٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
54
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا بينا أن مدار أمر القرآن على تقدير هذه المسائل الأربع، وهي التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر، ولا شك أن مدار إثبات المعاد على إثبات التوحيد والقدرة والعلم، فلما بالغ الله تعالى في تقرير أمر المعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد، وكمال القدرة، والعلم، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التوحيد، ومقررة أيضاً لإثبات المعاد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: حكى الواحدي عن الليث أنه قال: الأصل في الست والستة سدس وسدسة أبدل السين تاء، ولما كان مخرج الدال والتاء قريباً أدغم أحدهما في الآخر واكتفى بالتاء، عليه أنك تقول في تصغير ستة سديسة، وكذلك الأسداس وجميع تصرفاته يدل عليه. والله أعلم. المسألة الثانية: {ٱلْخَلْقُ } التقدير على ما قررناه فخلق السموات والأرض إشارة إلى تقدير حالة من أحوالهما، وذلك التقدير يحتمل وجوهاً كثيرة: أولها: تقدير ذواتهما بمقدار معين مع أن العقل يقضي بأن الأزيد منه والأنقص منه جائز، فاختصاص كل واحد منهما بمقداره المعين لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص، وذلك يدل على افتقار خلق السموات والأرض إلى الفاعل المختار. وثانيها: أن كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال، لأن الحركة انتقال من حال إلى حال، فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى، والأزل ينافي المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالاً. إذا ثبت هذا فنقول: هذه الأفلاك والكواكب إما أن يقال: أن ذواتها كانت معدومة في الأزل ثم وجدت، أو يقال: إنها وإن كانت موجودة لكنها كانت واقفة ساكنة في الأزل، ثم ابتدأت بالحركة، وعلى التقديرين فتلك الحركات ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده، وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات بتلك الأوقات المعينة تقديراً وخلقاً، ولا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر ومختار. وثالثها: أن أجرام الأفلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة، ولا بد وأن يقال: إن بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الأجرام وبعضها حصلت على سطوحها فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الأجزاء بحيزه المعين ووضعه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص المخصص القادر المختار. ورابعها: أن بعض الأفلاك أعلى من بعض، وبعض الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين، فاختصاص كل واحد منهما بموضعه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص قادر مختار. وخامسها: أن كل واحد من الأفلاك متحرك إلى جهة مخصوصة، وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء والسرعة، وذلك أيضاً خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر. وسادسها: أن كل واحد من الكواكب مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل، ودرية المشتري، وحمرة المريخ، وضياء الشمس، وإشراق الزهرة، وصفرة عطارد، وزهور القمر، والأجسام متماثلة في تمام الماهية فكان اختصاص كل واحد منها بلونه المعين خلقاً وتقديراً ودليلاً على افتقارها إلى الفاعل المختار. وسابعها: أن الأفلاك والعناصر مركبة من الأجزاء الصغيرة، وواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها، فكل ما كان ممكناً لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، والحاجة إلى المؤثر لا تكون في حال البقاء، وإلا لزم تكون الكائن فتلك الحاجة لا تحصل إلا في زمان الحدوث، أو في زمان العدم وعلى التقديرين فيلزم كون هذه الأجزاء محدثة ومتى كانت محدثة كان حدوثها مختصاً بوقت معين وذلك خلق وتقدير ويدل على الحاجة إلى الصانع القادر المختار. وثامنها: أن هذه الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان، وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث، فهذه الأجسام محدثة، وكل محدث فقد حصل حدوثه في وقت معين، وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر المختار. وتاسعها: أن الأجسام متماثلة فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها كانت سموات وكواكب، والبعض الآخر بالصفات التي لأجلها كانت أرضاً أو ماء أو هواء أو ناراً لا بد وأن يكون أمراً جائزاً، وذلك لا يحصل إلا بتقدير مقدر وتخصيص مخصص وهو المطلوب. وعاشرها: أنه كما حصل الامتياز المذكور بين الأفلاك والعناصر فقد حصل أيضاً مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الأفلاك وبين العناصر، بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب، وذلك يدل على الافتقار إلى الفاعل القادر المختار. واعلم أن الخلق عبارة عن التقدير، فإذا دللنا على أن الأجسام متماثلة وجب القطع بأن كل صفة حصلت لجسم معين، فإن حصول تلك الصفة ممكن لسائر الأجسام، وإذا كان الأمر كذلك كان اختصاص ذلك الجسم المعين بتلك الصفة المعينة خلقاً وتقديراً فكان داخلاً تحت قوله سبحانه {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }، والله أعلم. المسألة الثالثة: لسائل أن يسأل فيقول: كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة أيام لا يمكن جعله دليلاً على إثبات الصانع؟ وبيانه من وجوه: الأول: أن وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصانع هو حدوثها أو إمكانها أو مجموعهما فأما وقوع ذلك الحدوث في ستة أيام أو في يوم واحد فلا أثر له في ذلك ألبتة. والثاني: أن العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في ستة أيام إلا بأخبار مخبر صادق، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار، فلو جعلنا هذه المقدمة مقدمة في إثبات الصانع لزم الدور. والثالث: أن حدوث السموات والأرض دفعة واحدة أدل على كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام. إذا ثبت ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة فنقول: ما الفائدة في ذكر أنه تعالى إنما خلقها في ستة أيام في إثبات ذكر ما يدل على وجود الصانع؟ والرابع: أنه ما السبب في أنه اقتصر ههنا على ذكر السموات والأرض، ولم يذكر خلق سائر الأشياء؟ السؤال الخامس: اليوم إنما يمتاز عن الليلة بسبب طلوع الشمس وغروبها فقبل خلق الشمس والقمر كيف يعقل حصول الأيام؟ والسؤال السادس: أنه تعالى قال: {أية : وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ ٱلْبَصَرُ }تفسير : [القمر: 50] وهذا كالمناقض لقوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }. والسؤال السابع: أنه تعالى خلق السموات والأرض في مدة متراخية، فما الحكمة في تقييدها وضبطها بالأيام الستة؟ فنقول: أما على مذهبنا فالأمر في الكل سهل واضح، لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه في أمر من الأمور، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه. ثم نقول: أما السؤال الأول: فجوابه أنه سبحانه ذكر في أول التوراة أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، والعرب كانوا يخالطون اليهود والظاهر أنهم سمعوا ذلك منهم فكأنه سبحانه يقول لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتها في ستة أيام. وأما السؤال الثالث: فجوابه أن المقصود منه أنه سبحانه وتعالى وإن كان قادراً على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حداً محدوداً ووقتاً مقدراً، فلا يدخله في الوجود إلا على ذلك الوجه، فهو وإن كان قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين في الحال، وعلى إيصال العقاب إلى المذنبين في الحال، إلا أنه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدر، فهذا التأخير ليس لأجل أنه تعالى أهمل العباد بل لما ذكرنا أنه خص كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته فلا يفتر عنه، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة ق: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } تفسير : [قۤ: 38، 39] بعد أن قال قبل هذا: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } تفسير : [قۤ: 36، 37] فأخبرهم بأنه قد أهلك من المشركين به والمكذبين لأنبيائه من كان أقوى بطشاً من مشركي العرب، إلا أنه أمهل هؤلاء لما فيه من المصلحة، كما خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام متصلة لا لأجل لغوب لحقه في الإمهال، ولما بين بهذا الطريق أنه تعالى إنما خلق العالم لا دفعة لكن قليلاً قليلاً قال بعده: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } من الشرك والتكذيب ولا تستعجل لهم العذاب بل توكل على الله تعالى وفوض الأمر إليه، وهذا معنى ما يقوله المفسرون من أنه تعالى إنما خلق العالم في ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور والصبر فيها ولأجل أن لا يحمل المكلف تأخر الثواب والعقاب على الإهمال والتعطيل. ومن العلماء من ذكر فيه وجهين آخرين: الوجه الأول: أن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق الإحداث فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذاك إنما وقع على سبيل الاتفاق، أما إذا حدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة، كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث قديم حكيم، وقادر عليم رحيم. الوجه الثاني: أنه قد ثبت بالدليل أنه تعالى يخلق العاقل أولاً ثم يخلق السموات والأرض بعده، ثم إن ذلك العاقل إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على التعاقب والتوالي، كان ذلك أقوى لعلمه وبصيرته، لأنه يتكرر على عقله ظهور هذا الدليل لحظة بعد لحظة، فكان ذلك أقوى في إفادة اليقين. وأما السؤال الرابع: فجوابه أن ذكر السموات والأرض في هذه الآية يشتمل أيضاً على ذكر ما بينهما، والدليل عليه أنه تعالى ذكر سائر المخلوقات في سائر الآيات فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ } وقال: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىّ ٱلَّذِى لاَ يَمُوتُ وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } تفسير : [الفرقان: 58، 59] وقال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ }تفسير : [قۤ: 38]. وأما السؤال الخامس: فجوابه أن المراد أنه تعالى خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام وهو كقوله: {أية : لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } تفسير : [مريم:62] والمراد على مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا ليل ثم ولا نهار. وأما السؤال السادس: فجوابه أن قوله: {أية : وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } تفسير : [القمر: 50] محمول على إيجاد كل واحد من الذوات وعلى إعدام كل واحد منها، لأن إيجاد الذات الواحدة وإعدام الموجود الواحد لا يقبل التفاوت فلا يمكن تحصيله إلا دفعة واحدة، وأما الإمهال والمدة فذاك لا يحصل إلا في المدة. وأما السؤال السابع: وهو تقدير هذه المدة بستة أيام، فهو غير وارد لأنه تعالى لو أحدثه في مقدار آخر من الزمان لعاد ذلك السؤال، وأيضاً قال بعضهم لعدد السبعة شرف عظيم، وهو مذكور في تقرير أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، وإذا ثبت هذا قالوا: فالأيام الستة في تخليق العالم واليوم السابع في حصول كمال الملك والملكوت وبهذا الطريق حصل الكمال في الأيام السبعة انتهى. المسألة الرابعة: في هذه الآية بشارة عظيمة للعقلاء لأنه قال: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } والمعنى أن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكروهات هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأشياء العظيمة وأودع فيها أصناف المنافع وأنواع الخيرات، ومن كان له مرب موصوف بهذه الحكمة والقدرة والرحمة، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات أو يعول على غيره في تحصيل السعادات؟ ثم في الآية دقيقة أخرى فإنه لم يقل أنتم عبيده بل قال هو ربكم، ودقيقة أخرى وهي أنه تعالى لما نسب نفسه إلينا سمى نفسه في هذه الحالة بالرب، وهو مشعر بالتربية وكثرة الفضل والإحسان، فكأنه يقول من كان له مرب مع كثرة هذه الرحمة والفضل، فكيف يليق به أن يشتغل بعبادة غيره؟ أما قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } فاعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد منه كونه مستقراً على العرش ويدل على فساده وجوه عقلية، ووجوه نقلية. أما العقلية فأمور: أولها: أنه لو كان مستقراً على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهياً وإلا لزم كون العرش داخلاً في ذاته وهو محال، وكل ما كان متناهياً فإن العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرة والعلم بهذا الجواز ضروري، فلو كان الباري تعالى متناهياً من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فثبت أنه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهياً، ولو كان كذلك لكان محدثاً وهذا محال فكونه على العرش يجب أن يكون محالاً. وثانيها: لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات، وإما أن يكون متناهياً في كل الجهات. وإما أن يكون متناهياً من بعض الجهات دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعاً. بيان فساد القسم الأول: أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام السفلية والعلوية، وأن تكون مخالطة للقاذورات والنجاسات، وتعالى الله عنه، وأيضاً فعلى هذا التقدير: تكون السموات حالة في ذاته، وتكون الأرض أيضاً حالة في ذاته. إذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو محل السموات، إما أن يكون هو عين الشيء الذي هو محل الأرضين أو غيره، فإن كان الأول لزم كون السموات والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما أصلاً، وكل حالين حلا في محل واحد، لم يكن أحدهما ممتازاً عن الآخر، فلزم أن يقال: السموات لا تمتاز عن الأرضين في الذات، وذلك باطل، وإن كان الثاني: لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والأبعاض وهو محال. والثالث: وهو أن ذات الله تعالى إذا كانت حاصلة في جميع الأحياز والجهات، فإما أن يقال: الشيء الذي حصل فوق هو عين الشيء الذي حصل تحت، فحينئذ تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة واحدة في أحياز كثيرة، وإن عقل ذلك فلم لا يعقل أيضاً حصول الجسم الواحد في أحياز كثيرة دفعة واحدة؟ وهو محال في بديهة العقل. وأما إن قيل: الشيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل تحت، فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات الله تعالى وهو محال. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: أنه تعالى متناه من كل الجهات. فنقول: كل ما كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة العقل، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين، لأجل تخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك فهو محدث، وأيضاً فإن جاز أن يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديماً أزلياً فاعلاً للعالم، فلم لا يعقل أن يقال: خالق العالم هو الشمس، أو القمر، أو كوكب آخر، وذلك باطل باتفاق. وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: أنه متناه من بعض الجوانب، وغير متناه من سائر الجوانب، فهذا أيضاً باطل من وجوه: أحدها: أن الجانب الذي صدق عليه كونه متناهياً غير ما صدق عليه كونه غير متناه، وإلا لصدق النقيضان معاً وهو محال. وإذا حصل التغاير لزم كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض، وثانيها: أن الجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه متناهياً، إما أن يكون مساوياً للجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه غير متناه، وإما أن لا يكون كذلك، والأول باطل، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي، وإذا كان كذلك: فالجانب للذي هو غير متناه يمكن أن يصير متناهياً، والجانب الذي هو متناه يمكن أن يصير غير متناه، ومتى كان الأمر كذلك كان النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفرق والتمزق على ذاته ممكناً، وكل ما كان كذلك فهو محدث، وذلك على الإله القديم محال، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلاً في الحيز والجهة، لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات وإما أن يكون متناهياً من كل الجهات، أو كان متناهياً من بعض الجهات، وغير متناه من سائر الجهات، فثبت أن الأقسام الثلاثة باطلة، فوجب أن نقول القول بكونه تعالى حاصلاً في الحيز والجهة محال. والبرهان الثالث: لو كان الباري تعالى حاصلاً في المكان والجهة، لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجوداً مشاراً إليه، وإما أن لا يكون كذلك، والقسمان باطلان، فكان القول بكونه تعالى حاصلاً في الحيز والجهة باطلاً. أما بيان فساد القسم الأول: فلأنه لو كان المسمى بالحيز والجهة موجوداً مشاراً إليه، فحينئذ يكون المسمى بالحيز والجهة بعداً وامتداد، والحاصل فيه أيضاً يجب أن يكون له في نفسه بُعْدُ وامتداد، وإلا لامتنع حصوله فيه، وحينئذ يلزم تداخل البعدين، وذلك محال للدلائل الكثيرة، المشهورة في هذا الباب، وأيضاً فيلزم من كون الباري تعالى قديماً أزلياً كون الحيز والجهة أزليين، وحينئذ يلزم أن يكون قد حصل في الأزل موجود قائم بنفسه سوى الله تعالى، وذلك بإجماع أكثر العقلاء باطل. وأما بيان فساد القسم الثاني: فهو من وجهين: أحدهما: أن العدم نفي محض، وعدم صرف، وما كان كذلك امتنع كونه ظرفاً لغيره وجهة لغيره. وثانيهما: أن كل ما كان حاصلاً في جهة فجهته ممتازة في الحس عن جهة غيره، فلو كانت تلك الجهة عدماً محضاً لزم كون العدم المحض مشاراً إليه بالحس، وذلك باطل، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلاً في حيز وجهة لأفضى إلى أحد هذين القسمين الباطلين، فوجب أن يكون القول به باطلاً. فإن قيل: فهذا أيضاً وارد عليكم في قولكم: الجسم حاصل في الحيز والجهة. فنقول: نحن على هذا الطريق لا نثبت للجسم حيزاً ولا جهة أصلاً ألبتة، بحيث تكون ذات الجسم نافدة فيه وسارية فيه، بل المكان عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وهذا المعنى محال بالاتفاق في حق الله تعالى، فسقط هذا السؤال. البرهان الرابع: لو امتنع وجود الباري تعالى إلا بحيث يكون مختصاً بالحيز والجهة، لكانت ذات الباري مفتقرة في تحققها ووجودها إلى الغير، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته ينتج أنه لو امتنع وجود الباري إلا في الجهة والحيز، لزم كونه ممكناً لذاته، ولما كان هذا محالاً كان القول بوجوب حصوله في الحيز محالاً. بيان المقام الأول: هو أنه لما امتنع حصول ذات الله تعالى، إلا إذا كان مختصاً بالحيز والجهة. فنقول: لا شك أن الحيز والجهة أمر مغاير لذات الله تعالى، فحينئذ تكون ذات الله تعالى مفتقرة في تحققها إلى أمر يغايرها، وكل ما افتقر تحققه إلى ما يغايره، كان ممكناً لذاته. والدليل عليه: أن الواجب لذاته هو الذي لا يلزم من عدم غيره عدمه، والمفتقر إلى الغير هو الذي يلزم من عدم غيره عدمه، فلو كان الواجب لذاته مفتقراً إلى الغير لزم أن يصدق عليه النقيضان، وهو محال. فثبت أنه تعالى لو وجب حصوله في الحيز لكان ممكناً لذاته، لا واجباً لذاته، وذلك محال. والوجه الثاني: في تقرير هذه الحجة: هو أن الممكن محتاج إلى الحَيّز والجهة. أما عند من يثبت الخلاء. فلا شك أن الحيز والجِهة تتقرر مع عدم التمكن، وأما عند من ينفي الخلاء فلا، لأنه وإن كان معتقداً أنه لا بد من متمكن يحصل في الجهة، إلا أنه لا يقول بأنه لابد لتلك الجهة من متمكن معين، بل أي شيء كان فقد كفى في كونه شاغلاً لذلك الحيز. إذا ثبت هذا فلو كان ذات الله تعالى مختصة بجهة وحيز لكانت ذاته مفتقرة إلى ذلك الحيز، وكان ذلك الحيز غنياً تحققه عن ذات الله تعالى وحينئذ يلزم أن يقال: الحيز واجب لذاته غني عن غيره وأن يقال ذات الله تعالى مفتقرة في ذاتها واجبة بغيرها وذلك يقدح في قولنا: الإله تعالى واجب الوجود لذاته. فإن قيل: الحيز والجهة ليس بأمر موجود حتى يقال ذات الله تعالى مفتقرة إليه ومحتاجة إليه فنقول: هذا باطل قطعاً لأن بتقدير أن يقال إن ذات الله تعالى مختصة بجهة فوق فإنما نميز بحسب الحس بين تلك الجهة وبين سائر الجهات وما حصل فيه الامتياز بحسب الحس كيف يعقل أن يقال إنه عدم محض ونفي صرف؟ ولو جاز ذلك لجاز مثله في كل المحسوسات وذلك يوجب حصول الشك في وجود كل المحسوسات، وذلك لا يقوله عاقل. البرهان الخامس: في تقرير أنه تعالى يمتنع كونه مختصاً بالحيز والجهة نقول: الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض، والخلاء الصرف، وصريح العقل يشهد أن هذا المفهوم مفهوم واحد لا اختلاف فيه ألبتة. وإذا كان الأمر كذلك كانت الأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية. وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان الإله تعالى مختصاً بحيز، لكان محدثاً، وهذا محال؛ فذاك محال. وبيان الملازمة: أن الأحياز لما ثبت أنها بأسرها متساوية، فلو اختص ذات الله تعالى بحيز معين لكان اختصاصه به، لأجل أن مخصصاً خصصه بذلك الحيز وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار، فهو محدث فوجب أن يكون اختصاص ذات الله بالحيز المعين محدثاً، فإذا كانت ذاته ممتنعة الخلو عن الحصول في الحيز، وثبت أن الحصول في الحيز محدث، وبديهة العقل شاهدة بأن ما لا يخلو عن المحدث فهو محدث، لزم القطع بأنه لو كان حاصلاً في الحيز لكان محدثاً، ولما كان هذا محالاً كان ذلك أيضاً محالاً. فإن قالوا: الأحياز مختلفة بحسب أن بعضها علو وبعضها سفل، فلم لا يجوز أن يقال ذات الله تعالى مختصة بجهة علو؟ فنقول: هذا باطل، لأن كون بعض تلك الجهات علو، وبعضها سفلاً، أحوال لا تحصل، إلا بالنسبة إلى وجود هذا العالم، فلما كان هذا العالم محدثاً كان قبل حدوثه لا علو ولا سفل ولا يمين ولا يسار، بل ليس إلا الخلاء المحض، وإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ يعود الإلزام المذكور بتمامه، وأيضاً لو جاز القول بأن ذات الله تعالى مختصة ببعض الأحياز على سبيل الوجوب؟ فلم لا يعقل أيضاً أن يقال: إن بعض الأجسام اختص ببعض الأحياز على سبيل الوجوب؟ وعلى هذا التقدير، فذلك اسم لا يكون قابلاً للحركة والسكون، فلا يجري فيه دليل حدوث الأجسام، والقائل بهذا القول، لا يمكنه إقامة الدلالة على حدوث كل الأجسام بطريق الحركة والسكون، والكرامية وافقونا على أن تجويز هذا يوجب الكفر والله أعلم. البرهان السادس: لو كان الباري تعالى حاصلاً في الحيز والجهة لكان مشاراً إليه بحسب الحس وكل ما كان كذلك، فإما أن لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه وإما أن يقبل القسمة. فإن قلنا: إنه تعالى يمكن أن يشار إليه بحسب الحس، مع أنه لا يقبل القسمة المقدارية ألبتة، كان ذلك نقطة لا تنقسم، وجوهراً فرداً لا ينقسم، فكان ذلك في غاية الصغر والحقارة، وهذا باطل بإجماع جميع العقلاء، وذلك لأن الذين ينكرون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى كذلك، والذين يثبتون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى في الصغر والحقارة مثل الجزء الذي لا يتجزأ، فثبت أن هذا بإجماع العقلاء باطل، وأيضاً فلو جاز ذلك، فلم لا يعقل أن يقال: إله العالم جزء من ألف جزء من رأس إبرة، أو ذرة ملتصقة بذنب قملة، أو نملة؟ ومعلوم أن كل قول يفضي إلى مثل هذه الأشياء، فإن صريح العقل يوجب تنزيه الله تعالى عنه. وأما القسم الثاني: وهو أنه يقبل القسمة، فنقول: كل ما كان كذلك، فذاته مركبة وكل مركب فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو مفتقر إلى الموجد والمؤثر، وذلك على الإله الواجب لذاته محال. البرهان السابع: أن نقول: كل ذات قائمة بنفسها مشاراً إليها بحسب الحس فهو منقسم وكل منقسم ممكن فكل ذات قائمة بنفسها مشار إليها بحسب الحس فهو ممكن. فما لا يكون ممكناً لذاته بل كان واجباً لذاته امتنع كونه مشاراً إليه بحسب الحس. أما المقدمة الأولى: فلأن كل ذات قائمة بالنفس مشار إليها بحسب الحس فلا بد وأن يكون جانب يمينه مغايراً لجانب يساره وكل ماهو كذلك فهو منقسم. وأما المقدمة الثانية: وهي أن كل منقسم ممكن فإنه يفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، وكل منقسم فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته. واعلم أن المقدمة الأولى من مقدمات هذا الدليل إنما تتم بنفي الجوهر الفرد. البرهان الثامن: لو ثبت كونه تعالى في حيز لكان إما أن يكون أعظم من العرش أو مساوياً له أو أصغر منه فإن كان الأول كان منقسماً لأن القدر الذي منه يساوي العرش يكون مغايراً للقدر الذي يفضل على العرش وإن كان الثاني كان منقسماً لأن العرش منقسم والمساوي للمنقسم منقسم وإن كان الثالث، فحينئذ يلزم أن يكون العرش أعظم منه وذلك باطل بإجماع الأمة أما عندنا فظاهر، وأما عند الخصوم فلأنهم ينكرون كون غير الله تعالى أعظم من الله تعالى، فثبت أن هذا المذهب باطل. البرهان التاسع: لو كان الإله تعالى حاصلاً في الحيز والجهة لكان إما أن يكون متناهياً من كل الجوانب. وإما أن لا يكون كذلك والقسمان باطلان، فالقول بكونه حاصلاً في الحيز والجهة باطل أيضاً. أما بيان أنه لا يجوز أن يكون متناهياً من كل الجهات، فلأن على هذا التقدير يحصل فوقه أحياز خالية، وهو تعالى قادر على خلق الجسم في ذلك الحيز الخالي، وعلى هذا التقدير لو خلق هناك عالماً آخر لحصل هو تعالى تحت العالم وذلك عند الخصم محال وأيضاً فقد كان يمكن أن يخلق من الجوانب الستة لتلك الذات أجساماً أخرى، وعلى هذا التقدير فتحصل ذاته في وسط تلك الأجسام محصورة فيها ويحصل بينه وبين الأجسام الاجتماع تارة والافتراق أخرى، وكل ذلك على الله تعالى محال. وأما القسم الثاني: وهو أن يكون غير متناه من بعض الجهات فهذا أيضاً محال، لأنه ثبت بالبرهان أنه يمتنع وجود بعد لا نهاية له، وأيضاً فعلى هذا التقدير لا يمكن إقامة الدلالة على أن العالم متناه لأن كل دليل يذكر في تناهي الأبعاد، فإن ذلك الدليل ينتقض بذات الله تعالى فإنه على مذهب الخصم بعد لا نهاية له، وهو وإن كان لا يرضى بهذا اللفظ إلا أنه يساعد على المعنى، والمباحث العقلية مبنية على المعاني، لا على المشاحة في الألفاظ. البرهان العاشر: لو كان الإله تعالى حاصلاً في الحيز والجهة لكان كونه تعالى هناك إما أن يمنع من حصول جسم آخر هناك أو لا يمنع، والقسمان باطلان فبطل القول بكونه حاصلاً في الحيز. أما فساد القسم الأول: فلأنه لما كان كونه هناك مانعاً من حصول جسم آخر هناك كان هو تعالى مساوياً لسائر الأجسام في كونه حجماً متحيزاً ممتداً في الحيز والجهة مانعاً من حصول غيره في الحيز الذي هو فيه، وإذا ثبت حصول المساواة في ذلك المفهوم بينه وبين سائر الأجسام فإما أن يحصل بينه وبينها مخالفة من سائر الوجوه أو لا يحصل، والأول باطل لوجهين: الأول: أنه إذا حصلت المشاركة بين ذاته تعالى وبين ذوات الأجسام من بعض الوجوه، والمخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايراً لما به المخالفة، وحينئذ تكون ذات الباري تعالى مركبة من هذين الاعتبارين، وقد دللنا على أن كل مركب ممكن فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته هذا خلف. والثاني: وهو أن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد. إما أن يكون محلاً لما به المخالفة. وإما أن يكون حالاً فيه وإما أن يقال: إنه لا محل له ولا حالاً فيه. أما الأول: وهو أن يكون محلاً لما به المخالفة، فعلى هذا التقدير طبيعة البعد والامتداد هي الجوهر القائم بنفسه، والأمور التي حصلت بها المخالفة أعراض وصفات، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على البواقي، فعلى هذا التقدير كل ما صح على جميع الأجسام، وجب أن يصح على الباري تعالى وبالعكس، ويلزم منه صحة التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد على ذات الله تعالى وكل ذلك محال. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: ما به المخالفة محل وذات، وما به المشاركة حال وصفة فهذا محال، لأن على هذا التقدير تكون طبيعة البعد والامتداد صفة قائمة بمحل، وذلك المحل إن كان له أيضاً اختصاص بحيز وجهة، وجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية، وإن لم يكن كذلك فحينئذ يكون موجوداً مجرداً لا تعلق له بالحيز والجهة والإشارة الحسية ألبتة، وطبيعة البعد والامتداد واجبة الاختصاص بالحيز والجهة والإشارة الحسية، وحلول ما هذا شأنه في ذلك المحل يوجب الجمع بين النقيضين وهو محال. وأما القسم الثالث: وهو أن لا يكون أحدهما حالاً في الآخر ولا محلاً له فنقول: فعلى هذا التقدير يكون كل واحد منهما متبايناً عن الآخر، وعلى هذا التقدير فتكون ذات الله تعالى مساوية لسائر الذوات الجسمانية في تمام الماهية، لأن ما به المخالفة بين ذاته وبين سائر الذوات ليست حالة في هذه الذوات، ولا محالاً لها بل أمور أجنبية عنها فتكون ذات الله تعالى مساوية لذوات الأجسام في تمام الماهية، وحينئذ يعود الإلزام المذكور، فثبت أن القول: بأن ذات الله تعالى مختصة بالحيز والجهة بحيث يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز يفضي إلى هذه الأقسام الثلاثة الباطلة فوجب كونه باطلاً. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: إن ذات الله تعالى وإن كانت مختصة بالحيز والجهة، إلا أنه لا يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز والجهة، فهذا أيضاً محال لأنه يوجب كون ذاته مخالطة سارية في ذات ذلك الجسم الذي يحصل في ذلك الجنب والحيز وذلك بالإجماع محال، ولأنه لو عقل ذلك فلم لا يعقل حصول الأجسام الكثيرة في الحيز الواحد؟ فثبت أنه تعالى لو كان حاصلاً في حيز لكان إما أن يمنع حصول جسم آخر في ذلك الحيز أو لا يمنع، وثبت فساد القسمين، فكان القول بحصوله تعالى في الحيز والجهة محالاً باطلاً. البرهان الحادي عشر: على أنه يمتنع حصول ذات الله تعالى في الحيز والجهة هو أن نقول: لو كان مختصاً بحيز وجهة لكان. إما أن يكون بحيث يمكنه أن يتحرك عن تلك الجهة أو لا يمكنه ذلك، والقسمان باطلان، فبطل القول بكونه حاصلاً في الحيز. أما القسم الأول: وهو أنه يمكنه أن يتحرك فنقول: هذه الذات لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان، لأن على هذا التقدير السكون جائز عليه والحركة جائزة عليه، ومتى كان كذلك لم يكن المؤثر في تلك الحركة ولا في ذلك السكون ذاته، وإلا لامتنع طريان ضده والتقدير: هو تقدير أنه يمكنه أن يتحرك وأن يسكن، وإذا كان كذلك ان المؤثر في حصول تلك الحركة، وذلك السكون هو الفاعل المختار وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار فهو محدث، فالحركة والسكون محدثان وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث فيلزم أن تكون ذاته تعالى محدثة وهو محال. وأما القسم الثاني: وهو أنه يكون مختصاً بحيز وجهة مع أنه لا يقدر أن يتحرك عنه فهذا أيضاً محال لوجهين: الأول: أن على هذا التقدير يكون كالزمن المقعد العاجز، وذلك نقص، وهو على الله محال. والثاني: أنه لو لم يمتنع فرض موجود حاصل في حيز معين بحيث يكون حصوله فيه واجب التقرر ممتنع الزوال لم يبعد أيضاً فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عن تلك الأحياز، وعلى هذا التقدير فلا يمكن إثبات حدوثها بدليل الحركة والسكون، والكرامية يساعدون على أنه كفر. والثالث: أنه تعالى لما كان حاصلاً في الحيز والجهة كان مساوياً للأجسام في كونه متحيزاً شاغلاً للأحياز، ثم نقيم الدلالة المذكورة على أن المتحيزات لما كانت متساوية في صفة التحيز وجب كونها متساوية في تمام الماهية، لأنه لو خالف بعضها بعضاً لكان ما به المخالفة إما أن يكون حالاً في المتحيز أو محلاً له أو لا حالاً ولا محلاً، والأقسام الثلاثة باطلة على ما سبق. وإذا كانت متساوية في تمام الماهية فكما أن الحركة صحيحة على هذه الأجسام وجب القول بصحتها على ذات الله تعالى وحينئذ يتم الدليل. الحجة الثانية عشرة: لو كان تعالى مختصاً بحيز معين لكنا إذا فرضنا وصول إنسان إلى طرف ذلك الشيء وحاول الدخول فيه فإما أن يمكنه النفوذ والدخول فيه أو لا يمكنه ذلك، فإن كان الأول كان كالهواء اللطيف، والماء اللطيف، وحينئذ يكون قابلاً للتفرق والتمزق وإن كان الثاني كان صلباً كالحجر الصلد الذي لا يمكنه النفوذ فيه، فثبت أنه تعالى لو كان مختصاً بمكان وحيز وجهة لكان إما أن يكون رقيقاً سهل التفرق والتمزق كالماء والهواء، وإما أن يكون صلباً جاسئاً كالحجر الصلد، وقد أجمع المسلمون على أن إثبات هاتين الصفتين في حق الإله كفر وإلحاد في صفته، وأيضاً فبتقدير أن يكون مختصاً بمكان وجهة، لكان إما أن يكون نورانياً وظلمانياً، وجمهور المشبهة يعتقدون أنه نور محض، لاعتقادهم أن النور شريف والظلمة خسيسة، إلا أن الاستقراء العام دل على أن الأشياء النورانية رقيقة لا تمنع النافذ من النفوذ فيها، والدخول فيما بين أجزائها، وعلى هذا التقدير فإن ذلك الذي ينفذ فيه يمتزج به ويفرق بين أجزائه ويكون ذلك الشيء جارياً مجرى الهواء الذي يتصل تارة وينفصل أخرى. ويجتمع تارة ويتمزق أخرى، وذلك مما لا يليق بالمسلم أن يصف إله العالم به، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إن خالق العالم هو بعض هذه الرياح التي تهب؟ أو يقال إنه بعض هذه الأنوار والأضواء التي تشرق على الجدران؟ والذين يقولون إنه لا يقبل التفرق والتمزق ولا يتمكن النافذ من النفوذ فإنه يرجع حاصل كلامهم إلى أنه حصل فوق العالم جبل صلب شديد وإله هذا العالم هو ذلك الجبل الصلب الواقف في الحيز العالي، وأيضاً فإن كان له طرف وحد ونهاية فهل حصل لذلك الشيء عمق وثخن أو لم يحصل؟ فإن كان الأول فحينئذ يكون ظاهره غير باطنه وباطنه غير ظاهره، فكان مؤلفاً مركباً من الظاهر والباطن مع أن باطنه غير ظاهره وظاهره غير باطنه، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذاته سطحاً رقيقاً في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منه ألف ألف مرة، والعاقل لا يرضى أن يجعل مثل هذا الشيء إله العالم، فثبت أن كونه تعالى في الحيز والجهة يفضي إلى فتح باب هذه الأقسام الباطلة الفاسدة. الحجة الثالثة عشرة: العالم كرة، وإذا كان الأمر كذلك امتنع أن يكون إله العالم حاصلاً في جهة فوق. أما المقام الأول: فهو مستقصي في علم الهيئة إلا إنا نقول أنا إذا اعتبرنا كسوفاً قمرياً حصل في أول الليل بالبلاد الغربية كان عين ذلك الكسوف حاصلاً في البلاد الشرقية في أول النهار، فعلمنا أن أول الليل بالبلاد الغربية هو بعينه أول النهار بالبلاد الشرقية، وذلك لا يمكن إلا إذا كانت الأرض مستديرة من المشرق إلى المغرب، وأيضاً إذا توجهنا إلى الجانب الشمالي فكلما كان توغلنا أكثر، كان ارتفاع القطب الشمالي أكثر وبمقدار ما يرتفع القطب الشمالي ينخفض القطب الجنوبي وذلك يدل على أن الأرض مستديرة من الشمال إلى الجنوب، ومجموع هذين الاعتبارين يدل على أن الأرض كرة. وإذا ثبت هذا فنقول: إذا فرضنا إنسانين وقف أحدهما على نقطة المشرق والأخر على نقطة المغرب صار أخمص قدميهما متقابلين، والذي هو فوق بالنسبة إلى أحدهما يكون تحت بالنسبة إلى الثاني، فلو فرضنا أن إله العالم حصل في الحيز الذي فوق بالنسبة إلى أحدهما، فذلك الحيز بعينه هو تحت بالنسبة إلى الثاني، وبالعكس فثبت أنه تعالى لو حصل في حيز معين لكان ذلك الحيز تحتاً بالنسبة إلى أقوام معينين، وكونه تعالى تحت أهل الدنيا محال بالاتفاق، فوجب أن لا يكون حاصلاً في حيز معين، وأيضاً فعلى هذا التقدير أنه كلما كان فوق بالنسبة إلى أقوام كان تحت بالنسبة إلى أقوام آخرين، وكان يميناً بالنسبة إلى ثالث، وشمالاً بالنسبة إلى رابع، وقدام الوجه بالنسبة إلى خامس، وخلق الرأس بالنسبة إلى سادس، فإن كون الأرض كرة يوجب ذلك إلا أن حصول هذه الأحوال بإجماع العقلاء محال في حق إله العالم إلا إذا قيل إنه محيط بالأرض من جميع الجوانب فيكون هذا فلكاً محيطاً بالأرض وحاصله يرجع إلى أن إله العالم هو بعض الأفلاك المحيطة بهذا العالم، وذلك لا يقوله مسلم، والله أعلم. الحجة الرابعة عشرة: لو كان إله العالم فوق العرش لكان إما أن يكون مماساً للعرش، أو مبايناً له ببعد متناه أو ببعد غير متناه، والأقسام الثلاثة باطلة، فالقول بكونه فوق العرش باطل. أما بيان فساد القسم الأول: فهو أن بتقدير أن يصير مماساً للعرش كان الطرف الأسفل منه مماساً للعرش، فهل يبقى فوق ذلك الطرف منه شيء غير مماس للعرش أو لم يبق؟ فإن كان الأول فالشيء الذي منه صار مماساً لطرف العرش غير ما هو منه غير مماس لطرف العرش، فيلزم أن يكون ذات الله تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض فتكون ذاته في الحقيقة مركبة من سطوح متلاقية موضوعة بعضها فوق بعض، وذلك هو القول بكونه جسماً مركباً من الأجزاء والأبعاض وذلك محال، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذات الله تعالى سطحاً رقيقاً لا ثخن له أصلاً، ثم يعود التقسيم فيه، وهو أنه إن حصل له تمدد في اليمين والشمال والقدام والخلف كان مركباً من الأجزاء والأبعاض، وإن لم يكن له تمدد ولا ذهاب في الأحياز بحسب الجهات الستة كان ذرة من الذرات وجزءاً لا يتجزأ مخلوطاً بالهباآت، وذلك لا يقوله عاقل. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال بينه وبين العالم بعد متناه، فهذا أيضاً محال، لأن على هذا التقدير لا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى الجهة التي فيها حصلت ذات الله تعالى إلى أن يصير العالم مماساً له، وحينئذ يعود المحال المذكور في القسم الأول. وأما القسم الثالث: وهو أن يقال أنه تعالى مباين للعالم بينونة غير متناهية، فهذا أظهر فساداً من كل الأقسام لأنه تعالى لما كان مبايناً للعالم كانت البينونة بينه تعالى وبين غيره محدودة بطرفين وهما ذات الله تعالى وذات العالم، ومحصوراً بين هذين الحاصرين، والبعد المحصور بين الحاصرين والمحدود بين الحدين والطرفين يمتنع كونه بعداً غير متناه. فإن قيل: أليس أنه تعالى متقدم على العالم من الأزل إلى الأبد، فتقدمه على العالم محصور بين حاصرين ومحدود بين حدين وطرفين أحدهما: الأزل، والثاني: أول وجود العالم ولم يلزم من كون هذا التقدم محصوراً بين حاصرين أن يكون لهذا التقدم أول وبداية، فكذا ههنا، وهذا هو الذي عول عليه محمد بن الهيثم في دفع هذا الإشكال عن هذا القسم. والجواب: أن هذا هو محض المغالطة، لأنه ليس الأزل عبارة عن وقت معين وزمان معين حتى يقال إنه تعالى متقدم على العالم من ذلك الوقت إلى الوقت الذي هو أول العالم، فإن كل وقت معين يفرض من ذلك الوقت إلى الوقت الآخر يكون محدوداً بين حدين ومحصوراً بين حاصرين، وذلك لا يعقل فيه أن يكون غير متناه بل الأزل عبارة عن نفي الأولية من غير أن يشار به إلى وقت معين ألبتة. إذا عرفت هذا فنقول: إما أن نقول إنه تعالى مختص بجهة معينة، وحاصل في حيز معين وإما أن لا نقول ذلك، فإن قلنا بالأول كان البعد الحاصل بين ذينك الطرفين محدوداً بين ذينك الحدين والبعد المحصور بين الحاصرين لا يعقل كونه غير متناه، لأن كونه غير متناه عبارة عن عدم الحد والقطع والطرف، وكونه محصوراً بين الحاصرين معناه إثبات الحد والقطع والطرف والجمع بينهما يوجب الجمع بين النقيضين، وهو محال. ونظيره ما ذكرناه أنا متى عينا قبل العالم وقتاً معيناً كان البعد بينه وبين الوقت الذي حصل فيه أول العالم بعداً متناهياً لا محالة. وأما إن قلنا بالقسم الثاني: وهو أنه تعالى غير مختص بحيز معين وغير حاصل في جهة معينة، فهذا عبارة عن نفي كونه في الجهة. لأن كون الذات المعينة حاصلة لا في جهة معينة في نفسها قول محال، ونظير هذا قول من يقول الأزل ليس عبارة عن وقت معين بل إشارة إلى نفي الأولية والحدوث، فظهر أن هذا الذي قاله ابن الهيثم تخييل خال عن التحصيل. الحجة الخامسة عشرة: أنه ثبت في العلوم العقلية أن المكان: إما السطح الباطن من الجسم الحاوي وإما البعد المجرد والفضاء الممتد، وليس يعقل في المكان قسم ثالث. إذا عرفت هذا فنقول: إن كان المكان هو الأول فنقول: ثبت أن أجسام العالم متناهية، فخارج العالم الجسماني لا خلاء ولا ملاء ولا مكان ولا جهة، فيمتنع أن يحصل الإله في مكان خارج العالم، وإن كان المكان هو الثاني، فنقول طبيعة البعد طبيعة واحدة متشابهة في تمام الماهية، فلو حصل الإله في حيز لكان ممكن الحصول في سائر الأحياز، وحينئذ يصح عليه الحركة والسكون وكل ما كان كذلك كان محدثاً بالدلائل المشهورة المذكورة في علم الأصول، وهي مقبولة عند جمهور المتكلمين، فيلزم كون الإله محدثاً، وهو محال. فثبت أن القول بأنه تعالى حاصل في الحيز والجهة قول باطل على كل الاعتبارات. الحجة السادسة عشرة: وهي حجة استقرائية اعتبارية لطيفة جداً، وهي أنا رأينا أن الشيء كلما كان حصول معنى الجسمية فيه أقوى وأثبت، كانت القوة الفاعلية فيه أضعف وأنقص، وكلما كان حصول معنى الجسمية فيه أقل وأضعف، كان حصول القوة الفاعلية أقوى وأكمل، وتقريره أن نقول وجدنا الأرض أكثف الأجسام وأقواها حجمية، فلا جرم لم يحصل فيها إلا خاصة قبول الأثر فقط، فأما أن يكون للأرض الخالصة تأثير في غيره فقليل جداً. وأما الماء فهو أقل كثافة وحجمية من الأرض، فلا جرم حصلت فيه قوة مؤثرة، فإن الماء الجاري بطبعه إذا اختلط بالأرض أثر فيها أنواعاً من التأثيرات. وأما الهواء، فإنه أقل حجمية وكثافة من الماء، فلا جرم كان أقوى على التأثير من الماء، فلذلك قال بعضهم أن الحياة لا تكمل إلا بالنفس، وزعموا أنه لا معنى للروح إلا الهواء المستنشق. وأما النار، فإنها أقل كثافة من الهواء، فلا جرم كانت أقوى الأجسام العنصرية على التأثير فبقوة الحرارة يحصل الطبخ والنضج، وتكون المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان. وأما الأفلاك، فإنها ألطف من الأجرام العنصرية، فلا جرم كانت هي المستولية على مزاج الأجرام العنصرية بعضها البعض، وتوليد الأنواع والأصناف المختلفة من تلك التمزيجات، فهذا الاستقراء المطرد يدل على أن الشيء كلما كان أكثر حجمية وجرمية وجسمية كان أقل قوة وتأثيراً وكلما كان أقوى قوة وتأثيراً كان أقل حجمية وجرمية وجسمية، وإذا كان الأمر كذلك أفاد هذا الاستقراء ظناً قوياً أنه حيث حصل كمال القوة والقدرة على الإحداث والإبداع لم يحصل هناك ألبتة معنى الحجمية والجرمية والاختصاص بالحيز والجهة، وهذا وإن كان بحثاً استقرائياً إلا أنه عند التأمل التام شديد المناسبة للقطع بكونه تعالى منزهاً عن الجسمية والموضع والحيز. وبالله التوفيق. فهذه جملة الوجوه العقلية في بيان كونه تعالى منزهاً عن الاختصاص بالحيز والجهة. أما الدلائل السمعية فكثيرة: أولها: قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] فوصفه بكونه أحداً والأحد مبالغة في كونه واحداً. والذي يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركباً من أجزاء كثيرة جداً فوق أجزاء العرش، وذلك ينافي كونه أحداً ورأيت جماعة من الكرامية عند هذا الإلزام يقولون إنه تعالى ذات واحدة، ومع كونها واحدة حصلت في كل هذه الأحياز دفعة واحدة. قالوا: فلأجل أنه حصل دفعة واحدة في جميع الأحياز امتلأ العرش منه. فقلت حاصل هذا الكلام يرجع إلى أنه يجوز حصول الذات الشاغلة للحيز والجهة في أحياز كثيرة دفعة واحدة والعقلاء اتفقوا على أن العلم بفساد ذلك من أجل العلوم لضرورية، وأيضاً فإن جوزتم ذلك فلم لا تجوزون أن يقال: إن جميع العالم من العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة هذه الأحياز، فيظن أنها أشياء كثيرة، ومعلوم أن من جوزه، فقد التزم منكراً من القول عظيماً. فإن قالوا: إنما عرفنا ههنا حصول التغاير بين هذه الذوات لأن بعضها يفنى مع بقاء الباقي وذلك يوجب التغاير، وأيضاً فنرى بعضها متحركاً، وبعضها ساكناً والمتحرك غير الساكن، فوجب القول بالتغاير، وهذه المعاني غير حاصلة في ذات الله، فظهر الفرق، فنقول: أما قولك بأنا نشاهد أن هذا الجزء يبقى مع أنه يفنى ذلك الجزء الآخر، وذلك يوجب التغاير. فنقول: لا نسلم أنه فني شيء من الأجزاء بل نقول لم لا يجوز أن يقال أن جميع أجزاء العالم جزء واحد فقط؟ ثم إنه حصل ههنا وهناك، وأيضاً حصل موصوفاً بالسواد والبياض وجميع الألوان والطعوم، فالذي يفنى إنما هو حصوله هناك، فأما أن يقال إنه فني في نفسه، فهذا غير مسلم، وأما قوله: نرى بعض الأجسام متحركاً وبعضها ساكناً، وذلك يوجب التغاير، لأن الحركة والسكون لا يجتمعان. فنقول: إذا حكمنا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان لاعتقادنا أن الجسم الواحد لا يحصل دفعة واحدة في حيزين، فإذا رأينا أن الساكن بقي هنا، وأن المتحرك ليس هنا قضينا أن المتحرك غير الساكن. وأما بتقدير أن يجوز كون الذات الواحدة حاصلة في حيزين دفعة واحدة، يمتنع كون الذات الواحدة متحركة ساكنة معاً، لأن أقصى ما في الباب أن بسبب السكون بقي هنا، وبسبب الحركة حصل في الحيز الآخر، إلا أنا لما جوزنا أن تحصل الذات الواحدة دفعة واحدة في حيزين معاً لم يبعد أن تكون الذات الساكنة هي عين الذات المتحركة، فثبت أنه لو جاز أن يقال إنه تعالى في ذاته واحد لا يقبل القسمة، ثم مع ذلك يمتلىء العرش منه، لم يبعد أيضاً أن يقال: العرش في نفسه جوهر فرد وجزء لا يتجزأ، ومع ذلك فقد حصل في كل تلك الأحياز، وحصل منه كل العرش ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى فتح باب الجهالات. وثانيها: أنه تعالى قال: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] فلو كان إله العالم في العرش، لكان حامل العرش حاملاً للإله، فوجب أن يكون الإله محمولاً حاملاً، ومحفوظاً حافظاً، وذلك لا يقوله عاقل. وثالثها: أنه تعالى قال: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ } تفسير : [محمد: 38] حكم بكونه غنياً على الإطلاق، وذلك يوجب كونه تعالى غنياً عن المكان والجهة. ورابعها: أن فرعون لما طلب حقيقة الإله تعالى من موسى عليه السلام ولم يزد موسى عليه السلام على ذكر صفة الخلاقية ثلاث مرات، فإنه لما قال: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 23] ففي المرة الأولى قال: {أية : رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } تفسير : [الدخان: 7] وفي الثانية قال: {أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 26] وفي المرة الثالثة: {أية : قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }تفسير : [الشعراء: 28] وكل ذلك إشارة إلى الخلاقية، وأما فرعون لعنه الله فإنه قال: {أية : يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحاً لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلأَسْبَـٰبَ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } تفسير : [غافر: 36، 37] فطلب الإله في السماء، فعلمنا أن وصف الإله بالخلاقية، وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى، وسائر جميع الأنبياء، وجميع وصفه تعالى بكونه في السماء دين فرعون وإخوانه من الكفرة. وخامسها: أنه تعالى قال في هذه الآية: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وكلمة «ثم» للتراخي وهذا يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد تخليق السموات والأرض، فإن كان المراد من الاستواء الاستقرار، لزم أن يقال: إنه ما كان مستقراً على العرش، بل كان معوجاً مضطرباً، ثم استوى عليه بعد ذلك، وذلك يوجب وصفه بصفات سائر الأجسام من الاضطراب والحركة تارة، والسكون أخرى، وذلك لا يقوله عاقل. وسادسها: هو أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه إنما طعن في إلهية الكوكب والقمر والشمس بكونها آفلة غاربة فلو كان إله العالم جسماً، لكان أبداً غارباً آفلاً. وكان منتقلاً من الاضطراب والاعوجاج إلى الاستواء والسكون والاستقرار، فكل ما جعله إبراهيم عليه السلام طعناً في إلهية الشمس والكوكب والقمر يكون حاصلاً في إله العالم، فكيف يمكن الاعتراف بإلهيته. وسابعها: أنه تعالى ذكر قبل قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } شيئاً وبعده شيئاً آخر. أما الذي ذكره قبل هذه الكلمة فهو قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } وقد بينا أن خلق السموات والأرض يدل على وجود الصانع وقدرته وحكمته من وجوه كثيرة. وأما الذي ذكره بعد هذه الكلمة فأشياء: أولها: قوله: {يَغْشَىٱلليلٱلنهار يَطلُبُهُ حثيثاً} وذلك أحد الدلائل الدالة على وجود الله، وعلى قدرته وحكمته. وثانيها: قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } وهو أيضاً من الدلائل الدالة على الوجود والقدرة والعلم. وثالثها: قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } وهو أيضاً إشارة إلى كمال قدرته وحكمته. إذا ثبت هذا فنقول: أول الآية إشارة إلى ذكر ما يدل على الوجود والقدرة والعلم، وآخرها يدل أيضاً على هذا المطلوب، وإذ كان الأمر كذلك فقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وجب أن يكون أيضاً دليلاً على كمال القدرة والعلم، لأنه لو لم يدل عليه بل كان المراد كونه مستقراً على العرش كان ذلك كلاماً أجنبياً عما قبله وعما بعده، فإن كونه تعالى مستقراً على العرش لا يمكن جعله دليلاً على كماله في القدرة والحكمة وليس أيضاً من صفات المدح والثناء، لأنه تعالى قادر على أن يجلس جميع أعداد البق والبعوض على العرش وعلى ما فوق العرش، فثبت أن كونه جالساً على العرش ليس من دلائل إثبات الصفات والذات ولا من صفات المدح والثناء، فلو كان المراد من قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } كونه جالساً على العرش لكان ذلك كلاماً أجنبياً عما قبله وعما بعده، وهذا يوجب نهاية الركاكة، فثبت أن المراد منه ليس ذلك، بل المراد منه كمال قدرته في تدابير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها وهو المطلوب. وثامنها: أن السماء عبارة عن كل ما ارتفع وسما وعلا، والدليل عليه أنه تعالى سمى السحاب سماء حيث قال: {أية : وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنفال: 11] وإذا كان الأمر كذلك، فكل ماله ارتفاع وعلو وسمو كان سماء، فلو كان إله العالم موجوداً فوق العرش، لكان ذات الإله تعالى سماء لساكني العرش. فثبت أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان سماء والله تعالى حكم بكونه خالقاً لكل السموات في آيات كثيرة منها هذه الآية وهو قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فلو كان فوق العرش سماء لسكان أهل العرش لكان خالقاً لنفسه وذلك محال. وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } آية محكمة دالة على أن قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } من المتشابهات التي يجب تأويلها، وهذه نكتة لطيفة، ونظير هذا أنه تعالى قال في أول سورة الأنعام: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِىٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [الأنعام: 3] ثم قال بعده بقليل: {أية : قُل لِّمَن مَّا فِىٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ قُل لِلَّهِ } تفسير : [الأنعام: 12] فدلت هذه الآية المتأخرة على أن كل ما في السموات، فهو ملك لله فلو كان الله في السموات لزم كونه ملكاً لنفسه، وذلك محال فكذا ههنا، فثبت بمجموع هذه الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز، وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان: الأول: أن نقطع بكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله، وهو الذي قررناه في تفسير قوله: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ }تفسير : [آل عمران: 7] وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه. والقول الثاني: أن نخوض في تأويله على التفصيل، وفيه قولان ملخصان: الأول: ما ذكره القفال رحمة الله عليه فقال: {ٱلْعَرْشِ } في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك، يقال: ثل عرشه أي انتفض ملكه وفسد. وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه، واستقر على سرير ملكه، هذا ما قاله القفال. وأقول: إن الذي قاله حق وصدق وصواب، ونظيره قولهم للرجل الطويل: فلان طويل النجاد وللرجل الذي يكثر الضيافة كثير الرماد، وللرجل الشيخ فلان اشتعل رأسه شيباً، وليس المراد في شيء من هذه الألفاظ إجراؤها على ظواهرها، إنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا ههنا يذكر الاستواء على العرش، والمراد نفاذ القدرة وجريان المشيئة، ثم قال القفال رحمه الله تعالى: والله تعالى لما دل على ذاته وعلى صفاته وكيفية تدبيره العالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم استقر في قلوبهم عظمة الله وكمال جلاله، إلا أن كل ذلك مشروط بنفي التشبيه، فإذا قال: إنه عالم فهموا منه أنه لا يخفى عليه تعالى شيء، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة ولا روية ولا باستعمال حاسة، وإذا قال: قادر علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات، وتكوين الممكنات، ثم علموا بعقولهم أنه غني في ذلك الإيجاد، والتكوين عن الآلات والأدوات، وسبق المادة والمدة والفكرة والروية، وهكذا القول في كل صفاته، وإذا أخبر أن له بيتاً يجب على عباده حجة فهموا منه أنه نصب لهم موضعاً يقصدونه لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه، ولم ينتفع به في دفع الحر والبرد بعينه عن نفسه، فإذا أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه، ثم علموا بعقولهم أنه لا يفرح بذلك التحميد والتعظيم ولا يغتم بتركه والإعراض عنه. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال. ثم قال القفال: والدليل على أن هذا هو المراد قوله في سورة يونس: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } تفسير : [يونس: 3] فقوله: {يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ } جرى مجرى التفسير لقوله: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وقال في هذه الآية التي نحن في تفسيرها: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى الليل النهارَ يطلبهُ حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر} وهذا يدل على أن قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } إشارة إلى ما ذكرناه. فإن قيل: فإذا حملتم قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } على أن المراد: استوى على الملك، وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً قبل خلق السموات والأرض. قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها وما كان مكوناً ولا موجوداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا وإرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع. والوجه الثاني: في الجواب أن يقال: استوى بمعنى استولى، وهذا الوجه قد أطلنا في شرحه في سورة طه فلا نعيده هنا. والوجه الثالث: أن نفسر العرش بالملك ونفسر استوى بمعنى: علا واستعلى على الملك فيكون المعنى: أنه تعالى استعلى على الملك بمعنى أن قدرته نفذت في ترتيب الملك والملكوت، واعلم أنه تعالى ذكر قوله: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } في سور سبع. إحداها: ههنا. وثانيها: في يونس. وثالثها: في الرعد. ورابعها: في طه. وخامسها: في الفرقان. وسادسها: في السجدة. وسابعها: في الحديد، وقد ذكرنا في كل موضع فوائد كثيرة، فمن ضم تلك الفوائد بعضها إلى بعض كثرت وبلغت مبلغاً كثيراً وافياً بإزالة شبه التشبيه عن القلب والخاطر. أما قوله: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً} ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص {يُغْشِى } بتخفيف الغين وفي الرعد هكذا، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية أبي بكر بالتشديد، وفي الرعد هكذا. قال الواحدي رحمه الله: الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمن التشديد قوله تعالى: {أية : فَغَشَّـٰهَا مَا غَشَّىٰ } تفسير : [النجم: 54] ومن اللغة الثانية قوله: {أية : فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } تفسير : [يس: 9] والمفعول الثاني محذوف على معنى فأغشيناهم العمى وفقد الرؤية. المسألة الثانية: قوله: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً} يحتمل أن يكون المراد يلحق الليل بالنهار، وأن يكون المراد النهار بالليل، واللفظ يحتملهما معاً وليس فيه تغيير، والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً} بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار أي يدرك النهار الليل ويطلبه قال القفال رحمه الله: أنه سبحانه لما أخبر عباده باستوائه على العرش عن استمرار أصعب المخلوقات على وفق مشيئته، أراهم ذلك عياناً فيما يشاهدونه منها ليضم العيان إلى الخبر، وتزول الشبه عن كل الجهات، فقال: {يغشي الليل النهار} لأنه تعالى أخبر في هذا الكتاب الكريم بما في تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة، والفوائد الجليلة، فإن بتعاقبهما يتم أمر الحياة، وتكمل المنفعة والمصلحة. المسألة الثالثة: قوله: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } قال الليث: الحث: الإعجال، يقال: حثثت فلاناً فأحتث، فهو حثيث ومحثوث، أي مجد سريع. واعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة، وذلك هو الحق، لأن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم، وتلك الحركة أشد الحركات سرعة، وأكملها شدة، حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات. قالوا: الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل، فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك الحركة في غاية الشدة والسرعة، فلهذا السبب قال تعالى: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } ونظير هذه الآية قوله سبحانه: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }تفسير : [يس: 40] فشبه ذلك السير وتلك الحركة بالسباحة في الماء، والمقصود: التنبيه على سرعتها وسهولتها وكمال إيصالها. ثم قال تعالى: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ } بالرفع على معنى الابتداء والباقون بالنصب على معنى وجعل الشمس والقمر، قال الواحدي والنصب هو الوجه لقوله تعالى: {أية : وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ }تفسير : [فصلت: 37] فكما صرح في هذه الآية أنه سخر الشمس والقمر كذلك يجب أن يحمل على أنه خلقها في قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ } وهذا النصف على الحال أي خلق هذه الأشياء حال كونها موصوفة بهذه الصفات والآثار والأفعال وحجة ابن عامر قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }تفسير : [الجاثية: 13] ومن جملة ما في السماء الشمس والقمر فلما أخبر أنه تعالى سخرها حسن الأخبار عنها بأنها مسخرة كما أنك إذا قلت ضربت زيداً استقام أن تقول زيد مضروب. المسألة الثانية: في هذه الآية لطائف: فالأولى: أن الشمس لها نوعان من الحركة: أحد النوعين: حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة وبسبب هذه الحركة تحصل السنة. والنوع الثاني: حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم وهذه الحركة تتم في اليوم بليلة. إذا عرفت هذا فنقول: الليل والنهار لا يحصل بسبب حركة الشمس وإنما يحصل بسبب حركة السماء الأقصى التي يقال لها العرش فهذا السبب لما ذكر العرش بقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } ربط به قوله: {يغشي الليل النهار} تنبيهاً على أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة الفلك الأقصى لا حركة الشمس والقمر وهذه دقيقة عجيبة. والثانية: أنه تعالى لما شرح كيفية تخليق السموات. قال: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } تفسير : [فصلت: 12] فدلت تلك الآية على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم الأمر. ثم قال بعده: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } وهو إشارة إلى أن كل ما سوى الله تعالى إما من عالم الخالق أو من عالم الأمر، أما الذي هو من عالم الخلق، فالخلق عبارة عن التقدير، وكل ما كان جسماً أو جسمانياً كان مخصوصاً بمقدار معين، فكان من عالم الخلق، وكل ما كان بريئاً عن الحجمية والمقدار كان من عالم الأرواح ومن عالم الأمر، فدل على أنه سبحانه خص كل واحد من أجرام الأفلاك والكواكب التي هي من عالم الخلق بملك من الملائكة، وهم من عالم الأمر والأحاديث الصحيحة مطابقة لذلك، وهي ما روي في الأخبار أن لله ملائكة يحركون الشمس والقمر عند الطلوع وعند الغروب، وكذا القول في سائر الكواكب، وأيضاً قوله سبحانه: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ }تفسير : [الحاقة: 17] إشارة إلى أن الملائكة الذين يقومون بحفظ العرش ثمانية، ثم إذا دققت النظر علمت أن عالم الخلق في تسخير الله وعالم الأمر في تدبير الله واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله فلهذا المعنى قال: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ }. ثم قال بعده: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } والبركة لها تفسيران: أحدهما: البقاء والثبات والثاني: كثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة وكلا التفسيرين لا يليق إلا بالحق سبحانه، فإن حملته على الثبات والدوام، فالثابت والدائم هو الله تعالى لأنه الموجود الواجب لذاته العالم لذاته القائم بذاته الغني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه، فهو سبحانه مقطع الحاجات ومنهى الافتقارات وهو غني عن كل ما سواه في جميع الأمور وأيضاً إن فسرنا البركة بكثرة الآثار الفاضلة فالكل بهذا التفسير من الله تعالى، لأن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته والواجب لذاته ليس إلا هو، وكل ما سواه ممكن، وكل ممكن فلا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وكل الخيرات منه وكل الكمالات فائضة من وجوده وإحسانه، فلا خير إلا منه ولا إحسان إلا من فيضه، ولا رحمة إلا وهي حاصلة منه، فلما كان الخلق والأمر ليس إلا منه، لا جرم كان الثناء المذكور بقوله: {أية : فَتَـبَـٰرَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [غافر: 64] لا يليق إلا بكبريائه وكمال فضله ونهاية جوده ورحمته. المسألة الثالثة: كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه يحتمل وجوهاً: أحدها: أنا قد دللنا في هذا الكتاب العالي الدرجة أن الأجسام متماثلة ومتى كان كذلك، كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص والضوء الباهر والتسخير الشديد والتأثير القاهر والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي، لا بد وأن يكون لأجل أن الفاعل الحكيم والمقدر العليم خص ذلك الجسم بهذه الصفات وهذه الأحوال، فجسم كل واحد من الكواكب والنيرات كالمسخر في قبول تلك القوى والخواص، عن قدرة المدبر الحكيم، الرحيم العليم. وثانيها: أن يقال إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب، سيراً خاصاً بطيئاً من المغرب إلى المشرق وسيراً آخر سريعاً بسبب حركة الفلك الأعظم، فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة سارية في أجرام سائر الأفلاك باعتبارها صارت مستولية عليها، قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب فأجرام الأفلاك والكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر والقسر ولفظ الآية مشعر بذلك لأنه لما ذكر العرش بقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } رتب عليه حكمين: أحدهما: قوله: {يغشي الليل النهار} تنبيهاً على أن حدوث الليل والنهار إنما يحصل بحركة العرش. والثاني: قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } تنبيهاً على أن الفلك الأعظم الذي هو العرش يحرك الأفلاك والكواكب على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب وأنه تعالى أودع في جرم العرش قوة قاهرة باعتبارها قوى على قهر جميع الأفلاك والكواكب وتحريكها على خلاف مقتضى طبائعها، فهذه أبحاث معقولة ولفظ القرآن مشعر بها والعلم عند الله. وثانيها: أن أجسام العالم على ثلاثة أقسام، منها ما هي متحركة إلى الوسط وهي الثقال. ومنها ما هي متحركة عن الوسط، وهي الخفاف، ومنها ما هي متحركة عن الوسط، وهي الأجرام الفلكية الكوكبية، فإنها مستديرة حول الوسط فكون الأفلاك والكواكب مستديرة حول مركز الأرض لا عنه ولا إليه، لا يكون إلا بتسخير الله وتدبيره، حيث خص كل واحد من هذه الأجسام بخاصة معينة وصفة معينة وقوة مخصوصة فلهذا السبب قال: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } ورابعها: أن الثوابت تتحرك في كل ستة وثلاثين ألف سنة دورة واحدة، فهذه الحركة تكون في غاية البطء. ثم ههنا دقيقة أخرى وهي أن كل كوكب من الكواكب الثابتة، كان أقرب إلى المنطقة كانت حركته أسرع، وكل ما كان أقرب إلى القطب كانت حركته أبطأ، فالكواكب التي تكون في غاية القرب من القطب مثل كوكب الجدي وهو الذي تقول العوام إنه هو القطب، يدور في دائرة في غاية الصغر، وهو إنما يتمم تلك الدائرة الصغيرة جداً في مدة ستة وثلاثين ألف سنة. فإذا تأملت علمت أن تلك الحركة بلغت في البطء إلى حيث لا توجد حركة في العالم تشاركها في البطء، فذلك الكوكب اختص بأبطأ حركات هذا العالم وجرم الفلك الأعظم اختص بأسرع حركات العالم، وفيما بين هاتين الدرجتين درجات لا نهاية لها في البطء والسرعة، وكل واحد من الكواكب والدوائر والحوامل والممثلات يختص بنوع من تلك الحركات، وأيضاً فلكل واحد من تلك الكواكب مدارات مخصوصة، فأسرعها هو المنطقة وكل ما كان أقرب إليه فهو أسرع حركة مما هو أبعد منه، ثم إنه سبحانه رتب مجموع هذه الحركات على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها سبباً لحصول المصالح في هذا العالم. كما قال في أول سورة البقرة: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : [البقرة: 29] أي سواهن على وفق مصالح هذا العالم، وهو بكل شيء عليم، أي هو عالم بجميع المعلومات. فيعلم أنه كيف ينبغي ترتيبها وتسويتها حتى تحصل مصالح هذا العالم، فهذا أيضاً نوع عجيب في تسخير الله تعالى هذه الأفلاك والكواكب، فتكون داخلة تحت قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد! فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته، وتقريره من وجوه: الأول: أن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وكيفية أحوال الضياء والظلام، وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها، والتأمل في أحوالها جائزاً لما ملأ الله كتابه منها. والثاني: أنه تعالى قال: {أية : أَوَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } تفسير : [قۤ: 6] فهو تعالى حث على التأمل في أنه كيف بناها ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها. والثالث: أنه تعالى قال: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [غافر: 57] فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام السموات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس، ثم أنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس بقوله: {أية : وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }تفسير : [الذاريات: 21] فما كان أعلى شأناً وأعظم برهاناً منها أولى بأن يجب التأمل في أحوالها ومعرفة ما أودع الله فيها من العجائب والغرائب. والرابع: أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً }تفسير : [آل عمران: 191] ولو كان ذلك ممنوعاً منه لما فعل. والخامس: أن من صنف كتاباً شريفاً مشتملاً على دقائق العلوم العقلية والنقلية بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق، فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان: منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما فيه من الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل والتعيين، ومنهم من وقف على تلك الدقائق على سبيل التفصيل والتعيين، واعتقاد الطائفة الأولى وإن بلغ إلى أقصى الدرجات في القوة والكمال إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل وأقوى وأوفى. وأيضاً فكل من كان وقوفه على دقائق ذلك الكتاب ولطائفه أكثر كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل. إذا ثبت هذا فنقول: من الناس من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث، فحصل له بهذا الطريق إثبات الصانع تعالى وصار من زمرة المستدلين، ومنهم من ضم إلى تلك الدرجة البحث عن أحوال العالم العلوي والعالم السفلي على سبيل التفصيل فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم حكمة بالغة وأسرار عجيبة، فيصير ذلك جارياً مجرى البراهين المتواترة والدلائل المتوالية على عقله، فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان إلى برهان آخر، ومن دليل إلى دليل آخر، فلكثرة الدلائل وتواليها أثر عظيم في تقوية اليقين وإزالة الشبهات. فإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذه الفوائد والأسرار لا لتكثير النحو الغريب والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة، ونسأل الله العون والعِصمة. المسألة الرابعة: الأمر المذكور في قوله: {مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } قد فسرناه بما سبق ذكره، وأما المفسرون فلهم فيه وجوه: أحدها: المراد نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبيين عظمته وقدرته، وليس المراد من هذا الأمر الكلام، ونظيره في قوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] وقوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الثاني الذي هو الكلام، وقال: إنه تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة. المسألة الخامسة: أن الشمس والقمر من النجوم فذكرهما ثم عطف على ذكرهما ذكر النجوم والسبب في إفرادهما بالذكر أنه تعالى جعلهما سبباً لعمارة هذا العالم، والاستقصاء في تقريره لا يليق بهذا الموضع، فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، والشمس تأثيرها في التسخين والقمر تأثيره في الترطيب، وتولد المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة. ثم إنه تعالى خص كل كوكب بخاصة عجيبة وتدبير غريب لا يعرفه بتمامه إلا الله تعالى، وجعله معيناً لهما في تلك التأثيرات والمباحث المستقصاة في علم الهيئة تدل على أن الشمس كالسلطان، والقمر كالنائب، وسائر الكواكب كالخدم، فلهذا السبب بدأ الله سبحانه بذكر الشمس وثنى القمر ثم أتبعه بذكر سائر النجوم. أما قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا موجد ولا مؤثر إلا الله سبحانه والدليل عليه أن كل من أوجد شيئاً وأثر في حدوث شيء فقد قدر على تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت فكان خالقاً، ثم الآية دلت على أنه لا خالق إلا الله لأنه قال: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } وهذا يفيد الحصر بمعنى أنه لا خالق إلا الله، وذلك يدل على أن كل أمر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي، فخالق ذلك الأمر في الحقيقة هو الله سبحانه لا غير. وإذا ثبت هذا الأصل تفرعت عليه مسائل: إحداها: أنه لا إله إلا الله إذ لو حصل إلهان لكان الإله الثاني خالقاً ومدبراً، وذلك يناقض مدلول هذه الآية في تخصص الخلق بهذا الواحد. وثانيها: أنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم، وإلا لحصل خالق سوى الله، وذلك ضد مدلول هذه الآية. وثالثها: أن القول بإثبات الطبائع، وإثبات العقول والنفوس على ما يقوله الفلاسفة وأصحاب الطلسمات باطل، وإلا لحصل خالق غير الله. ورابعها: خالق أعمال العباد هو الله، وإلا لحصل خالق غير الله. وخامسها: القول بأن العلم يوجب العالمية والقدرة توجب القادرية باطل وإلا لحصل مؤثر غير الله، ومقدر غير الله، وخالق غير الله، وإنه باطل. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن كلام الله قديم. قالوا: إنه تعالى ميز بين الخلق وبين الأمر، ولو كان الأمر مخلوقاً لما صح هذا التمييز. أجاب الجُبّائيّ: عنه بأنه لا يلزم من إفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق فإنه تعالى قال: {أية : تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الحجر: 1] وآيات الكتاب داخلة في القرآن وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ } تفسير : [النحل: 90] مع أن الإحسان داخل في العدل وقال: {أية : مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] وهما داخلان تحت الملائكة. وقال الكعبي: إن مدار هذه الحجة على أن المعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه، فإن صح هذا الكلام بطل مذهبكم لأنه تعالى قال: {أية : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأُمي الذي يؤمن بالله وكلماته} تفسير : [الأعراف: 158] فعطف الكلمات على الله فوجب أن تكون الكلمات غير الله وكل ما كان غير الله فهو محدث مخلوق، فوجب كون كلمات الله محدثة مخلوقة. وقال القاضي: أطبق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام التنزيل، بل المراد به نفاذ إرادة الله تعالى لأن الغرض بالآية تعظيم قدرته، وقال آخرون: لا يبعد أن يقال: الأمر وإن كان داخلاً تحت الخلق إلا أن الأمر بخصوص كونه أمراً يدل على نوع آخر من الكمال والجلال فقوله: {لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } معناه: له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى، ثم بعد الإيجاد والتكوين فله الأمر والتكليف في المرتبة الثانية، ألا ترى أنه لو قال له الخلق وله التكليف وله الثواب والعقاب، كان ذلك حسناً مفيداً مع أن الثواب والعقاب داخلان تحت الخلق فكذا ههنا. وقال آخرون: معنى قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } هو أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق فكذا قوله: {وَٱلأَمْرُ } يجب أن يكون معناه: أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر، وإذا كان حصول الأمر متعلقاً بمشيئته لزم أن يكون ذلك الأمر مخلوقاً كما أنه لما كان حصول المخلوق متعلقاً بمشيئته كان مخلوقاً، أما لو كان أمر الله قديماً لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئته، بل كان من لوازم ذاته. فحينئذ لا يصدق عليه أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر، وذلك ينفي ظاهر الآية. والجواب: أنه لو كان الأمر داخلاً تحت الخلق كان إفراد الأمر بالذكر تكريراً محضاً، والأصل عدمه. أقصى ما في الباب أنا تحملنا ذلك في صور لأجل الضرورة، إلا أن الأصل عدم التكرير. والله أعلم. المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئاً إلا الله سبحانه. وإذا ثبت هذا فنقول: فعل الطاعة لا يوجب الثواب، وفعل المعصية لا يوجب العقاب، وإيصال الألم لا يوجب العوض وبالجملة فلا يجب على الله لأحد من العبيد شيء ألبتة، إذ لو كان فعل الطاعة يوجب الثواب لتوجه على الله من العبد مطالبة ملزمة وإلزام جازم، وذلك ينافي قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ }. المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد إليه، وأن الحسن لا يجوز أن يحسن لوجه عائد إليه لأن قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } يفيد أنه تعالى له أن يأمر بما شاء كيف شاء، ولو كان القبيح يقبح لوجه عائد إليه لما صح من الله أن يأمر إلا بما حصل منه ذلك الوجه، ولا أن ينهي إلا عما فيه وجه القبح فلم يكن متمكناً من الأمر والنهي كما شاء وأراد مع أن الآية تقتضي هذا المعنى. المسألة الخامسة: دلت هذه الآية على أنه سبحانه قادر على خلق عوالم سوى هذا العالم كيف شاء وأراد وتقريره: إنه قال: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ } والخلق إذا أطلق أريد به الجسم المقدر أو ما يظهر تقديره في الجسم المقدر. ثم بين في آية أخرى أنه أوحي في كل سماء أمرها وبين في هذه الآية أنه تعالى خصص كل واحد من الشمس والقمر والنجوم بأمره، وذلك يدل على أن ما حدث بتأثير قدرة الله تعالى فتميز الأمر والخلق، ثم قال بعد هذا التفصيل والبيان {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } يعني له القدرة على الخلق وعلى الأمر على الإطلاق، فوجب أن يكون قادراً على إيجاد هذه الأشياء وعلى تكوينها كيف شاء وأراد، فلو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم في أقل من لحظة ولمحة لقدر عليه لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات ولهذا قال المعري في قصيدة طويلة له:شعر : يأيها الناس كم لله من فلك تجري النجوم به والشمس والقمر تفسير : ثم قال في أثناء هذه القصيدة:شعر : هنا على الله ماضينا وغابرنا فما لنا في نواحي غيره خَطَرُ تفسير : المسألة السادسة: قال قوم: {ٱلْخَلْقُ } صفة من صفات الله وهو غير المخلوق، واحتجوا عليه بالآية والمعقول. أما الآية فقوله تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } قالوا: وعند أهل السنة {ٱلاْمْرُ } لله لا بمعنى كونه مخلوقاً له، بل بمعنى كونه صفة له فكذلك يجب أن يكون {ٱلْخَلْقُ } لله لا بمعنى كونه مخلوقاً له بل بمعنى كونه صفة له، وهذا يدل على أن الخلق صفة قائمة بذات الله تعالى. وأما المعقول فهو أنا إذا قلنا: لم حدث هذا الشيء ولم وجد بعد أن لم يكن؟ فنقول: في جوابه لأنه تعالى خلقه وأوجده فحينئذ يكون هذا التعليل صحيحاً، فلو كان كونه تعالى خالقاً له نفس حصول ذلك المخلوق لكان قوله أنه إنما حدث لأنه تعالى خلقه وأوجده جارياً مجرى قوله: أنه إنما حدث لنفسه ولذاته لا لشيء آخر، وذلك محال باطل، لأن صدق هذا المعنى ينفي كونه مخلوقاً من قبل الله تعالى فثبت أن كونه تعالى خالقاً للمخلوق مغايراً لذات ذلك المخلوق، وذلك يدل على أن الخلق غير المخلوق وجوابه: لو كان الخلق غير المخلوق لكان أن كان قديماً لزم من قدمه قدم المخلوق، وإن كان حادثاً افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل وهو محال. المسألة السابعة: ظاهر الآية يقتضي أنه كما لا خلق إلا لله، فكذلك لا أمر إلا لله، وهذا يتأكد بقوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ }تفسير : [الأنعام: 57] وقوله: {أية : فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـىّ ٱلْكَبِيرِ } تفسير : [غافر: 12] وقوله: {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ }تفسير : [الروم: 4] إلا أنه مشكل بالآية والخبر. أما الآية فقوله تعالى: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النور: 63] وأما الخبر فقوله عليه السلام: «حديث : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»تفسير : . والجواب: أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن أمر الله قد حصل، فيكون الموجب في الحقيقة هو أمر الله لا أمر غيره، والله أعلم. المسألة الثامنة: قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } يدل على أن لله أمراً ونهياً على عباده، وأن له تكليفاً على عباده، والخلاف مع نفاة التكليف. واحتجوا عليه بوجوه: أولها: أن المكلف به إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع. فكان الأمر به أمراً بتحصيل الحاصل وأنه محال، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع، فكان الأمر به أمراً بما يمتنع وقوعه وهو محال، وثانيها: أنه تعالى إن خلق الداعي إلى فعله، كان واجب الوقوع، فلا فائدة في الأمر، وإن لم يخلق الداعي إليه كان ممتنع الوقوع، فلا فائدة في الأمر به. وثالثها: أن أمر الكافر والفاسق لا يفيد إلا الضرر المحض، لأنه لما علم الله أنه لا يؤمن ولا يطيع، امتنع أن يصدر عنه الإيمان والطاعة، إلا إذا صار علم الله جهلاً، والعبد لا قدرة له على تجهيل الله، وإذا تعذر اللازم تعذر الملزوم فوجب أن يقال: لا قدرة للكافر والفاسق على الإيمان والطاعة أصلاً، وإذا كان كذلك لم يحصل من الأمر به إلا مجرد استحقاق العقاب، فيكون هذا الأمر والتكليف إضراراً محضاً من غير فائدة ألبتة، وهو لا يليق بالرحيم الحكيم، ورابعها: أن الأمر والتكليف إن لم يكن لفائدة فهو عبث، وإن كان لفائدة عائدة إلى المعبود فهو محتاج وليس بإله، وإن كان لفائدة عائدة إلى العابد. فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل النفع، ودفع الضرر، والله تعالى قادر على تحصيلها بالتمام والكمال من غير واسطة التكليف، فكان توسيط التكليف إضراراً محضاً من غير فائدة، وأنه لا يجوز. واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنه يحسن منه أن يأمر عباده، وأن يكلفهم بما شاء واحتج عليه بقوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } يعني لما كان الخلق منه ثبت أنه هو الخالق لكل العبيد، وإذا كان خالقاً لهم كان مالكاً لهم، وإذا كان مالكاً لهم حسن منه أن يأمرهم وينهاهم، لأن ذلك تصرف من المالك في ملك نفسه، وذلك مستحسن، فقوله سبحانه: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } يجري مجرى الدليل القاطع على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء كيف شاء. المسألة التاسعة: دلت الآية على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقاً لهم لا كما يقوله المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحاً، ولا كما يقولونه أيضاً من حيث العوض والثواب، لأنه تعالى ذكر أن الخلق له أولاً، ثم ذكر الأمر بعده، وذلك يدل على أن حسن الأمر معلل بكونه خالقاً لهم موجداً لهم، وإذا كانت العلة في حسن الأمر والتكليف، هذا القدر سقط اعتبار الحسن، والقبح، والثواب، والعقاب في اعتبار حسن الأمر والتكليف. المسألة العاشرة: دلت هذه الآية على أنه تعالى متكلم آمر ناه مخبر مستخبر، وكان من حق هذه المسألة تقدمها على سائر المسائل، إلا أنها إنما خطرت بالبال في هذا الوقت، والدليل عليه قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } فدل ذلك على أن له الأمر، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له النهي، والخبر، والاستخبار، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. المسألة الحادية عشرة: أنه تعالى بين كونه تعالى خالقاً للسموات، والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم. ثم قال: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } أي لا خالق إلا هو. ولقائل أن يقول: لا يلزم من كونه تعالى خالقاً لهذه الأشياء أن يقال: لا خالق على الإطلاق إلا هو، فلم رتب على إثبات كونه خالق لتلك الأشياء إثبات أنه لا خالق إلا هو على الإطلاق؟ فنقول: الحق أنه متى ثبت كونه تعالى خالقاً لبعض الأشياء، وجب كونه خالقاً لكل الممكنات، وتقريره: أن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه، والإمكان واحد في كل الممكنات، وهذا الإمكان إما أن يكون علة للحاجة إلى مؤثر متعين، أو إلى مؤثر غير متعين والثاني باطل، لأن كل ما كان موجوداً في الخارج فهو متعين في نفسه، فيلزم منه أن ما لا يكون متعيناً في نفسه لم يكن موجوداً في الخارج وما لا وجود له في الخارج امتنع أن يكون علة لوجود غيره في الخارج، فثبت أن الإمكان علة للحاجة إلى موجد ومعين، فوجب أن يكون جميع الممكنات محتاجاً إلى ذلك المعين. فثبت أن الذي يكون مؤثراً في وجود شيء واحد، هو المؤثر في وجود كل الممكنات. أما قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فاعلم أنه سبحانه لما بين كونه خالقاً للسموات، والأرض، والعرش، والليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم وبين كون الكل مسخراً في قدرته وقهره ومشيئته، وبين أن له الحكم والأمر والنهي والتكليف، بين أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه، فقال: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقد تقدم تفسير {تَبَـٰرَكَ } فلا نعيده. واعلم أنه تعالى بدأ في أول الآية: رب السموات والأَرَضين، وسائر الأشياء المذكورة، ثم ختم الآية بقوله: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } والعالم كل موجود سوى الله تعالى، فبين كونه رباً وإلهاً وموجوداً ومحدثاً لكل ما سواه، ومع كونه كذلك فهو رب ومرب ومحسن ومتفضل، وهذا آخر الكلام في شرح هذه الآية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} بيّن أنه المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد. وأصل «ستة» سدسة، فأرادوا إدغام الدال في السين فٱلتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما. وإن شئت قلت: أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال؛ لأنك تقول في تصغيرها: سديسة، وفي الجمع أسداس، والجمع والتصغير يردّان الأسماء إلى أصولها. ويقولون: جاء فلان سادساً وسادتا وساتا؛ فمن قال: سادتا أبدل من السين تاء. واليوم: من طلوع الشمس إلى غروبها. فإن لم يكن شمس فلا يوم؛ قاله القشيرِيّ. وقال: ومعنى «فِي ستَّةِ أَيَّامٍ» أي من أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة؛ لتفخيم خلق السموات والأرض. وقيل: من أيام الدنيا. قال مجاهد وغيره: أوّلها الأحد وآخرها الجمعة. وذكر هذه المدّة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون. ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء. وهذا عند من يقول: خلق الملائكة قبل خلق السموات والأرض. وحكمة أخرى ـ خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلاً. وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلاً. وهذا كقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}تفسير : [قۤ: 38 و39]. بعد أن قال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً}. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} هذه مسألة الاستواء؛ وللعلماء فيها كلام وإجراء. وقد بينا أقوال العلماء فيها في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى) وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولاً. والأكثر من المتقدّمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيّز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدّمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى ٱختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد كان السلف الأوّل رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافّة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكَيْف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كافٍ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء. والاستواء في كلام العرب هو العلوّ والاستقرار. قال الجوهريّ: وٱستوى من ٱعوجاج، وٱستوى على ظهر دابته؛ أي ٱستقرّ. وٱستوى إلى السماء أي قصد. وٱستوى أي ٱستولى وظهر. قال:شعر : قد ٱستوى بِشرٌ على العِراق من غير سيف ودمٍ مهراق تفسير : واستوى الرجل أي ٱنتهى شبابه. واستوى الشيء إذا اعتدل. وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5] قال: علا. وقال الشاعر:شعر : فأوردتهم ماء بفَيْفَاء قفْرَةٍ وقد حَلّق النجمُ اليمانِيّ فاستَوَى تفسير : أي علا وارتفع. قلت: فعلوّ الله تعالى وٱرتفاعه عبارة عن علوّ مجده وصفاته وملكوته. أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلوّ مشتركاً بينه وبينه؛ لكنه العليّ بالإطلاق سبحانه. قوله تعالى: {عَلَى ٱلْعَرْشِ} لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد. قال الجوهري وغيره: العرش سرير الملِك. وفي التنزيل {أية : نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} تفسير : [النمل: 41]، {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ}تفسير : [يوسف: 100]. والعرش: سقف البيت. وعرش القدم: ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع. وعرش السِّماك: أربعة كواكب صغار أسفل من العَوّاء، يقال: إنها عَجُز الأسد. وعرش البئر: طيُّها بالخشب، بعد أن يُطْوَى أسفلها بالحجارة قدر قامة؛ فذلك الخشب هو العرش، والجمع عروش. والعرش اسم لمَكَّة. والعرش الملك والسلطان. يقال: ثُلّ عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزّه. قال زهير:شعر : تداركتما عَبْساً وقد ثُلَّ عَرْشُهَا وذُبْيَانُ إذ ذَلّتْ بأقدامها النّعْلُ تفسير : وقد يؤوّل العرش في الآية بمعنى المُلْك، أي ما ٱستوى المُلْك إلا له جل وعز. وهو قول حَسَن وفيه نظر، وقد بيّناه في جملة الأقوال في كتابنا. والحمد لله. قوله تعالى: {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} أي يجعله كالغِشاء، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل. فالليل للسكون، والنهار للمعاش. وقرىء «يغشى» بالتشديد؛ ومثله في «الرعد». وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي. وخفّف الباقون. وهما لغتان أغْشَى وغَشَّى. وقد أجمعوا على {أية : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ}تفسير : [النجم: 54] مشدّداً. وأجمعوا على {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ} تفسير : [يسۤ: 9] فالقراءتان متساويتان. وفي التشديد معنى التكرير والتكثير. والتغشية والإغشاء: إلباس الشيء الشيء. ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل، فاكتفى بأحدهما عن الآخر؛ مثل {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81]. {أية : بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} تفسير : [آل عمران: 26]. وقرأ حُميد بن قيس «يغشى الليلَ النهارُ» ومعناه أن النهار يغشى الليل {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} أي يطلبه دائماً من غير فتور. و«يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ» في موضع نصب على الحال. والتقدير: ٱستوى على العرش مغشياً الليل النهار. وكذا «يَطْلُبه حَثِيثاً» حال من الليل؛ أي يغشي الليل النهار طالباً له. ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال. «حَثِيثاً» بدل من طالب المقدّر أو نعت له، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي يطلبه طلباً سريعاً. والحث: الإعجال والسرعة. ووَلَّى حثِيثاً أي مسرعاً. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} قال الأخفش: هي معطوفة على السموات؛ أي وخلق الشمس. ورُوي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر. قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} فيه مسألتان: الأولى: صدق الله في خبره، فله الخلق وله الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب. وهذا الأمر يقتضي النهي. قال ابن عيينة: فرق بين الخلق والأمر؛ فمن جمع بينهما فقد كفر. فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: «كُنْ». {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يسۤ: 82]. وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بيّن على فساد قول من قال بخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقاً لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجَن ومسْتَغَثٌّ. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه. ويدل عليه قوله سبحانه. {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [الروم: 25]. {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} تفسير : [النحل: 12]. فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره؛ فلو كان الأمر مخلوقاً لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له. وذلك محال. فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق؛ ليصح قيام المخلوقات به. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الحجر: 85]. وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق، يعني القول وهو قوله للمكوَّنات: «كن». فلو كان الحق مخلوقاً لما صح أن يخلق به المخلوقات؛ لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق. يدل عليه {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الصافات: 171] {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101]. {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} تفسير : [السجدة: 13]. وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القِدم، وذلك يوجب الأزل في الوجود. وهذه النكتة كافية في الردّ عليهم. ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم مثل قوله تعالى: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} تفسير : [الأنبياء: 2] الآية. ومثل قوله تعالى: {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}تفسير : [الأحزاب: 38]. و{أية : مَفْعُولاً} تفسير : [الأحزاب: 37] وما كان مثله. قال القاضي أبو بكر: معنى {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ}تفسير : [الأنبياء: 2] أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعدٍ وتخويف «إلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ»؛ لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر. قال الله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ}تفسير : [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في مجلس الذكر. ومعنى «وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً» و«مفعولاً» أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدّره من أفعاله. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} تفسير : [هود: 40] وقال عز وجل: {أية : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} تفسير : [هود: 97] يعني به شأنه وأفعاله وطرائقه. قال الشاعر:شعر : لها أمرُها حتى إذا ما تبوّأت بأخفافها مَرْعًى تبوّأ مضجَعا تفسير : الثانية: وإذا تقرّر هذا فٱعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء. والمعتزلة تقول: الأمر نفس الإرادة. وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد. ألا ترى أنه أمر إبراهيمَ بذبح ولده ولم يُرده منه، وأمر نبيه أن يُصلِّي مع أُمّته خمسين صلاة،ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول: {أية : وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ}تفسير : [آل عمران: 140]. وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به. وهذا صحيح نفيس في بابه؛ فتأمله. قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} «تبارك» تفاعل، من البركة وهي الكثرة والاتساع. يقال: بورك الشيء وبورك فيه؛ قاله ابن عرفة. وقال الأزهري: «تبارك» تعالى وتعاظم وٱرتفع. وقيل: إن باسمه يُتَبَرَّك ويُتَيَمَّن. وقد مضى في الفاتحة معنى «رَبّ الْعَالَمِينَ».
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي في ستة أوقات كقوله: {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} أو في مقدار ستة أيام، فإن المتعارف باليوم زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذ، وفي خلق الأشياء مدرجاً مع القدرة على إيجادها دفعة دليل للاختيار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} استوى أمره أو استولى، وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف، والمعنى: أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزهاً عن الاستقرار والتمكن والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه، أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه وقيل الملك. {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَار} يغطيه به ولم يذكر عكسه للعلم به، أو لأن اللفظ يحتملهما ولذلك قرىء {يغشي الليل النهار} بنصب {ٱلَّيْلَ} ورفع {ٱلنَّهَارَ}. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد فيه وفي «الرعد» للدلالة على التكرير. {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} يعقبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما شيء، والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثاً، أو المفعول بمعنى محثوثاً. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ} بقضائه وتصريفه ونصبها بالعطف على السمٰوات ونصب مسخرات على الحال. وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر. {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} فإنه الموجد والمتصرف. {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية. وتحقيق الآية، والله سبحانه وتعالى أعلم، أن الكفرة كانوا متخذين أرباباً فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله سبحانه وتعالى، لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه سبحانه وتعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى:{أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ }تفسير : [فصلت: 12] وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدلة والهيئات المختلفة، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله وخلق الأرض أي ما في جهة السفل في يومين، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولاً وتصويرها ثانياً كما قال تعالى بعد قوله: {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ }تفسير : [فصلت: 9] {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ }تفسير : [فصلت: 10] أي مع اليومين الأولين لقوله تعالى في سورة السجدة {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ }تفسير : [السجده: 4] ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام، ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته فقال: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأعراف: 54] ثم أمرهم بأن يدعوه متذللين مخلصين فقال.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه خلق العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام؛ كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة؛ وفيه اجتمع الخلق كله، وفيه خلق آدم عليه السلام. واختلفوا في هذه الأيام، هل كل يوم منها كهذه الأيام؛ كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة؛ كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل، ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس؟ فأما يوم السبت، فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: «حديث : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر، يوم الجمعة، آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» تفسير : فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنسائي من غير وجه عن حجاج، وهو ابن محمد الأعور عن ابن جريج به، وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: في ستة أيام، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعاً، والله أعلم. وأما قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، لا يشبهه شيء من خلقه و{أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11] بل الأمر كما قال الأئمة، منهم: نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، قال: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى، وقوله تعالى: {يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} أي: يذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا، وكل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، أي: سريعاً، لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا، وعكسه؛ كقوله: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس:37-40] فقوله: {وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي: لا يفوته بوقت يتأخر عنه، بل هو في أثره بلا واسطة بينهما، ولهذا قال: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِ} منهم من نصب، ومنهم من رفع، وكلاهما قريب المعنى، أي: الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته، ولهذا قال منبهاً: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} أي: له الملك والتصرف، {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} كقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} تفسير : [الفرقان: 61] الآية. قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه، وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح، وحمد نفسه، فقد كفر وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً، فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه» تفسير : لقوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء، وروي مرفوعاً: «حديث : اللهم لك الملك كله، ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله».
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } من أيام الدنيا، أي في قدرها لأنه لم يكن ثَمَّ شمس، ولو شاء خلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } هو في اللغة: سرير المَلِك، استواء يليق به {يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ } مخففاً ومشدداً: أي يغطي كلاًّ منهما الآخر {يَطْلُبُهُ } يطلب كل منهما الآخر طلباً {حَثِيثًا } سريعاً {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ } بالنصب عطفاً على (السموات)، والرفعِ مبتدأ خبره {مُسَخَّرٰتٍ } مذلَّلات {بِأَمْرِهِ } بقدرته {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ } جميعاً {وَٱلأَمْرُ } كله {تَبَارَكَ } تعاظم {ٱللَّهُ رَبُّ} مالك {ٱلْعَٰلَمِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وفي ترك تعجيل خلقها في أقل الزمان مع قدرته على ذلك أربعة أوجه: أحدها: أن إنشاءها شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال أبلغ في الحكمة وأدل على صحة التدبير ليتوالى مع الأوقات بما ينشئه من المخلوقات تكرار المعلوم بأنه عالم قادر يصرف الأمور على اختياره ويجريها على مشيئته. والثاني: أن ذلك لاعتبار الملائكة، خلق شيئاً بعد شيء. والثالث: أن ذلك ترتب على الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة وهي ستة أيام فأخرج الخلق فيها، قاله مجاهد. والرابع: ليعلمنا بذلك، الحساب كله من ستة ومنه يتفرع سائر العدد قاله ابن بحر. {ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ} فيه قولان: أحدهما: معناه استوى أمره على العرش، قاله الحسن. والثاني: استولى على العرش، كما قال الشاعر: شعر : قد اسْتَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودم مُهْرَاقٍ تفسير : وفي {الْعَرْشِ} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المُلْك كني عنه بالعرش والسرير كعادة ملوك الأرض في الجلوس على الأسرة، حكاه ابن بحر. والثاني: أنه السموات كلها لأنها سقف، وكل سقف عند العرب هو عرش، قال الله تعالى: {أية : خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا} تفسير : [الكهف: 42][الحج: 45] أي على سقوفها. والثالث: أنه موضع في السماء في أعلاها وأشرفها، محجوب عن ملائكة السماء. {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} أي يغشي ظلمة الليل ضوء النهار. {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} لأن سرعة تعاقب الليل والنهار تجعل كل واحد منهما كالطالب لصاحبه. {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: مذللات بقدرته. والثاني: جاريات بحكمه. {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مالك الخلق وتدبيرهم. والثاني: إليه إعادتهم وعليه مجازاتهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {سِتَّةِ أَيَّامٍ} من الأحد إلى الجمعة. {اسْتَوَى} أمره على العرش، قاله الحسن، أو استولى. {الْعَرْشِ} عبَّر به عن الملك لعادة الملوك الجلوس على الأَسرَّة، أو السموات كلها، لأنها سقف وكل سقف عرش {أية : خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} تفسير : [البقرة: 259، الكهف: 42] سقوفها أو موضع هو أعلى ما في السماء وأشرفه محجوب عن الملائكة. {يُغْشِى} ظلمة الليل ضوء النهار. {يَطْلُبُهُ} عبَّر عن سرعة التعاقب بالطلب.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن ربكم الله} يعني إن سيدكم ومالككم ومصلح أموركم وموصل الخيرات إليكم والذي يدفع عنكم المكاره وهو الله {الذي خلق السموات والأرض} أصل الخلق في اللغة التقدير ويستعمل في إيداع الشيء من غير أصل سبق ولا ابتداء تقدم. فقوله: خلق السموات والأرض يعني أبدعهما وأنشأ خلقهما على غير مثال سبق وقدر أحوالهما {في ستة أيام} فإن قلت: اليوم عبارة عن مقدار من الزمان وذلك المقدار هو من طلوع الشمس إلى غروبها فكيف قال في ستة أيام ولم يكن شمس ولا سماء قلت معناه في مقدار ستة أيام فهو كقوله {أية : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً}تفسير : [مريم: 62] يعني على مقادير البكر والعشي في الدنيا لأن الجنة لا ليل فيها ولا نهار. واختلف العلماء في اليوم الذي ابتدأ الله عز وجل بخلق الأشياء فيه فقيل في يوم السبت وهو قول محمد بن إسحاق وغيره، ويدل على صحة هذا القول ما روى مسلم في إفراده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال "حديث : خلق الله تعالى التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الأثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وخلق الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل"تفسير : وهذا الحديث وإن كان في صحيح مسلم ففيه مقال وقد أنكره بعض العلماء لما فيه من المخالفة للآية الكريمة لأن الله تعالى يقول: خلق السموات والأرض في ستة أيام. وقال في آخر آية أخرى: ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام فدل بهذين النصين على أن جميع الخلق تم وعمل في ستة أيام والذي في الحديث أن بعض الخلق وقع في سبعة أيام وذلك مجموع أيام الأسبوع فلهذا السبب أنكره وأنكره من العلماء وقد ذكر الأزهري في كتابه تهذيب اللغة ما يقوي الحديث فقال: وقال ابن الأنباري السبت القطع وسمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ الخلق يوم السبت وقطع فيه بعض خلق السموات والأرض وقيل: إن ابتداء الخلق كان يوم الأحد وهو قول عبد الله بن سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير الطبري، قال الطبري: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وروي بسنده عن مجاهد قال: بدأ خلق العرش والماء والهواء وخلقت الأرض من الماء وبدأ الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وجمع الخلق في يوم الجمعة وتهودت اليهود في يوم السبت ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون ويعضد هذا القول ما حكاه صاحب المحكم ابن سيده قال: وسمي سابع الأسبوع سبتاً لأن ابتداء الخلق كان من يوم الأحد إلى يوم الجمعة ولم يكن في السبت خلق. قال أصحاب الأخبار والسير والتواريخ: إن الله تعالى خلق التربة التي هي الأرض بلا دحو ولا بسط في يوم الأحد والاثنين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات في يومين وهما الثلاثاء والأربعاء ثم دحا الأرض وبسطها وطحاها وأخرج ماءها ومرعاها وخلق دوابها ووحشها وجميع ما فيها في يومين وهما الخميس والجمعة وخلق آدم في يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة وقبل خلق الله عز وجل التربة يوم الأحد ثم استوى إلى السماء فخلقها وجميع ما فيها يوم الاثنين والثلاثاء ثم مد الأرض ودحاها يوم الأربعاء والخميس وخلق آدم يوم الجمعة وأسكنه الجنة هو وزوجته حواء ثم أهبطهما إلى الأرض في آخر ساعة من يوم الجمعة. وقيل: أول ما خلق الله القلم ثم اللوح فكتب فيه ما كان وما سيكون وما خلق وما هو خالق إلى يوم القيامة ثم خلق الظلمة والنور ثم خلق العرش ثم خلق السماء من درة بيضاء ثم خلق التربة ثم خلق السموات وما فيها من نجوم وشمس وقمر ثم مد الأرض وبسطها من التربة التي خلقها أولاً ثم خلق جميع ما فيها من جبال وشجر ودواب وغير ذلك ثم خلق آدم آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وفيه أهبط إلى الأرض فتكامل جميع الخلق في ستة أيام كل يوم مقداره ألف سنة وهذا قول جمهور العلماء وقيل في ستة أيام من أيام الدنيا. فإن قلت إن الله عز وجل قادر على أن يخلق جميع الخلق في لحظة واحدة ومنه قوله تعالى: {أية : وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر}تفسير : [القمر: 50] فما الفائدة في خلق السموات والأرض في ستة أيام وما الحكمة في ذلك؟ قلت: إن الله سبحانه وتعالى، وإن كان قادراً على خلق جميع الأشياء في لحظة واحدة، إلا أنه تعالى جعل لكل شيء حداً محدوداً ووقتاً معلوماً يدخل في الوجود إلا في ذلك الوقت والمقصود من ذلك تعليم عباده التثبت والتأني في الأمور. وقال سعيد بن جبير كان الله عز وجل قادراً على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة فخلقهن في ستة أيام تعليماً لخلقه التثبت والتأني في الأمور كما في الحديث "حديث : التأني من الله والعجلة من الشيطان"تفسير : وقيل إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة فلعله أن يخطر ببال بعضهم أن ذلك الشيء إنما وقع على سبيل الأتفاق فإذا أحدث شيئاً بعد شيء على سبيل المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة. وقيل: إن الله تعالى أراد أن يوقع في كل يوم أمراً من أمره حتى تستعظمه الملائكة وغيرهم ممن شاهده. وقيل إن التعجيل في الخلق أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد الله تعالى إظهار حكمته في خلق الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق الأشياء بكن فيكون. وقوله تعالى: {ثم استوى على العرش} العرش في اللغة: السرير، وقيل: هو ما علا فأظل وسمي مجلس السلطان عرشاَ اعتباراً بعلوه. ويكنى عن العز والسلطان والمملكة بالعرش على الاستعارة والمجاز. يقال فلان فل عرشه بمعنى ذهب عزه وملكه وسلطانه. قال الراغب في كتابه مفردات القرآن: وعرش الله عز وجل مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له تعالى الله عن ذلك وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب. وأما استوى بمعنى استقر فقد رواه البيهقي في كتابه الأسماء والصفات برواية كثيرة عن جماعة من السلف وضعفها كلها، وقال: أما الاستواء فالمتقدمون من أصحابنا كانوا لا يفسرونه ولا يتكلمون فيه كنحو مذهبهم في أمثال ذلك، وروى بسنده عن عبد الله بن وهب أنه قال: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه فأخرج الرجل. وفي رواية يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استواؤه؟ فأطرق مالك برأسه حتى علته الرحضاء ثم قال الاستهواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعاً فأمر به أن يخرج. روى البيهقي بسنده عن ابن عيينة قال: ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه. قال البيهقي: والآثار عن السلف في مثل هذا كثيرة وعلى هذه الطريقة يدل مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب أحمد بن حنبل والحسن بن الفضل البجلي ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي. قال البغوي أهل السنة يقولون الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم به إلى الله عز وجل وذكر حديث مالك بن أنس مع الرجل الذي سأله عن الاستواء وقد تقدم. وروى عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة اقرؤوها كما جاءت بلا كيف. وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله بعد ذكره الدلائل العقلية والسمعية: أنه لا يمكن حمل قوله تعالى ثم استوى على العرش على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان الأول القطع بكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله تعالى وهو الذي قررنا في تفسير قوله:{أية : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به}تفسير : [آل عمران: 7] وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه والمذهب الثاني: أنا نخوض في تأويله على التفصيل وفيه قولان ملخصان: الأول، ما ذكره القفال فقال العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملك ثم جعل ثل العرش كناية عن نقض الملك يقال ثل عرشه انتقض ملكه وإذا استقام له ملكه واطرد أمره ونفذ حكمه قالوا استوى على عرشه واستوى على سرير ملكه هذا ما قاله القفال والذي قاله القفال حق وصواب ثم قال الله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره العالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم واستقر في قلوبهم تنبيهاً على عظمة الله جل جلاله وكمال قدرته وذلك مشروط بنفي التشبيه والمراد منه نفاذ القدرة وجريان المشيئة. قال ويدل على صحة هذا قوله في سورة يونس {أية : ثم استوى على العرش يدبر}تفسير : [يونس: 3] فقوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله ثم استوى على العرش وأورد على هذا القول أن الله تعالى لم يكن مستوياً على الملك قبل خلق السموات والأرض والله تعالى منزه عن ذلك وأجيب عنه بأن الله تعالى كان قبل خلق السموات والأرض مالكها لكن لا يصح أن يقال شبع زيد إلا بعد أكله الطعام فإذا فسر العرش بالملك صح أن يقال إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض والقول الثاني: أن يكون استوى بمعنى استولى وهذا مذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله الشاعر: شعر : قد استوى بشر على العراقِ من غير سيف ودم مهراقِ تفسير : وعلى هذا القول إنما خص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات ورد هذا القول بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى وإنما يقال استولى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه والله تعالى لم يزل مالكاً للأشياء كلها ومستولياً عليها، فأي تخصيص للعرش هنا دون غيره من المخلوقات. ونقل البيهقي عن أبي الحسن الأشعري أن الله تعالى فعل في العرش فعلاً سماه استواء كما فعل في غيره فعلاً سماه رزقاً ونعمة وغيرهما من أفعاله ثم لم يكيف الاستواء إلا أنه جعله من صفات الفعل لقوله تعالى: ثم استوى على العرش. وثم للتراخي والتراخي إنما يكون في الأفعال وأفعال الله تعالى توجد بلا مباشرة منه إياها ولا حركة وحكى الاستاذ أبو بكر بن فورك عن بعض أصحابنا أنه قال: استوى بمعنى علا من العلو قال ولا يريد بذلك علواً بالمسافة والتحيز والكون في المكان متمكناً فيه ولكن يريد معنى نفي التحيز عنه وأنه ليس مما يحويه طبق أو يحيط به قطر ووصف الله تعالى بذلك طريقة الخبر. ولا يتعدى ما ورد به الخبر قال البيهقي رحمه الله تعالى وهو على هذه الطريقة من صفات الذات وكلمة ثم تعلقت بالمستوي عليه لا بالاستواء. قال وقد أشار أبو الحسن الأشعري إلى هذه الطريقة حكاية فقال بعض أصحابنا إنه صفة ذات قال وجوابي هو الأول وهو أن الله تعالى مستو على عرشه وأنه فوق الأشياء بائن منها بمعنى أن لا تحله ولا يحلها ولا يماسها ولا يشبهها وليست البينونة بالعزلة تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسة علواً كبيراً وقد قال بعض أصحابنا: إن الاستواء صفة الله تعالى تنفي الاعوجاج عنه. وروي أن ابن الأعرابي جاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن ما معنى قوله تعالى الرحمن على العرش استوى؟ قال: إنه مستو على عرشه كما أخبر فقال الرجل: إنما معنى قوله استوى أي استولى. فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك أن العرب لا تقول استولى فلان على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل لمن غلب قد استولى عليه والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر لا كما تظنه البشر والله أعلم. وقوله تعالى: {يغشى الليل النهار} يعني أنه تعالى يأتي بالليل على النهار لدلالة الكلام عليه {يطلبه حثيثاً} يعني سريعاً، وذلك أنه إذا كان يعقب أحدهما الآخر ويخلفه فكأنه يطلبه، حكى الإمام فخر الدين الرازي عن القفال أنه قال: إن الله تعالى لما أخبر عباده باستوائه على العرش أخبر عن استمرار أمور المخلوقات على وفق مشيئته وأراهم ذلك فيما يشاهدونه منها لينضم العيان إلى الخبر وتزول الشبهة من كل الجهات. قال الإمام. واعلم أنه سبحانه وتعالى وصف هذه الحركة بالسرعة الشديدة وذلك لأن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة فإن الإنسان إذا كان في أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها بتحرك الفلك الأعظم ثلاث آلاف ميل وهي ألف فرسخ فلهذا قال تعالى يطلبه حثيثاً لسرعة حركته {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} معنى التسخير التذليل وقال الزجاج وخلق هذه الأشياء جارية في مجاريها بأمره وقال المفسرون: يعني بتسخيرهن تذليلهن لما يراد منها من طلوع وغروب وسير ورجوع إذ ليس هي قادرات بأنفسهن وإنما هن يتصرفن في متصرفاتهن على إرادة المدبر لهن الحكيم في تدبيرهن وتصريفهن على ما أراد منهن والمراد بالأمر في قوله بأمره نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبيين عظمة قدرته ومنهم من حمل الأمر على الأمر الذي هو الكلام وقال إنه تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة إلى انقضاء الدنيا وخراب هذا العالم. فإن قلت: إن الشمس والقمر من النجوم فلم أفردهما بالذكر ثم عطف عليهما ذكر النجوم؟ قلت: إنما أفردهما بالذكر لبيان شرفهما على سائر الكواكب لما فيهما من الإشراق والنور وسيرهما في المنازل لتعرف الأوقات فهو كقوله: من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فعطف جبريل وميكال على ذكر الملائكة وإن كانا من الملائكة لبيان شرفهما وفضلهما على غيرهما من الملائكة وقوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} يعني: له الخلق لأنه خلقهم وله أن يأمر فيهم بما أراد وله أن يحكم فيهم بما شاء وعلى هذا المعنى الأمر هنا الذي هو نقيض النهي، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا المعنى أن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق فقال: إن الله تعالى فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر يعني أن من جعل الأمر الذي هو كلامه تعالى من جملة ما خلقه فقد كفر لأن المخلوق لا يقوم بمخلوق مثله. وقيل: معناه أن جميع ما في العالم لله عز وجل والخلق له لأنه خلقهم وجميع الأمور تجري بقضائه وقدره فهو مجريها ومنشئها فلا يبقى بعد هذا لأحد شيء، وقيل: المراد بالأمر هنا الإرادة لأن الغرض من الآية تعظيم القدرة وفي الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله عز وجل ففيه رد على من يقول إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم، فأخبر الله أنه هو الخالق المدبر لهذا العالم لا الشمس والقمر والكواكب وله الأمر المطلق وليس لأحد أمر غيره فهو الآمر والناهي الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأجد من خلقه عليه {تبارك الله} يعني تمجد وتعظم وارتفع، وقال الزجاج: تبارك تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خير وقيل معناه تعالى وتعظم الله {رب العالمين} يعني أنه هو الذي يستحق التعظيم وذلك أن الله تعالىلما افتتح هذه الآية بقوله:{أية : إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض}تفسير : [الأَعراف: 54] وذكر أشياء من عظيم خلقه وأن له الخلق والأمر والنهي والقدرة عليهم ختم الآية بالثناء عليه لأنه هو المستحق للمدح المطلق والثناء والتعظيم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما. معناه جاء بكل بركة. وقيل: تبارك معناه تقدس والتقديس الطهارة. وقيل معناه باسمه يتبرك في كل شيء وقال المحققون: معنى هذه الصفة ثبت ودام كما لم يزل ولا يزال، وأصل البركة الثبوت ويقال تبارك الله ولا يقال متبارك ولا مبارك لأنه لم يرد به التوقيف.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يغشي} بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد وسهل ويعقوب غير روح. {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} كلها بالرفع: ابن عامر. الآخرون بالنصب. {الريح} على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلى خلف {نشرا} بالنون وسكون الشين: ابن عامر. وبفتح النون وسكون الشين: حمزة وعلي وخلف وأبو زيد عن المفضل. وبضم الباء الموحدة والشين الساكنة: عاصم غير أبي زيد الباقون بضم النون والشين. {ميت} بالتشديد: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وحفص والمفضل {نكداً} بفتح الكاف: يزيد. الآخرون بكسرها. الوقوف: {حثيثاً} ط لمن قرأ {والشمس} وما بعده مرفوعات {بأمره} ط {والأمر} ط {العالمين} ه {وخفية} ط {المعتدين} ه للعطف مع الآية. {وطمعاً} ط {المحسنين} ه {رحمته} ط {الثمرات} ط {تذكرون} ه {بإذن ربه} ج للابتداء مع العطف {نكداً} ط {يشكرون} ه. التفسير: لما بالغ سبحانه في تقرير أمر المعاد عاد على عادته إلى بيان المبدإ وهو ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القدرة والعلم تأكيداً للمعاد. والمعنى إن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكاره هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأجسام الجسام وأودع فيها أنواع المنافع وأصناف الفوائد، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات ويعوّل على غيره في تحصيل السعادات؟ قال علماء الأدب: أصل ست سدس بدليل سديس وأسداس. ثم إن العرب كانوا يخاطبون اليهود فالظاهر أنهم سمعوا بعض أوصاف الخالق منهم فكأنه سبحانه يقول: لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتهما في ستة أيام. قيل: إنه تعالى كان قادراً على إيجادهما دفعة واحدة فما الفائدة في ذكر أنه خلقهما في ستة أيام في أثناء ذكر ما يدل على وجود الصانع؟ وأجيب بأنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور والصبر فيها كيلا يحمل المكلف تأخير الثواب والعقاب على التعطيل. ومن العلماء من قال: إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع الإحداث فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذلك إنما وقع على سبيل الاتفاق، أما إذا أحدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للحكمة والمصلحة كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث حكيم عليم قادر رحيم. وأيضاً ثبت بالدليل أنه تعالى يخلق العاقل أوّلاً ثم يخلق السموات والأرض بعده لأن خلق ما لا ينتفع به في الحال يجر إلى العبث. ثم إن ذلك العاقل - ملكاً كان أو جنياً - إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على سبيل التعاقب والتوالي كان ذلك أقوى في إفادة اليقين لأنه يتكرر على عقله ظهور هذه الدلائل لحظة فلحظة. وأما تقدير المدة بستة أيام فلا يرد عليه إشكال لأن السؤال يعود على أي مقدار فرض، وقيل: إن لعدد السبعة شرفاً عظيماً ولهذا خصت ليلة القدر بالسابع والعشرين. فالأيام الستة لتخليق العالم والسابع لتحصيل كمال الملك والملكوت. فإن قيل: كيف يعقل حصول الأيام قبل خلق الشمس التي نيط تقدير الأزمنة بطلوعها وغروبها؟ فالجواب أن المراد خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام كقوله: {أية : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} تفسير : [مريم: 62] والمراد مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا صباح عند الله ولا مساء. وعن ابن عباس أن هذه الأيام أيام الآخرة كل يوم ألف سنة مما تعدون. والأكثرون على أنها أيام الدنيا لأن التعريف بها يقع. والظاهر أنها الأيام بلياليها لا النهار. ونقول: يمكن أن تحمل الأيام الستة على الأطوار الستة التي للأجسام الهيولي والصورة والجسم البسيط ثم المركب المعدني والنباتي والحيواني والله تعالى أعلم بمراده. أما قوله سبحانه: {ثم استوى على العرش} فحمل بعضهم الاستواء على الاستقرار وزيف بوجوه عقلية ونقلية منها: أن استقراره على العرش يستلزم تناهيه من الجانب الذي يلي العرش، وكل ما هو متناهٍ فاختصاصه بذلك الحد المعين يستند لا محالة إلى محدث مخصص فلا يكون واجباً. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الإله تعالى نوراً غير متناهٍ ويراد باستقراره على العرش بلا تناهيه إحاطته به من الجوانب ونفوذه في الكل لا كإحاطة الفلك الحاوي بالمحوى. ولا كنفوذ النور المحسوس في الشرف، بل على نحو آخر تعوزه العبارة. ومنها أنه تعالى لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناهٍ من كل الجهات أو متناهياً من بعضها دون بعض. وعلى الأول يلزم اختلاطه بجميع الأجسام حتى للقاذورات ومع ذلك فالشيء الذي هو محل السموات، إما أن يكون عين الشيء الذي هو محل الأرض أو غيره، وعلى الأول يلزم أن يكون السماء والأرض حالين في محل واحد فهما شيء واحد لا شيئان. وعلى الثاني يلزم التركيب والتجزئة في ذاته تعالى. وأما إن كان متناهياً من الجهات فلو حصل في جميع الأحياز فهو محال بالبديهة، وإن حصل في حيز واحد فلو كان جوهراً فرداً لزم أن يكون واجب الوجود أحقر الأشياء وإلا لزم التبعيض لأن جهة الفوق منه تكون مغايرة لمقابلتها. وكذا الكلام فيه إن كان متناهياً من بعض الجهات، ولو جاز أن يكون الشيء المحدود من جانب أو جوانب قديماً أزلياً فاعلاً للعالم فلم لا يجوز أن يقال فاعل العالم هو الشمس والقمر أو كوكب آخر؟ وأيضاً يصح على الشق المتناهي أن يكون غير متناهٍ وعلى غير المتناهي أن يكون متناهياً، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي فيصح النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفريق والتمزق على ذاته تعالى فيكون ممكناً محدثاً لا واجباً قديماً. ولقائل أن يقول: إنه غير متناهٍ ولا يلزم من ذلك أن يكون محلاً للعالم ولا حالاً فيه، واستصحاب الشيء للمحل غير كونه نفس المحل أو مفتقراً إلى المحل. وحديث اختلاطه بالقاذورات تخييل لا أصل له عند الرجل البرهاني. ومنها أنه لو كان الباري يتعالى حاصلاً في المكان والجهة لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجوداً مشاراً إليه أو لا يكون. فإن كان موجوداً كان له بعد وامتداد وللحاصل فيه أيضاً بعد وامتداد فيلزم تداخل البعدين ومع ذلك يلزم كون الجهة والحيز أزليين ضرورة كون الباري تعالى أزلياً ومحال أن يكون ما سوى الواجب أزلياً، وإن لم يكن موجوداً لزم كون العدم المحض ظرفاً لغيره ومشاراً إليه بالحس وذلك باطل. واعترض بأن ذلك أيضاً وارد عليكم في قولكم: "الجسم حاصل في الحيز والجهة". وأجيب بأن مكان الجسم عندنا عبارة عن السطح الظاهر من الجسم المحوي وهذا المعنى بالاتفاق في حق الله محال فسقط الاعتراض. ولقائل أن يقول: الجهة مقطع الإشارة الحسية وهذا في حقه محال لعدم تناهيه. ولم لا يجوز أن يكون المكان خلاء فلا يلزم تداخل البعدين ولو لزم هناك لزم في الأجسام أيضاً بل لا بعد هناك ولا امتداد، ولو فرض فلن يلزم منه الانقسام في الخارج، ومنها أنه لو امتنع وجود الباري تعالى بحيث لا يكون مختصاً بالحيز والجهة لكانت ذاته مفتقرة في تحققها ووجودها إلى غيره فيكون ممكناً. والجواب ما مر من أن استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إليه. ومنها أن الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض، ولأن هذا المفهوم واحد فالأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية. فلو اختص ذاته تعالى بحيز معين لكان اختصاصه به لمخصص مختار، وكل ما كان فعل الفاعل المختار فهو محدث، فحصوله في الحيز محدث وكل ما لا يخلو عن الحادث فهو أولى بالحدوث فالواجب محدث هذا خلف. ولقائل أن يقول: ما لا يتناهى لا يعقل له حيز معين ولو فرض لا تناهي الأحياز أيضاً فافتقاره إليها ممنوع، وكيف يفتقر الشيء إلى ما تأخر وجوده عن وجود ذلك الشيء والمعية بعد ذلك لا تضر؟ ومنها لو كان في الحيز والجهة لكان مشاراً إليه بالحسن، ثم إن كان قابلاً للقسمة لزم التجزي وإلا لكان نقطة أو جوهراً فرداً فلا يبعد أن يقال: إن إله العام جزء من ألف جزء من رأس إبرة ملتصقة بذنب قملة أو نملة. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن كونه مع الحيز من جميع الجهات المفروضة يستلزم كونه مشاراً إليه حساً فإن العقل يعجز عن إدراكه فضلاً عن الحس وباقي الكلام لا يستحق الجواب. ومنها كل ذات قائمة بالنفس يشار إليها بحسب الحس فلا بد أن يكون جانب يمينه مغايراً لجانب شماله فيكون منقسماً وكل منقسم مفتقر ممكن. قالوا: هذا الدليل مبني على نفي الجوهر الفرد. ومنها لو كان في حيز لكان إما أعظم من العرش أو مساوياً له أو أصغر منه والثالث باطل بالإجماع والأولان يستلزمان الانقسام لأن المساوي للمنقسم منقسم وكذا الزائد عليه، لأن القدر الذي فضل به عليه مغاير لما سواه. ولقائل أن يقول: لا نسبة بين الجسم وبين نور الأنوار وتستحيل هذه التقادير. ومنها أنه لو فرض كونه تعالى غير متناهٍ من جميع الجهات كما يزعم الخصم لزم لا تناهي الأبعاد وإنه محال لبرهان تناهي الأبعاد. ولقائل أن يقول: إن برهان تناهي الأبعاد لا يسلم ولو سلم فلا بعد فيما وراء العالم الجسماني ولا امتداد. ومنها أنه سبحانه لو كان حاصلاً في الحيز لكان كونه هناك أما أن يمنع من حصول جسم آخر فيه أو لا يمنع. وعلى الأول كان تعالى مساوياً لجميع الأجسام في هذا المعنى، ثم إنه إن لم تحصل بينه وبينها ومخالفة بوجه آخر صح عليه ما يصح عليها من التغيرات وإنه محال، وإن حصل بينه وبينها مخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايراً لما به المخالفة فيكون الواجب مركبا بل ممكناً. وأيضاً إن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد إما أن يكون محلاً لما به المخالفة أو حالاً فيه أو لا هذا ولا ذاك. فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه والأمور التي بها حصلت المخالفة أعراضاً وصفات، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما يصح على بعضها يصح على البواقي، وكل ما يصح على بعض الأجسام من التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد يصح على ذاته تعالى. وإن كان ما به المخالفة محلاً وذوات وما به المشاركة حالاً وصفة فذلك المحل إن كان له أيضاً اختصاص بحيز وجهة فيجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً وامتداداً هذا خلف. وإن لم يكن حالاً ولا محلاً كان أجنبياً مبايناً فتكون ذات الله تعالى مساوية لتمام الأجسام في الماهية ويصح عليه ما يصح عليها هذا محال، وعلى التقدير الثاني - وهو أن ذاته تعالى لا تمنع من حصول جسم آخر في حيزه - لزم سريانه في ذلك الجسم وتداخل البعدين كما مر والكل محال، فالمقدم وهو كونه تعالى في حيز محال. ولقائل أن يقول: كون البارىء تعالى مع الحيز مغاير لكون الجسم في الحيز فأين الاشتراك؟ ولو سلم فالاشتراك في اللوازم لا يوجب الاشتراك في الملزومات فمن أين يلزم التركيب؟ قوله: "فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه" قلنا: كون البعد جوهراً قائماً بنفسه حق، ولكن الملازمة ممنوعة، وكذا قوله: "الأمور التي بها حصلت المخالفة" أعراض وصفات لجواز قيام العرض بالعرض كالبطء والسرعة القائمين بالحركة، قوله: "وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً" ممنوع لما قلنا من احتمال وجود بعد مجرد بلا وجوبه، والكلام في سريانه في الموجودات قد مر. ومنها أنه لو كان في حيز فإن أمكنه التحرك منه بعد سكونه فيه كان المؤثر في حركته وسكونه فاعلاً مختاراً، وكل فعل لفاعل مختار فهو محدث وما لا يخلو عن المحدث أولى بأن يكون محدثاً وإن لم يمكنه التحرك منه كان كالزمن المعقد العاجز وذلك محال. وأيضاً لا يبعد فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عنها فلا يمكن إثبات حدوث الأجسام بدليل الحركة والسكون والكرامية يساعدون على أنه كفر. ولقائل أن يقول: إن الحركة والسكون من خواص الأجسام المفتقرة إلى أحياز، فأما النور المجرد فلا يوصف بالحركة والسكون وإن كان مع الحيز والمتحيز. سلمنا وجوب اتصافه بأحدهما فلم لا يجوز أن لا يمكنه التحرك لا لكونه زمناً مقعداً ولكن لأنه نور غير متناهٍ لا يصح وصفة بالتخلخل والتكاثف ونحو ذلك، فتستحيل عليه الحركة لأنها موقوفة على شغل حيز وتفريغ حيز آخر، ولأن العالم النوراني الذي لا نهاية له مملوء منه فكيف يتصور خلو حيز عنه؟ ومنها أنه لو كان مختصاً بحيز فإن كان لطيفاً كالماء والهواء كان قابلاً للتفرق والتمزق، وإن كان صلباً كان إله العالم جبلاً واقفاً في الحيز العالي، وإن كان نوراً محضاً جاز أن تفرض هذه الأنوار التي تشرق على الجدران إلهاً. وأيضاً إن كان له طرف وحدّ فإن كان ذا عمق وثخن كان باطنه غير ظاهره وإلا كان سطحاً في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منها ألف ألف مرة. قلت: إن أمثال هذه الكلمات لا تصدر إلا عمن لا يفرق بين النور المعقول والنور المحسوس، والجوهر المجرد والجوهر المادي، والشيء القائم بذاته والمفتقر إلى غيره. ومن العجب العجاب أن هذا المستدل قد سمع من جمهور العقلاء أن الأجرام الفلكية لا تطلق عليها الصلابة واللين، وإذا جاز أن يكون في أنواع الأجسام نوع لا يمكن أن يتصف بهذين المتقابلين لأن ذلك الموضع أجل وأشرف من أن يتصف بأحدهما، فلم لا يجوز أن يكون فيما هو أشرف من ذلك النوع شيء لا يتصف بهما؟! ومنها لو كان إله العالم فوق العرش لكان مماساً للعرش أو مبايناً له ببعد متناهٍ أو غير متناهٍ. وعلى الأول فإن لم يكن له ثخن كان سطحاً رقيقاً كما مر، وإن كان له ثخن فالمماس مغاير لغير المماس ويلزم تركيبه، وإن كان مبايناً ببعد متناهٍ فلا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى أن يماسه ويعدو الإلزام المذكور، وإن كان مبايناً ببعد غير متناهٍ لزم أن يكون غير المتناهي محصوراً بين الحاصرين، ولقائل أن يقول: المباينة والمماسة من خواص الأجسام وإنه تعالى نور مجرد محض فلا يصلح عليه الاتصال والانفصال والتماس والتباين والتداخل وأشباه ذلك. ومنها أن الاستقراء قد دل على أن الجرمية كلما كانت أقوى كانت الفاعلية والتأثير أضعف وبالعكس، ولهذا كان تأثير الأرض أقل من تأثير الماء، وتأثير الماء من تأثير الهواء، وتأثير الهواء من تأثير النار بالإحراق والطبخ، وتأثير النار من تأثير الأفلاك المؤثرة في العنصريات. ثم إنه لا قدرة ولا قوة أشد من قدرة الواجب لذاته فيكون بريئاً من الحجم والجرم والكثافة والرزانة. قلت: في الاستقراء نزاع إنه صحيح تام أولاً، ولكن لا نزاع في أن واجب الوجود تعالى شأنه بريء عن الحجمية والكثافة وعن كل شيء يقدح في قيوميته. وههنا حجج قد أوردت في أوائل سورة الأنعام في تفسير قوله سبحانه: {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : [الأنعام: 18] وقد عرفت ما عليها فهذه حجج عقلية عول عليها الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه في تفسيره الكبير، وقد أوردنا عليها ما كانت ترد من المنوع والاعتراضات لا اعتقاداً للتشبيه والتجسم أو تقليداً لأولئك الأقوام بل تشحيذاً للذهن وتقريباً إلى المعارف والحقائق وجذباً بضبع المتأمل في المضايق والمزالق فليختر المنصف ما أراد والله الموفق للرشاد. ولعل هذا المقام مما لا يكشف المقال عنه غير الخيال والله أعلم بحقيقة الحال. ثم قال رضي الله عنه: وأما الدلائل السمعية فكثيرة منها قوله تعالى: {أية : قل هو الله أحد}تفسير : [الإخلاص: 1] والأحد مبالغة في كونه واحداً والذي يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركباً من أجزاء فوق أجزاء العرش وذلك ينافي كونه أحداً. وأجيب بأنه ذات واحدة حصلت في كل الأحياز دفعة واحدة، وزيف بأن هذا معلوم الفساد بالضرورة لو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال جميع العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة الأحياز فظن أنه أشياء كثيرة. قلت: وهذه مغالطة فإن هذا الجزء الذي لا يتجزأ لصغره غير الشيء الذي لا يقبل التجزئة والأنقسام لذاته. وأيضاً المتحيز الذي مقداره ذراع في ذراع لا يشغل بالبديهة حيزين كل منهما ذراع في ذراع فلزم منه أن لا يشغل ذينك الحيزين متحيز مقداره. ضعف ذلك على أن الحق ما عرفت مراراً أن نور الأنوار قيوم في ذاته حاصل في جميع الأشياء لا منفصل عنها انفصال المحيط عن المحاط، ولا متصل بها اتصال العرض الساري في الأجسام، ولهذا لا يلزمه بانقسامها الانقسام. ومنها قوله: {أية : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية} تفسير : [الحاقة: 17] ويلزم منه أن يكون حامل العرش حاملاً للإله. والجواب أنك إن سميت المعية حملاً فلا نزاع. ومنها قوله:{أية : والله الغني}تفسير : [ محمد: 38] فوجب أن يكون غير مفتقر إلى المكان والجهة، والجواب أن الاستصحاب غير الافتقار. ومنها أن فرعون طلب حقيقة الإله في قوله:{أية : وما رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 23] ولم يزد موسى على ذكر الأوصاف. وأما فرعون فقد طلب الإله في السماء في قوله{أية : فأطلع إلى إله موسى} تفسير : [غافر: 37] فعلمنا أن التنزية دين موسى ووصفه بالمكان والحيز دين فرعون. والجواب لا نزاع في أن حقيقة ذاته كما هي لا يعلمها إلا هو والبسائط المحضة لا تعرف إلا بلوازم، وطلب فرعون إنما كان مذموماً لأنه تصور أن يكون الإله شخصاً مثله على تقدير وجوده لقوله:{أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : [القصص: 38]. ومنها هذه الآية لأنها تدل على أنه استقر على العرش بعد تخليق السموات والأرض وكان قبل ذلك مضطرباً. والجوب المراد بالاستقرار أنه كان ولم يكن معه شيء فإذا خلق ما خلق من عالم الأجسام والأختلاط بقي ما وراءه نوراً محضاً. ومنها قصة إبراهيم وتبرئه من الآفلين ولو كان جسماً لكان آفلاً في أفق الإمكان. والجواب أن نور الأنوار أجل من ذلك ولا يلزم من كونه مع جميع الأحياز ومع ما سواها أن يكون في مرتبة الأجسام بل النفوس والعقول. ومنها أن أول الآية أعني قوله: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض} يدل على قدرته وحكمته وكذا قوله {يغشي الليل النهار} إلى آخر الآية. فلو كان المراد من الاستواء هو الاستقرار كان أجنبياً عما قبله وعما بعده لأنه ليس من صفات المدح إذ لو استقر عليه بق وبعوض صدق عليه أنه استقر على العرش. فإذن المراد بالاستواء كمال قدرته في تدبير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها. والجواب أن الاستقرار بالتفسير الذي ذكرناه أدل شيء على المدح والثناء، وحديث البق والبعوض خراف وهل هو إلا كقول القائل: لو كان واجب الوجود بقاً أو بعوضاً صدق عليه أنه إله فلا يكون الإله دالاً على المدح. ومنها أنه سبحانه حكم في آيات كثيرة بأنه خالق السموات فلو كان فوق العرش كان سماء لساكني العرش لأن السماء عبارة عن كل ما علا وسما، ومن هنا قد يسمى السحاب سماء فيلزم أن يكون خالقاً لنفسه. والجواب بعد تسليم أن كل ما سما وارتفع فهو سماء من غير اعتبار أنه نور أو جسم، أن ذاته سبحانه مخصوصة بدليل منفصل كقوله:{أية : الله خالق كل شيء}تفسير : [الرعد: 16] هذا ولغير الموسومين بالمجسمة والمشبهة في الآية قولان: الأول القطع بكونه متعالياً عن المكان والجهة ثم الوقوف عن تأويل الآية وتفويض علمها إلى الله، والثاني الخوض في التأويل وذلك من وجوه: أحدها تفسير العرش بالملك والاستواء بالاستعلاء أي استعلى على الملك. وثانيها: أن "استوى" بمعنى "استولى" كقول الشاعر: شعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : وثالثها ذكر القفال أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك. يقال: استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه إذا استقام له أمره واطرد. وفي ضدّه خلا عرشه أي انتقض ملكه وفسد. فالله تعالى دلّ على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم بالوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم لتستقر عظمة الله تعالى في قلوبهم إلا أن ذلك مشروط بنفي التشبيه، فإذا قال: إنه عالم فهموا منه أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة أو روية ولا باستعمال حاسة وإذا قال: قادر. علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات وتكوين الممكنات ثم عرفوا أنه غني في ذلك الإيجاد والتكوين عن الآلات والأدوات وسبق المادة والمدّة والفكرة والروية، وكذا القول في كل من صفاته. وإذا أخبر أن له بيتاً يجب على عباده حجه فهموا منه أنه نصب موضعاً يقصدونه لمآربهم وحوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه ولم ينتفع به لدفع الحر والبرد. وإذا أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ثم علموا أنه لا يفرح بذلك التحميد والتمجيد ولا يحزن بتركه والإعراض عنه. وإذا أخبر أنه خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش فهموا منه أنه بعد أن خلقهما استوى على عرش الملك والجلال. ومعنى التراخي أنه يظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلقها لأن تأثير الفاعل لا يظهر إلا في القابل. وقال أبو مسلم: العرش لغة هو البناء والعارش الباني قال تعالى:{أية : ومن الشجر ومما يعرشون}تفسير : [النحل: 68] فالمراد أنه بعد أن خلقها قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها. قوله سبحانه: {يغشي الليل النهار} قال صاحب الكشاف: يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل يحتملهما اللفظ جميعاً. وقال القفال: لما أخبر بالاستواء على العرش وأن أمر المخلوقات منوط بتدبيره ومشيئته أراهم ذلك عياناً فيما يشاهدونه لينضم العيان إلى الخبر. وقدم ذكر الليل والنهار لما في تعاقبهما من المنافع الجليلة فبهما تتم أمور الحياة، ثم وصف الحركة التي يحصلان منها بالسرعة والشدةّ فقال {يطلبه حثيثاً} قال الليث: الحث الإعجال وذلك أن حركة الفلك الأعظم أشدّ الحركات سرعة حتى إنها في مقدار ما تقول واحد واحد واحد يتحرك ألفاً وسبعمائة واثنين وثلاثين فرسخاً من مقعر فلكه والله أعلم بتحرك محدبه. فإن قيل: ما محل الجملتين؟ قلت: أما الأولى فمستأنفة كأنه قيل: فماذا يفعل بعد خلق السموات والأرض؟ فأجيب يغشي الليل النهار. وعلى قول من يفسر الاستواء بالتدبير والتصرف يحتمل أن تكون هذه الجملة مبينة. وأما الثانية ففي محل النصب على الحال من الملحق كما أن {حثيثاً} منصوب على الحال من الطالب وهو الملحق بعينه. ثم قال: {والشمس والقمر والنجوم مسخّرات} من قرأهن منصوبات فمعناه وخلق هذه الأجرام حال كونهن تحت تسخيره، ومن قرأها مرفوعات فعلى الابتداء والخبر، وكلتا القراءتين حسنة لأنك إذا قلت: ضربت زيداً استقام أن يقال زيد مضروب. وقوله: {بأمره} متعلق بمسخرات أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره. قال في الكشاف: سمي ذلك أمراً على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك. ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الذي هو الكلام، وعلى هذا لا يبعد أن يكون {بأمره} متعلقاً بـ {خلق}. بدأ بالشمس لأنه سلطان الكواكب، وثنى بالقمر لأنه كالنائب، وثلث بسائر النجوم لأنها كالخدم. فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، والشمس تأثيرها بالتسخين، والقمر تأثيره بالترطيب، وتوليد المواليد الثلاثة المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة. ثم إنه سبحانه وتعالى خص كل كوكب بخاصية عجيبة وتأثير غريب لا يعلمه بتمامه إلا مبدعه وخالقه، واعلم أن الأجسام متماثلة في الجسمية؛ فاختصاص جرم الشمس بالنور الباهر والتسخين الشديد والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي وكذا تخصيص كل واحد من سائر السيارات والثوابت بقوّة أخرى لا بد أن يستند إلى فاعل حكيم قدير عليم فلهذا قال: {مسخرات بأمره}. وأيضاً إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيراً خاصاً من المغرب إلى المشرق، وسيراً آخر سريعاً بسبب حركة الفلك الأعظم، فقوله: {يغشي الليل النهار} تنبيه على أن حدوث الليل والنهار إنما هو بحركة الفلك الأعظم المسمى بالعرش، وقوله: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} إشارة إلى أن العرش يحرك جميع الأفلاك والكواكب وأنه سبحانه أودع في جرمه قوّة قاهرة قاسرة باعتبارها قويت على تحريك من دونه على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب. وأيضاً أن أقسام الأجسام ثلاثة: متحرك إلى الوسط وهما العنصران الثقيلان، ومتحرك عن الوسط وهما الخفيفان، ومتحرك على الوسط وهي الأجرام الفلكية، فيكون الأفلاك والكواكب متحركة بالاستدارة لا إلى المركز ولا عن المركز لا يكون إلا بتسخير الله تعالى، ولأمر ما أكثر الله سبحانه في كتابه الكريم من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية تبدل الضياء بالظلام وبالعكس، وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وأمر بالنظر في ملكوت السماء والغبراء وبالتفكر فيهما قائلاً:{أية : أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض}تفسير : [الأعراف: 185] {أية : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها}تفسير : [ق: 6]{أية : أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق}تفسير : [الروم: 8] وإن من صنف كتاباً شريفاً مشتملاً على دقائق العلوم العقلية والنقلية فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان: منهم من اعتقد كونه كذلك على الإجمال، ومنهم من وقف على دقائقها على سبيل التفصيل والكمال، ولا ريب أن اعتقاد الفريق الثاني يكون أكمل وأقوى إذا ثبت هذا فنقول: من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث حصل له بهذا الطريق إثبات الصانع، أما الذي ضم إلى هذه المعرفة البحث عن أحوال هذا العالم العلوي والعالم السفلي على التفصيل الممكن لا يزال ينتقل من برهان إلى برهان ومن دليل إلى دليل فإن يقينه يتزايد وبصيرته تتكامل إلى أن يصير علماً معقولاً مضاهياً لما عليه الموجود، ولمثل هذه الفوائد والأغراض والغايات أنزل هذا الكتاب الكريم لا لتكثير وجوه الإعراب والاشتقاقات المؤدية إلى الإطناب والإسهاب، وأما قوله عز من قائل {ألا له الخلق والأمر} فالخلق عبارة عن التقدير ويختص بكل ما هو جسم وجسماني لأنه خص بمقدار معين، فكل ما كان بريئاً عن الحجم والمقدار فهو من عالم الأرواح وعالم الأمر لأنه أوجد بأمر "كن" من غير سبق مادّة ومدّة، فعالم الخلق في تسخيره وعالم الأمر في تدبيره واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره. وههنا مسائل ذكرها العلماء: الأولى أنه تعالى متكلم آمر ناهٍ مخبر مستخبر لأن قوله: {ألا له الخلق والأمر} دل على أن له الأمر فوجب أن يكون له النهي وسائر أنواع الكلام ضرورة أنه لا قائل بالفرق. الثانية لا خالق إلا هو لأن قوله: {ألا له الخلق} بتقديم الخبر يفيد الحصر. ولو سلم أنه لا يفيده فلا أقل من إفادة أنه خالق بعض الأشياء، وحينئذٍ يثبت المطلوب لأن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه والإمكان مفهوم واحد في الممكنات وإنه علة للحاجة إلى موجود معين، فجميع الممكنات محتاجة إلى ذلك المعين فالذي يكون مؤثراً في وجود شيء واحد يجب أن يكون هو المؤثر في جميع الممكنات ولا يحتاج إلى الممكنات. الثالثة قالت الأشاعرة: كل أثر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي فخالق ذلك الأثر في الحقيقة هو الله تعالى لقوله: {ألا له الخلق والأمر} ويتفرع على هذا أنه لا إله إلا الله وإلا كان الثاني مدبراً وخالقاً، وأنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم، وأن القول بالطبائع والعقول والنفوس على ما يزعم الفلاسفة وأصحاب الطلسمات باطل، وأن خالق أعمال العباد هو الله تعالى والقول بأن العلم يوجب العالمية والقدرة توجب القادرية باطل، كل ذلك لئلا يلزم خالق ومؤثر غير الله تعالى. الرابعة كلام الله تعالى قديم لأنه ميز بين الخلق وبين الأمر ولو كان أمر الله مخلوقاً لما صح هذا التمييز. أجاب الجبائي بأنه لا يلزم من إفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق كقوله:{أية : وملائكته ورسله وجبريل وميكال} تفسير : {البقرة: 98] وعارض الكعبي بقوله: {أية : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته}تفسير : [الأعراف: 158] فإنه لو وجب مغايرة المعطوف للمعطوف عليه لزم أن تكون الكلمات غير الله تعالى، وكل ما كان غير الله تعالى فإنه محدث ومخلوق فكلمات الله مخلوقة. وقال القاضي: اتفق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام الله تعالى بل المراد به نفاذ إرادته وإظهار قدرته، وقال قوم: لا يبعد أن يقال الأمر داخل في الخلق ولكنه من حيث كونه أمراً يدل على نوع آخر من الكمال والجلال. والمعنى له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى. ثم بعد الإيجاد والتكوين له الأمر والتكليف في المرتبة الثانية. وقال آخرون: معنى قوله: {ألا له الخلق} أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق، فقوله: {والأمر} يجب أن يكون معناه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر، ويلزم منه أن يكون الأمر محدثاً مخلوقاً لأنه لو كان قديماً لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئته بل كان من لوازم ذاته فلا يصدق أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر هذا خلف. وأجيب بأنه لو كان الأمر داخلاً تحت الخلق لزم التكرار والأصل عدمه فلا يصار إليه إلا للضرورة ولا ضرورة ههنا. الخامسة في الآية دلالة على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئاً إلا الله، ففعل الطاعة لا يوجب الثواب، وفعل المعصية لا يوجب العقاب، وإيصال الألم لا يوجب العوض. السادسة دلت الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد إليه، وأن الحسن لا يحسن لأمر عائد إليه وإلا لم يأمر إلا بما حصل فيه وجه الحسن ولم ينه إلا عما حصل فيه وجه القبح، فلا يكون متمكناً من الأمر والنهي كيف شاء وأراد هذا خلف. السابعة أطلق الخلق والأمر فيعلم أنه لو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والكواكب في أقل من لحظة لقدر عليه، لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات. الثامنة قال قوم: الخلق صفة من صفات الله تعالى وهو غير المخلوق لأن أهل السنة يقولون: معنى قوله: {الأمر لله} أنه صفة له فكذا الخلق صفة قائمة بذاته فلا يكون مخلوقاً، وأجيب بأن الخلق لو كان غير المخلوق فإما أن يكون قديماً ويلزم من قدمه قدم المخلوق، وإما أن يكون حادثاً فيفتقر إلى خلق آخر ويتسلسل، ويمكن أن يقال: الصفة قديمة والتعلق حادث. التاسعة له الأمر يقتضي أن لا أمر لله. وقول النبي صلّى الله عليه وآله:"حديث : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"تفسير : لا ينافي ذلك لأن الموجب لأمره في الحقيقة هو أمر الله تعالى، العاشرة في الآية دلالة على أن الله تعالى أمراً ونهياً على عباده والخلاف مع نفاة التكليف. قالوا: إن كان التكليف معلوم الوقوع كان واجب الوقوع فكان الأمر به تحصيلاً للحاصل، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع فكان الأمر به أمراً بما يمتنع وقوعه وهو محال. وأيضاً إنه تعالى إن خلق الداعي إلى فعله كان واجب الوقوع وإلا فلا فائدة في الأمر به. وأيضاً الكافر أو الفاسق لا يستفيد بالتكليف، إلا الضرر المحض لأنه تعالى يعلم أنه لا يؤمن ولا يطيع وخلاف علم الله محال فلا يحصل من الأمر إلا مجرد استحقاق العذاب وهذا لا يليق بالرحيم الحليم. وأيضاً التكليف إن لم يكن لفائدة في الأمر فهو عبث، وإن كان لفائدة فلا بد أن تعود إلى المكلف لأنه سبحانه غني فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل نفع أو دفع ضر والله تعالى قادر على تحصيلهما للمكلف من غير واسطة التكليف فكان توسيط التكليف إضراراً محضاً. والجواب أن أوّل الآية دل على أنه تعالى هو الخالق لكل العبيد، وإذا كان خالقاً لهم كان مالكاً لهم، وتصرف المالك في ملك نفسه كيف شاء مستحسن، ويحسن منه تعالى أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقاً لا كما يقول المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحاً أو من كونه موجب عوض أو ثواب. ولما بين أن له الأمر والنهي والحكم والتكليف ذكر أنه يستحق الثناء والتقديس فقال: {تبارك الله رب العالمين} وللبركة تفسيران: أحدهما الثبات والدوام ولا ريب أنه الواجب لذاته القائم بذاته الدائم الغني بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه. وثانيهما كثرة الآثام الفاضلة. ولا شك أن كل الخيرات والكمالات فائضة من جوده وإحسانه بل جميع الممكنات رشحة من بحار فضله وامتنانه. ثم لما بيّن كمال قدرته وحكمته وأرشد إلى التكليف الموصل إلى سعادة الدارين أتبعه ذكر ما يستعان به على تحصيل المطالب والمآرب الدينية والدنيوية فقال: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} قال في الكشاف: نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية وكذلك {خوفاً وطمعاً} قلت: ويحتمل الانتصاب على المصدر مثل: رجع القهقرى. والتضرع التذلل وهو إظهار ذل النفس والخفية بالضم أو الكسر ضد العلانية. قال بعض العلماء: الدعاء ههنا بمعنى العبادة لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه في قوله: {وادعوه خوفاً وطمعاً} والأظهر أنه على الأصل. ومن الناس من أنكر الدعاء قال: لأن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع أو كان مراداً في الأزل أو كان على وفق الحكمة والمصلحة وقع لا محالة وإلا فلا فائدة فيه. وأيضاً إنه نوع من سوء الأدب وعدم الرضا بالقضاء وقد يطب ما ليس بنافع له. وفيه من الاشتغال بغير الله وعدم التوكل عليه ما لا يخفى. والحق أن الدعاء نوع من أنواع العبادة ورفضه يستدعي رفض كثير من السوائل والوسائط والروابط، ولو لم يكن فيه إلاّ معرفة ذلة العبودية وعزة الربوبية لكفى بذلك فائدة، ولهذا روي عنه صلى الله عليه وسلم وآله:"حديث : ما من شيء أكرم على الله سبحانه من الدّعاء"تفسير : إلا أنه لا بد فيه من الإخلاص والصون عن الرياء والسمعة، وإليهما أشار بقوله: {تضرعاً وخفية} ونحن قد أطنبنا في تحقيق الدعاء وشرائطه في سورة البقرة في تفسير قوله:{أية : وإذا سألك عبادي عني}تفسير : [البقرة: 186] ثم ختم الآية بقوله: {إنه لا يحب المعتدين} وللمسلمين اتفاق على أنه ليس معنى المحبة عند إطلاقها على الله شهوة النفس وميل الطبع ولكنها عبارة عن إيصاله الثواب والخير إلى العبد، وهذا مبني على قول الكعبي وأبي الحسين أنه تعالى غير موصوف بالإرادة، وأن كونه مريداً لأفعال نفسه عبارة عن إيجادها وفعلها، وكونه مريداً لأفعال غيره هو كونه آمراً بها. وأما الأشاعرة ومعتزلة البصرة القائلون بصفة الإرادة فإنهم فسروا المحبة بإرادة إيصال الثواب. وقال بعض العلماء: إنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخيرات إلى ذلك الابن وكانت هذه الإرادة أثراً من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها. غاية ما في الباب أن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة في النفس وذلك في حقه تعالى محال. إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال أن محبة الله صفة أخرى يترتب عليها إيصال الثواب أو إرادة الإيصال؟ لكنا لا نعرف تلك المحبة ما هي وكيف هي لأن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء. نظير ذلك أن أهل السنة يثبتون كونه مرئياً ثم يقولون إن تلك الرؤية لا كرؤية الأجسام والألوان. ويعني بالمعتدين المجاوزين ما أمروا به فيشمل كل من خالف أمر الله ونهيه. وقال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء ويؤيده أنه أمر بالدعاء مقروناً بالإخفاء وظاهره الوجوب إذ قد أثنى على زكريا فقال:{أية : إذ نادى ربه نداء خفياً}تفسير : [مريم: 3] وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم"حديث : خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي"تفسير : وعنه صلى الله عليه وآله:"حديث : سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ قوله إنه لا يحب المعتدين"تفسير : . ومن هنا اختلف أرباب الطريقة أن الأولى في العبادات الإخفاء أم الإظهار فقيل: الأولى الإخفاء صوناً لها عن الرياء. وقيل: الأولى الإظهار ليرغب غيره في الاقتداء. وتوسط الشيخ محمد بن علي الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء فالأولى في حقه الإخفاء، وإن بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً من شائبة الرياء فالأولى في حقه الإظهار ليحصل فائدة الاقتداء. قال الشافعي: إظهار التأمين أفضل. وقال أبو حنيفة: الإخفاء أفضل لأنه إن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} وإن كان اسماً من أسماء الله تعالى على ما قيل فكذلك لقوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة} فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية، ثم نهى عن مجامع المفاسد والمضار بقوله: {ولا تفسدوا في الأرض} فيدخل فيه خمسة أشياء: المنع من إفساد النفوس بالقتل، ومن إفساد الأموال بقطع الطريق والسرقة، وإفساد الأنساب بالزنا واللواط والقذف، وإفساد العقول بشرب المسكرات، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وذلك أن قوله: {لا تفسدوا} منع عن إدخال ماهية الفساد في الوجود والمنع من الماهية يقتضي المنع من جميع أنواعه. ومعنى: {بعد إصلاحها} بعد أن أصلح خلق الأرض على الوجه المطابق لمنافع الخلق الموافق لمصالح المكلفين، أو المراد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع، فإن الإقدام على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع يقتضي وقوع الهرج والمرج وحدوث الفتن في الأرض. وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار الحرمة فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام. وفيها أيضاً دلالة على أن كل عقد وقع التراضي به بين الخصمين فإنه منعقد صحيح لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفساداً بعد الإصلاح، فإن وجدنا نصاً يدل على عدم صحة بعض تلك العقود قضينا فيه بالبطلان عملاً بالأخص. فجميع أحكام الله تعالى داخلة تحت عموم هذه الآية الدالة على أن الأصل في المضار والآلام الحرمة كما كانت داخلة تحت عموم قوله:{أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}تفسير : [الأعراف: 32] بأنها كانت تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، فكل واحدة من الآيتين مطابقة ومؤكدة للأخرى، ثم لما بين أن الدعاء لا بد أن يكون مقروناً بالتضرع والإخفاء وبعدم المنافي وهو الإفساد بالوجوه الخمسة، ذكر أن فائدة الدعاء والباعث عليه أحد الأمرين الخوف من العقاب والطمع في الثواب. واعترض عليه بأن أهل السنة يقولون: التكاليف إنما وردت بمقتضى الإلهية والعبودية أي كونه إلهاً لنا، وكوننا عبيداً له اقتضى أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ولا يعتبر فيه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً. والمعتزلة يقولون: إنها وردت لأنها في نفسها مصالح. فعلى القولين من أتى بها للخوف من العقاب والطمع في الثواب لم يأت بها لوجه وجوبها فوجب أن لا يصح. وأجيب بأن المراد من الآية ادعوه مع الخوف من وقوع التقصير في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها أي كونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في جميع أعمالكم ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم قد أديتم حق ربكم كقوله:{أية : والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة}تفسير : [المؤمنون: 6]. والجواب الصحيح عندي أن غاية التكليف من الآمر غير غايته من المأمور إذاً فهب أن الغاية الأولى هي المصلحة أو الإلهية والعبودية فلم لا يجوز أن تكون الغاية الثانية الخلاص من العذاب والوصول إلى الثواب؟ ثم ختم الآية بقوله: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ظاهره أن يقال قريبة. وذكروا في حذف علامة التأنيث وجوهاً: فقيل: لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي. وقال الزجاج: لأن الرحمة غير حقيقي. وقال الزجاج: لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد، أو لأن المراد بالرحمة الترحم أو الرحم. وقيل: إنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب، أو شبه بفعيل الذي بمعنى مفعول كما شبه ذاك به فقيل: قتلاء وأسراء، وقيل: لأنه بزنة المصدر كالنقيض صوت العقبان أو الدجاجة والضغيب صوت الأرنب. وقيل: المراد ذات مكان قريب كلابن وتامر، وروى الواحدي بإسناده عن ابن السكيت تقول العرب: هو قريب مني وهما قريب مني وهي قريب لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني. قال بعض المفسرين: معنى هذا القرب أن الإنسان يزداد بعداً عن الماضي وقرباً من المستقبل أي الآخرة التي هي مقام رحمة الله. ويمكن أن يقال: المراد به قرب الحصول سواء كان في الدنيا أو في الآخرة كقوله:{أية : ألا إن نصر الله قريب}تفسير : [البقرة: 214] قالت المعتزلة: إن ماهية الرحمة لما كانت حصة المحسنين وجب أن لا يحصل للكافر والفاسق منها شيء، والغرض أن صاحب الكبيرة لا يكون له نصيب من العفو. وأجيب بأن المحسن من صدر عنه الإحسان ولو من بعض الوجوه، فكل من آمن بالله تعالى وأقر بالتوحيد والنبوة فقد أحسن والدليل عليه الإجماع. على أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فإنه يسمى مؤمناً محسناً، على أن قوله ماهية الرحمة نصيب المحسنين ممنوع لأن الكافر أيضاً في رحمة الله ونعمته في الدنيا بدليل قوله:{أية : ومن كفر فأمتعه}تفسير : [البقرة: 126] ثم إنه سبحانه لما ذكر دلائل الآلهية وكمال العلم والقدرة من العالم العلوي أتبعه ذكر الدلائل من أحوال هذا العالم وهي الآثار العلوية من المعادن والنبات والحيوان ومن جملتها أحوال الرياح والسحب والأمطار. وأيضاً لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العليم الحكيم الرحيم أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر ليتم بالآيتين تقرير المبدأ والمعاد فقال: {وهو الذي يرسل الرياح} الريح هواء متحرك، وتحركه ليس لذاته ولا للوازم ذاته وإلا دام بدوام الذات، فهو بتحريك الفاعل المختار. قالت الحكماء: من أسباب الريح أن يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنت تسخيناً شديداً، فبسبب تلك السخونة ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى قريب من الفلك فإن الهواء الملتصق بمقعر الفلك يمنع هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها لتحرك تلك الطبقة على الاستدارة تشيعاً للفلك، فحينئذٍ ترجع الأدخنة وتتفرق في الجوانب وبسبب تفرقها تحصل الرياح. وكلما كانت تلك الأدخنة أكثر وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضاً أشد فكانت الرياح أقوى، وزيف بأن صعود تلك الأجزاء الأرضية إنما يكون لأجل شدة تسخينها بالعرض، فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة بردت فامتنع صعودها إلى الطبقة العليا المتحركة بحركة الفلك. سلمنا أنها تصعد إلى الطبقة المتحركة بالاستدارة لكن رجوعها يجب أن يكون على الاستقامة كما هو مقتضى طبيعة الأرض لكنها تتحرك يمنة ويسرة. وأيضاً إن حركة تلك الأجزاء لا تكون قاهرة فإن الرياح إذا أصعدت الغبار الكثير ثم عاد ذلك الغبار ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها، ونحن نرى هذه الرياح تقلع الأشجار وتهدم الجبال وتموج البحار، وأيضاً لو كان الأمر على ما قالوا لكانت الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر وليس كذلك، لأنه قد توجد الرياح العاصفة في وجه البحر وليس فيها شيء من الغبار. ويمكن أن يجاب بأن الحكم بامتناع الصعود استبعاد محض وحديث الرجوع على الاستقامة مبني على أن الريح هي تلك الأجزاء الراجعة فقط وليس كذلك، فإن الراجع إذا خرق الهواء حدث فيما يجاوره من الهواء تحرك واضطراب وتموج شبه ما يحدث في الماء إذا ألقي فيه حجر، وكذا الكلام في الوجهين الباقيين. وقال المنجمون: قد يحدث بسبب وصول كوكب معين إلى موضع معين من البروج ريح عاصفة، وزيف بأنه لو كان كذلك لزم تحرك كل الهواء. والجواب أن وصول الكوكب إلى الموضع الفلاني إنما يوجب تحرك الهواء بتسخين أو تلطيف أو تكثيف يحدث في بعض المواد المستعدة لذلك فيطلب ذلك القابل مكاناً أكثر أو أقل مما كان عليه، فيلزم من ذلك تحرك الهواء المجاور له لاستحالة التداخل والخلاء لا يتدافع إلى أن يتحرك جميع كرة الهواء بل يتموج بعض أجزاء الهواء ثم يستقر كل في موضعه، ويختلف مقدار ذلك بحسب المؤثر والمتأثر والكل يستند إلى تدبير الله سبحانه وتقديره، وإنما قال في هذه السورة {يرسل الرياح} بلفظ المستقبل وكذا في "الروم" لأن ما قبله ههنا ذكر الخوف والطمع وأنهما يناسبان المستقبل، وأما في "الروم" فليناسب ما قبل{أية : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات}تفسير : [الروم: 46] وقال في الفرقان:{أية : أرسل الرياح}تفسير : [الفرقان: 48] بلفظ الماضي ليناسب ما قبله:{أية : كيف مد الظل}تفسير : [الفرقان: 45] وما بعده{أية : وهو الذي جعل}تفسير : [الفرقان: 62] وكذا في "فاطر" مبني على أول السورة{أية : فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة}تفسير : [فاطر: 1] وهما بمعنى الماضي والله تعالى أعلم. أما قوله: {نشراً} بنون مفتوحة وشين ساكنة فإنه مصدر نشر. وانتصابه إما على الحال بمعنى منتشرات وإما لأن أرسل ونشر متقاربان كأنه قيل: نشرها نشراً. ومن قرأ {نشراً} بضمتين فلأنه جمع نشور كرسول ورسل، وقد تخفف كرسل، ومن قرأ {بشراً} بضم الباء الموحدة وسكون الشين فلأنه مخفف بشر جمع بشير. ومعنى: {بين يدي رحمته} أمام نعمته وهي الغيث الذي هو من أجلِّ النعم وأحسنها وهذا بحسب الأغلب، فإن المطر قلما لا يتقدمه رياح يسلطها الله تعالى على السحاب والعرب تستعمل اليدين بدل قدام وأمام مجازاً لأن اليدين من الحيوان متقدمان على الرجلين. {حتى إذا أقلت} حملت ورفعت واشتقاقه من القلة لأن الرافع الذي يقدر على حمل الثقيل يزعم أن ما يرفعه قليل {سحاباً} جمع سحابة ولهذا قال: {ثقالاً} على الجمع جمع ثقيلة والضمير في {سقناه} يعود إلى السحاب على لفظه، وضمير المتكلم في {سقناه} على أصله. وأما الذي في قوله: {وهو الذي} فعلى طريقة الالتفات وإلا فالظاهر أن يقال: نحن أرسلنا. واعلم أن السحاب المستمطر للمياه العظيمة إنما يبقى معلقاً في الهواء لأنه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكاً شديداً. ولتلك الحركات فوائد منها: أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر ثم تصير متفرقة. ومنها أن تتحرك الرياح يمنة ويسرة فتمنع الأجزاء المائية الرشية عن النزول فيبقى معلقاً في الهواء. ومنها أن ينساق السحاب إلى موضع علم الله احتياجهم إلى نزول الأمطار، ومن الرياح مقوية للزروع والأشجار ومكملة لما فيها من النشوء والنماء وهي اللواقح. ومنها مبطلة لها كما في الخريف. ومنها طيبة لذيذة وموافقة للأبدان. ومنها مهلكة للحر الشديد كالسموم أو البرد الشديد. ومنها مشرقية ومغربية وشمالية وجنوبية، وبالحقيقة تهب الرياح من كل جانب ولكنها ضبطت كذلك، وقد يصعد الريح من قعر الأرض فقد يشاهد غليان شديد في البحر بسبب تولد الرياح في قعره ثم لا يزال يتزايد ذلك الغليان إلى أن ينفصل الريح إلى ما فوق البحر، وحينئذٍ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وعن ابن عمر: الرياح ثمان: أربع منها عذاب وهو العاصف والقاصف والصرصر والعقيم، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وعن النبي صلى الله عليه وآله:"حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من ريح الجنة" تفسير : وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض، وعن السدي أنه تعالى يرسل الرياح فتأتي بالسحاب، ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فينزل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك برحمته وهي المطر. ومعنى {لبلد ميت} أي لأجل بلد ميت ليس فيه نبات ولا زرع، والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خالٍ أو مسكون. {فأنزلنا به الماء} قال الزجاج وابن الأنباري: أي بالبلد. وجائز أن يراد بالسحاب أو بالسوق فالباء للسببية. {فأخرجنا به} قال الزجاج: أي بالبلد. {من كل الثمرات} ويجوز أن يراد أي بالماء. قال جمهور الحكماء: إنه تعالى أودع في الماء قوّة وطبيعة توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء بالتراب. وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار ليست متولدة من الماء وإنما أجرى الله تعالى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب {كذلك} مثل ذلك الأخراج وهو إخراج الثمرات. {نخرج الموتى} فالتشبيه إنما وقع في أصل الإحياء أي كما أحيا هذا البلد وأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر كذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا تراباً لأن من قدر على إحداث الجسم وخلق الرطوبة والطعم فيه كان قادراً على إحداث الحياة في بدن الميت. وقال كثر من المفسرين: المراد أنه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الماء كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال مطر على الأجساد الرميمة. يروى أنه يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطر كالمني أربعين يوماً فينبتون عند ذلك أحياء. وعن مجاهد: تمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها. قال العلماء: إن هؤلاء المفسرين ذهبوا إلى هذا بناء على النقل وعلى إجراء العادة وإلا فإنه تعالى قادر على خلق الحياة في الجسم ابتداء من غير واسطة المطر كما أنه يجمع بقدرته الأجزاء المتفرقة والمتمزقة غاية التفرق والتمزق ولهذا ختم الآية بقوله: {لعلكم تذكرون} والمعنى أنكم شاهدتم أن الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف والخريف بالأزهار والثمار والأشجار ثم صارت وقت الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم أحياها مرة أخرى، فالقادر على إحيائها قادر على إحياء الأجساد بعد موتها، ثم ضرب الله سبحانه مثلاً للمؤمن والكافر وشبه القرآن بالمطر، وذلك أن الأرض الحرة إذا نزل بها المطر حصل فيها أنواع الأزهار والثمار والأرض السبخة بعد نزول المطر لا يخرج منها إلا النزر القليل من النبات، فكذلك النفس الطاهرة النقية من شوائب الأخلاق الذميمة إذا اتصل بها أنوار القرآن ظهرت عليها أنواع المعارف والأخلاق الفاضلة، والنفس الخبيثة لا ترجع من ذلك إلا بخفي حنين. وقيل: ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة. فمن يطلب هذا النفع اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لابد منها ومن تحملها في أداء الطاعات كان أولى. وفي الآية دلالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، لأنها دلت على أن الأرواح قسمان: منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون بالضد لا تقبل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة كالأرض السبخة التي لا يتولد فيها الأشجار والأنهار والثمار. ومما يقوّي هذا الكلام أن النفوس نراها مختلفة في الصفات؛ فمنها مجبولة على حب الإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانيات كقوله تعالى:{أية : ترى أعينهم تفيض من الدمع}تفسير : [المائدة: 83]{أية : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله}تفسير : [البقرة: 273] ومنها قاسية قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ومنها مائلة إلى الشهوة دون الغضب، ومنها على العكس، ومنها راغبة في المال دون الجاه، ومنها بالخلاف ومن الراغبين في المال من يرغب في العقار دون الأثمان والنقود، ومنهم من هو بالعكس. ومما يؤكد هذه المعاني قوله سبحانه وتعالى: {بإذن ربه} أي بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل: يخرج نباته حسناً كاملاً لوقوعه في طباق {نكداً} والنكد الذي لا خير فيه. وتقدير الآية ونبات البلد الخبيث لا يخرج، أو البلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الراجع إلى البلد مقامه فانقلب مرفوعاً مستكناً بعد أن كان مجروراً بارزاً. من قرأ {نكداً} بفتح الكاف فعلى المصدر أي ذا نكد {كذلك} مثل ذلك التصريف نردّد الآيات ونكررها {لقوم يشكرون} نعمة الله لأن فائدة التصريف تعود عليهم وإنما ختم الآية بالحث على الشكر لأن الذي سبق ذكره هو أن الله تعالى يرسل الرياح النافعة فيجعلها سبباً للمطر الذي هو سبب الملاذ والطيبات فهذا يدل من أحد الوجهين على وجود الصانع وقدرته، ومن الوجه الثاني على عظيم نعمته وقدرته فوجب من هذا الوجه مقابتلها بالشكر والله أعلم. التأويل: عرّف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية والحكيمية والاستوائية فقال: {إن ربكم الله} الآية وإنما خص ستة أيام لأن أنواع المخلوقات ستة: الأوّل الأرواح الإنسانية (ب) الملكوتيات منها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة والمركبة. (ج) النفوس السماوية الأرضية. (د) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار. (هـ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه. وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني. والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين. ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض. ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات {يغشى} أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس. {ألا له الخلق} بواسطة {الأمر} بلا واسطة {ادعوا ربكم تضرعاً} بالجوارح {وخفية} بالقلوب. أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية {إنه لا يحب المعتدين} الذين يطلبون منه سواه {ولا تفسدوا} في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط. {وادعوه خوفاً} من الانقطاع {وطمعاً} في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال. {إن رحمة الله قريب من المحسنين} الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس. والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة {كذلك نصرف الآيات} أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...} الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير، والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء. قال * م *: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} «ستة» أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة. انتهى. وقوله سبحانه: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين: الملك، والسلطان، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له؛ إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات. وقوله سبحانه: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} «ألا»: استفتاح كلام. وأخذ المفسرون «الخَلْق» بمعنى المخلوقات، أي: هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَراً من أمر يأمر. قال * ع *: ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخَلْقِ» على المصدر من: خلق يخلق خَلْقاً، أي: له هذه الصفة؛ إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله: { أية : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } تفسير : [هود: 123] { أية : وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } تفسير : [البقرة: 210]. وكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه. و{تَبَـٰرَكَ } معناه: عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا اللَّه سبحانه. و{تَبَـٰرَكَ} لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه: يتبارك، و{ٱلْعَـٰلَمِينَ} جمع عَـٰلِمُ. قوله عز وجل: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه. وقوله: {تَضَرُّعاً} معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، و{وَخُفْيَةً} يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه: { أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً } تفسير : [مريم: 3]، ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ » تفسير : والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْراً من الجَهْرِ. * ت *: ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال: الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة. انتهى من «الأحكام». وقوله سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامّاً، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : أيها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِباً ».تفسير : ومنها: أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطُّط؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالُّ: « حديث : سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ ». تفسير : وقال البخاري: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي: في الدعاء وغيره. انتهى. * ت *: قال الخطابي: وليس معنى الاعْتِدَاءِ الإكثار، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ »تفسير : ، وقال: « حديث : إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ » تفسير : . انتهى. وروى أبو داود في «سُنَنَهِ» عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطُّهْرِ وَالدُّعَاءِ » تفسير : انتهى.
ابن عادل
تفسير : قد تقدَّمَ أنَّ مدار القرآن على تَقْرِير هذه المسائل الأربع وهي: التَّوحِيدُ، والنبوةُ، والمعادُ، والقضاءُ والقدرُ، ولا شك أنَّ إثبات المعاد مبنيٌّ على إثبات التَّوحيد والقدرة والعلم، فلمَّا بالغ الله في تقرير المعادِ عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القُدْرَةِ والعلم، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التَّوحيدِ، ومقررّة أيضاً لإثبات المعاد. قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ} الجمهور على رفع الجلالة خبراً لـ "إنَّ"، ويضعف أن تجعل بدلاً من اسم "إنَّ" على الموضع عند مَنْ يرى ذلك، والموصول خبر لـ "أنَّ" وكذا لو جعله عطف بيان، ويتقوَّى هذا بِنَصْبِ الجلالةِ في قراءة بكار، فإنَّها فيها بدلٌ، أو بيان لاسم "إنّ" على اللفظ، ويضعف أَن تكون خبرها عند مَنْ يرى نصب الجزءين فيها كقوله: [الطويل] شعر : 2478 - إذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأتِ ولتَكُنْ خُطَاكَ خِفَافاً إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 2479 - إنَّ العَجُوزَ خبَّةً جَرُوزا تَأكُلُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَفِيزا تفسير : قيل: ويُؤيِّدُ ذلك قِرَاءةُ الرَّفْعِ أي: في جعلها إيَّاهُ خبراً، والموصول نعت لله، أو بيان له، أو بدل مِنْهُ، أو يُجْعَل خبراً لـ "إن" على ما تقدَّم من التخاريج، ويجوز أن يكون معطوفاً على المَدْحِ رفعاً، أو نصباً. قوله: "في سِتَّةِ" حكى الواحِدِيُّ عن الليث أنَّهُ قال: الأصل في الستّ والستّة: سدسٌ وسدسةٌ [أبدل السين تاء] ولما كان مخرج الدّال والتّاء قريباً، وهي ساكنة أدغم أحدهما في الآخر، واكتفى بالتَّاءِ، ويدلُّ عليه أنَّكَ تقُولُ في تصغير ستة: سُديْسَةٌ، وكذلك الأسْدَاسُ وهذا الإبدال لازم، ويدلُّ عليه أيضاً قولهم: جَاءَ فلانٌ سَادساً وسدساً وسادياً بالياءِ مثناة من أسفل قال [الشاعر]: [الطويل] شعر : 2480 -................ وَتَعْتَدُّنِي إنْ لَمْ يَقِ اللَّهُ سَادِيا تفسير : أي "سَادِساً" فأبْدَلَهَا. فصل قوله: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} الظَّاهِرُ: أنَّهُ ظَرْفٌ لـ "خَلْق السموات والأرض" معاً، واسْتُشْكِلَ على ذلك أنَّ اليومَ إنَّمَا هو بطلُوعِ الشَّمْسِ وغروبها، وذلك إنَّما هو بَعْدَ وجود السَّمواتِ والأرْضِ، وأجَابُوا عَنْهُ بأجْوِبَةٍ منها: أنَّ السِّتَّةَ ظرفٌ لخلق الأرض فقط، فعلى هذا يكُونُ قوله: "خلق السموات" مطلقاً لم يُقَيَّدْ بِمُدَّةٍ، ويكون قوله: "والأرْضَ" مفعولاً بفعل مُقَدَّرٍ أي؛ وخلق الأرض، وهذا الفعل مُقَيَّد بِمُدَّة سِتَّةِ أيَّامٍ، وهذا قولٌ ضعيفٌ جِدّاً. وقيل: في مِقْدَارِ سِتَّةِ أيَّامٍ من أيَّام الدُّنْيَا، ونظيره: {أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}تفسير : [مريم: 62]. والمراد: على مقدار البُكْرَةِ والعَشيِّ في الدُّنْيَا؛ لأنَّهُ لا ليل ثمَّ ولا نهار. وقيل: سِتَّةُ أيَّامٍ كأيَّامِ الآخِرَةِ، كلُّ يَوْمٍ كألْفِ سَنَةٍ. قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كان اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - قادِراً على خَلْق السَّمواتِ والأرضَ في لَمْحَةٍ ولحظة، فَخَلَقَهُنَّّ في سِتَّةِ أيَّام تعليماً لخلقه التَّثَبُّتَ، والتَّأنِّي في الأمُور، وقد جَاءَ في الحديث: "حديث : التَّأنِّي من اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ " تفسير : قال القرطبيُّ: وأيضاً لتظهر قُدْرَتُهُ للملائكةِ شيئاً بعد شيء وهذا عند من يَقُولُ: خلق الملائِكَة قبل خلقِ السَّمواتِ والأرضَ، وحكمةٌ أخْرَى خلقها في ستَّة أيَّامٍ، لأنَّ لكلِّ شيءٍ عندَهُ أجلاً، وبين بهذا ترك مُعاجلةِ العُصَاةِ بالعقابِ؛ لأنَّ لكلِّ شَيْءٍ عندَهُ أجلاً وهذا كقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}تفسير : [ق: 39-38] بعد أن قال: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً}تفسير : [ق:36]. فصل في بيان أسئلة واردة على الآية في الآية سؤالات: الأول: كونُ هذه الأشياء مخلوقةً في سِتَّةِ أيَّامٍ لا يمكن جعله دليلاً على إثْبَات الصَّانِعِ لوجوه. أحدها: أن وَجْهَ دلالة هذه المحدثاتِ على وجود الصَّانع هو حُدُوثُهَا، أو إمكانها، أو مجموعها، فأمَّا وُقوعُ ذلك الحدوث في ستة أيَّام، أو في يَوْمٍ واحدٍ فلا أثَرَ لَهُ في ذلك ألْبَتَّة. الثاني: أنَّ العَقْلَ يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في سِتَّةِ أيَّامٍ إلاَّ بإخْبَارِ مخبر صادقٍ، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار، فلو جعلنا هذه المُقدِّمَة مُقَدِّمَةً، في إثبات الصَّانِعِ لزِمَ الدَّوْرُ. الثالث: أنَّ حدوثَ السمواتِ والأرضِ دفعةً واحدة أدلُّ على كمال القُدْرَةِ والعلم من حدوثها في ستة أيَّام. وإذَا ثبتتْ هذه الوجوهُ الثلاثةُ فنقولُ: ما الفائدةُ في ذكر أنَّهُ تعالى إنَّمَا خلقها في سِتَّةِ أيَّامٍ في إثبات ذكر ما يَدُلُّ على وجود الصَّانع؟ الرابع: ما السَّبَبُ في أنَّهُ اقْتَصَرَ هاهنا على ذِكْرِ السَّموات والأرض، ولم يذكر خلق سائر الأشياء؟ الخامس: اليوم إنَّما يمتازُ عن اللَّيْلة بِطُلوع الشَّمْسِ وغروبها، فقبل خلق السَّموات والقمر كَيْفَ يُعْقَلُ حصول الأيَّامِ؟ السادس: أنَّهُ تعالى قال: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}تفسير : [القمر: 50]، وهو كالمُنَاقِضِ لقوله خلق السَّمواتِ والأرض. السابع: أنَّهُ تعالى خلق السَّمواتِ والأرض في مدة متراخية فما الحكمة في تَقْييدها بالأيام الستَّةِ؟ والجوابُ على مذهب أهْلِ السُّنَّةِ واضحٌ؛ لأنَّهُ تعالى يفعل ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريدُ، ولا اعتراضَ عليه في أمْرٍ من الأمُورِ، وكلُّ شيء صنعه ولا علَّةَ لصُنْعِهِ، ثم نَقُولُ: أمّا الجوابُ عن الأوَّل أنَّهُ تعالى ذكر في أوَّلِ التَّوْراةِ أنَّهُ خلق السَّمواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيَّامٍ، والعربُ كانُوا يخالطون اليهودَ والظَّاهِرُ أنَّهُم سَمِعُوا ذلك منهم، فَكَأنَّهُ سبحَانَهُ يقُولُ: لا تَشْتَغِلُوا بعبادَةِ الأوثان والأصنام، فإنَّ ربَّكُم هو الذي سمعتم من عقلاء النَّاسِ أنَّهُ هو الذي خلقَ السَّموات والأرْضَ على غَايَةٍ عظمتها في ستَّةِ أيَّامٍ. وعن الثالث: أن المَقْصُودَ منه أنَّهُ تعالى وإن كان قَادِراً على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنَّهُ جعل لَكُلِّ شيءٍ حداً مَحْدُوداً، ووقتاً مقدراً، فلا يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ إلاَّ على ذلك الوَجْهِ، فَهُو، وإنْ كَانَ قادراً على إيصال الثَّوابِ للمطيعين في الحالِ، وعلى إيصالِ العقاب للمذنبينَ في الحالِ، إلاَّ أنَّهُ يؤخرهما إلى أجلٍ معلُومٍ مقدورٍ، فهذا التَّأخِيرُ ليس لأجَلِ أنَّهُ تعالى أهمل العِبَادَ، بل لما ذكرنَا أنَّهُ خصَّ كلَّ شيءٍ بوقُتٍ معيَّن لسابِقِ مشيئتِهِ، فلا يفتر عنه، ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}تفسير : [ق: 38]. وقال المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ تعالى إنَّما خَلق العالمَ في ستَّةِ أيَّامٍ ليعلِّم عباده الرِّفْقَ في الأمُورِ كما تقدَّم عن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ. وقال آخرون: "إنَّ الشَّيْءَ إذا أحدث دَفْعَةً واحدة ثم انقطع طريقُ الإحداثِ، فَلَعَلَّهُ يَخْطُرُ ببالِ بعضهم أنَّ ذلك إنَّما وقع على سبيل الاتِّفَاقِ، أمَّا إذَا حدثَتِ الأشْيَاءُ على سبيل التَّعَاقُبِ والتَّواصُلِ مع كونها مطابقة للمَصْلَحَةِ والحكمة كان ذلك أقْوَى في الدِّلالةِ على كونِهَا واقعةً بإحداث مُحْدِثٍ حكيم وقادر عليم". وعن الرابع: أنَّهُ تعالى ذكر سَائِرَ المخْلُوقَاتِ في سَائرِ الآيات فقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ}تفسير : [السجدة: 4]. وقال: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}تفسير : [الفرقان: 58 -59]. وعن الخامس: قوله أنَّ المراد أنَّهُ تعالى خلق السَّمواتِ، والأرضَ في مقدار سِتَّةِ أيَّام كما تقدَّم. وقال بعضُ العُلماءِ: المراد بالستَّةِ أيَّامٍ هاهنا مراتب مصنوعاته؛ لأنَّ قبل الزَّمَانِ لا يمكن تجدد الزَّمَانِ، والمراد بالأيام السِّتَّة: يومٌ لمادة السموات، ويوم لصورتها، ويوم لكمالاتها من الكواكب، والنُّفُوسِ، وغيرها ويوم لمادة الأرْضِ ويوْمٌ لصورتها ويوم لكمالاتها من الجبال وغيرها، فاليَوْمُ عبارة عن الكون الحادث. وعن السادس: أنَّ قوله: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}تفسير : [القمر: 50] محمولٌ على إيجاد كُلِّ واحد من الذَّواتِ وعلى إعدام كل واحد منها؛ لأنَّ إيجاد الموجودِ الواحدِ لا يقبل التَّفَاوُتَ، فلا يمكن تحصيله إلا دفعة، وأمَّا الإمْهَالُ فلا يَحْصُلُ إلاَّ في المدَّةِ. وعن السابع: أنَّ هذا السُّؤالَ غير وارد، لأنَّهُ تعالى لو أحدثه في مِقْدَارِ آخر من الزَّمانِ لعَادَ ذلك السُّؤالُ. قوله: "ثُمَّ اسْتَوَى" الظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّميرِ على الله - تعالى - بالتَّأويل المذكُورِ في البقرةِ. وقيل: الضَّمِيرُ يعود على الخَلْق المَفْهُوم من "خَلَقَ" ثم اسْتَوَى خَلْقُه على العَرْشِ، ومثله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] قالوا: يُحتمل أن يَعُودَ الضَّميرُ في "اسْتَوَى" على "الرَّحْمِن"، وأنْ يعود على الخَلْقِ، ويكون "الرَّحْمن" خبراً لمبتدأ محذوف أي: هو الرَّحْمنُ. والعرشُ: يُطْلَقُ بإزاء معانٍ كثيرة، فمنه سَرِيرٌ الملكِ، وعليه، {أية : نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا}تفسير : [النمل: 41]، {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ}تفسير : [يوسف: 100]، ومنه السُّلْطَان والعزُّ وعليه قول زهير: [الطويل] شعر : 2481 - تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا وذُبْيَانَ إذْ زَلَّتْ بأقْدَامِهَا النَّعْلُ تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 2482 - إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ بِرَبيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ شِهَابِ تفسير : ومنه: خشب تُطوى به البِئرُ بعد أنْ يُطَوى بالحِجَارَةِ أسفلُها ومنه: ما يُلاقِي ظَهْرَ القَدَم وفيه الأصَابع، ومنه: السَّقْفُ، وكلُّ ما علاك فهو عَرْشٌ، فَكَأنَّ المَادَّةَ دائرةٌ مع العُلُوِّ والرِّفعة ومنه عَرْشُ الكَرمِ، وعرشُ السِّمَاكِ أرْبَعَةُ كواكب صغار أسفل من العَوَّاء يقال إنَّها عَجُز الأسَدِ. والعَرْشُ: اسم ملك والعَرْشُ المَلِكُ والسُّلطَانُ. يقال: قد ذهب عرش فلان أي: ذهب مُلْكُهُ وعِزهُ وسُلْطَانُهُ قال زُهَيْرٌ: [الطويل] شعر : 2483 - تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا وذُبْيَانَ إذْ زَلَّتْ بأقْدَامِهَا النَّعْلُ تفسير : وقد تُؤُوِّل العَرْشُ في الآيَةِ بمعنى الملكِ أي: ما استوى الملِكُ الإلَهُ عزَّ وجلَّ. فصل في تنزيه الله تعالى قال القرطبي: الأكثَرُ من المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ على أنَّهُ إذا وجب تَنْزيهُ البَارِي سبحانه على الجِهَةِ والتَّحَيُّزِ، فمن ضرورة ذلك ولوازمه عِنْدَ عامَّة العُلَمَاءِ المُتقدِّمينَ، وقادتِهِمْ من المتأخِّرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهَةِ، فَلَيْسَ بجهة فوق عِنْدَهُم؛ لأنَّهُ يلزمُ من ذلك عِنْدَهُم متى اختص بجهة أنْ يكون في مكان وحيِّزٍ، ويلزمُ على المكانِ والحيِّزِ الحركةُ والسُّكُونُ، ويلزم من الحركةِ والسُّكُونِ التَّغَيُّرُ والحُدُوثُ، هذا قول المتكلِّمينَ وقد كان السَّلَفُ الأولُ - رضي الله عنهم - لا يقولون بنفي الجهةِ، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكَافَّةُ بإثْبَاتِهَا لله - تعالى - كما نَطَقَ كِتَابهُ، وأخبرت [رسله]، ولم ينكر أحدٌ من السَّلَفِ الصَّالِح أنَّهُ استوى على عَرْشِهِ حقيقة، وخُصَّ العَرْشُ بذلك؛ لأنَّهُ أعْظَمُ مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاسْتِوَاءِ، فإنَّهُ لا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ، كما قال مالكٌ - رحمه الله -: "الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ - يعني في اللغة - والكيْفُ مَجْهُولٌ، والسُّؤالُ عن هذا بِدْعَةٌ"، وكذلك قالت أمُّ سلمة - رضي الله عنها -، وهذا القدرُ كافٍ. فصل في معنى الاستواء فإن قيل الاستواءُ في اللُّغَةِ: هو العُلُوُّ والاسْتِقْرَارُ. قال الجَوْهَرِيُّ: استوى من اعْوِجَاجٍ، واستوى على ظَهْرِ دابّتهِ أي: استقرَّ، واستوى إلى السَّمَاءِ أي قَصَدَ، واستوى أي: اسْتَوْلَى، وظهر؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 2484 - قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ تفسير : واستوى الرَّجُلُ أي: انتهى شبابُهُ، واستوى الشَّيءُ أي: اعتدل، وحكى ابْنُ عَبْدِ البرِّ عن أبي عُبَيْدَةَ في قوله تعالى:{ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} قال: "عَلاَهُ". قال الشَّاعِرُ: [الطويل] شعر : 2485 - وَقَدْ خُلِقَ النَّجْمُ اليَمَانِيُّ واسْتَوَى تفسير : أي: علا وارتفع. قال القرطبيُّ: فعلوُّ الله - تعالى - وارتفاعُهُ عبارةٌ عن علوِّ مَجْدِهِ، وصفاتِهِ، وملكُوتِهِ أي: ليس فوقَهُ فيما يجبُ له من تعالي الجلال أحد [ولا مَعَهُ من يكون العلو مُشْتَركاً بينه وبينه لكن العليّ بالإطلاق سبحانه]. فصل في تأويل الآية قال ابن الخطيب اعلم أنَّهُ لا يمكن أن يكونَ المراد من الآية كونه مُسْتَقِرّاً على العَرْشِ، ويدلُّ على فَسَادِهِ وجوهٌ عقليَّةٌ ونقليَّةٌ: أمَّا العقليَّةُ فأمُورٌ: أحدها: أنَّهُ لو كان مستقرّاً على العرش لكان من الجانب الَّذِي يلي العَرْشَ مُتَنَاهِياً، وإلاّ لزمَ كونُ العَرْشِ داخلاً في ذاتِهِ، وهو محالٌ وكل ما كَانَ مُتَنَاهِياً فإنَّ العقلَ يقتضي بأنَّهُ لا يمنع أن يصير أزْيَدَ منه أو أنقص منه بذرَّةٍ، والعلمُ بهذا الجواز ضروريٌّ، فلو كان البَاري - تعالى - متناهياً من بعض الجوانبِ لكانت ذاتُهُ قابِلَةً للزِّيَادَةِ والنُّقصان، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين؛ لتخصيص مخصِّصِ وتقدير مُقَدِّرٍ، وكل ما كان كذلك فَهُوَ مُحْدَثٌ فثبت أنَّهُ تعالى لو كان على العرش؛ لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهياً ولو كان كذلك لكان مُحْدَثاً وهذا مُحَالٌ فكونه على العَرْش يجب أن يكون مُحَالاً. وثانيها: لو كان في مكانٍ وجهة، لكان إمَّا أنْ يكُونَ غير مُتَنَاهٍ من كلِّ الجهات، وإمَّا أن يكون متناهياً من كلِّ الجهاتِ، وإمَّا أن يكون متناهياً عن بعض الجهاتِ دون البَعْضِ، والكلُّ باطلٌ فالقولُ بكونه في المكانِ والحيِّزِ بَاطِلٌ قطعاً. بيان الأول: أنَّهُ يلزم أن تكون ذاتُهُ مخالطة لجميع الأجسام السُّفْلِيَّةِ والعلويَّة، وأنْ تكون مخالطة للقَاذُورَاتِ والنَّجَاسات، وتكون الأرْضُونَ أيضاً حالةً في ذاتِهِ. وإذا ثبت هذا فَنَقُولُ الذي هو محل السَّمواتِ، إمَّا أن يكون هو عين الشَّيءِ الذي هو محلُّ الأرضين، أو غيره فإن كان الأوَّل؛ لزم كون السَّموات، والأرضين حالتين في محلٍّ واحد من غير امتياز بين محليهما أصْلاً، وكلُّ حالين حلا في محلٍّ واحد لم يكن أحدهما ممتازاً عن الآخر فلزم أن يقال السماوات لا تمتاز عن الأرضين في الذَّاتِ، وذلك باطل فإن كان الثَّاني لَزِمَ أن تكون ذاتُ اللَّهِ تعالى مركَّبةً من الأجزاء والأبعاض وهو مُحَالٌ. والثالث: وهو أنَّ ذَاتَ اللَّهِ تعالى إذَا كانت حَاصِلَةً في جميع الأحياز والجهات فإمَّا أن يُقَالَ الشَّيْءُ الذي حصل فوق هو عَيْن الشَّيءِ الذي حصل تحت فحنيئذ تكون الذَّاتُ الواحدة قد حصلت دفعة واحدة [في أحيازٍ كَثِيرَةٍ وإنْ عُقِلَ ذلك فلم يُعْقَلُ أيضاً حصولُ الجسمِ الوَاحِدِ في أحْيَازٍ كثيرةٍ دَفْعَةً واحدةً؟] وهو مُحَالٌ في بديهة العقل، وأمَّا إنْ قيل إنَّ الشَّيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل تحت، فحينئذ يلزمُ حصولُ التركيب والتَّبْعيض في ذَاتِ اللَّه تعالى وَهُوَ مُحَالٌ. وأما القِسْمُ الثَّانِي، وهو أن يُقَالَ إنَّهُ متناهٍ من كلِّ الجهاتِ فنقولُ: كل ما كان كذلِكَ فهو قَابِلٌ للزيادةِ والنُّقْصَانِ في بديهة العَقْلِ، وكلَّما كان كذلك كان اختصاصه بالمِقْدَرِ المُعَيَّنِ لأجل تخصيص مُخَصِّصٍ وكلُّ ما كان كذلك فهو محدث، وأيضاً فإنَّ جَازَ أن يكُونَ الشَّيءُ المَحْدُودُ من كلِّ الجوانب قديماً أزلياً فاعلاً للعالم فلم لا يُعْقَلُ أن يُقَالَ: خالقُ العالم هو الشَّمْسُ، أو القَمَرُ، أو كوكبٌ آخرُ وذلك بَاطِلٌ بالاتِّفاق. وأما القِسْمُ الثالثُ، وهو أنْ يُقالَ بأنَّهُ متناهٍ من بعض الجوانبِ، وغير مُتَنَاهٍ من سائر الجوانبِ فهذا أيضاً بَاطِلٌ من وجوه: أحدها: أنَّ الجانب المُتَنَاهي غير ما صدق عليه أنَّهُ غير مُتَنَاهٍ إلا لصدق النقيضين معاً وهو محالٌ، وإذا حصل التَّغاير لزم كونه تعالى مُرَكَّباً من الأجْزَاءِ والأبعاض. وثانيها: أنَّ الجانبَ الذي صدق حُكْمُ العَقْلِ عليه بكونه متناهياً، إمَّا أن يكون مساوياً للجانب الذي صدق حكم العَقْل عليه بكونِهِ غير مُتَنَاهٍ، وإمَّا ألاَّ يكون ك ذلك، والأوَّلُ بَاطِلٌ لأنَّ الأشياء المتساويةَ في تمام الماهيَّةِ، كُلُّ ما صحَّ على واحد منها صَحَّ على الآخر البَاقِي، وإذا كان كذلك فالجانبُ الذي هو غير متناهٍ يمكن أن يَصير مُتناهِياً والجانب الذي هو متناه يمكن أن يصيرَ غير متناهٍ. ومتى كان الأمر كذلك كان النموُّ والذُّبول والزِّيادةُ والنُّقصانُ، والتَّفرُّقُ والتَّمَزُّقُ على ذاته ممكناً وكل ما كان كذلك فهو مُحْدَثٌ، وذلك على الإله القديم مُحَالٌ. البرهانُ الثالث: لو كان البَارِيءُ - تعالى - حَاصِلاً في المكان والجهة لكان الأمْرُ المُسَمَّى بالجِهَةِ إمَّا أن يكون موجوداً مشاراً إليه، وإما ألاَّ يَكُونَ كذلك، والقِسْمَانِ باطلانِ، فكان القول بكونه تعالى في المكانِ والجهةِ باطلاً. أمَّا بيانُ فَسَادِ القِسْمِ الأوَّلِ، فلأنَّهُ لو كان المُسَمَّى بالحيِّز والجهةِ موجوداً مُشَاراً إليه، فحينئذ يكون المُسَمَّى بالحيِّز، والجهة بُعْداً، وامتداداً، والحاصل فيه أيضاً يجب أن يكون له في نَفْسِهِ بَعْدٌ وامتدادٌ، وإلا لامتنع حُصُولُهُ فيه وحينئذٍ يَلْزَمُ تداخُلُ البُعْدَيْنِ، وذلك مُحَالٌ للدَّلائِلِ المَشْهُورةِ في هذا الباب. وأيضاً؛ فَيلْزَمُ من كون البَارىء قديماً أزليّاً كون الحيِّز، والجهة أزَليِّيْن، وحينئذٍ يلزمُ أن يكون قد حَصَلَ في الأزَلِ موجودٌ قائمٌ بنفسه سوى الله وذلك باطل بإجْمَاعِ أكثر العقلاء. وأمَّا بيانُ فسادِ القسم الثَّانِي فَهُوَ من وجهين: أحدهما: أنَّ العدمَ نفي مَحْضٌ، وعدم صرف، وما كان كذلك امتنع كونه ظَرْفاً لغيره، وجهة لغيره. [وثانيهما: أنَّ كُلَّ ما كان حاصلاً في جهة فجهته مُمْتَازَةٌ في الحسِّ عن جهة غيره ولو كانت تلك الجهة عدماً محضاً لزم كونُ العدمِ المحض مُشَاراً إليه بالحسِّ وذلك باطلٌ؛ فثبت أنَّهُ تعالى لو كان في حيِّزٍ وجهةٍ لأفضى إلى أحد هذين القِسْمين البَاطليْنِ؛ فوجب أنْ يَكُون القَوْلُ به بَاطِلاً]. فإن قيل: فَهذَا أيضاً واردٌ عليكم في قولكم: الجِسْمُ حَاصِلٌ في الحيِّزِ والجهةِ فنقول: نَحْنُ على هذا الطَّريقِ لا نُثْبِتُ للجِسْمِ حَيْزاً، ولا جهة أصْلاً ألْبَتَّة، بحيث تكُونُ ذات الجِسْمِ نافذة فيه وسَارِيَةً، بل المكانُ عبارة عن السَّطْحِ الباطنِ من الجِسْمِ الحاوي المماسّ للسَّطْحِ الظَّاهِرِ من الجسم المَحْوِيِّ، وهذا المعنى مُحَالٌ بالاتِّفاق في حقّ الله - تعالى - فسقط هذا السُّؤالُ، وبقيَّةُ البراهين العَقْليَّة مذكورةٌ في تفسير ابن الخطيب. وأمَّا الدَّلائل السَّمْعيَّةُ فَمِنْهَا قولُهُ تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1]. فوصفه بكونه أحَداً، والأحد مبالغةٌ في كونه واحداً والذي يمتلىءُ منه العَرْشُ، ويفضل على العرش يكون مُرَكَّباً من أجزاء كثيرة جداً فوق أجزاءِ العَرْشِ، وذلك يُنَافِي كونه أحَداً. وقال بعَضُ الكرَّامِيَّة عند هذا الإلْزَامِ: إنَّهُ تعالى ذاتٌ واحدةٌ، [ومع كونه ذاتاً واحدة حَصَلَتْ في كلِّ هذه الأحْيَازِ دفعةً واحدةً قالوا: فلأجْلِ أنَّهُ تعالى حصل] دفعة واحدة في جَميعِ الأحْيَازِ امتلأ العَرْشُ منه، فَيُقَالُ لهم: حَاصِلُ هذا الكلامِ يرجع إلى أنَّهُ يَجُوزُ حصول الذَّاتِ الشَّاغلة للحيِّز والجهة في أحْيَازٍ كثيرةٍ دفعةً واحدة، والعقلاءُ اتَّفَقُوا على أنَّ العلمَ بفسادِ ذلك من أجلِّ العُلُومِ الضروريَّةِ أيضاً، وأيضاً فإنْ جوَّزتم ذلك فلِمَ لا تُجَوِّزُونَ أن يقال: جَمِيعُ العالم من العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرَى جَوْهَرٌ واحد، ومَوْجُودٌ واحد، إلا أنَّ ذلك الجزء الذي لا يَتَجَزَّأ حصَلَ في جملة هذه الأحْيَازِ، فَيظَنُّ أنَّهَا أشياء كثيرة، ومعلوم أنَّ من جوَّزَهُ، فقد التزم مُنْكَراً من القول عظيماً. فإن قالوا: إنَّمَا عرفنا هَا هُنَا حصول التَّغَايُرِ بين هذه الذَّوَاتِ، لأنَّ بعضها يَفْنَى، مع بَقَاءِ البَاقِي، وذلك يوجب التَّغَايرَ، وأيضاً فنرى بَعْضَهَا متحرِّكٌ وبعضها ساكِنٌ، والمُتَحَرِّكُ غير السَّاكِنِ؛ فوجب القولُ بالتَّغايُرِ، وهذه المعانِي غير حاصلةٍ في ذَاتِ اللَّه - تعالى - فظهر الفَرْقُ، فنقول: أمَّا قَوْلُكُمْ: بأنّا نُشَاهِدُ أنَّ هذا الجُزْءَ يبقى مع أنَّهُ يفنى ذلك الجزء الآخر، وذلك يُوجِبُ التَّغَايُرَ، فلا نسلم أنَّهُ فني شيء من الأجزاء، بل نقول: لِمَ لا يجوز أن يقال: إنَّ جميع أجزاء العالم جزءٌ واحد فقط، ثم إنَّهُ حصل هاهنا وهناك. وأيضاً جعل موصوفاً بالسَّوادِ والبياضِ، وجميع الألوان والطُّعُومِ، فالذي يفنى إنَّمَا هو حُصُولُهُ هناك، فأمَّا أن يقال: إنَّهُ فني في نَفْسِهِ، فهذا غير مسلم. وأمَّا قولكم: نَرَى بعض الأجسام مُتَحَرِّكاً، وبعضها ساكناً، وذلك يُوجِبُ التَّغَايُرَ؛ لأنَّ الحركة والسُّكُونَ لا يجتمعان فنقولُ: إنا حكمنا بأنَّ الحركةَ والسُّكُونَ لا يجتمعان. لاعتقادنا أنَّ الجِسْمَ الواحِدَ لا يَحْصُلُ دفعة واحدة في حيزين، فإذا رَأيْنَا أنَّ السَّاكِنَ بقي هاهنا، وأن المُتَحَرِّكَ ليس هاهنا، قَضَيْنَا أنَّ المُتَحَرِّكَ غير السَّاكِن. وأمَّا بِتَقْدِيرِ أن يجوز الذَّاتِ الواحدة حاصلة في حيِّزين دفعة واحدة، فلم يمتنع كون الذَّاتِ الواحدة متحرِّكَةً سَاكِنَةً معاً؛ لأنَّ أقْصَى ما في البابِ أنَّهُ بسبب السُّكُونِ بقي هاهنا وبسبب الحركة حصل في الحيِّزِ الآخر، إلا أنّا لمَّا جوَّزنا أن تحصلَ الذَّاتُ الواحدةُ دَفْعَةً واحدَةً في حيِّزين معاً، لم يبعد أن تكون الذَّاتُ السَّاكِنَةُ هي غَيْرُ الذَّاتِ المتحرِّكة، فثبت أنَّهُ لو جَازَ أن يقال: إنَّهُ تعالى ذاته واحدة، لا تقبل القِسْمَةَ، ثمَّ مع ذلك يمتلىء العرشُ منه لم يبعد أن يقال: إنَّ العَرْشَ في نفسه جَوْهَرٌ فَرْدٌ جزء لا يتجزَّأُ، ومع ذلك فقد حَصَلَ في كلِّ تلك الأحْيَازِ، وحصل منه كل العرش، وذلك يُفْضِي إلى فتح باب الجَهَالاتِ. ومنها قوله تعالى: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}تفسير : [الحاقة: 17] فلو كان إلهُ العالم في العرش لكان حَامِلُ العرشِ حامِلاً للإله؛ فوجب أن يكون الإله مَحْمُولاً حاملاً ومحفوظاً حَافِظاً، وذلك لا يقُولُهُ عاقل. ومنها قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ}تفسير : [محمد: 38] حكم بِكَوْنِهِ غَنِيّاً على الإطْلاقِ، وذلك يوجب كَوْنَهُ تعالى غنيّاً عن المكان والجهة. ومنها أنَّ فِرْعَوْنَ لمَّا طَلَبَ حقيقة الإلهِ من موسى - عليه السلام - ولم يزد موسى عليه السلام على ذكر صفة الخلاقية ثلاث مرَّات فإنه قال: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 23] ففي المرة الأولى قال {أية : رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 24]. وفي المرَّة الثَّانية قال: {أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الشعراء: 26]. وفي المرة الثالثة قال: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الشعراء: 28]. وكلُّ ذلك إشارة إلى الخلاقية، وأمّا فرعون فإنَّهُ قال: {أية : يَٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ}تفسير : [غافر: 37،36] فطلب الإله في السَّماءِ، فعلمنا أنَّ وصف الإله بالخلاقية، وعدم وصفه بالمَكَانِ والجهة دين موسى وجميع الأنبياء ووصفه تعالى بكونه في السَّماءِ دينُ فرعون، وإخوانه مِنَ الكَفَرَةِ. ومنها قوله تعالى في هذه الآية: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. وكلمة "ثم" للتراخي وهذا يدلُّ على أنَّهُ تعالى إنَّمَا استوى على العرش بعد تخليق السموات والأرض، فإنْ كان المُرَادُ من الاستواء الاستقرار؛ لَزِمَ أن يقال: إنَّهُ ما كان مستقراً على العرش، بل كان مُعْوَجاً مُضطرباً، ثم استوى عليه بعد ذلك، وذلك يُوجِبُ وصفه بِصِفَاتِ الأجْسَامِ من الاضطراب والحركة تَارَةً، والسُّكون أخرى، وذلك لا يَقُوله عَاقِلٌ. ومنها طَعْنُ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في إلهية الكواكب بكونها آفلة غاربة، فلو كان إله العالم جِسْماً، لكان أبداً غارباً آفلاً وكان متنقلاً من الاضطراب والاعوجاج إلى الاستواء والسكون والاستقرار، فكلّ ما جعله طعناً في إلهية الكواكب يكون حاصلاً في إله العالمِ فكيف يمكن الاعتراف بإلهيته؟!. ومنها أنَّهُ تعالى ذكر قبل قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ} شيئاً، وبعده شيئاً آخر، أمّا المذكُورُ قبل هذه الكلمة فهو قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وذلك يدلُّ على وُجُود الصَّانِع، وقدرته، وحكمته. وأما المذكورُ بعد هذه الكلمة فأشياء أوَّلُهَا: {يُغْشِي ٱللَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً}، وذلك يَدُلُّ على وجود الله تعالى، وعلى قدرته وحكمته. وثانيها: قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} وهذا أيضاً يَدُلُّ على الوُجُودِ، والقُدْرَةِ والعلم. وثالثها: قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَالأَمْرُ}، وهو أيضاً إشارة إلى كمال قُدْرَتِهِ، وحكمته. وإذا ثَبَتَ هذا فَنَقُولُ: أوَّلُ الآية إشارة إلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ على الوُجُودِ والقدرة والعلم، وآخر الآية يَدُلُّ أيضاً على هذا المطلوب، وإذا كان كذلك فقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} يَجِبُ أيضاً أن يكون دليلاً على كمالِ القُدْرَةِ والعلم؛ لأنَّهُ لو لم يَدُلَّ عليه، بل كان المراد كونه مستقِرّاً على العَرْشِ لا يمكن جعله دليلاً على كَمَالِهِ في القُدْرَةِ، والعلم، والحكمة، وليس أيضاً من صِفَاتِ المَدْحِ والثَّنَاءِ، لأنَّهُ تعالى قادر على أن يُجْلس جميع البَقِّ والبَعُوضِ على العرش، وعلى ما فوق العرش، فثبت أنَّ كونه جالساً على العَرْشِ ليس من دلائل إثبات الذَّاتِ والصِّفاتِ، ولا من صِفَاتِ المَدْحِ والثَّنَاءِ، فلو كان المراد من قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} كونه جالساً على العرش، لكان ذلك كلاماً أجْنَبِياً عمّا قبله وعمّا بعده، وذلك يوجب نِهِايَةَ الرَّكاكةِ؛ فثبت أنَّ المراد منه ليس ذلك بَلِ المُرَادُ منه: كمال قدرته في تَدْبير المُلْكِ، والملكوت، حتّى تصير هذه الكلمة مُنَاسِبَةً لما قبلها، ولِمَا بَعْدَهَا، وهو المَطْلُوبُ. وإذا ثَبَتَ هذا فَنَقُولُ: إنَّ قولهُ تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} من المُتشابِهَاتِ التي يجب تأويلها، وللعلماء هاهُنَا مذهبان. الأول: أن يُقْطَعَ بكونه تعالى مُتَعَالِياً عن المكان والجهة، ولا نخوض في تأويل الآية على التَّفْصِيلِ، بل نُفَوِّض عِلْمَهَا إلى الله - تعالى - ونَقُولُ: الاستواءُ على العَرَشِ صفةٌ لله - تعالى - بلا كيف يَجِبُ على الرَّجُلِ الإيمان به، ونَكِلُ العلم فيه إلى الله - عزَّ وجلَّ -، وسأل رجلٌ مَالِكَ بْنَ أنَس عن قوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} كيف استوى فأطرق رَأسَهُ مليّاً، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواءُ مَجْهُولٌ، والكيف غَيْرُ مَعْقُولٍ، والإيمانُ به وَاجِبٌ، والسُّؤالُ عند بدعة، وما أظُنُّكَ إلا ضالاًّ، ثم أمرَ به، فأخرج. ورُوِيَ عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وسفيان بْنِ عُيَيْنَةَ، وعَبْدِ الله بْنِ المُباركِ، وغيرهم من علماء السُّنَّة في هذه الآيات التي جاءت في الصِّفاتِ المتشابهة، أنْ نُوردَهَا كما جاءت بلا كَيْف. والمَذْهَبُ الثَّانِي: أن نخوضَ في تَأويلهِ على التَّفْصيلِ، وفيه قولان: الأول: ما ذكره القَفَّالُ - رحمه الله - فقال: العَرْشُ في كلامهم: هو السريرُ الذي يجلس عليه المَلِك، ثم جعل العرش كِنَايَةً عن نَفْسِ المُلْكِ. يقال: ثلَّ عَرْشُهُ أي: انتقض مُلْكُهُ وَفَسَدَ، وإذا استقام له ملكه واطّرد أمْرُهُ وحكمه قالوا: اسْتَوَى على عَرْشِهِ واستقرَّ على سرير مُلْكِهِ، وهذا نظيرُ قولهم للرَّجُلِ الطويل: فلان طَوِيلُ النِّجَادِ، وللرَّجُلِ الذي تكثر أضْيَافُهُ: كثيرُ الرَّمَادِ وللرَّجُلِ الشَّيْخِ فلان اشتعَلَ الرَّأسُ منه شَيْباً، وليس المرادُ بشيء من هذه الألْفَاظِ إجراءَها على ظَوَاهِرِهَا إنَّمَا المُرَادُ منها تعريف المَقْصُود على سبيل الكِنَاية، فكذا هاهنا المُرَادُ من الاستواءِ على العَرْشِ نفاذُ القُدْرَةِ وجريان المشيئَة، كما إذا أخبر أنَّ له بيتاً، يجب على عِبَادِهِ حجُّهُ، فَهِمُوا منه أنَّهُ نصب لهم موضعاً يَقْصِدُونَهُ لمسألة ربِّهِمْ، وطَلبِ حوائجهم، كما يقصدون بيوتَ المُلُوكِ لهذا المطلوب، ثم عَلِمُوا منه نَفْيَ التَّشبيه، وأنَّهُ لم يجعلْ ذلك البيتَ مَسْكناً لنفسه، ولم ينتفع به في دَفْعِ الحرِّ والبرْدِ عن نفسه، وإذا أمرهم بِتَحْميدِهِ، وتَمْجِيدِهِ؛ فهموا منه أنه أمرهم بنهايةِ تَعْظِيمهِ، ثمَّ عَلِمُوا بعقولهم أنَّهُ لا يفرح بِذلِكَ التَّحْمِيدِ والتَّعْظِيم، ولا يغتم بتركه. وإذا عُرِفَ ذلك فَنَقُولُ: إنَّهُ تعالى أخْبَرَ أنَّهُ خلق السَّمواتِ والأرض كما أراد وشاء من غير مُنَازعٍ، ولا مدافع، ثمَّ أخبر بعده أنَّهُ استوى على العَرْشِ، [أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد فكان قوله ثم استوى على العرش]، أي بعد أنْ خلقهما استوى على عرش الملك والجلال. قال القَفَّال: والدَّلِيلُ على أنَّ هذا هو المُرَادُ قوله في سورة يونس: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}تفسير : [الآية: 3]. فقوله: "يُدبِّرُ" جرى مجرى التَّفسير لقوله: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. وقال{يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً}، {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ}{أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}. وهذا يَدُلُّ على أنَّ قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} إشارة إلى ما ذكرناهُ. فإنْ قيل: فإذا حملتم قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} على أنَّ المراد إذا استوى على الملك؛ وجب أن يقال: اللَّهُ لم يكن مستوياً قبل خَلْقِ السَّموات والأرْضِ. قلنا إنَّهُ تعالى كان قبل خَلْق العَالِمِ قادراً على تخليقها وتكوينها، لا أنَّهُ كان مُكوِّناً ومُوجِداً لها بأعْيَانِهَا؛ لأنَّ إحياء زيد، وإماتَةَ عَمْرٍو، وإطعام هذا، وإرواء ذلك، لا يَحْصُلُ إلا عند حصول هذه الأحْوالِ، فإذا فسَّرْنَا العرش بالملك، والملك بهذه الأحْوالِ صحَّ أن يقال: إنَّه تعالى إنَّما استوى على ملكه بعد خلق السَّموات والأرْض؛ بمعنى أنَّهُ إنَّمَا ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها، بعد خلق السَّمواتِ والأرْضِ. والقولُ الثاني: أنَّ استوى بمعنى اسْتَوْلَى، كما نَذْكُرُهُ في "سورة طه" إن شاء الله تعالى. واعْلَمْ أنَّهُ تعالى ذكر قوله: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} في سَبْعِ سور: هاهنا، ويونس [3]. والرعد [2]، وطه [5]، والفرقان: [59]، والسجدة [4]، والحديد [57]. قال ابن الخطيب: "وفي كلِّ موضع ذكرنا فَوائِدَ كثيرةً، فَمَنْ ضمَّ تلك الفَوائِدَ بعْضَهَا إلى بَعْضٍ، بلغت مبلغاً كثيراً، وافياً بإزالةِ شبهة التَّشْبيهِ عن القَلْب". قوله: {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} قرأ نافعُ وابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص هنا وفي سورة الرعد: [3] "يُغْشِي" مخففّاً من أغْشَى على أفْعَل، والباقون بالتَّشديدِ من غشَّى على فعَّل، فالهمزةُ والتَّضعيف كلاهما للتَّعْدِيَةِ أكسبا الفعل مَفْعُولاً ثانياً؛ لأنَّهُ في الأصل متعد لواحدٍ، فصار الفاعل مفعولاً. وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْس: "يَغشَى" بفتح الياء والشين، "اللّيلُ" رفعاً، "النهار" نصباً، هذه رواية الداني عنه، وروى ابنُ جنّي عنه نصب "اللّيل" ورفع "النَّهار". قال ابنُ عطيَّة: "ونقل ابن جنّي أثبت" وفيه نظرٌ، من حيث إنَّ الدَّاني أَعْنَى من أبي الفَتْحِ بهذه الصِّنَاعَةِ، وإن كان دونه في العلم بطبقات، ويؤيد رواية الدَّاني أيضاً أنَّهَا موافقة لقراءة العَامَّةِ من حيث المَعْنَى، وذلك أنَّهُ جعل اللَّيْل فاعلاً لفظاً ومعنى، والنَّهارَ مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة اللَّيْلُ فاعلٌ معنى، والنَّهارُ مفعولٌ لفظاً ومعنى، وذلك أنَّ المفعولين في هذا البابِ متى صَلُح أن يكون كلٌّ منهما فاعلاً ومفعولاً في المعنى؛ وَجَبَ تقديمُ الفاعل معنى؛ لئلاّ يلْتبس نحو: "أعْطَيْتُ زَيْداً عَمْراً" فإنْ لم يلْتبس نحو: "أعْطَيْتُ زَيْداً دِرْهماً، وكسَوْتُ عمراً جُبَّةً" جاز، وهذا كما في الفَاعِلِ والمفعُولِ الصَّريحين نحو "ضرب موسى عيسى"، و "ضرب زيدٌ عمراً"، وهذه الآية الكريمة من بابِ "أعطيت زيداً عمراً"؛ لأنَّ كلاًّ من اللَّيْلِ والنَّهَارِ يَصْلُح أن يكون غَاشياً مَغْشياً؛ فوجب جعل "اللَّيْل" في قراءة الجماعةِ هو الفاعلُ المعنوي، و "النَّهَار" هو المفعول من غير عكس، وقراءة الدَّاني موافقة لهذه؛ لأنَّهَا المصرِّحة بفاعليَّةِ اللَّيْلِ، وقراءة ابن جني مُخَالِفَة لها، وموافقة الجماعة أولى. قال شهابُ الدِّين: "وقد روى الزَّمَخْشَرِيُّ قراءة حُمَيْدٍ كما رواها أبُو الفَتْحِ فإنَّهُ قال: "يُغَشِّي" بالتَّشديد، أي: يلحق اللَّيْلُ بالنَّهار، والنَّهارُ باللَّيْلِ، يحتملهما جميعاً". والدَّليلُ على الثاني قراءةُ حميد بْنِ قَيْس "يَغْشى" بفتح الياء [و] نصب اللَّيْل، ورفع النَّهَارِ. انتهى. وفيما قاله الزَّمخشريُّ نظر؛ لما ذكرنا من أنَّ الآية الكريمة ممَّا يجب فيها تقديمُ الفاعلِ المَعْنَوِي، وكأن أبا القاسم تَبعَ أبَا الفَتْحِ في ذلك، ولم يَلْتَفِتْ إلى هذه القاعدةِ المذكورة سَهْواً. وقوله: "يَطْلُبُهُ حَثِيثاً" حالٌ من الليل؛ لأنَّهُ هو المحدَّث عنه أي: يغشي النَّهارَ طالبِاً له، ويَجُوزُ أن يكُون من النهار أي مطلوباً وفي الجملة ذِكْرُ كُلٍّ منهما. و "حَثِيثاً" يُحتمل أن يكون نَعْتَ مصدر محذوف أي: طَلَباً حثيثاً وأن يكون حالاً من فاعل "يَطْلُبُهُ" أي: حَاثّاً، أو من مفعوله أي: مَحْثُوثاً. والحثُّ: الإعْجَالُ والسُّرْعَةُ، والحَمْلُ على فِعْلِ شَيءٍ كالحضِّ عليه فالحثُّ والحضُّ أخوانِ، يقال: حَثَثْتُ فُلاناً فاحْتثَّ فهو حَثِيثٌ ومَحْثُوثٌ. قال: [المتقارب] شعر : 2486- تَدَلَّى حَثِيثاً كأنَّ الصُّوا رَ يَتْبَعُهُ أزْرَقِيٌّ لَحِمْ تفسير : فهذا يُحتملُ أن يكون نَعْتَ مصدرٍ محذوف، وأن يكون حالاً أي: تولى تَوَلِّياً حثيثاً، أو تولَّى في هذه الحال. فصل في معنى "الإغشاء" قال الواحديُّ: الإغْشَاءُ والتَّغْشِيَةُ: إلْبَاسُ الشيء بالشَّيء، وقد جَاءَ التَّنْزِيلُ بالتَّشْديد والتَّخفيف، فمن التَّشديد قوله تعالى: {أية : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ}تفسير : [النجم: 54] ومن اللُّغة الثانية: {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [يس: 9] والمفعولُ الثاني مَحْذُوفٌ، أي فأغْشَيْنَاهُم العمى وفقد الرؤية، ومعنى الآية أي: يأتي اللَّيْلُ على النَّهارِ فيغطيه، وفيه حذف أي: ويغشي النَّهار اللَّيْلَ، ولم يذكرْ لدلالةِ الكلام عليه، وذكر في آية أخرى: {أية : يُكَوِّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ}تفسير : [الزمر: 5]. "يَطْلُبُهُ حَثِيثاً" أي: سَرِيعاً، وذلك أنَّهُ إذَا كان يعقب أحدُهُما الآخر ويخلفه فكان يطلبه. قال القفَّالُ - رحمه الله تعالى -: إنَّهُ تعالى لمَّا أخبر عبادَهُ باستوائه على العرش، وأخْبَرَ عن استمرار أصعب المخلوقات على وفق مشيئته، أرَاهم ذلكَ عياناً فيما يُشَاهِدُونَهُ منها؛ ليضمَّ العيانَ إلى الخبرِ، وتزول الشُّبْهَةُ عن كُلِّ الجهاتِ فقال: {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ}؛ لأنَّهُ تعالى أخبر في هذا الكتاب الكريم بما في تعاقبهما من المنافع العظيمة يتم أمر الحياة، وتكمل المنفعة والمصلحة. قوله: "والشَّمْسَ" قرأ ابن عامر هنا وفي "النحل"[12] برفع الشمسِ، وما عُطف عليها، ورفع "مُسَخَّرَات"، ووافقه حفصٌ عن عاصمٍ في النَّحل خاصة على رفع "والنَّجُوم مُسَخَّرات"، والباقون بالنَّصْب في الموضعين. وقرأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ هنا برفع "النُّجُومِ" وما بعده. فأمَّا قراءةُ ابنِ عامر فعلى الابتداء والخبرِ، جعلها جملة مستقلَّةً بالإخبار بأنَّهَا مُسخَّراتٌ لنا من الله - تعالى - لمنافعنا. وأمَّا قراءةُ الجماعةِ، فالنَّصْبُ في هذه السُّورةِ على عطفها على "السَّمواتِ" أي: وخلق الشَّمْسَ، فتكون "مُسَخَّرات" على هذا حالاً من هذه المفاعيلِ، ويجوزُ أن تكون هذه [منصوبةً] بـ "جَعَلَ" مقدَّراً فتكون هذه المنصوباتُ مفعولاً أوَّلاً، و "مُسَخَّرَات" مفعولاً ثانياً. وأمَّا قراءةُ حفص في النَّحْل، فإنَّهُ إنَّما رفع هنا؛ لأنَّ النَّاصِبَ هناك" سخَّر" وهو قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} فلو نصب "النُّجُوم" و "مُسَخَّراتٍ" لصار اللفظ: سَخَّرها مُسَخَّراتٍ، فيلزم التَّأكيد، فلذلك قطعهما على الأوَّلِ ورفعهما جملة مُسْتَقلَّة. والجمهورُ يخرِّجونها على الحال المؤكدة، وهو مستفيض في كلامهم، أو على إضمار فِعْلٍ قبل "والنُّجُوم" أي: وجعل النُّجوم مُسخَّراتٍ، أو يكون "مُسَخَّرات" جمع مُسَخَّر المرادُ به المصدر، وجُمِع باعتبار أنواعه كأنَّهُ قيل: وسخَّر لكم اللَّيْل، والنَّهار، والشَّمس، والقمر، والنجوم تسخيراتٍ أي أنْواعاً من التَّسْخِيرِ. قوله: "بأمْرِهِ" متعلق بـ "مُسَخَّراتٍ" [أي]: بتيسيره وإرادته لها في ذلك، ويجوزُ أن تكون "الباءُ" للحال أي: مصاحبةً لأمره غير خارجة عنه في تسخيرها، ومعنى مُسَخَّراتٍ أي: منزلات بأمره. فصل في بيان حركة الشمس قال ابن الخطيب: إن الشَّمْس لها نوعان من الحركة: أحدهما: حَرَكَتُهَا بحسب ذاتِهَا، وهي إنما تتم في سَنَةٍ كامِلَةٍ وبسبب هذه الحركة تحصلُ السَّنةُ. والنوعُ الثاني: حركتها بحسب حركة الفلك الأعظم، وهذه الحركة تَتِمُّ في اليومِ بليلته. وإذا عُرف هذا فنقول: اللَّيْلُ والنَّهَارُ لا يحصل بحركة الشَّمْس، وإنَّمَا يحصلُ بسبب حركةِ السَّماءِ الأقصى التي يقالُ لها: العَرْشُ، فلهذا السبب لمَّا ذكر العَرْشَ بقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} ربط به قوله: {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} تنبيهاً على أنَّ سبب حُصُول اللَّيْلِ والنَّهارِ هو حركة الفلك الأقصى، لا حركة الشمس والقمر، وهذه دقيقةٌ عجيبةٌ. قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}. يجوزُ أن يكون مَصْدراً على بابِهِ، وأن يكُونَ واقِعاً مَوْقِعَ المفعوُلِ به. "لَهُ الخَلْقُ"؛ لأنَّهُ خلقهم، و "الأمْرُ": يأمر في خلقه بما يشاء قال سفيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. فرّق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بَيْنَهُمَا فقد كَفَرَ. "تَبَارَكَ اللَّهُ" أي: تعالى الله وتعظم. وقيل: ارتفع، والمباركُ: المرتفعُ. وقيل: تَبَارَكَ: تَفَاعَل، من البَرَكَةِ وهي النَّمَاءُ والزِّيَادَةُ، أي: البركةُ تكسب، وتنالُ بذكْرِهِ. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ. وقال الحسنُ: تَجِيءُ البَرَكَةُ من قِبَلِهِ. وقيل: تبارك: تَقَدَّس، والقُدْسُ: الطهارة. وقيل: تبارك اللهُ أي: باسمه يتبرَّكُ في كلِّ شيء. وقال المحقِّقُونَ: معنى هذه الصِّفَةِ، ثبت ودام كما لم يزل ولا يزال، وأصلُ البركةِ الثُّبُوتُ ويقال: تَباركَ اللَّهُ ولا يقال: يتباركُ ولا مباركٌ؛ لأنَّهُ لم يرد به التَّوقيف. وقوله: "رَبُّ العَالمينَ" والعالمُ: كلُّ موجود سوى الله تعالى.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن سميط قال: دلنا ربنا تبارك وتعالى على نفسه في هذه الآية {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...} الآية . وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء والخطيب في تاريخه عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين آية أن يعصمه الله من كل سلطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضار، ومن كل لص عاد: آية الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض} وعشراً من أول الصافات، وثلاث آيات من الرحمن {أية : يا معشر الجن}تفسير : [الرحمن: 33] وخاتمة سورة الحشر . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة قال: نزلت هذه الآية {أية : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} تفسير : [آل عمران: 7] لقي ركب عظيم لا يرون أنهم من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجنة، خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية . وأخرج أبو الشيخ عن عبيد بن أبي مرزوق قال: من قرأ عند نومه {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...} الآية. بسط عليه ملك جناحه حتى يصبح، وعوفي من السرق . وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن قيس صاحب عمر بن عبد العزيز قال: مرض رجل من أهل المدينة فجاءه زمرة من أصحابه يعوذونه، فقرأ رجل منهم {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...} الآية كلها. وقد أصمت الرجل، فتحرك ثم استوى جالساً، ثم سجد يومه وليلته حتى كان من الغد من الساعة التي سجد فيها قال له أهله: الحمد لله الذي عافاك. قال: بعث إلى نفسي ملك يتوفاها، فلما قرأ صاحبكم الآية التي قرأ، سجد الملك وسجدت بسجوده فهذا حين رفع رأسه، ثم مال فقضى . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} لكل يوم منها اسم: أبي جاد، هواز، حطى، كلمون، صعفص، قرشات. وأخرج سمويه في فوائده عن زيد بن أرقم قال: إن الله عزَّ وجلَّ خلق السموات والأرض في ستة أيام، قال: كل يوم مقداره ألف سنة . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: بدء الخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد ويوم الإِثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وجميع الخلق في يوم الجمعة، وتهودت اليهود يوم السبت، ويوم من الستة أيام كألف سنة مما تعدون . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إن الله بدأ خلق السموات والأرض وما بينهما يوم الأحد، ثم استوى على العرش يوم الجمعة في ثلاث ساعات، فخلق في ساعة منها الشموس كي يرغب الناس إلى ربهم في الدعاء والمسألة، وخلق في ساعة النتن الذي يقع على ابن آدم إذا مات لكي يقبر. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن حيان الأعرج قال: كتب يزيد بن أبي سلم إلى جابر بن زيد يسأله عن بدء الخلق؟ قال: العرش والماء والقلم، والله أعلم أي ذلك بدأ قبل . وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كل يوم ألف سنة . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " حديث : يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، وآدم يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في اخر ساعة من النهار " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ثم استوى على العرش} قال: يوم السابع . وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: إن الله حين خلق الخلق استوى على العرش فسبَّحه العرش . وأخرج ابن مردويه واللالكائي في السنة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها في قوله {ثم استوى على العرش} قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والاقرار به ايمان، والجحود به كفر . وأخرج اللالكائي عن ابن عيينة قال: سئل ربيعة عن قوله {استوى على العرش} كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عبد الله بن صالح بن مسلم قال: سئل ربيعة... فذكره. وأخرج اللالكائي عن جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال له: يا أبا عبد الله استوى على العرش كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرُّحَضاء ــ يعني العرق ــ وأطرق القوم قام: فسرى عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً وأمر به فأخرج . وأخرج البيهقي عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس، فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} كيف استواؤه؟ فاطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال {الرحمن على العرش استوى} كما وصف نفسه، ولا يقال له كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه. قال: فأخرج الرجل . وأخرج البيهقي عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت سفيان بن عيينه يقول: كلما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه . وأخرج البيهقي عن إسحق بن موسى قال: سمعت ابن عيينه يقول: ما وصف الله به نفسه فتفسيره قراءته، ليس إلا لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسله صلوات الله عليهم . وأخرج عبد بن حميد عن أبي عيسى قال: لما استوى على العرش خر ملك ساجداً، فهو ساجد إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان يوم القيامة رفع رأسه فقال: سبحانك ما عبدتك حق عبادتك إلا اني لم أشرك بك شيئاً، ولم اتخذ من دونك ولياً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {يغشي الليل النهار} قال: يغشي الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعاً حتى يدركه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {حثيثاً} قال: سريعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {يغشى الليل النهار} قال: يلبس الليل النهار . أما قوله {والشمس والقمر والنجوم} . أخرج الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر والنجوم خلقن من نور العرش " . تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينه في قوله {ألا له الخلق والأمر} قال: الخلق: ما دون العرش، والأمر: ما فوق ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان بن عيينه قال: الخلق: هو الخلق، والأمر، هو الكلام . وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط ما عمل: ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} قال: السر. {إنه لا يحب المعتدين} في الدعاء ولا في غيره . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: التضرع: علانية، والخفية: سر . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ادعوا ربكم تضرعاً} يعني مستكيناً {وخفية} يعني في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة {إنه لا يحب المعتدين} يقول: لا تدعوا على المؤمن والمؤمنه بالشر: اللهمَّ اخزه والعنه ونحو ذلك، فإن ذلك عدوان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله {إنه لا يحب المعتدين} قال: لا تسألوا منازل الأنبياء . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: كان يرى أن الجهر بالدعاء الاعتداء . وأخرج عبد بن حميد وأبو والشيخ عن قتادة {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض} إلى قوله {تبارك الله رب العالمين} قال: لما أنبأكم الله بقدرته وعظمته وجلاله، بيَّن لكم كيف تدعونه على تفئه ذلك فقال {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين} قال: تعلموا إن في بعض الدعاء اعتداء فاجتنبوا العدوان والاعتداء إن استطعتم ولا قوة إلا بالله. قال: وذكر لنا أن مجالد بن مسعود أخا بني سليم سمع قوماً يعجون في دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم لقد أصبتم فضلاً على من كان قبلكم أو لقد هلكتم، فجعلوا يتسللون رجلاً رجلاً حتى تركوا بقعتهم التي كانوا فيها قال: وذكر لنا أن ابن عمر أتى على قوم يرفعون أيديهم فقال: ما يتناول هؤلاء القوم؟ فوالله لو كانوا على أطول جبل في الأرض ما ازدادوا من الله قرباً. قال قتادة: وإن الله إنما يتقرب إليه بطاعته، فما كان من دعائكم الله فليكن في سكينة، ووقار، وحسن سمت، وزي وهدي، وحسن دعة . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن مغفل. أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوّذ به من النار، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " حديث : سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور " . تفسير : وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد بن أبي وقَّاص. أنه سمع ابناً له يدعو ويقول: اللهمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها ونحو هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيراً وتعوّذت به من شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء" تفسير : وقرأ هذه الآية {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين} وأن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسلك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل . وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في الآية قال: إياك أن تسأل ربك أمراً قد نهيت عنه أو ما ينبغي لك . وأخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً فرضي له قوله، فقال {أية : إذ نادى ربه نداء خفياً} تفسير : [مريم: 2] . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في الآية قال: إن من الدعاء اعتداء، يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} [الآية: 54]. قال الواسطى رحمة الله عليه: إذا كان له فمنه وبه وإليه، لأن الأمر صفة الآمر. قال بعضهم: لله الخلق وهو الذى أنشأهم. وله وفيهم الأمر لأنه ربهم تبارك الله رب العالمين، جل الله تعالى حيث كفاهم للاشتغال ليكون شغلهم به، فاشتغلوا بما هو كافٍ لهم عما لا بد لهم منه.
القشيري
تفسير : تعرّف إلى الخلق بآياته الظاهرة الدالة على قدرته وهي أفعاله، وتعرّف إلى الخواص منهم بآياته الدالة على نصرته التي هي أفضاله وإقباله، وظهر لأسرار خواص الخواص بنعوته الذاتية التي هي جماله وجلاله، فشتان بين قومٍ وقوم!. ثم كما يدخل في الظاهر الليل على النهار والنهارَ على الليل فكذلك يدخل القبض على البسط والبسط على القبض. ومنه الإشارة إلى ليل القلوب ونهار القلوب: فَمِنْ عبدٍ أحواله أجمع قبض، ومن عبدِ أحواله أجمع بسط، ومن عبيد يكون مرة بعين القبض ومرة بعين البسط كما أن بعض أقطار العالَم فيها نهار بلا ليل، وفي بعضها ليل بلا نهار، وفي بعضها ليل يدخل على نهار ونهار يدخل على ليل. {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} فمنه الخير والشر، والنفع والضر، فإن له الخلْقَ والأمر. {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} هذه الكلمة مجمع الدعاء لاشتمالها على إفادة معنى قِدَمِه ودوامِ ثبوته من حيث يُقال بَرَكَ الطيرُ على الماء. وأفادت معنى جلاله الذي هو استحقاقه لنعوت العِزِّ لأنه قد تبارك أي تعظَّم. وأشارت إلى إسداد النِّعم وإتاحة الإحسان من حيث إن البَرَكَة هي الزيادة فهي مجمع الثناء والمدح للحق سبحانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان ربكم} الخطاب لكفار مكة المتخذين اربابا. والمعنى [بدرستى كه برورد كارشما] على التحقيق {الله} [خداييست] جامع جميع صفات كمال {الذى خلق السموات والارض} لا على مثال سبق {فى ستة ايام} اى فى ستة اوقات ولو شاء لخلقها فى اسرع من لحظة ولكنه علم عباده التأنى فى الامور: وفى المثنوى شعر : مكر شيطانست تعجيل وشتاب خوى رحمانست صبر واحتساب [1] باتأنى كشت موجود از خدا تابشش روز اين زمين وجرخها [2] ورنه قادر بود كزكن فيكون صد زمين وجرخ آوردى برون اين تأنى از بى تعليم تست صبركن دركار دير آى ودرست تفسير : قالوا لا يحسن التعجيل الا فى التوبة من الذنوب وقضاء الدين بعد انقضاء مدته وقرى الضيف وتزويج البكر بعد بلوغها ودفن الميت والغسل من الجنابة. واعلم ان الله تعالى بالقادرية والخالقية اوجد السموات والارض وبالمدبرية والحكيمية خلقها فى ستة ايام وانما حصر فى الستة انواع المخلوقات الستة. وهى الارواح المجردة. والثانى الملكوتيات فمنها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات ومنها العقول المفردة والمركبة. والثالث النفوس كنفوس الكواكب ونفس الانسان ونفس الحيوان ونفس النبات والمعادن. والرابع الاجرام وهى البسائط العلوية من اجسام اللطيفة كالعرش والكرسى والسموات والجنة والنار. والخامس الاجسام المفردة وهى العناصر الاربعة. والسادس الاجسام المركبة الكثيفة من العناصر فعبر عن خلق كل منها بيوم والا فالايام الزمانية لم تكن قبل خلق السموات والارض {ثم استوى على العرش} العرش يطلق على السرير الذى يجلس عليه الملوك وعلى كل ما علاك واظل عليك وهو بهذين المعنيين مستحيل فى حقه تعالى فجعل الاستواء على العرش كناية عن نفس الملك والعز والسلطنة على طريق ذكر اللازم وارادة الملزوم فالمعنى بعد ان خلق الله عالم الملك فى ستة ايام كما اراد استوى على الملك وتصرف فيه كيف شاء فحرك الافلاك وسير الكواكب وكور الليالى والايام ودبر امر مصنوعاته على ما تقتضيه حكمته. وهذا معنى قول القاضى استوى امره اى استقر امر ربوبيته وجرى امره وتدبيره ونفذ قدرته فى مصنوعاته وتخصيص العرش لانه اعظم المخلوقات فانه الجسم المحيط بجميع الاجسام فالاستواء عليه استواء على ما عداه ايضا من الجنة والنار والسموات والعناصر وغيرها. وفى التفسير الفارسى {ثم استوى} [بس قصد كرد على العرش بآفرينش عرش]. قال الحدادى ويقال ثم هنا بمعنى الواو على طريق الجمع والعطف دون التراخى فان خلق العرش كان قبل خلق السموات والارض وقد رود فى الخبر "حديث : ان اول شئ خلق الله القلم ثم اللوح فامر الله القلم ان يكتب ما هو كائن الى يوم القيامة ثم خلق العرش ثم خلق حملة العرش ثم خلق السموات والارض ". تفسير : قال شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة المراد بهذا الاستواء استواؤه سبحانه لكن لا باعتبار نفسه وذاته تعالى علوا كبيرا عما يقول الظالمون بل باعتبار امره الايجادى وتجليه التجلى الاحدى المعبر عنه فى القرآن بالحق واستواء الامر الارادى الايجادى على العرش بمنزلة استواء الامر التكليفى الارشادى على الشرع فكما ان كل واحد من الامرين قلب الآخر وعكسه المستوى السوى فكذلك كل واحد من العرش والشرع قلب الآخر وعكسه السوى المستوى انتهى باختصار. قال فى التأويلات النجمية لما اتم خلق المكونات من الانواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف فى العالم وما فيه التدبر فى اموره من العرش الى تحت الثرى وانما خص العرش بالاستواء لانه مبدأ الاجسام اللطيفة القابلة للفيض الرحمانى وهذا الاستواء صفة من صفات الله تعالى لا يشبه استواء المخلوقين كالعلم صفة من صفاته لا يشبه علم المخلوقين اذ ليس كمثله شئ وهو السميع العليم ولو امعنت النظر فى خصوصية خلافتك الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك وذلك ان الله تعالى لما اراد خلق شخصك من النطفة المودعة فى الرحم استعمل روحك بخلافته ليتصرف فى النطفة ايام الحمل فيجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير فيكون بدنه بمثابة الارض ورأسه بمثابة السماء وقلبه بمثابة العرش وسره بمثابة الكرسى وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه ثم استوى الروح بعد فراغه من الشخص الكامل على عرش القلب استواء مكانيا بل استوى ليتصرف فى جميع اجزاء الشخص ويدبر اموره بافاضة فيضه على القلب فان القلب هو القابل لفيض الحق تعالى الى المخلوقات كلها كما ان القلب مغتنم فيض الروح الى القالب كله فاذا تأملت فى هذا المثال تأملا شافيا وجدته فى نفى الشبيه عن الصفات المنزهة المقدسة كافيا وتحققت حقيقة من عرف نفسه فقد عرف ربه ان شاء الله تعالى. ثم انه تعالى لما ذكر استواءه على العرش واخبر بما اخبر من نفاذ امره واطراد تدبيره بين ذلك بطريق الاستئناف فقال {يغشى الليل النهار} اى يجعل الليل غاشيا يغشى النهار بظلمته فيذهب بنور النهار ويغطيه بظلمة الليل ولم يذكر العكس اكتفاء باحد الضدين. وفيه اشارة الى ليل ظلمات النفس عند استيلا صفاتها وغلبات هواها على نهار انوار القلب والى نهار القلب عند غلبات انواره واستيلاء المحبة عليه {يطلبه حثيثا} حال من الليل اى يجعل الليل غاشيا للنهار حال كون الليل طالبا له اى لمجيئه عقيب الليل سريعا. وحثيثا منصوب على انه صفة مصدر محذوف اى يطلبه طلبا حثيثا اى سريعا ولما كان كل واحد من الليل والنهار يعقب الآخر ويجئ بعده من غير ان يفصل بينهما بشئ صار كأنه يطلب الآخر على منهاج واحد {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره} عطف على السموات اى خلق كل هذه المخلوقات حال كونها مسخرات بقضائه وتصرفه اى مذللات لما يراد منها من الطلوع والافول والحركات المقدرة والاحوال الطارئة عليها {ألا} تنبيه معناه اعلموا {له} اى لله تعالى والتقديم للتخصيص {الخلق والامر} فانه الموجد للكل والمتصرف فيه على الاطلاق. وفى التأويلات النجمية ما خلق بامره تعالى من غير واسطة امر وما خلق بواسطة خلق. وذكر الامام ان العالم وهو ما سوى الله تعالى منحصر فى نوعين عالم الخلق وعالم الامر وان المراد بعالم الخلق عالم الاجساد والجسمانيات وبعالم الامر عالم الارواح والمجردات وان قوله تعالى {ألا له الخلق والامر} اشارة الى هذين العالمين عبر عن العالم الاول بعالم الخلق لان الخلق عبارة عن التقدير وكل ما كان جسما او جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين فعبر عنه بعالم الخلق وكل ما كان مجردا عن الحجم والمقدار كان من عالم الارواح ومن عالم الامر مكونات بمجرد امركن فخص كل واحد منهما باسم مناسب له وقيل ألا له الخلق والامر انتهى كلام الامام. وقال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة الخلق عالم العين والكون والحدوث روحا وجسما والامر عالم العلم والالة والوجوب وعالم الخلق تابع لعالم الامر اذ هو اصله ومبدأه {أية : قل الروح من أمر ربى} تفسير : [الإسراء: 85]. والله غالب على امره {تبارك الله رب العالمين} اى تعالى بالوحدانية فى الالوهية وتعظم بالتفرد فى الربوبية. قال ابن الشيخ اى تعاظم الاله الواحد الموجد للكل المتصرف فيه بالربوبية رد به على الكفرة الذين كانوا يتخذون اربابا فدعاهم الى التوحيد بالحكمة والحجة وصدر الآية بان ردا لانكارهم فقال ان ربكم المستحق للربوبية ليس الا واحدا وهو الله الموجد للكل على الترتيب المحكم المتقن الدال على كمال العلم والحكمة والقدرة وهو الذى انشأ ملكه على ما يشاهد ثم اخذ فى تدبيره كالملك المتمكن فى مملكته بتدبير ملكه انتهى ـ يروى ـ ان الصاحب ابن عباد كان يتردد فى معنى الرقيم وتبارك والمتاع ويدور على قبائل العرب فسمع امرأة تسأل اين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم هو الكلب وان المتاع هو ما يبل بالماء فيمسح به القصاع وان تبارك بمعنى صعد وتعالى وفى الحديث "حديث : من لم يحمد الله على عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله ومن زعم ان الله خلق للعباد من الامر سببا فقد كفر بما انزل الله على انبيائه " . تفسير : لقوله تعالى {ألا له الخلق والامر} قال الشاعر شعر : الى الله كل الامر فى خلقه معا وليس الى المخلوق شئ من الامر
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {حثيثًا} أي: سريعًا؛ صفة لمصدر محذوف، أي: طلبًا حثيثًان أو حال من الفاعل، أي: حاثًا، و {مسخراتٍ} حال فيمن نصب، وخبر فيمن رفع، و {تضرعًا وخفية}: مصدران، حالان من الواو، وكذلك {خوفًا وطمعًا}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنَّ ربكم} الذي يستحق أن تعبدوه، وهو {اللهُ} وحده {الذي خلق السماوات والأرض} أي: أظهرهما {في ستة أيامٍ} أي: مقدار ستة أيام من أيام الدنيا؛ إذ لم يكن ثَمَّ شمس، ولو شاء خلقهن في لمحة، والعدول إليه؛ لتعليم خلقه التأني والتثبت. {ثم استوى على العرش} استواء يليق به، والعرش: جسم عظيم محيط بالأكوان. سمي به؛ لارتفاعه، وللتشبيه بسرير الملك، فالأكوان في جوفه ممحوقة؛ فقد استولى عليها ومحقها، كذلك أسرار معاني الربوبية الأزلية قد استولت عليه ومحقته، فيمكن أن يكون الحق تعالى عبَّر بالاستواء عن هذا الاستيلاء، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. وقال القشيري: ثم استوى على العرش، أي: تَوَحَّدَ بجلال الكبرياء بوصف الملكوت، وملوكنا إذا أرادوا التجلِّي والظهور للحَشَم والرعية؛ برزوا لهم على سرير مُلكِهم في إيوان مشاهدتهم. فأخبر الحقُّ ـ سبحانه وتعالى ـ بما يَقرُب من فَهم الخلقِ، بما ألقى إليهم من هذه الكلمات، بأنه استوى على العرش، ومعناه: اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وجلاء الربوبية، وتقدَّس الجبَّارُ عن الأقطار، والمعبودُ عن الحدود. هـ. {يُغشي الليلَ النهارَ} أي: يُغطي نور النهار بظلمةِ الليل، {يطلبه حثيثًا} أي: يعقبه سريعًا؛ كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء، {و} خلق {الشمسَ والقمرَ والنجومَ مُسخرات بأمره} أي: بقضائه وتصريفه، ومن عجائب تسخيرها أن جعلها مقرونة بأمور غيبية، دالة على ظهور شيء منها. والنهي عن النظر في النجوم أو تصديق المنجمين؛ إنما هو لمن اعتقد التأثير لها مستقلة بنفسها، أو تصديقهم في تفصيل ما يخبرون به؛ لأنهم إنما يقولون ذلك عن ظن وتخمين وجهل، فإنَّ عِلم النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء، ثم اندرس ذلك العلم، فلم يبق إلا ما هو مختلط، لا يتميز فيه الصواب من الخطأ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابًا لآثار يخلق الله ـ تعالى ـ بها في الأرض، وفي النبات والحيوان شيئًا، يعني في الجملة ليس قادحًا في الدين، بل هو الحق، ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل: قادح في الدين، فالكواكب ما خلقت عبثًا، ولهذا نظر عليه الصلاة والسلام إلى السماء وقرأ قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً...}تفسير : [آل عِمرَان:191] الآية. انظر الإحياء للغزالي. ثم قال تعالى: {إلا له الخلقُ والأمرُ} أي: الإيجاد والتصرف بالأمر والنهي، {تبارك الله رب العالمين} أي: تعاظم في ألوهيته، وتعالى في ربوبيته، وتفرد في وحدانيته. قال البيضاوي: ( وتحقيق الآية ـ والله أعلم ـ أن الكفرة كانوا متخذين أربابًا، فبيَّن لهم أن المستحق للربوبية واحد ـ وهو الله تعالى؛ لأنه الذي له الخلق والأمر، فإنه تعالى خلق العالَم على ترتيب قويم، وتدبير حكيم؛ فأبدع الأفلاك العلوية، والأجرام السفلية، ثم بعد تمام خلق عالَم الملك أخذ في تدبيره؛ كالملِكِ الجالس على عرشه وسريره لتدبير مملكته، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيام، فله الخلق والأمر. وكذلك قال في آية السجدة بعد ذكر الخلق: {أية : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُ الأَمْرَ }تفسير : [يُونس:3، السجدة:4]، فربُّ الخلائق: مَن هذا صفته، لا غيره، انتهى المعنى. ثم أمرهم بأن يدعوه، متذللين مخلصين، فقال: {ادعوا ربكم تضرعًا وخُفيةً} أي: ذوي تضرع وخفاء؛ فإن الإخفاء دليل الإخلاص، {إنه لا يحب المعتدين} المتجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره، ونبه على أن الداعي ينبغي ألاَّ يطلب ما لا يليق به؛ كرتبة الأنبياء، وقيل: الاعتداء في الدعاء، هو الصياح به، والتشدق، أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : سَيَكُونُ قَومٌ يَعتَدُونَ في الدّعَاءِ، وحَسبُ المَرء أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّي أسألُكَ الجَنَّةَ ومَا يُقرِّبُ إليهَا من قَولٍ وعَمَلٍ. ثم قرأ {إنَّه لا يُحبُّ المُعتَدِين} ". تفسير : {ولا تُفسدوا في الأرض} بالكفر والمعاصي، {بعد إصلاحها} ببعث الأنبياء، وشرع الأحكام، أو: ولا تفسدوا في الأرض بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن، بعد إصلاحها بالخصب والأمان، {وادعوه خوفًا وطمعًا} أي: خوفًا من الرد لقصور الأعمال، وطمعًا في القبول بالفضل والكرم؛ {إن رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين} المخلصين. قال البيضاوي: هو ترجيح للطمع، وتنبيه على ما يتوصل به إلى الإجابة، وتذكير قريب؛ لأن الرحمة بمعنى الترحم، أو لأنه صفة محذوف؛ أي: أمر قريب، أو على تشبيه فعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو للفرق بين القريب من النسب، والقريب من غيره. هـ. قلت: والأحسن أنه إنما ذكره؛ لأن المراد بالرحمة هنا: سر الخصوصية، وهو مذكر، فراعى معنى اللفظ، كأنه قال: إن سر الولاية ـ وهي الخصوصية ـ قريب من المحسنين. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: {في ستة أيام}: قال الورتجبي: في كل يوم من هذه الأيام: ظهور صفة من صفاته الست: أولها: العلم، والثاني: القدرة: والثالث: السمع، والرابع: والبصر، والخامس: الكلام، والسادس: الإرادة، كملت الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة، ولما أتمها صارت الحدثان؛ كجسد آدم بلا روح، فتجلى من صفته السابعة. وهي حياته القديمة الأزلية الباقية، المنزهة عن همهمة الأنفاس والمشابهة والقياس ـ فقامت الأشياء بصفاته القائمة بذاته، ويكون إلى الأبد؛ لحياتها بروح حياته، المقدسة عن الاتصال والانفصال. قلت: وهي المعبَّر عنها بالمعاني القائمة بالأواني. ثم قال: وفي أدق الإشارة: السماوات: الأرواح، والأرض: الأشباح، والعرش: القلوب، بدأ بكشف الصفات للأرواح، وبدأ بكشف الأفعال للأشباح، ثم بدأ بكشف الذات للقلوب؛ لأن مناظر القلوب للغيوب، والغيوب من القلوب محل تجلّي استواء القدم، استوى قهر القدم، بنعت الظهور للعدم، أي: فتلاشى العدم، ثم استوى تجلّي الصفات على الأفعال، واستوى تجلّي الذات على الصفات، فاستوى بنفسه لنفسه، المنزه عن المباشرة بالحدثان والاتصال والانفصال عن الأكوان. قلت: أي: إذ لا حدثان ولا أكوان؛ لأنها لما قرنت بالقدم تلاشت، وما بقي إلا نعت القدم. ثم قال: خصَّ السماوات والأرض بتجلي الصفات، وخص العرش بتجلي الذات. قلت: لأن المعاني المستولية على العرش باقية على أصلها، وهي أسرار الذات لم تتَرَدَّ برداء الكبرياء، وهو حجاب الحس الظاهر، بخلاف المعاني القائمة بالأواني، وهي أنوار الصفات، تجلت مرتدية بحجاب القهرية، فقيل لها: تجلي الصفات. ثم قال: السماوات والأرض جسد العالم، والعرش قلب العالم، والكرسي دماغ العالم، خص الجميع بالأفعال والصفات، وخص العرش بظهور الذات؛ لأنه قلب الكل، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته، رأيته في المكاشفة أنوارًا شعشعانيًا، بلا جسم ولا مكان ولا صورة، يتلألأ، فسألت عن ذلك، فقيل لي: هذا عالم يسمى عرشًا. انتهى. قلت: وأقرب من هذا كله: أن العرش قد استولى على ما في جوفه من العوالم، حتى صارت في وسطه كلا شيء، ومعاني أسرار الربوبية، وهي العظمة الأصلية ـ قد استولت عليه، وأحاطت به، ومحت وجوده، فعبَّر الحق ـ جل جلاله ـ عن استيلاء هذه العظمة ـ التي هي أسرار الربوبية ـ على العرش بالاستواء. وإلى هذا أشار في الحكم العطائية بقوله: "يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبًا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبًا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الآثارـ وهي العرش وما احتوى عليه ـ بمحيطات أفلاك الأنوار" وهي أسرار الذات المحيطات بالآثار ـ من العرش إلى الفرش، فعبّر عن المعاني المستولية على العرش بالرحمانية؛ لأن الرحمانية صفة الذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فافهم. قلت: ومن كحل عينه بإثمد توحيد الذات لا يستعبد أن يكون الحق ـ جل جلاله ـ يتجلى بتجل خاص من أسرار ذاته وأنوار صفاته، يستوي بتلك العظمة على العرش، كما يتجلى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، إذ تجلياته لا تنحصر، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نور من تجلّي ذاته وصفاته. وهذا القدر كاف لمن شم شيئًا من أسرار التوحيد، وقد تكلم ابن جزي هنا على الخوف والرجاء، وأطال فيهما، ولكنه يجنح لتصوف أهل الظاهر، وقد تقرر في محله. وقوله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين}: هو تقييد لقوله: {يختص برحمته من يشاء}؛ فالمختص بالرحمة هم المحسنون. انظر لفظ الحكم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحقّ ـ جلّ جلاله ـ تصاريف قدرته المفهوم من قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة الا حفصا ويعقوب {يغشِّي الليل} بالتشديد، وكذلك في الرعد. وقرأ ابن عامر {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} بالرفع فيهن. الباقون بالنصب. هذا خطاب من الله تعالى لجميع الخلق وإِعلام لهم بأن ربهم الذي أحدثهم وأنشأهم هو الله تعالى {الذي خلق} بمعنى اخترع {السماوات والأرض} فابتدعهما وأوجدهما لا من شىء، ولا على مثال {في ستة أيام} وقيل: إِن هذه الستة أيام هي الأحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة، فاجتمع له الخلق في يوم الجمعة، فلذلك سميت: جمعة - في قول مجاهد - و {السماوات} إِنما جمعت بالواو، لأنه رد الى أصله، لأن أصله سماوة، وليس مثل ذلك (قراءة) لأن أصلها الهمزة، ولذلك قيل في الجمع قراءات. والوجه في خلقه إِياهما {في ستة أيام} مع أنه قادر على إِنشائهما دفعة واحدة قيل فيه وجوه: أحدها - أن تدبير الحوادث على إِنشاء شىء بعد شىء على ترتيب، أدلُّ على كون فاعله عالماً قديراً يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته. وقال أبو علي: ذلك لاعتبار الملائكة بخلق شىء بعد شىء. وقال الرماني: يجوز أن يكون الاعتبار بتصور الحال في الاخبار، ومعناه إِذا أخبر الله تعالى بأنه {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} كان فيه لطف للمكلفين، وكان ذلك وجه حسنه. وقوله {ثم استوى على العرش} قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه استولى كما قال البغيث: شعر : ثم استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : يريد بشر بن مروان. الثاني - قال الحسن: استوى أمره. وقيل في معنى {ثم استوى} ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبو علي: ثم رفع العرش بأن استولى عليه ليرفع. الثاني - ثم بيَّن أنه مستوي على العرش. الثالث - ثم صح الوصف بأنه مستوي على العرش، لأنه لم يكن عرشاً قبل وجوده. وقوله {يغشى الليل النهار} معناه يجلل الليل النهار أي يدخل عليه. وقال الأزهري: أقبل عليه. والاغشاء هو إِلباس الشىء ما رق بما يجلله، ومنه غاشية السرج، والغشاوة التي تخرج على الولد، وغشي على الرجل اذا غشيه ما يزيل عقله من عارض علة. ومن شدد العين، فلانه يدل على الكثرة. وغشى فعل يتعدى الى مفعول واحد، كقوله {وتغشى وجوههم النار} فاذا نقلته بالهمزة أو التضعيف تعدى الى مفعولين، وقد ورد القرآن بهما قال الله تعالى {أية : فأغشيناهم فهم لا يبصرون}تفسير : فالمفعول الثاني محذوف، وتقديره فأغشيناهم العمى، وفقد الرؤية. وبالتضعيف نحو قوله {أية : فغشَّاها ما غشَّى}تفسير : (ما) في موضع نصب بأنه مفعول ثان. ومن خفف، فلأنه يحتمل القليل. والكثير، والليل هو الذي يلبس النهار في هذا الموضع، لأنه منقول من غشي الليل النهار. وقوله {يطلبه حثيثاً} معناه أنه يستمر على منهاج واحد وطريقة واحدة من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث. وقيل: إِن معنى الحثيث السريع بالسوق. وقوله {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} عطف على {خلق السماوات} كأنه قال وخلق {الشمس والقمر والنجوم مسخرات} وهي نصب على الحال، ومن رفع استأنف وأخبر عنها بأنها مسخرة. وقوله {ألا له الخلق والأمر} إِنما فصل الخلق من الأمر، لأن فائدتهما مختلفة "لأن له الخلق" يفيد أن له الاختراع، "وله الأمر" معناه له أن يأمر فيه بما أحب فأفاد الثاني ما لم يفده الأول. فمن استدل بذلك على أن كلام الله قديم، فقد تجاهل لما بينا، ولو كان معناهما واحداً لجاز أيضاً مع اختلاف اللفظين، كما قالوا: كذب ومين وأشباهه. وقوله {تبارك الله رب العالمين} معناه تبارك تعالى بالوحدانية فيما لم يزل ولا يزال وأصله الثبات من قول الشاعر: شعر : ولا ينجي من الغمرات إِلا براكاء القتال أو الفرار تفسير : فهو بمعنى تعالى بدوام الثبات. ويحتمل تعالى بالبركة في ذكر اسمه. وقيل في معنى {العرش} قولان: أحدهما - أنه سرير تعبد الله تعالى الملائكة بحمله. وقيل: المراد به الملك.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} اعلم، انّ فعل الله تعالى لا يتقيّد بالزّمان وقد قالوا: انّ الافعال المنسوبة الى الله منسلخة عن الزّمان فانّ المحيط كما لا يحاط ذاته بالزّمان لا يحاط فعله بالزّمان، وانّ ايّام الله محيطة بالايّام الزّمانيّة ومقادير ايّام الله متفاوتة بحسب تفاوت مراتب فعله فقد تتقدّر بالف سنةٍ وقد تتقدّر بخمسين الف سنة، وانّ السّماوات فى عرف اهل الله عبارة عن عوالم الارواح المجرّدة عن المادّة وعن التّقدّر، والارض عبارة عن عوالم الاشباح مادّيّة كانت او مجرّدة عن المادّة كعالمى المثال ومنها سماوات عالم الطّبع لتقدّرها وتعلّقها بالمادّة، وانّ مراتب الممكنات الّتى هى مخلوقات الله وفيها تتحقّق السّماوات والارض بوجه ستّ وبوجه ثلاث صائرة بحسب النّزول والصّعود ستّاً وهى مرتبة المقرّبين المهيمين الّذين هم قيام لا ينظرون، ومرتبة الصّافّات صفّاً ويعبّر عن الصّنفين بالعقول الطّوليّة والعقول العرضيّة المسمّاة بارباب الانواع فى لسان حكماء الفرس، ومرتبة المدبّرات امراً ومرتبة الرّكّع والسّجّد، ومرتبة المتقدّرات المجرّدة عن المادّة، ومرتبة المادّيّات وخلقة السّماوات والارض وتماميّتها فى تلك المراتب السّتّ، واذا اريد بالسّماوات والارض سماوات عالم الطّبع وارضه فخلقتها بوجودها الطّبيعىّ وان كانت فى عالم الطّبع لكنّها بوجودها العلمىّ موجودة فى المراتب العالية عليه وهذه هي الايّام الستّة الرّبوبيّة الّتى خلقت السّماوات والارض فيها، وتلك المراتب مع المشيّة الّتى هى عرش الرّحمن بوجه وكرسيّه بوجهٍ تصير سبعاً نزولاً، وباعتبار صعودها تصير مثانى وهذه هى السّبع المثانى الّتى اعطاها الله محمّداً (ص)، ولمّا كان المتحقّق بتلك المراتب نزولاً وصعوداً منحصراً فى الائمّة (ع)، لانّهم المتحقّقون بها على الاطلاق وغيرهم متحقّقون بها بتحقّقهم قالوا: نحن السّبع المثانى الّتى اعطاها محمّداً (ص) بطريق الحصر، ثم لمّا كان عرش الرّحمن الّذى هو المشيّة الّتى هى الحقّ المخلوق به اضافته الاشراقيّة المأخوذة لا بشرطٍ وكان بهذا الاعتبار متّحداً مع جميع الاشياء، بل كان حقيقة كلّ ذى حقيقة وكان باعتبار كونه اضافة ومأخوذاً لا بشرط لا تحقّق له الاّ بتحقّق جميع ما ينضاف اليه ولا يتمّ الاّ بما ينضاف اليه، قال بعد ذكر خلق السّماوات والارض الّتى هى جملة الاشياء {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} معطوفاً بكلمة التّراخى، لانّ الاستواء فى العرف هو الجلوس على العرش ولا يتمّ هذا المعنى الاّ بتماميّة العرش وليس تماميّة العرش الاّ بتماميّة السّماوات والارض، ولذا فسّروا الاستواء لنا باستواء نسبته الى الجليل والدّقيق، ولمّا كانت المشيّة اضافته الحقيقيّة الى الاشياء كانت ذات جهتين جهة الى المضاف وجهة الى المضاف اليه، وباعتبار جهتها الى المضاف تسمّى عرشاً ولذا يطلق عليها هذا الاسم حين تنسب الى الله، وباعتبار جهتها الى المضاف اليه تسمّى كرسيّاً ولذا يطلق عليها هذا الاسم حين تنسب الى الاشياء وسع كرسيّه السّماوات والارض، وورد ان جميع الاشياء فى الكرسىّ والكرسىّ فى العرش، ووجه كون الكرسىّ فى العرش انّ الجهة المنسوبة الى المضاف محيطة بالجهة المنسوبة الى المضاف اليه، وقد يسمّى عقل الكلّ بالعرش ونفس الكلّ بالكرسىّ لكونهما مظهرى الجهتين، وقد يسمى الفلك المحيط عرشاً والفلك المكوكب كرسيّاً لكونهما مظهرى هذين المظهرين {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} يغطّى بليل الزّمان نهار الزّمان، وبليل عالم الطّبع نهار عالم الارواح، وبليل الملكوت السّفلىّ نهار الملكوت العليا، وبليل طبع الانسان نهار روحه، وبليل جهله نهار علمه، وبليل شهواته وسخطاته نهار رغباته ومرضاته، وبليل رذائله نهار خصائله، وبليل اسقامه نهار صحّته، وبليل ضعفه نهار قوّته وهكذا {يَطْلُبُهُ} يتعقّبه كالطّالب له {حَثِيثاً} وفى استعمال الطّلب والحثّ هناك دليل على التّعميم وكان المناسب ان يقول: ويكشف النّهار اللّيل او يغشى النّهار اللّيل، ولكنّه تعالى تركه اشارة الى اصالة النّهار وعرضيّة اللّيل ولو قال ذلك لأوهم اصالتها وانّ تقابلهما تقابل الوجوديّين {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} قرئ بنصب الشّمس والقمر والنّجوم ومسخّراتٍ، وقرئ برفعها فهى معطوفة على السّماوات على قراءة النّصب فيها، او على خلق بتقدير جعل، او على يغشى بتقدير يجعل وعلى قراءة الرّفع فيها فهى مبتدء وخبر {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} فذلكة لما سبق ولذا أتى باداة التّنبيه فانّه لمّا ذكر انّه خالق سماوات الارواح واراضى الاشباح وانّه المستوى القاهر على العرش الّذى هو جملة عالمى الامر والخلق، ثمّ ذكر تدبيره للعوالم باغشاء اللّيل النّهار على وفق حكمته البالغة، فانّه بهذا الاغشاء يتمّ تربية المواليد ولا سيّما غايتها الّتى هى الانسان، فانّ الانسان بقالبه وقلبه تستكمل بتضادّ اللّيل والنّهار وتعاقبهما بجميع معانيهما وتسخير الشّمس والقمر والنّجوم الّذى به يتمّ نظام العالم وينتظم معاش بنى آدم، استفيد منه مبدئيّته لعالمى الخلق والامر ومالكيّته لهما فنبّه على المستفاد واتى بالّلام الدّالّة على المبدئيّة والمالكيّة والمنتهائيّة، مشيراً الى الاختصاص المؤكّد بتقديم الظّرف ثمّ مدح نفسه بكثرة الخيرات مؤكّداً بربوبيّة العالم بقوله {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} ثمّ فرّع عليه الامر بالدّعاء والتّضرّع، فانّ من لا شأن له سوى المخلوقيّة والمربوبيّة لا ينبغى له الخروج عن التّعلّق والدّعاء والتّضرّع عند ربّه الّذى هو مالك الكلّ وصاحب الخيرات الكثيرة بقوله {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ}.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وفيها إضمار، وإضمارها: الذي خلق السماوات والأَرض وما بينهما. وهذا موضع الإضمار. كقوله: (أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) تفسير : [سورة ق:38]. قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ} [أَي أن الليل يأتي على النهار] ويغطيه ويُذهبه {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} فيذهبه {وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ} من البركة، وهو تفاعل {رَبُّ العَالَمِينَ}. قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً} أي من الضراعة والخضوع {وَخُفْيَةً} أي: وسرّا {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ}. {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} قال بعضهم، يعني بعدما بعث النبي عليه السلام واستجيب له {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي خوفاً منه وطمعاً في رحمته. {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ} أي إنها للمحسنين دون سواهم. قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} قال بعضهم: أي يبسطها بين يدي المطر. وتفسير الحسن في قوله نشرا، أي: تلفح السحاب. قال: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} قال بعضهم: الثقال، التي فيها الماء {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي: إلى بلد ليس به نبات {فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ} أي: بذلك البلد. قال الحسن: إن الله ينزل الماء من السماء فيسكنه السحاب ثم يصرفه حيث يشاء. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي أنبتنا بالماء {مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ}. قال: {كَذَلِكَ} أي هكذا {نُخْرِجُ المَوْتَى} يعني البعث. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يرسل الله مطراً منياً كمنى الرجال، فتنبت به لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض الثرى. ثم تلا هذه الآية: (أية : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) تفسير : [فاطر:9] أي كذلك البعث. وقال مجاهد: {كَذَلِكَ النُّشُورُ}، أي: بمطر السماء حتى تنشق عنهم الأرض. قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال الحسن: يقوله للمشركين. يقول: فالذي أنزل الماء فأخرج به هذا النبات من هذه الأرض الميتة قادر على أن يحيي الموتى.
اطفيش
تفسير : {إنَّ ربَّكم اللهُ الذِى خَلَق السَّماوات والأرضَ فى ستَّةِ أيَّامٍ} أى فى ستة أوقات، أو فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، والأول أنسب وأتم حينئذ، وقال الجمهور: كل يوم ألف سنة، وهو قادر على خلقهن فى أقل من لحظة تعليما لخلقه التثبت، والثانى فى الأمور، ولأن خلق شىء فشىء أبلغ فى القدرة والدلالة، وأنفى لما قد يخطر بالبال لو خلق دفعة من أن ذلك وقع على سبيل الاتفاق، ولأنه أراد أن يخلق كل يوم شيئا تستعظمه الملائكة وغيرها ممن شاهد إن كان معهم سواهم، وإن قلنا: التعجل فى الخلق أبلغ فى القدرة، فالتثبيت أبلغ فى الحكمة فأظهره فى خلق ما شاء فى كل يوم على حدة، كما أظهر قدرته فى خلقها بكن، فإن خلقه لها ليس بمعالجة كمعالجة البنَّاء والطيَّان، بل أراد وجوداً فوجدت لا على مثال سبق، فإن الخلق إيجاد بلا قياس إلى موجود، وهذا هو المراد، ويستعمل فى اللغة بمعنى التقدير المستقيم وقيل: هو الأصل. وروى مسلم أن الله خلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد والشجر يوم الاثنين، والظلمات يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم بعد العصر من يوم الجمعة، وليس بصحيح عنه صلى الله عليه وسلم لمخالفته هذه الآية، وقوله: {أية : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام} تفسير : لأن فيه سبعة أيام، والجواب أنه خلق التربة يوم السبت من غير أن يخلقها أرضا، وهو جواب ضعيف، وسمى يوم السبت لأنه قطع فيه بعض الخلق أى أوجده، والسبت القطع. والصحيح قول عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وختمه يوم الجمعة، فأول الأيام الأحد، وآخرها السبت، سمى لانقطاع الخلق عنه فاختاره اليهود للراحة، وسمى يوم الجمعة لتمام الخلق فيه واجتماعه، وسائر الأيام على ترتيبه فى الوجود واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة، وقيل: خلق التربة يوم الأحد والاثنين، والسماوات فى الثلاثاء والأربعاء، وبسط الأرض وأخرج ماءها ومرعاها، وخلق دوابها ووحشها وما فيها فى الخميس والجمعة، وخلق آدم آخر الخلق فى آخر الساعة الأخيرة من الجمعة. وقيل: خلق التربة فى يوم الأحد، والسماوات فى الاثنين والثلاثاء، وبسط الأرض وخلق ما فيها فى الخميس، وآدم فى الجمعة وأهبطه، وجرى فى آخر ساعاتها. وقيل: أول ما خلق بعد نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، القلم، ثم اللوح، وأثبت فيه ما يكون، ثم الظلمة والنور، ثم العرش ثم الكرسى من درة بيضاء، ثم التربة، ثم السماوات والنجم والشمس والقمر، ثم مد الأرض من التربة، ثم خلق ما فيها. وذكر ثابت السرقسطى: أن الله خلق التربة يوم السبت، وذكره مكى أيضا، وفى عرائس القرآن: أن الله سبحانه خلق جوهرة خضراء أضعاف طباق السماوات والأرض، ثم نظر إليها نظر هيبة أى وجه إليها الهيبة فصارت ماء، ثم نظر إلى الماء يعنى النظر المذكور مفسراً فعلا، وارتفع منه زبد ودخان، وارتعد من خشية الله، فمن ثم يرعد الماء إلى يوم القيامة، وخلق من ذلك الدخان السماء، وخلق من ذلك الزبد الأرض، فأول ما ظهر منها على الماء أرض مكة، بسط الأرض من تحتها وفتقها سبعا، وبعث ملكا من تحت العرش فهبط إلى الأرض السابعة فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب قابضتان على سائر الأرضين، وكانت الأرض تتكفأ على الماء كالسفينة، وأرساها بالجبال، وعن على: أنها تحركت وضجت: يا رب يعمل بنو آدم على الخطايا، وخلق الجبال وأرساها بها، وبين كل أرض وأخرى خمسمائة عام، وغلظ كل أرض كذلك. قال عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الريح مسجون فى الأرض الثانية، وخلق فى الثالثة خلقاً وجوههم وجوه بنى آدم، وأفواههم أفواه الكلاب، وأيديهم أيدى الإنسان، وأرجلهم أرجل البقر، وأذنابهم أذناب المعز، وأشعارهم كصوف الغنم، لا يعصون الله طرفة عين، لا يثابون بالجنة، نهارهم ليلنا، وليلنا نهارهم، وفى الرابعة حجارة كبريت لأهل النار تسجر بها النار، وفى الخامسة عقارب أهل النار كالبغال لها أذناب كالرماح، فى كل ذنب ثلاثمائة وستون فقرة، فى كل فقرة ثلاثمائة وستون قلة من سم، وحياتهم بكل حية ثمانية عشر ألف ناب، الناب كالنخلة العظيمة، فى أصل كل ناب ثمانية عشر ألف قلة من السم، وفى السادسة دواوين أهل النار وأعمالهم وأرواحهم وتسمى سجِّينا، وفى السابعة إبليس وجنوده وعرشه ". تفسير : وعن سلمة بن كهل: الجنة اليوم فى السماء السابعة، ويجعلها الله يوم القيامة حيث شاء، والنار فى الأرض السفلى، ويجعلها الله يوم القيامة حيث شاء، وقيل: الجنة على يمين العرش فى الآخرة، وتحته فى الدنيا فى السماء السابعة، وقيل: فى السادسة، والنار فى الدنيا تحت الأرض السابعة، وفى الآخرة عن يسار العرش، والجنة خلقت قبل النار، وقيل ستوجدان، وتوقَّف التفتازانى، وتسمى الأولى أديماً والثانية بسطا، والثالثة إفيلا، والرابعة بطيحا، والخامسة قلة، والسادسة ماكسة، والسابعة ثورى كما فى عرائس القرآن. وذكر الثلاثى: أن تحت الأولى الريح العقيم المزمومة بسبعين زماما، المحيط بها سبعون ألف ملك، وبها أهلك الله قوم عاد، وسكانها قوم يقال لهم البرسم، وأن الثانية تسمى الحادة وفيها أضاف العذاب لأهل النار والجن المؤمنون، والثالثة تسمى هاوية وفيها عفاريت من جنود إبليس يعذبون بأصناف العذاب، والرابعة تسمى الجرباء فيها حيات كالجبال لأهل النار لكل حية أنياب كالنخلة الطويلة، لو ضربت به أعظم جبل فى الأرض لجعلته رميما، سكنها قوم يقال لهم الجاهات ليس لهم أقدام ولا عيون، والخامسة تسمى فلتا فيها حجر الكبريت لأهل النار، سكنها قوم يقال لهم الخيلة لا يعلم عددهم إلا الله، يأكل بعضهم بعضا، والسادسة تسمى سجين، سكنها قوم يقال لهم العطاكث على صورة الطير لا يعرفون الله، والسابعة تسمى العجيبة فيها إبليس وجنوده الكفار، لهم مخالب كمخالب السباع، وهم الذين يسلطون على يأجوج ومأجوج. وإن أول الأيام يوم الأحد، وفيه خلق السماوات والأرض، ثم يوم الاثنين وخلق فيه الشمس والقمر والنجوم، ثم يوم الثلاثاء وخلق فيه دواب البحر وطيور السماء، ثم يوم الأربعاء وأجرى فيه الأنهار وأنبت فيه الأشجار، وقدر فيه الأقدار، وقسم الأرزاق، ثم يوم الخميس وفيه خلق الجنة والنار، ثم يوم الجمعة وخلق فيه آدم وروح حواء، وتم الخلق فيه قال ابن عباس: ولذلك اتخذه المسلمون عيداً ولا بطء فى خلقه الشىء ولا علاج، بل إذا حضر وقت خلق شىء خلقه فى أسرع ما يكون، ووجه الجمع بين قول بعضهم: إن الأرض خلقت فى يوم، وقوله سبحانه: {أية : خلق الأرض فى يومين} تفسير : أن أصلها خلق فى يوم، والفتق والبسط فى يوم آخر وهو ضعيف، والأقرب بطلان القول بأن خلقها فى يوم، لقول الله إنه خلقها فى يومين، والمتبادر من خلقها فى يومين أنه أوجدها فى يومين. وقيل: أول ما خلق القصب، ثم خلق منها القلم، وزعم بعضهم أن الأرض كانت تميد كالسفينة، فخلق ملكا فى نهاية العظم والقوة دخل تحتها وجعلها على منكبيه، وأخرج يداً من المشرق ويداً من المغرب، وقبض على أطرافها فأمسكها، والصواب أنه إنما أمسكها عن الميْدِ الجبال، كما أخبر الله تعالى أنه أرساها بالجبال، والأرض خلقت قبل السماء، وقيل: بعدها، ويأتى الجمع بينهما. وقيل: خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسماوات والملائكة يوم الخميس، وخلق فى الساعة الأولى من الجمعة الأجل، وفى الثانية الأمة، وفى الثالثة آدم، وقيل خلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والخير يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم بعد عصر الجمعة، والساعات النهارية ما بين العصر والمغرب. وقيل: الأولى الرمكا تحتها الريح المذكور، والثانية جلدة وهى من حديد فيها عقارب النار، والثالثة عرفة فيها أصناف عذاب النار، والرابعة الجرباء فيها حياتها، والخامسة فلتا فيها كبريت النار، والسادسة سجين فيها دودها، والسابعة عجيبا فيها إبليس وجنوده وأرواح الفجار عند خد إبليس والله أعلم. وهذا مروى عن المسيح عيسى، قال بعض: خلق الله قبل العرش ثلاثة أشياء: الهواء، والنور والعلم، وعن بعضهم أن فى الأرض التى تحت هذه حجارة أهل النار، وفى التى تليها الريح العقيم، وفى التى تليها حياتهم، وفى التى تليها إبليس وجنوده، وقيل: الريح العقيم فى الثانية، وفى الثالثة حجارة أهل النار، وفى الرابعة عقاربهم، وفى الخامسة حياتهم، وفى السادسة كبريتهم، وفى السابعة إبليس. وقيل: فى الثانية الريح، وفى الثالثة حجارتهم، وفى الرابعة كبريتهم، وفى الخامسة حياتهم، وفى السادسة عقاربهم، وفى السابعة سقر، وإبليس مصفد بالحديد، يد خلفه ويد أمامه، ويطلقه الله لما شاء. والسماوات سبع، قال وهب: كادت الأشياء أن تكون سبعة، السماوات سبع، والأرضون سبع، والبحار سبعة، والدنيا سبعة آلاف سنة، والأيام سبعة، وأبواب النار سبعة، ودركاتها سبع، وامتحن يوسف بسبع سنين حبس فيها، ورأى سبع بقرات سمان، وسبع سنبلات خضر، وسبعا يابسات، وأتى الله جل جلاله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم سبعاً من المثانى، وأمر الإنسان بالسجود على سبعة أعضاء، وخلق من سبعة {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة} تفسير : إلى {أية : الخالقين} تفسير : وطعامه من سبعة {أية : فلينظر الإنسان إلى طعامه} تفسير : إلى {أية : متاعا لكم ولأنعامكم}. تفسير : قال الربيع بن أنس: سماء الدنيا موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة نور، بين كل سماء وأخرى خمسمائة سنة، وكذا غلظ كل، وذلك المشهور، وقيل: بين كل وأخرى ثلاث وسبعون سنة. قال وهب بن منبه: الأولى سماء الدنيا، والثانية رتقا، والثالثة رفيع، والرابعة قبلون، والخامسة طبطاب، والسادسة سمساق، والسابعة قابل. وقال الضحاك: ومقاتل: الأولى كلون الحديد المحلى اسمها الرفيع فيها ملائكة وكِّلوا بالسحاب والمطر، يقولون: سبحان ذى الملك والملكوت. والثانية كالنحاس فيها ملائكة على ألوان يقولون: سبحان ذى العز والجبروت، وملك اسمه حبيب نصفه نار ونصفه ثلج، يقول: سبحان المؤلف بين الثلج والنار اللهم ألف بين قلوب عبادك المؤمنين. والثالثة تسمى الماعون فيها ملائكة المنك بجناحين أو أربعة أو ستة ووجوه شتى، والسن شتى، وأصوات شتى يقولون: سبحان الدائم الذى لا يموت. والرابعة كالفضة واسمها أريلون فيها ملائكة قيام وركوع وسجود، لا يدرى واحد منهم مَن بجنبه لشدة عبادتهم يقولون: سبوح قدوس، ربنا الرحمن الذى لا إله إلا هو. والخامسة كالذهب واسمها الساحقون ملائكتها ركع سجد، لن يرفعوا أبصارهم إلا يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة قالوا: ربنا لم نعبدك حق عبادتك. والسادسة فيها الكروبيون لا يحصى عددهم وهى كياقوت أحمر، واسمها عاروس. والسابعة كدرة بيضاء تسمى الرفيع، وكل سماء ملائكتها ضعف ملائكة سماء تحتها كذلك فى عرائس القرآن وفيه ضعف من جهة الناسخ. وقيل: الأولى من زبرجدة خضراء، والثانية من ياقوتة حمراء، والثالثة من ياقوتة صفراء، والرابعة من فضة بيضاء، والخامسة من الذهب، والسادسة من الدر، والسابعة من نور يتلألأ، وملائكة الأولى بصورة البقر، والملك الموكل عليهم إسماعيل، وملائكة الثانية بصورة النعام، والموكل عليهم ميطائيل، وملائكة الثالثة بصورة النسر، والموكل عليهم تائيل، وملائكة الرابعة بصورة الخيل، والموكل عليهم صاميائيل، وملائكة الخامسة بصور الحور العين، والموكل عليهم عنيائيل، وملائكة السادسة بصورة الولدان، والموكل عليهم ميخائيل، وملائكة السابعة بصورة الإنسان آدم، والموكل عليهم إلى العرش دردائيل. وقيل: السماء الأولى رقيقا من زمردة خضراء، والثانية دقلون من فضة بيضاء، ملائكتها قيام، والثانية قيدوم، وقيل عينا من ياقوتة حمراء، ملائكتها راكعون ملتصقون، لو قطرت قطرة لم تجد منفذا، والرابعة عرداء، وقيل ماعونا من درة بيضاء، ملائكتها ساجدون، والخامسة دبقا، وقيل سجيون من ذهب أحمر، ملائكتها على وجوههم وبطونهم بكاءون، والسادسة فنا، وقيل عذريا، من ياقوتة صفراء ملائكتها قعود ترتعد أجسادهم، وتهتز رءوسهم لهم أصوات عالية بالتسبيح والتقديس، لو قاموا على أرجلهم لبلغت تخوم الأرض السابعة، ورءوسهم فوق السماء السابعة، ويقومون يوم القيامة، والسابعة عربيا، وقيل سمعو من نور وملائكتها قائمون على رجل واحدة تعظيما لله عز وجل، وإشفاقا من عذابه، وأرجلهم تحت الأرض السابعة بخمسمائة عام، ورءوسهم تحت العرش، يقولون: لا إله إلا الله ذو العرش المجيد والرفيع، سبحان رب الملك والملكوت، سبحان ذى القوة والجبروت، سبحان الحى الذى لا يموت، يميت الخلائق، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، سبوح قدوس، ربنا الأعلى، سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء، ويستغفرون للمؤمنين، ثم يعودون إلى التسبيح والتحميد. وقيل: الأولى موج مكفوف، والثانية من مرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء، وقيل: ملائكة الأولى خلقوا من نار وريح، والموكل عليهم ملك يسمى الرعد، موكل بالسحاب والمطر يقول: سبحان ذى الملك والملكوت، والثانية على لون الشمس، ملائكتها يقولون: سبحان ذى العز والجبروت، وتسمى قيدوم، وفيها الملك المذكور أنه نصفه من ثلج ونصفه من نار، وأنه يقول كذا، والثالثة الماعون إلى آخرها ما مر عن عرائس القرآن. {ثمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش} الترتيب والمهلة اللذين أفادتها، ثم هما بحسب عظمة العرش وعلوه شأنا، ومسافة كما يأتى إن شاء الله، أو ثم بمعنى الواو أو للاستئناف، وذلك أن العرش مخلوق قبل السماوات والأرض، واستوى بمعنى استولى بالملك والغلبة والقوى، والتصرف فيه كيف شاء، والعرش جسم عظيم وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة وأبى المعالى وغيره من حذاق المتكلمين، وخص العرش بذكر الاستيلاء لعظمه، ويصح أن يكون المعنى استوى أمره ولم يكن فيه عوج، فكنى عن ذلك باستوى على العرش. وقال سفيان الثورى: فعل فعلا فى العرش سماه استواء وأبهمه كما فعل فعلا سماه رزقا وغير ذلك، وذلك الفعل بعد خلق السماوات والأرض بمدة، فثم على أصلها وظاهرها، وبذلك قال أبو الحسن الأشعرى، وقيل: استوى بمعنى علا علو شأن، وتنزه عن الحلول، أى تعالى عن الحلول على العرش، والعرش ملكه مخلوقاته، فقيل: صفة فعل، وقيل: صفة ذات، وقيل: العرش مصدر بمعنى العلو أى أعلى العلو بمعنى أنه علا شأنه كل العلو، وأجيز أن يكون استوى لمعنى قصد، وعلى بمعنى إلى، أى قصد إلى فعل شىء فى العرش، أو استوى بمعنى كمل، وعلى بمعنى الباء أى كمل الخلق بالعرش ولو سبق خلقه كما تعد مثلا تسعة وتسعين درهما، وتقول: كملت المائة بالذى فى الكيس. وزعم بعض أن استوى اسم لمخلوق كان فوق العرش، أو لملك موكل بالعرش كما تقول: فلان على البصرة تريد أنه والى أمرها، ويرده أن الفعل المسمى به تقطع همزته، ويجوز أن يكون المعنى علا شأنه واستقام ملكه، فذلك مجاز، فليس العرش جسما مرادا ولا شيئا موجودا، بل استعارة وكناية من سرير الملك، أى استوى ملكه بعد خلق السماوات والأرض، وتلك الأوجه كلها لا إثم فى القول بواحد منها، وأحسنها الأول والثانى والأخير، ولا يرد على مذهبنا، وهو الأول أن العرب تقول: استوى بمعنى، لأن العرب قد قالته قال الشاعر: شعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : وليس هذا البيت مصنوعا كما زعم بعض ولا يقال، إنما يقال: استولى زيد على كذا إذا لم يكن له ثم كان، أو كان له مضاد له فيه، ثم غلبه عليه، والله سبحانه مالك للعرش من أول أمره، بل هو مالك له قبل خلقه بمعنى أنه فى قبضته إذا أراد كونه كان وبعده، ولا مضاد له تعالى، لأنا نقول: معنى استيلائه على العرش قدرته على خلقه قبل أن يخلقه، وملكه له بعد خلقه، وإمساكه عن الانتقال والفناء، فكأنه قيل: لم يتعاص العرش عن أن يخلقه، ولم يمتنع عن التصرف فيه وملكه بعد أن خلقه، وبالقول الأخير يقول القفال من أئمة الملائكة، وقال سفيان الثورى فى رواية عنه، والأوزاعى، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ومالك، والشافعى، وأحمد وغيرهم من سلف القوم بإبقاء الآية على ظاهرها من الاستقرار على العرش بلا تكييف، وبدون المماسة. وأقول هذا تعام عن الطريق بعد وضوحه، وتجاهل فيما صح علمه، وإنما يقال لو لم يقبل وجها واضحا صحيحا عربيا، وأدنى وجه من تلك الأوجه أحسن من هذا الاندفاع اللبس بها عن العامة، وليس فى شىء منها هدم قاعدة شرعية، فضلا عن أن يكون فيها تجاسر عظيم كما أدلى السنوسى أن فيها تجاسراً، بل كل منها مبعد من معانى النقص وصفات الخلق، وذلك أولى من ترمى الآية مبهمة موهمة، وليس القول الأخير فراراً من كون العرش جسما، وتخطئة لمن قال به وتحرج عنه، بل هو مجرد كون العرش ليس شيئا، وأن الآية من قبيل قول العرب: تم عرش زيد بمعنى كمل له الملك، وتم أمره، ومثل ذلك فى كلام العرب كثير فصيح بليغ، ووجه التعبير بالعرش أن العرش فى اللغة ما علا، ويطلق على السرير والعلو فى الهواء أنسب بعلو الشأن، ولا يتم للملك سرير إلا إن دانت له الأقوام، وتم له الملك، وإلا فسريره كالعدم. وليس صاحب هذا القول يتوهم أن كون العرش جسما يوجب الجلوس عليه كما يفهم من كلام بعضهم أن صاحب هذا القول يتوهم ذلك، نعم الصحيح إثبات العرش جسما لقوله سبحانه: {أية : حافِّين من حول العرش} {أية : وكان عرشه على الماء} {أية : ويحمل عرش ربك} {أية : الذين يحملون العرش} تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه اهتز العرش لموت سعد" تفسير : والاهتزاز للأجسام إلا أن يقال: اهتز ملك الله، أى بعضه، أو الاهتزاز كناية عن التعظيم والفرح، وقوله: "أذن لى أن أحدث عن ملك من الملائكة زاوية من زوايا العرش على كاهله" وقول جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: أن فى العرش تمثال ما خلق الله فى البر والبحر قائلا إن هذا تأويل {أية : وإن من شىء إلا عندنا خزائنه} تفسير : وما ثبت من أنه يطاف حوله، وأن بين قائمة وأخرى من قوائمه خفقان الطير المسرع ألف سنة، وأنه يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع مخلوق أن ينظر إليه، وأن السماوات والأرضين فى الكرسى كحلقة فى فلاة، والسماوات والأرضين والكرسى فى العرش كحلقه فى فلاة وأن له أربع قوائم كل قائمة كالسماوات والأرضين. وفى رواية: إن العرش جوهرة خضراء بين قائمة وقائمة خفقان الطير المسرع ثمانين عاما، وأنه مخلوق قبل الكرسى بألفى عام، وفى رواية لله ملك يسمى حزقائيل بحاء مهملة فراء وبمعجمة فزاى، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح والجناح مسيرة خمسمائة عام، أراد أن يبلغ العرش، وأن يرى هل فوقه شىء، فقال الله له: لا تقدر، فعاد فقال كذلك، فزاد له ستة وثلاثين ألف جناح ما بين الجناح والجناح خمسمائة عام، وأوحى الله إليه أيها الطائر طر فطار مقدار عشرين ألف سنة، ولم يبلغ رأس قائمة، وزاد له مثل ما فيه من الأجنحة والقوة، فطار ذلك المقدار أيضا من حيث بلغ، وقيل ثلاثين ألف سنة، وإذا هو على حاله، وأوحى الله إليه لو طرت إلى يوم ينفخ فى الصور لم تبلغ رأس قائمة، فقال: سبحان ربى الأعلى وجعلت فى السجود، وقد أنزل الله: {أية : سبح اسم ربك الأعلى}. تفسير : وما روى عن كعب: أن العرش قال: لم يخلق الله خلقا أعظم منى، فاهتز فطوقه الله بحبة لها سبعون ألف رأس، يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وورق الشجر، وعدد الحصى والتراب، وعدد أيام الدنيا والملائكة، فالتوت بالعرش، فكان إلى نصفها، وما فى خبر من أن للعرش ألف رأس، فى كل رأس ألف ألف وجه وستمائة ألف وجه، والوجه الواحد كألف ألف دنيا، وله ستمائة ألف لسان، وكل لسان تسبح بألف ألف لغة، وبين القائمتين ألف ألف عام، وفى خبر أن ملكا قال: يا رب أريد أن أرى العرش، فخلق له ثلاثين ألف جناح، فطار ثلاثين ألف سنة، فقال له: هل بلغت العرش؟ فقال: يا رب لم أقطع بعض عشر قائمة العرش، وأمره أن يعود إلى مكانه، وغير ذلك فما يدل على أن العرش جسم موجود، فصح أنه جسم وهو سطيح وقيل كورى، وكون الله على العرش ككونه فى الأرض، وكونه فى السماء وكونه معك حيث كنت، وذلك بالملك والعلم والحفظ. وزعمت المشبهة أنه حالّ فى العرش مستقر فيه، فلزمهم وصفه بأجزاء وجهات، وأنه كالعرش أو دونه أو أكثر منه، تعالى الله ربنا عن ذلك، وإن لم يجعلوا للعرش حداً وغاية ونهاية لزمهم تسويته بالقديم، وتناقض قولهم فإنه يلزم من كون الشىء قابلا للحلول فيه كونه بحد، وغاية ونهاية، وذكر ابن وهب: كنا عند مالك بن أنس، فدخل رجل فقال: يا عبد الله {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : كما وصف نفسه، فكيف ذلك؟ فقال: كيف عن الله مدفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه فأخرج. وذكر يحيى بن يحيى: كنا عند مالك فجاء رجل فقال: يا عبد الله: {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : كيف استواؤه؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء أى الحمى، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج، ففهمت جماعة من كلام مالك أنه يرى الاستواء على أصله من الاستقرار، وأنه لا يكيف لئلا يلزم تشبيهه بالخلق، وجماعة أنه يرى الاستواء على العرش صفة لله تعالى يجب الإيمان بها بدون تفسير لها، ويحتمل أن يريد بقوله: الاستواء غير مجهول، الاستواء الذى هو التنقل والصعود أو الاستقرار، يعنى أنه غير مجهول فى حق من يوصف بالتنقل والصعود أو الاستقرار، وبقوله: الكيف غير معقول نفى السؤال من ذلك، كما يدل له قوله: والسؤال عنه بدعة. {يُغْشى اللَّيلَ النَّهارَ} يغطيه به ويصيره غاشيا له، مضارع أغشى المتعدى لاثنين بالهمزة، وحذف عكس ذلك للعلم به أى ويغشى النهار الليل، ولأن اللفظ يحتمله بأن يجعل الليل مفعولا ثانيا هو المغشى، والنهار مفعولا أول هو الغاشى، ولو كان الأول هو الأصل لسلامته من التقديم والتأخير، لكن سهل الثانى ظهور المعنى وصحته على كل وجه، فلما كان اللفظ يحتملهما بأن يظهر منه المعنى الأول ويسوغ الثانى، اكتفى به لأنه يتراءى به كل منهما ويوافق الثانى قراءة حميد بن قيس بفتح الياء والسين، ونصب الليل ورفع النهار، فإنها نص فى أن النهار غاش لليل، وذلك فيما قال جار الله وأبو الفتح، وقال الإمام أبو عمر والدانى: قراءة حميد برفع الليل ونصب النهار، وهى توافق الأول، قيل: أبو الفتح أثبت، وقرأ عاصم فى روايته عن أبى بكر وحمزة والكسائى: يغشى بالتشديد للتعدية إلى اثنين كما عدى الهمزة إليهما فى القراءة الأولى لا للتكثير كما قال القاضى، إلا إن أراد أنه بالتشديد يصير بصيغة المشدد للتكثير، وفيها الوجهان اللذان فى القراءة الأولى. {يَطْلبهُ حَثيثاً} يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شىء، وتعاقبهما يحصل بحركة الفلك الأعظم وهو يتحرك فى مقدار رفع الرجل ووضعها ألف فرسخ، والجملة حال مما جعل مفعولا أول، ومن الفاعل فى قراءة حميد، وحثيثاً مفعول مطلق، أى طلبا حثيثاً، أو حال من ضمير يطلب متضمنا مع اللازم وهو سريع أو من الهاء معنى محثوثا عليه، وهذه الجملة أنسب وأوفق بقراءة حميد. {والشَّمسَ} معطوف على السماوات والأرض {والقَمَر والنُّجوم مسخَّراتٍ} مذللات فيما أراد منهن من طلوع وغروب وغيرهما، وهو حال من النجوم والقمر والشمس، وقرأ ابن عامر برفع الكل على الابتداء والإخبار، وقرأ إبان بن تغلب برفع النجوم ومسخرات، ونصب الباء {بأمره} أى بقضائه أو بمشيئته وتصريفه أو بقوله: كن فاعلات كذا بتشديد النون، وعلى هذا فهو ضد النهى أو أمره هو نفس الطلوع والغروب، وهو متعلق بمسخرات، وأفرد الشمس والقمر بالذكر مع عموم النجوم لهما لعظمهما وشرفهما لما فيهما من النور، ومعرفة الأوقات والليل والنهار، أو لأن النجوم لا تشملهما فى العرف، أخبر الله سبحانه بخلق ذلك وتسخيره بعد إخباره بخلق السماوات والأرض، واستوائه على العرش جميعا بين العيان الشديد الوضوح والخبر. قال كعب: يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة، وكأنهما ثوران عقيران فيقذفان فى النار، وذلك بمحضر عكرمة وغيره، فأخبر ابن عباس فقال له: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب ثلاثا، بل هذه يهودية يريد إدخالها فى الإسلام، والله أجل وأكرم أن يعذبهما مع طاعتهما وانقيادهما، قاتل الله هذا الحبر، وقبح حديثه، ما أجرأه على الله، وما أعظم فريته، ثم استرجع مراراً وذكر ما مر فى الأنعام، وما يأتى فى الإسراء، فجاء كعب وتاب وقال: إنى حدثت عن كتاب غيرته اليهود، وأنت حدثت عن كتاب لا يتغير، وعن سيد المرسلين، وأنا أحب أن تحدثنى بما ذكرت لهم، وأكتفى به، ولا أذكر من أمرهما شيئا سواه أبداً، فحدثه. وذكر بعض: أن الله تعالى خلق الشمس من نور العرش، والقمر من نور الحجاب، وقيل: الشمس من نار وهى مثل الأرض عند أهل التعديل، وقال أهل الهند: أضعاف الأرض مائة وستين مرة أو مائتين، وهى والقمر يجريان فى بحر لو بدت منه لاحترقت الأرض ولو بدا لعبد من دون الله، وعن بعض: كل يوم يرميها بالثلج سبعة أملاك موكلون بذلك أبداً ولولا ذلك لاحترق ما أتت عليه، وهى فى السماء الرابعة وهو فى الأولى، وقيل: هما فى بحر دونها وفيهما كلام فى غير هذه الآية، والنجم أكبر من الأرض، ونوره من العرش أو من الشمس قولان، وفيه كلام فى غير هذه الآية. {ألاَ لَهُ} لا لغيره {الخلْقُ} الإيجاد بعد العدم أو المخلوقات {والأمرُ} ضد النهى، أو بمعنى الأمر فأل للجنس فذلك يحتمل أربعة معان: أن يكون الخلق بمعنى الإيجاد والأمر ضد النهى، وأن يكون الخلق بمعنى المخلوقات والأمر واحد الأمور والمراد الجنس، وأن يكون بمعنى الإيجاد والأمر واحد كذلك، وأن يكون الخلق بمعنى المخلوقات والأمر ضد النهى، وذكر النقاش وسفيان بن عيينة أنه: يؤخذ من هذا المعنى الأخير أن كلام الله ليس بمخلوق، لأن الله فرق بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر، يعنيان أن من جعل الأمر الذى هو كلامه من جملة ما خلقه فقد كفر، لأن المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق مثله. وتقول: ليس ذلك بشىء لجواز أن الأمر بمعنى كلامه من المخلوقات، وعطفه عطف خاص على عام، وما ذكره على أن المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق مثله صحيح، لكنا ولو قلنا القرآن وكلام الله مطلقا مخلوقان لا نقول بقيامهما به تعالى، فضلا عن أن يرد علينا قيام المخلوق للقديم، فإن كلام الله ألفاظ خلقها تسمع بلا لافظ وسمعتها الملائكة، أو ألفاظ أرادها وكتبها القلم فهو فعل كالإماتة والإحياء، بل لو سلمنا ما قالوا فى الآية لزمهم تعدد القديم، وإن قالوا إنه وكلامه مجموعها إله قديم، لزمهم أن يكون ذا أجزاء، تعالى الله، والتجزىء يلزمه الحديث والتركيب والحلول، تعالى الله عن ذلك، إلا إن أرادوا بالكلام الكلام النفسى، فيرجع البحث إلى إثباته لله سبحانه، وعدم إثباته والحق عدمه، وفى الآية رد على من قال: للشمس والقمر تأثير فى العالم، فإنما يتراءى لهذا القائل أنه تأثير لهما هو خلق الله سبحانه بواسطة الحرارة مثلا، وقيل: الأمر الإرادة، وعن الشعبى الخلق عبارة عن الدنيا، والأمر عبارة عن الآخرة. {تَباركَ اللهُ} عظم أو كثرت خيراته، أو تنزه عن ما لا يليق، ولا مضارع له، قيل: وعلة ذلك أنه لم يوصف به غير الله، والله تبارك فى الأزل، وهو تعليل يناسب المعنى الأول والثانى، ولا يقال: مبارك ولا متبارك لأنه لم يرد فيهما التوفيق، وقيل لأبى على القالى: كيف المستقبل من تبارك؟ فقال: يتبارك، وغلطوه بأن العرب لم تقله، وليس تغليطه إنصافاً، فإنه أجاب على وفق السؤال، ولم يقل إنه ورد من كلامهم، بل أراد أن قاعدة مضارعه يتبارك، والأرجح التغليظ أيضا على السائل إن كان هو المغلط له، حيث اقتضى كلامه إثبات المضارع له، فهو يسأل عن كيفيته بعد إثباته. {ربُّ العَالمينَ} السيد المصلح لأمور المخلوقات كلها، المدبر لها بتحريك الأفلاك، وتسيير الكواكب، أو تكرير الأيام والليالى، وقوله: {ألا له الخلْقُ والأمر تبارك الله ربُّ العالمين} نتيجة لما قبله من خلق السماوات والأرض واستوائه على العرش، فذلكة له، فكأنه قيل فذلك اختصاص للخلق والأمر به وعظمة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةَ أيَّامٍ} ست لحظات من اللحظات الصغيرة جداً التى لا يعلم دقتها إِلا الله عز وجل، فإِن اليوم يطلق على مطلق الزمان ولو دق، كما يطلق على ما بين الطلوع والغروب، ويجوز أَن تفسر بهذا على معنى مقدرا على الحقيقة لأَن الشمس والقمر والنجوم بعد خلق السموات لا قبل: ويجوز أَن يكون المراد أَوقات الأَيام المعلومة عند الله قبل أَن تكون فيهن الشمس، وعلى كل حال تشير الآية إِلى التأَنى فى الأُمور، ففى الحديث: حديث : التأَنى من الله والعجلة من الشيطانتفسير : ، فيتعلم الخلق التثبت فى الأُمور، وقد قيل كل يوم أَلف سنة، وذلك إِرشاد إِلى التأَنى فى الأُمور، وإِشارة إِلى التدريج المؤدى إِلى اعتبار الموجودين من الملائكة، ومن وجد من العقلاءِ بمشاهدتهم حدوث الأَشياء شيئًا فشيئا فيستعظموا قدرة الله وكمال علمه وقدرته، وإِلا فقد قال الله عز وجل "أية : وما أُمرنا إِلا واحدة كلمح بالبصر"تفسير : [القمر: 50]، وقال "أية : إِنما أَمره إِذا أَراد شيئًا أَن يقول له كن فيكون" تفسير : [يس: 82] ولا يصح ما قيل أَن الوقت لم يكن قبل خلق السموات والأَرض، فإن معناه مقدار وقد وجد الخلق قبلهما مثل الماء ونور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا بأْس بتقسيم الأَيام بالأَوقات، وأَول المخلوقات خروج عن الأَزل، روى مسلم والحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خلق الله عز وجل الأَرض يوم الأَحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاءِ وخلق يوم الأَربعاءِ الصحر والماءَ والطين والعمران والخراب وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والقمر والشمس والملائكة إِلى ثلاث ساعات بقين منه فخلق الله فى أَول ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال وفى الثانية الأَلفة على كل شئ مما ينتفع به الناس، وخلق آدم عليه السلام وأَسكنه الجنة وأَمر إبليس لعنه الله بالسجود له وأَخرجه منها فى آخر ساعة"تفسير : ، ونص القرآن: خلق الأَرض فى يومين أَى فى نوبتين وسمى يوم الجمعة لاجتماع الخلق فيه، ويوم السبت لانقطاع الخلق عنه، وفى مسلم عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلق الله التربة يوم السبت والجبال يوم الأَحد والشجر يوم الاثنين والمكروه يوم الثلاثاءِ والنور يوم الأَربعاءِ والدواب الخميس وآدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، فسمى على هذا يوم السبت لقطع بعض العمل فيه وإِيجاده"تفسير : ، وضعفوا هذه الرواية {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} ظاهره الجلوس على مرتفع فإِن المرتبة ما ارتفع كسرير وكالجسم العظيم المحيط بالكرسى، ولذلك تعدى بعلى، لا كاستوى بمعنى استقام واعتدل، وذلك كناية أُريد بها إلزام المعنى وهو الملك والتصرف ولم يرد بها مع ذلك ظاهر اللفظ كما تقول طويل النجاد تريد طول القامة، ولو كان لا سيف له ولا نجاد، أَى علاقة السيف، أَو أُريد به ذلك الجسم العظيم، أُريد بالاستواءِ عليه ملكه والتصرف فيه: شعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف أَو دم مهراق تفسير : والترتيب على ظاهره، وللرتبة فإِن التملك والتصرف فى الملك إِنما هو بعد خلق السماءِ والأَرض. وأَما قبل خلقهما فلا يصدق أَنه ملكهما وتصرف فيهما، وإِن فسرنا العرش بالجسم العظيم فثم للترتيب الذكرى والرتبى ولا تراخى فى ثم هنا، ويجوز رد ضمير استوى إِلى الخلق، ومعنى استوائه على العرش انتهاؤه به، ولم يخلق فوقه شيئا، ومن فسر الاستواءَ بظاهره كفر لأَن ذلك من صفات الأَجسام والله غير جسم ولا عرض ولا جوهر، وزعم قومنا أَنه يجب الإِيمان بالعرش والوقوف فى معناه {يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهَارَ} يجعل الليل غاشيا النهار، وفى الآية حذف أى ويغشى النهار الليل أى يجعل النهارغاشياً الليل، وفى الآية تجوز فى الإِسناد بإِسناد ما لمكان الشئ إِلى الشئ ومكانه هو الهواء على معنى أن الهواءَ مكان للضوءِ لا مكان للنهار لأَن الزمان لا مكان له، أو استعارة بأَن يجعل غشيان مكان النهار وإِظلامه بمنزلة غشيانه لنفس النهار فكأَنه لف عليه لف الغشاء، ويشبه تغيبه بطريانه عليه بستر للملابسة، وما ذكر أَولا من المنصوبين هو الفاعل فى المعنى لا الثانى لعدم الدليل، وذكر المعنيين معا فى قوله تعالى يكور الليل إِلخ، ولا يراد باللفظ الواحد مجموع المعنيين {يَطْلُبُهُ} يطلب الليل النهار، وهنا حذف أَى ويطلبه النهار والجملة حال من الليل أَو من النهار قيل أَو منهما. شبه تعقيب الليل بالنهار بالطالب {حَثِيثًا} طلبا حثيثا، والطلب من النهار أَظهر حتى قالوا ضوء النهار هو الهاجم على ظلمه الليل، أَو حال من ضمير يطلب لتضمنه معنى اللازم، أَى عاجلا، أَو من الهاءِ باقيا على التعدية أَى محثوثا والمراد السرعة بلا فصل شئ بين الليل والنهار حتى قيل أن بين رفع القدم ووضعها فى المشى السريع تحرك الفلك الأَعظم ثلاثة آلاف ميل وهى أَلف فرسخ، فهذه عاية السرعة وحركة الشمس بذاتها تتم فى سنة وبسبب حركة الفلك الأَعظم تتم فى اليوم والليلة، ولما كان الليل والنهار يحصلان بحركة الفلك الأعظم على أنه العرش ذكر الله عز وجل قوله يغشى إِلخ. بعد قوله ثم استوى إِلخ. والغشى للمكان ونسبه للزمان مجازا للملابسة فإن الظلمة والنور يتعاقبان على الأَمكنة ومنها الجور كما مر، والحق أَن العرش لا يتحرك ولا نسلم أَنه يتحرك {وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ والنُّجُومَ} عطف على السماوات، وذكر الشمس والقمر مع دخولهما فى النجوم لشرفهما، ولأَنه قد لا يفهم دخولهما فيها، وقدمها لأَنها أَشد ضوءً، ولأَن نور القمر ولأَنها فى السماء الرابعة وهو فى الأُولى، ولأَنه كثير خسفه وقل خسفها، وقيل يحتمل كون نوره منه بأَن يكون بعضه مضاء فيستضئ باقيه بحسب حركاته مقابلة أو لإضواء ظهره فيتحرك بظهره شيئا فشيئا، والنجوم تشمل الدرارى الخمس الباقية زحل وعطارد والمشترى والمريخ والزهرة، وذكر الشمس والقمر فهن سبع، وزاد بعض الآن وسناوز ونوا وبالاس وسرس أَو أَرنوس، ويسمى هرشل وهو اسم المنجم الذى ظفر برصده (مُسَخَّرَاتٍ) حال من الثلاثة أَى مذللات لما خلقن له من طلوع وأُفول وحركات ورجوع، وهى حال مقدرة إذّا تم خلقهن طاوعن فيما خلقهن له، أَو مقارنة أَى يقترن خلقهن بعدم التعاصى عن الخلق فكل جزء مطاوع لخلقه (بِأَمْرِهِ) بقضائه وتصريفه، وأَصله الطلب الجازم، واختاره تنبيها على عدم تعاصيهن كأَنهن مكلفات عواقل يمتثلن الأَوامر، وهو مفرد الأَوامر فذلك على الاستعارة، وقيل أَمره قوله لهن سرن على وجه كذا دائما، وقيل إِرادته {أَلاَ لَهُ} لا لغيره {الخَلْقُ} الإِيجاد أَو المخلوقات {وَالأَمْرُ} واحد الأُمور أَى كون الخلق على وجه إِرادة من الجائزات كرقة وغلظة ولون حمرة وبياض وطول وعرض وزمان مخصوص وعدد وغير ذلك، وقيل: الخلق الأَجسام والأَمر الأَعراض، وقيل التصرف فى الكائنات، وقيل: الخلق الأَجسام والجسمانيات، والأَمر الأَرواح والمجردات وكل ما كان جسما أَو جسمانيا خص بمقدار معين، وما كان بريئا من الحجم والمقدار كان من عالم الأَرواح، كذا يقال. وفى الآية رد على من زعم أَن للنجوم والشمس والقمر تأَثيراً فى هذا العالم، أَى أَلا له الخلق كله والأَمر كله، وقيل: الخلق ما دون العرش والأَمر ما فوق ذلك {تَبَارَكَ اللهُ} تعاظم بالتفرد بالوحدانية وسائر صفاته وأَفعاله كالخلق، أَو ثبت خيره أو كثر وازداد، ولا يستعمل تبارك فى غير الله، ولم يسمع له مضارع ولا اسم فاعل ولا أمر ولا اسم مفعول {رَبُّ الْعَالَمِينَ} مالكهم لا رب لهم سواه سبحانه وتعالى.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } شروع في بيان مبدأ الفطرة إثر بيان معاد الكفرة، ويحتمل أنه سبحانه لما ذكر حال الكفار وأشار إلى عبادتهم غيره سبحانه احتج عليهم بمقدوراته ومصنوعاته جل شأنه ودلهم بذلك على أنه لا معبود سواه فقال مخاطباً بالخطاب العام {إِنَّ رَبَّكُمُ } أي خالقكم ومالككم {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } السبع {وٱلأَرْضِ } بما فيها كما يدل عليه ما في سورة السجدة [4] على ما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في ستة أوقات كقوله تعالى: { أية : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } تفسير : [الأنفال: 16] أو في مقدار ستة أيام كقوله سبحانه: { أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } تفسير : [مريم: 62]. فإن المتعارف أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها ولم تكن هي حينئذ، نعم العرش وهو المحدد على المشهور موجود إذ ذاك على ما يدل عليه بعض الآيات، وليس بقديم كما يقوله من ضل عن الصراط المستقيم لكن ذاك ليس نافعاً في تحقق اليوم العرفي، وإلى حمل اليوم على المتعارف وتقدير المضاف ذهب جمع من العلماء وادعوا ـ وهو قول عبد الله بن سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير الطبري ـ أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد ولم يكن في السبت خلق أخذاً له من السبت بمعنى القطع لقطع الخلق فيه ولتمام الخلق في يوم الجمعة واجتماعه فيه سمي بذلك. وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن ابن عباس أنه سمى / تلك الأيام بابو جاد وهواز وحطي وكلمون وسعفص وقريشات. وقال محمد بن اسحق وغيره: إن ابتداء الخلق في يوم السبت، وسمي سبتاً لقطع بعض خلق الأرض فيه على ما قال ابن الأنباري أو لما أن الأمر كأنه قطع وشرع فيه على ما قيل، واستدل لهذا القول بما أخرجه مسلم من حديث « حديث : أبـي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله تعالى التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وخلق فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ». تفسير : ولا يخفى أن هذا الخبر مخالف للآية الكريمة فهو إما غير صحيح وإن رواه مسلم وإما مؤول، وأنا أرى أن أول يوم وقع فيه الخلق يقال له الأحد وثاني يوم الاثنين وهكذا ويوم جمع فيه الخلق الجمعة فافهم. وإلى حمله على اللغوي وعدم التقدير ذهب آخرون وقالوا: كان مقدار كل يوم ألف سنة وروي ذلك عن زيد بن أرقم، وفي خلقه سبحانه الأشياء مدرجاً على ما روي عن ابن جبير تعليم للخلق التثبت والتأني في الأمور كما في الحديث « حديث : التأني من الله تعالى والعجلة من الشيطان » تفسير : وقال غير واحد: إن في خلقها مدرجاً مع قدرته سبحانه على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار. واعترض عليه بأنه يجوز أن يكون الفاعل موجباً ويكون وجود المعلول مشروطاً بشرائط توجد وقتاً فوقتاً، وبأن ذلك يتوقف على ثبوت تقدم خلق الملائكة على خلق السماوات والأرض وليس ذلك بالمحقق. وأجيب بأن الأول مبني على الغفلة عن قوله مع القدرة على إبداعها دفعة، وبيانه أن الفاعل إذا كان مختاراً ـ كما يقوله أهل الحق ـ يتوقف وجود المعلول على تعلق الإرادة به فهو جزء العلة التامة حينئذٍ فيجوز أن يتخلف المعلول عن الفاعل لانتفاء تعلق الإرادة فلا يلزم من قدمه قدم المعلول، وأما إذا كان الفاعل موجباً مقتضياً لذاته فيضان الوجود على ما تم استعداده فإن كان المعلول تام الاستعداد في ذاته كالكبريت بالنسبة إلى النار يجب وجوده ويمتنع تخلفه وإلا لزم التخلف عن العلة التامة فيلزم من قدم الفاعل حينئذٍ قدمه، والأجرام الفلكية من هذا القبيل عند الفلاسفة وإن توقف تمام استعداده على أمر متجدد فما لم يحصل يمتنع إيجاده كالحطب الرطب فإنه ما لم ييبس لم تحرقه النار والحوادث اليومية من هذا القبيل عندهم، ولهذا أثبتوا برزخاً بين عالمي القدم والحدوث ليتأتى ربط الحوادث بالمبادىء القديمة؛ ففي صورة كون الفاعل موجباً مشروطاً وجود معلوله بشرائط متعاقبة يمتنع الإبداع دفعة فإمكان وجود هذه الأشياء المنبـىء عن عدم التوقف على شيء آخر أصلاً دفعة مع الخلق التدريجي المستلزم لتأخر وجود المعلول عن وجود الفاعل لا يجامع الوجوب المستلزم لامتناع التأخر حينئذٍ ويستلزم الاختيار المصحح لذلك التأخر كما علمت، وبأن الإبداع التدريجي للأشياء عبارة عن إيجادات يتعلق كل منها بشيء فيدل على تعلق العلم والإرادة والقدرة بكل منها تفصيلاً بخلاف الإيجاد الدفعي لها فإنه إيجاد واحد متعلق بالمجموع فيدل على تعلق ما ذكر بالمجموع من حيث هو مجموع إجمالاً، واستوضح ذلك من الفرق بين ضرب الخاتم على نحو القرطاس وبين أن تكتب تلك الكلمات فإنك في الصورة الثانية تتخيلها كلمة فكلمة بل حرفاً فحرفاً وتريدها كذلك فتوقعها في الصحيفة بخلاف الصورة الأولى وهو ظاهر، فالنظار يعتبرون من الخلق التدريجي ويفهمون شمول علمه سبحانه وإرادته وقدرته للأشياء تفصيلاً قائلين: سبحان من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وأيضاً قالوا: إنا إذا فعلنا شيئاً تصورناه أولاً ثم اعتقدنا / له فائدة ثم تحصل لنا حال شوقية ثم ميلان نفساني هي الإرادة ثم تنبعث القوة الباعثة للقوة المحركة للأعضاء نحو إيجاده فيحصل لنا ذلك الشيء فلكل واحد من تلك الأمور دخل في وجود ذلك الشيء، ثم قالوا: فكما لا بد في صدور الأفعال الاختيارية فينا من هذه الأمور كذلك لا بد في صدور الأفعال الاختيارية للواجب من نحو ذلك مما لا يمتنع عليه سبحانه فأثبتوا له تعالى علماً وإرادة وقدرة وفائدة لأفعاله، واستدلوا على ذلك من كونه سبحانه مختاراً فالخلق التدريجي لما كان دالاً على الاختيار الدال على ما ذكر صدق أن فيه اعتباراً للنظار. وحاصل هذا أن المراد من النظار أصحاب النظر والبصيرة من العقلاء فلا يتوقف ما ذكر على تقدم خلق الملائكة على أن من قال بتقدم خلق العرش والكرسي على خلق الأرض والسمٰوات قائل بتقدم خلق الملائكة بل قيل: إن من الناس من قال بتقدم خلق نوع من الملائكة قبل العرش والكرسي وسماهم المهيمين. وأنت تعلم أن هذا لا يفيدنا لأن المهيمين عند هذا القائل لا يشعرون بسماء ولا أرض بل هم مستغرقون فيه سبحانه على أن ذلك ليس بالمحقق كما يقوله المعترض أيضاً، وقيل: إن الشيء إذا حدث دفعة واحدة فلعله يخطر بالبال أن ذلك الشيء إنما وقع على سبيل الاتفاق فإذا أحدث شيئاً فشيئاً على سبيل المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة، وقيل: إن التعجيل في الخلق أبلغ في القدرة والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد الله تعالى إظهار حكمته في خلق الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق الأشياء بكن. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وهو في المشهور الجسم المحيط بسائر الأجسام وهو فلك الأفلاك سمي به إما لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإنه يقال له عرش ومنه قوله تعالى: { أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } تفسير : [يوسف: 100] لأن الأمور والتدبيرات تنزل منه، ويكنى به عن العز والسلطان والملك فيقال: فلان ثل عرشه أي ذهب عزه وملكه وأنشدوا قوله: شعر : إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم وأودت كما أودت إياد وحمير تفسير : وقوله: شعر : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعيينة بن الحرث بن شهاب تفسير : وذكر الراغب «أن العرش مما لا يعلمه البشر [على الحقيقة] إلا بالاسم، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له ـ تعالى عن ذلك ـ [لامحمولاً]، و (ليس كما) قال قوم: إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب» وفيه نظر، والناس في الكلام على هذه الآية ونحوها مختلفون، فمنهم من فسر العرش بالمعنى المشهور، وفسر الاستواء بالاستقرار وروي ذلك عن الكلبـي ومقاتل ورواه البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات» بروايات كثيرة عن جماعة من السلف وضعفها كلها. وما روي عن مالك رضي الله تعالى عنه «أنه سئل كيف استوى؟ فأطرق رأسه ملياً حتى علته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ثم قال للسائل: وما أظنك إلا ضالاً ثم أمر به فأخرج» ليس نصاً في هذا المذهب لاحتمال أن يكون المراد من قوله: غير مجهول أنه ثابت معلوم الثبوت لا أن معناه وهو الاستقرار غير مجهول. ومن قوله: والكيف غير معقول أن كل ما هو من صفة الله تعالى لا يدرك العقل له كيفية لتعاليه عن ذلك فكف الكيف عنه مشلولة. ويدل على هذا ما جاء في رواية أخرى عن عبد الله بن وهب أن مالكاً سئل عن الاستواء فأطرق وأخذته الرحضاء ثم قال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } كما وصف نفسه ولا يقال له: كيف وكيف عنه مرفوع إلى آخر / ما قال، ثم إن هذا القول إن كان مع نفي اللوازم فالأمر فيه هين، وإن كان مع القول بها والعياذ بالله تعالى فهو ضلال وأي ضلال وجهل وأي جهل بالملك المتعال، وما أعرف ما قاله بعض العارفين الذين كانوا من تيار المعارف غارفين على لسان حال العرش موجهاً الخطاب إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين أشرقت شمسه عليه الصلاة والسلام في الملأ الأعلى فتضاءل معها كل نور وسراج كما نقله الإمام القسطلاني معرضاً بضلال مثل أهل هذا المذهب الثاني ولفظه مع حذف، ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى العرش تمسك بأذياله وناداه بلسان حاله يا محمد أنت في صفاء وقتك آمنا من مقتك إلى أن قال: يا محمد أنت المرسل رحمة للعالمين ولا بد لي من نصيب من هذه الرحمة ونصيبـي يا حبيبـي أن تشهد بالبراءة مما نسبه أهل الزور إليَّ وتقوَّله أهل الغرور عليَّ، زعموا أني أسع من لا مثل له وأحيط بمن لا كيفية له يا محمد من لا حد لذاته ولا عد لصفاته كيف يكون مفتقراً إليَّ ومحمولاً عليَّ إذا كان الرحمن اسمه والاستواء صفته وصفته متصلة بذاته كيف يتصل بـي أو ينفصل عني؟ يا محمد وعزته لست بالقريب منه وصلاً ولا بالبعيد عنه فصلاً ولا بالمطيق له حملاً أوجدني منه رحمة وفضلاً ولو محقني لكان حقاً منه وعدلاً يا محمد أنا محمول قدرته ومعمول حكمته اهـ. وذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين إلى أن العرش على معناه، واستوى بمعنى استولى واحتجوا عليه بقوله: شعر : قد استوى بشرى على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : وخص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات، ورد هذا المذهب بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى وإنما يقال استولى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه والله تعالى لم يزل مالكاً للأشياء كلها ومستولياً عليها ونسب ذلك للأشعرية. وبالغ ابن القيم في ردهم ثم قال: إن لام الأشعرية كنون اليهودية وهو ليس من الدين القيم عندي. وذهب الفراء واختاره القاضي إلى أن المعنى ثم قصد إلى خلق العرش، ويبعده تعدي الاستواء بعلي، وفيه قول بأن خلق العرش بعد خلق السموات والأرض وهو كما ترى، وذهب القفال إلى أن المراد نفاذ القدرة وجريان المشيئة واستقامة الملك لكنه أخرج ذلك على الوجه الذي ألفه الناس من ملوكهم واستقر في قلوبهم، قيل: ويدل على صحة ذلك قوله سبحانه في سورة يونس [3] { أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } تفسير : فإن {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } جرى مجرى التفسير لقوله: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى، وذكر أن القفال يفسر العرش بالملك ويقول ما يقول، واعترض بأن الله تعالى لم يزل مستقيم الملك مستوياً عليه قبل خلق السمٰوات والأرض وهذا يقتضي أنه سبحانه لم يكن كذلك، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأجيب بأن الله تعالى كان قبل خلق السمٰوات والأرض مالكها لكن لا يصح أن يقال: شبع زيد إلا بعد أكله الطعام فإذا فسر العرش بالملك صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى ملكه بعد خلق السمٰوات والأرض، ومنهم من يجعل الإسناد مجازياً ويقدر فاعلاً في الكلام أي استوى أمره ولا يضر حذف الفاعل إذا قام ما أضيف إليه مقامه، وعلى هذا لا يكون الاستواء صفة له تعالى وليس بشيء. ومن فسره بالاستيلاء أرجعه إلى صفة القدرة. ونقل البيهقي عن أبـي الحسن الأشعري أن الله تعالى فعل في العرش فعلاً سماه استواء كما فعل في غيره فعلاً سماه رزقاً ونعمة وغيرهما من أفعاله سبحانه لأن ثم للتراخي وهو إنما يكون في الأفعال، وحكى الأستاذ / أبو بكر بن فورك عن بعضهم أن استوى بمعنى علا ولا يراد بذلك العلو بالمسافة والتحيز والكون في المكان متمكناً فيه ولكن يراد معنى يصح نسبته إليه سبحانه، وهو على هذا من صفات الذات. وكلمة {ثُمَّ } تعلقت بالمستوى عليه لا بالاستواء أو أنها للتفاوت في الرتبة وهو قول متين. وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف في مثل ذلك تفويض المراد منه إلى الله تعالى فهم يقولون: استوى على العرش على الوجه الذي عناه سبحانه منزها عن الاستقرار والتمكن، وأن تفسير الاستواء بالاستيلاء تفسير مرذول إذ القائل به لا يسعه أن يقول كاستيلائنا بل لا بد أن يقول: هو استيلاء لائق به عز وجل فليقل من أول الأمر هو استواء لائق به جل وعلا. وقد اختار ذلك السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم وهو أعلم وأسلم وأحكم خلافاً لبعضهم. ولعل لنا عودة إلى هذا البحث إن شاء الله تعالى. {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ} أي يغطي سبحانه النهار بالليل، ولما كان المغطى يجتمع مع المغطى وجوداً وذلك لا يتصور هنا قالوا: المعنى يلبسه مكانه فيصير الجو مظلماً بعدما كان مضيئاً فيكون التجوز في الإسناد بإسناد ما لمكان الشيء إليه ومكانه هو الجو على معنى أنه مكان للضوء الذي هو لازمه لا أنه مكان لنفس النهار لأن الزمان لا مكان له؛ وجوز أن يكون هناك استعارة بأن يجعل غشيان مكان النهار وإظلامه بمنزلة غشيانه للنهار نفسه فكأنه لف عليه لف الغشاء أو يشبه تغييبه له بطريانه عليه بستر اللباس للملابسة. وجوز أن يكون المعنى يغطي سبحانه الليل بالنهار، ورجح الوجه الأول بأن التغشية بمعنى الستر وهي أنسب بالليل من النهار. وبأنه يلزم على الثاني أن يكون الليل مفعولاً ثانياً والنهار مفعولاً أولاً، وقد ذكر أبو حيان أن المفعولين إذا تعدى إليهما فعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى يلزم أن يكون هو الأول منهما عندهم كما لزم ذلك في ملكت زيداً عمراً، ورتبة التقديم هي الموضحة لأنه الفاعل معنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى بخلاف أعطيت زيداً درهماً فإن تعين المفعول الأول لا يتوقف على التقديم. ورجح الثاني بأن حميد بن قيس قرأ {يَغْشَىٰ ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} بفتح الياء ونصب {ٱلَّيْلَ } ورفع {ٱلنَّهَار }، ويلزم عليها أن يكون الطالب النهار والليل ملحق به. وتوافق القراءتين أولى من تخالفهما. وبأن قوله تعالى: { أية : وءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } تفسير : [يسۤ: 37] يعلم منه ـ على ما قال المرزوقي ـ أن الليل قبل النهار لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ فالنهار بالإدراك أولى، وبأن قوله سبحانه: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } أي محمولاً على السرعة ففعيل بمعنى مفعول أوفق بهذا الوجه فإن هذا الطلب من النهار أظهر، وقد قالوا: إن ضوء النهار هو الهاجم على ظلمة الليل. وأنشد بعضهم: شعر : كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى نطير غراباً ذا قوادم جون تفسير : ولبعض المتأخرين من أبيات: شعر : وكأن الشرق باب للدجى ماله خوف هجوم الصبح فتح تفسير : وحديث إن التغشية أنسب بالليل قيل: مسلم لو كان المراد بالتغشية حقيقتها لكان ليس المراد ذلك بل المراد اللحوق والإدراك وهذا أنسب بالنهار كما علمت. والقاعدة المذكورة لا تخلو عن كلام. على أنه لا يبعد على ما تقرر أن يكون الكلام من قبيل ـ أعطيت زيداً درهماً ـ. والقول بأن معنى الآية أنه سبحانه يجعل الليل أغشى / بالنهار أي مبيضاً بنور الفجر بناء على ما في «الصحاح» من أن الأغشى من الخيل وغيره ما ابيض رأسه كله من بين جسده كالأرخم مما لا يكاد يقدم عليه، وذكر سبحانه أحد الأمرين ولم يذكرهما معاً كما في قوله تعالى: { أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } تفسير : [فاطر: 13] للعلم بالآخر من المذكور لأنه يشير إليه أو لأن اللفظ يحتمله ـ على ما قيل ـ، وقال بعض المحققين: إن الليل والنهار بمعنى كل ليل ونهار وهو بتعاقب الأمثال مستمر الاستبدال فيدل على تغيير كل منهما بالآخر بأخصر عبارة من غير تكلف ومخالفة لما اشتهر من قواعد العربية. وجملة {يُغْشِى } ـ على ما قاله ابن جنى ـ على قراءة حميد حال من الضمير في قوله سبحانه: {ثُمَّ ٱسْتَوَى } والعائد محذوف أي: يغشي الليل النهار بأمره أو باذنه، وقوله جل وعلا: {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } بدل من {يُغْشِى } الخ للتوكيد. وعلى قراءة الجماعة حال من {ٱلَّيْلَ } أي يغشي الليل النهار طالباً له حثيثاً، و {حَثِيثًا } حال من الضمير في {يَطْلُبُهُ } وجوز غيره أن تكون الجملة حالا من {ٱلنَّهَارَ } على تقدير قراءة حميد أيضاً. وجوز أبو البقاء الاستئناف في الجملة الأولى. وقال بعضهم: يجوز في {حَثِيثًا } أن يكون حالاً من الفاعل بمعنى حاثاً أو من المفعول أي محثوثاً، وأن يكون صفة مصدر محذوف أي طلباً حثيثاً، وإنما وصف الطلب بذلك لأن تعاقب الليل والنهار ـ على ما قال الإمام وغيره ـ إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وهى أشد الحركات سرعة فإن الإنسان إذا كان في أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها يتحرك الفلك ثلاثة آلاف ميل وهي ألف فرسخ. واعترض بأن الفلك الأعظم إن كان هو العرش كما قالوا فحركته غير مسلمة عند جمهور المحدثين بل هم لا يسلمون حركة شيء من سائر الأفلاك أيضاً وهو الكرسي والسمٰوات السبع بل ادعوا أن النجوم بأيدي ملائكة تسير بها حيث شاء الله تعالى وكيف شاء، وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إنها تجري في ثخن الأفلاك جري السمك في الماء كل في فلك يسبحون، وفسر ـ فيما نقل عنه ـ قوله سبحانه: {يَغْشَىٰ ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} بيجعله غاشياً له غشيان الرجل المرأة وقال: ذكر سبحانه الغشيان هنا والإيلاج في آية أخرى وهذا هو التناكح المعنوي وجعله سارياً في جميع الموجودات، وإن صح هذا فما أصح قولهم: الليل حبلى وما ألطفه، وأمر الحث عليه ظاهر لمن ذاق عسيلة النكاح. والحاصل من هذا الغشيان عند من يقول به ما في هذا العالم من معدن ونبات وحيوان وهي المواليد الثلاث أو من الحوادث مطلقاً، ويقرب من هذا قوله: شعر : أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي تفسير : وأنت تعلم أن لا مؤثر في الوجود على الحقيقة إلا الله تعالى، ووجه ذكره سبحانه هذا بعد ذكره الاستواء ـ على ما نقل عن القفال ـ أنه جل شأنه لما أخبر العباد باستوائه أخبر عن استمرار أمور المخلوقات على وفق مشيئته وأراهم ذلك فيما يشاهدونه لينضم العيان إلى الخبر وتزول الشبهة من كل الجهات، ولا يخفى أن هذا قد يحسن وجهاً لذكر ذلك وما بعده بعد ذكر الاستواء وأما لذكره بخصوصه هناك دون تسخير الشمس والقمر فلا، وذكر صاحب «الكشف» في توجيه اختيار صاحب «الكشاف» هنا أن الغاشي هو النهار وفي الرعد [3] هو الليل، وتفسيره التغشية هناك بالإلباس وهنا بالإلحاق نظراً إلى الخلاصة ما يفهم منه وجه تقديم التغشية على التسخير الآتي في هذه الآية وعكسه في آية الرعد حيث قال: والنكتة في ذلك أن تسخر الشمس والقمر ذكر هنالك من قبل في تعديد الآيات فلما فرغ ذكر إدخال الليل على النهار ليطابقه ولأنه / أظهر في الآية وأن الشمس مسخرة مأمورة وهٰهنا جاء به على أسلوب آخر تمهيداً لقوله سبحانه: { أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 55] أي من هذه ألطافه وآياته في شأنكم فرجح جانب اللفظ على الأصل، وللجمع بين القراءتين أيضاً اهـ فتدبر ولا تغفل. وقرىء {يُغْشِى } بالتشديد للدلالة على التكرار. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } أي خلقهن حال كونهن مذللات تابعات لتصرفه سبحانه فيهن بما يشاء غير ممتنعات عليه جل شأنه كأنهن مميزات أمرن فانقدن فتسمية ذلك أمراً على سبيل التشبيه والاستعارة، ويصح حمل الأمر على الإرادة كما قيل أي هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته. ومنهم من حمل الأمر على الأمر الكلامي وقال: إنه سبحانه أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة على الوجه المخصوص إلى حيث شاء. ولا مانع من أن يعطيها الله تعالى إدراكاً وفهماً لذلك بل ادعى بعضهم أنها مدركة مطلقاً، وفي بعض الأخبار ما يدل على أن لبعضها إدراكاً لغير ما ذكر، وإفراد الشمس والقمر بالذكر مع دخولهما في النجوم لإظهار شرفهما عليها لما فيهما من مزيد الإشراق والنور وبسيرهما في المنازل تعرف الأوقات. وقدم الشمس على القمر رعاية للمطابقة مع ما تقدم وهي من البديع ولأنها أسنى من القمر وأسمى مكانة ومكاناً بناء على ما قيل من أنها في السماء الرابعة وأنه في السماء الأولى، وليس بمسلم عند المحدثين كالقول بأن نوره مستفاد من نورها لاختلاف تشكلاته على انحاء متفاوتة بحسب وضعه من الشمس في القرب والبعد عنها مع ما يلحقه من الخسوف لا لاختلاف التشكلات وحده فإنه لا يوجب الحكم بأن نور القمر مستفاد من الشمس قطعاً لجواز أن يكون نصفه مضيئاً من ذاته ونصفه مظلماً ويدور على نفسه بحركة مساوية لحركة فلكه فإذا تحرك بعد المحاق يسيرا رأيناه هلالا ويزداد فنراه بدراً ثم يميل نصفه المظلم شيئاً فشيئاً إلى أن يؤول إلى المحاق. وفي كونها مسخرات دلالة على أنها لا تأثير لها بنفسها في شيء أصلاً. وقرأ جميعها ابن عامر بالرفع على الابتداء والخبر. والنصب بالعطف على {ٱلسَّمَـٰوَاتِ } والحالية كما أشرنا إليه، وجوز تقدير جعل وجعل الشمس مفعولاً أولاً و {مُسَخَّرٰتٍ } مفعولاً ثانياً. {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } كالتذييل للكلام السابق أي أنه تعالى هو الذي خلق الأشياء ويدخل في ذلك السمٰوات والأرض دخولاً أولياً وهو الذي دبرها وصرفها على حسب إرادته ويدخل في ذلك ما أشير إليه بقوله سبحانه: { أية : مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ } تفسير : [الأعراف: 54] لا أحد غيره كما يؤذن به تقديم الظرف. وفسر بعضهم الأمر هنا بالإرادة أيضاً، وفسر آخرون الأمر بما هو مقابل النهي والخلق بالمخلوق أي له تعالى المخلوقون لأنه خلقهم وله أن يأمرهم بما أراد، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا أن كلام الله تعالى شأنه ليس بمخلوق فقال: إن الله تعالى فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر يعني من جعل الأمر الذي هو كلامه سبحانه من جملة ما خلقه فقد كفر لأن المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق مثله كذا في «تفسير الخازن» وليس بشيء كما لا يخفى. وأخرج ابن أبـي حاتم عن سفيان أن الخلق ما دون العرش والأمر ما فوق ذلك، وشاع عند بعضهم إطلاق عالم الأمر على عالم المجردات. {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي تقدس وتنزه عن كل نقص ويدخل في ذلك تنزهه تعالى عن نقص في الخلق أو في الأمر دخولاً أولياً. ففي ذلك إشارة إلى أنهما طبق الحكمة وفي غاية الكمال ولا يقال ذلك في غيره تعالى بل هو صفة خاصة به سبحانه كما في «القاموس». وقال الإمام: «إن البركة لها تفسيران أحدهما البقاء والثبات والثاني كثرة الآثار / الفاضلة فإن حملته على الأول فالثابت الدائم هو الله تعالى، وإن حملته على الثاني فكل الخيرات والكمالات من الله تعالى فهذا الثناء لا يليق إلا بحضرته جل وعلا». واختار الزجاج أنه من البركة بمعنى الكثرة من كل خير ولم يجيء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل مثلا، وقال البيضاوي: المعنى: تعالى بالوحدانية والألوهية وتعظم بالتفرد بالربوبية، وعلى هذا فهو ختام لوحظ فيه مطلعه ثم حقق الآية بما لا يخلو عن دغدغة ومخالفة لما عليه سلف الأمة.
سيد قطب
تفسير : بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد، من المنشأ إلى المعاد، يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون، وفي صفحته المعروضة للأنظار. فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان. ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره، وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار. وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر الله. وإلى الرياح الدائرة في الجواء، تقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن الله - فإذا هو حي، وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات. هذه السبحات في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية؛ وبعد تصوير طرفي الرحلة؛ وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل الله؛ وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع.. يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم، الذي خلق هذا الوجود وسخره، والذي يحكمه وبنواميسه ويصرفه بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده.. إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازاً في الوجود، يجعل الناشز غريباً شائهاً في الوجود. وفي ظل تلك المشاهد؛ وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين}.. إن إخلاص الدين لله، وتقرير عبودية البشر له، إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله، وعبودية الوجود كله لسلطانه.. وهذا هو الإيحاء الذي يستهدف المنهج القرآني تقريره وتعميقه في القلب البشري.. وأيما قلب أو عقل يتجه بوعي ويقظة إلى هذا الكون ونواميسه المستسرة، وظواهره الناطقة بتلك النواميس المستسرة.. لا بد يستشعر تأثيراً لا يرد سلطانه؛ ولا بد يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود المدبر المقدر صاحب الخلق والأمر.. وهذه هي الخطوة الأولى لدفع هذا القلب إلى الاستجابة لداعي الله؛ والاستسلام لسلطانه الذي يستسلم له هذا الوجود كله ولا يتخطاه. ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول لتجلية حقيقة الألوهية؛ وتعبيد البشر لربهم وحده، وإشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية، وتذوق طعمها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن؛ الذي يستشعر أن كل ما حوله وكل من حوله من خلق الله، يتجاوب وإياه! إنه ليس البرهان العقلي وحده هو الذي يستهدفه المنهج القرآني باستعراض عبودية الوجود لله، وتسخيره بأمره، واستسلام هذا الوجود في طواعية ويسر ودقة وعمق لأمره وحكمه.. إنما هو مذاق آخر - وراء البرهان العقلي ومع هذا البرهان العقلي - مذاق المشاركة مع الوجود والتجاوب. ومذاق الطمأنينة واليسر؛ والانسياق مع موكب الإيمان الشامل. إنه مذاق العبودية الراضية، التي لا يسوقها القسر، ولا يحركها القهر.. إنما تحركها - قبل الأمر والتكليف - عاطفة الود والطمأنينة والتناسق مع الوجود كله.. فلا تفكر في التهرب من الأمر، ولا التفلت من القهر؛ لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام الجميل المريح.. الاستسلام لله الذي يرفع الجباه عن الدينونة لغيره أو العبودية لسواه. الاستسلام الرفيع الكريم لرب العالمين.. هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه ومذاقه.. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام، وتعطيه حيويته وروحه.. وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر، قبل التكليف والأمر؛ وقبل الشعائر والشرائع.. ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم.. {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. ألا له الخلق والأمر. تبارك الله رب العالمين}.. إن عقيدة التوحيد الإسلامية، لا تدع مجالاً لأي تصور بشري عن ذات الله سبحانه؛ ولا عن كيفيات أفعاله.. فالله سبحانه ليس كمثله شيء.. ومن ثم لا مجال للتصور البشري لينشئ صورة عن ذات الله. فكل التصورات البشرية إنما تنشأ في حدود المحيط الذي يستخلصه العقل البشري مما حوله من أشياء. فإذا كان الله - سبحانه - ليس كمثله شيء، توقف التصور البشري إطلاقاً عن إنشاء صورة معينة لذاته تعالى. ومتى توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته العلية فإنه يتوقف تبعاً لذلك عن تصور كيفيات أفعاله جميعاً. ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثار هذه الأفعال في الوجود من حوله.. وهذا هو مجاله.. ومن ثم تصبح أسئلة كهذه: كيف خلق الله السماوات والأرض؟ كيف استوى على العرش؟ كيف هذا العرش الذي استوى عليه الله سبحانه؟... تصبح هذه الأسئلة وأمثالها لغوا يخالف توجيهها قاعدة الاعتقاد الإسلامي. أما الإجابة عليها فهي اللغو الأشد الذي لا يزاوله من يدرك تلك القاعدة ابتداء! ولقد خاضت الطوائف - مع الأسف - في هذه المسائل خوضاً شديداً في تاريخ الفكر الإسلامي، بالعدوى الوافدة على هذا الفكر من الفلسفة الإغريقية! فأما الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، فهي كذلك غيب لم يشهده أحد من البشر ولا من خلق الله جميعاً:{أية : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم}تفسير : وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن. إنها قد تكون ست مراحل. وقد تكون ستة أطوار. وقد تكون ستة أيام من أيام الله التي لا تقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام - إذ لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان!..وقد تكون شيئاً آخر.. فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد.. وكل حمل لهذا النص ومثله على "تخمينات" البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن - باسم "العلم!" - هو محاولة تحكمية، منشؤها الهزيمة الروحية أمام "العلم" الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض! ونخلص نحن من هذه المباحث التي لا تضيف شيئاً إلى هدف النص ووجهته. لنرتاد مع النصوص الجميلة تلك الرحلة الموحية في أقطار الكون المنظور، وفي أسراره المكنونة: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. ألا له الخلق والأمر. تبارك الله رب العالمين}.. إن الله الذي خلق هذا الكون المشهود في ضخامته وفخامته. والذي استعلى على هذا الكون يدبره بأمره ويصرفه بقدره. يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً.. في هذه الدورة الدائبة: دورة الليل يطلب النهار في هذا الفلك الدوار. والذي جعل الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره.. إن الله الخالق المهيمن المصرف المدبر، هو {ربكم}.. هو الذي يستحق أن يكون رباً لكم. يربيكم بمنهجه، ويجمعكم بنظامه، ويشرع لكم بإذنه، ويقضي بينكم بحكمه.. إنه هو صاحب الخلق والأمر.. وكما أنه لا خالق معه. فكذلك لا آمر معه.. هذه هي القضية التي يستهدفها هذا الاستعراض.. قضية الألوهية والربوبية والحاكمية، وإفراد الله سبحانه بها.. وهي قضية العبودية من البشر في شريعة حياتهم. فهذا هو الموضوع الذي يواجهه سياق السورة ممثلاً في مسائل اللباس والطعام. كما كان سياق سورة الأنعام يواجهه كذلك في مسائل الأنعام والزروع والشعائر والنذور. ولا ينسينا الهدف العظيم الذي يستهدفه السياق القرآني بهذا الاستعراض، أن نقف لحظات أمام روعة المشاهد وحيويتها وحركتها وإيحاءاتها العجيبة. فهي من هذه الوجهة كفء للهدف العظيم الذي تتوخاه.. إن دورة التصور والشعور مع دورة الليل والنهار في هذا الفلك الدوار، والليل يطلب النهار حثيثاً، ويريده مجتهداً! لهي دورة لا يملك الوجدان ألا يتابعها؛ وألا يدور معها! وألا يرقب هذا السباق الجبار بين الليل والنهار، بقلب مرتعش ونفس لاهث! وكله حركة وتوفز، وكله تطلع وانتظار! إن جمال الحركة وحيويتها و "تشخيص" الليل والنهار في سمت الشخص الواعي ذي الإرادة والقصد.. إن هذا كله مستوى من جمال التصوير والتعبير لا يرقى إليه فنّ بشري على الإطلاق! إن الألفة التي تقتل الكون ومشاهده في الحس؛ وتطبع النظر إليه بطابع البلادة والغفلة.. إن هذه الألفة لتتوارى، ليحل محلها وقع المشهد الجديد الرائع الذي يطالع الفطرة كأنما لأول وهلة!.. إن الليل والنهار في هذا التعبير ليسا مجرد ظاهرتين طبيعيتين مكرورتين. وإنما هما حيان ذوا حس وروح وقصد واتجاه. يعاطفان البشر ويشاركانهم حركة الحياة؛ وحركة الصراع والمنافسة والسباق التي تطبع الحياة! كذلك هذه الشمس والقمر والنجوم..إنها كائنات حية ذات روح! إنها تتلقى أمر الله وتنفذه، وتخضع له وتسير وفقه. إنها مسخرة، تتلقى وتستجيب، وتمضي حيث أمرت كما يمضي الأحياء في طاعة الله! ومن هنا يهتز الضمير البشري؛ وينساق للاستجابة، في موكب الأحياء المستجيبة. ومن هنا هذا السلطان للقرآن الذي ليس لكلام البشر.. إنه يخاطب فطرة الإنسان بهذا السلطان المستمد من قائله - سبحانه - الخبير بمداخل القلوب وأسرار الفطر.. وعندما يصل السياق إلى هذا المقطع، وقد ارتعش الوجدان البشري لمشاهد الكون الحية، التي كان يمر عليها في بلادة وغفلة. وقد تجلى له خضوع هذه الخلائق الهائلة وعبوديتها لسلطان الخالق وأمره.. عندئذ يوجه البشرَ إلى ربهم - الذي لا رب غيره - ليدعوه في إنابة وخشوع؛ وليلتزموا بربوبيته لهم، فيلتزموا حدود عبوديتهم له؛ لا يعتدون على سلطانه؛ ولا يفسدون في الأرض بترك شرعه إلى هواهم، بعد أن أصلحها الله بمنهجه: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها. وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين}. إنه التوجيه في أنسب حالة نفسية صالحة، إلى الدعاء والإنابة.. تضرعاَ وتذللاً؛ وخفية لا صياحاً وتصدية! فالتضرع الخفي أنسب وأليق بجلال الله وبقرب الصلة بين العبد ومولاه. أخرج مسلم - بإسناده عن أبي موسى - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر - وفي رواية غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : أيها الناس أربعوا (أي ارفقوا وهونوا) على أنفسكم. إنكم لستم تدعون أصم ولا غائباً. إنكم تدعون سميعاً قريباً. وهو معكم ".. تفسير : فهذا الحس الإيماني بجلال الله وقربه معاً، هو الذي يؤكده المنهج القرآني هنا ويقرره في صورته الحركية الواقعية عند الدعاء. ذلك أن الذي يستشعر جلاله فعلاً يستحيي من الصياح في دعائه؛ والذي يستشعر قرب الله حقاً لا يجد ما يدعو إلى هذا الصياح! وفي ظل مشهد التضرع في الدعاء، وهيئة الخشوع والانكسار فيه لله، ينهى عن الاعتداء على سلطان الله، فيما يدعونه لأنفسهم - في الجاهلية - من الحاكمية التي لا تكون إلا لله. كما ينهى عن الفساد في الأرض بالهوى، وقد أصلحها الله بالشريعة.. والنفس التي تتضرع وتخشع خفية للقريب المجيب، لا تعتدي كذلك ولا تفسد في الأرض بعد إصلاحها.. فبين الانفعالين اتصال داخلي وثيق في تكوين النفس والمشاعر. والمنهج القرآني يتبع خلجات القلوب وانفعالات النفوس. وهو منهج من خلق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. {وادعوه خوفاً وطمعاً}.. خوفاً من غضبه وعقابه. وطمعاً في رضوانه وثوابه. {إن رحمة الله قريب من المحسنين}.. الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فهو يراهم.. كما جاء في الوصف النبوي للإحسان. ومرة أخرى يفتح السياق للقلب البشري صفحة من صفحات الكون المعروضة للأنظار؛ ولكن القلوب تمر بها غافلة بليدة؛ لا تسمع نطقها، ولا تستشعر إيقاعها.. إنها صفحة يفتحها على ذكر رحمة الله في الآية السابقة؛ نموذجاً لرحمة الله في صورة الماء الهاطل، والزرع النامي، والحياة النابضة بعد الموت والخمود: {وهو الذي يرسل الرياح، بشراً بين يدي رحمته، حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت، فأنزلنا به الماء، فأخرجنا به من كل الثمرات.. كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون}.. إنها آثار الربوبية في الكون. آثار الفاعلية والسلطان والتدبير والتقدير. وكلها من صنع الله؛ الذي لا ينبغي أَن يكون للناس رب سواه. وهو الخالق الرازق بهذه الأسباب التي ينشئها برحمته للعباد. وفي كل لحظة تهب ريح. وفي كل وقت تحمل الريح سحاباً. وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء. ولكن ربط هذا كله بفعل الله - كما هو في الحقيقة - هو الجديد الذي يعرضه القرآن هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة، كأن العين تراه. إنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته. والرياح تهب وفق النواميس الكونية التي أودعها الله هذا الكون - فما كان الكون لينشئ نفسه، ثم يضع لنفسه هذه النواميس التي تحكمه! - ولكن التصور الإسلامي يقوم على اعتقاد أن كل حدث يجري في الكون - ولو أنه يجري وفق الناموس الذي قدره الله - إنما يقع ويتحقق - وفق الناموس - بقدر خاص ينشئه ويبرزه في عالم الواقع. وأن الأمر القديم بجريان السنة، لا يتعارض مع تعلق قدر الله بكل حادث فردي من الأحداث التي تجري وفق هذه السنة. فإرسال الرياح - وفق النواميس الإلهية في الكون - حدث من الأحداث، يقع بمفرده وفق قدر خاص. وحمل الرياح للسحاب يجري وفق نواميس الله في الكون أيضاً. ولكنه يقع بقدر خاص. ثم يسوق الله السحاب - بقدر خاص منه - إلى {بلد ميت}.. صحراء أو جدباء.. فينزل منه الماء - بقدر كذلك خاص - فيخرج من كل الثمرات - بقدر منه خاص - يجري كل أولئك وفق النواميس التي أودعها طبيعة الكون وطبيعة الحياة. إن التصور الإسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون. ابتداء من نشأته وبروزه، إلى كل حركة فيه وكل تغيير وكل تعديل. كما ينفي الجبرية الآلية، التي تتصور الكون كأنه آلة، فرغ صانعها منها، وأودعها القوانين التي تتحرك بها، ثم تركها تتحرك حركة آلية جبرية حتمية وفق هذه القوانين التي تصبح بذلك عمياء! إنه يثبت الخلق بمشيئة وقدر. ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية. ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس ولكل مرة تتحقق فيها السنة. القدر الذي ينشئ الحركة ويحقق السنة، وفق المشيئة الطليقة من وراء السنن والنواميس الثابتة. إنه تصور حي. ينفي عن القلب البلادة. بلادة الآلية والجبرية. ويدعها أبداً في يقظة وفي رقابة.. كلما حدث حدثٌ وفق سنة الله. وكلما تمت حركة وفق ناموس الله. انتفض هذا القلب، يرى قدر الله المنفذ، ويرى يد الله الفاعلة، ويسبح لله ويذكره ويراقبه، ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه! هذا تصور يستحيي القلوب، ويستجيش العقول، ويعلقها جميعاً بفاعلية الخالق المتجددة؛ وبتسبيح البارئ الحاضر في كل لحظة وفي كل حركة وفي كل حدث آناءالليل وأطراف النهار. كذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الحياة الناشئة بإرادة الله وقدره في هذه الأرض، وبين النشأة الآخرة، التي تتحقق كذلك بمشيئة الله وقدره؛ على المنهج الذي يراه الأحياء في نشأة هذه الحياة: {كذلك نخرج الموتى، لعلكم تذكرون}.. إن معجزة الحياة ذات طبيعة واحدة، من وراء أشكالها وصورها وملابساتها.. هذا ما يوحي به هذا التعقيب.. وكما يخرج الله الحياة من الموات في هذه الأرض، فكذلك يخرج الحياة من الموتى في نهاية المطاف.. إن المشيئة التي تبث الحياة في صور الحياة وأشكالها في هذه الأرض، هي المشيئة التي ترد الحياة في الأموات. وإن القدر الذي يجري بإخراج الحياة من الموات في الدنيا، لهو ذاته القدر الذي يجري بجريان الحياة في الموتى مرة أخرى. {لعلكم تذكرون}.. فالناس ينسون هذه الحقيقة المنظورة؛ ويغرقون في الضلالات والأوهام! ويختم السياق هذه الرحلة في أقطار الكون وأسرار الوجود، بمثل يضربه للطيب وللخبيث من القلوب، ينتزعه من جو المشهد المعروض، مراعاة للتناسق في المرائي والمشاهد، وفي الطبائع والحقائق: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً. كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون}.. والقلب الطيب يشبه في القرآن الكريم وفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأرض الطيبة، وبالتربة الطيبة، والقلب الخبيث يشبه بالأرض الخبيثة وبالتربة الخبيثة. فكلاهما.. القلب والتربة.. منبت زرع، ومأتى ثمر. القلب ينبت نوايا ومشاعر، وانفعالات واستجابات، واتجاهات وعزائم، وأعمالاً بعد ذلك وآثاراً في واقع الحياة. والأرض تنبت زرعاً وثمراً مختلفاً أكله وألوانه ومذاقاته وأنواعه.. {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه}.. طيباً خيراً، سهلاً ميسراً. {والذي خبث لا يخرج إلا نكداً}.. في إيذاء وجفوة، وفي عسر ومشقة.. والهدى والآيات والموعظة والنصيحة تنزل على القلب كما ينزل الماء على التربة. فإن كان القلب طيباً كالبلد الطيب، تفتح واستقبل، وزكا وفاض بالخير. وإن كان فاسداً شريراً - كالذي خبث من البلاد والأماكن - استغلق وقسا، وفاض بالشر والنكر والفساد والضر. وأخرج الشوك والأذى، كما تخرج الأرض النكدة! {كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون}.. والشكر ينبع من القلب الطيب، ويدل على الاستقبال الطيب، والانفعال الطيب. ولهؤلاء الشاكرين الذين يحسنون التلقي والاستجابة تصرف الآيات. فهم الذين ينتفعون بها، ويصلحون لها، ويصلحون بها.. والشكر هو لازمة هذه السورة التي يتكرر ذكرها فيها.. كالإنذار والتذكير. وقد صادفنا هذا التعبير فيما مضى من السياق، وسنصادفه فيما هو آت.. فهو من ملامح السورة المميزة في التعبير، كالإنذار والتذكير..
ابن عاشور
تفسير : جاءت أغراض هذه السّورة متناسبة متماسكة، فإنّها ابتدئت بذكر القرآن والأمرِ باتّباعه ونبذِ ما يصدّ عنه وهو اتّباع الشّرك؛ ثمّ التّذكيرِ بالأمم التي أعرضت عن طاعة رسل الله، ثمّ الاستدلال على وحدانية الله، والامتناننِ بخلق الأرض والتّمكين منها، وبخلق أصل البشر وخَلقهم، وخُلَل ذلك بالتّذكير بعداوة الشّيطان لأصل البشر وللبشر في قوله: {أية : لأقعدن لهم صراطك المستقيم}تفسير : [الأعراف: 16]. وانتُقل من ذلك إلى التّنديد على المشركين فيما اتّبعوا فيه تسويل الشّيطان من قوله: {أية : وإذا فعلوا فاحشة}تفسير : [الأعراف: 28]، ثمّ بتذكيرهم بالعهد الذي أخذه الله على البشر في قوله: {أية : يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم}تفسير : [الأعراف: 35] الآية. وبأن المشركين ظَلموا بنكث العهد بقوله: {أية : فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته}تفسير : [الأعراف: 37] وتوعدهم وذكّرهم أحوال أهل الآخرة، وعَقِب ذلك عاد إلى ذكر القرآن بقوله: {أية : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم}تفسير : [الأعراف: 52] وأنهاه بالتّذييل بقوله: {أية : قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون}تفسير : [الأعراف: 53]. فلا جرم تهيأت الأسماع والقلوب لتلقي الحجّة على أنّ الله إله واحد، وأنّ آلهة المشركين ضلال وباطل، ثمّ لِبيان عظيم قدرته ومجده فلذلك استؤنف بجملة {إن ربكم الله} الآية، استئنافاً ابتدائياً عاد به التّذكير إلى صدر السّورة في قوله: {أية : ولا تتبعوا من دونه أولياء}تفسير : [الأعراف: 3]، فكان ما في صدر السّورة بمنزلة المطلوب المنطقي، وكان ما بعده بمنزله البرهان، وكان قوله: {إن ربكم الله} بمنزلة النّتيجة للبرهان، والنتيجة مساوية للمطلوب إلاّ أنّها تؤخَذُ أوضحَ وأشد تفصيلاً. فالخطاب موجّه إلى المشركين ابتداء، ولذلك كان للتّأكيد بحرف (إنّ) موقعه لرد إنكار المشركين انفراد الله بالرّبوبيه. وإذ كان ما اشتملت عليه هذه الآية يزيد المسلمين بصيرة بعظم مجد الله وسعة ملكه، ويزيدهم ذكرى بدلائل قدرته، كان الخطاب صالحاً لتناول المسلمين، لصلاحية ضمير الخطاب لذلك، ولا يكون حرف (إن) بالنّسبة إليهم سدى، لأنّه يفيد الاهتمام بالخبر، لأنّ فيه حظاً للفريقين، ولأنّ بعض ما اشتمل عليه (ما) هو بالمؤمنين أعلق مثل {أية : ادعوا ربكم تضرعاً وخفية}تفسير : [الأعراف: 55] وقوله: {أية : إن رحمت الله قريب من المحسنين}تفسير : [الأعراف: 56] وبعضه بالكافرين أنسب مثل قوله: {أية : كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون}تفسير : [الأعراف: 57]. وقد جعل المخبرُ عنه الرب، والخبرُ اسمَ الجلالة: لأن المعنى أنّ الرب لكم المعلومَ عندكم هو الذي اسمه الدال على ذاته: اللَّهُ، لا غيره ممَن ليس له هذا الاسم، على ما هو الشّأن، فهي تعريف المسند في نحو: أنا أخوك، يقال لمن يعرف المتكلّم ويعرف أنّ له أخاً ولا يعرف أنّ المتكلم هو أخوه. فالمقصود من تعريف المسند إفادة ما يسمّى في المنطق بحمل المواطاة، وهو حمل (هُو هُو) ولذلك يخيّر المتكلّم في جعل أحد الجزأين مسند إليه، وجعل الآخر مسنداً، لأنّ كليهما معروف عند المخاطب، وإنّما الشّأن أن يجعل أقواهما معرفة عند المخاطب هو المسندَ إليه. ليكون الحمل أجدى إفادة، ومن هذا القبيل قول المعرّي يصف فارساً في غارة:شعر : يخُوض بَحْراً نَقْعه ماؤُه يحُمله السّابح في لِبْدِهِ تفسير : إذ قد عَلِم السامع أنّ للفارس عند الغارة نقعاً. وعلم أنّ الشّاعر أثبت للفارس بَحراً وأنّ للبحر ماء، فقد صار النّقع والبحر معلومين للسّامع، فأفاده أنّ نقع الفارس هو ماء البحر المزعوم، لأنّه أجدى لمناسبة استعارة البحر للنّقع، وإلاّ فما كان يعوز المعرّي أن يقول: ماؤه نقعه فمن انتقد البيت فإنّه لم ينصفه. وأُكِّد هذا الخبر بحرف التّوكيد، وإن كان المشركون يثبتون الربوبيّة لله، والمسلمون لا يمترون في ذلك، لتنزيل المشركين مِن المخاطبين منزلة من يتردّد في كون الله ربّاً لهم لكثرة إعراضهم عنه في عباداتهم وتوجهاتهم. وقولُه: {الذي خلق السماوات والأرض} صفة لاسم الجلالة، والصّلة مؤذنة بالإيماء إلى وجه بناء الخبر المتقدّم، وهو {إن ربكم الله} لأنّ خلق السّماوات والأرض يكفيهم دليلاً على انفراده بالإلهية، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} تفسير : بسورة الأنعام (1). وقوله: {في ستة أيام ثم استوى على العرش} تعليم بعظيم قدرته، ويحصل منه للمشركين زيادة شعور بضلالهم في تشريك غيره في الإلهية، فلا يدلّ قوله: {في ستة أيام} على أنّ أهل مكّة كانوا يعلمون ذلك، وفيه تحَدّ لأهل الكتاب كما في قوله تعالى: {أية : أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل}تفسير : [الشعراء: 197] وليس القصد من قوله: {في ستة أيام} الاستدلال على الواحدانية، إذ لا دلالة فيه على ذلك. وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون خلق السّماوات والأرض مدّرجاً، وأن لا يكون دفعة، لأنّه جعل العوالم متولِّداً بعضُها من بعض، لتكون أتقن صنعاً ممّا لو خُلقت دَفعة، وليكون هذا الخلق مَظْهَراً لصفتي علممِ الله تعالى وقدرتِه، فالقدرة صالحة لخلقها دفعة، لكنّ العلم والحكمة اقتضيا هذا التّدرج، وكانت تلك المدّة أقل زمن يحصل فيه المراد من التّولّد بعظيم القدرة. ولعلّ تكرّر ذكر هذه الأيّام في آيات كثيرة لقصد التّنبيه إلى هذه النّكتة البديعة، من كونها مظهر سعة العلم وسعة القدرة. وظاهر الآيات أنّ الأيّام هي المعروفة للنّاس، التي هي جمعُ اليوم الذي هو مدّة تقدّر من مبدأ ظهور الشّمس في المشرق إلى ظهُورها في ذلك المكان ثانية، وعلى هذا التّفسير فالتّقدير في ما يماثل تلك المدّة ستّ مرّات، لأنّ حقيقة اليوم بهذا المعنى لم تتحقّق إلاّ بعد تمام خلق السّماء والأرض، ليمكن ظهور نور الشّمس على نصف الكرة الأرضية وظهور الظلمة على ذلك النّصف إلى ظهور الشّمس مرّة ثانية، وقد قيل: إنّ الأيّام هنا جمع اليوم من أيّام الله تعالى الذي هو مدّة ألف سنة، فستّة أيام عبارة عن ستّة آلاف من السّنين نظراً لقوله تعالى: أية : {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون}تفسير : [الحج: 47] وقوله: {أية : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} تفسير : [السجدة: 5]، ونقل ذلك عن زيد بن أرقم واختاره النّقاش، وما هو ببعيد، وإن كان مخالفاً لما في التّوراة، وقيل المراد: في ستّة أوقات، فإنّ اليوم يطلق على الوقت كما في قوله تعالى: {أية : ومن يولهم يومئذ دبره}تفسير : [الأنفال: 16] أي حين إذ يلقاهم زَحْفاً، ومقصود هذا القائل أنّ السماوات والأرض خُلقت عالَماً بعد عالم ولم يشترك جميعُها في أوقات تكوينها، وأيّاً مّا كان فالأيام مراد بها مقادير لا الأيام التي واحدها يوم الذي هو من طلوع الشّمس إلى غروبها إذ لم تكن شمس في بعض تلك المدّة، والتّعمّق في البحث في هذا خروج عن غرض القرآن. والاستواء حقيقتهُ الاعتدال، والذي يؤخذ من كلام المحقّقين من علماء اللّغة والمفسّرين أنّه حقيقة في الارتفاع والاعتلاء، كما في قوله تعالى في صفة جبريل {أية : فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى}تفسير : [النجم: 6 ـــ 8]. والاستواء له معان متفرّعة عن حقيقته، أشهرها القصد والاعتلاء، وقد التُزم هذا اللّفظ في القرآن مسنداً إلى ضمير الجلالة عند الإخبار عن أحوال سماوية، كما في هذا الآية. ونظائرُها سبعُ آيات من القرآن: هنا. وفي يونس، والرّعد، وطه، والفرقان، وألـم السجدة، والحديد، وفُصِّلت. فظهر لي أنّ لهذا الفعل خصوصيّة في كلام العرب كان بِسببها أجدرَ بالدّلالة على المعنى المرادِ تبليغُه مجملاً ممّا يليق بصفات الله ويقرّب إلى الأفهام من معنى عظمته، ولذلك اختِير في هذه الآيات دون غيره من الأفعال التي فسّره بها المفسّرون. فالاستواء يعبِّر عن شأن عظيم من شؤون عظمة الخالق تعالى، اختير التّعبير به على طريق الاستعارة والتّمثيلِ: لأنّ معناه أقرب معاني المواد العربيّة إلى المعنى المعبّر عنه من شؤونه تعالى، فإنّ الله لمّا أراد تعليم معاننٍ من عالم الغيب لم يكن يتأتى ذلك في اللّغة إلاّ بأمثلة معلومة من عالم الشّهادة، فلم يكن بد من التّعبير عن المعاني المغيّبة بعبارات تقرّبها ممّا يعبر به عن عالم الشّهادة، ولذلك يكثر في القرآن ذكر الاستعارات التّمثيليّة والتّخييليّة في مثل هذا. وقد كان السّلف يتلقّون أمثالها بلا بحثثٍ ولا سؤال لأنّهم علموا المقصود الإجمالي منها فاقتنعوا بالمعنى مجملاً، ويسمّون أمثالَها بالمتشابهات، ثمّ لمّا ظهر عصر ابتداء البحث كانوا إذا سئلوا عن هذه الآية يقولون: استوى الله على العرش ولا نعرف لذلك كيفاً، وقد بيّنتُ أنّ مثل هذا من القسم الثّاني من المتشابه عند قوله تعالى: {أية : وأخر متشابهات} تفسير : في سورة آل عمران (7)، فكانوا يأبون تأويلها. وقد حكى عياض في المدارك عن سفيان بن عيينة أنّه قال: سأل رجل مالكاً فقال: الرّحمانُ على العرش استوى. كيفَ استوى يا أبا عبد الله؛ فسكت مالكٌ مليّاً حتّى علاه الرّحَضاء ثمّ سُرّيَ عنه، فقال: «الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب وإنّي لأظنّك ضالاً» واشتهر هذا عن مالك في روايات كثيرة، وفي بعضها أنّه قال لمن سأله: «وأظنّك رجُلَ سوء أخْرِجُوه عنّي» وأنّه قال: «والسؤالُ عنه بدعة». وعن سفيان الثّوري أنّه سئل عنها: «فقال: فَعَلَ الله فعلا في العرش سمّاه استواء». قد تأوّله المتأخّرون من الأشاعرة تأويلات، أحسنها: ما جنح إليه إمام الحرمين أنّ المراد بالاستواء الاستيلاء بقرينة تعديته بحرف على، وأنشدوا على وجه الاستيناس لذلك قولَ الأخطل:شعر : قد استوى بِشْرٌ على العراق بغيرِ سيف ودم مُهْرَاق تفسير : وأُراه بعيداً، لأنّ العرش ما هو إلاّ من مخلوقاته فلا وجه للإخبار باستيلائه عليه، مع احتمال أن يكون الأخطل قد انتزعه من هذه الآية، وقد قال أهل اللّغة: إنّ معانيه تختلف باختلاف تعديته بعَلى أو بإلى، قال البخاري، عن مجاهد: استوى عَلا على العرش، وعن أبي العالية: استوى إلى السّماء ارتفع فسَوى خلقهن. وأحسب أنّ استعارته تختلف بقرينة الحَرف الذي يُعدّى به فعله، فإن عُدّي بحرف (على) كما في هذه الآية ونظائرها فهو مستعار من معنى الاعتلاء، مستعمل في اعتلاء مجازي يدلّ على معنى التّمكّن، فيحتمل أنّه أريد منه التّمثيل، وهو تمثيل شأننِ تصرّفه تعالى بتدبير العوالم، ولذلك نجده بهذا التّركيب في الآيات السّبع واقعاً عقب ذكر خلق السّماوات والأرض، فالمعنى حينئذ: خلقَها ثمّ هو يدبّر أمورها تدبير المَلِك أمور مملكته مستوياً على عَرشه. وممّا يقرب هذا المعنى قول النّبيء صلى الله عليه وسلم «حديث : يَقْبِض الله الأرضَ ويطوي السّماوات يومَ القيامة ثمّ يقول: أنا المَلِك أيْنَ ملوك الأرض»تفسير : . ولذلكَ أيضاً عُقب هذا التّركيب في مواقعه كلّها بما فيه معنى التّصرف كقوله هنا {يغشى الليل النهار الخ، وقوله في سورة يونس (3): {أية : يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه}، تفسير : وقوله في سورة الرّعد (2): {أية : وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات}. تفسير : وقوله في سورة ألم السجدة (4، 5): {أية : ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض}. تفسير : وكمال هذا التّمثيل يقتضي أن يكون كلّ جزءٍ من أجزاء الهيئة الممثّلة مشبهاً بجزء من أجزاء الهيئة الممثَّل بها، فيقتضي أن يكون ثمة موجود من أجزاء الهيئة الممثّلة مشابهاً لعرش المَلك في العظمة، وكونه مصدر التّدبير والتّصرف الإلهي يفيض على العوالم قوى تدبيرها. وقد دلّت الآثار الصّحيحة من أقوال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام على وجود هذا المخلوق العظيم المسمّى بالعرش كما سنبيّنه. فأمّا إذا عُدّي فعل الاستواء بحرف اللاّم فهو مستعار من معنى القصد والتّوجّه إلى معنى تعلّق الإرادة، كما في قوله: {أية : ثم استوى إلى السماء}تفسير : [البقرة: 29]. وقد نحا صاحب «الكشاف» نحواً من هذا المعنى، إلاّ أنّه سلك به طريقة الكناية عن المُلك: يقولون استوى فلان على العرش يريدون مُلك. والعرش حقيقته الكرسي المرتفع الذي يجلس عليْه المَلِك، قال تعالى: {أية : ولها عرش عظيم}تفسير : [النمل: 23] وقال: {أية : ورفع أبويه على العرش}تفسير : [يوسف: 100]، وهو في هذه الآية ونظائرها مستعمل جزءا من التّشبيه المركّب، ومن بداعة هذا التّشبيه أن كان كلّ جزء من أجزاءِ الهيئة المشبهة مماثلاً لجزءٍ من أجزاء الهيئة المشبَّه بها، وذلك أكمل التّمثيل في البلاغة العربيّة، كما قدّمتُه آنفاً. وإذ قد كان هذا التّمثيل مقصوداً لتقريب شأن من شؤون عظمة مُلك الله بحال هيئةٍ من الهيئات المتعارفة، ناسب أن يشتمل على ما هو شعار أعظم المدبّرين للأمور المتعارفة أعني الملوك، وذلك شعارُ العرش الذي من حَوْله تصدر تصرّفات الملك، فإنّ تدبير الله لمخلوقاته بأمر التّكوين يكون صدوره بواسطة الملائكة، وقد بيّن القرآن عَمَل بعضهم مثل جبريل عليه السّلام وملَككِ الموت، وبيَّنت السنة بعضها: فذكرت ملك الجبال، وملك الرّياح، والملك الذي يباشر تكوين الجنين، ويكتُب رزقَه وأجلَه وعاقبتَه، وكذلك أشار القرآن إلى أن من الموجودات العلويّة موجوداً منوّها به سمّاه العرش ذكره القرآن في آيات كثيرة. ولمّا ذكر خلق السّماوات والأرض وذكر العرش ذكره بما يشعر بأنّه موجود قبل هذا الخلق. وبيّنت السنّة أنّ العرش أعظم من السماوات وما فيهن، من ذلك حديث عمران بن حصين أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان الله ولم يكن شيء قبلَه وكان عرشه على الماء ثمّ خلق السّماوات والأرض» تفسير : وحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال في حديث طويل: «حديث : فإذا سألتم الله فاسألُوه الفِردوس فإنّه أوسط الجنّة، وأعلَى الجنّة وفوقَه عرش الرّحمان ومنه تفجَّر أنهار الجنّة» تفسير : وقد قيل إنّ العرشِ هو الكرسي وأنّه المراد في قوله تعالى: {أية : وسع كرسيه السماوات والأرض} تفسير : كما تقدّم الكلام عليه في سورة البقرة (255). وقد دلّت (ثُمّ) في قوله: {ثم استوى على العرش} على التّراخي الرّتبي أي وأعظم من خلق السّماوات والأرض استواءه على العرش، تنبيهاً على أنّ خلق السّماوات والأرض لم يحدث تغييراً في تصرّفات الله بزيادة ولا نقصان، ولذلك ذكر الاستواء على العرش عقب ذكر خلق السّماوات والأرض في آيات كثيرة، ولعلّ المقصد من ذلك إبطال ما يقوله اليهود: إنّ الله استراح في اليوم السّابع فهو كالمقصد من قوله تعالى: {أية : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} تفسير : [ق: 38]. وجملة {يغشى الليل النهار} في موضع الحال من اسم الجلالة، ذكر به شيء من عموم تدبيره تعالى وتصرّفه المضمّن في الاستواء على العرش، وتنبيه على المقصود من الاستواء، ولذلك جاء به في صورة الحال لا في صورة الخبر، كما ذكر بوجه العموم في آية سورة يونس (3) وسورة الرّعد (2) بقوله: {أية : يدبر الأمر} تفسير : وخصّ هذا التّصرف بالذّكر لما يدلّ عليه من عظيم المقدرة، وما فيه من عبرة التّغيّر ودليللِ الحدوث، ولكونه متكرّراً حدوثه في مشاهدة النّاس كلّهم. والإغشاء والتّغشية: جعل الشّيء غاشياً، والغَشْي والغشيان حقيقته التّغطيّة والغمّ. فمعنى: {يغشى الليل النهار} أنّ الله يجعل أحدهما غاشياً الآخر. والغشي مستعار للإخفاء، لأنّ النّهار يزيل أثر اللّيل واللّيل يزيل أثر النّهار، ومن بديع الإيجاز ورشاقة التّركيب: جعل الليل والنّهار مفعولين لفعل فاعل الإغشاء، فهما مفعولان كلاهما صالح لأن يكون فاعل الغشي، ولهذا استغنى بقوله: {يغشى الليل النهار} عن ذكر عكسه ولم يقل: والنّهار اللّيل، كما في آية {أية : يكور الليل على النهار} تفسير : [الزمر: 5] لكن الأصل في ترتيب المفاعيل في هذا الباب أن يكون الأوّلُ هو الفاعل في المعنى، ويجوز العكس إذا أمِن اللّبس، وبالأحرى إذا استوى الاحتمالان. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص {يُغْشِي} ــــ بضمّ الياء وسكون الغين وتخفيف الشّين ــــ. وقرأه حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، ويعقوب، وخلَف بضمّ الياء وفتح الغين وتشديد الشّين ــــ وهما بمعنى واحد في التّعدية. وجملة: {يطلبه} إن جعلت استينافاً أو بدلَ اشتمال من جملة (يغشي) فأمرها واضح، واحتمل الضّمير المنصوب في (يطلبه) أن يعود إلى اللّيل وإلى النّهار، وإن جعلت حالا تعين أن تعتبر حالاً من أحد المفعولين على السَّواء فإنّ كلاً اللّيل والنّهار يعتبر طالباً ومطلوباً، تبعاً لاعتبار أحدهما مفعولاً أوّل أو ثانياً. وشُبّه ظهور ظلام اللّيل في الأفق ممتداً من المشرق إلى المغرب عند الغروب واختفاء نور النّهار في الأفق ساقطاً من المشرق إلى المغرب حتّى يعمّ الظّلامُ الأفقَ بطلب اللّيل النّهارَ، على طريقة التّمثيل، وكذلك يفهم تشبيه امتداد ضوء الفجر في الأفق من المشرق إلى المغرب واختفاءُ ظلام اللّيل في الأفق ساقطاً في المغرب حتّى يعمّ الضياء الأفقَ: بطلب النّهار اللّيلَ على وجه التّمثيل، ولا مانع من اعتبار التّنازع للمفعولين في جملة الحال كما في قوله تعالى: {أية : فأتت به قومها تحمله}تفسير : [مريم: 27] وقوله: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره}. والحثيث: المسرع، وهو فعيل بمعنى مفعول، من حثَه إذا أعجله وكَرّر إعجاله ليبادر بالعجلة، وقريب من هذا قول سلامة من جَنْدَل يذكر انتهاء شبابه وابتداء عصر شيْبه:شعر : أوْدَى الشّبابُ الذي مَجْدٌ عواقِبه فيهِ نَلَذَّ ولا لَذّاتِ للشّيب ولَّى حثيثاً وهذا الشّيبُ يَتَبَعُه لو كان يُدْرِكه ركْضُ اليَعاقيبِ تفسير : فالمعنى يطلبه سريعاً مُجدّاً في السّرعة لأنّه لا يلبث أن يعفى أثره. {والشمس والقمر والنجوم} ــــ بالنّصب ــــ في قراءة الجمهور معطوفات على السّماوات والأرض، أي وخلق الشّمسَ والقمر والنّجوم، وهي من أعظم المخلوقات التي اشتملت عليها السّماوات. و{مسخرات} حال من المذكورات. وقرأ ابن عامر برفع {الشمس} وما عطف عليه ورفْعِ {مسخرات}، فتكون الجملة حالا من ضمير اسم الجلاله كقوله: {يغشى الليل النهار}. وتقدّم الكلام على اللّيل والنّهار عند قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} تفسير : في سورة البقرة (164) ويأتي في سورة الشّمس. والتّسخير حقيقته تذلِيل ذي عمل شاققٍ أو شاغلٍ بقهر وتخويف أو بتعليم وسياسة بدون عوض، فمنه تسخير العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس والرّواحل، ومنه تسخير البقر للحلب، والغنم للجزّ. ويستعمل مجازاً في تصريف الشّيء غير ذي الإرادة في عمل عجيب أو عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه، بحيلة أو إلهام تصريفاً يصيّره من خصائصه وشؤونه، كتسخير الفُلك للمخر في البحر بالرّيح أو بالجذف، وتسخير السّحاب للأمطار، وتسخير النّهار للعمل، واللّيل للسّكون، وتسخير اللّيل للسّير في الصّيف، والشّمس للدّفء في الشّتاء، والظلّ للتبرد في الصّيف، وتسخير الشّجر للأكل من ثماره حيث خلق مجرّداً عن موانع تمنع من اجتنائه مثل الشّوك الشّديد، فالأسد غير مسخّر بهذا المعنى ولكنّه بحيث يسخر إذا شاء الإنسان الانتفاع بلحمه أو جلده بحيلة لصيده بزُبية أو نحوها، ولذلك قال الله تعالى: {أية : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}تفسير : [الجاثية: 13] باعتبار هذا المجاز على تفاوت في قوّة العلاقة. فقوله: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} أطلق التّسخير فيه مجازاً على جعلها خاضعة للنّظام الذي خلقها الله عليه بدون تغيير، مع أنّ شأن عظمها أن لا يستطيعَ غيره تعالى وضعها على نظام محدود منضبط. ولفظ الأمر في قوله: {بأمره} مستعمل مجازاً في التّصريف بحسب القدرة الجارية على وفق الإرادة. ومنه أمر التّكوين المعبّر عنه في القرآن بقوله: {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}تفسير : [يس: 82] لأن (كن) تقريب لنفاذ القدرة المسمّى بالتّعلّق التّسخيري عند تعلّق الإرادة التّنجيزي أيضاً فالأمر هنا من ذلك، وهو تصريف نظام الموجودات كلّها. وجملة: {ألا له الخلق والأمر} مستأنفة استئناف التّذييل للكلام السّابق من قوله: {الذي خلق السموات والأرض} لإفادة تعميم الخَلْق. والتّقدير: لما ذُكر آنفاً ولِغيره. فالخلق: إيجاد الموجودات، والأمر تسخيرها للعمل الذي خلقت لأجله. وافتتحت الجملة بحرف التّنبيه لتَعِي نفوسُ السّامعين هذا الكلام الجامع. واللام الجارة لضمير الجلالة لام المِلك. وتقديم المسند هنا لتخصيصه بالمسند إليه. والتّعريف في الخلق والأمر تعريف الجنس، فتفيد الجملة قصر جنس الخلق وجنس الأمر على الكون في مِلك الله تعالى، فليس لغيره شيء من هدا الجنس، وهو قصر إضافي معناه: ليس لآلهتهم شيء من الخلق ولا من الأمر، وأمّا قصر الجنس في الواقع على الكون في مِلك الله تعالى فذلك يرجع فيه إلى القرائن، فالخلق مقصور حقيقة على الكون في ملكه تعالى، وأمّا الأمر فهو مقصور على الكون في ملك الله قصراً ادعائياً لأنّ لكثيرٍ من الموجودات تدبيرَ أمور كثيرة، ولكن لما كان المدبِّر مخلوقاً لله تعالى كان تدبيره راجعاً إلى تدبير الله كما قيل في قصر جنس الحمْد في قوله: {أية : الحمد لله}تفسير : [الفاتحة: 2]. وجملة {تبارك الله رب العالمين} تذييل معترضة بين جملة {إن ربكم الله} وجملة {أية : ادعوا ربكم تضرعا وخفية}تفسير : [الأعراف: 55] إذ قد تهيّأ المقام للتّذكير بفضل الله على النّاس، وبنافع تصرّفاته، عقب ما أجرى من إخبار عن عظيم قدرته وسعة علمه وإتقاننِ صنعه. وفعل {تبارك} في صورة اشتقاقه يؤذن بإظهار الوصف على صاحبه المتّصف به مثل: تثاقل، أظهر الثّقل في العمل، وتعالل، أي أظهر العلّة، وتعاظم: أظهر العظمة، وقد يستعمل بمعنى ظهور الفعل على المتّصف به ظهوراً بيِّناً حتى كأنّ صاحبه يُظهره، ومنه: {أية : تعالى الله}تفسير : [النمل: 63] أي ظَهر علوّه، أي شرفه على الموجودات كلّها، ومنه {تبارك} أي ظَهرت بركته. والبركة: شدّة الخير، وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً} تفسير : في سورة آل عمران (96)، وقوله: {أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك} تفسير : في سورة الأنعام (92). فبركة الله الموصوفُ بها هي مجده ونزاهته وقدسه، وذلك جامع صفات الكمال، ومن ذلك أنّ له الخلق والأمر. وإتْباع اسم الجلالة بالوصف وهو رب العالمين في معنى البيان لاستحقاقه البركة والمجد، لأنّه مفيض خيرات الإيجاد والإمداد، ومدبّر أحوال الموجودات، بوصف كونه ربّ أنواع المخلوقات، ومضى الكلام على {أية : العالمين} تفسير : في سورة الفاتحة (2).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}. لم يفصل هنا ذلك، ولكنه فصله في سورة "فصلت" بقوله: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} تفسير : [فصلت: 9-12]. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} الآية. هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله {أية : يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الفتح: 10] ونحو ذلك. أشكلت على كثير من الناس إشكالاً ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة، فصار قوم إلى تعطيل وقوم إلى التشبيه - سبحانه وتعالى علواً كبيراً عن ذلك كله - والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال، وحاصل تحرير ذلك أنه جل وعلا بين أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين: أحدهما: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. والثاني: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. لأنه لا يصف الله اعلم بالله من الله {أية : أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 140]، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4] فمن نفى عن الله وصفاً أثبته لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم زاعماً أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله جل وعلا، فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جل وعلا. {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 16]. ومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق، فهو مشبه ملحد ضال، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال، والتنزيه عن مشابهة الخلق، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا. هي قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11] فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال. والظاهر أن السر في تعبيره بقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} دون أن يقول مثلاً: وهو العلي العظيم أو نحو ذلك من الصفات الجامعة. أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات. فبين أن الله متصف بهما، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى، وبين صفات خلقه. ولذا جاء بقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} بعد قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ففي هذه الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات لا لبس معه ولا شبهة البتة، وسنوضح إن شاء الله هذه المسألة إيضاحاً تاماً بحسب طاقتنا، وبالله جل وعلا التوفيق. اعلم أولاً: أن المتكلمين قسموا صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام: صفة نفسية، وصفة سلبية، وصفة معنى، وصفة معنوية، وصفة فعلية، وصفة جامعة، والصفة الإضافية تتداخل مع الفعلية. لأن كل صفى فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة، فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة، وتتفرد الفعلية في نحو الاستواء، وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى كان موجوداً قبل كل شيء، وأنه فوق كل شيء، لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية، وليستا من صفات الأفعال، ولا يخفى على عالم بالقوانين الكلامية والمنطقية أن إطلاق النفسية على شيء من صفاته جل وعلا أنه لا يجوز، وأن فيه من الجراءة على الله جل وعلا ما الله عالم به، وإن كان قصدهم بالنفسية في حق الله الوجود فقط وهو صحيح، لأن الإطلاق الموهم للمحذور في حقه تعالى لا يجوز، وإن كان المقصود به صحيحاً. لأن الصفة النفسية في الإصطلاح لا تكون إلا جنساً أو فصلاً، فالجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، والفصل كالنطق بالنسبة إلى الإنسان والفرس والحمار، وأن الفصل صفة نفسية لبعض أفراد الجنس ينفصل بها عن غيره من الأفراد المشاركة له في الجنس كالنطق بالنسبة إلى الإنسان، فإنه صفته النفسية التي تفصله عن الفرس مثلاً: المشارك له في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية، ووصف الله جل وعلا بشيء يراد به اصطلاحاً ما بينا لك. من أعظم الجراءة على الله تعالى كما ترى. لأنه جل وعلا واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس بينه وبين غيره اشتراك في شيء من ذاته، ولا من صفاته، حتى يطلق عليه ما يطلق على الجنس والفصل - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة. والفصل: هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض سبحان رب السماوات والأرض وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وسنبين لك أن جميع الصفات على تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وهم في بعض ذلك يقرون بأن الخالق موصوف بها، وأنها جاء في القرآن أيضاً وصف المخلوق بها، ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق، ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به لأن الكل من باب واحد، لأن جميع صفات الله جل وعلا من باب واحد، لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من الحوادث. فمن ذلك: الصفات السبع. المعروفة عندهم بصفات المعاني وهي: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. فقد قال تعالى في وصف نفسه بالقدرة: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 284]. وقال في وصف الحادث بها: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [المائدة: 34] فأثبت لنفسه قدرة حقيقية لائقة بجلاله وكماله، وأثبت لبعض الحوادث قدرة مناسبة لحالهم من الضعف والافتقار والحدوث والفناء، وبين قدرته، وقدرة مخلوقه من المنافاة ما بين ذاته وذات مخلوقه. وقال في وصف نفسه بالإرادة: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود: 107]، {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]، {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185]، ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف المخلوق بها: {أية : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} تفسير : [الأنفال: 67] الآية {أية : إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [الأحزاب: 13]، {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 8]، ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا إرادة حقيقية لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوق إرادة أيضاً مناسبة لحاله، وبين إرادة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وقال في وصف نفسه بالعلم: {أية : وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 282]، {أية : لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} تفسير : [النساء: 166] الآية {أية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} تفسير : [الأعراف: 7]. وقال في وصف الحادث به: {أية : قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ}تفسير : [الذاريات: 28]، وقال: {أية : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} تفسير : [يوسف: 68] ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا علم حقيقي لائق بكماله وجلاله، وللمخلوق علم مناسب لحاله، وبين علم الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وقال في وصف نفسه بالحياة: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : [البقرة:255] {أية : هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [غافر: 65] الآية. {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58]، ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف المخلوق بها: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} تفسير : [مريم: 15]، {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} تفسير : [الأنبياء: 30]، {أية : يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} تفسير : [يونس: 31]. فله جل وعلا حياة حقيقية تليق بجلاله وكماله، وللمخلوق أيضاً حياة مناسبة لحاله. وبين حياة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وقال في وصف نفسه بالسمع والبصر: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11]، {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تفسير : [الحج: 61] ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف الحادث بهما: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تفسير : [الإنسان: 2]، {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38] الآية ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله. وبين سمع الخالق وبصره، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وقال في وصف نفسه بالكلام {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164]، {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} تفسير : [الأعراف: 144]، {أية : فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 6] ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف المخلوق به: {أية : فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} تفسير : [يوسف: 54]. {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [يس: 65] الآية {أية : قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 29]، ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله وجلاله. وللمخلوق كلام أيضاً مناسب لحاله. وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني. والمعتزلة ينفونها ويثبتون أحكامها فيقولون: هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته هكذا فراراً منهم من تعدد القديم. ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل. لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل فإذا عدم السواد عن جرم مثلاً استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات، استحال أن تقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة. قال في "مراقي السعود": شعر : وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزلي الحق تفسير : وأما الصفات المعنوية عندهم: فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة، وهي كونه تعالى: قادراً، مريداً عالماً حياً، سميعاً بصيراً، متكلماً. والتحقيق أنها عبارة عن كيفية الإتصاف بالمعاني، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني، مبني على ما يسمونه الحال المعنوية. زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود، ولا معدوم. والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها. لأن العقل الصحيح حاكم حكماً لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة. فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان، ولا يرتفعان، ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود، فإنه معدوم قطعاً، وكل ما هو غير معدوم، فإنه موجود قطعاً، و هذا مما لا شك فيه كما ترى. وقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة الخالق للمخلوق، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا أنها صفات زائدة على صفات المعاني. مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بها. وأما الصفات السلبية عندهم: فهي خمس، وهي عندهم: القدم، والبقاء، والوحدانية، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق، المعروف عندهم بالقيام بالنفس. وضابط الصفة السلبية عندهم: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلاً، إنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله. أما الصفة التي تدل على معنى وجودي: فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى، فالقدم مثلاً عندهم لا معنى له بالمطابقة، إلا سلب العدم السابق، فإن قيل: القدرة مثلاً تدل على سلب العجز، والعلم يدل على سلب الجهل، والحياة تدل على سلب الموت، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضاً؟ فالجواب: أن القدرة مثلاً تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات، وهو الصفة التي يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة، وإنما سلبت العجز بواسطة مقدمة عقلية، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه نفي ضده عنها لاستحالة اجتماع الضدين عقلاً، وهكذا في باقي المعاني. أما القدم عندهم مثلا: فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود، إلا سلب العدم السابق، وهكذا في باقي السلبيات، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن القدم. والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين، أنه وصف بهما نفسه في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ} تفسير : [الحديد: 3] الآية، جاء في القرآن الكريم وصف الحادث بهما أيضاً، قال في وصف الحادث بالقدم: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يس: 39]، وقال: {أية : قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يوسف: 95]، وقال: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ} تفسير : [الشعراء: 75-76]، وقال في وصف الحادث بالبقاء: {أية : وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} تفسير : [الصافات: 77]، وقال: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96]، وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية المذكورتين في الآية. قال: {أية : أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ}تفسير : [المرسلات: 16-17]، ووصف نفسه بأنه واحد، قال: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [البقرة: 163]، وقال في وصف الحادث بذلك. {أية : يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} تفسير : [الرعد: 4] وقال في وصف نفسه بالغنى، {أية : وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [فاطر: 15]، {أية : وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8]، وقال في وصف الحادث بالغنى: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} تفسير : [النساء: 6] الآية، {أية : إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ} تفسير : [النور: 32] الآية، فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، والحادث موصوف بها أيضاً على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه، وعجزه وافتقاره، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق، كما بيناه في صفات المعاني. وأما الصفة النفسية عندهم: فهي واحدة، وهي الوجود، وقد علمت ما في إطلاقها على الله، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة، كأبي الحسن الأشعري، وعلى كل حال، فلا يخفى أن الخالق موجود، والمخلوق موجود، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق، كما بينا. ومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان، زاعما أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم. وأما الصفات الفعلية، فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته، فمن ذلك وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه، قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} تفسير : [الذاريات: 58] الآية، {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تفسير : [سبأ 39]، وقال: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6] الآية. وقال في وصف الحادث بذلك: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 8] الآية، وقال: {أية : وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} تفسير : [البقرة: 233] الآية، ووصف نفسه بالعمل، فقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} تفسير : [يس: 71] الآية، وقال في وصف الحادث به: {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [السجدة: 17] ووصف نفسه بتعليم خلقه فقال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-4]. وقال في وصف الحادث به: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [الجمعة: 2] الآية. وجمع المثالين في قوله تعالى: {أية : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 4]، ووصف نفسه بأنه ينبئ، ووصف المخلوق بذلك، وجمع المثالين في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [التحريم: 3]. ووصف نفسه بالإيتاء، فقال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ} تفسير : [البقرة: 258]، وقال: {أية : يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 269]، وقال: {أية : وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} تفسير : [هود: 3]، وقال: {أية : ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [المائدة: 54]. وقال في وصف الحادث بذلك: {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} تفسير : [النساء: 20]، {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 2]، {أية : وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} تفسير : [النساء: 4]. وأمثال هذا كثيرة جداً في القرآن العظيم. ومعلوم أن ما وصف به الله من هذه الأفعال فهو ثابت له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله. وما وصف به المخلوق منها فهو ثابت له أيضاً، على الوجه المناسب لحاله، وبين وصف الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وأما الصفات الجامعة، كالعظم والكبر والعلو، والملك والتكبر والجبروت، ونحو ذلك. فإنها أيضاً يكثر جداً وصف الخالق والمخلوق بها في القرآن الكريم. ومعلوم أن ما وصف به الخالق منها مناف لما وصف به المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق. قال في وصف نفسه جلا وعلا بالعلو والعظم والكبر: {أية : وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [البقرة: 255]، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}تفسير : [النساء: 34]، {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ} تفسير : [الرعد: 9]. وقال في وصف الحادث بالعظم: {أية : فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63] {أية : إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} تفسير : [الإسراء: 40]، {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23]، {أية : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [التوبة: 129] إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف الحادث بالكبر: {أية : لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} تفسير : [فاطر: 7]، وقال: {أية : إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 31]، وقال: {أية : إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الأنفال: 73]ٍ، وقال: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 143]، وقال: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. وقال في وصف الحادث بالعلو: {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} تفسير : [مريم: 57]، {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} تفسير : [مريم: 50] إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف نفسه بالملك: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ}تفسير : [الجمعة: 1] الآية {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ} تفسير : [الحشر: 23] الآية. وقال: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ}تفسير : [القمر: 55]. وقال في وصف الحادث به: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} تفسير : [يوسف: 43] الآية، {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} تفسير : [يوسف: 50]، {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 79]، {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ}تفسير : [البقرة: 247]، {أية : تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 26] إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف نفسه بالعزة: {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة: 209]، {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [الجمعة: 1]، {أية : أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ}تفسير : [ص: 9]. وقال في وصف الحادث بالعزة {أية : قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ} تفسير : [يوسف: 51] الآية، {أية : فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص: 23]. وقال في وصف نفسه جل وعلا بأنه جبار متكبر {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ} تفسير : [الحشر: 23]. وقال في وصف الحادث بهما: {أية : كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} تفسير : [غافر: 35]، {أية : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}تفسير : [الزمر: 60]، {أية : وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}تفسير : [الشعراء: 130] إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف نفسه بالقوة: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}تفسير : [الذاريات: 58] {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [الحج: 40]. وقال في وصف الحادث بها: {أية : وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} تفسير : [فصلت: 15] الآية {أية : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ}تفسير : [هود: 52] الآية {أية : إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}تفسير : [القصص: 26]. {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} تفسير : [الروم: 54] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وأمثال هذا من الصفات الجامعة كثيرة في القرآن، ومعلوم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفات المذكورة حقيقة على الوجه اللائق بكماله، وجلاله. وإنما وصف به المخلوق منها مخالف لما وصف به الخالق، كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذوات الحوادث، ولا إشكال في شيء من ذلك، وكذلك الصفات التي اختلف فيها المتكلمون. هل هي من صفات المعاني أو من صفات الأفعال، وإن كان الحق الذي لا يخفى على من أنار الله بصيرته. أنها صفات معان أثبتها الله، جل وعلا، لنفسه، كالرأفة والرحمة. قال في وصفه جل وعلا بهما: {أية : إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 7] وقال في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم بهما: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128] وقال في وصف نفسه بالحلم: {أية : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}تفسير : [الحج: 59]. وقال في وصف الحادث به: {أية : فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} تفسير : [الصافات: 101]. {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} تفسير : [التوبة: 114]. وقال في وصف نفسه بالمغفرة: {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {أية : لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الحجرات: 3] ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف الحادث بها: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} تفسير : [الجاثية: 14] الآية. {أية : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} تفسير : [البقرة: 263] ونحو ذلك من الآيات. ووصف نفسه جل وعلا بالرضى ووصف الحادث به أيضاً فقال: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [المائدة: 119] ووصف نفسه جل وعلا بالمحبة، ووصف الحادث بها، فقال: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} تفسير : [المائدة: 54]، {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 31] الآية. ووصف نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته فقال {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 60] الآية، {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} تفسير : [النساء: 93] الآية. وقال في وصف الحادث بالغضب {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} تفسير : [الأعراف: 150] وأمثال هذا كثير جداً. والمقصود عندنا ذكر أمثلة كثيرة من ذلك، مع إيضاح أن كل ما اتصف به جل وعلا من تلك الصفات بالغ من غايات الكمال والعلو والشرف ما يقطع علائق جميع أوهام المشابهة بين صافته جل وعلا، وبين صفات خلقه، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. فإذا حققت كل ذلك علمت أنه جل وعلا وصف نفسه بالاستواء على العرش، ووصف غيره بالاستواء على بعض المخلوقات، فتمدح جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه على عرشه، ولم يذكر صفة الاستواء إلا مقرونة بغيرها من صفات الكمال، والجلال. القاضية بعظمته وجلاله جل وعلا، وأنه الرب وحده، المستحق لأن يعبد وحده. الموضع الأول: بحسب ترتيب المصحف الكريم. قوله هنا في سورة الأعراف {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54]. الموضع الثاني: قوله تعالى في سورة يونس: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} تفسير : [يونس: 3-4] الآية. الموضع الثالث: قوله تعالى في سورة الرعد: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الرعد: 2-4]. الموضع الرابع: قوله تعالى في سورة طه: {أية : مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتِ ٱلْعُلَى ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : [طه: 2-6]. الموضع الخامس: قوله في سورة الفرقان {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً} تفسير : [الفرقان: 58-59]. الموضع السادس: قوله تعالى في سورة السجدة {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 4-5]. الآية. الموضع السابع: قوله تعالى في سورة الحديد {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4]. وقال جل وعلا في وصف الحادث بالاستواء على بعض المخلوقات: {أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} تفسير : [الزخرف: 13]، {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ} تفسير : [المؤمنون: 28]، الآية، {أية : وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ} تفسير : [هود: 44] الآية ونحو ذلك من الآيات. وقد علمت مما تقدم أنه لا إشكال في ذلك، وأن للخالق جل وعلا استواء لائقاً بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضاً استواء مناسب لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. على نحو {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11] كما تقدم إيضاحه. وينبغي للناظر في هذه المسالة التأمل في أمور: الأمر الأول: أن جميع الصفات من باب واحد، لأن الموصوف بها واحد، ولا يجوز في حقه مشابهة الحوادث في شيء من صفاتهم، فمن أثبت مثلاً أنه: سميع بصير، وسمعه، وبصره مخالفان لأسماع الحوادث وأبصارهم، لزمه مثل ذلك في جميع الصفات. كالاستواء، واليد، ونحو ذلك من صفاته جل وعلا، ولا يمكن الفرق بين ذلك بحال. الأمر الثاني: أن الذات والصفات من باب واحد أيضاً، فكما أنه جل وعلا، له ذات مخالفة لجميع ذوات الخلق، فله تعالى صفات مخالفة لجميع صفات الخلق. الأمر الثالث: في تحقيق المقام في الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من آيات الصفات. كالاستواء واليد مثلاً. اعلم أولاً: أنه غلط في خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معنى الاستواء واليد مثلا: في الآيات القرآنية. هو مشابهة صفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعاً، لأن اعتقاد ظاهره كفر. لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر، ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول. أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا. والنَّبي صلى الله عليه وسلم قيل له {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] لم يبين حرفاً واحداً من ذلك مع إجماع من يعتد به من العلماء، على أنه صلى الله عليه وسلم: لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين. حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، و النَّبي صلى الله عليه وسلم كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 16]. ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. فظاهره المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان. هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. فبمجرد إضافة الصفة إليه، جل وعلا، يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، وهل ينكر عاقل، أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل: هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته، وجميع صفاته، لا والله لا ينكر ذلك إلا مكابر. والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات، لا يليق بالله. لأنه كفر وتشبيه، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه، بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها. مع أنه جل وعلا، هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبهاً أولا، ومعطلا ثانياً. فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفاً بالله كما ينبغي، معظماً لله كما ينبغي، طاهراً من أقذار التشبيه. لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله جلا وعلا، بالغ من الكمال، والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعداً للإيمان بصفات الكمال والجلالة الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11]، فلو قال متنطع: بينوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليد، ونحو ذلك لنعقلها. قلنا: أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الإتصاف متوقفة على معرفة كيفية الذات، فسبحان من لا يستطيع غيره أن يحصي الثناء عليه هو، كما أثنى على نفسه: {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}تفسير : [طه:110] {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى:11]، {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1-4]، {أية : فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [النحل: 74]. فتحصل من جميع هذا البحث أن الصفات من باب واحد، وأن الحق فيها متركب من أمرين: الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الخلق. والثاني: الإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتاً، أو نفياً. وهذا هو معنى قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11]، والسلف الصالح، رضي الله عنهم ما كانوا يشكون في شيء من ذلك، ولا كان يشكل عليهم. الا ترى إلى قول الفرزدق وهو شاعر فقط، وأما من جهة العلم، فهو عامي: شعر : وكيف أخاف الناس والله قابض على الناس والسبعين في راحة اليد تفسير : ومراده بالسبعين: سبع سماوات، وسبع أرضين. فمن علم مثل هذا من كون السماوات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، فإنه عالم بعظمة الله وجلاله لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق، ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين، وهذا الذي ذكرنا من تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، والإيمان بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. هو معنى قول الإمام مالك - رحمه الله -: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة. ويروى نحو قول مالك هذا عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأم سلمة رضي الله عنها - والعلم عند الله تعالى-.
القطان
تفسير : الرب: السيد والمالك والمربي. الآله: هو المعبود بحق. والله: اسم لخالق الخلق اجمعين. السماوات والارض: هذا الكون وجميع ما فيه. اليوم: هو هنا غير أيامنا التي نحسب بها. العرش: سرير الملك وكرسيه في مجلس الحكم والتدبير. استوى على العرش: استولى عليه وملكه. غشّى الشيُّ الشيَّ: غطاه وستره. وأَغشاه اياه جعله يغطيه ويستره حثيثا: سريعا. مسخَّرات: مذلللات خاضعات لتصرفه، منقادات لمشيئته. الخلق: الايجاد بقدر. تبارك الله: تعاظمت بركاته، والبركة هي الخير الكثير الثابت. في الآيات السابقة كان القول في أمر المَعادِ والفئات من الناس في ذلك اليوم، وما يدور من حوار بين تلك الفئات. وهنا، يذكر الخَلق والتكوينَ وبيانَ قدرته تعالى وعظيم مصنوعاته. إن ربّكم الذي يدعوكم بواسطة رسُله إلى الحق هو خالقُ الكون ومبدعه: خلق السماواتِ والأرض في ستة أيام. وهي غير أيامنا المعروفة لأن الإنسان عندما يخرج من جو الارض ينعدم لديه الزمان المعروف عندنا ويصبح غير محدود، كما قال تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} هذا مع انه جل جلاله قادر على ان يخلق الكون في لحظة واحدة، ولكنه يقرّب إلى أفهامنا الأمور على قدر مانستطيع فهمها. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ...} ثم استولى على السلطان الكامل. وهو الذي يجعل الليلَ يستر النهارَ بظلامه، ويعقِّب الليلَ النهارَ سريعاً بانتظام كأنه يطلبه. كذلك خلقَ الشمسَ والقمر والنجوم، وهي خاضعة له مسيِّراتٌ بأمره. إن له وحده الخلقَ والأمَر المطاع {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}. وقد تضمنت هذه الآية الكريمة ثلاثة معان: اولها: أن السماواتِ والأرضَ خلقهما الله تعالى في ستة أيام، لكنها ليست بقدر ما نراه الآن ونعيش فيه، ونعدّه في الحساب، بل المراد تغير أحوالٍ بين ظَلام وغَبَش، وإصباح وضُحى، وظهيره وأصيل. والأحوال الستةُ التي اعتُبرت أياماً كما يذكرها العلماء المختصّون، هي: حال الأثير، وهي التي عَبَّر عنها في سورة الدخان بأنها دخان. ثم كان من هذا الأثير شموسٌ لا حصر لها، منها شمسُنا ثم الأرض والكواكب وهذا النظام الذي نعيش فيه، وهو ذرّةٌ في هذا الكون الواسع. ثانيها: أن كلّ ما في الكون هو في سلطان الله وحده، ولا سلطان لأحد سواه ومهما يُؤْتَ الانسان من قوةٍ فلن يستطيع تسيير الكون على ما يريد، وأقصى ما يستطيعه أن ينتفع به، ويعرف بعض ما فيه من أسرار. ثالثها: أن تعاقب الليل والنهار جاءَ بعد خلْقِ الأرض والسماوات، في احوال نسبية بالنسبة لأصل تكوين الارض والعلاقات بينهما وحركاتهما. قراءات: قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عصام: يُغَشّىِ، بالتشديد وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص يُغْشي بضم الياء وسكون الغين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَمَاوَاتِ} {ٱلْلَّيْلَ} {مُسَخَّرَاتٍ} {ٱلْعَالَمِينَ} (54) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ: السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِما وَمَا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ اسْتِواءً يَليقُ بِجَلاَلِهِ، وَأَخَذَ يُدَبِّرُ أَمْرَهُمَا، فَيُتْبعُ اللَّيْلَ النَّهَارَ، فَيَغْشَى الوُجُودَ بِالظُّلْمَةِ، وَيُتْبعُ النَّهارَ اللَّيْلَ، فَيَغْشَاهُ بِالضِّيَاءِ، يَتَتَابَعَانِ سَرِيعاً، لاَ يَتَأَخَّرُ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنَّجُومُ كُلُّهَا تَسِيرُ مُسَخَّرةً، بِأَمْرِ رَبِّهَا، وَمُنْقَادَةً لِحُكْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، وَللهِ الأَمْرُ وَالمُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ، وَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ. وَنَسُوقُ هُنَا مَا قَالَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ حَوْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ): (نَسْلكُ فِي هَذا المَقَامِ مَذْهَبَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَهُوَ إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْييفٍ وَلاَ تَشْبِيهٍ وَلاَ تَعْطِيلٍ، وَالظَّاهِرُ المُتَبَادِرُ إِلى أَذْهَانِ المُشَبِّهِينَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لا يُشْبِهُهُ شَيءٌ (وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ). وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الخُزَاعِيُّ شَيْخُ البُخَارِيِّ: (مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ كَفَرَ، وَمَن جَحَدَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيْسَ فِيمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلاَ رَسُولهُ تَشْبِيهٌ، فَمَنْ أَثْبَتَ مَا وَرَدَتْ بِهِ الآثَارُ الصَّرِيحَةُ وَالأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الوَجْهِ الذِي يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَنَفَى عَنِ اللهِ النَّقَائِصَ فَقَدْ سَلَكَ سَبيلَ الهُدَى).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا ربوبية، وهنا ألوهية: {رَبَّكُمُ ٱللَّهُ} ولا أحد يختلف في مسألة الربوبية لأن الحق يقول على ألسنة الكافرين والمشركين: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...} تفسير : [الزمر: 38] وكذلك إن سألتهم من خلقهم؟ سيقولون: الله، ولم يدّع أحد نفسه مسألة الربوبية، لأن الربوبية جاءت بنفع لهم، لكن الألوهية دخلت بمنهج هو: "افعل ولا تفعل"؛ لأن التكليف من الإله الرب، والتكليف نعمة منه وهو لمصلحتكم أنتم، فلا شيء في التكليف يعود على الله. وفعلكم الحسن أو السيء لن يعطي لله صفة لم تكن له؛ لأن صفات الكمال أوجدكم. وإن كنتم أنتم في شك في هذه الربوبية فربكم هو الله - ولله المثل الأعلى - منزه عن التشبيه، كأن تقول الأم للولد: قال لك أبوك لا تسهر خارج المنزل ليلاً، فيتأبى الولد. وتنبه الأم ولدها: إن أباك هو الذي يأتي لك بالأكل والشرب، والملابس ويعطيك مصروف اليد.. إلخ. وقد ضربت هذا المثل لأشرح كيف أن المكلف هو الرازق ولا أحد سواه يرزق، لذلك كان يجب أن تقبل تكاليفه لأن سبق لك بالفضل بأن أعطى لك وسخر لك الدنيا. ومن قبل فصل الحق سبحانه خلق الإنسان، ويفصل لنا هنا خلق السماء والأرض لأن ظرف وجود الإنسان هو السماء والأرض، وكل الخيرات تأتي له من السماء ومن الأرض، وإذا كان الله قد علمنا كيف خلقنا، فهو هنا يعلمنا كيف خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان وخلق السموات والأرض مسألتان ينشغل بهما العلم الحديث، فمن العلماء من قال: إن الأرض انفصلت عن الشمس، ومنهم من افترض نظرياً أن الإنسان أصله قرد، ولهؤلاء نقول: هذا حكم منكم لا يقبل؛ لأنكم لم تشهدوا الخلق، ولذلك فعليكم أن تسمعوا ممن خلق الخلق ليقول لكم كيف خلق الخلق. هو سبحانه يقول: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] والآية تتعرض للخلق الأول وهو السموات والأرض - كما أوضحت - وهو الظرف الوجودي للإنسان الخليفة وطرأ الإنسان على هذا الكون بكل ما فيه من قوى ونواميس، فكأن الله أعد الكون للخليفة قبل أن يُخلَق الخليفة ليجيء الخليفة فيجد كوناً مسخراً له؛ ولا يستطيع أي كائن منه أن يخرج عن مراد الله في شيء {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ}. ومعنى "الخلق" أي أوجد شيئاً كان معدوماً وبرأه على غير مثال سبقه. فربنا سبحانه قدر كل شيء بنظام غير مسبوق، هذا هو معنى الخلق، وكلمة "الخلق" مادتها الفاعلة هي: خالق، وسبحانه وتعالى يجمعها مع أنه الخالق الوحيد فيقول: {أية : ...فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] إذن فهناك الخالق الأعلى وهو الله، ولكنه سبحانه أيضاً أشرك خالقاً غيره معه فقال جل وعلا: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. كيف؟؛ لأن الخلق إيجاد شيء معدوم، والذي صنع الميكروفون يقال خلقه، والذي صنع الكوب يقال خلقه، والذي صنع المصباح يقال خلقه، لأنه كان شيئاً معدوماً بذاته، فأوجده. لكن الفارق أن الخالق من البشر يوجد معدوماً من موجود ولا يأتي بمادة جديدة؛ فمن أخذ المواد الموجودة في الكون وصمم منها المصباح وصهر الرمل وفرغ الهواء داخل الزجاج يقال له: خلق المصباح وأوجد معدوماً من موجود. لكن الخالق هو خير الخالقين لأنه يخلق من عدم ولم يحرم خلقه حين يوجدون شيئا معدوماً من أن يوصف الواحد منهم بأنه خالق، وسبحانه حين خلق خلق من لا شيء، وأيضاً فإنكم حين تخلقون أي صنعة تظل جامدة على هيئة صناعتها، فمن صنع الكوب من الرمل المصهور يظل الكوب هكذا، ولا نستطيع - كما سبق أن قلت قديماً - أن نأتي بكوب ذكر، وكوب أنثى، ونضعهما معاً في مكان ونقول لهما: أنجبا لنا أكواباً صغيرة. لكن ما يخلقه ربنا يعطي له سر الحياة ويجعله بالقانون ينتج غيره وينمو ويكبر. إذن فهو أحسن الخالقين. والله سبحانه وتعالى يعطينا خبر خلقه السموات والأرض. وأوضح سبحانه أن السموات سبع وقد جاءت مجموعة. أما الأرض فجاء بها مفردة. لكنه جل وعلا قال في آية أخرى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ...} تفسير : [الطلاق: 12] فكما خلق سبع سمٰوات خلق سبع أراضين، ولماذا جاء بالسماء بالجمع وترك لفظ الأرض مفرداً؟.. لماذا لم يقل: سبع أراضين؟؛ لأن كلمة "أراضين" ثقيلة على اللسان فتركها لثقلها وأتى بالسمٰوات مجموعة لخفتها ويسر نطقها. والسماء هي كل ما علاك فأظلك، هذا معنى السماء في اللغة. لكن هل السماء التي يريدها الله هي كل ما علاك؟.. إن النجم هو ما علاك؛ وقد يقال: إن الشمس علتك، والقمر علانا جميعاً. ونلفت الانتباه هنا ونقول للناس الذين أحبوا أن يجعلوا السموات هي الكواكب إنها ليست دائما ما علانا؛ فالشمس تعلو وقتا وتنخفض وقتاً آخر. وكذلك القمر. إذن فالوصف منحسر عن الشمس أو القمر بعض الوقت، ولا يصح أن يوصف أي منهما بأنه سماء دائما. وشيء آخر وهو أنهم حينما قالوا على الكواكب التي كانت معروفة بأنها كواكب سبعة وقالوا: إن هذه السماء، إنهم بقولهم هذا قد وقعوا في خطأ. وأوضح الحق لنا بالعلم أن للشمس توابع أخرى. فمرة رأى العلماء ثمانية توابع، ومرة تسعة، وأخرى عشرة توابع، وهكذا انهدمت فكرة أن التوابع هي السماء، وبقيت السماء هي ما فوق هذا كله، والحق هو القائل: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} تفسير : [الصافات: 6] هذه - إذن - زينة للسماء الدنيا، والسماء التي يقصدها ربنا ليست هي التي يقولون عليها، بل السماء خلق آخر لا يمكن لأحد أن يصل إليه، وكان الجن قديماً يقعدون منها مقاعد للسمع {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}. وحدث هذا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم والحق هو من قال لنا ذلك. ولم يوضح الحق لنا حقيقة هذه السماء ونظامها، أي أن ربنا يريد لعقولنا أن تفهم هذا القدر فحسب، وسبحانه خالق السماء التي فوقنا، وهو جل وعلا خالق أراضين. وأين هي هذه الأراضين؟.. أهي أراضين مبعثرة؟ ولقد أثبت العلم أن كل مجرّة من المجرّات فيها مليون مجموعة شمسية، وكل مجموعة شمسية فيها أرض، إذن فهناك أراضٍ عديدة، ونلحظ أن الحق سبحانه حين يتكلم عن الأرض فكل مخاطب بالأرض التي هو فيها، ولذلك قال بعض العلماء: إن في هذا العالم العالي توجد أراضٍ، وكل أرض أرسل لهم الحق رسولاً. والحق هو القائل: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ. } تفسير : [الشورى: 29] ويعطينا العلم كل يوم مزيداً من الاكتشافات. وهكذا تكون السماء هي كل ما علاك والأرض كل ما أقلك. ومادامت سبع سموات والسماء الأولى فراغ كبير وفضاء، وتأتي بعدها السماء الثانية تُظل السماء الأولى، وكل سماء فيها أرض وفيها سماء أخرى. ونحن غير مكلفين بهذا، نحن مكلفون بأن نعلم أن الأرض التي نحن عليها مخلوقة لله. والحق يقول: {خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...} [الأعراف: 54] وقوله: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} هو ظرف للخلق. واليوم نعرف أنه المدة من طلوع الشمس إلى الغروب ثم إلى الشروق ومدته أربع وعشرون ساعة. لكن لابد لنا أن نعرف بعضاً من اصطلاحات الحق القرآنية. فهو يقول سبحانه وتعالى: {أية : ...سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 18] أي هناك ليل وهناك يوم، إذن فاليوم عند الحق غير اليوم عندنا؛ لأننا نطلق على المدة الزمنية من طلوع الشمس إلى غروبها وشروقها من جديد. هكذا يكون اليوم في العرف الفلكي: من شروق إلى شروق، أو من غروب إلى غروب، وقول الحق: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ}. يعني أنه سبحانه قد جعل الليل قسماً والنهار قسماً، وهل كان هناك من عرف اليوم إلا بعد أن وجدت الشمس؟.. وإذا كانت الشمس هي التي تحدد اليوم فكيف عرف اليوم قبلها وخصوصاً أن السماء والأرض حينما خلقتا لم تكن هناك شمس أو كواكب؟.. وعلينا هنا أن نعرف أن هذا هو تقديره سبحانه وقد خاطبنا به بعد أن عرفنا مدة اليوم. ألم تقرأ قول الله سبحانه: {أية : ...وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} تفسير : [مريم: 62] وليس في الآخرة بكرة ولا عشى، إذن سبحانه قد قدر البكرة وقدر العشي، وكذلك {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وتلك هي الآيات المحكمات في القرآن بالنسبة لزمن الخلق؛ ستة أيام، ولكن آية التفصيل للخلق، جاءت في ظاهر الأمر أنها ثمانية أيام. اقرأ معي: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ...} تفسير : [فصلت: 9-12] والظاهر من آية التفصيل أنها ثمانية أيام، أما آيات الإِجمال فكلها تقول: إنها أيام، ومن النقطة دخل المستشرقون، وادعوا زوراً أن القرآن فيه اختلاف، وحالوا أن يجعلوها ضجة عالية. ونقول: إنه - سبحانه - خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام كاملة بلا زيادة ولا نقصان، فالمراد أن ذلك حصل وتم في تتمة أربعة أيام ويضم إليها خلق السمٰوات في يومين فيكون عدد الأيام التي تم فيها خلق السمٰوات والأرض ستة أيام أو نحمل المفصل على المجمل، فحين يقول الحق: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...} [الأعراف: 54] فهل خلق الله يحتاج إلى علاج حتى يتطلب الزمن الممتد؟.. إن ربنا يخلق بـ"كن"، ونحن البشر على حسب قدرتنا لنخلق شيئاً، وكل عملية نقوم بها تأخذ زمناً، لكن من يخلق بكلمة "كن" فالأمر بالنسبة له هين جداً - سبحانه وتعالى - لكن لماذا جاء الخلق في ستة أيام؟ نعلم أن هناك فرقاً بين ميلاد الشيء وبين تهيئته للميلاد. وكنا قد ضربنا المثل سابقا - ولله المثل الأعلى - بصانع الزبادي، الذي يأتي بأكواب اللبن الدافئ، ثم يضع في كل منها جزءا من خميرة الزبادي، ويضع تلك الأكواب في الجو المناسب. فهل يؤدي هذا الرجل عملاً لمدة أثنتي عشرة ساعة في كل كوب، وهي المدة اللازمة لتخمر الكوب؟.. طبعاً لا، فقد اكتفى بأن في كل كوب عناصر التخمر لتتفاعل بذاتها إلى أن تنضج. ولنظر إلى خلق الجنين من تزاوج بويضة وحيوان منوي. ويأخذ الأمر تسعة شهور وسبحانه جل جلاله لا يعمل في خلق الجنين تسعة شهور، لكنه يترك الأمر ليأخذ مراحل تفاعلاته. إذن فخلق الله السمٰوات والأرض في ستة أيام لا يعني أن الستة أيام كلها كانت مشغولة بالخلق، بل قال سبحانه:"كن" وبعد ذلك ترك مكونات السموات والأرض لتأخذ قدرها ومراحلها؛ لأن ميلادها سيكون بعد ستة أيام. وفي القرآن آية من الآيات أعطتنا لمحة عن هذه المسألة، فقال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تفسير : [ق: 38] أي خلق سبحانه السموات والأرض دون تعب؛ لأنه لا يعالج مسألة الخلق، بل إنما يحدث ذلك بأمر "كن" فكانت السموات والأرض. والآية التي بعدها فوراً تقول: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} وكأن قوله سبحانه هنا جاء لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم موضحاً له: إنهم يكذبونك وقد ترغب في أن نأخذهم أخذ عزيز مقتدر. لكن الحق جعل لكل مسألة كتاباً، فهو قد خلق السمٰوات والأرض في ستة أيام. ونحن في حياتنا نقول لمن يتعجل أمراً: يا سيدي إن ربنا خلق السماء والأرض في ستة أيام. فلا تتعجل الأمور. إذن كان ربنا هو القادر على أن ينجز خلق السماء والأرض في لحظة، لكنه أمر "بكن" وترك المواد تتفاعل لستة أيام. ولماذا لا نقول: جاء بكل ذلك ليعلمنا التأني، وألا نتعجل الأشياء؟ لأنه وهو القادر على إبراز السموات والأرض في لحظة، خلقها في ستة أيام، لذلك قال سبحانه: {أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ...} تفسير : [ق: 39] أي لا ترهق نفسك لأنه سبحانه خلق السماء والأرض في ستة أيام، وسيأتي لهؤلاء الجاحدين يومهم الذي يؤاخذون فيه بسوء أعمالهم وسوف يأتي حتماً. وهناك من يتساءل: كيف خلق الكون بما فيه من الرواسي والكائنات؟.. ونقول: إن الإنجاز الذي أخبر به سبحانه مرة واحدة، وانفعلت الكائنات للقدرة مرة واحدة، وتعددت استدامة انفعالات السامع بقدرة الله، في كل جزيئة من جزئيات الفعل، وأخذ الأمر ستة أيام. واستقر الأمر بعد ذلك واستتب، وسبحانه يقول: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ...} [الأعراف: 54] ولابد أن نعرف العرش ما هو. وسبحانه يقول في ملكة سبأ: {أية : ...وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23] فالعرش إذن هو سرير الملك؛ لأن الملك لا يجلس على العرش إلا بعد إن تستقر الأمور. فكأن قوله: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} كناية عن تمام الأمور؛ وخلقها وانتهت المسألة. لكن العلماء حين جاءوا في {ٱسْتَوَىٰ}، اختلفوا في فهمها؛ لأن العرش لو كان كرسياً يجلس عليه الله، لكان في ذلك تحييز لله ووضعه وضمه في جرم ما. وسبحانه منزه عن أن يحيزه شيء. ولذلك أخذ العلماء يتلمسون معاني لكلمة {ٱسْتَوَىٰ} منهم من قال: إن معناها هو قصد إليها بخلقه واختراعه، ومنهم من قال: المقصود بها أنه استعلى وارتفع أمره، ومنهم من قال: "صعد" أمره إلى السماء واستند إلى قوله الحق: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ...} تفسير : [فصلت: 11] وكلها معانٍ متقاربة. وجماعة من العلماء أرادوا أن يخرجوا من التشبيهات؛ فقالوا: المقصود بـ"استوى" أنه استوى على الوجود، ولذلك رأوا أن وجود العرش والجلوس عليه هو سمة لاستقرار الملك. وحتى لا ندخل في متاهات التشبيهات، أو متاهات التعطيل نقول: علينا أن نأخذ كل شيء منسوب إلى الله في إطار: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] فحين يقول سبحانه: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...} تفسير : [الفتح: 10] ونحن نفهم أن لليد مدلولاً، والقرآن لغة عربية يخاطبنا بها سبحانه، فالقول أن لله يداً فهذا دليل على قدرته. واستخدام الحق كلمة اليد هنا كناية عن القدرة. والإِنسان عليه أن يأخذ كل شيء منسوب إلى الله مما يوجد مثله في البشر، في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فنقول: سبحانه له يد ليست كيد البشر، وله وجود لكنه ليس كوجود البشر، وله عين ليست كعيون البشر. وله وجه ليس كوجه أحد من البشر. ولذلك حينما سئل سيدنا الإِمام مالك عن هذه المسألة قال لمن سأله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة" وأراك رجل سَوْء! أخرجوه. نعم السؤال عنه بدعة لأنه يدخل بنا في متاهة التشبيه ومتاهة التعطيل، وهل سأل أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى الاستواء؟.. لا؛ لأنهم فهموا المعنى، ولم يعلق شيء من معناها في أذهانهم حتى يسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنهم فهموها بفطرتهم التي فطرهم الله عليها في إطار ما يليق بجلال الله وكماله. وإن قال قائل: أرسول الله كان يعلم المعنى أم لا يعلم؟.. إن كان يعلم لأخبرنا بها، وإن لم يخبرنا فقد أراد أن يكتمها. وإن لم يكن قد علم الأمر.. فهل تطلب لنفسك أن نعلم ما لم يعلمه صلى الله عليه وسلم؟ أو أنّه صلى الله عليه وسلم ترك لكل واحد أن يفهم ما يريد ولكن في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والذين يمنعون التأويل يقولون: إياك أن تؤول اليد بالقدرة؛ لأنه إن قال: إن له يداً، فقل ليست كأيدينا في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؛ لأنه سبحانه له حياة، وأنت لك حياة، أحياته كحياتك؟. لا، فلماذا إذن تجعل يده مثل يدك؟.. إذن لابد أن ندخل على كل صفة لله فننفي عنها التعطيل وننفي عنها التشبيه. ثم إن من يمنعون التأويل نقول لكل منهم: أنت ستضطر أخيراً إلى أن تؤول؛ لأن الحق يقول: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ...} تفسير : [القصص: 88] ومادام {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} فكل ما يطلق عليه شيء يهلك، ويبقى وجهه سبحانه فقط، فلو أنت قلت الوجه هو هذا الوجه، فكأن يده تهلك ورجله تهلك وصدره يهلك، وحاشا لله أن يحدث ذلك. وتكون قد دخلت في متاهة ما لها من آخر. لذلك نقول: لنأخذ النص وندخله في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. وآية الاستواء على العرش هذه، مذكورة في سور كثيرة، وهي تحديداً في "سبعة مواضع"؛ في سورة الأعراف التي نحن بصددها، وسورة يونس، وسورة الرعد، وسورة طه، وسورة الفرقان، وسورة السجدة، وسورة الحديد. وهنا يقول الحق بعد الحديث عن الاستواء على العرش: {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ}. الله - سبحانه - قد خلق السماء والأرض للخليفة في الأرض وهيأ له فيها أصول الحياة الضرورية ودلّه على ما يحتاج إليه، فماذا سيفعل هذا الخليفة؟.. لا بد أن يقوم بكل مقومات الحياة، وإذا ما عمل فسيبذل جهداً، والجهد يقتضي راحة. ومن يشتغل ساعة لا بد أن يرتاح ساعة. وإن اشتغل ساعتين ولم يسترح ساعة غُلب على نفسه. ونحن نرى في الالة التي تعمل ثلاث ورديات يومياً أي التي تعمل لمدة الأربع والعشرين ساعة دون توقف أنها تُستهلك أكثر من الآلة التي تعمل ورديتين، والآلة التي تعمل وردية واحدة لمدة ثماني ساعات يطول عمرها أكثر. وكل إنسان يحتاج إلى الراحة. فشاء الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن الليل والنهار متعاقبان من أجل هذا الهدف: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ...} تفسير : [القصص: 73] أي لتسكنوا في الليل، وتبتغوا الفضل في النهار، فإن كنت لم تسترح بالليل فلن تقدر أن تعمل بالنهار، فمن ضروريات حركة الخلافة في الأرض أن يوجد وقت للراحة ووقت للعمل. لذلك أوضح سبحانه لنا: أنا خلقت الليل والنهار، وجعلت الليل سكناً إلى للراحة والبعد عن الحركة، والحق يقول هنا: {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ...} [الأعراف: 54] ويكون المعنى هنا أن النهار يغشي الليل، ولذلك تحدثنا من قبل عن تتابع الليل والنهار لنستنبط منها الدليل على أن الأرض كرة. {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62] والليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، وفي مصر نكون في نهار مثلا، ويكون هذا الوقت في بلد آخر ليلاً، وإذا سلسلتها إلى أول ليل وإلى أول نهار، وأيهما الذي كان خلفه للثاني؟ فلن تجد؛ لأن كلا الاثنين خلقا معاً. ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة التسطيح وكانت الشمس قد خلقت مواجهة لسطح الأرض لكان النهار قد خلق أولاً ثم يعقبه الليل، ولو كانت الشمس قد خلقت غير مواجهة للسطح كان الليل سيأتي أولاً ثم تطلع الشمس على السطح ليوجد النهار. والحق سبحانه أراد من الليل والنهار أن يكون كلاهما خلفة للآخرة، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كان الله سبحانه خلق الليل والنهار دفعة واحدة. كان لابد أن تكون الأرض كرة؛ ليغشى النهار الجزء المواجه للشمس، وليغشى الليل الجزء غير المواجه للشمس، وحين تدور الأرض يأتي النهار خلفة لليل، ويكون الليل خلفه للنهار. {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62] {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} ويغشى النهار الليل وحذفت للاعتماد على الآيات السابقة التي منها قوله الحق سبحانه: {أية : وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ...} تفسير : [يس: 40] أي أن الليل لا يسبق النهار وكذلك النهار لا يسبق الليل، وهذا دليل على أنهما خُلقاً دفعة واحدة. والحق يقول هنا: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ...} فلا أحد من هذه الكائنات له اختيار أن يعمل أو لا يعمل، بل كلها مسخرة، ولذلك تجد النواميس الكونية التي لا دخل للإنسان فيها ولاختياراته دخل في أمورها تسير بنظام دقيق، ففي الوقت الفلاني ستأتي الأرض بين الشمس والقمر، وفي الوقت الفلاني سيقع القمر بين الأرض والشمس، وسيحدث للشمس خسوف، وكل أمر من هذا له حساب دقيق. {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ...} [الأعراف: 54] والخلق إيجاد الأشياء من عدم، فبعد ان خلق الله الكون لم يترك شؤون الكون لأحد، بل - سبحانه - له الأمر بعد ذلك. وقيوميته؛ لأنه لم يزاول سلطانه في ملكه ساعة الخلق ثم ترك النواميس تعمل، لا، فبأمره يُعطل النواميس أحياناً، ولذلك شاء الحق أن تكون معجزات الأنبياء لتعطيل النواميس؛ لنفهم أن الكون لا يسير بالطبع أو بالعلة. لذلك يقول: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}. وإذا نظرت إلى كلمة "الأمر" تجد الحق يقول: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ...} تفسير : [آل عمران: 154] والمقصود هو الأمر الكوني، أما الأمور الاختيارية فلله فيها أمر يتمثل في المنهج، وأنت لك فيها أمر إما أن تطيع وإما أن تعصي، وأنت حر. {...أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] وحين يقول سبحانه: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ} وقال من قبل: {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}، فكل لفظ له معنى، ففي خلقه من البشر مواهب تَخْلق ولكن من موجود وأوضحنا ذلك. وفي قول آخر يصف الحق نفسه: {أية : وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} تفسير : [الأنعام: 62] والناس تتعلم الحساب وخلقوا آلات حاسبة، وهي آلات تتم "برمجتها" وإعدادها وتهيئتها للجمع والطرح والضرب والقسمة، وكل حدث من الحساب يأخذ مدة. لكن الحق يحسب لكل البشر دفعة واحدة. لذلك فهو أسرع الحاسبين؛ لأنه ليس هناك حساب واحد، فأنت لك حساب مع الله، والآخر له حساب مع الله، والحساب مع الله متعدد بتعدد أفراد المحاسبين، وحساب الحق للخلق لا يحتاج إلى علاج، بل ينطبق عليها ما ينطبق على الرزق، ولذلك حينما سئل عليّ كرم الله وجهه: - أيحاسب الله خلقه في وقت واحد؟ قال: وما العجب في ذلك ألم يرزقهم في وقت واحد؟ وانظر إلى القرآن تجد الحق {أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} و{أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}، و {أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} و {خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ}. وهذه هي الألفاظ التي وردت، ولله فيها مع خلقه صفة، لكن صفة الله دائما في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}. و{تَبَارَكَ ٱللَّهُ} أي أنه - تعالى - تنزّه؛ لأن هناك فرقاً بين القدرة المطلقة - وهي قدرة الله - والانفعال للقدرة المطلقة بالإِرادة وبـ"كن" وهذا هو الانفعال والانقياد وللإِرادة والأمر. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً...}
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ} الآية، لما ذكر تعالى أشياء من مبتدأ خلق الإِنسان وانقسامهم إلى مؤمن وكافر ومعادهم وحشرهم إلى جنة ونار، ذكر مبدأ العالم واختراعه، ثم بعد إلى النبوة والرسالة إذ مدار القرآن على تقدير المسائل الأربع التوحيد والقدرة والمعاد والنبوة وربكم خطاب عام للمؤمن والكافر. {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: حديث : أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاث، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل، وأما استواؤه تعالى على العرش فحمله على ظاهره من الاستقرار بذاته على العرش قوم تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً تفسير : والجمهور من السلف السفيانان ومالك والأوزاعي والليث وابن المبارك وغيرهم في أحاديث الصفات على الإِيمان بها وإمرارها على ما أراد الله تعالى من غير تعيين مراد وقوم تأولوا ذلك على عدة تأويلات ومسألة الإِستواء مذكورة في علم أصول الدين والعرش السقف وكل ما علا وأظل فهو عرش. {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} التغشية: التغطية، والمعنى أنه يذهب الليل نور النهار فالليل للسكون والنهار للحركات وفحوى الكلام يدل على أن النهار يغشيه الله الليل وهما مفعولان لأن التضعيف والهمزة يعدّيان. وقرىء: بالتضعيف والهمز وقرأ حميد بن قيس يَغشى الليل بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام، كذا قال عنه أبو عمرو الداني. وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع النهار. قال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت. هذا الذي قاله من أن أبا الفتح أثبت كلام لا يصح إذ رتبه أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراء فضلاً عن النحاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القرآن عن أحد ولا روى عنهم القرآن أحد هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية فقد رأيت له كتاباً في كلا وكلتا، وكتاباً في إدغام أبي عمر والكبير دلا على إطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه والذي نقله أبو عمر الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ الليل في قراآتهم وإن كان منصوباً هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل والتضعيف صيراه مفعولاً ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل، وأحدهما فاعل من حيث المعنى فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في ملكت زيداً عمراً إذ رتبه التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى ذلك في ضرب موسى عيسى يطلبه حثيثاً الجملة من يطلبه حال من الفاعل من حيث المعنى وهو الليل إذ هو المحدث عنه قبل التعدية وتقديره حاثاً ويجوز أن يكون حالاً من النهار وتقديره محثوثاً. ويجوز أن ينتصب نعتاً لمصدر محذوف أي طلباً حثيثاً أي حاثاً أو محثاً ولنسبة الطلب إلى الليل مجازية وهو عبارة عن تعاقبه اللازم فكأنه طالب له لا يدركه بل هو في أثره بحيث يكاد يدركه وقدم الليل هنا كما قدمه في: {أية : يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} تفسير : [الحج: 61]، وفي: {أية : وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [يس: 40]، وفي: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1]. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} وانتصب مسخرات على الحال من المجموع، أي وخلق الشمس. وقرىء بالرفع في الأربعة على الابتداء والخبر. وقرأ ابان بن ثعلب برفع والنجوم مسخرات فقط على الابتداء والخبر ومعنى بأمره بمشيئته وتصريفه وهو متعلق بمسخرات أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره وكما يريد أن يصرفها سمى ذلك أمراً على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك. {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} لما تقدم ذكر الخلق وأمره فيها قال ذلك، أي له الإِيجاد والاختراع وجرى ما خلق واخترع على ما يريده وما يأمره لا أحد يشركه في ذلك ولا في شىء منه. {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أي علا وعظم، ولما تقدم أن ربكم صدر الآية جاء آخرها فتبارك الله رب العالمين وجاء العالمين أعم من ربكم لأنه خلق تلك الأشياء البديعة وهي عوالم كثيرة فجاء العالمين جمعاً لجميع العوالم واندرج فيه المخاطبون بربكم وغيرهم وتبارك فعل جامد لا يتصرف، فلا يقال منه مضارع ولا اسم فاعل ولا فعل أمر لا يقال يتبارك ولا متبارك ولا تبارك. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} الظاهر أن الدعاء هو مناجاة الله بندائه لطلب أشياء ولدفع أشياء وانتصب تضرعاً وخفية على الحال أي متضرعين ومخفين أو ذوي تضرع واختفاء في دعائكم. وفي الحديث الصحيح: حديث : إنكم لستم تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعونه سميعاً قريباً . تفسير : {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} وهذا اللفظ عام يدخل فيه أولاً الدعاء على غير هذين الوجهين من عدم التضرع وعدم الخفية بأن يدعوه وهو ملتبس بالكبر والزهو وان ذلك دأبه في المواعيد والمدارس فصار ذلك صنعة وعادة فلا يلحقه تضرع ولا تذلل وبأن يدعوه بالجهر البليغ والصياح كدعاء الناس عند الاجتماع في المشاهد والمزارات. وقال العلماء: الاعتداء في الدعاء على وجوه كثيرة منها الجهر الكثير والصياح. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} هذا نهي عن إيقاع الفساد في الأرض وإدخال لماهيته في الوجود فيتعلق بجميع أنواعه من إفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان ومعنى بعد إصلاحها أي بعد أن أصلح الله خلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين. {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} لما كان الدعاء من الله تعالى بمكان كرره فقال: ادعوا ربكم تضرعاً وخفية وهاتان الحالتان من الأوصاف الظاهرة لأن الخشوع والاستكانة وإخفاء الصوت ليسا من الأفعال القلبية ثم كرر الأمر بالدعاء خوفاً وطمعاً وهما من الأفعال القلبية أي وجلين مشفقين وراجين مؤملين. فبدأ أولاً بأفعال الجوارح، ثم ثانياً بأفعال القلوب. وانتصب خوفاً وطمعاً على أنهما مصدران في موضع الحال أو انتصاب المفعول له وعطف أحدهما على الآخر يقتضي أن يكون الخوف والرجاء متساويين، وقد قال كثير من العلماء ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة فإِذا جاء الموت غلب الرجاء. {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} والرحمة مؤنثة مقياسها أن يخبر عنها اخبار المؤنث فيقال: قريبة. قال الفراء: إذا استعمل في النسب والقرابة فهي مع المؤنث بتاء ولا بد تقول هذه قريبة فلان وإذا استعملت في قرب المسافة أو الزمن فقد يجيء مع المؤنث بتاء وقد تجيء بغير تاء تقول: دارك مني قريب، وفلانة منا قريب. ومن هذا قول الشاعر: شعر : عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد تفسير : فجمع بين الوجهين في هذا البيت "انتهى". وقال تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً}تفسير : [الأحزاب: 63]. وقال الشاعر: شعر : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا
الجيلاني
تفسير : وكيف لا تتنبهون وتنكشفون أيها المجبولون على فطرة التوحيد ومن الذات المستجلي في الآفاق بالاستقلال {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ} وأظهر وأوجد {ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} وما بينهما من كتم العدم بامتداد أظلال أوصافه وأسمائه عليها {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أوقات ودفعات ليشير إلى إحاطته بالجهات كلها {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: على عروش المظاهر والمكونات الكائنة والأقطار، منزهاً عن الجهات والاستواء والاستقرار والتمكن مطلقاً، ورتب أمور المكونات على حركات الأفلاك بحيث {يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ} أي: يغطي بالليل وجه النهار مع أن النهار {يَطْلُبُهُ} أي: بعقبه {حَثِيثاً} سريعاً {وَ} جعل {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} يتحركن حيث أمرها الحق سبحانه {أَلاَ} تنبهوا أيها الأظلال الهالكة والعكوس المستهلكة أن {لَهُ} سبحانه وفي قبضة قدرته {ٱلْخَلْقُ} والإيجاد والإظهار {وَٱلأَمْرُ} أي: التدبير والتصرف بالاستقلال، وبالجملة: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] أي: تعاظم في ألوهيته عن أن يدركه العقول والأفهام، وتعالى في ربوبيته عن المظاهرة والمشاركة والأمثال والأشباه. {ٱدْعُواْ} أيها المجبولون على فطرة التوحيد {رَبَّكُمْ} المتفرد بتربيتكم وإظهاركم {تَضَرُّعاً} متضرعين {وَخُفْيَةً} كاتمين خائفين خاشعين عن ظهر القلب لا مقلقلين على طرف اللسان عادين {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] المجاوزين المجاهرين الملحين في الدعاء؛ إذ علمه بحالهم يغني عن سؤالهم. {وَ} عليكم أن {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل الكون والفساد {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بإرسال الرسل وإنزال الكتب {وَٱدْعُوهُ} سبحانه إن أردتم الالتجاء إليه والمناجاة معه {خَوْفاً وَطَمَعاً} أي: خائفين من رده بمقتضى قهره وانتقامه، راجعين قبوله من فضله وإحسانه {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} المجيب للمضطرين عناية ولطفاً {قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] الذين يعبدمن الله كأنهم يرونه، ويقومون بين يديه خائفاً مستحيياً من سطوة سلطته وقهره وجلاله، طامعاً راجياً من طوله ونواله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مبينا أنه الرب المعبود وحده لا شريك له: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } وما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما. { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما أودع { اسْتَوَى } تبارك وتعالى { عَلَى الْعَرْشِ } العظيم الذي يسع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته وسلطانه، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك، ودبر الممالك، وأجرى عليهم أحكامه الكونية، وأحكامه الدينية، ولهذا قال: { يُغْشِي اللَّيْلَ } المظلم { النَّهَارَ } المضيء، فيظلم ما على وجه الأرض، ويسكن الآدميون، وتأوى المخلوقات إلى مساكنها، ويستريحون من التعب، والذهاب والإياب الذي حصل لهم في النهار. { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } كلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما جاء النهار ذهب الليل، وهكذا أبدا على الدوام، حتى يطوي اللّه هذا العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار. { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ } أي: بتسخيره وتدبيره، الدال على ما له من أوصاف الكمال، فخلْقُها وعظَمُها دالٌّ على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له. { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ } أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء، { تَبَارَكَ اللَّهُ } أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال: فـ { تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } . ولما ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوي الألباب على أنه وحده، المعبود المقصود في الحوائج كلها أمر بما يترتب على ذلك، فقال: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):