Verse. 1007 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

ہَلْ يَنْظُرُوْنَ اِلَّا تَاْوِيْلَہٗ۝۰ۭ يَوْمَ يَاْتِيْ تَاْوِيْلُہٗ يَقُوْلُ الَّذِيْنَ نَسُوْہُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاۗءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ۝۰ۚ فَہَلْ لَّنَا مِنْ شُفَعَاۗءَ فَيَشْفَعُوْا لَنَاۗ اَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِيْ كُنَّا نَعْمَلُ۝۰ۭ قَدْ خَسِرُوْۗا اَنْفُسَہُمْ وَضَلَّ عَنْہُمْ مَّا كَانُوْا يَفْتَرُوْنَ۝۵۳ۧ
Hal yanthuroona illa taweelahu yawma yatee taweeluhu yaqoolu allatheena nasoohu min qablu qad jaat rusulu rabbina bialhaqqi fahal lana min shufaAAaa fayashfaAAoo lana aw nuraddu fanaAAmala ghayra allathee kunna naAAmalu qad khasiroo anfusahum wadalla AAanhum ma kanoo yaftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هل ينظرون» ما ينتظرون «إلا تأويله» عاقبة ما فيه «يوم يأتي تأويله» هو يوم القيامة «يقول الذين نسوه من قبل» تركوا الإيمان به «قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو» هل «نُرد» إلى الدنيا «فنعمل غير الذي كنا نعمل» نوحِّد الله ونترك الشرك، فيقال لهم: لا، قال تعالى: «قد خسروا أنفسهم» إذ صاروا إلى الهلاك «وضلّ» ذهب «عنهم ما كانوا يفترون» من دعوى الشريك.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المُفَصَّل الموجب للهداية والرحمة، بين بعده حال من كذب فقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع. فإن قيل: كيف يتوقعون وينتظرون مع جَحدِهم له وإنكارِهم؟ قلنا: لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا، فلهذا السبب انتظروه وأيضاً إنهم وإن كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالةَ، وقوله: {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } قال الفراء الضمير في قوله: {تَأْوِيلَهُ } للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب. والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل وقد احتج بهذه الآية من ذهب إلى قوله: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 7] أي ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا الله وقوله: {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } يريد يوم القيامة، قال الزجاج قوله: {يَوْمَ } نصب بقوله: {يِقُولُ } وأما قوله: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ } معناه أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه، ويجوز أن يكون معنى {نَسُوهُ } أي تركوا العمل به والإيمان به وهذا كما ذكرنا في قوله: {أية : كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 51] ثم بين تعالى أن هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون: {قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ } والمراد أنهم أقروا بأن الذي جاءت به الرسل من ثبوت الحشر، والنشر، والبعث، والقيامة، والثواب، والعقاب، كل ذلك كان حقاً، وإنما أقروا بحقيقة هذه الأشياء لأنهم شاهدوها وعاينوها، وبين الله تعالى أنهم لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا: {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ } والمعنى إنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين. وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب أو يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل يعني نوحد الله تعالى بدلاً عن الكفر ونطيعه بدلاً عن المعصية. فإن قيل: أقالوا هذا الكلام مع الرجاء أو مع اليأس؟ وجوابنا عنه مثل ما ذكرناه في قوله: {أية : أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء } تفسير : [الأعراف: 50] ثم بين تعالى بقوله: {قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } أن الذين طلبوه، لا يكون لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم الله عليهم بأنهم قد خسروا أنفسهم. ثم قال: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يريد أنهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدنيا ولم ينتفعوا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها، قال الجبائي: هذه الآية تدل على حكمين الحكم الأول قال: الآية تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين على الإيمان والتوبة فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا ولو كانوا في الدنيا غير قادرين كما يقوله المجبرة لم يكن لهم في الرد فائدة ولا جاز أن يسألوا ذلك. الحكم الثاني أن الآية تدل على بطلان قول المجبرة والذين يزعمون أن أهل الآخرة مكلفون لأنه لو كان كذلك لما سألوا الرد إلى حال وهم في الوقت على مثلها بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال، فبطل ما حكي عن النجار وطبقته من أن التكليف باق على أهل الآخرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} بالهمز، من آل. وأهل المدينة يخفّفون الهمزة. والنظر: الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب. وقيل: «ينظرون» من النظر إلى يوم القيامة. فالكناية في «تأويله» ترجع إلى الكتاب. وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب. وقال مجاهد: «تأويله» جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة: «تأويله» عاقبته. والمعنى متقارب. {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} أي تبدو عواقبه يوم القيامة. و«يوم» منصوب بيقول، أي يقول الذين نسوه من قبل يومَ يأتي تأويله. {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ} استفهام فيه معنى التمني. {فَيَشْفَعُواْ} نصب لأنه جواب الاستفهام. {لَنَآ أَوْ نُرَدُّ} قال الفرّاء: المعنى أو هل نردّ. {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} قال الزجاج: نردّ عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد أو نردّ. وقرأ ٱبن إسحاق «أو نرد فنعمل» بالنصب فيهما. والمعنى إلا أن نرد؛ كما قال:شعر : فقلتُ له لا تَبْكِ عينُك إنما نحاول مُلْكاً أو نموتَ فنُعْذَرَا تفسير : وقرأ الحسن «أو نرد فنعمل» برفعهما جميعاً. {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} أي فلم ينتفعوا بها، وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسِرها. وقيل: خسروا النِّعَم وحَظّ أنفسهم منها. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي بطل ما كانوا يقولون من أنّ مع الله إلهاً آخر.

البيضاوي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} ينتظرون. {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} إلا ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد. {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} تركوه ترك الناسي. {قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ} أي قد تبين أنهم جاؤوا بالحق. {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا } اليوم. {أَوْ نُرَدُّ} أو هل نرد إلى الدنيا. وقرىء بالنصب عطفاً على {فَيَشْفَعُواْ}، أو لأن {أَوْ} بمعنى إلى أن، فعلى الأول المسؤول أحد الأمرين الشفاعة أو ردهم إلى الدنيا، وعلى الثاني أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد وهو الرد. {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ} جوابِ الاستفهام الثاني وقرىء بالرفع أي فنحن نعمل. {قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} بصرف أعمارهم في الكفر. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} بطل عنهم فلم ينفعهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظرون {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } عاقبة ما فيه {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } هو يوم القيامة {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ } تركوا الإِيمان به: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ } هل {نُرَدُّ } إلى الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ } نوحِّد الله ونترك الشرك؟ فيقال لهم: لا. قال تعالى {قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } إذ صاروا إلى الهلاك {وَضَلَّ } ذهب {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من دعوى الشريك.

ابن عطية

تفسير : {ينظرون} معناه ينتظرون، و "التأويل" في هذا الموضع بمعنى المآل والعاقبة، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما، وقال ابن عباس: {تأويله} مآله يوم القيامة، وقال السدي: ذلك في الدنيا وقعة بدر وغيرها ويوم القيامة أيضاً، والمراد هل ينتظر هؤلاء الكفار إلا مآل الحال في هذا الدين وما دعوا إليه وما صدروهم عنه وهم يعتقدون مآله جميلاً لهم؟ فأخبر الله عز وجل أن مآله يوم يأتي يقع معه ندمهم، ويقولون تأسفاً على ما فاتهم من الإيمان لقد صدقت الرسل وجاءوا بالحق, فالتأويل على هذا مأخوذ من آل يؤول، وقال الخطابي: أولت الشيء رددته إلى أوله فاللفظة مأخوذة من الأول، حكاه النقاش. قال القاضي أبو محمد: وقد قيل أولت معناه طلبت أول الوجوه والمعاني و {نسوه} في الآية يحسن أن يكون النسيان من أول الآية بمعنى الترك ويقرون بالحق ويستفهمون عن وجوه الخلاص في وقت لا مستعتب لهم فيه، وقرأت فرقة: "أو نردُّ" برفع الفعل على تقدير أو هل نرد وبنصب "فنعملَ" في جواب هذا الاستفهام الأخير، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "أو نردُّ فنعملُ" بالرفع فيهما على عطف "فنعمل"، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة "أو نردَّ فنعمل" ونصب نرد في هذه القراءة إما على العطف على قوله: {فيشفعوا}, وإما بما حكاه الفراء من أن "أو تكون" بمعنى حتى كنحو قول امرىء القيس: شعر : أو نموت فنعذرا تفسير : ويجيء المعنى، أن الشفاعة تكون في أن يردوا ثم أخبر تعالى عن خسارتهم أنفسهم واضمحلال افترائهم على الله وكذبهم في جعل الأصنام آلهة. وقوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} الآية، خطاب عام يقتضي التوحيد والحجة وعليه بدلائله، والرب أصله في اللغة المصلح من رب يرب وهو يجمع في جهة ذكر الله تعالى المالك والسيد وغير ذلك من استعمالات العرب، ولا يقال الرب معرفاً إلا لله، وإنما يقال في البشر بإضافة، وروى بكار بن الشقير "إن ربكم اللهَ" بنصب الهاء، وقوله {في ستة أيام} حكى الطبري عن مجاهد أن اليوم كألف سنة، وهذا كله والساعة اليسيرة سواء في قدرة الله تعالى، وأما وجه الحكمة في ذلك فمما انفرد الله عز وجل بعلمه كسائر أحوال الشرائع، وما ذهب إليه من أراد أن يوجه هذا كالمهدوي وغيره تخرص، وجاء في التفسير وفي الأحاديث أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد وكملت المخلوقات يوم الجمعة، ثم بقي دون خلق يوم السبت، ومن ذلك اختارته اليهود لراحتها، وعلى هذا توالت تفاسير الطبري وغيره، ولليهود لعنهم الله تعالى في هذا كلام سوء تعالى الله عما يصفون. ووقع حديث في كتاب مسلم بن الحجاج في كتاب الدلائل لثابت السرقسطي، أن الله تعالى خلق التربة يوم السبت وذكره مكي في الهداية، وقوله تعالى: {استوى على العرش} معناه عند أبي المعالي وغيره من حذاق المتكلمين بالملك والسلطان، وخص العرش بالذكر تشريفاً له إذ هو أعظم المخلوقات، وقال سفيان الثوري: فعل فعلاً في العرش سماه استواء. قال القاضي أبو محمد: و {العرش} مخلوق معين جسم ما، هذا الذي قررته الشريعة، وبلغني عن أبي الفضيل بن النحوي أنه قال: العرش مصدر عرش يعرش عرشاً، والمراد بقوله {استوى على العرش} هذا. قال القاضي أبو محمد: وهذا خروج كثير عن ما فهم من العرش في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "يُغشي" من أغشى، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي "يغشّي" بالتشديد من غشّى، وهما طريقان في تعدية "غشي" إلى مفعول ثان، وقرأ حميد "يغَشَى" بفتح الياء والشين ونصب "الليلَ" ورفع "النهارُ"، كذا قال أبو الفتح وقال أبو عمرو الداني برفع "الليلُ". قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت و {حثيثاً} معناه سريعاً، و {يطلبه حثيثاً} حال من الليل بحسب اللفظ على قراءة الجماعة، ومن النهار بحسب المعنى، وأما على قراءة حميد فمن النهار في الوجهين، ويحتمل أن يكون حالاً منهما، ومثله قوله تعالى: {أية : فأتت به قومها تحمله} تفسير : [مريم:27] فيصح أن يكون {تحمله} حالاً منها، وأن يكون حالاً منه وأن يكون حالاًَ منهما و {مسخرات} في موضع الحال، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة و "الشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ" بالرفع في جميعها، ونصب الباقون هذه الحروف كلها، وقرأ أبان بن تغلب و "الشمسَ والقمرَ" بالنصب، و "النجومُ مسخراتٌ" بالرفع. و {ألا} استفتاح كلام فاستفتح بها في هذا الموضع هذا الخبر الصادق المرشد. قال القاضي أبو محمد: وأخذ المفسرون {الخلق} بمعنى المخلوقات. أي هي له كلها وملكه واختراعه، وأخذوا {الأمر} مصدراً من أمر يأمر، وعلى هذا قال النقاش وغيره: إن الآية ترد على القائلين بخلق القرآن لأنه فرق فيها بين المخلوقات وبين الكلام إذ الأمر كلامه عز وجل. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تؤخذ لفظة {الخلق} على المصدر من خلق يخلق خلقاً أي له هذه الصفة إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم، ويؤخذ {الأمر} على أنه واحد من الأمور إلا أنه يدل على الجنس فيكون بمنزلة قوله {أية : وإليه يرجع الأمر كله} تفسير : [هود:123] وبمنزلة قوله {أية : وإلى الله ترجع الأمور} تفسير : [البقرة: 210] فإذا أخذت اللفظتان هكذا خرجتا عن مسألة الكلام. قال القاضي أبو محمد: ولما تقدم في الآية خلق وبأمره تأكد في آخره أن {له الخلق والأمر} المصدرين حسب تقدمهما، وكيف ما تأولت الآية فالجميع لله، وأسند الطبري إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من زعم أن الله تعالى جعل لأحد من العباد شيئاً من الأمر فقد كفر بما أنزل الله لقوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} " تفسير : ، قال النقاش: ذكر الله الإنسان في القرآن في ثمانية عشر موضعاً في جميعها أنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعاً ليس في واحد منها إشارة إلى أنه مخلوق، وقال الشعبي {الخلق} عبارة عن الدنيا و {الأمر} عبارة عن الآخرة، و {تبارك} معناه عظم وتعالى وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا الله تعالى، و {تبارك} لا يتصرف في كلام العرب، لا يقال منه يتبارك، وهذا منصوص عليه لأهل اللسان. قال القاضي أبو محمد: وعلة ذلك أن {تبارك} لما لم يوصف بها غير الله تعالى لم تقتض مستقبلاً إذ الله قد تبارك في الأزل، وقد غلط بها أبو علي القالي فقيل له كيف المستقبل من تبارك فقال يتبارك فوقف على أن العرب، لم تقله، و "الرب" السيد المصلح، و {العالمين} جمع عالم.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَأْوِيلَهُ} تأويل القرآن: عاقبته من الجزاء، أو البعث والحساب. {نَسُوهُ} أعرضوا عنه فصار كالمنسِي، أو تركوا العمل به.

ابن عادل

تفسير : قد تقدَّم الكلام على "تَأويله" في [آل عمران 7]. وقال الزَّمخشريُّ هاهنا: والتَّأويل مادته من همزة وواو ولام، مِنْ "آل يؤول". وقال الخطابي: أوَّلْتُ الشيء رَدَدْتُهُ إلى أوله، واللفظة مأخوذة من الأول، وهو خطأٌ؛ لاختلاف المادتين والتأويل مرجع الشّيء ومصيره من قولهم: آل الشَّيءُ يئول. واحتجَّ بهذه الآية من ذهب إلى أنَّ قوله: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 7] أي: [و] ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا اللَّهُ. فصل في معنى "ينظرون" لمَّا بيَّن إزاحة العِلَّة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصَّل الموجب للهداية والرَّحمة بيَّن بَعْدَهُ حال من كذَّب فقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}، والمعنى: هل يَنْتَظِرُونَ أي يتوقّعون إلاّ جزاءه، قاله مُجَاهِدٌ. وقال السُّدِّيُّ: "عاقبته، وما يؤول إليه". فإن قيل: كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟ فالجوابُ: لعلّ فيهم أقواماً تشككوا وتوقّفوا، فلهذا السّبب انتظروه، وأنهم وإن كانوا جاحدين إلاَّ أنَّهم بمنزلة المُنْتَظِرِين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة. قوله: "يَوْمَ" منصوب بـ "يقول". وقوله: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ}. معناه: أنَّهُم صاروا في الإعْراضِ عنه بمنزلة من نسي، ويجوز أن يكون معنى نسوه أي: تَرَكُوا العمل والإيمان به كما تقدَّم. قوله: "قَدْ جَاءَتْ" مَنْصُوبَة بالقول و "بالحَقِّ" يجوز أن تكون "الباء" للحالِ، وأن تكون للتعدية أي: جاءوا ملتبسين بالحق، أو جاءُوا الحقّ. والمعنى: أقرُّوا بأنَّ الذي جاءت الرُّسُلُ به من ثُبُوتِ الحَشْرِ، والنَّشْرِ، والبَعْثِ والقيامة، والثواب، والعقاب، كل ذلك كان حقّاً؛ لأنهم شاهدوها وعاينوها. قوله: {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ} "من" مزيدة في المبتدأ و "لنا" خبر مقدَّم، ويجوز أن يكون "مِنْ شُفَعَاء" فاعلاً و "مِنْ" مزيدة أيضاً، وهذا جائز عند كل أحد لاعتماد الجار على الاستفهام. قوله: "فَيَشْفَعُوا" منصوب بإضمار "أنْ" في جواب الاستفهام فيكون قد عطف اسماً مؤولاً على اسم صريح، أي: فهل لَنَا من شفعاء بشفاعة منهم لنا؟ قوله: "أوْ نُرَدُّ" الجمهور على رفع "نُرَدُّ" ونصب "فَنَعْمَلَ"، فرفع "نردُّ" على أنَّه عطف جملة فعليّة، وهي "نُردُّ" على جملة [اسميّة] وهي: هل لنا من شُفَعَاء فيشفَعُوا؟ ونصب "فَنَعْملَ" على ما انتصب عليه "فَيَشْفَعُوا"، وقرأ الحسنُ برفعهما على ما تقدَّم، كذا روى عنه ابن عطية وغيره، وروى عنه الزمخشري نصب "نُرَدَّ" ورفع "فنعملُ". وقرأ أبُو حَيْوَةَ، وابن أبي إسحاقَ بنصبهما فنصب "نردَّ" عطفاً على "فَيَشْفَعُوا" جواباً على جواب، ويكون الشفعاء في أحد شيئين: إمَّا في خلاصهم من العذابِ، وإمِّا في رجوعهم للدُّنيا ليعملوا صالحاً، والشَّفَاعَةُ حينئذ [مستحبة] على الخلاص أو الرَّدّ، وانتصب "فَنَعْمَلَ" نسقاً على "فُنردَّ". ويجوز أن تكون "أوْ نُرَدَّ" من باب "لألزمنَّك أو تقضيني حقّي" إذا قدرناهُ بمعنى: حتّى تقضيني، أو كي تقضيني، غَيَّا اللزوم بقضاء الحق، أو علله به فكذلك الآية الكريمة أي: حتى نُرَدَّ أو كي نرد، والشفاعة حينئذٍ متعلِّقَةٌ بالرَّدِّ ليس إلاَّ. وأمَّا عند من يُقدِّر "أو" بمعنى "إلاّ" في المثال المتقدمِ وهو سيبويه، فلا يظهر معنى الآية عليه؛ إذ يصير التقدير: "هل يشفع لنا شفعاء إلا أن نردّ"، وهذا استثناء غير ظاهر. فصل في معنى الآية المعنى أنَّهُ لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه إلا أحَدُ هذين الأمرين، وهو أن يشفع لنا شفيعٌ فيزول عنَّا هذا العذابُ، أو نُردَّ إلى الدُّنْيَا حتى نعمل غير ما كنَّا نعمله حتى نوحد اللَّه بدلاً عن الكفر. ثمَّ بيَّن تعالى أنَّهُمْ {قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ}. أي الذي طلبوه لا يكون؛ لأن ذلك المطلوب لو حَصَلَ لما حكم اللَّهُ عليهم بأنَّهُم قد خَسِرُوا أنفسهم. قوله: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. "ما كانوا" "ما" موصولة عائدها مَحْذُوفٌ، و "مَا كَانُوا" فاعل "ضلَّ"، والمعنى: أنَّهُم لم ينتفعوا بالأصْنَامِ التي عبدوها في الدُّنْيَا. فصل في دحض شبهة للمعتزلة قال الجُبَّائِيُّ: هذه الآية تدل على حكمين: الأول: أنَّها تَدُلُّ على أنَّهُم كانوا في حال التَّكْلِيفِ قادرين على الإيمان والتَّوبة، فلذلك سألوا الرّدّ ليؤمنوا ويتوبوا، ولو كانوا في الدُّنيا غير قادرين - كما يقوله المجبرة - لم يكن لهم في الردّ فائدة، ولا جاز أن يسألوا ذلك. الثاني: أنَّ الآيَة تَدُلُّ على بُطْلانِ قول المجبرة بأنَّ أهْلَ الآخرة مكلفون، لأنَّهُ لو كان كذلك لما سألوا الرّدَّ إلى حال وهم في الوَقْتِ على مثلها، بَلْ كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {هل ينظرون إلا تأويله} قال: عاقبته . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يوم يأتي تأويله} قال: جزاؤه {يقول الذين نسوه من قبل} أعرضوا عنه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يوم يأتي تأويله} قال: يوم القيامة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {يوم يأتي تأويله} قال: عواقبه مثل وقعة بدر والقيامة وما وعد فيه من موعد . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في الآية قال: لا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة، حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ، ففي ذلك أنزل {يوم يأتي تأويله} حيث أثاب الله أولياءه وأعداءه ثواب أعمالهم. يقول يومئذ {الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} إلى آخر الآية . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {يوم يأتي تأويله} قال: تحقيقه. وقرأ {أية : هذا تأويل رؤياي من قبل}تفسير : [يوسف: 100] قال: هذا تحقيقها، وقرأ {أية : وما يعلم تأويله إلا الله} تفسير : [آل عمران: 7] قال: ما يعلم تحقيقه إلا الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} قال: ما كانوا يكذبون في الدنيا . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ما كانوا يفترون} أي يشركون .

ابو السعود

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي ما ينتظر هؤلاءِ الكفرةُ بعدم إيمانِهم به إلا ما يؤول إليه أمرُه من تبـيّن صدقِه بظهور ما أخبر به من الوعد والوعيد {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} وهو يومُ القيامة {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} أي تركوه ترْكَ المنسيِّ من قبل إتيانِ تأويلِه {قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ} أي قد تبـين أنهم قد جاءوا بالحق {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا} اليوم ويدفعوا عنا العذاب {أَوْ نُرَدُّ} أي هل نرد إلى الدنيا وقرىء بالنصب عطفاً على فيشفعوا أو لأن أو بمعنى إلى أن، فعلى الأول المسؤولُ أحدُ الأمرين، إما الشفاعةُ الدفع للعذاب أو الرد إلى الدنيا وعلى الثاني أن يكون لهم شفعاءُ إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد هو الرد {فَنَعْمَلَ} بالنصب على أنه جواب الاستفهام الثاني وقرىء بالرفع أي فنحن نعمل {غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ} أي في الدنيا {قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} بصرف أعمارِهم التي هي رأسُ مالِهم إلى الكفر والمعاصي {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ظهر بطلانُ ما كانوا يفترونه من أن الأصنامَ شركاءُ الله تعالى وشفعاؤهم يوم القيامة. {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} شروعٌ في بـيان مبدأ الفطرةِ إثرَ بـيانِ معادِ الكفَرة أي إن خالقَكم ومالكَكم الذي خلق الأجرامَ العلوية والسفليةَ في ستة أوقات كقوله تعالى: {أية : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ }تفسير : [الأنفال، الآية 16] أو في مقدار ستةِ أيامٍ فإن المتعارفَ أن اليومَ زمانُ طلوعِ الشمسِ إلى غروبها، ولم تكن هي حينئذ وفي خلق الأشياء مدرجاً مع القدرة على إبداعها دفعةُ دليلٍ على الاختيار واعتبارٌ للنُظّار وحثٌّ على التأني في الأمور {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي استوى أمرُه واستولى وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفة الله تعالى بلا كيف والمعنى أنه تعالى استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزهاً عن الاستقرار والتمكن، والعرشُ الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبـيه بسرير الملِك فإن الأمورَ والتدابـير تنزِل منه وقيل: الملك. {يَغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارَ} أي يغطّيه به ولم يُذكر العكسُ للعلم به أو لأن اللفظَ يحتملهما ولذلك قرىء بنصب الليلَ ورفع النهار وقرىء بالتشديد للدلالة على التكرار {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} أي يعقُبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بـينهما شيء، والحثيثُ فعيل من الحث وهو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أو حال من الفاعل أو من المفعول بمعنى حاثاً أو محثوثاً {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ} أي خلقهن حال كونهِن مسخراتٍ بقضائه وتصريفِه، وقرىء كلُّها بالرفع على الابتداء والخبر {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} فإنه الموجدَ للكل والمتصرِّفَ فيه على الإطلاق {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظّم بالتفرد في الربوبـية. وتحقيقُ الآية الكريمةِ والله تعالى أعلم أن الكفرةَ كانوا متخذين أرباباً فبـيّن لهم أن المستحِقَّ للربوبـية واحدٌ هو الله تعالى لأنه الذي له الخلقُ والأمرُ فإنه تعالى خلق العالمَ على ترتيب قويمٍ وتدبـيرٍ حكيم فأبدع الأفلاكَ ثم زينها بالشمس والقمر والنجومِ كما أشار إليه بقوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ } تفسير : [فصلت، الآية 12] وعمَد إلى الأجرام السفليةِ فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدّلةِ والهيئاتِ المختلفة ثم قسمها لصور نوعيةٍ متباينةِ الآثار والأفعالِ وأشار إليه بقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ} أي ما في جهة السُّفلِ في يومين ثم أنشأ أنواعَ المواليدِ الثلاثةِ بتركيب موادِّها أولاً وتصويرِها ثانياً كما قال بعد قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } تفسير : [فصلت، الآية 9]: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ }تفسير : [فصلت، الآية 10] أي مع اليومين الأولين لِما فُصّل في سورة السجدة ثم لمّا تم له عالمُ المُلك عمَد إلى تدبـيره كالملك الجالس على سريره فدبر الأمرَ من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاكِ وتسيـير الكواكبِ وتكويرِ الليالي والأيامِ، ثم صرّح بما هو فذلكةُ التقريرِ ونتيجتُه فقال تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} ثم أمر بأن يدعوُه مخلِصين متذلِّلين فقال:

القشيري

تفسير : إذا كُشِفَ جلالُ الغيب، وانتفت عن قلوبهم أغطيةُ الرَّيب، فلا بكاء لهم يَنْفَع، ولا دعاء منهم يُسْمَع، ولا شكوى عنهم ترْفَع، ولا بلوى من دونهم تُقْطَع.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقوم يؤمنون} يصدقون انه من عند الله لانهم المنتفعون بآثار المقتبسون من انواره {هل ينظرون الا تأويله} اى ما ينتظر هؤلاء الكفرة بعدم ايمانهم به الا ما يؤول اليه امره من تبين صدقه بظهور ما اخبر به من الوعد والوعيد {يوم يأتى تأويله} اى يوم يأتيهم عاقبة ما وعدوا فيه وهو يوم القيامة وشاهدوا اتيانه عيانا {يقول الذين نسوه من قبل} اى تركوه ترك المنسى من قبل اتيان تأويله {قد جاءت رسل ربنا بالحق} الباء للتعدية او للملابسة اى ملتبسين به يعنى اعترفوا بان ما جاءهم الرسل به من حقية البعث والحساب والجزاء حق واضطروا الى ان يتمنوا امرين احدهما الخلاص من عذاب القبر بشفاعة الشفعاء كما قال {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} اليوم ويدفعوا عنا العذاب وثانيهما الرد الى الدنيا ليعملوا عملا صالحا كما قال {او نرد} اى او هل نرد الى الدنيا {فنعمل} بالنصب على انه جواب الاستفهام الثانى {غير الذى كنا نعمل} اى فى الدنيا يعنى نصدق الرسل ونعمل الاعمال الصالحة فبين الله تعالى ان الذى تمنوه لا يحصل لهم البتة حيث قال {قد خسروا انفسهم} بصرف اعمارهم التى هى رأس مالهم الى الكفر والمعاصى {وضل عنهم ما كانوا يفترون} اى ظهر بطلان ما كانوا يفترونه من ان الاصنام شركاء الله تعالى وشفعاؤهم يوم القيامة شعر : دى روز بدو دلم اميدى ميداشت امروز برفت ونا اميدم بكذاشت تفسير : واعلم ان الكفار تمنوا الرد الى الدنيا ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه: قال فى المثنوى` شعر : قصه آن آبكيرست اى عنود كه درو سه ما هى اشكرف بود جند صيادى سوى آن آبكير بركذ شتند وبديدند آن ضمير بس شتابيد ند تا دام آورند ما هيان واقف شدندو هو شمند آنكه عاقل بود عزم راه كرد عزم راه مشكل نا خواه كرد كفت با اينها ندارم مشورت كه يقين ستم كنند از مقدرت مهر زاد وبود بر جانشان تند كاهلى وجهل شان برمن زنند مشورت را زنده بايد نكو كه ترا زنده كند آن زنده كو نيست وقت مشورت هين راه كن جون على تو آه اندر جاه كن محرم آن راه كم يابست وبس شب رووبنهان روى كن جون عسس سوى دريا عزم كن زين آب كير بحر جو وترك اين كرداب كير سينه را يا ساخت مى رفت آن حذرؤ از مقام با خطر تابحر نور رنجها بسيار ديد وعاقبت رفت آخر سوى امن وعافيت خويشتن افكند دردرياى زرف كه نيابد حد آنرا هيج طرف بس جو صيادان بياوردند دام نيم عاقل را ازان شد تلخكام كفت آه من فوت كردم وقت را جون نكشتم همره آن رهنما بركذ شته حسرت آوردن خطاست باز نايد رفته ياد آن هباست ليك زان ننديشم وبر خود زنم خويشتن را اين زمان مرده كنم همجنان مرد وشكم بالا فكند آب مى بردش نشيب وكه بلند هريكى زان قاصدان بس غصه برد كه دريغا ماهئ مهتر بمرد بس كرفتش يك صياد ارجمند برسرش تف كردوبرخا كش فكند غلط غلطان رفت بنهان اندر آب ماند آن احق همى كرد اضطراب ازجب وازراست مى جست آن سليم تاكه بجهد خويش برهاند كليم دام افكندند واندر دام ماند احمقى اورا دران آتش نشاند بر سر آتش به بشت تابه باحماقت كشت او هم خوابه او همى جوشيد از تف سعير عقل ميكفتش ألم يأتك نذير او همى كفت از شكنجه وزبلا همجو جان كافران قالوا بلا باز مى كفت او كه كر اين بارمن وارهم زين محنت كردن شكن من نسازم جز بدرياى وطن آبكيريرا نسازم من سكن آب بيحد جويم وايمن شوم تا ابد در امن ودر صحت مى روم آن ندامت از نتيجه رنج بود نى ز عقل روشن جون كنج بود ميكند او توبة وبير خرد بانك لو ردوا لعادوا مى زند تفسير : فعلى العاقل ان يتدارك حاله ولا يطول آماله. قال الامام الغزالى قدس سره من زرع واجتهد وجمع بيدرا ثم يقول ارجو ان يحصل لى منه مائة قفيز فذلك منه رجاء والآخر لا يزرع زرعا ولا يعمل يوما فذهب ونام واغفل سنته فاذا جاء وقت البيادر يقول ارجو ان يحصل لى مائة قفيز فهو امنية بلا اصل فكذلك العبد اذا اجتهد فى عبادة الله تعالى والانتهاء عن معصية الله يقول ارجو ان يتقبل الله هذا اليسير ويتم هذا التقسير ويعظم الثواب ويعفو عن الزلل فهذا منه رجاء. واما اذا اغفل ذلك وترك الطاعات فارتكب المعاصى ولم يبال سخط الله ولا رضاه ووعده ووعيده ثم اخذ يقول انا ارجو من الجنة والنجاة من النار فذلك منه امنية لا حاصل تحتها ويبين هذا قوله عليه السلام "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والفاجر من يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله عز وجل " . تفسير : قال بعضهم ان الغموم ثلاثة. غم الطاعة ان لا تقبل. وغم المعصية ان لا تغفر. وغم المعرفة ان لا تسلب. قال يوسف بن اسباط دخلت على سفيان فبكى ليله اجمع فقلت بكاؤك هذا على الذنوب فحمل تبنا وقال الذنوب اهون على الله تعالى من هذا انما اخشى ان يسلبنى الله الاسلام فكل الرسل والابدال والاولياء مع كل هذا الاجتهاد فى الطاعة والحذر عن المعصية فأى شئ تقول اما كان لهم حسن الظن بالله قال بلى فانهم كانوا اعلم بسعة رحمة الله واحسن ظن بجوده منك ولكن علموا ان ذلك دون الاجتهاد امنية وغرور جعلنا الله واياكم من العالمين بكتابه والواصلين الى جنابه دون من نسى الله واتبع هواه آمين آمين الف آمين.

الطوسي

تفسير : قوله {هل ينظرون} معناه هل ينتظرون. لأن النظر قد يكون بمعنى الانتظار، قال أبو علي: معناه هل ينتظر بهم أو هل ينتظر المؤمنون بهم إِلا ذلك. وإِنما أضافه اليهم مجازاً، لأنهم كانوا جاحدين لذلك غير متوقعين، وإِنما كان ينتظر بهم المؤمنون، لايمانهم بذلك واعترافهم به. والانتظار هو الاقبال على ما يأتي بالتوقع له. وأصله الاقبال على الشىء بوجه من الوجوه. وإِنما قيل لهم: ينتظرون وإِن كانوا جاحدين، لأنهم في منزلة المنتظر أي كأنهم ينتظرون ذلك، لأنه يأتيهم لا محالة إِتيان المنتظر. والتأويل معناه ما يؤل اليه حال الشىء تقول: أوَّله تأويلا، وتأوله تأولاً، وآل اليه أمره يؤل أولا، وقيل {تأويله} عاقبته من الجزاء به - في قول الحسن وقتادة ومجاهد - وقال أبو علي {تأويله} ما وعدوا به من البعث والنشور والحساب والعقاب. وقوله {يقول الذين نسوه من قبل} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال مجاهد: أعرضوا عنه فصار كالمنسي. الثاني - قال الزجاج: يقول الذين تركوا العمل به. وقوله {قد جاءت رسل ربنا بالحق} إِخبار عن اعتراف الكفار الذين أعرضواعن حجج الله وبيِّناته والاقرار بتوحيده ونبوة أنبيائه، وإِقرار منهم بأن ما جاءت به الرسل كان حقاً. والحق ما شهد بصحته العقل، وضده الباطل، وهو ما يشهد بفساده العقل. وقوله {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا} والشفيع هو السائل لصاحبه اسقاط العقاب عن المشفع فيه، والعفو عن خطيئته فيتمنون ذلك مع يأسهم منه - في قول أبي علي - وقوله {فيشفعوا لنا} في موضع نصب، لأنه جواب التمني بالفاء {أو نرد} عطف بالرفع على تأويل هل يشفع لنا شافع {أو نرد} ولو نصب {أو نرد} كان جائزاً. ومعناه فيشفعوا لنا إِلا أن نرد، وما قرىء به. وقوله {فنعمل غير الذي كنا نعمل} إِخبار من الكفار وتمنيهم أن يردوا الى الدنيا حتى يعملوا غير ما عملوه من الكفر والضلال. فأخبر الله تعالى عند ذلك، فقال {قد خسروا أنفسهم} أي أهلكوها بالكفر والمعاصي {وضل عنهم ما كانوا يفترون}. وفى الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة من وجهين: أحدهما - أنهم كانوا قادرين على الايمان في الدنيا فلذلك طلبوا تلك الحال، ولو لم يكونوا قادرين لما طلبوا الرد الى الدنيا والى مثل حالهم الأولى. والآخر - بطلان مذهب المجبرة في تكليف أهل الآخرة، قال أبو علي: وهو مذهب الحسين النجار وهو خلاف القرآن والاجماع، ولو كانوا مكلفين لما طلبوا الرجوع الى الدنيا ليؤمنوا بل كانوا يؤمنون في الحال. ومعنى {خسروا أنفسهم} أي منعوا من الانتفاع بها، ومن منع الانتفاع بنفسه فقد خسرها {وضل عنهم ما كانوا يفترون} معناه ضل عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله وآلهة معه، وهذا كان افتراؤهم على الله.

الجنابذي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} ما ينتظرون {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} ما يؤل الكتاب اليه او تأويلنا وارجاعنا ذلك الكتاب الى حقيقته الّتى هى مقام الولاية الّتى هى روحه واصله ومرجعه {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ} ضمير المفعول راجع الى دينهم او الى لقاء يومهم هذا او الى كتاب فصّلناه او الى تأويله ومآل الكلّ واحد والمعنى يقول الّذين نسوا حقيقة الدّين او الكتاب يعنى تركوها مع الاسشعار بها، فانّ النّسيان قد يستعمل فى التّرك، او غفلوا عنها بعد الاستشعار والتّذكّر بها او لم يستشعروا بها ولم يتذكّروا بها فانّها كانت معلومة مشهودة وبعد تنزّل الانسان الى هذا البنيان صارت منسيّةً وجميع الشّرائع والعبادات والرّياضات لان يتذكّروا ما نسوه من حقيقة الدّين واتّخذوا صورته للاغراض الدّنيويّة {مِن قَبْلُ} من قبل اتيان التّأويل تحسّراً واقراراً بحقّيّته {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} وبالولاية الّتى كانت حقّاً او بالرّسالة الحقّة وقد اعرضنا عنه ظلماً على انفسنا {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ} اليوم {فَيَشْفَعُواْ لَنَآ} عند ربّنا فى الولاية الّذى هو ولىّ امرنا او عند ربّ الارباب {أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بصرف دينهم الّذى هو اعظم بضاعة لهم فى الاغراض الفانية {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} اشراكه بالله وشفاعته عند الله من الاصنام والكواكب ورؤساء الضّلالة، والمنظور هو العجل وسامريّه ووجه ضلال مفترياتهم انّهم كانوا ينظرون اليها من حيث حدودها وتعيّناتها، لانهّم كانوا جعلوها مسمّيات ويفنى كلّ شيءٍ حينئذٍ من حيث الحدود من حيث كونه مسمّى لفناء التعيّنات والحدود حين ظهور الولاية الّتى هى الوحدة الحقّة الظّليّة كما سبق.

اطفيش

تفسير : {هَلْ ينْظُرونَ} ينتظرون {إلاَّ تأويلَهُ} ما يؤل إليه أمره من تبيين صدقه بظهور ما فيه من الوعد والوعيد، وقد تبين لهم موقعة بدر وفتح مكة وسائر القرى، ومسيرون يوم القيامة فالتأويل بلوغ المال، والعاقبة من آل يؤول وقد قال ابن عباس: تأويله ماله يوم القيامة، وقيل: التأويل بلوغ أوله، أى أهل ينظرون إلا بلوغ ما جاء به أولا وابتداء من وعده ووعيده، وقيل: هل ينظرون إلا أولى وجوهه وأحسنها لأنفسهم بأن قالوا: إن وعده لنا كما خصنا بنعم فى الدنيا أو أولاها بالقصد، وهو الوعد والوعيد، ورد الله عز وجل عليهم بأنه إذا جاء تأويله قطع عذرهم ولم يراجعوا خيرا، ويقرون حيث لا ينفع الإقرار إذ قال: {يَوْم} متعلق بيقول وهو يوم القيامة {يأتى تأويله يقُولُ الَّذين نَسُوهُ} أى الكتاب {مِن قَبلُ} الأصل يقولون، فوضع الظاهر تشنيعا عليهم بنسيان مالا يحسن نسيانه والنقلة عنه، ونسيانه ترك الإيمان به، أو العمل به، وهذا يحسن كون النسيان المتقدم بمعنى الترك فيما قيل. {قَدْ جاءتْ رسُلُ ربِّنا بالحقِّ} كل يؤمن يومئذ بنبيه ونبى غيره، وكل نبى مرسل قد أخبر عن غيره من الأنبياء، أى تبين الآن أن ما جاءت به الرسل فى الدنيا حق {فَهَل لَنا مِنْ شُفعاءَ فيشْفَعوا لنا} بالنصب فى جواب الاستفهام {أو نُردُّ} معطوف على لنا من شفعاء المتسلط، عليه الاستفهام، فالاستفهام متسلط عليه أيضا ولذلك أعقبه بجواب منصوب إذ قال {فَنعْمل} كأنه قيل: أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل {غَيرَ الَّذى كنَّا نعْملُ} نبدل الكفر والمعصية بالإيمان والطاعة، ولو ردوا لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعصية فى الدنيا باختيارهم السابق علم الله، وقرأ ابن أبى إسحاق، وأبو حيوة بنصب نرد عطفا على يشفعوا، أى فيشفعوا لنا بدخول الجنة، أو نرد إلى الدنيا بشفاعتهم فنعمل ما ينبغى، أو بمعنى حتى، أو كى يدومون فى الاستشفاع حتى نرد، أو يشفعوا لنا فى الرد كى نرد، فيكونون قد طلبوا الرد فقط، وعلى هذه القراءة فنصب نعمل بالعطف على نرد، وقرأ الحسن برفع نرد ونعمل بعطف نرد على لنا من شفعاء، واستئناف نعمل أى فنحن نعمل، والمشهور عنه نصب نرد على أحد الأوجه، ورفع نعمل على الاستئناف. {قَدْ خَسِرُوا أنفُسَهم} بالكفر والمعاصى {وَضَلَّ} غاب وبطل ولم ينفع، وما لم ينفع فهو كنائب غير حاضر {عنْهم ما كانوا يفْترُونَ} من أن الأصنام تشفع لهم، وأن لهم خير الآخرة إن كانت كما كان لهم فى الدنيا.

اطفيش

تفسير : {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} تصييره آيلا أَى راجعا إِلى معانيه بوقوع معانيه من بعث وثواب وعقاب ونحو ذلك، والنظر بمعنى الانتظار أَى ما ينتظرون إِلا تأويله. سماهم منتظرين له كأَنهم جازمون به متوقعون وقته، وذلك لظهور الأَدلة وقوتها وكثرتها. والآية فيمن جزم وجحد أَو فيمن شك أَو ظن، وفى الشاك والظان فذلك كل لا كلية {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُه} هو يوم القيامة متعلق بقوله {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ} أَى نسوا الكتاب، أَى تركوا الإِيمان به كالشئ الذى خرج عن الحافظة {مِنْ قَبْلُ} أَى قبل يوم القيامة فى حياتهم {قَدْ جَاءَتْ} فى الدنيا {رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} يقرون بحقيقة كل رسول ورسل غيرهم، لأَنه تحقق الأَمر لهم يوم القيامة فآمنوا حين لا ينفعهم الإِيمان، وذلك إِذعان وإِقرار بأَن الرسل جاءَت بالحق، والمراد أَنه تبين مجيئها بالحق من الوعد للمطيع والوعيد للمعرض {فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} فاعل لنا أَو فاعل متعلقه الفعلى أَو الاسمى الرافع المكتفى به عن الخبر من صلة، والهمزة لتأنيث الجماعة أَى هل لنا من يشفع لنا فلا نعذب، وهذه جملة إِنشائية اسمية عطفت على جملة خبرية فعلية {أَوْ نُرَدُّ} عطف على الاسمية بعد هل، فمعنى هل متسلط عليه أَى وهل نرد إِلى دار التكليف وهى دار الدنيا {فَنَعْمَلَ} بالنصب فى جواب الاستفهام المضمن بالعطف على مدخول هل {غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ} التوحيد والعمل الصالح بدل الإِشتراك والفسق {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} أَضاعوها بصرفها فى الإِشراك والفجور فى حياتهم الدنيا {وَضَلَّ} ذهب أَو حضر، وكأَنه غاب لعدم النفع {عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من دعوى أَن عبادة الأَصنام حق، وأَن الأَصنام تشفع لهم.

الالوسي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ } أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة بعدم إيمانهم به شيئاً {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } أي عاقبته وما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما أخبر به من الوعد والوعيد، والمراد أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم من حيث إن ما ذكر يأتيهم لا محالة، وحينئذٍ فلا يقال: كيف ينتظرونه وهم جاحدون غير متوقعين له؟. وقيل: إن فيهم أقواماً يشكون ويتوقعون فالكلام من قبيل ـ بنو فلان قتلوا زيداً ـ {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } وهو يوم القيامة، وقيل: هو ويوم بدر {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ } أي تركوه ترك المنسي فأعرضوا عنه ولم يعملوا به {مِن قَبْلُ } أي من قبل إتيان تأويله {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقّ } أي قد تبين أنهم قد جاؤوا بالحق، وإنما فسر بذلك لأنه الواقع هناك ولأنه الذي يترتب عليه طلب الشفاعة المفهوم من قوله سبحانه: {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا } اليوم ويدفعوا عنا ما نحن فيه {أَوْ نُرَدُّ } عطف على الجملة قبله داخل معه في حكم الاستفهام. و {مِنْ } مزيدة في المبتدأ. وجوز أن تكون مزيدة في الفاعل بالظرف كأنه قيل: هل لنا من شفعاء أو هل نرد إلى الدنيا؟ ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم كما تقول ابتداء هل يضرب زيد، ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه فلا يقدر هل يشفع لنا شافع أو نرد قاله الزمخشري، وأراد ـ كما في «الكشف» ـ لفظاً لأن الظرف مقدر بجملة، و {هل } مما له اختصاص بالفعل، والعدول للدلالة على أن تمني الشفيع أصل وتمنى الرد فرع لأن ترك الفعل إلى الاسم مع استدعاء هل للفعل يفيد ذلك فلو قدر لفاتت نكتة العدول معنى مع الغنى عنه لفظاً، وقرأ ابن أبـي إسحاق {أو نرد} بالنصب عطفاً على {فيشفعوا لنا } المنصوب في جواب الاستفهام أو لأن {أَوْ } بمعنى إلى أن أو حتى أن على ما اختاره الزمخشري إظهاراً لمعنى السببية، قال القاضي: فعلى الرفع المسؤول أحد الأمرين الشفاعة والرد إلى الدنيا، وعلى النصب المسؤول أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين من الشفاعة في العفو عنهم والرد إن كانت {أَوْ } عاطفة وإما لأمر واحد إذا كانت بمعنى إلى أن إذ معناه حينئذٍ يشفعون إلى الرد، وكذا إذا كانت بمعنى حتى إن أي يشفعون حتى يحصل الرد. {فَنَعْمَلَ } بالنصب جواب الاستفهام الثاني أو معطوف على {نرد } مسبب عنه على قراءة ابن أبـي إسحاق. وقرأ الحسن بنصب {نرد } ورفع {نعمل } أي فنحن نعمل {غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ } أي في الدنيا من الشرك والمعصية {قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } بصرف أعمارهم التي هي رأس مالهم إلى الشرك والمعاصي {وَضَلَّ عَنْهُم } غاب وفقد {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي الذي كانوا يفترونه من الأصنام شركاء لله سبحانه وشفعاءهم يوم القيامة، والمراد أنه ظهر بطلانه ولم يفدهم شيئاً. / ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَيَـٰـئَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ}تفسير : [الأعراف: 19] أي النفس وسميت حواء لملازمتها الجسم الظلماني إذ الحوة اللون الذي يغلب عليه السواد. وبعضهم يجعل آدم إشارة إلى القلب لأنه من الأدمة وهي السمرة وهو لتعلقه بالجسم دون النفس سمي بذلك. ولشرف آدم عليه السلام وجه النداء إليه وزوجه تبع له في السكنى {ٱلْجَنَّةَ } هي عندهم إشارة إلى سماء عالم الأرواح التي هي روضة القدس {أية : فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا}تفسير : [الأعراف: 19] لا حجر عليكما في تلقي المعاني والمعارف والحكم التي هي الأقوات القلبية والفواكه الروحانية {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ }تفسير : [الأعراف: 19] أي شجرة الطبيعة والهوى التي بحضرتكما { أية : فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأعراف: 19] الواضعين النور في محل الظلمة أو الناقصين من نور استعدادكما. وأول بعضهم الشجرة بشجرة المحبة المورقة بأنواع المحنة أي لا تقرباها فتظلما أنفسكما لما فيها من احتراق أنانية المحب وفناء هويته في هوية المحبوب ثم قال: إن هذه الشجرة غرسها الرحمن بيده لآدم عليه السلام كما خمر طينته بيده لها شعر : فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها تفسير : وأن المنع كان تحريضاً على تناولها فالمرء حريص على ما منع، واختار هذا النيسابوري وتكلف في باقي الآية ما تكلف فإن أردته فارجع إليه {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سوءَاتِهِمَا }تفسير : [الأعراف: 20] أي ليظهر لهما بالميل إلى شجرة الطبيعة ما حجب عنهما عند التجرد من الأمور الرذيلة التي هي عورات عند العقل { أية : وَقَالَ مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 20] أوهمهما أن في الاتصاف بالطبيعة الجسمانية لذاتاً ملكية وخلوداً فيها أو ملكاً ورياسة على القوى بغير زوال إن قرىء {مَلَكَيْنِ } بكسر اللام. {فَدَلَّـٰهُمَا } فنزلهما من غرف القدس إلى التعلق بها والركون إليها {بِغُرُورٍ } بما غرهما من كأس القسم المترعة من حميا ذكر الحبيب {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا } والقليل منها بالنسبة إليهما كثير {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } أي يكتمان هاتيك السوآت والفواحش الطبيعية بالآداب الحسنة والعادات الجميلة التي هي من تفاريع الآراء العقلية ومستنبطات القوة العاقلة العلمية ويخفيانها بالحيل العملية {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا } بما أودعت في عقولكما من الميل إلى التجرد وإدراك المعقولات { أية : عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } تفسير : [الأعراف: 22] وذلك القول بما ألهم العقل من منافاة أحكام الوهم ومضادة مدركاته والوقوف على مخالفاته ومكابراته إياه {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } بالميل إلى جهة الطبيعة وانطفاء نورها وانكسار قوتها {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا } بإلباسنا الأنوار الروحانية وإفاضتها علينا {وَتَرْحَمْنَا } بإفاضة المعارف الحقيقية { أية : لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23] الذين أتلفوا الاستعداد الذي هو مادة السعادة وحرموا عن الكمال التجردي بملازمة النقص الطبيعي {قَالَ ٱهْبِطُواْ } إلى الجهة السفلى التي هي العالم الجسماني { أية : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } تفسير : [الأعراف: 24] لأن مطالب الجهة السفلية جزئية لا تحتمل الشركة فكلما حظي بها أحد حرم منها غيره فيقع بينهما العداوة والبغضاء بخلاف المطالب الكلية. وجمع الخطاب لأنه في قوة خطاب النوع {يَـٰبَنِى ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } وهو لباس الشريعة {يُوٰرِى } يستر قبائح أوصافكم وفواحش أفعالكم بشعاره ودثاره { وَرِيشًا } زينة وجمالاً في الظاهر والباطن تمتازون به عن سائر الحيوانات {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } أي صفة الورع والحذر من صفات النفس {ذٰلِكَ خَيْرٌ } من سائر أركان الشرائع والحمية رأس الدواء. ويقال: لباس التقوى هو لباس القلب والروح والسر والخفي ولباس الأول: / منها الصدق في طلب المولى ويتوارى به سوأة الطمع في الدنيا وما فيها. ولباس الثاني: محبة ذي المجد الأسنى ويتوارى به سوأة التعلق بالسوي. ولباس الثالث: رؤية العلي الأعلى ويتوارى به سوأة رؤية غيره في الأولى والأخرى. ولباس الرابع: البقاء بهوية ذي القدس الأسنى ويتوارى به سوأة هوية ما في السمٰوات وما في الأرض وما تحت الثرى قيل: وهذا إشارة إلى الحقيقة، وربما يقال: اللباس المواري للسوآت إشارة إلى الشريعة والريش إشارة إلى الطريقة لما أن مدارها على حسن الأخلاق وبذلك يتزين الإنسان ولباس التقوى إشارة إلى الحقيقة لما فيها من ترك السوى وهو أكمل أنواع التقوى {ذٰلِكَ } أي لباس التقوى {مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي من أنوار صفاته سبحانه إذ التوقي من صفات النفس لا يتيسر إلا بظهور تجليات صفات الحق أو إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على الله سبحانه وتعالى { أية : لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 26] عند ظهور تلك الأنوار لباسكم الأصلي النوري أو تذكرون معرفتكم له عند أخذ العهد فتتمسكون بأذيالها اليوم { يَـٰبَنِى ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } بنزع لباس الشريعة والتقوى فتحرموا من دخول الجنة {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } الفطري النوري { أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } تفسير : [الأعراف: 27] وذلك بمقتضى البشرية وقد يرون بواسطة النور الرباني. {قُلْ أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } بالعدل وهو الصراط المستقيم {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ } أي ذواتكم بمنعها عن الميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } أي مقام سجود أو وقته، والسجود عندهم كما قاله البعض أربعة أقسام سجود الانقياد والطاعة وإقامة الوجه عنده بالإخلاص وترك الالتفات إلى السوى ومراعاة موافقة الأمر وصدق النية والامتناع عن المخالفة في جميع الأمور، وسجود الفناء في الأفعال وإقامة الوجه عنده بأن لا يرى مؤثراً غير الله تعالى أصلاً. وسجود الفناء في الصفات وإقامة الوجه عنده بأن لا يكره شيئاً من غير أن يميل إلى الإفراط بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا التفريط بالتسخط على المخالف والتعيير له والاستخفاف به. وسجود الفناء في الذات وإقامة الوجه عنده بالغيبة عن البقية والانطماس بالكلية والامتناع عن إثبات الآنية والاثنينية فلا يطغى بحجاب الآنية ولا يتزندق بالإباحة وترك الإطاعة. {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } بتخصيص العمل لله سبحانه أو برؤية العمل منه أو به جل شأنه {كَمَا بَدَأَكُمْ } أظهركم بإفاضة هذه التعينات عليكم { أية : تَعُودُونَ } تفسير : [الأعراف: 29] إليه أو كما بدأكم لطفاً أو قهراً تعودون إليه فيعاملكم حسبما بدأكم {فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } كما ثبت ذلك في علمه {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَـٰطِينَ } من القوى النفسانية الوهمية والتخيلية {أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } للمناسبة التامة بين الفريقين { أية : وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } تفسير : [الأعراف: 30] لقوة سلطان الوهم {يَـٰبَنِى ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } فأخلصوا العمل لله تعالى وتوكلوا عليه وقوموا بحق الرضا وتمكنوا في التحقق بالحقيقة ومراعاة حقوق الاستقامة ولكل مقام مقال { أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ } تفسير : [الأعراف: 31] بالإفراط والتفريط فإن العدالة صراط الله تعالى المستقيم. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } أي منع عنها وقال: لا يمكن التزين بها {وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } كعلوم الإخلاص ومقام التوكل والرضا والتمكين { أية : قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ } تفسير : [الأعراف: 32] الكبرى عن التلون وظهور شيء من بقايا الأفعال والصفات والذات {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ } رذائل / القوة البهيمية {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ } رذائل القوة السبعية { أية : وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 33] رذائل القوة النطقية وكل ذلك من موانع الزينة {وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } ينتهون عنده إلى مبدئهم { أية : فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [الأعراف: 34] لأن وقوع ما يخالف العلم محال { يَـٰبَنِى ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } من جنسكم، وقيل: هي العقول، وقال النيسابوري: التأويل إما يأتينكم إلهامات من طريق قلوبكم وأسراركم، وفيه أن بني آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ } في الفناء {وَأَصْلَحَ } بالاستقامة عند البقاء { أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [الأعراف: 35] لوصولهم إلى مقام الولاية {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } أخفوا صفاتنا بصفات أنفسهم {وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا } بالاتصاف بالرذائل {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } نار الحرمان { أية : هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [الأعراف: 36] لسوء ما طبعوا عليه {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } بأن قال: أكرمني الله تعالى بالكرامات وهو الذي بالكرى مات {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ } بأن أنكر على أولياء الله سبحانه الفائزين من الله تعالى بالحظ الأوفى { أية : أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الأعراف: 37] مما كتب لهم في لوح القضاء والقدر. وقيل: الكتاب الإنسان الكامل ونصيبهم منه نصيب الغرض من السهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } الدالة علينا {وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا } ولم يلتفتوا إليها لوقوفهم مع أنفسهم {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء } فلا تعرج أرواحهم إلى الملكوت {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } أي جنة المعرفة والمشاهدة والقربة {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ } أي جمل أنفسهم المستكبرة { أية : فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } تفسير : [الأعراف: 40] أي خياط أحكام الشريعة الذي به يخاط ما شقته يد الشقاق، وسمه آداب الطريقة لأنها دقيقة جداً، وقد يقال: الخياط إشارة إلى خياط الشريعة، والطريقة وسمه ما يلزمه العمل به من ذلك وولوج ذلك الجمل لا يمكن مع الاستكبار بل لا بد من الخضوع والانقياد وترك الحظوظ النفسانية وحينئذ يكون الجمل أقل من البعوضة بل أدق من الشعرة فحينئذ يلج في ذلك السم {لَهُم مّن جَهَنَّمَ } الحرمان { أية : مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } تفسير : [الأعراف: 41] أي أن الحرمان أحاط بهم، وقيل: لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس وقطع الهوى لحاف فتذيبهم وتحرق أنانيتهم. {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } المرحومون {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } المحرمون {أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا } من القرب حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم من البعد {حَقّاً } {فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ } وهو مؤذن العزة والعظمة { أية : بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأعراف: 44] الواضعين الشيء في غير موضعه {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ } السالكين {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي الطريق الموصلة إليه سبحانه، وقيل: يصدون القلب والروح عن ذلك {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } بأن يصفوها بما ينفر السالك عنها من الزيغ والميل عن الحق، وقيل: يطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ } أي الفناء بالله تعالى أو بالقيامة الكبرى { أية : كَـٰفِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 45] لمزيد احتجابهم بما هم فيه {وَبَيْنَهُمَا } أي بين أهل الجنة وهي جنة ثواب الأعمال من العباد والزهاد وبين أهل النار {حِجَابٍ } فكل منهم محجوب عن صاحبه {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ } أي أعالي ذلك الحجاب الذي هو حجاب القلب {رِجَالٌ } وأي رجال وهم العرفاء أهل الله سبحانه وخاصته، قيل: وإنما سموا رجالاً لأنهم يتصرفون بإذن الله تعالى فيما سواه عز وجل تصرف الرجال بالنساء ولا يتصرف فيهم شيء من ذلك {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ } لما أعطوا من نور الفراسة {وَنَادَوْاْ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } أي جنة ثواب الأعمال {أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } بما من الله تعالى عليكم به من الخلاص من النار، وقيل: / إن سلامهم على أهل الجنة بإمدادهم بأسباب التزكية والتخلية والأنوار القلبية وإفاضة الخيرات والبركات عليهم {لَمْ يَدْخُلُوهَا } أي لم يدخل أولئك الرجال الجنة لعدم احتياجهم إليها { أية : وَهُمْ يَطْمَعُونَ } تفسير : [الأعراف: 46] في كل وقت بما هو أعلى وأغلى، وقيل: هم أي أهل الجنة يطمعون في دخول أولئك الرجال ليقتبسوا من نورهم ويستضيئوا بأشعة وجوههم ويستأنسوا بحضورهم {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَاءِ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } ليعتبروا { أية : قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأعراف: 47] بأن تحفظ قلوبنا من الزيغ { أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً } تفسير : [الأعراف: 48] من رؤساء أهل النار، وإطلاق الرجال عليهم وعلى أصحاب الأعراف كإطلاق المسيح على الدجال اللعين وعلى عيسى عليه السلام. { أية : أَهَـٰؤُلاءِ } تفسير : [الأعراف: 49] إشارة إلى أهل الجنة {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاءِ } أي الحياة التي أنتم فيها {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } أي النعيم الذي من الله تعالى به عليكم أو أفيضوا علينا من العلم أو العمل لننال به ما نلتم {قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا } في الأزل { أية : عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 50] لسوء استعدادهم، وقيل: إن الكفار لما كانوا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا وأدخلوا النار على ما ماتوا طلبوا الماء أو الطعام {وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ } وهو النبـي صلى الله عليه وسلم الجامع لكل شيء والمظهر الأعظم لنا {فَصَّلْنَاهُ } أي أظهرنا منه ما أظهرنا { أية : عَلَىٰعِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأعراف: 52] لأنهم المنتفعون منه وإن كان من جهة أخرى رحمة للعالمين { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } تفسير : [الأعراف: 53] أي ما يؤول إليه عاقبة أمره، وقيل: الكتاب الذي فصل على علم إشارة إلى البدن الإنساني المفصل إلى أعضاء وجوارح وآلات وحواس تصلح للاستكمال على ما يقتضيه العلم الإلهي وتأويله ما يؤول إليه أمره في العاقبة من الانقلاب إلا ما لا يصلح لذلك عند البعث من هيئات وصور وأشكال تناسب صفاتهم وعقائدهم على مقتضى قوله سبحانه: { أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 139] وكما قال سبحانه: { أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } تفسير : [الإسراء: 97] انتهى. ويحتمل أن يكون الكتاب المذكور إشارة إلى الآفاق والأنفس وما يؤول إليه كل ظاهر والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

ابن عاشور

تفسير : جملة {هل ينظرون إلا تأويله} مستأنفة استينافاً بيانياً، لأنّ قوله: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون} يثير سؤال من يسأل: فماذا يؤخّرهم عن التّصديق بهذا الكتاب الموصوف بتلك الصّفات؟ وهل أعظم منه آية على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم فكان قوله: {هل ينظرون} كالجواب عن هذا السّؤال، الذي يجيش في نفس السّامع. والاستفهام إنكاري ولذلك جاء بعده الاستثناء. ومعنى {ينظرون} ينتظرون من النّظرة بمعنى الانتظار، والاستثناء من عموم الأشياء المنتظرات، والمراد المنتَظرات من هذا النّوع وهو الآيات، أي ما ينتظرون آية أعظم إلاّ تأويل الكتاب، أي إلاّ ظهور ما تَوَعدَّهم به، وإطلاق الانتظار هنا استعارة تهكميّة: شبه حال تمهّلهم إلى الوقت الذي سيحلّ عليهم فيه ما أوعدهم به القرآن بحال المنتظرين، وهم ليسوا بمنتظرين ذلك إذ هم جاحدون وقوعه، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة}تفسير : [محمد: 18] ــــ وقوله ــــ {أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} تفسير : [يونس: 102] والاستثناء على حقيقته وليس من تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه لأنّ المجاز في فعل {ينظرون} فقط. والقصر إضافي، أي بالنّسبة إلى غير ذلك من أغراض نسيانهم وجحودهم بالآيات، وقد مضى القول في نظير هذا التّركيب عند قوله تعالى: {أية : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} تفسير : في سورة الأنعام (158). والتّأويل توضيحُ وتفسير ما خفي، من مقصد كلام أوْ فعل، وتحقيقه، قال تعالى: {أية : سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً}تفسير : [الكهف: 78] وقال: {أية : هذا تأويل رؤياي من قبل}تفسير : [يوسف: 100] وقال: {أية : ذلك خير وأحسن تأويلاً}تفسير : [النساء: 59] وقد تقدّم اشتقاقه ومعناه في المقدّمة الأولى من مقدّمات هذا التّفسير. وضمير {تأويله} عائد إلى (كتابٍ) من قوله: {أية : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم}تفسير : [الأعراف: 52]. وتأويله وضوح معنى ما عَدّوه محالا وكذباً، من البعث والجزاء ورسالة رسول من الله تعالى ووحدانية الإله والعقاب، فذلك تأويل ما جاء به الكتاب أي تحقيقه ووضوحه بالمشاهدة، وما بعد العّيان بيان. وقد بيّنتْه جملة {يوم يأتي تأويله يقول} إلخ، فلذلك فصلت، لأنّها تتنزل من التي قبلها منزّلة البيان للمراد من تأويله، وهو التأويل الذي سيظهر يوم القيامة، فالمراد باليوم يوم القيامة، بدليل تعلّقه بقوله: {يقول الذين نسوه من قبل} الآية فإنّهم لا يعلمون ذلك ولا يقولونه إلاّ يوم القيامة. وإتيان تأويله مجازٌ في ظهوره وتبيّنِه بعلاقة لزوم ذلك للإتيان. والتّأويل مراد به ما به ظهور الأشياء الدّالة على صدق القرآن. فيما أخبرهم وما توعّدهم. و{الذين نسوه} هم المشركون، وهم معاد ضمير {ينظرون} فكان مقتضى الظّاهر أن يقال: يقُولون، إلاّ أنّه أظهر بالموصولية لقصد التّسجيل عليهم بأنّهم نسُوه وأعرضوا عنه وأنكروه، تسجيلاً مراداً به التّنبيه على خطئِهم والنَّعي عليهم بأنّهم يجرّون بإعراضهم سوء العاقبه لأنفسهم. والنّسيان مستعمل في الإعراض والصدّ، كما تقدّم في قوله: {أية : كما نسوا لقاء يومهم هذا}تفسير : [الأعراف: 51] والمضاف إليه المقدّرُ المنبيء عنه بناءُ (قبلُ) على الضم: هو التّأويلُ، أو اليوم، أي من قبل تأويله، أو من قبل ذلك اليوم، أي في الدّنيا. والقول هنا كناية عن العلم والاعتقاد، لأنّ الأصل في الأخبار مطابقتها لاعتقاد المخبر، أي يتبيّن لهم الحقّ ويصرّحون به. وهذا القول يقوله بعضهم لبعض اعترافاً بخطئهم في تكذيبهم الرّسول صلى الله عليه وسلم وما أخبر به عن الرّسل من قبله، ولذلك جمع الرّسل هنا، مع أنّ الحديث عن المكذّبين محمّداً صلى الله عليه وسلم وذلك لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم الأمثال بالرّسل السابقين، وهم لما كذّبوه جرَّأهم تكذيبه على إنكار بعثة الرّسل إذ قالوا {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91] أو لأنّهم مشاهدون يومئذ ما هو عقاب الأمم السّابقة على تكذيب رسلهم، فيصدر عنهم ذلك القول عن تأثّر بجميع ما شاهدوه من التّهديد الشّامل لهم ولمن عداهم من الأمم. وقولهم: {قد جاءت رسل ربنا بالحق} خبر مستعمل في الإقرار بخطَئهم في تكذيب الرّسل، وإنشاء للحسرة على ذلك، وإبداء الحيرة فيما ذا يَصْنعون. ولذلك رتّبوا عليه وفرعوا بالفاء قولهم: {فهل لنا من شفعاء} إلى آخره. والاستفهام يجوز أن يكون حقيقياً يقوله بعضهم لبعض، لَعلّ أحدهم يرشدهم إلى مخلص لهم من تلك الورطة، وهذا القول يقولونه في ابتداء رؤية ما يهدّدهم قبل أن يوقنوا بانتفاء الشّفعاء المحكي عنهم في قوله تعالى: {أية : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم}تفسير : [الشعراء: 100، 101] ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملاً في التّمني، ويجوز أن يكون مستعملاً في النّفي. على معنى التّحسّر والتّندم. و{من} زائدة للتّوكيد. على جميع التّقادير. فتفيد توكيد العموم في المستفهم عنه، ليفيد أنّهم لا يسألون عمن توهموهم شفعاء من أصنامهم، إذ قد يئسوا منهم. كما قال تعالى: {أية : وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء}تفسير : [الأعراف: 94] بل هم يتساءلون عن أي شفيع يشفع لهم. ولو يكون الرّسول عليه الصّلاة والسّلام الذي ناصبوه العَداء في الحياة الدّنيا. ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمن (11) {أية : فهل إلى خروج من سبيل}. تفسير : وانتصب {فيشفعوا} على جواب الاستفهام، أو التّمنّي، أو النّفي. «والشفعاء» جمع شفيع وهو الذي يسعى بالشّفاعة، وهم يُسمّون أصنامهم شفعاء قال تعالى: {أية : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18]. وتقدّم معنى الشّفاعة عند قوله تعالى:{أية : ولا يقبل منها شفاعة} تفسير : في سورة البقرة (48). وعند قوله: {أية : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} تفسير : في سورة البقرة (254) وعند قوله: {أية : من يشفع شفاعة حسنة} تفسير : في سورة النّساء (85). وعطف فعل {نرد} بــــ (أو) على مدخول الاستفهام، فيكون الاستفهام عن أحد الأمرين، لأنّ أحدهما لا يجتمع مع الآخر، فإذا حصلت الشّفاعة فلا حاجة إلى الردّ، وإذا حصل الردّ استغني عن الشّفاعة. وإذ كانت جملة {لنا من شفعاء} واقعة في حيز الاستفهام، فالتي عطفت عليها تكون واقعة في حيز الاستفهام، فلذلك تعين رفع الفعل المضارع في القراءات المشهورة، ورفعه بتجّرده عن عامل النّصب وعامل الجزم، فوقع موقع الاسم كما قدّره الزمخشري تبعاً للفراء، فهو مرفوع بنفسه من غير احتياج إلى تأويل الجملة التي قبله، بردّها إلى جملة فعليّة، بتقدير: هل يشفع لنا شفعاء كما قدّره الزّجاج، لعدم المُلجىء إلى ذلك، ولذلك انتصب: {فنعمل} في جواب {نرد} كما انتصب {فيشفعوا} في جواب {فهل لنا من شفعاء}. والمراد بالعمل في قولهم: {فنعمل} ما يشمل الاعتقاد، وهو الأهم، مثل اعتقاد الوحدانيّه والبعث وتصديق الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، لأنّ الاعتقاد عمل القلب، ولأنّه تترتّب عليه آثار عمليّة، من أقوال وأفعال وامتثال. والمراد بالصّلة في قوله: {الذي كنا نعمل} ما كانوا يعملونه من أمور الدين بقرينة سياق قولهم: {قد جاءت رسل ربنا بالحق} أي فنعمل ما يغاير ما صممنا عليه بعد مجيء الرّسول عليه الصّلاة والسّلام. وجملة: {قد خسروا أنفسهم} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تذييلاً وخلاصة لقصّتهم، أي فكان حاصل أمرهم أنّهم خسروا أنفسهم من الآن وضلّ عنهم ما كانوا يفترون. والخسارة مستعارة لعدم الانتفاع بما يرجى منه النّفع، وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}تفسير : في سورة الأنعام، (12) وقوله: {أية : فأولئك الذين خسروا أنفسهم} تفسير : في أوّل هذه السّورة (9). والمعنى: أنّ ما أقحموا فيه نفوسهم من الشّرك والتّكذيب قد تبيّن أنّه مفض بهم إلى تحقّق الوعيد فيهم، يوم يأتي تأويل ما توعّدهم به القرآن، فبذلك تحقّق أنّهم خسروا أنفسهم من الآن، وإن كانوا لا يشعرون. وأما قوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} فالضّلال مستعار للعدم طريقة التّهكّم شبه عدم شفعائهم المزعومين بضلال الإبل عن أربابها تهكّماً عليهم، وهذا التّهكّم منظور فيه إلى محاكاة ظنّهم يوم القيامة المحكي عنهم في قوله قبل {أية : قالوا ضلوا عنا}تفسير : [الأعراف: 37]. و(مَا) من قوله: {ما كانوا يفترون} موصولة، ما صْدَقها الشّفعاء الذين كانوا يدعونهم من دون الله. وحُذف عائد الصّلة المنصوب، أي ما كانوا يفترونه، أي يَكْذِبونه إذ يقولون {أية : هؤلاء شفعاؤنا} تفسير : [يونس: 18]، وهم جماد لاحظَّ لهم في شؤون العقلاء حتى يشفعوا، فهم قد ضلوا عنهم من الآن ولذلك عبّر بالمضي لأنّ الضّلال المستعار للعدم متحقّق من ماضي الأزمنة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار، إذا عاينوا الحقيقة يوم القيامة يقرون بأن الرسل جاءت بالحق، ويتمنون أحد أمرين: أن يشفع لهم شفعاء فينقذوهم، أو يردوا إلى الدنيا ليصدقوا الرسل، ويعلملوا بما يرضي الله، ولم يبين هنا هل يشفع لهم أحد؟ وهل يردون؟ وماذا يفعلون لو ردوا؟ وهل اعترافهم ذلك بصدق الرسل ينفعهم؟ ولكنه تعالى بين ذلك كله في مواضع أخر، فبين: أنهم لا يشفع لهم أحد بقوله: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 100] الآية، وقوله: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} تفسير : [المدثر: 48]، وقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] مع قوله: {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر: 7]، وقوله: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [التوبة: 96]، وبين أنهم لا يردون في مواضع متعددة، كقوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [السجدة: 12-13]. فقوله: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} تفسير : [السجدة: 13] الآية. دليل على أن النار وجبت لهم، فلا يردون، ولا يعذرون، وقوله {أية : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ}تفسير : [فاطر: 37]. فصرح بأنه قطع عذرهم في الدنيا. بالإمهال مدة يتذكرون فيها. وإنذار الرسل، وهو دليل على عدم ردهم إلى الدنيا مرة أخرى، وأشار إلى ذلك بقوله: {أية : أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} تفسير : [إبراهيم: 44] جواباً لقولهم: {أية : أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} تفسير : [إبراهيم: 44]، وقوله: {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} تفسير : [غافر: 12] بعد قوله تعالى عنهم: {أية : فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}تفسير : [غافر: 11]، وقوله: {أية : وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} تفسير : [الشورى: 45] الآية، بعد قوله: {أية : وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [الشورى: 44]، وقوله هنا: {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} الآية بعد قوله:{فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ} [الأعراف: 53] الآية. فكل ذلك يدل على عدم الرد إلى الدنيا، وعلى وجوب العذاب، وأنه لا محيص لهم عنه. وبين في موضع آخر أنهم لو ردوا لعادوا إلى الكفر والطغيان. وهو قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام: 28] الآية، وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح على أنه تعالى يعلم المعدوم الممكن الذي سبق في علمه أنه لا يوجد كيف يكون لو وجد، فهو تعلى أنهم لا يردون إلى الدنيا مرة أخرى ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 28]، ويعلم أن المتخلفين من المنافقين عن غزوة تبوك لا يحضرونها لأنه هو الذي ثبطهم عنها لحكمة كما بينه بقوله: {أية : وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ}تفسير : [التوبة:46] الآية. وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} تفسير : [التوبة: 47] الآية، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [المؤمنون: 75] إلى غير ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر أن اعترافهم هذا بقولهم: {أية : لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوۤاْ} تفسير : [الأعراف: 43] لا ينفعهم كقوله تعالى: {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 11]، وقوله: {أية : بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر: 71]، ونحو ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {هل ينظرون} ينتظرون، أَيْ: كأنَّهم ينتظرون ذلك؛ لأنَّه يأتيهم لا محالة {إلاَّ تأويله} عاقبة ما وعد الله في الكتاب من البعث والنُّشور {يوم يأتي تأويله} وهو يوم القيامة {يقول الذين نسوه من قبل} تركوا الإِيمان به والعمل له من قبل إتيانه {قد جاءت رسل ربنا بالحق} بالصِّدق والبيان {فهل لنا من شفعاء} هل يشفع لنا شافعٌ؟ {أو} هل {نردُّ} إلى الدُّنيا {فنعمل غير الذي كنا نعمل} نوحِّد الله ونترك الشِّرك، يقول الله: {قد خسروا أنفسهم} حين صاروا إلى الهلاك {وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون} سقط عنهم ما كانوا يقولونه مِنْ أنَّ مع الله إلهاً آخر. {إنَّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} أَيْ: في مقدار ستة أيَّامٍ، من الأحد إلى السَّبت، واجتمع الخلق في الجمعة {ثم استوى على العرش} أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السَّموات والأرض {يغشي الليل النهار} يُلبسه ويُدخله عليه {يطلبه حثيثاً} يطلب اللَّيل دائباً لا غفلة له {والشمس} وخلق الشَّمس {والقمر والنجوم مسخرات} مُذلَّلاتٍ لما يُراد منها من طلوعٍ وأُفولٍ، وسيرٍ ورجوعٍ {بأمره} بإذنه {ألا له الخلق} يعني: إنَّ جميع ما في العالم مخلوق له {و} له {الأمر} فيهم، يأمر بما أراد {تبارك الله} تمجَّد وتعظَّم وارتفع وتعالى. {ادعوا ربكم تضرُّعاً} أَيْ: تملُّقاً {وخفية} سرَّاً {إنه لا يحب المعتدين} المجاوزين ما أُمروا به.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 53- إنهم لا يؤمنون به، ولا ينتظرون إلا المآل الذى بيَّنه الله لمن يكفر به. ويوم يأتى هذا المآل - وهو يوم القيامة - يقول الذين تركوا أوامره وبيناته وغفلوا عن وجوب الإيمان به، معترفين بذنوبهم: قد جاءت الرسل من عند خالقنا ومربينا، داعين إلى الحق الذى أرسلوا به، فكفرنا به. ويسألون هل لهم شفعاء يشفعون لهم؟ فلا يجدون، أو هل يردُّون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً؟ فلا يجابون. قد خسروا عمل أنفسهم بغرورهم فى الدنيا، وغاب عنهم ما كانوا يكذبونه من ادعاء إله غير الله. 54- إن ربكم الذى يدعوكم رسله إلى الحق وإلى الإيمان باليوم الآخر والجزاء فيه، هو خالق الكون ومبدعه، خلق السموات والأرض فى ست أحوال تشبه ستة أيام من أيام الدنيا، ثم استولى على السلطان الكامل فيها، وهو الذى يجعل الليل يستر النهار بظلامه، ويعقب الليل النهار بانتظام وتعاقب مستمر كأنه يطلبه، وخلق الله سبحانه الشمس والقمر والنجوم، وهى خاضعة لله تعالى مُسَيَّرات بأمره، وأنه له - وحده - الخلق والأمر المطاع فيها، تعالت بركات منشئ الكون وما فيه ومن فيه. 55- إذا كان الله ربكم قد أنشأ الكون - وحده -، فادعوه بالعبادة وغيرها، معلنين الدعاء متذللين خاضعين، جاهرين أو غير جاهرين، ولا تعتدُوا بإشراك غيره، أو بظلم أحد، فإن الله تعالى لا يحب المعتدين. 56- ولا تفسدوا فى الأرض الصالحة بإشاعة المعاصى والظلم والاعتداء، وادعوه - سبحانه - خائفين من عقابه، طامعين فى ثوابه، وإن رحمته قريبة من كل محسن، وهى محققة.

د. أسعد حومد

تفسير : (53) - إِنَّ هؤُلاءِ الكَافِرينَ المُكَذِّبينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ، وَيَشُكُّونَ فِي صِدْقِ مَا أَنْذَرَهُمْ بِهِ، فَهَلْ يَسْتَمِرُّ هؤلاءِ الجَاحِدُونَ فِي تَرَدُّدِهِمْ حَتَّى يَتَحَقَّقَ وَقُوعُ مَا أَشَارَ القُرْآنُ إِلى حُدُوثِهِ مِنْ أُمُورِ الغَيْبِ وَالمَعَادِ؟ وَمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ المُؤْمنينَ مِنْ نَصْرٍ وَعِزَّةٍ فِي الدُّنْيا، وَجَنَّةٍ وَنَعيمٍ فِي الآخِرَةِ، وَمَا أَنْذَرَ بِهِ الكَافِرينَ مِنْ ذِلَّةٍ وَخِذْلانٍ فِي الدُّنيا، وَعَذابٍ أَليمٍ فِي الآخِرَةِ (هَلْ يَنْظُرونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ). فَإِذَا وَقَعَ مَا أَشَارَ إِليهِ القُرْآنُ، وَبَيَّنَتِ الأَحْدَاثُ الوَاقِعَةُ تَأْويلَهُ وَتَفْسيرَ مَا جَاءَ فيهِ، وَبُعثَ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ للحِسَابِ، حِينَئِذٍ يُفِيقُ هؤلاءِ الكَفَرَةُ مِنْ غَفْلَتِهِمْ، وَهُمُ الذِينَ نَسُوا هذا القُرآنَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَيَقُولُونَ لأَِنْفُسِهِمْ (أَوْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ): إِنَّ رُسُلَ اللهِ قَدْ جَاؤُونَا بِالحَقِّ وَلَكِنَّنَا لَمْ نُؤْمِنْ بِذلِكَ، فَهَلْ لَنَا مَنْ يَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا؟ أَوْ هَلْ يَرُدُّنَا اللهُ إِلى الدَّارِ الدُّنْيا فَنَرْجِعَ عَمَّا كُنّا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، وَنُؤْمِنَ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَنَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحاً يُرْضِيهِ؟ وَهؤلاءِ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَغَبَنُوهَا حُظُوظَهَا بِدُخُولِهِمُ النَّارَ، وَخُلُودِهِمْ فِيهَا، وَغَابَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ العَسِيرِ (ضَلَّ عَنْهُمْ) الذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، فَلا يَشْفَعُونَ فِيهِمْ، وَلا يَنْصُرُونَهُمْ، وَلا يُنْقِذُونَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ. تَأْوِيلُهُ - عَاقِبَةُ مَا وَعَدَ الكِتَابُ (القُرْآنُ) وَمَآلُهُ مِنَ البَعْثِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاءِ. يَفْتَرُونَ - يَقُولُونَ كَذِباً وَاخْتِلاَقاً عَنِ الشُّرَكَاءِ وَشَفَاعَتِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما معنى التأويل؟.. التأويل هو ما يؤول إليه الشيء، هو العاقبة التي يعدها الحق، فالرحمة والجنة لمن آمن، والنار لمن كفر، والحق هو من يقول ويملك قوله لأن الكون كله بيده. وهنا يقول سبحانه وتعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}. أي هل ينتظرون إلا لمرجع الذي يؤول إليه عملهم؟ إن مرجعهم الأخير هو العذاب بعد الحساب يوم يأتي تأويل وغاية وعاقبة ما عملوا. وحين يأتي يوم القيامة ويتضح الحق ويظهر صدق ما جاء به الرسول من الوعد والوعيد ماذا سيكون قولهم؟.. سيقولون ما أورده سبحانه على ألسنتهم: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}. أي أنهم سيعلنون التصديق حين لا ينفع هذا التصديق؛ لأنهم لن يكونوا في دار التكليف، سيقرون بالإِيمان لحظة لا ينفعهم ذلك. {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ...} [الأعراف: 53] هم إذن يقرون بأن الرسل حملت المنهج الحق ويتساءلون عن الشفيع. ونعلم أن الشفيع لابد أن يكون محبوباً عند من يشفع عنده، ونحن في الدنيا نجد من يبحث لنفسه عمن يشفع له عند صاحب جاه يكون أثيرا وعزيزا لديه، أو يكون له كلمة وفضل عليه فلا يرد عليه كلمته. فمن يأتي يوم القيامة بالشفاعة لهؤلاء؟.. لا أحد، وسنجدهم يتخذون الشفعاء من الذين اتخذوهم أنداداً لله. وسيعلن هؤلاء أيضاً الكراهية لهم، ولو مكنهم الله من الشفاعة ما أعطوها للكافرين المشركين؛ ففي الدنيا كان هؤلاء مؤتمرين بأمر البشر وضلالاتهم. أما يوم الحساب فلا أحد خاضع لإِرادة أحد، حتى الجوارح لا تخضع لإِرادة صاحبها، بل هي خاضعة للحق الأعلى. وفي الآخرة لا مرادات لأحد. وقد ضربنا من قبل المثل وقلنا: هب أن سرية في جيش ما وعليها قائد صغير برتبة ضابط، ومفروض في جنود السرية أن ينفذوا كلامه، ثم راحوا لموقعة وأعطاهم الضابط الصغير أوامر خاطئة بما له من فرض إرادة عليهم فنفذوا ما أمروا به. ولحظة أن يعودوا ويحاسبهم القائد الأعلى فسيقولون: لقد فعلنا ما أمرنا به الضابط المكلف بقيادتنا، وكذلك ستأتي الجوارح في الآخرة: تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وألسنتهم وجلودهم. إذن فالأبعاض سترفع شكواها إلى الله يوم ألا يكون لأحد من ملك سواه، ويومئذ سيقول المكذبون الصدق الذي لن ينفعهم. {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ...} [الأعراف: 53] وسوف يبحثون عن شفاعة، لكنهم لن يجدوا، بل إن أول من يسخر من الذين عبدوا غير الله هم المعبودون أنفسهم. ولذلك نجد قوله الحق سبحانه: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] وما ذنب المعبود؟.. إن الأصنام لا ذنب لها، بل كل منها يريد أن يشفي نفسه بأن يكون أداة تعذيب لمن أعطوه غير حقه. ولذلك نجد أن الأحجار التي عُبدت تقول: عبدونا ونحن أعبد لله من القائمين بالأسحار؛ لأن القائم في الأسحار من الأغيار قد يختار أمراً غير هذا، ولكنا كنا مقهورين على الطاعة، وقد اتخذوا صمتنا علينا دليلاً. إن الأحجار تعلن أنها لم تكن تملك قدرة رفض أن يعبدها أحد أو أن تعبده عنها وتعلن له غباءه. والشاعر يقول: شعر : قد تجنوا جهلا كما قد تجنوا على ابن مريم والحواري للمغالي جزاؤه والمغالي فيه تنجيه رحمة الغفار تفسير : وهكذا يأتيهم الحق واضحاً يوم القيامة. إنهم سيطلبون العودة إلى الدنيا، وهذا من الخيبة؛ لأن مثل هذا الإِقرار ليس من الإِيمان، فالإِيمان يكون بالغيب لا في المشهد. وحتى ولو عادوا، فلن يؤمنوا!. والحق هو القائل: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ...} تفسير : [الأنعام: 28] وكأنهم نسوا لحظة إقرارهم أنهم من الأغيار، وأتى فيهم القول الفصل من الله. {...قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأعراف: 53] لقد جاء لهم الخسران بعد أن غاب عنهم ما كانوا يفترون على الله في الدنيا، إنهم رفضوا عبادته- سبحانه- وعبدوا غيره أصناماً صارت وقوداً للنار التي سيصلونها. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: معناهُ هل يَنظرُونَ إِلاَّ مَعانِيهِ وتَفْسيرَهُ. ويقالُ عَاقِبَتُهُ.

همام الصنعاني

تفسير : 908- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة والكلبي في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ}: [الآية: 53]، قالا: تأويله عاقبته.