٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الجنة، وأهل النار، وأهل الأعراف، ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير سماع تلك المناظرات حاملاً للمكلف على الحذر والاحتراز وداعياً له إلى النظر والاستدلال، بين شرف هذا الكتاب الكريم ونهاية منفعته فقال: {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ } وهو القرآن {فَصَّلْنَاهُ } أي ميزنا بعضه عن بعض، تمييزاً يهدي إلى الرشد ويؤمن عن الغلط والخبط، فأما قوله: {عَلَىٰ عِلْمٍ } فالمراد أن ذلك التفصيل والتمييز إنما حصل مع العلم التام بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد المتكاثرة، والمنافع المتزايدة، وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةً } قال الزجاج: {هُدًى } في موضع نصب أي فصلناه هادياً وذا رحمة وقوله: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين، والمراد أنهم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم فهو كقوله تعالى في أول سورة البقرة: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] واحتج أصحابنا بقوله: {فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } على أنه تعالى عالم بالعلم، خلافاً لما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله علم. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ} يعني القرآن. {فَصَّلْنَاهُ} أي بيناه حتى يعرفه من تدبره. وقيل: «فَصَّلْنَاهُ» أنزلناه متفرّقاً. {عَلَىٰ عِلْمٍ} مِنا به، لم يقع فيه سهو ولا غلط. {هُدًى وَرَحْمَةً} قال الزجاج: أي هاديا وذا رحمة، فجعله حالاً من الهاء التي في «فصلناه». قال الزجاج: ويجوز هدًى ورحمةٌ، بمعنى هو هدى ورحمة. وقيل: يجوز هدى ورحمةٍ بالخفض على البدل من كتاب. وقال الكسائي والفرّاء: ويجوز هدى ورحمةٍ بالخفض على النعت لكتاب. قال الفرّاء: مثل {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}تفسير : [الأنعام: 92 و155]. {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَـٰهُ} بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة. {عَلَىٰ عِلْمٍ} عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيماً، وفِيه دليل على أنه سبحانه وتعالى عالم بعلم، أو مشتملاً على علم فيكون حالاً من المفعول. وقرىء «فضلناه» أي على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك. {هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} حال من الهاء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول، وأنه كتاب مفصل مبين كقوله: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} تفسير : [هود: 1] الآية، وقوله: {فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} للعالمين، أي: على علم منا بما فصلناه به؛ كقوله: {أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} تفسير : [النساء: 166] قال ابن جرير: وهذه الآية مردودة على قوله: {أية : كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} تفسير : [الأعراف: 2] الآية، {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ} الآية، وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإنه قد طال الفصل، ولا دليل عليه، وإنما الأمر أنه لما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة في الآخرة، ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ كقوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] ولهذا قال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي: ما وعدوا به من العذاب والنكال، والجنة والنار. قاله مجاهد وغير واحد، وقال مالك: ثوابه. وقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ. وقوله: {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ} أي: يوم القيامة. قال ابن عباس: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} أي: تركوا العمل به، وتناسوه في الدار الدنيا: {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ} أي: في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه {أَوْ نُرَدُّ} إلى الدار الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ} كقوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [الأنعام: 27-28] كما قال ههنا: {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: خسروا أنفسهم بدخولهم النار، وخلودهم فيها، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، فلا يشفعون فيهم، ولا ينصرونهم، ولا ينقذونهم مما هم فيه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَٰهُمْ } أي أهل مكة {بِكِتَٰبٍ } قرآن {فَصَّلْنـَٰهُ } بيَّنّاه بالأخبار والوعد والوعيد {عَلَىٰ عِلْمٍ } حال: أي عالمين بما فصِّل فيه {هُدًى } حال من (الهاء) {وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ} يعني القرآن. {فصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} فيه وجهان: أحدهما: بيَّنَّا ما فيه من الحلال والحرام على علم بالمصلحة. والثاني: ميزنا به الهدى من الضلالة على علم بالثواب والعقاب. {هُدىً وَرَحْمَةً} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الهدى البرهان. والثاني: أن الهدى الإرشاد، والرحمة: اللطف. قوله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي هل ينظرون، فعبر عن الانتظار بالنظر، {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي تأويل القرآن، وفيه وجهان: أحدهما: عاقبته من الجزاء، قاله الحسن. والثاني: ما فيه من البعث والنشور والحساب. {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} فيه وجهان: أحدهما: القضاء به، قاله الحسن. الثاني: عاقبة ما وعدهم الله به في الدنيا والآخرة، قال الكلبي. {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} فيه قولان: أحدهما: معنى نسوه أعرضوا عنه فصار كالمنسي، قاله أبو مجلز. والثاني: تركوا العمل به، قاله الزجاج. {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنبياء الله في الدنيا بكتبه المنذرة. والثاني: الملائكة عند المعاينة بما بشروهم به من الثواب العقاب.
ابن عادل
تفسير : الضَّميرُ في "جِئْنَاهُم" عائد على كل ما تقدم من الكَفَرةِ، والمراد بـ "كتاب" الجنس. وقيل: يعود على مَنْ عاصر النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب القرآن، والباء في "بكتاب" للتعدية فقط. قوله: "فَصَّلْنَاهُ" صفة لـ "كتاب"، والمراد بتفصيلة إيضاحُ الحقِّ من الباطل، أو تنزيله في فصول مختلفة كقوله: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ}تفسير : [الإسراء: 106]. وقرأ الجحدري وابن محيصن بالضَّادِ المعجمة أي: فضَّلْناه على غيره من الكتب السماوية. قوله: "على عِلْمٍ" حال إمَّا من الفاعل، أي: فصَّلناه عالمين بتفصيله، وإمّا من المفعول أي: فَصّلناه مشتملاً على علم ونكَّر "عِلْم" تعظيماً. قوله: "هُدىً ورَحْمَةً" الجمهور على النصب وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مفعول من أجله أي: فصَّلْناه لأجل الهداية والرحمة. والثاني: أنَّهُ حال، إمّا من "كتاب" وجاز ذلك لتخصصه بالوصف، وإمّا من مفعول "فصَّلناه". وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيّ: "هدىً ورحمةٍ" بالجر، وخرَّجه الكسائي والفراء على النعت لـ "كتاب"، وفيه المذاهب المشهورة في نَحْوِ: ["مررت] برجل عَدْلٍ"، وخرّجه غيرهما على البدل منه. وقرىء: "هُدىً ورَحْمَةٌ" بالرفع على إضمار المبتدأ. وقال مكي: وأجَازَ الفرَّاءُ والكِسَائِيُّ "هُدًى ورَحْمَة" بالخفض، ويجعلانه بَدَلاً من "علم"، ويجوز "هُدًى ورحمةٌ" على تقدير: "هو هدًى ورحمةٌ"، وكأنَّهُ لم يطَّلع على أنَّهُمَا قراءتان مَرْويَّتَانِ حتّى نسبهما على طريق الجواز. و "لِقَوْمٍ" صفة لـ "رحمة" وما عطفت عليه. وقوله: {هُدًى وَرَحْمَة لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ} يدلُّ على أنَّ القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين، والمرادُ: أنَّهُم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم، فهو كقوله تعالى في أوَّل "البقرة"، {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الآية: 2].
البقاعي
تفسير : ولما ذكر نسيانهم وجحودهم، ذكر حالهم عند ذلك فقال: {ولقد} أي فعلوا ذلك والحال أنا وعزتنا قد {جئناهم} أي على عظمتنا بإتيان رسولنا إليهم عنا {بكتاب} ليس هو موضعاً للجحد أصلاً؛ ثم بين ذلك في سياق مرغب للمؤالف مرهب للمخالف فقال: {فصلناه} أي بينا معاينة لم ندع فيها لبساً، وجعلنا لآياته فواصل حال كون ذلك التفصيل {على علم} أي عظيم، فجاء معجزاً في نظمه ومعناه وسائر علمه ومغزاه، وحال كونه {هدى} أي بياناً {ورحمة} أي إكراماً، ثم خص المنتفعين به لأن من لا ينتفع بالشيء فهو كالمعدوم في حقه فقال: {لقوم يؤمنون*} أي فيهم قابلية ذلك، وفيه رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو أحد مقاصد السورة على أبداع وجه في أحسن أسلوب. ولما وصف الكتاب وذكر المنتفع به، تشوفت النفس إلى السؤال عن حال من لا يؤمن به وهم الجاحدون، فقال مشيراً إلى أن حالهم في وقوفهم عن المتابعه بعد العلم بصدقه بعجزهم عنه كحال من ينتظر أن يأتي مضمون وعيده: {هل ينظرون} أي ينتظرون، ولكنه لما لم يكن لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه الحال، جرد الفعل ولإفادة أنه بتحقيق إتيانه في غاية القرب حتى كأنه مشاهد لهم {إلا تأويله} أي تصيير ما فيه من وعد ووعيد إلى مقاره وعواقب أمره التي أخبر أنه يصير إليها. ولما كان كأنه قيل: ما يكون حالهم حينئذ؟ قال: التحسر والإذغان حيث لا ينفع، والتصديق والإيمان حين لا يقبل، وعبر عن ذلك بقوله: {يوم يأتي تأويله} أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في الدنيا أو في الآخرة؛ ولما قدم اليوم اهتماماً به، أتبعه العامل فيه فقال: {يقول الذين نسوه} أي تركوه ترك المنسي، ويجوز أن يكون عد ذلك نسياناً لأنه ركز في الطباع أن كل ملك لا بد له من عرض جنده ومحاسبتهم، فلما أعرضوا عن ذلك فيما هو من جانب الله عده نسياناً منهم لما ركز في طباعهم. ولما كان نسيانهم في بعض الزمان السابق، أدخل الجار فقال {من قبل} أي قبل كشف الغطاء محققين للتصديق {قد جاءت} أي فيما سبق من الدنيا {رسل ربنا} أي المحسن إلينا {بالحق} أي المطايق لهذا الواقع الذي نراه مما كانوا يتوعدوننا به، فما صدقوا حتى رأوا فلم يؤمنوا بالغيب ولا أوقعوا الإيمان في دار العمل فلذا لم ينفعهم. ولما وصفوه سبحانه بالإحسان لما كشف الحال عنه من حلمه وطول أناته، سببوا عن ذلك قولهم: {فهل لنا من شفعاء} أي في هذا اليوم، وكأنهم جمعوا الشفعاء لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء؛ ثم سببوا عن ذلك تحقيق كونهم لهم أي بالخصوص فقالوا {فيشفعوا لنا} أي سواء كانوا من شركائنا الذين كنا نتوهم فيهم النفع أو من غيرهم ليغفر لنا ما قدمنا من الجرائم {أو نرد} أي إن لم يغفر لنا إلى الدنيا التي هي دار العمل، والمعنى أنه لا سبيل لنا إلى الخلاص إلا أحد هذين السببين؛ ثم سببوا عن جواب هذا الاستفهام الثاني قولهم: {فنعمل} أي في الدنيا {غير الذي كنا} أي بجبلاتنا من غير نظر عقلي {نعمل}. ولما كان من المعلوم عند من صدق القرآن وعلم مواقع ما فيه من الأخبار أنه لا يكون لهم شيء من ذلك، كانت نتيجته قوله: {قد خسروا أنفسهم} أي فلا احد أخسر منهم {وضل} أي غاب وبطل {عنهم ما كانوا} أي جبلة وطبعاً، لا يمكنهم الرجوع عنه إلا عند عند رؤية البأس {يفترون*} أي يتعمدون في الدنيا من الكذب في أمره لقصد العناد للرسل من ادعاء أن الأصنام تشفع لهم ومن غير ذلك من أكاذيبهم. ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع: التوحيد والنبوة والمعاد والعلم، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأوليائه وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم، وختم بأن شركاءهم تغني عنهم، علل ذلك بأنه الرب لا غيره، في سياق دال على الوحدانية التي هي أعظم مقاصد السورة، كفيل بإظهار الحجج عليها، وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه أشد من الإعادة - بأدلة متكلفة بتمام القدرة والعلم فقال: {إن ربكم} أي المحسن إليكم بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو {الله} أي الملك الذي لا كفوء له وحده لا صنم ولا غيره؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال: {الذي خلق السماوات والأرض} أي على اتساعهما وعظمتهما. ولما كان ربما قال الكفار: ما له إذا كان قادراً وأنت محق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان بتأويله، بين أن عادته الأناه وإن كان أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده، فقال: {في ستة أيام} أي في مقدارها؛ ولما كان تدبير هذا الخلق أمراً باهراً لا تسعه العقول، ولهذا كانت قريش تقول: كيف يسع الخلق إله واحد! أشار إلى عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال: {ثم استوى على العرش} أي أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذاً مستوفى مستقصى مستقلاً به لأن هذا شأن من يملك ملكاً ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون خطاب الناس على ما ألفوه من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه، وركز في فطرهم الأولى من نفي التشبيه منه، ويقال: فلان جلس على سرير الملك، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس، وكما يقال في ضد ذلك: فلان ثل عرشه، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجراء التركيب، والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل: طويل النجاد، وللكريم: عظيم الرماد. ولما كان سبحانه لا يشغله شان عن شأن، ابتدأ من التدبير هو آية ذلك بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد، فقال دالاً على كمال قدرته المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعة التي جعل سبحانه بها انتظام هذا الوجود: {يغشي} أي استوى حال كونه يغشي {الليل النهار} وقال أبو حيان: وقرأ حميد بن قيس: يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام، كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع النهار، وقال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت، وهذا الذي قاله - من أن أبا الفتح أثبت - كلام لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلاً عن النجاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القراءة عن أحد ولا روى عنهم القراءة أحد، هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية، فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلاً على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النجاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى، لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ {اليّل} في قراءتهم - وإن كان منصوباً- هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيرة مفعولاً، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في: ملكت زيداً عمراً، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى - انتهى. ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار، دل على أن النهار كذلك بقوله مبيناً لحال الليل {يطلبه} أي الليل يجر ويطلب النهار دائماً طلباً {حثيثاً} أي سريعاً جداً لتغطية الليل، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوباً إلا بعد وجوده، وإذا وجد النهار كان مغطياً لليل، لأنهما ضدان، وجود أحدهما ماح لوجود الآخر، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق، وحركتهما بواسطة حركة العرش، ولذا ربطهما به، وهي أشد الحركات سرعة وأكملها شدة، وللشمس نوعان من الحركة: أحدهما بحسب ذاتها تتم بقطع الدرج كلها في جميع الفلك، وبسببه تحصل السنة، والثاني بحسب حركة الفلك الأعظم تتم في اليوم بليلته، والليل والهنار إنما يحصلان بسبب حركة السماء الأقصى الذي يقال له العرش لا بسبب حركة النيرين، وأجاز ابن جني أن يكون {يطلبه} حالاً من النهار في قراءة الجماعة وإن كان مفعولاً، أي حال كون النهار يطلب الليل حثيثاً ليغطيه، وأن يكون حالاً منهما معاً لأن كلاًّ منهما طالب للآخر، وبهذا ينتظم ما قاله في قراءة حميد، فإن كلاً منهما يكون غاشياً للآخر، قال في كتابه المحتسب في القراءات الشواذ: ووجه صحة القراءتين والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضاً مزيل له، وكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولاً ومفعول وإن كان فاعلاً، على أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفورة وشروقه أظهر أثراً في الاستحثاث من الليل. ولما ذكر الملوين، أتبعهما آية كل فقال: {والشمس والقمر والنجوم} أي خلقها، أو يغشى كل قبيل منهما ما الآخر آيته خال كون الكل {مسخرات} أي للسير وغيره {بأمره} وهو إرداته وكلامه، تقودها الملائكة كما روي أن لله ملائكة يجرون الشمس والقمر. ولما صح أن جميع ما نراه من الذوات خلقه، وما نعلمه من المعاني أمره، أنتج قطعاً قوله {ألا له} أي وحده، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال: {الخلق} وهو ما كان من الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي: فكل ما كان جسماً او جسمانياً كان مخصوصاً بمقدار معين فكان من عالم الخلق، فعالم الخلق بتسخيره، وعالم الأمر بتدبيره، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره {والأمر} وهو ما كان من ذلك إخراجاً من العدم من غير تسبب كالروح، وما كان حفظاً وتدبيراً بالكلام كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية؛ وقال الرازي: كل ما كان بريئاً من الحجم والمقدار كان من عالم الأمر، وعد الملائكة من عالم الأمر، فأتنج ذلك قطعاً قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ويتقاصر دون عليائه ذري الآفاق: {تبارك} أي ثبت ثبوتاً لا ثبوت في الحقيقة غيره اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة {الله} أي ذو الجلال والإكرام. ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال: {رب العالمين*} أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقاً وتصريفاً بأمره، وفي الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما يقول هذه الدوبية - يعني بشراً المريسي؟ قالوا: يا أبا محمد! يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب، قال الله عزّ وجلّ {ألا له الخلق والأمر} فالخلق خلق الله، والأمر القرآن - انتهى. وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله {بأمره} وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: أنزل الله عليك كتابًا فيه هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، وفرق بين الولى والعدو، ولا يعلم معانيه إلا المؤمنون بمتشابهه والعاملون بأحكامه والتالون آناء الليل وآناء النهار، له فيه الفلاح لمن طلب الفلاح، والنجاة لمن رَامَ، لا يهلك عليه إلا هالك ولا ينجو به إلا ناجٍ، قال الله تعالى {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} الآية.
القشيري
تفسير : أنزلنا عليهم من الكتاب وأوحينا إليهم من الخطاب ما لو قابلوه بالتصديق وصاحَبُوه بالتحقيق لوجدوا الشفاء من محنة البعاد، ونالوا لضياء بقرب الوداد، ووصلوا في الدنيا والعقبى إلى جميل المراد، ولكنه - سبحانه أَبَى القسمة في نصيبهم إلا الشِّقْوة.
البقلي
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ذكر سبحانه امتنانه على المؤمنين بما خاطبهم بمجموع كلامه للقديم الذى ابناما عنده لهم من مدخور السعادات وسنى الكرامات وعظميم الدرجات ودعاهم به الى اعمال زكية واحوال شريفة مقامات عزيزة وعرفهم به اسمائه ونعوته وصافته وذاته تعالى وافعاله فى انتظام صنايعه واعلام قدرته ويدلهم به الى معرفة كل صفة من صفاته القديمة التى معرفتها معرفة ذاته تعالى عرف نفسه به للعارفين وفتح بمفاتيحيه كنوز غيبة للموحدين وكشف قناع الجهل بانواره عن قلوب الغافلين والعالمين وجذب بلطائفه قلوب المحبين والمشتاقين والعاشقين الى مشاهدته ووصله ورتب فيه مقامات العبودية ومعارف الربوبية وذلك صدر منه بسابق علمه وقديم حكمه ويهدى به الى نفسه قلوب المؤمنين به وذلك منه رحمة كافية للعموم والخصوص وكان رحمته سبقت فى الازل خاطبه سبحانه بنعت هدايته به اليه واى نعمة اعظم من اتراله كلامه الينا الذى يعتقنا من رق النفوسية ويخلصنا من شهوات الشيطانية ويهدينا بنور الى بنور الى انوار الربانية والحمد لله الذى امنن علينا بفواتح انعامه ولطائف اكرامه واصطفانا بخطابه وجعل استماعنا محل استماع كلاامه وقلوبنا واوطان بيانه واسرارنا اوعية انوار سطانه وارواحنا خزائن عرفانه وعقولنا مشاهد برهانه وابداننا مساقط شرايعه من قرانه قال بعضهم انزل الله كتابا فيه هدى من الضلالة ورحمة من العذاب وفرقانا بينا لعدو الولى لا يعلم مانيها الا المؤمنون بمتشابهه والعاملون باحكامه والنالون به أناء الليل والنهار فيه الفلاح والنجارة لمن رام النجاة لا يهلك عليه الا هالك ولا ينجوا به الا بأجى قال الله تعالى ولقد جئناهم الأية ولما عرف نفسه بخطابه للعارفين عرف نفسه ايضا لهم بافعاله النورية وبرهانه القدرتية وأياته الصفاتية واعلامه الذاتية بقوله سبحانه {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} نبه عن عين الالوهية صريحا حين قال ابن ربكم الله خاطبهم التربية لجذب قلبوبهم بالمحبة ثم اشار اليهم بالالوهية لفناء الحدث فى القدم ثم صرفهم من المحو الى الصحو ومن الحضور الى الغيبة بقوله الذى اشارة وان ربكم عباة الاول للبسط والثانى للقبض ثم صرفهم من الصفات الى الافعال كما صرفهم فمن الذات الى الصفات كيلا تحرفوا فانوره الالوهية الاول خطاب القلب والثانى خطاب الروح والثالث خطاب العقل الاول قوله ان ربكم الثانى قوله الله والثالث قوله الذى ثم انزلهم من الشهود الى الشواهد وخاطبهم على قدر عقولهم حيث احالهم من القدم الى الحدث لعلمه لضعفهم عن حمل بوادى طارقات سطوات الوحدانية قال الذى خلق السموات والارض فى ستة ايام جعل الأيات مراة الصفات لاهل المشاهدات خلقها فى ستة ايام ايام الله --الله وقدره احضرها بايام مخصوصة وهى الستة وكل يوم من ايامه ظهور صفة من صفاته من مطلق القدم طلعت للعدم لكون الحدث وهذه الايام الستة ظهور ست صفات من صفاته اولها العلم والثانى القدرة والثالث السمع والرابع البصر والخامس الكلام والسادس الارادة كلمت الاشياء بظهور انوار الصفات الستة ولما اتمها صارت الحدثان كجسد بلا روح فتجلى من صفته السابعة وهى حياته القديمة الازلية الباقية المنزهة عن همهمه الانفاس فقامت الاشياء بصفاته القائمة بذاته ويكون الابد لحياتها بروح حياته المقدسة الاتصال والانفصال وفى ادق الاشارة السموات والروح والارض الاشباح والعرش القلوب بدأ بكشف الصفات للارواح وبدأ بكشف الافعال الاشباح ثم بدأ بكشف الذات للقلوب لان مناظر القلوب محل الغيوب والغيوب من القلوب محل تجلى استواء القدم استوى قهر القدم بنعت الظهور للعدم ثم استوى تجلى الصفات على الافعال استوى تجلى الذات على الصفات فاستوى بنفسه لنفسه على نفسه المنزهة عن المباشرة الحدثان والاتصال والانفصال عن الاكوان بالاكوان الاستواء صفة ذاتية خارجة عن مطالعة الخليقة خص السموات والارض بتجلى الصفات وخص العرش بتجلى الذات السموات والارض جسد العالم والعرش قلب العالم والكرسى دماغ العالم خص الجميع بالافعال والصفات وخص العرش بظهور الذات لانه قلب الكل وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته رأيته فى المكاشفات انوار شعشعانية بلا جسم ولا مكان والصورة يتلألأ فسألت عن ذلك فقيل لى هذا عالم يسمى عرشا قيل فى التفسير عرشه علمه كقول ابن عبسا فى تفسير قوله وسع كرسية اى وسع علمه ثم جرع الى ذكرا الافعال لبقاء الارواح والاشباح بقوله {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} بدأ بذكر الليل لانه ستر الاولياء وحجال الاصفياء وملجأ النقباء وخيام عرائس اهل المناجاة بلبس القبض البسط لانها ضدان ويقبض ويبسط الليل قبض العارفين والنهار بسط المشاهدين يكون احدهما طالب الأخرة لان وصفه لحضور والغيبة من خفاء التجلى وبدأ به الليل النفس والنهار القلب والشمس الروح والقمر العقل والنجوم المعلوم مسخرات فى سماء الملكوت وهو الجبروت بامره بقدرة الكاملة وعزته الشاملة ومحبة القديمة التى تؤلف ارواح القدسية الى مشاهد الازلية ثم ان الله سبحانه اضاف الكل الى امر مشيته ونفاذ قدرته واخراج الجميع من تكلف الحدثان وعلمه الاكوان بقوله {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} الخلق فعله والامر صفته الخلق فى الاشباح والامر والارواح بنور الخلق سبب العقول وحيرها من ادراك كنه الأيات ويتجلى الامر جذب القلوب الى عالم الصفات وعشقها بجمال الذات ثم اثنى على نفسه حيث تقصر الافهام عن وصف صفاته وتقصر الانس عن البلوغ الى مدح ذاته بقوله {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} اى تقدس عن كل ما يجرى على خواطر خلقه رب العالمين رب الجميع بظهور صفته فى خلقه وربى العارفين بظهور ذاته فى صفته قال الاستاد فى هذه الأية تعرف الى الخلق الظاهر الدالة على قدرته وهى افعاله وتعرف الى الخواص منهم بأياته الدالة على نظرته التى هى افضاله واقباله وظهر لاسرار خواص الخاص بنعوته الذاتية التى هى جماله وجلاله فشان بين قوم وبين قوم قال الواسطى فى قوله الا له الخلق والامر اذا كان له فمنه وبه واليه لان لامر صفة الامر ولما عرفهم اعلام الربوبية امرهم بخالص العبودية ودابهم فيما باحسن التاديب بقوله {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} اذا عرفتم نعوت الكبرياء وجلال العظمة وعز القدم والبقاء كونوا فى رؤية هذه الصفات عند احتياجكم الينا بنعت الفناء بحيث لا يطلع على اسراركم نفوسكم فان دعوة المضطر تقع على سماع الغيوب حين هاجت بوصف اللطف من لسان القلوب وان اصفى الوقت فى التضرع ودعوة الخفية وذكر الخفى الذى وصفه عليه السلام بالخيرة حيث قال خير الذكر الخفى قال ابو عثمان التضرع فى الدعاء ان لا تقدم اليه افعالك وصلواتك وصيامك وقراءتك ثم تدعوا على اثره انما التضرع ان تقدم افتقارك وعجزك وضروتتك وفاقتك وقلة حيلتك ثم تدعو بلا علة ولا سبب فترفع دعاءك وقال الواسطى تضرعا بذل العبودية وخلع الاستطالة خفية اى اخف ذكرى صيانة عن غيرى الا تراه بقول خير الذكر الخفى وافهم ان للداء مقامات فبعضهم يدعوه بلسان الظاهر وبعضهم يدعوه بلسان الباطن وبعضهم يدعوه باشارة العقل وبعهضم يدعوه باشارة القلب وبعضهم يدعوه باشارة الروح وبعضهم يدعوه باشارة السر نعت اهل الظاهر ونعت اهل الباطن الافتقار والتخشع ونعت اهل العقل الفكر ونعت اهلا لقلب الذكر ونعت اهل الروح الشوق ونعت اهل السر الفناء يدعونه بالاذن ولا يكون الاذن فى الدعاء الا فى مقامين مقام القبض ومقام البسط الدعاء فى مقام القبض بنعت العبودية والدعاء فى مقام البسط الحكم والانبساط من ادراك مباشرة صولة الربوبية ولا بد للعارفين من هذهين المقامين والدعاء على احوال شتى دعاء اهل البلاء لكشف الهموم ودعاء اهل النعمة لكشف الوجود ودعاء المحبين لتسلى القلوب ودعاء المشتاقين للبلوغ الى الوصول ودعاء العاشقين لنيل المامول ودعاء العارفين لودان البقاء ودعاء الموحدين لمحوهم فى الفناء وفيه انس المستانسين وتضرع العارفين وبهاء المحبين وزيادة قرة عيون الموحدين ما اطيب الحانهم فى السجود لكشف مشاهدة الموجود وما احلى روح طيب مناجاتهم بالعبرات وحركات ضمائرهم بالزفرات قال الاستاد ما اخلص عبد فى دعائه الاروح الله سبحانه فى الوقت قلبه ثم حذرهم عن الرجوع من الاعلى الادنى ومن متابعة الحق الى متابعة النفس من تخريب ارض القلب بمحاة الهوى بعد اصلاحها بصفاء المراقبة والمشاهدة بقوله {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} قال الاستاد مهال النفس عن المجاهدات والرجوع الى الحظوظ بعد القيام بالحقوق فساد الارض بعد اصلاحها فيه ثم زاد سبحانه فى اداب الدعاء وقرن بالتواضع والاخلاص فيه مقام الخوف والرجاء بقوله {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} اى ادعوه بوصف الاجلال فى رؤية جلاله وبنعت البسط فى رؤية جماله فان حقيقة الدعاء فى الشهود --- فى العبودية لمعرفة الربوبية والسرور من رجاء الوصول الى المقصود وايضا وادعوه خوفا من اطلاعه على جريان كل مامول سواه فى القلب اى خافوا من طيران ذكر الحدث فى رؤية القدم وطمعا معناه الطمع فى مقام من قربة اشرف من مقام الدعاء وسيلة فاذا حصل الوصول انقطع الوسيلة وايضا خوفا من رد الدعاء وطمعا فى استجابة الدعاء بين تعالى ان من كان هذا وصفه يكون من المحسنين الذين يقربون به منه بقوله {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} قيل فى قوله وادعوه خوفا وطمعا اى خوفا من عقابه وطمعا فى ثوابه وقيل خوفا من بعده وطمعا فى قرية وقيل خوفا من اعراضه فى اقباله وقيل خوفا منه وطمعا فيه قيل المحسن من كان حاضرا بقلبه غيرلاه عن ربه ولاناس لحقه ثم وصف الله نفسه بانشائه مبشرات قربه من بطنان غيبه لوصول انسائم ورد مشاهدته الى مشام ارواح عاشقيه وافئدة مشتاقيه واسرار واصله وقلوب محبته والباب مريدية.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه} اى بيناه معانيه من العقائد والاحكام والمواعظ مفصلة والضمير للكفرة قاطبة والمراد بالكتاب الجنس او للمعاصرين منهم والكتاب هو القرآن {على علم} حال من فاعل فصلناه اى عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيما او من مفعوله اى مشتملا على حكم كثيرة {هدى ورحمة} حال من هاء فصلناه اى حال كون ذلك الكتاب هاديا وذا رحمة.
الطوسي
تفسير : هذا إِخبار من الله تعالى أنه أتى هؤلاء الكفار بكتاب، والمجيء نقل الشىء الى حضرة المذكور، جئته بكذا ضد ذهبت به عنه، لان ذلك نقل اليه، وهذا نقل عنه. والكتاب المراد به القرآن. وأهل الكتاب صحيفة فيها كتابة، والكتابة حروف مسطورة تدل بتأليفها على معان مفهومة. وقوله {فصلناه} معناه ميزنا معانيه على وجه يزول معه اللبس، والتفصيل والتبيين والتقسيم نظائر. وقوله {على علم} معناه فصلناه، ونحن عالمون به، لأنه لما كانت صفة (عالم) مأخوذة من العلم جاز أن يذكر ليدل به على العالم، كما أن الوجود في صفة الموجود كذلك. وقوله {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} إِنما جعل القرآن نعمة على المؤمن دون غيره مع أنه نعمة على جميع المكلفين من حيث أنهم عرضوا به للهداية، غير أن المؤمن لما اهتدى به كانت النعمة بذلك عليه أعظم فأضيف اليه، وغير المؤمن لم يتعرض للهداية فلم يهتد، فالمؤمنون على صفة زائدة. وقوله {هدى ورحمة} يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: النصب من وجهين: الحال، والمفعول له، وبه القراءة. والرفع على الاستئناف، والجر على البدل. وإِنما لم يوصف القرآن بأنه هدى للكفار لئلا يتوهم أنهم اهتدوا به وإِن كان هداية لهم بمعنى أنه دلالة لهم وحجة.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ} اى كتاب النّبوّة {فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} متعلّق بجئنا او بفصّلناه او متنازع فيه لهما على اخذ مثل معنى الايراد فى المجيء والتّفصيل اى اوردناه على علمهم بحقّيّة الكتاب او الرّسول (ص)، او هو حال عن فاعل جئنا او فصّلنا او عن مفعول جئناهم او عن كتاب {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالايمان العامّ لتوجّهم الى وجهة القلب وتهيّؤهم لقبول الولاية التّكليفيّة او بالايمان الخاصّ لكونهم على الطّريق وانارة كتاب النّبوّة الّذى كان الكتاب التّدوينىّ صورته طريقهم فيسرعون فى السّير او المراد بكتاب فصّلناه مكتوب مفروض عظيم وهو الولاية الّتى هى غاية النّبوّة، لانّ جميع النّبوّات والكتب التّدوينيّة لتنبيه الخلق عليها واعدادهم لقبولها ولذلك جاء به مفرداً منكّراً مشيراً الى عظمته.
الهواري
تفسير : ثم ابتدأ الكلام فقال: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم} يعني المشركين {بِكِتَابٍ} يعني القرآن ومعنى جئناهم أي: جاءتهم به الرسل، إنه جاءهم به، أي فجعل ما جاءتهم به الرسل أنه جاءهم به، أي بالرسل والكتاب {فَصَّلْنَاهُ} أي بيَّنّا فيه الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد والأحكام {عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} أي هدى يهتدون به طريق الجنة. ثم قال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي ثوابه في تفسير الحسن وغيره. وقال مجاهد: جزاءه، وهو واحد. قال: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} أي ثوابه والجزاء به [في الآخرة {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ} أي الذين تركوه {مِن قَبْلُ} أي في الدنيا. أي: اعرضوا عنه. والإِعراض من وجهين: أحدهما لم يؤمنوا به، والآخر لم يعملوا بفرائضه وأحكامه. وهذا إعراض المنافقين. كقوله: (أية : وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم) تفسير : [النور:47] أي عن العمل بما أقروا به والاستكمال لما عاهدوا عليه (أية : مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ) تفسير : [النور:48] أي عن استكمال الفرائض التي أقرّوا بها. {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ} إذ نحن في الدنيا فآمنوا حيث لا ينفعهم الإِيمان. {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} أن لا نعذب {أَوْ نُرَدُّ} إلى الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} سألوا الله أن يَرُدُّهُم إلى الدنيا فيعملوا بالإيمان ويكملوا الفرائض. قال الله: {قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} فصاروا في النار {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي أوثانهم التي عبدوها فلم تغن عنهم شيئاً.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد جئناهم} هذا الكلام فى هذه الأمة، {بكتابٍ} هو القرآن وتنكيره تعظيم، والباء معاقبة لهمزة التعدية، كأنه قيل: ولقد جئنا كتابا إليهم، وزعم بعضهم أن الكلام فيمن تقدم ذكره عموماً، وأن الكتاب جنس كتب الله سبحانه {فَصَّلناهُ} بينا عقائدا وأحكاما ومواعظ، وقرأ ابن محيصن: فضلناه بالإعجام، أى فضلناه على سائر الكتب، {على علم} متعلق حال من الهاء، أى فصلناه مشتملا عَلَى عِلمٍ أو من ناب ثابتين بعلم، والمراد عالمين بوجه تفصيله، فيكون فى غاية الحكمة، أو فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك، ومعنى كون الله سبحانه عالما أن ذاته كافية فى انكشاف المعلومات لا عالم بعلم زائد حال فى الذات، تعالى أن يكون محلا للأشياء، أو أن يكون محلا له، وإلا لزم اتصافه بالجهل قبل أن يحل فيه العلم، فإن قالوا: إنه حال فيه قديم تناقض كلامهم، فإن الحال الحادث غير قديم، ولزمهم تعدد القدماء، فلا يقال: عالم بعلم، هذا ما يليق بمذهبنا. {هُدىً ورحْمةً} مفعول لأجله لجئنا أو لفصلنا، أو حال من هاء فصلناه مجىء الحال مصدرا مبالغة ويأول بالوصف أو التقدير الإضافة {لِقومٍ يؤمنُونَ} وأما غيرهم فلو خوطب به وكلف لكنه غير منتفع به.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ} أَى أَهل مكة الكفار، وقيل الكفار والمؤمنين والمراد المعاصرون، وقيل الكفار مطلقاً، وقيل هم والمؤمنون مطلقاً {بِكِتَابٍ} هو القرآن والباء للتعدية {فَصَّلْنَاهُ} جئنا به ظاهرة معانيه من عقائد وأَعمال جوارح ومناه وثواب وعقاب ومواعظ ومناه وأَخبار {عَلَى عِلْمٍ} حال من نا فى فصلناه أَو من هاء فصلناه كان المعنى مشتملا على علم، أَو على للتعليل {هُدًى وَرَحْمَةً} حال من هاء فصلناه أَو تعليل {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} به.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَاهُ } بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة، والضمير للكفرة قاطبة، وقيل: لهم وللمؤمنين، والمراد بالكتاب الجنس، وقيل: للمعاصرين من الكفرة أو منهم ومن المؤمنين. والكتاب هو القرآن وتنوينه للتفخيم. وقد نظم بعضهم ما اشتمل عليه من الأنواع بقوله : شعر : حلال حرام محكم متشابه بشير نذير قصة عظة مثل تفسير : والمراد منع الخلو كما لا يخفى {عَلَىٰ عِلْمٍ } منا بوجه تفصيله وهو في موضع الحال من فاعل {فَصَّلْنَاهُ } وتنكيره للتعظيم أي عالمين على أكمل وجه بذلك حتى جاء حكيماً متقناً، وفي هذا ـ كما قيل ـ دليل على أنه سبحانه يعلم بصفة زائدة على الذات وهي صفة العلم وليس علمه سبحانه عين ذاته كما يقوله الفلاسفة ومن ضاهاهم وللمناقشة فيه مجال، ويجوز أن يكون في موضع الحال من المفعول أي مشتملاً على علم كثير. وقرأ ابن محيصن {فضلناه} بالضاد المعجمة، وظاهر كلام البعض أن الجار والمجرور على هذه القراءة في موضع الحال من الفاعل ولا يجعل حالاً من المفعول أي فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك، وجوز بعضهم أن يجعل حالاً من المفعول على نحو ما مر؛ وقيل: إن { عَلَىٰ } للتعليل كما في قوله سبحانه: { أية : وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } تفسير : [البقرة: 185] وهي متعلقة بفضلناه أي فضلناه على سائر الكتب لأجل علم فيه أي لاشتماله على علم لم يشتمل عليه غيره منها، وقيل: إن {عَلَىٰ } في القراءتين متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مفعول {جِئْنَـٰهُمْ } أي جئناهم بذلك حال كونهم من ذوي العلم / القابلين لفهم ما جئناهم به فتأمل. {هُدًى وَرَحْمَةً } حال من مفعول {فَصَّلْنَاهُ } وجوز أن يكون مفعولاً لأجله وأن يكون حالاً من الكتاب لتخصيصه بالوصف، والكلام في وقوع مثل ذلك حالاً مشهور، وقرىء بالجر على البدلية من {عِلْمٍ } وبالرفع على إضمار المبتدأ أي هو هدى عظيم ورحمة كذلك {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لأنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون (بنواره).
ابن عاشور
تفسير : الواو في {ولقد جئناهم} عاطفة هذه الجملة على جملة {أية : ونادى أصحاب النّار أصحابَ الجنّة}تفسير : [الأعراف: 50]، عطف القصّة على القصّة، والغرضضِ على الغرض، فهو كلام أنف انتقل به من غرض الخبر عن حال المشركين في الآخرة إلى غرض وصف أحوالهم في الدّنيا، المستوجبين بها لما سيلاقونه في الآخرة، وليس هو من الكلام الذي عقب الله به كلام أصحاب الجنّة في قوله: {أية : فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا}تفسير : [الأعراف: 51] لأنّ قوله هنا {أية : هل ينظرون إلاّ تأويله}تفسير : [الأعراف: 53] إلخ، يقتضي أنّه حديث عن إعراضهم عن القرآن في الدّنيا، فضمير الغائبين في قوله: {جئناهم} عائد إلى الذين كذّبوا في قوله: {أية : إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء}تفسير : [الأعراف: 40] الآية. والمراد بالكتاب القرآن. والباء في قوله: {بكتاب} لتعدية فعل {جئناهم}، مثل الباء في قوله: {أية : ذهب الله بنورهم}تفسير : [البقرة: 17] فمعناه: أجأناهم كتاباً، أي جعلناه جاء يا إياهم، فيؤول إلى معنى أبلغناهم إياه وأرسلناه إليهم. وتأكيد هذا الفعل بلام القسم و(قَدْ) إمّا باعتبار صفة (كتاب)، وهي جملة {فصّلناه على علم هدى ورحمة} فيكون التّأكيد جارياً على مقتضى الظّاهر، لأنّ المشركين ينكرون أن يكون القرآن موصوفاً بتلك الأوصاف، وإمّا تأكيد لفعل {جئناهم بكتاب} وهو بلوغ الكتاب إليهم فيكون التأكيد خارجاً على خلاف مقتضى الظاهر، بتنزيل المبلَّغ إليهم منزلة من ينكر بلوغ الكتاب إليهم، لأنّهم في إعراضهم عن النّظر والتّدبر في شأنه بمنزلة من لم يبلغه الكتاب، وقد يناسب هذا الاعتبار ظاهر قوله بعد: {أية : يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق}تفسير : [الأعراف: 53]. وتنكير (كتاب)، وهو معروف، قصد به تعظيم الكتاب، أو قصد به النّوعيّة، أي ما هو إلاّ كتاب كالكتب التي أنزلت من قبل، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : كتاب أنزل إليك}تفسير : في طالع هذه السّورة (2). {وفصلناه} أي بيّناه أي بيّنّا ما فيه، والتّفصيل تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} تفسير : في سورة الأنعام (55). و{على عِلْمٍ} ظرف مستقر في موضع الحال من فاعل {فصّلناه} أي حال كوننا على علم، و(على) للاستعلاء المجازي، تدلّ على التّمكّن من مجرورها، كما في قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] وقوله: {أية : قل إني على بينة من ربي } تفسير : في سورة الأنعام (57). ومعنى هذا التّمكننِ أن علم الله تعالى ذاتي لا يعْزُب عنه شيء من المعلومات. وتنكير {عِلْم} للتّعظيم، أي عالمين أعظمَ العلم، والعظمة هنا راجعة إلى كمال الجنس في حقيقته، وأعظم العلم هو العلم الذي لا يحتمل الخطأ ولا الخفاء أي عالمين علماً ذاتياً لا يتخلّف عنّا ولا يخْتلف في ذَاته، أي لا يحتمل الخطأ ولا التّردّد. و{هدى ورحمة} حال من {كتاب}. أو من ضميره في قوله: {فصّلناه}. ووصف الكتاب بالمصدرين {هدى ورحمة} إشارة إلى قوّة هديه النّاس وجلب الرّحمة لهم. وجملة {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} إشارة إلى أنّ المؤمنين هم الذين توصّلوا للاهتداء به والرحمة. وأن من لم يؤمنوا قد حُرموا الاهتداء والرّحمة. وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة (2): {أية : هدى للمتقين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد جئناهم: أي أهل مكة أولاً ثم سائر الناس. بكتاب: القرآن العظيم. فصلناه على علم: بيناه على علم منَّا فبيّنا حلاله وحرامه ووعده ووعيده وقصصه ومواعظه وأمثاله. تأويله: تأويل ما جاء في الكتاب من وعد ووعيد أي عاقبة ما أنذروا به. وضل عنهم: أي ذهب ولم يعثروا عليه. في ستة أيام: هي الأحد إلى الجمعة. يغشي الليل النهار: يغطي كل واحد منهما الآخر عند مجيئه. حثيثاً: سريعاً بلا انقطاع. مسخرات: مذللات. ألا: أداة استفتاح وتنبيه (بمنزلة ألو للهاتف). له الخلق والأمر: أي له المخلوقات والتصرف فيها وحده لا شريك له. تبارك: أي عظمت قدرته، وجلت عن الحصر خيراته وبركاته. العالمين: كل ما سوى الله تعالى فهو عالم أي علامة على خالقه وإلهه الحق. معنى الآيات: بعد ذلك العرض لأحوال الناس يوم القيامة ومشاهد النعيم والجحيم أخبر تعالى أنه جاء قريشاً لأجل هدايتهم بكتاب عظيم هو القرآن الكريم وفصّله تفصيلاً فبينّ التوحيد ودلائله، والشرك وعوامله، والطاعة وآثارها الحسنة والمعصية وآثارها السيئة في الحال والمآل وجعل الكتاب هدى أي هادياً ورحمة يهتدي به المؤمنون وبه يرحمون. هذا ما تضمنته الآية الأولى [52] وهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وأما الآية الثانية [53] فقد استبطأ الحق تعالى فيها إيمان أهل مكة الذين جاءهم بالكتاب المفصّل المبيَّن فقال: {هَلْ يَنظُرُونَ} أي ما ينظرون {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي عاقبة ما أخبر به القرآن من القيامة وأهوالها، والنّار وعذابها، وعندئذ يؤمنون، وهل ينفع يومئذ الإِيمان؟ وهاهم أولاء يقولون {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} وينكشف الغطاء عما وعد به، {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} أي قبل وقوعه، وذلك في الحياة الدنيا، نسوه فلم يعملوا بما ينجيهم فيه من العذاب يقولون: {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} اعترفوا بما كانوا به يجحدون ويكذبون ثم يتمنون ما لا يتحقَّق لهم أبداً فيقولون: {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ} إلى الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} من الشرك والشر والفساد. وتذهب تمنياتهم أدراج الرياح، ولم يُرعْهُمْ إلا الإِعلان التالي: {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} خسروا أنفسهم في جهنم، وضاع منهم كلَّ أمل وغاب عنهم ما كانوا يفترون من أنَّ آلهتهم وأولياءهم يشفعون لهم فينجونهم من النار ويدخلونهم الجنة. وفي الآية الأخيرة يقول تعالى لأولئك المتباطئين في إيمانهم {إِنَّ رَبَّكُمُ} الذي يُحبُّ ان تعبدوه وتدعوه وتتقربوا إليه وتطيعوه {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} هذا هو ربكم الحق وإلهكم الذي لا إله لكم غيره، ولا ربَّ لكم سواه، أمّا الأصنام والأوثان فلن تكون ربّاً ولا إلهاً لأحد أبداً لأنّها مخلوقة غير خالقة وعاجزة عن نفع نفسها، ودفع الضّر عنها فكيف بغيرها؟ إنّ ربَّكم ومعبودكم الحقّ الذي له الخلق كلّه ملكاً وتصرفاً وله الأمر وحده يتصرف كيف يشاء في الملكوت كله. علويّه وسفليّه فتبارك الله رب العالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا ينفع الإِيمان عند معاينة الموت والعذاب كما لا ينفع يوم القيامة. 2- يحسن التثبت في الأمر والتأني عند العمل وترك العجلة، فالله قادرٌ على خلق السمَّاوات والأرض في ساعة ولكن خلقها في ستة أيام بمقدار أيام الدّنيا تعليماً وإرشاداً إلى التثبت في الأمور والتأني فيها. 3- صفة من صفات الرب تعالى التي يجب الإِيمان بها ويحرم تأويلها أو تكييفها وهي استواؤه تعالى على عرشه. 4- انحصار الخلق كلّ الخلق فيه تعالى فلا خالق إلا هو، والأمر كذلك فلا آمر ولا ناهي غيره. هنا قال عمر: من بقي له شيء فليطلبه إذ لم يبق شيء ما دام الخلق والأمر كلاهما لله.
القطان
تفسير : الكتاب: القرآن الكريم. التفصيل: التبين بوضوح ينظرون: ينتظرون تأويله: عاقبته. الحق: الأمر الثابت خسروا انفسهم:غبنوها وهلكوها. ضل عنهم: غاب عنهم. بعد ان بين الله احوال اهل الجنة وأهل النار وأهل الاعراف وما دار بينهم من حوار، عقَّب بذِكر حال القرآن الكرين، وأنه حجةُ الله على البشر كافة، أزاح عِلل الكفار وأبطل معاذيرهم. ثم أردف تعالى بذِكر حال المكذبين وما يكون منهم يوم القيامة من الندم والحسرة وتمنّي العودة الى الدنيا ليعملوا غير الذي كانوا يعلمون. لكن، هيهات.. لقد فات الأوان وطُويت حياة العمل. لقد جئناهم بكتابٍ كامل البيان هو القرآن فصّلنا آياتِه تفصيلاً على علم منّا، فيه أدلّةُ التوحيد وآياتُ الله في الكون، وما يحتاج اليه المكلَّفون من العلم والعمل. وفيه بيان الطريق المستقيم. {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} هل ينتظرون إلا عاقبةَ ما وُعدوا به على أَلسنة الرسُل من الثواب والعقاب؟ ليس أمامهم شيء ينتظرونه إلا وقوعَ تأويله من امر الغيب لاذي يقع في المستقبل، في الدنيا ثم في الآخرة. {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}. ويوم يأتي هذا المَآل، وهو يوم القيامة، وينكشف كل شيء - يقول الذين تركوا اوامره وبيناته، معترفين بذنوبهم: قد جاءنا الرسُل من عند ربِّنا داعِين إلى الحق الذي أُرسلوا به، فكفرنا بهم. ثم ذكر الله حالهم في ذلك اليوم العصيب، وتلهُّفَهم على النجاة. فقال: {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}. هنا يتمنَّوْن الخلاصَ بكل وسيلة ممكنة، إما بشفاعةِ الشافعين، وإما بالرجوع الى الدنيا. وكل ذلك مستحيل. {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. قد غبنوا أنفسَهم بغرورهم في الدنيا وباعوا نعيم الآخرة الدائمَ بالخسيس من عَرَضٍ الدنيا الزائل، وغاب عنهم ما كانوا يكذِبونه من ادْعاءِ إلهٍ غير الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {جِئْنَاهُمْ} {بِكِتَابٍ} {فَصَّلْنَاهُ} (52) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّه أَعْذَرَ إِلَى المُشْرِكِينَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّداً رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ، وَفَصَّلَهُ تَفْصِيلاً لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا يَحْتَاجُهُ المُكَلِّفُونَ مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ، تَزْكِيَةً لِلنُّفُوسِ، وَتَطْهِيراً لِلْقُلُوبِ، وَجَعَلَهُ سَبَبَ سَعَادَتِهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَجَعَلَهُ هُدًى وَرَحْمَةً لِمَنْ يُؤْمِنُ بِهِ إِيماناً يَبْعَثُهُ إِلى العَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ} من القرآن {فَصَّلْنَاهُ} بيّناه { عَلَىٰ عِلْمٍ} منّا بذلك {هُدًى وَرَحْمَةً} نصبها على القطع {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ} ينتظرون {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي ما يؤول إليه أمرهم من العذاب وورود النار. قال قتادة: تأويله ثوابه. وقال مجاهد: جزاؤه. وقال السدي: عاقبة. وقال ابن زيد: حقيقته {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا} اليوم {مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ} إلى الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} قال الله تعالى {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ} زال وبطل {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} قال سعيد بن جبير: قدّر الله على مَنْ في السماوات والأرض في لمحة ولحظة وإنما خلقهن في ستة أيام تتنظيماً لخلقه بالرفق والتثبيت في الاسم {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال الكلبي ومقاتل: يعني استقر وقال أبو عبيد [فصعد] وقال بعضهم: استولى وغلب. وقيل: ملك وغلب، وكلّها تأويلات مدخولة لا يخفى [بعدها] وأمّا الصحيح والصواب فهو ماقاله الفراء وجماعة من أهل المعاني [إن أول ما] خلق العرش وعهد إلى خلقه يدل عليه قوله تعالى {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 29] أي إلى خلق السماء. وقال أهل الحق من المتكلمين: أحدث الله فعلا سماه استواء، وهو كالإتيان والمجيء والنزول [وهي] صفات أفعاله. روى الحسن عن أم سلمة في قوله تعالى {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5] قالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والنزول به إيمان والجحود به كفر. عن محمد بن شجاع البلخي قال: سئل مالك بن أنس عن قول الله تعالى {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5] كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول والاستواء غير معقول والإيمان واجب فالسؤال عنه بدعة. وروى محمد بن شعيب بن شابور عن أبيه أن رجلاً سأل [الأوزاعي] في قوله تعالى {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5] فقال: هو على العرش كما وصف نفسه، وإني لأراك رجلا ضالاً. وبلغني أن رجلاً سأل إسحاق بن الهيثم الحنظلي فقال: كيف استوى على العرش أقائم هو أم قاعد؟ فقال: يا هذا إنما يقعد من يمل القيام ويقوم من يمل القعود وغير هذا أولى لك ألاّ تسأل عنه. والعرش في اللغة السرير. وقال آخرون: هو ما علا وأظل، ومنه عرش الكرم، وقيل: العرش الملك. قال زهير: شعر : تداركتما الاحلاف قد ثل عرشها وذبيان قد زلت بأقدامها النعل تفسير : {يُغْشِي} [يطمس] {ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} مسرعاً {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ} أي مذلّلات {بِأَمْرِهِ} وقرأ أهل الشام بالرفع على الابتداء والخبر {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} سمعت أبا القاسم [الحبيبي] يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع التاجر بهرات الشجري يقول: سمعت أبا زيد حاتم بن محبوب السامي يقول: سمعت عبد الجبار ابن العلاء العطّار يقول: سألت سفيان بن عيينة عن قوله {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} فقال: فرق الله بين الخلق والأمر ومَنْ جمع بينهما فقد كفر. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ لم يحمد الله على [ما عمل من] عمل صالح وحمد نفسه فقد قلّ شكره وحبط عمله، ومَنْ زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله تعالى {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} ". تفسير : وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي، أنشدنا أبو المثنّى معاذ بن المثنى العنبري عن أبيه محمود بن الحسن الورّاق قال: إن لله كل الأمر في كل خلقه ليس إلى المخلوق شي من الأمر {تَبَارَكَ ٱللَّهُ} قال الضحاك: تبارك تعظم، الخليل ابن أحمد: تبارك تمجد، القتيبي: تفاعل من البركة، الحسين بن الفضيل: تبارك في ذاته وبارك فيمن شاء من خلقه {رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً} تذلّلا واستكانة {وَخُفْيَةً} سرّاً. وروى عاصم الأحول عن ابن عثمان الهندي عن أبي موسى قال: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزاء فأ شرفوا على واد فجعل [ناس] يكبّرون ويهلّلون ويرفعون أصواتهم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "أيُّها الناس أربعوا على أنفسكم إنّكم لا تدعون أصم ولا [غائباً] إنّكم تدعون سميعاً قريباً إنّه معكم ". تفسير : وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً ثمّ قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وماشعر به جاره فالرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلّي الصلاة الطويلة في بيت وعنده الدور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدورن أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبداً. ولقد كان المسلمون [يجتهدون] في الدعاء ولا يسمع لهم صوتاً كأن كان إلا همساً بينهم وبين دينهم، وذلك أن الله تعالى يقول: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} وإن الله ذكر عبداً صالحاً ورضى فعله فقال عزّ مَنْ قائل: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}تفسير : [مريم: 3]. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} في الدعاء، قال أبو مجلن: هم الذين يسألون منازل الأنبياء، وقال عطيّة العوفي: هم الذين يدعونه فيما لا يحل على المؤمنين فيقولون: اللّهمّ أخزهم اللّهمّ ألعنهم، قال ابن جريج: من [الاعتداء] رفع الصوت والنداء بالدعاء والصفح وكانوا يؤمرون بالتضرّع والاستكانة {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} بالشرك والمعصية والدعاء إلى غير عبادة الله {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بعد [اصلاح] الله إيّاها يبعث الرسل، والأمر بالحلال والنهي عن المنكر والحرام وكل أرض قبل أن يبعث لها نبي فاسدة حتّى يبعث الرسل إليها فيصلح الأرض بالطاعة. وقال عطيّة: معناه لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} قال الكلبي: خوفاً منه ومن عذابه وطمعاً فيما عنده من مغفرته وثوابه، الربيع بن أنس: {خَوْفاً وَطَمَعاً} كقوله {أية : رَغَباً وَرَهَباً} تفسير : [الأنبياء: 90]. وقيل: خوف العاقبة وطمع الرحمة، ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل. عطاء: خوفاً من النيران وطمعاً في الجنان. ذو النون المصري: خوفاً من الفراق وطمعاً في التلاق {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} وكان حقه قربته. واختلف النحاة فيه وأكثروا وأنا ذاكر نصوص ما قالوا. قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب. وقال الأخفش: هي المطر فيكون القريب نعتاً للمعنى دون اللفظ كقوله تعالى {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 8] ولم يقل: منها، لأنه أراد بالقسمة الميراث والمال. وقال {أية : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} تفسير : [يوسف: 76] والصواع مذكّر لأنّه أراد به القسمة، والميراث (كالمنشريّة) والسقاية. وقال الخليل بن أحمد: القريب والبعيد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع [يذكر ويؤنث] يقول الشاعر: شعر : كفى حُزناً أنّي مقيم ببلدةً أخلاّئي عنها نازحون بعيد تفسير : وقال آخر: شعر : كانوا بعيداً فكنت آملهم حتّى إذا ما تقربواهجروا تفسير : وقال آخر: شعر : فالدار منّي غير نازحة لكن نفسي ما كادت مواتاتي تفسير : [وقال سيبويه]: لمّا أضاف المؤنث إلى المذكّر. أخرجه على مخرج المذكر، وقال الكسائي: إن رحمة الله قريب مكانها قريب كقوله: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} تفسير : [الأحزاب: 63] أي أتيانها قريب. قال النضر بن شميل: الرحمة مصدر وحق المصادر التذكير كقوله: {أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} تفسير : [البقرة: 275] وقال الشاعر: شعر : إنّ السماحة والمرؤة ضيمنا قبراً بمروَ على الطريق الواضح تفسير : ولم يقل: ضمنتا لأنّها مصدر. وقال أبو عمر بن العلاء: القريب في اللغة على ضربين قريب قرب [مقربه أبوابه] كقول العرب: هذه المرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة وهذه المرأة قريب منك إذا كانت بمعنى المسافة والمكان. قال أمرؤ القيس: شعر : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكر تفسير : وقال أبو عبيدة: القريب والبعيد يكونان للتأنيث والتذكير واحتج بقول عروة بن الورد: شعر : خشيته لا عفراء منك قريبة فتدنوه ولا عفراء منك بعيد تفسير : وقال أبو عبيدة: القريب والبعيد إذا كانا اسمين استوى فيهما المذكر والمؤنث وان بنيتهما على قَرُبت وبعدت فهي قريبة وبعيدة. {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً} قرأ عاصم بُشراً بالباء المضمومة والشين المجزومة يعني أنّها تبشّر بالمطر يدلّ عليه قوله: {أية : ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} تفسير : [الروم: 46]. وروى عنه بُشُراً بضم الباء والشين على جمع البشير مثل نذير و[نذار]. وهي قراءة ابن عباس. وقرأ غيره من أهل الكوفة نشراً بفتح النون وجزم الشين وهو الريح الطيبة اللينة. قال أمرؤ القيس: شعر : كان المدام وصوب الغمام وريح الخزامي ونشر القطر تفسير : وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وزر بن حبيش، واختاره أبو عبيد لقوله: {أية : وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً} تفسير : [المرسلات: 3] وقرأ أهل الحجاز والبصرة نشراً بضم النون والشين واختاره أبو حاتم فقال: هي جمع نشور مثل صبور وصابر، وشكور وشاكر. وهي الرياح التي تهب من كل ناحية وتجيء من كل [وجه] وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن عامر نشراً بضم النون وجزم الشين على التخفيف. وقرأ مسروق (نشراً) بفتحتين أراد منشوراً [كالمقبض] والقبض {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني قدّام المطر {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ} حملت {سَحَاباً ثِقَالاً} المطر {سُقْنَاهُ} رد الكناية إلى لفظ السحاب {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} يعني إلى بلد. وقيل: معناه [لأجل] بلد لا نبات له {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي السحاب وقيل: بالبلد {ٱلْمَآءَ} يعني المطر، وقال أبو بكر بن عيّاش: لا تقطر من السماء قطرة حتّى يعمل فيها أربع: رياح الصبا تهيّجه والشمال تجمعه والجنوب تدرّه والدبور تفرّقة {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} أحياء قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلّهم في النفخة الأولى أمطر عليهم أربعين عاماً [يسقى] الرجال من ماء تحت العرش يُدعى ماء الحيوان فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أُمهاتهم، وكما ينبت الزرع من الماء حتّى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثمّ يلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم إذا استيقظ من نومه فعند ذلك يقولون {أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} تفسير : [يس: 52] فيناديهم المنادي {أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [يس: 52]. {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} هذا مثل ضربه الله المؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب الزاكي يخرج نباته ريعة بإذن الله، فمثل الكافر كمثل الأرض الصبخة الخبيثة التي لا يُخرج نباتها [وغلّتها] {إِلاَّ نَكِداً} [أي عسيراً قليلاً بعناء] ومشقّة وقرأ أبو جعفر: [نكداً] بفتح الكاف أي النكد {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} بينهما {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي لا عذر لهم في شيء من هذا الجحود؛ لأن الكتاب مفصل، وقد يقولون: إن الكتاب الطارئ علينا، وكذلك الرسول الذي جاء به. إذن فما موقفهم من الآيات الكونية الثابتة؟ لقد جحدوها أيضاً. {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}. و{فَصَّلْنَاهُ} أي أنه سبحانه لم ينزل كلاما مجملاً أو مبهماً، لا، بل فيه تفصيل العليم الحكيم، أنه فصل أحكامه ومعانيه ومواعظه وقصصه حتى جاء قيما غير ذي عوج، وسبحانه هو القادر أن ينزل المنهج المناسب لقياس ومقام كل إنسان. إنه حينما يأتي إلينا من يستفتينا في أي أمر ويحاول أن يلوي في الكلام لنأتي له بفتوى تبرر له ما يفعله، فنحن نقول له: ليس لدينا فتوى مفصلة؛ لأن الفتاوي التي عندنا كلها جاهزة، ولك أن تدخل بمسألتك في أي فتوى. {...فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52] وهناك أناس سمعوا القرآن ورأوا الآيات واهتدوا، فلماذا اهتدى هؤلاء وضل هؤلاء؟ لقد آمن من صدق بالوجود الأعلى كما قلنا في سورة البقرة: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] إذن فقد آمن بالقرآن من اهتدى إلى الحق، ومنهم من أوضح الحق عنهم: أنهم حين يستمعون القرآن تفيض أعينهم من الدمع. وأيضاً هناك من لا يلمس الإيمان قلوبهم حين يستمعون إلى القرآن. {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً...} تفسير : [محمد: 16] وهؤلاء هم الذين غلظت قلوبهم فلم يتخللها أو يدخلها ويخالطها نور القرآن، لذلك تجد الحق يرد عيلهم بقوله سبحانه: {أية : ...أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 16] ويقول سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى...} تفسير : [فصلت: 44] سبق أن ضربنا المثل بأن الفعل في بعض الحالات واحد، لكن القابل للفعل مختلف، لذلك تكون النتيجة مختلفة. وعلى سبيل المثال: إذا كنت في الشتاء، وخرجت ووجدت الجو بارداً، وشعرت أن أطراف أصابعك تكاد تتجمد من البرد، فتضم فبضتك معاً وتنفخ فيهما، وقد تفعل ذلك بلا إرادة من كل تدفئ يديك. وكذلك حين يأتي لك كوب من الشاي الساخن جداً، وتحب أن تشرب منه، فأنت تنفخ فيه لتأتي له بالبرودة. والنفخة من فمك واحدة؛ تأتي بحرارة ليديك، وتأتي بالبرودة لكوب الشاي، وهكذا فالفعل واحد لكن القابل مختلف. وكذلك القرآن فمن كان عنده استعداد للإيمان فهو يهتدي به، ومن لا يملك الاستعداد فقلبه غلف عن الإيمان. وموقف هؤلاء العاجزين عن استقبال الرحمة غير طبيعي، وماذا ينتظرون بعد هذا الكفر، وبعد الافتئات وبعد الاستكبار وبعد التأبي وبعد اتخاذ الدين لهواً ولعباً، ما ينتظرون؟ ها هو ذا الحق سبحانه يوضح لهم العاقبة: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الكفار الأشقياء وخسارتهم الفادحة في الآخرة، ذكر هنا أنه لا حجة لأحد فقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لهداية البشرية، ثم ذكر قصص بعض الأنبياء فبدأ بنوح عليه السلام شيخ الأنبياء ثم أعقبه بذكر هودٍ عليه السلام وموقف المشركين من دعوة الرسل الكرام. اللغَة: {تَأْوِيلَهُ} عاقبة أمره وما يئول إليه من آل يئول إذا صار إليه {ٱسْتَوَىٰ} الاستواء: العلوّ والاستقرار قال الجوهري: استوى على ظهر الدابة استقرّ، واستوى إلى السماء قصد، واستوى الشيءُ إذا اعتدل {يُغْشِي} يغطّي {حَثِيثاً} سريعاً والحثُّ: الإِعجال والسرعة {تَبَارَكَ} تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع قال الأزهري: تبارك أي تعالى وتعاظم وارتفع {تَضَرُّعاً} تذللاً واستكانة وهو إظهار الذل الذي في النفس مع الخشوع {وَخُفْيَةً} سراً {بُشْراً} مبشرة بالمطر {أَقَلَّتْ} حملت {نَكِداً} العِسرِ القليل {أية : آلاۤءِ} تفسير : [النجم: 55] الآلاء النِّعَم واحدها "لَى" كمِعَى. التفسِير: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ} أي ولقد جئنا أهل مكة بكتاب هو القرآن العظيم {فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي بينّا معانيه ووضحنا أحكامه على علم منا حتى جاء قيّماً غير ذي عوج {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي هداية ورحمة وسعادة لمن آمن به {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي ما ينتظر أهل مكة إلا عاقبة ما وُعدوا به من العذاب والنكال قال قتادة: تأويله عاقبتُه {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} هو يوم القيامة {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} أي يقول الذين ضيّعوا وتركوا العمل به في الدنيا {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} أي جاءتنا الرسل بالأخبار الصادقة وتحقق لنا صدقهم فلم نؤمن بهم ولم نتبعهم قال الطبري: أقسم المساكين حين حلّ بهم العقاب أن رسل الله قد بلّغتهم الرسالة ونصحتْ لهم وصدَقَتْهم حين لا ينفعهم ولا ينجيهم من سخط الله كثرةُ القيل والقال {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ} أي هل لنا اليوم شفيع يخلصنا من هذا العذاب؟ استفهام فيه معنى التمني {أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} أو هل لنا من عودة إلى الدنيا لنعمل صالحاً غير ما كنا نعمله من المعاصي وقبيح الأعمال؟ قال تعالى ردّاً عليهم {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي خسروا أنفسهم حيث ابتاعوا الخسيس الفاني من الدنيا بالنفيس الباقي من الآخرة، وبطل عنهم ما كانوا يزعمونه من شفاعة الآلهة والأصنام، ثم ذكر تعالى دلائل القدرة والوحدانية فقال {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي إن معبودكم وخالقكم الذي تعبدونه هو المنفرد بقدرة الإِيجاد الذي خلق السماوات والأرض في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا قال القرطبي: لو أراد لخلقها في لحظة ولكنه أراد أن يعلِّم العبادَ التثبت في الأمور {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي استواءً يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيلٍ ولا تحريف كما هو مذهب السلف وكما قال الإِمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم، والكَيْفُ مجهول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وقال الإِمام أحمد رحمه الله: أخبارُ الصفات تُمَرُّ كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل فلا يقال: كيف؟ ولِمَ؟ نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء بلا حدٍّ ولا صفةٍ يبلغها واصف أو يحدها حادُّ، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما ونَكِلُ الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل وقال القرطبي: لم ينكر أحدٌ من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقةً وإِنما جهلوا كيفية الاستواء فإِنه لا تُعلم حقيقته {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} أي يغطي الليل على النهار فيذهب بضوئه ويطلبه سريعاً حتى يدركه {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} أي الجميع تحت قهره ومشيئته وتسخيره {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} أي له الملك والتصرف التام في الكائنات {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أي تعظّم وتمجّد الخالق المبدع رب العالمين {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} أي أدعو الله تذللاً وسراً بخشوع وخضوع {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي لا يحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت وفي الحديث "حديث : إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً" تفسير : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} أي لا تفسدوا في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها الله ببعثة المرسلين {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي رحمته تعالى قريبة من المطيعين الذين يمتثلون أوامره ويتركون زواجره {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي يرسل الرياح مبشرة بالمطر قال في البحر: ومعنى بين يدي رحمته أي أمام نعمته وهو المطر الذي هو من أجلّ النعم وأحسنها أثراً على الإِنسان {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} أي حتى إذا حملت الرياح سحاباً مثقلاً بالماء {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي سقنا السحاب إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها {فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} أي أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء فأخرجنا بذلك الماء من كل أنواع الثمرات {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي مثل هذا الإِخراج نُخرج الموتى من قبورهم لعلكم تعتبرون وتؤمنون قال ابن كثير: وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله المثل ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال لعلكم تذكّرون {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي الأرضُ الكريمةُ التربة يَخْرج النبات فيها وافياً حسناً غزير النفع بمشيئة الله وتيسيره، وهذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها {وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} أي والأرض إذا كانت خبيثة التربة كالحرّة أو السبخة لا يخرج النبات فيها إلا بعسر ومشقة وقليلاً لا خير فيه، وهذا مثلٌُ للكافر الذي لا ينتفع بالموعظة قال ابن عباس: هذا مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر، فالمؤمن طيّب وعمله طيب كالأرض الطيبة ثمرها طيب، والكافر خبيثٌ وعملهُ خبيث كالأرض السبخة المالحة لا ينتفع بها {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} أي كما ضربنا هذا المثل كذلك نبيّن وجوه الحجج ونكررها آية بعد آية، وحجة بعد حجة لقوم يشكرون الله على نعمه، وإنما خصّ الشاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بسماع القرآن قال الألوسي: أي مِثلَ هذا التصريف البديع نردِّد الآيات الدالة على القدرة الباهرة ونكررها لقومٍ يشكرون نعم الله تعالى، وشكرُها بالتفكر والاعتبار بها {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} اللام جواب قسمٍ محذوف أي والله لقد أرسلنا نوحاً، ونوحٌ شيخ الأنبياء لأنه أطولهم عمراً وهو أول نبيّ بعثه الله بعد إدريس، ولم يلق نبيٌّ من الأذى مثل نوح {فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي وحدّوا الله ولا تشركوا به فما لكم إلهٌ مستحقٌ للعبادة غيره {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي إِن أشركتم به ولم تؤمنوا فأنا أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيم هو يوم القيامة {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي قال الأشراف والسادة من قومه إنا لنراك يا نوح في ذهابٍ عن طريق الحق والصواب واضح جلي قال أبو حيان: ولم يجبه من قومه إلا أشرافُهم وسادتهم وهم الذين يتعاصون على الرسل لانغماس عقولهم بالدنيا وطلب الرياسة، وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي ما أنا بضال ولكنْ أنا مرسل إليكم من عند ربكم المالك لأموركم الناظر لكم بالمصلحة {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أنا أبلغكم ما أرسلني الله به إليكم وأقصد صلاحكم وخيركم وأعلم من الأمور الغيبية أشياء لا علم لكم بها قال ابن كثير: وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغاً فصيحاً ناصحاً عالماً بالله لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ} أي لا تعجبوا من هذا فإِن هذا ليس بعجيب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفاً وإِحساناً إليكم {لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي ليخوفكم هذا الرسول من العذاب إن لم تؤمنوا ولتتقوا ربكم وتنالكم الرحمة بتقواه {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ} أي كذبوا نوحاً مع طول مدة إقامته فيهم فأنجاه الله والمؤمنين معه في السفينة {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} أي أهلكنا المكذبين منهم بالغرق {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} أي عميت قلوبهم عن الحق فهم لا يبصرونه ولا يهتدون له قال ابن عباس: عميتْ قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هوداً وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي قال لهم رسولهم وحّدوا الله فليس لكم إله غيره {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي أفلا تخافون عذابه؟ {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي قال السادة والقادة منهم {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي نراك في خفة حلم وسخافة عقل وإننا لنظنك من الكاذبين في ادعائك الرسالة {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي ليس بي كما تزعمون نقص في العقل ولكني مرسل إليكم بالهداية من رب العالمين {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} أي أبلغكم أوامر الله وأنا ناصح لكم فيما أدعوكم إليه، أمينٌ على ما أقول لا أكذب فيه قال الزمخشري: وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام مِمَّنْ نسبَهم إلى السفاهة والضلالة - بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم وترك المقابلة - أدبٌ حسنٌ وخُلُق عظيم، وتعليم للعباد كيف يخاطبون السفهاء ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} أي لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولاً من أنفسكم لينذركم لقاء الله ويخوفكم عذابه {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} أي اذكروا نعمة الله حين استخلفكم في الأرض بعد إهلاك قوم نوح {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} أي زاد في أجسامكم قوةً وضخامة {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي اذكروا نعم الله عليكم كي تفلحوا وتفوزوا بالسعادة {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} أي أجئتنا يا هود تتوعدنا بالعذاب كي نعبد الله وحده ونهجر عبادة الآلهة والأصنام ونتبرأ منها؟ {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي فأتنا بما تعدنا به من العذاب فلن نؤمن لك إن كنت من الصادقين في قولك {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} أي قد حلّ بكم عذاب وغضب من الله {أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي أتخاصمونني في أصنام لا تضر ولا تنفع ما أنزل الله بعبادتها من حجة أو برهان {فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} أي فانتظروا نزول العذاب إني من المنتظرين لما يحل بكم وهذا غاية الوعيد والتهديد {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي أنجينا هوداً والذين معه من المؤمنين رحمة منا لهم {وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي استأصلناهم بالكلية ودمرناهم عن آخرهم {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} أي كذبوا ولم يؤمنوا فاستحقوا العذاب قال أبو السعود: أي أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرعووا عن ذلك أبداًَ فأهلكهم الله بالريح العقيم. البَلاَغَة: 1- {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} الآية على قلة ألفاظها جمعت معاني كثيرة استوعبت جميع الأشياء والشئون على وجه الاستقصاء حتى قال ابن عمر: من بقي له شيء فليطلبه وهذا الأسلوب البليغ يسمى "إيجاز قِصَر" ومداره على جمع الألفاظ القليلة للمعاني الكثيرة. 2- {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} وصفُ البلد بالموت استعارةٌ حسنة لجدبه وعدم نباته كأنه كالجسد الذي لا روح فيه من حيث عدم الانتفاع به. 3- {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} أي مثل إخراج النبات من الأرض نخرج الموتى من قبورهم فهو تشبيه "مرسل مجمل" ذكرت الأداة ولم يذكر وجه الشبه. 4- {وَقَطَعْنَا دَابِرَ} قطع الدابر كنايةٌ لطيفةٌ عن استئصالهم جميعاً بالهلاك. تنبيه: ذكر العلامة الألوسي عند قوله تعالى {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} عن الحسن البصري أنه قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} وأنه سبحانه ذكر عبداً صالحاً فقال {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} تفسير : [مريم: 3] ثم قال: وذكروا للدعاء آداباً كثيرة منها: أن يكون على طهارة، وأن يستقبل القبلة، وتخلية القلب من الشواغل، وافتتاحه واختتامه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع اليدين نحو السماء، وإشراك المؤمنين فيه، وتحري ساعات الإِجابة كثلث الليل الأخير، ووقت إفطار الصائم، ويوم الجمعة وغير ذلك.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف لا يخلدون في النار {لَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ} مبين لجميع أحوال النشأتين {فَصَّلْنَاهُ} أي: أوضحنا معانيه وبيَّنا ما فيه من العقائد والأحكام مفصلاً {عَلَىٰ عِلْمٍ} حضوري منا متعلق بتفصيله بحيث لا يشذ عن علمنا شيء أصلاً، وإنما فصلناه وأوضحناه وجئنا به؛ ليكن {هُدًى} هادياً ومرشداً لهم إلى توحيدنا {وَرَحْمَةً} مخلصة لهم عن سجين الطبيعة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52] به وبحقيقته. وبعدما آمنوا به وبما فيه من أحوال النشأة الأولى والأخرى {هَلْ يَنظُرُونَ} أي: ما ينتظرون هؤلاء المؤمنون {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي: ما يؤول إليه ويترتب عليه بعدما حصل لهم الإذعان بالوقوع {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ} ونبذوه وراء ظهورهم {مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا} ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع فكذبناهم مكابرة وعناداً {فَهَل لَّنَا} اليوم {مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ} ليخلصونا من نكال ما أجرمنا {أَوْ نُرَدُّ} بشفاعتهم على أعقابنا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} في أيام الغفلة، وهم {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والشرك وعبادة الغير {وَ} مع ذلك {ضَلَّ} غاب وخفي {عَنْهُمْ} لدى الحاجة {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأعراف: 53] لشركائهم من الشفاعة المظاهرة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ} [الأعراف: 52]؛ يعني: لهؤلاء المنكرين كما جئنا للمؤمنين، {بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} [الأعراف: 52]؛ بقرائن مبيناً فيه من العلوم ما يكون، {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52] به ويهتدون به، فاهتدى المؤمنين به إلى الله، وضل المنكرون والجاحدون به عن الله، {هَلْ يَنظُرُونَ} [الأعراف: 53]؛ أي: هل ينتظرون الفريقان {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53]؛ أي: ما تؤول إليه عاقبته في شأنهم، فأما المؤمنين فيكشف عنهم الغطاء ويرش عليهم العطاء؛ ليجدوا الشفاء من محنة البعاد، وينالوا الضياء بقرب الوداد، ويصلوا في الدنيا والعقبى؛ أي: جميل المراد، وما لأهل الجحود والإنكار إلى العزة في قسمهم إلا الذلة والافتقار، وفي الآخرة إلا العذاب الشديد في دركات النار، {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف: 53] فإذا كشف جلال الغيب وانتفى عن قلوبهم أغطية الدين فلا بكاء لهم ينفع، ولا دعاء لهم يسمع، ولا شكوى عنهم ترفع، ولا شافع لهم يشفع، ولا دافع عنهم العذاب يدفع، ولا البلوى من دونهم تقطع، {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [الأعراف: 53] بإفساد استعداد نيل الكمالات، وتاهوا في تيه الضلال، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأعراف: 53] من هواجسهم النفسانية ووساوسهم الشيطانية في طلب الدنيا ومتابعة الهوى. ثم أخبر عن عزة ربوبيته وقدرة ألوهيته بقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يعرِّف ذاته إلى الخلق بصفاته وهي: الربوبية، والألوهية، والقادرية، والخالقية، والمدبرية، والحكيمية، والاستئوائية، فقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، فيشير إلى أن الذي هو ربكم وسيدكم الذي تجب طاعته عليكم لربوبيته هو: الله المستحق للعبادة بالألوهية، الذي خلق بالقادرية والخالقية السماوات والأرض بالمدبرية والحكيمية خلقها في ستة أيام، وإنما حصر في ستة أيام؛ لأن أنواع المخلوقات ستة وهي: الأول: الأرواح المجردة. والثاني: الملكوتيات، فمنها: الملائكة، والجن، والشياطين، وملكوت السماوات، ومنها: العقول المفردات والمركبات. والثالث: النفوس: كنفوس الكواكب، ونفس الإنسان، ونفس الحيوان، ونفس النبات والمعادن. والرابع: الأجرام والبساط العلوية من الأجسام اللطيفة كالعرش، والكرسي، والسماوات، والجنة والنار. والخامس: الأجسام المفردة وهي: العناصر الأربعة. والسادس: الأجسام المركبة الكثيفة من العناصر فتصير عن خلق كل نوع منها بيوم، وإلاَّ فالأيام الزمانية كونها مستحيل قبل خلق السماوات والأرض، فلما أتم خلق المكونات من الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه التدبير في أموره من العرش إلى تحت الثرى، وإنما اختص العرش بالاستواء؛ لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القابل للفيض الرحمانية. واعلم أن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا تشبه استواء المخلوقين، كالعلم صفة من صفاته تعالى لا يشبه علم المخلوقين؛ إذ {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11]، ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك عن الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك، وذلك أن الله تعالى لمَّا أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم استعمل روحك بخلافته؛ ليتصرف في النطفة أيام الحمل فيجعلها عالماً صغيراً مناسباً للعالم الكبير، فيكون بدنه بمثابة الأرض، ورأسه بمثابة السماء، وقلبه بمثابة العرش، وسره بمثابة الكرسي، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه، ثم استوى الروح بعد استواء من الشخص الكامل على عرش القلب استواءاً لا مكانياً لا استواءاً مكانياً؛ ليتصرف في جميع أجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب، فإن القلب هو: القابل لفيض الروح، ثم يفيض على سائر الأعضاء، كما أن من العرش ينصب الفيض الإلهي إلى سائر المخلوقات، فالعرش مقسم فيض الحق تعالى إلى المخلوقات كلها، كما أن القلب مقسم فيض الروح إلى القالب كله، فإذا تأملت في هذا المثال تأملاً شافياً وجدته في نفي التشبيه عن الصفات المنزهة المقدسة كافياً، وتحققت حقيقة: "من عرف نفسه فقد عرف ربه" - إن شاء الله تعالى - فيقول تعالى: {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} [الأعراف: 54]، يخبر عن تصرفاته في المماليك بالمدبرية عند استوائه على العرش، وفيه إشارة إلى ليل ظلمات النفس عند استيلاء صفاتها وغلبات هواها على نهار أنوار القلب، وإلى نهار القلب في غلبات أنواره استيلاء المحبة عليه. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف: 54]؛ عنى بالأمر الخطاب بلا واسطة، كما خاطب النار {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً}تفسير : [الأنبياء: 69] بلا واسطة، فكانت؛ يعني: هذه العلويات مدبرات السفليات ومؤثرات فيها؛ لأنها مسخرات بأمرنا بلا واسطة، وهن واسطة بيننا وبين السفليات كتابة للقدرة وإيصالاً للتصرف، كما أن يعني حركة القلم بأمر الكاتب بلا واسطة، والكتابة بواسطة القلم تصدر عن الكاتب، {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، فسمي ما خلق بأمره من غير واسطة أمراً، وما خلق بواسطة خلقاً، وقال تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}؛ أي: له القدرة والتصرف في العالمين بالربوبية ما خلق بالواسطة وما خلق بغير واسطة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):