية {إنه لا يحب المعتدين}، قيل: هو الصياح بالدعاء، وقيل: هو الدعاء على المؤمنين {ولا تفسدوا في الأرض} بالشرك والمعصية والدعاء إلى عبادة غير الله تعالى بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل والامر بالحلال {وادعوه خوفاً} من عقابه {وطمعاً} في ثوابه بفعل الطاعات، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "حديث : سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل" تفسير : {إن رحمة الله قريب من المحسنين}، قيل: المحسنين أعمالهم، وقيل: المحسنين إلى الناس، وقيل: المحسنين إلى من أساء إليهم.
اطفيش
تفسير : {ونَادَى أصْحابُ النَّار أصْحابَ الجنَّة أنْ أفيضُوا عَلينَا مِنَ الماءِ أو ممَّا رَزَقَكُم اللهُ} من سائر الأشربة أو الطعام المائع، بدليل الإضافة، أو الأصل أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة، كقوله: شعر : عَلفْتها تبناً وماءً بارداً تفسير : أى وسقيتها ماء بارداً، أو يضمن أفيضوا معنى ألقوا، فيصلح للمائع وغيره بلا تقدير، وقولهم: أفيضوا علينا دليل على أن الجنة فوق النار، وإنما طلبوا ذلك مع يأسهم من الإجابة تحيرا كما يفعل المضمر الممتحن، أو لما رأوا أصحاب الأعراف دخلوا الجنة طمعوا فى الفرج كما قال ابن عباس، فيقولون: لو رأينا قرابتنا من أهل الجنة يا ربنا وكلمناهم، فيشرف عليهم أهل الجنة غير عارفين لهم لتغير النار وجوههم، فينادى الرجل أباه أو أخاه قد احترقت [وجوههم] أفض علىَّ من الماء، وجعت ألق إلىَّ طعاما وذلك لشدة عطشهم وجوعهم عقوبة على الكفر والمعاصى، ولأن شهوتهم فى الدنيا الشراب والأكل فعذبوا بفقدهما فسألوهما لاعتيادهم ذلك النداء، وجوابه الآتى بإشراف أهل الجنة عليهم أولا، لأنه أنكى وأخزى، ويجوز أن يكون ذلك وأهل الجنة غير مشرفين عليهم وبينهم السور وهو سور شفاف. {قالُوا} أى أصحاب الجنة {إنَّ الله حرَّمهما عَلى الكافِرِين} جواب منهم بأمر الله متضمن للحرمان وعبروا لضمير الاثنين مع أن أهل النار تكلموا، بأو إما إيضاحا لتحريم الماء وما رزقوا معا بحيث لا يتمسكوا بأحد منهما، ولا يطمعوا فيه، أو لأن أو فى كلامهم بمعنى الواو لأنه تجوز التثنية بعد أو، ومعنى تحريمهما على الكافرين منعهما منهم، وعدم وصولهم إليهما، أو شبههما بما حرم من القول أو الفعل أو الاعتقاد على المكلف أن يفعله، وإنما قدموا الماء لأن العطش أشد من الجوع، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة الصدقة بالماء" تفسير : أى عند الحاجة إليه، واستسقى الشعبى عند مصعب فقال له: أى الأشربة تحب؟ فقال: أهونها موجودا، وأعزها مفقودا، فقال مصعب: يا غلام هات الماء.
اطفيش
تفسير : {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الماءِ} شيئا تافهاً من الماءِ أَو بعض الماءِ أَو أَفيضوا من الماءِ شيئاً، والإِفاضة على الشئ تكون مما فوقه أَو مما معه لكن منحدر إِليه، والمراد الأَول، ولو كان فيهما استعلاء فالجنة فوق النار {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} من فى الموضعين للبيان أَو للتبعيض أَو للابتداءِ، ووجه البيان أَن المراد الحقيقة لا الاستغراق فإِنهم لا يطلبون إِفاضة الماء كله، والمائعات كلها، والمراد بما رزقهم الله اللبن والعسل والخمر ونحو ذلك من المائعات بدليل الإِفاضة، أَو نوع الطعام فاقتصروا على الماءِ من المائعات لأَنه هو الذى يشتاق عند العطش الاشتياق الشديد، وعلى هذا يقدر أَو أَلقوا علينا مما رزقكم الله أَو أَنفقونا أَو أَطعمونا مما رزقكم الله، أَو يضمن فيقول معنى القول فيعم الماءَ والطعام، والظاهر إِبقاء أَو على حالها فما طلبوا إِلا أَحد الشيئين لإِياسهم واستبعاد أَن يساعدوا إِلى ما طلبوا، ولا مانع من جواز أَنهم طلبوا قبل إِياسهم واقتصروا على الماء ليتدرجوا إِلى غيره، ويجوز أَن تكون بمعنى الواو، قال ابن عباس رضى الله عنهما ينادى الرجل أَباه أَو أَخاه أَو قريبه أَو صاحبه أَو غيره، قد احترقت أَفض على من الماءِ أَو مما رزقكم الله، فيقال لهم أَجيبوهم فيقولون ما ذكر الله عز وجل فى قوله {قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمْهُمَا} منعهما وليس التحريم هنا مقابلا للفرض والكراهة والندب والإباحة لأَنه لا تكليف يومئذ، وفى ذلك تشبيه حالهم مع شراب الجنة وطعامها مثلا بحال من كلف تحريم ما حرم عليه وهو أَشد فى المنع، فذلك استعارة تمثيلية، أَو التحريم لغوى فالاستعارة فى تثنية الضمير تقوية لكون أَو بمعنى الواو وعلى إِبقائها على أَصلها يكون المعنى حرم كلا منهما {عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} لقدم الفرق بينهما فى أَقوال منها أن اللهو صرف الهم بما لا يحسن الصرف به، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أَن يطلبه به، وذلك كتحريم البحيرة والتصدية وهى التصفيق والمكاء وهو الصفير {وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} بأَن طمعوا فى طول العمر ونيل اللذات، وهنا تم كلام أَهل الجنة، وقيل تم بقوله حرمهما على الكافرين. وعلى الأَول فالذى مبتدأ خبره فاليوم ننساهم. {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ}نتركهم فى النار، كما يبعد حضور ما زال عن الحافظة فإن عدم تذكرك شيئا أَعظم فى تركه من حضوره فى قلبك مع تركه، تعالى الله عن صفات الخلق ففى ذلك استعارة تمثيلية وذلك أَشد تأْكيداً من تفسيره بالترك هكذا، وقيل ننساهم نؤخرهم، وكذا فى قوله {كَمَا نَسوْا} بترك الإِيمان والعمل الصالح والتقوى {لِقَاءَ يَوْمِهِمْ} يوم القيامة {هذَا} شبه معاملته تعالى مع الكفار بمعاملة من لم يتذكر أَن يفعل الخير فى عبده ولم يلتفت إِليه وشبه عدم إِخطارهم لقاءَ الله ببالهم عدم مبالاتهم بحال من عرف شيئًا وزال عن حافظته على حد ما مر، وحاصل التشبيه نتركهم فى النار تركا دائماً كما داموا على إِنكار الآيات، ويجوز أَن تكون للتعليل {وَمَا كَانُوا} ما مصدرية أَى وكونهم {بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} أَنها من الله عز وجل، وقيل الجحود بمعنى النسيان.
الالوسي
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } بعد أن استقر بكل من الفريقين القرار واطمأنت به الدار {أَنْ أَفِيضُواْ } أي صبوا {عَلَيْنَا } شيئاً {مِنَ ٱلْمَاءِ } نستعين به على ما نحن فيه، وظاهر الآية يدل على أن الجنة فوق النار {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } أي أو من الذي رزقكموه الله تعالى من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة أو من الأطعمة كما روي عن السدي وابن زيد، ويقدر في المعطوف عامل يناسبه أو يؤول العامل الأول بما يلائم المتعاطفين أو يضمن ما يعمل في الثاني أو يجعل ذلك من المشاكلة ويكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدة جوعهم وأن ما هم فيه من العذاب لا يمنعهم عن طلب أكل وشرب. وبهذا رد موسى الكاظم رضي الله تعالى عنه ـ فيما يروى ـ على هارون الرشيد إنكاره أكل أهل المحشر محتجاً بأن ما هم فيه أقوى مانع لهم عن ذلك. واختلف العلماء في أن هذا السؤال هل كان مع رجاء الحصول أو مع اليأس منه حيث عرفوا دوام ما هم فيه وإلى كل ذهب بعض {قَالُواْ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل قالوا: في جوابهم: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي منع كلاً منهما أو منعهما منع المحرم عن المكلف فلا سبيل إلى ذلك قطعاً، ولا يحمل التحريم على معناه الشائع لأن الدار ليست بدار تكليف.
ابن عاشور
تفسير : {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا}. القول في {نادى} وفي {أنْ} التّفسيريّة كالقول في: {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا} تفسير : [الأعراف: 44] الآية. وأصحاب النّار مراد بهم من كان من مشركي أمّة الدّعوة لأنّهم المقصود كما تقدّم، وليوافق قوله بعدُ {أية : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه} تفسير : [الأعراف: 52]. فعل الفيض حقيقته سيلان الماء وانصبابه بقوّة ويستعمل مجازاً في الكثرة، ومنه ما في الحديث: «حديث : ويَفيض المالُ حتّى لا يقبَله أحد»تفسير : . ويجيء منه مجاز في السّخاء ووفرة العطاء، ومنه ما في الحديث أنّه قال لطلحة: «أنت الفيَّاض». فالفيض في الآية إذا حمل على حقيقته كان أصحاب النّار طالبين من أصحاب الجنّة أن يصبّوا عليهم ماء ليشربوا منه، وعلى هذا المعنى حمله المفسّرون، ولأجل ذلك جعل الزمخشري عطف {ما رزقكم الله} عطفاً على الجملة لا على المفرد. فيقدّر عامل بعد حرف العطف يناسب ما عدَا الماءَ تقديره: أو أعطونا، ونظّره بقول الشّاعر (أنشده الفراء):شعر : عَلَفْتُها تِبْنا وماءً بارداً حتّى شَبَتْ هَمَّالَةً عيناها تفسير : تقديره: علفتها وسَقيتها ماء بارداً، وعلى هذا الوجه تكون (مِن) بمعنى بعض، أو صفة لموصوف محذوف تقديره: شيئاً من الماء، لأنّ: {أفيضوا} يتعدّى بنفسه. ويجوز عندي أن يحمل الفيض على المعنى المجازي، وهو سعة العطاء والسّخاء، من الماء والرزق، إذ ليس معنى الصبّ بمناسب بل المقصود الإرسال والتّفضل، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد وهو أصل العطف. ويكون سُؤلهم من الطّعام مماثلاً لسؤْلهم من الماء في الكثرة، فيكون في هذا الحمل تعريض بأن أصحاب الجنّة أهل سخاء، وتكون (مِن) على هذا الوجه بيانية لمعنى الإفاضة، ويكون فعل {أفيضوا} مُنزلاً منزلة اللاّزم، فتتعلّق مِنْ بفعل {أفيضوا}. والرّزق مراد به الطّعام كما في قوله تعالى: {أية : كلما رزقوا منها من ثمرة} تفسير : [البقرة: 25] الآية. وضمير {قالوا} لأصحاب الجنّة، وهو جوابهم عن سؤال أصحاب النّار، ولذلك فصل على طريقة المحاورة. والتّحريم في قوله: {حرمهما على الكافرين} مستعمل في معناه اللّغوي وهو المنع كقول عنترة:شعر : حَرُمَتْ عليّ وليتَها لَمْ تَحْرُم تفسير : وقولِه: {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون}تفسير : [الأنبياء: 95]. والمراد بالكافرين المشركون، لأنّهم قد عُرفوا في القرآن بأنّهم اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً، وعُرفوا بإنكار لقاءِ يوم الحشر. وقد تقدّم القول في معنى اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدّنيا عند قوله تعالى: {أية : وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا} تفسير : في سورة الأنعام (70). وظاهر النّظم أنّ قوله: {الذين اتخذوا دينهم ــــ إلى قوله ــــ الحياة الدنيا} هو من حكاية كلام أهل الجنّة، فيكون: {اتخذوا دينهم لهواً} إلخ صفة للكافرين. وجُوز أن يكون: {الذين اتخذوا دينهم لهواً} مبتدأً على أنّه من كلام الله تعالى، وهو يفضي إلى جعل الفاء في قوله: {فاليوم ننساهم} داخلة على خبر المبتدأ لتشبيه اسم الموصول بأسماء الشّرط، كقوله تعالى: {أية : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما}تفسير : [النساء: 16] وقد جُعلَ قوله: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً ــــ إلى قوله ــــ وما كانوا بآياتنا يجحدون} آية واحدة في ترقيم أعداد آي المصاحف وليس بمتعيّن. {فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـآيَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ}. اعتراض حكي به كلام يُعْلَن به، من جانب الله تعالى، يَسمعه الفريقان. وتغيير أسلوب الكلام هو القرينة على اختلاف المتكلّم، وهذا الأليق بما رجحناه من جعل قوله: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} إلى آخره حكاية لكلام أصحاب الجنّة. والفاء للتّفريع على قول أصحاب الجنّة: {إنّ الله حرّمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} الآية، وهذا العطف بالفاء من قبيل ما يسمّى بعطف التّلقين الممثَّل له غالباً بمعطوف بالواو فهو عطف كلام. متكلّم على كلام متكلّم آخَر، وتقدير الكلام: قال الله {فاليوم ننساهم}، فحذف فعل القول، وهذا تصديق لأصحاب الجنّة، ومَن جعلوا قوله: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} كلاماً مستأنفاً من قِبل الله تعالى تكون الفاء عندهم تفريعاً في كلام واحد. والنّسيان في الموضعين مستعمل مجازاً في الإهمال والتّرك لأنّه من لوازم النّسيان، فإنّهم لم يكونوا في الدّنيا ناسين لقاء يوم القيامة، فقد كانوا يذكرونه ويتحدّثون عنه حديثَ من لا يصِدّق بوقوعه. وتعليق الظّرف بفعل: {ننساهم} لإظهار أنّ حرمانهم من الرّحمة كان في أشدّ أوقات احتياجهم إليها. فكان لذكر اليوم أثرٌ في إثارة تحسّرهم وندامتهم، وذلك عذاب نفساني. ودلّ معنى كاف التّشبيه في قوله: {كما نسوا} على أنّ حرمانهم من رحمة الله كان مماثلاً لإهمالهم التّصديق باللّقاء، وهي مماثلَة جزاءِ العمللِ للعمل، وهي مماثلة اعتباريّة، فلذلك يقال: إنّ الكاف في مثله للتّعليل، كما في قوله تعالى: {أية : واذكروه كما هداكم}تفسير : [البقرة: 198] وإنّما التّعليل معنى يتولّد من استعمال الكاف في التّشبيه الاعتباري، وليس هذا التّشبيه بمجاز، ولكنّه حقيقة خفيّة لخفاء وجه الشّبه. وقوله: {كما نسوا} ظرف مستقرّ في موضع الصّفة لموصوف محذوف دلّ عليه {ننساهُم} أي نسياناً كمَا نَسُوا. و(مَا) في: {كما نسوا} وفي {وما كانوا} مصدريّة أي كنسيانهم اللّقاء وكجَحْدهم بآيات الله. ومعنى جحد الآيات تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} تفسير : في سورة الأنعام (33).
القطان
تفسير : إفاضة الماء: صبه، ثم استعمل في الشيء الكثير. ويقال (اعطاه غيضاً من فيض) أي قليلاً من كثير. في هاتين الآيتين مشهد من مشاهد الآخرة بين أصحاب الجنة. فبعد ان بين الله تعالى مقال أهل الجنة لأهل النار، ومقال أصحاب الاعراف لأهل الجنة - ذكر كيف يستجدي أهلُ النارِ، بعد ان لفحتهم حرارةُ النار واشتد بهم الظمأ، من أهل الجنة ان يمنحوهم شيئا مما يتمتعون به من شراب وطعام: فينادونهم قائلين: أفِيضوا علينا بعض الماء، او أعطونا شيئاً من طيبات المأكل والملبس في الجنة. فيجيبهم اهل الجنة: اننا لا نستطيع، لان الله تعالى حرّم ماء الجنة ورزقها على الكافرين، كما حرم عليهم دخولها. وقد وصف أهلُ الجنة الكافرين بأنهم كانوا السببَ في ذلك الحرمان: {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي شَغَلتْهم بزخارفها، وكان دينهم اتّباعَ الهوى والشهوات. لقد ظنّوا أن الحياة الدنيا لا حياةَ غيرها، فعكفوا على الجانب الماديّ المظلم، وحرموا انفسهم من الجانب الروحي المشرق. هكذا عاشوا في ظلام المادّة وهم يحسَبون أنهم يُحسِنُون صنعا. وكثيراً ما يضيف القرآن الكريم هذا الوصفَ الى الكفار ويعلن انه سبب نكبتم وسوء مصيرهم. بعد هذا يسمع أهل لنار الحكم الالهي العادل: {فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}. فاليوم نعاملهم معاملةَ الشيء المنسِيّ الذي يبحث عنه أحد لقد جَحَدوا بآياتِ الكون فلم تفتّح لها عيونُهم، ولم تتجه إليها قلوبُهم، وأعرضوا عن حكم الله وإرشاده. بذلك نسُوا لقاءَ يومهم هذا، فوقعوا فيما وقعوا فيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابُ} {أَصْحَابَ} {ٱلْكَافِرِينَ} (50) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذِلَّةِ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ العَظِيمِ، وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ الجَنَّةِ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئاً مِنْ شَرَابِهِمْ وَطَعَامِهِمْ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: إِنَّ اللهَ حَرَّم ذَلِكَ عَلَى الكَافِرِينَ. أَفِيضُوا عَلَينَا - صُبُّوا عَلَينا أَوْ أَعْطُونَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة مستغيثين طالبين أن يعطوهم ويفيضوا عليهم من الماء أو من رزق الله لهم في الجنة، فيقول أهل الجنة: نحن مربوطون الآن بـ"كن"، ولم يعد لنا الاختيار، وقد حرم الله عليكم أي شيء من الجنة ومنعه عنكم، فأنتم يا أهل النار ممنوعون أو هذه المتع ممنوعة عنكم. وحين يطلب أهل النار الماء، فهم يطلبون أوليات الوجود، في نار أحاطت بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه. ولذلك يقول الحق بعد ذلك عن الكافرين الذين حرم عليهم خير الجنة: {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، حين يبلغ منهم العذاب كل مبلغ، وحين يمسهم الجوع المفرط والظمأ الموجع، يستغيثون بهم، فيقولون: { أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ } من الطعام، فأجابهم أهل الجنة بقولهم: { إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا } أي: ماء الجنة وطعامها { عَلَى الْكَافِرِينَ } وذلك جزاء لهم على كفرهم بآيات اللّه، واتخاذهم دينهم الذي أمروا أن يستقيموا عليه، ووعدوا بالجزاء الجزيل عليه. { لَهْوًا وَلَعِبًا } أي: لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ولعبوا واتخذوه سخريا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، واستعاضوا بذلك عن الدين القيم. { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزينتها وزخرفها وكثرة دعاتها، فاطمأنوا إليها ورضوا بها وفرحوا، وأعرضوا عن الآخرة ونسوها. { فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ } أي: نتركهم في العذاب { كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا } فكأنهم لم يخلقوا إلا للدنيا، وليس أمامهم عرض ولا جزاء. { وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } والحال أن جحودهم هذا، لا عن قصور في آيات اللّه وبيناته. بل قد { جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ } أي: بينا فيه جميع المطالب التي يحتاج إليها الخلق { عَلَى عِلْمٍ } من اللّه بأحوال العباد في كل زمان ومكان، وما يصلح لهم وما لا يصلح، ليس تفصيله تفصيل غير عالم بالأمور، فتجهله بعض الأحوال، فيحكم حكما غير مناسب، بل تفصيل من أحاط علمه بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء. { هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: تحصل للمؤمنين بهذا الكتاب الهداية من الضلال، وبيان الحق والباطل، والغيّ والرشد، ويحصل أيضا لهم به الرحمة، وهي: الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فينتفى عنهم بذلك الضلال والشقاء. وهؤلاء الذين حق عليهم العذاب، لم يؤمنوا بهذا الكتاب العظيم، ولا انقادوا لأوامره ونواهيه، فلم يبق فيهم حيلة إلا استحقاقهم أن يحل بهم ما أخبر به القرآن. ولهذا قال: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ } أي: وقوع ما أخبر به كما قال يوسف عليه السلام حين وقعت رؤياه: {أية : هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ } . تفسير : { يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ } متندمين متأسفين على ما مضى منهم، متشفعين في مغفرة ذنوبهم. مقرين بما أخبرت به الرسل: { قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ } إلى الدنيا { فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } وقد فات الوقت عن الرجوع إلى الدنيا. {أية : فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } . تفسير : وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم كذب منهم، مقصودهم به، دفع ما حل بهم، قال تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } . تفسير : { قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } حين فوتوها الأرباح، وسلكوا بها سبيل الهلاك، وليس ذلك كخسران الأموال والأثاث أو الأولاد، إنما هذا خسران لا جبران لمصابه، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } في الدنيا مما تمنيهم أنفسهم به، ويعدهم به الشيطان، قدموا على ما لم يكن لهم في حساب، وتبين لهم باطلهم وضلالهم، وصدق ما جاءتهم به الرسل.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 288 : 10 : 7 - سفين عن عثمان بن أبي زرعة الثقفي عن سعيد بن جبير عن بن عباس {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ} قال، ينادي الرجل معرفته من أهل الجنة أن "اغثني، يا فلان، فقد احترقت". فيقول الله تعالى ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. [الآية 50].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):