Verse. 1009 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اُدْعُوْا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَّخُفْيَۃً۝۰ۭ اِنَّہٗ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِيْنَ۝۵۵ۚ
OdAAoo rabbakum tadarruAAan wakhufyatan innahu la yuhibbu almuAAtadeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ادعوا ربَّكم تضرُّعا» حال تذللا «وخُفية» سرا «إنه لا يحب المعتدين» في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت.

55

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على كمال القدرة والحكمة والرحمة، وعند هذا تم التكليف المتوجه إلى تحصيل المعارف النفسانية، والعلوم الحقيقية، أتبعه بذكر الأعمال اللائقة بتلك المعارف وهو الاشتغال بالدعاء والتضرع، فإن الدعاء مخ العبادة، فقال: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ } فيه قولان: قال بعضهم: ٱعْبُدُواْ وقال آخرون: هو الدعاء، ومن قال بالأول عقل من الدعاء أنه طلب الخير من الله تعالى، وهذه صفة العبادة، لأنه يفعل تقرباً، وطلباً للمجازاة لأنه تعالى عطف عليه قوله: {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } والمعطوف ينبغي أن يكون مغايراً للمعطوف عليه. والقول الثاني هو الأظهر، لأن الدعاء مغاير للعبادة في المعنى. إذا عرفت هذا فنقول:اختلف الناس في الدعاء، فمنهم من أنكره واحتج على صحة قوله بأشياء: الأول: أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع لامتناع وقوع التغيير في علم الله تعالى، وما كان واجب الوقوع لم يكن في طلبه فائدة، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة أيضاً في طلبه. الثاني: أنه تعالى إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك المطلوب، فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أو لم يحصل، وإن كان قد أراد في الأزل أن لا يعطيه فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الطلب، وإن قلنا أنه ما أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه، ثم إنه عند ذلك الدعاء، صار مريداً له لزم وقوع التغير في ذات الله وفي صفاته، وهو محال. لأن على هذا التقدير: يصير إقدام العبد على الدعاء علة لحدوث صفة في ذات الله تعالى، فيكون العبد متصرفاً في صفة الله بالتبديل والتغيير، وهو محال. والثالث:أن المطلوب بالدعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه، فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدعاء لأنه منزه عن أن يكون بخيلاً وأن اقتضت الحكمة منعه، فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدعاء أو لم يقدم عليه. والرابع: أن الدعاء غير الأمر، ولا تفاوت بين البابين إلا كون الداعي أقل رتبة، وكون الآمر أعلى رتبة وإقدام العبد على أمر الله سوء أدب، وإنه لا يجوز. الخامس: الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربه وإلهه إلى فعل الأصلح والأصوب، وذلك سوء أدب أو أنه ينبه الإله على شيء ما كان منتبهاً له، وذلك كفر وأنه تعالى قصر في الإحسان والفضل فأنت بهذا تحمله على الإقدام على الإحسان والفضل، وذلك جهل. السادس: إن الإقدام على الدعاء يدل على كونه غير راض بالقضاء إذ لو رضي بما قضاه الله عليه لترك تصرف نفسه، ولما طلب من الله شيئاً على التعيين وترك الرضا بالقضاء أمر من المنكرات. السابع: كثيراً ما يظن العبد بشيء كونه نافعاً وخيراً، ثم أنه عند دخوله في الوجود يصير سبباً للآفات الكثيرة والمفاسد العظيمة، وإذا كان كذلك كان طلب الشيء المعين من الله غير جائز، بل الأولى طلب ما هو المصلحة والخير، وذلك حاصل من الله تعالى سواء طلبه العبد بالدعاء أو لم يطلبه. فلم يبق في الدعاء فائدة. الثامن: أن الدعاء عبارة عن توجه القلب إلى طلب شيء من الله تعالى، وتوجه القلب إلى طلب ذلك الشيء المعين يمنع القلب من الاستغراق في معرفة الله تعالى، وفي محبته، وفي عبوديته، وهذه مقامات عالية شريفة، وما يمنع من حصول المقامات العالية الشريفة كان مذموماً. التاسع: روي أنه عليه الصلاة والسلام. قال حاكياً عن الله سبحانه: «حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» تفسير : وذلك يدل على أن الأولى ترك الدعاء. العاشر: إن علم الحق محيط بحاجة العبد، والعبد إذا علم أن مولاه عالم باحتياجه، فسكت ولم يذكر تلك الحاجة كان ذلك أدخل في الأدب، وفي تعظيم المولى مما إذا أخذ يشرح كيفية تلك الحالة، ويطلب ما يدفع تلك الحاجة، وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد، وجب اعتبار مثله في حق الله سبحانه، ولذلك يقال أن الخليل عليه السلام لما وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار. قال جبريل عليه السلام ادع ربك. فقال الخليل عليه السلام: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فهذه الوجوه هي المذكورة في هذا الباب. واعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة والأسئلة المذكورة واردة في جميع أنواع العبادات، فإنه يقال إن كان هذا الإنسان سعيداً في علم الله فلا حاجة إلى الطاعات والعبادات، وإن كان شقياً في علمه فلا فائدة في تلك العبادات، وأيضاً يقال وجب أن لا يقدم الإنسان على أكل الخبز وشرب الماء لأنه إن كان هذا الإنسان شبعان في علم الله تعالى فلا حاجة إلى أكل الخبز، وإن كان جائعاً فلا فائدة في أكل الخبز، وكما أن هذا الكلام باطل ههنا، فكذا فيما ذكروه، بل نقول الدعاء يفيد معرفة ذلة العبودية ويفيد معرفة عزة الربوبية، وهذا هو المقصود الأشرف الأعلى من جميع العبادات وبيانه أن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه كونه محتاجاً إلى ذلك المطلوب وكونه عاجزاً عن تحصيله وعرف من ربه وإلهه أنه يسمع دعاءه، ويعلم حاجته وهو قادر على دفع تلك الحاجة وهو رحيم تقتضي رحمته إزالة تلك الحاجة، وإذا كان كذلك فهو لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف كونه موصوفاً بالحاجة وبالعجز وعرف كون الإله سبحانه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والرحمة، فلا مقصود من جميع التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية، فإذا كان الدعاء مستجمعاً لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات. وقوله تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه لأن التضرع لا يحصل إلا من الناقص في حضرة الكامل فما لم يعتقد العبد نقصان نفسه وكمال مولاه في العلم والقدرة والرحمة لم يقدم على التضرع، فثبت أن المقصود من الدعاء ما ذكرناه، فثبت أن لفظ القرآن دليل عليه والذي يقوي ما ذكرناه ما روي أنه عليه السلام قال: «حديث : ما من شيء أكرم على الله من الدعاء والدعاء هو العبادة» تفسير : ثم قرأ: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ } تفسير : [غافر: 60] وتمام الكلام في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ }تفسير : [البقرة: 186] والله أعلم. المسألة الثانية: في تقرير شرائط الدعاء. اعلم أن المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهداً لحاجة نفسه ولعجز نفسه ومشاهداً لكون مولاه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والرحمة، فكل هذه المعاني دخلت تحت قوله: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا } ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل الخلوص، فلا بد من صونها عن الرياء المبطل لحقيقة الإخلاص، وهو المراد من قوله تعالى: {وَخُفْيَةً } والمقصود من ذكر التضرع تحقيق الحالة الأصلية المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الإخفاء صون ذلك الأخلاص عن شوائب الرياء، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك أن قوله سبحانه: {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } مشتمل على كل ما يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء، وأنه لا يزيد عليه البتة بوجه من الوجوه، وأما تفصيل الكلام في تلك الشرائط، فقد بالغ في شرحها الشيخ سليمان الحليمي رحمة الله عليه في كتاب المنهاج فليطلب من هناك. المسألة الثالثة: «التضرع» التذلل والتخشع، وهو إظهار ذل النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال «والخفية» ضد العلانية. يقال: أخفيت الشيء إذا سترته، ويقال: {خفية} أيضاً بالكسر، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر عنه {خفية} بكسر الخاء ههنا وفي الأنعام، والباقون بالضم، وهما لغتان: واعلم أن الإخفاء معتبر في الدعاء، ويدل على وجوه: الأول: هذه الآية فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقروناً باللإخفاء، وظاهر الأمر للوجوب، فإن لم يحصل الوجوب، فلا أقل من كونه ندباً. ثم قال تعالى بعده: { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } والأظهر أن المراد أنه لا يحب المعتدين في ترك هذين الأمرين المذكورين، وهما التضرع والإخفاء، فإن الله لا يحبه ومحبة الله تعالى عبارة عن الثواب، فكان المعنى أن من ترك في الدعاء التضرع والإخفاء، فإن الله لا يثيبه ألبتة، ولا يحسن إليه، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة، فظهر أن قوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء. الحجة الثانية: أنه تعالى أثنى على زكريا فقال: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } تفسير : [مريم: 3] أي أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطع به إليه. الحجة الثالثة: ما روى أبو موسى الأشعري، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام: «حديث : ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وإنه لمعكم»تفسير : . الحجة الرابعة: قوله عليه السلام: «حديث : دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية»تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي» تفسير : وعن الحسن أنه كان يقول: إن الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره، يفقه الكثير وما يشعر به الناس، ويصلي الصلاة الطويلة في ليله وعنده الزائرون وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواماً كانوا يبالغون في إخفاء الأعمال، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همساً، لأن الله تعالى قال: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وذكر الله عبده زكريا فقال: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً }تفسير : [مريم: 3]. الحجة الخامسة: المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة، فإذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا يبقى فيه فائدة ألبتة فكان الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصوناً عن الرياء وههنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها، وهي: أنه هل الأولى إخفاء العبادات أم إظهارها؟ فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صوناً لها عن الرياء وقال أخرون: الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في أداء تلك العبادات. وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء الأولى الإخفاء صوناً لعمله عن البطلان، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء. المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمه الله، إخفاء التأمين أفضل. وقال الشافعي رحمه الله، إعلانه أفضل، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله، قال: في قوله: «آمين» وجهان: أحدهما: أنه دعاء. والثاني: أنه من أسماء الله، فإن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وإن كان اسماً من أسماء الله تعالى وجب إخفاؤه لقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } تفسير : [الأعراف: 205] فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ونحن بهذا القول نقول: أما قوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات الله تعالى، لأن القرآن نطق بإثباتها في آيات كثيرة. واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة النفس وميل الطبع وطلب التلذذ بالشيء، لأن كل ذلك في حق الله تعالى محال بالاتفاق، واختلفوا في تفسير المحبة في حق الله تعالى على ثلاثة أقوال: فالقول الأول: أنها عبارة عن أيصال الله الثواب والخير والرحمة إلى العبد. والقول الثاني: أنها عبارة عن كونه تعالى مريداً لإيصال الثواب والخير إلى العبد. وهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى وهي: أنه تعالى هل هو موصوف بصفة الإرادة أم لا؟ قال الكعبي وأبو الحسين: إنه تعالى غير موصوف بالإرادة ألبتة، فكونه تعالى مريداً لأفعال نفسه أنه موجد لها وفاعل لها، وكونه تعالى مريداً لأفعال غيره كونه آمراً بها ولا يجوز كونه تعالى موصوفاً بصفة الإرادة. وأما أصحابنا ومعتزلة البصرة فقد أثبتوا كونه تعالى موصوفاً بصفة المريدية. إذا عرفت هذا فمن نفي الإرادة في حق الله تعالى فسر محبة الله بمجرد إيصال الثواب إلى العبد ومن أثبت الإرادة لله تعالى فسر محبة الله بإرادته لإيصال الثواب إليه. والقول الثالث: أنه لا يبعد أن تكون محبة الله تعالى للعبد صفة وراء كونه تعالى مريداً لإيصال الثواب إليه، وذلك لأنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخير إلى ذلك الابن فكانت هذه الإرادة أثراً من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها وفائدة من فوائدها. أقصى ما في الباب أن يقال: إن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة النفس وذلك في حق الله تعالى محال، إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال محبة الله تعالى صفة أخرى، سوى الشهوة وميل الطبع يترتب عليها إرادة إيصال الخير والثواب إلى العبد؟ أقصى ما في الباب، أنا لا نعرف أن تلك المحبة ما هي وكيف هي؟ٰ إلا أن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء ألا ترى أن أهل السنة يثبتون كونه تعالى مرئياً، ثم يقولون إن تلك الرؤية مخالفة لرؤية الأجسام والألوان، بل هي رؤية بلا كيف، فلم لا يقولون ههنا أيضاً أن محبة الله للعبد محبة منزهة عن ميل الطبع وشهوة النفس بل هي محبة بلا كيف؟ فثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع. بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها، لكنا بينا في كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة. المسألة الثانية: قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } أي المجاوزين ما أمروا به. قال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء. المسألة الثالثة: اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه، فقد اعتدى وتعدى فيدخل تحت قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } وقد بينا أن من لا يحبه الله فإنه يعذبه، فظاهر هذه الآية يقتضي أن كل من خالف أمر الله ونهيه، فإنه يكون معاقباً، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ {ٱلْمُعْتَدِينَ } لفظ عام دخله الألف واللام، فيفيد الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الثاني: أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى تركه، وإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد. والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه العمومات لا يفيد القطع بالوعيد. ثم قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } معناه ولا تفسدوا شيئاً في الأرض، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف، وإفساد العقول بسبب شرب المسكرات، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة: النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول. فقوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ } منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة، وأما قوله: {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال: لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح، وذلك مستكره في بداهة العقول. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق. إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصاً خاصاً دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص. واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ }تفسير : [الأعراف: 32] أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى، فكذلك في هذه الآية أنها تدل على أن الأصل في المضار والآلام، الحرمة. وإذا ثبت هذا كان جميع أحكام الله تعالى داخلاً تحت عموم هذه الآية، وجميع ما ذكرناه من المباحث واللطائف في تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية، فتلك الآية دالة على أن الأصل في المنافع الحل، وهذه الآية دالة على أن الأصل في جميع المضار الحرمة، وكل واحدة من هاتين الآيتين مطابقة للأخرى مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة تحت هذه العمومات، وأيضاً هذه الآية دالة على أن كل عقد وقع التراضي عليه بين الخصمين، فإنه انعقد وصح وثبت، لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفساداً بعد الإصلاح، والنص دل على أنه لا يجوز. إذا ثبت هذا فنقول: أن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] وبعموم قوله تعالى: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 2، 3] وتحت قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } تفسير : [المؤمنون:8 المعارج: 32] وتحت سائر العمومات الواردة في وجوب الوفاء بالعهود والعقود. إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصاً دالاً على أن بعض العقود التي وقع التراضي به من الجانبين غير صحيح، قضينا فيه بالبطلان تقديماً للخاص على العام، وإلا حكمنا فيه بالصحة رعاية لمدلول هذه العمومات. وبهذا الطريق البين الواضح ثبن أن القرآن واف ببيان جميع أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها. ثم قال تعالى: {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } وفيه سؤالات: السؤال الأول: قال في أول الآية: {أَدْعُو رَبَّكُـمْ } ثم قال: {وَلاَ تُفْسِدُواْ } ثم قال: {وَٱدْعُوهُ } وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو باطل. والجواب: أن الذين قالوا في تفسير قوله: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا } أي اعبدوه إنما قالوا ذلك خوفاً من هذا الإشكال. فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال، وإن قلنا المراد من قوله: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا } هو الدعاء كان الجواب أن قوله: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقروناً بالتضرع وبالإخفاء، ثم بين في قوله {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته. السؤال الثاني: إن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته، وذلك لأن المتكلمين فريقان: منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الألهية والعبودية، فكونه إلهاً لنا وكوننا عبيداً له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً، وهذا قول أهل السنة. ومنهم من قال: التكليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح؛ وهذا هو قول المعتزلة. إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول: فوجه وجوب بعض الأعمال، وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه ونهيه عما حرمه، فمن أتى بهذه العبادات صحت. أما من أتى بها خوفاً من العقاب، أو طمعاً في الثواب، وجب أن لا يصح، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها، وأما على القول الثاني: فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح، فمن أتى بها للخوف من العقاب، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها، فوجب أن لا تصح، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب، والطمع في الثواب، وجب أن لا يصح. إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض، وقد ثبت بالدليل فساده، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول. والجواب: ليس المراد من الآية ما ظننتم، بل المراد: وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل؟ السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن يحصل في قلبه هذا الخوف والطمع؟ والجواب: أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتياً بجميع الشرائط المعتبرة في قبول الدعاء، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف، وأيضاً لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة، فوجب كونه طامعاً في قبولها فلا جرم. قلنا: بأن الداعي لا يكون داعياً إلا إذا كان كذلك فقوله: {خَوْفًا وَطَمَعًا } أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم. ويتأكد هذا بقوله: {أية : يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ }تفسير : [المؤمنون: 60]. ثم قال تعالى: {إن رحمة الله قَريِب من المحسنين} وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة إيصال الخير والنعمة، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال، وعلى هذا التقدير الثاني تكون من صفات الذات، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير {أية : بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }تفسير : [الفاتحة: 1]. المسألة الثانية: قال بعض أصحابنا: ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة. واحتجوا بهذه الآية، وبيانه: أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة فهي قريبة من المحسنين، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريباً من المحسنين، أن لا يكون رحمة، والذي حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين، فوجب أن لا يكون رحمة من الله ولا نعمة منه. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أن رحمة الله قريب من المحسنين، فلما كان كل هذه الماهية حصل للمحسنين وجب أن لا يحصل منها نصيب لغير المحسنين، فوجب أن لا يحصل شيء من رحمة الله في حق الكافرين، والعفو عن العذاب رحمة، والتخلص من النار بعد الدخول فيها رحمة، فوجب أن لا يحصل ذلك لمن لم يكن من المحسنين، والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا محسنين، فوجب أن لا يحصل لهم العفو عن العقاب، وأن لا يحصل لهم الخلاص من النار. الجواب: أن من آمن بالله وأقر بالتوحيد والنبوة، فقد أحسن بدليل أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة، وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد أجمعت الأمة على أنه دخل تحت قوله: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [يونس: 26] ومعلوم أن هذا الشخص لم يأت بشيء من الطاعات سوى المعرفة والإقرار، لأنه لما بلغ بعد الصبح لم تجب عليه صلاة الصبح، ولما مات قبل الظهر لم تجب عليه صلاة الظهر، وظاهره أن سائر العبادات لم تجب عليه. فثبت أنه محسن، وثبت أنه لم يصدر منه إلا المعرفة والإقرار، فوجب كون هذا القدر إحساناً، فيكون فاعله محسناً. إذا ثبت هذا فنقول: كل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين، ودلت هذه الآية على أن رحمة الله قريب من المحسنين، فوجب بحكم هذه الآية أن تصل إلى صاحب الكبيرة من أهل الصلاة رحمة الله، وحينئذ تنقلب هذه الآية حجة عليهم. فإن قالوا: المحسنون هم الذين أتوا بجميع وجوه الإحسان. فنقول: هذا باطل، لأن المحسن من صدر عنه مسمى الإحسان وليس من شرط كونه محسناً أن يكون آتياً بكل وجوه الإحسان كما أن العالم هو الذي له العلم وليس من شرطه أن يحصل جميع أنواع العلم فثبت بهذا أن السؤال الذي ذكروه ساقط وأن الحق ما ذهبنا إليه. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول مقتضى علم الأعراب أن يقال: إن رحمة الله قريبة من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث؟ وذكروا في الجواب عنه وجوهاً: الأول: أن الرحمة تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة. الثاني: قال الزجاج: إنما قال: {قَرِيبٌ } لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد فقوله: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} بمعنى إنعام الله قريب وثواب الله قريب فأجرى حكم أحد اللفظين على الآخر. الثالث: قال النضر بن شميل: الرحمة مصدر ومن حق المصادر التذكير كقوله: {أية : فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ }تفسير : [البقرة: 275] فهذا راجع إلى قول الزجاج لأن الموعظة أريد بها الوعظ، فلذلك ذكره قال الشاعر:شعر : إن السَّماحة والمُروءة ضُمِّنا قبراً بمرو على الطَّريق الواضح تفسير : قيل: أراد بالسماحة السخاء وبالمروءة الكرم. والرابع: أن يكون التأويل إن رحمة الله ذات مكان قريب من المحسنين كما قالوا: حائض ولابن تامر أي ذات حيض ولبن وتمر. قال الواحدي: أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال: تقول العرب: هو قريب مني وهما قريب مني وهم قريب مني وهي قريب مني، لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني وقد يجوز أيضاً قريبة وبعيدة تنبيهاً على معنى قربت وبعدت بنفسها. المسألة الخامسة: تفسير هذا القرب هو أن الإنسان يزداد في كل لحظة قرباً من الآخرة، وبعداً من الدنيا، فإن الدنيا كالماضي، والآخرة كالمستقبل، والأنسان في كل ساعة ولحظة ولمحة يزداد بعداً عن الماضي، وقرباً من المستقبل. ولذلك قال الشاعر:شعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس تفسير : ولما ثبت أن الدنيا تزداد بعداً في كل ساعة، وأن الآخرة تزداد قرباً في كل ساعة، وثبت أن رحمة الله إنما تحصل بعد الموت، لا جرم ذكر الله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلاْرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } بناء على هذا التأويل.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ} هذا أمرٌ بالدعاء وتعبُّد به. ثم قرن جلّ وعز بالأمر صفاتٍ تحسُنُ معه، وهي الخشوع والاستكانة والتضرع. ومعنى «خُفْيَةً» أي سراً في النفس ليبعد عن الرياء؛ وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ قال مخبراً عنه: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} تفسير : [مريم: 3]. ونحوه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : خيرُ الذكر الخفيُّ وخيرُ الرزق ما يكفي»تفسير : . والشريعة مقرّرة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجراً من الجهر. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». قال الحسن بن أبي الحسن: لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سراً فيكون جهراً أبداً. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}. وذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} تفسير : [مريم: 3]. وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء «آمين» أولى من الجهر بها؛ لأنه دعاء. وقد مضى القول فيه في «الفاتحة». وروى مسلم عن أبي موسى قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر ـ وفي رواية في غزاة ـ فجعل الناس يجهرون بالتكبير ـ وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثَنِيّة قال: لا إلٰه إلا الله ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيها الناس ٱرْبَعُوا على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصَمّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم»تفسير : . الحديث. الثانية: وٱختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء؛ فكرهه طائفة منهم جُبير بن مُطْعِم وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير. ورأى شُريح رجلاً رافعاً يديه فقال: من تتناول بهما، لا أمّ لكٰ وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم: قطعها الله. وٱختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بأصبعه السبابة. ويقولون: ذلك الإخلاص. وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه. وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم. وروي جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره البخاريّ. قال أبو موسى الأشعري: حديث : دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيهتفسير : . ومثله عن أنس. وقال ابن عمر:حديث : رفع النبيّ صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»تفسير : . وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بَدْر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وسبعة عشر رجلاً، فاستقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادًّا يديه، فجعل يهتف بربه؛ وذكر الحديث. وروى الترمذيّ عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال: هذا حديث صحيح غريب. وروى ابن ماجه عن سَلمان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن ربكم حيّ كريم يستحيـي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردّهما صَفْراً أو قال خائبتين»تفسير : . احتج الأوّلون بما رواه مسلم عن عمارة بن رُوَيبة حديث : ورأى بِشر بن مَرْوان على المنبر رافعاً يديه فقال: قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا؛ وأشار بأصبعه المسبِّحةتفسير : . وبما روى سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدّثه: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفعهما حتى يُرَى بياضُ إبطيْهتفسير : . والأوّل أصحّ طُرُقاً وأثبت من حديث سعيد بن أبي عَروبة؛ فإن سعيداً كان قد تغير عقله في آخر عمره. وقد خالفه شعبة في روايته عن قتادة عن أنس بن مالك فقال فيه: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيْهتفسير : . وقد قيل: إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن الرفع عند ذلك جميل حسن؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويوم بَدْر. قلت: والدعاء حَسَن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع. فإن شاء ٱستقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا؛ فقد فعل ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في الأحاديث. وقد قال تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}. ولم يرد صفة من رفع يدين وغيرها. وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً}تفسير : [آل عمران: 191] فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر. وقد دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة. الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عامّاً (إلى هذا هي الإشارة). والمعتدي هو المجاوز للحدّ ومرتكب الحظر. وقد يتفاضل بحسب ما ٱعتدى فيه. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سيكون قوم يعتدون في الدعاء»تفسير : . أخرجه ٱبن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة. حدّثنا عفّان حدّثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجُرَيْرِيّ عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفّل سمع ٱبنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سَلِ الله الجنة وعُذْ بِه من النار؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : سيكون قوم يعتدون في الدعاء»تفسير : . والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح؛ كما تقدم. ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبيّ، أو يدعو في محال؛ ونحو هذا من الشطط. ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك. ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة؛ فيتخير ألفاظاً مفقرة وكلمات مسجّعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معوّل عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسولُه عليه السلام. وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء؛ كما تقدم في «البقرة» بيانه.

البيضاوي

تفسير : {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أي ذوي تضرع وخفية فإن الإخفاء دليل الإخلاص. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره، نبه به على أن الداعي ينبغي أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصعود إلى السماء. وقيل هو الصياح في الدعاء والاسهاب فيه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم، «حديث : سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}».

ابن كثير

تفسير : أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم فقال: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} قيل: معناه: تذللاً واستكانة، وخفية؛ كقوله: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} تفسير : [الأعراف: 205] الآية. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائباً، إن الذي تدعون سميع قريب» تفسير : الحديث، وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله: {تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} قال: السر. وقال ابن جرير: تضرعاً: تذللاً، واستكانة لطاعته، وخفية، يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهراً مراءاة. وقال عبد الله بن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً رضي فعله، فقال: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} تفسير : [مريم: 3] وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة. ثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} في الدعاء، ولا في غيره. وقال أبو مجلز: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} لا يسأل منازل الأنبياء. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة عن زياد بن مخراق، سمعت أبا نعامة، عن مولى لسعد: أن سعداً سمع ابناً له يدعو، وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وإستبرقها، ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيراً كثيراً، وتعوذت به من شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء وفي لفظ يعتدون في الطهور والدعاء وقرأ هذه الآية: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا} الآية وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل» تفسير : ورواه أبو داود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق عن أبي نعامة عن مولى لسعد عن سعد، فذكره، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا الجريري عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة، وعُذْ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور» تفسير : وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان، به وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس الجُريْري عن أبي نعامة، واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري، وهو إسناد حسن لا بأس به، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا} ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك، وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال: {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: خوفاً مما عنده من وبيل العقاب، وطمعاً فيما عنده من جزيل الثواب. ثم قال: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 56] أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره، ويتركون زواجره؛ كما قال تعالى {أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 156] الآية. وقال: قريب، ولم يقل: قريبة؛ لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: قريب من المحسنين. وقال مطر الوراق: تنجزوا موعود الله بطاعته؛ فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. رواه ابن أبي حاتم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا } حال تذللاً {وَخُفْيَةً } سرًّا {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } في الدعاء بالتشدّق ورفع الصوت.

الشوكاني

تفسير : أمرهم الله سبحانه بالدعاء، وقيد ذلك بكون الداعي متضرّعاً بدعائه مخفياً له. وانتصاب {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } على الحال، أي متضرّعين بالدعاء مخفين له، أو صفة مصدر محذوف، أي ادعوه دعاء تضرّع ودعاء خفية. والتضرّع من الضراعة، وهي الذلة والخشوع والاستكانة. والخفية: الإسرار به، فإن ذلك أقطع لعرق الرياء، وأحسم لباب ما يخالف الإخلاص. ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وفي كل شيء. فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين. وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولاً أولياً. ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له، كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو يطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة، أو يرفع صوته بالدعاء صارخاً به. قوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } نهاهم الله سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه، قليلاً كان أو كثيراً، ومنه قتل الناس، وتخريب منازلهم، وقطع أشجارهم، وتغوير أنهارهم. ومن الفساد في الأرض: الكفر بالله، والوقوع في معاصيه، ومعنى {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا }: بعد أن أصلحها الله بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتقرير الشرائع. قوله: {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } إعرابهما يحتمل الوجهين المتقدمين في {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً }. وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفاً وجلاً طامعاً في إجابة الله لدعائه. فإنه إذا كان عند الدعاء جامعاً بين الخوف والرجاء، ظفر بمطلوبه. والخوف: الانزعاج من المضارّ التي لا يؤمن من وقوعها. والطمع: توقع حصول الأمور المحبوبة. قوله: {إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } هذا إخبار من الله سبحانه بأن رحمته قريبة من عباده المحسنين، بأيّ نوع من الأنواع كان إحسانهم. وفي هذا ترغيب للعباد إلى الخير وتنشيط لهم، فإن قرب هذه الرحمة التي يكون بها الفوز بكل مطلب مقصود لكل عبد من عباد الله. وقد اختلف أئمة اللغة والإعراب في وجه تذكير خبر رحمة الله، حيث قال {قريب} ولم يقل قريبة، فقال الزجاج: إن الرحمة مؤولة بالرحم، لكونها بمعنى العفو والغفران. ورجح هذا التأويل النحاس. وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر بمعنى الترحم، وحق المصدر التذكير. وقال الأخفش سعيد: أراد بالرحمة هنا المطر، وتذكير بعض المؤنث جائز، وأنشد:شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل أبقالها تفسير : وقال أبو عبيدة: تذكير قريب على تذكير المكان: أي مكان قريب. قال علي بن سليمان الأخفش: وهذا خطأ، ولو كان كما قال لكان قريب منصوباً كما تقول: إن زيداً قريباً منك. وقال الفراء: إن القريب إذا كان بمعنى المسافة، فيذكر ويؤنث، وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم. وروي عن الفراء أنه قال: يقال في النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث فيقال: دارك عنا قريب، وفلانة منا قريب قال الله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } تفسير : [الأحزاب: 63] ومنه قول امرىء القيس:شعر : لك الويل أن أمسني ولا أمّ هاشم قريـب ولا البسباسة ابنة يشكر تفسير : وروي عن الزجاج أنه خطأ الفراء فيما قاله وقال: إن سبيل المذكر والمؤنث، أن يجريا على أفعالهما. وقيل: إنه لما كان تأنيث الرحمة غير حقيقي، جاز في خبرها التذكير، ذكر معناه الجوهري. قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بشرا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} عطف على قوله: {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَار} يتضمن ذكر نعمة من النعم التي أنعم بها على عباده، مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته وثبوت إلهيته. ورياح جمع ريح، وأصل ريح روح، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو «نشراً» بضم النون والشين، جمع ناشر على معنى النسب. أي ذات نشر. وقرأ الحسن وقتادة، وابن عامر «نُشْراً» بضم النون وإسكان الشين من نُشْر. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي «نشراً» بفتح النون، وإسكان الشين على المصدر، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال. ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النشر، الذي هو خلاف الطيّ، فكأن الريح مع سكونها كانت مطوية، ثم ترسل من طيها فتصير كالمنفتحة. وقال أبو عبيدة: معناه متفرقة في وجوهها، على معنى ننشرها هاهنا وهاهنا. وقرأ عاصم {بَشَرًا } بالباء الموحدة، وإسكان الشين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر، ومثله قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ مُبَشّرٰتٍ }تفسير : [الروم: 46]. قوله: {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أراد بالرحمة هنا المطر، أي قدّام رحمته، والمعنى: أنه سبحانه يرسل الرياح ناشرات أو مبشرات بين يدي المطر. قوله: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً } أقلّ فلان الشيء: حمله ورفعه. والسحاب يذكر ويؤنث، والمعنى: حتى إذا حملت الرياح سحاباً ثقالاً بالماء الذي صارت تحمله {سُقْنَـٰهُ } أي السحاب {لِبَلَدٍ مَّيّتٍ } أي مجدب ليس فيه نبات. يقال سقته لبلد كذا، وإلى بلد كذا. وقيل اللام هنا لام العلة، أي لأجل بلد ميت. والبلد: هو الموضع العامر من الأرض {فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَاء } أي بالبلد الذي سقناه لأجله، أو بالسحاب أي أنزلنا بالسحاب الماء الذي تحمله، أو بالريح أي فأنزلنا بالريح المرسلة بين يدي المطر الماء. وقيل إن "الباء" هنا بمعنى "من" أي فأنزلنا معه الماء {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي بالماء {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } أي من جميع أنواعها. قوله: {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ } أي مثل ذلك الإخراج، وهو إخراج الثمرات نخرج الموتى من القبور يوم حشرهم {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي تتذكرون، فتعلمون بعظيم قدرة الله وبديع صنعته، وأنه قادر على بعثكم كما قدر على إخراج الثمرات التي تشاهدونها. قوله: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ } أي التربة الطيبة يخرج نباتها بإذن الله وتيسيره إخراجاً حسناً تاماً وافياً {وَٱلَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا } أي والتربة الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكداً أي لا خير فيه. وقرأ طلحة بن مصرف «نكداً» بسكون الكاف. وقرأ ابن القعقاع «نكداً» بفتح الكاف أي ذا نكد. وقرأ الباقون «نكداً» بفتح النون وكسر الكاف. وقرىء "يَخْرُج" أي يخرجه البلد؛ قيل: ومعنى الآية التشبيه، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالبلد الخبيث، ذكره النحاس؛ وقيل هذا مثل للقلوب، فشبه القلب القابل للوعظ بالبلد الطيب، والنائي عنه بالبلد الخبيث، قاله الحسن. وقيل: هو مثل لقلب المؤمن والمنافق قاله قتادة. وقيل هو مثل للطيب والخبيث من بني آدم، قاله مجاهد، {كَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ } أي: مثل ذلك التصريف {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } الله، ويعترفون بنعمته. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية} قال: السرّ {إنه لا يحبّ المعتدين} في الدعاء ولا في غيره. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة، قال: التضرّع علانية. والخفية سرّ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية} يعني: مستكيناً. وخفية: يعني في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة، {إنه لا يحب المعتدين} يقول: لا تدعوا على المؤمن والمؤمنة بالشرّ: اللهم اخزه والعنه ونحو ذلك، فإن ذلك عدوان. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي مجلز، في قوله: {إنه لا يحب المعتدين} قال: لا تسألوا منازل الأنبياء. وأخرج ابن المبارك، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول {ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية} وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً فرضي قوله فقال: {أية : إذ نادى ربه نداء خفياً} تفسير : [مريم: 3]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صالح، في قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} قال: بعدما أصلحها الأنبياء وأصحابهم. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي سنان، في الآية قال: أحللت حلالي، وحرّمت حرامي، وحدّدت حدودي، فلا تفسدوها. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {ادعوه خوفاً وطمعاً} قال: خوفاً منه، وطمعاً لما عنده {إن رحمة الله قريب من المحسنين} يعني المؤمنين، ومن لم يؤمن بالله فهو من المفسدين. وأخرج ابن جريج، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله: {وهو الذي يرسل الرياح} قال: إن الله يرسل الريح، فيأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف السماء والأرض، من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثم، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {بشرا بين يدي رحمته} قال: يستبشر بها الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله: {بين دي رحمته} قال: هو المطر، وفي قوله: {كذلك نخرج الموتى} قال: كذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما يخرج الزرع بالماء. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {كذلك نخرج الموتى} قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى يشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح فيهوي كل روح إلى جسده، فكذلك يحيـي الله الموتى بالمطر، كإحيائه الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {والبلد الطيب} الآية قال: هو مثل ضربه الله للمؤمن، يقول هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب {والذي خبث} ضرب مثلاً للكافر، كالبلد السبخة المالحة التي لا تخرج منها البركة، فالكافر هو الخبيث وعمله خبيث، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} فيه وجهان: أحدهما: في الرغبة والرهبة، قاله ابن عباس. والثاني: التضرع: التذلل والخضوع، والخفية: إخلاص القلب. ويحتمل أن التضرع بالبدن، والخفية إخلاص القلب. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} يعني في الدعاء، والاعتداء فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن يسأل ما لا يستحقه من منازل الأنبياء، قاله أبو مجلز. والثاني: أنه يدعو باللعنه والهلاك على من لا يستحق، قاله مقاتل. والثالث: أن يرفع صوته بالدعاء، روى أبو عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأشرفوا واد، فجعل الناس يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنفُسكُم إِنَّكُم لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِباً إِنَّكُم تَدْعُونَ سَمِيعاً قَرِيباً وَهُوَ مَعَكُمْ ". تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} فيه أربعة أقاويل: أحدها: لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان. والثاني: لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل. والثالث: لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة، قاله الكلبي. والرابع: لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه، قاله الحسن. {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} يحتمل وجهين: أحدهما: خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه. والثاني: خوفاً من الرد وطمعاً في الإجابة. {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} فإن قيل: فلم أسقط الهاء من قريب والرحمة مؤنثة؟ فعن ذلك جوابان. أحدهما: أن الرحمة من الله إنعام منه فَذُكِّرَ على المعنى، وهو أن إنعام الله قريب من المحسنين، قاله الأخفش. والثاني: أن المراد به مكان الرحمة، قاله الفراء، كما قال عروة بن حزام: شعر : عَشِيَّة لاَ عَفْرَاءَ مِنكِ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكِ بَعِيدُ تفسير : فأراد بالبعد مكانها فأسقط الهاء، وأرادها هي بالقريبة فأثبت الهاء.

ابن عطية

تفسير : هذا أمر بالدعاء وتعبد به، ثم قرر عز وجل بالأمر به صفات تحسن معه، وقوله: {تضرعاً} معناه بخشوع واستكانة، والتضرع لفظة تقتضي الجهر لأن التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، {وخفية} يريد في النفس خاصة، وقد أثنى الله عز وجل على ذلك في قوله {أية : إذ نادى ربه نداء خفياً} تفسير : [مريم:3] ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : خير الذكر الخفيتفسير : ، والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجراً من الجهر، وتأول بعض العلماء "التضرع والخفية" في معنى السر جميعاً، فكأن التضرع فعل للقلب، ذكر هذا المعنى الحسن بن أبي الحسن، وقال: لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سراً فيكون جهراً أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، وإن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} وذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال {أية : إذ نادى ربه نداء خفياً} تفسير : [مريم:3] وقال الزجاج {ادعوا ربكم} معناه اعبدوا ربكم {تضرعاً وخفية} أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلوب، وقرأ جميع السبعة "وخُفية" بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام و "خِفية" بكسرها وهما لغتان، وقد قيل إن "خِفية" بكسر الخاء بمعنى الخوف والرهبة، ويظهر ذلك من كلام أبي علي. وقرأت فرقة "وخِيفة" من الخوف، أي ادعوه باستكانة وخوف ذكرها ابن سيده في المحكم ولم ينسبها، وقال أبو حاتم قرأها الأعمش فيما زعموا، وقوله: {إنه لا يحب المعتدين} يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاماً، فإلى هذا هي الإشارة، والاعتداء في الدعاء على وجوه، منها الجهر الكثير والصياح كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم - وقد رفعوا أصواتهم بالتكبير -: "حديث : أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً " تفسير : ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ونحو هذا من التشطط، ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك، وفي هذه الأسئلة كفاية، وقرأ ابن أبي عبلة "إن الله لا يحب المعتدين"، والمعتدي هو مجاوز الحد ومرتكب الحظر، وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : سيكون أقوام يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة ما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ". تفسير : وقوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض} الآية، ألفاظ عامة تتضمن كل إفساد قلَّ أو كثر بعد إصلاح، قل أو كثر، والقصد بالنهي هو على العموم وتخصيص شيء دون شيء في هذا تحكم إلا أن يقال على وجهة المثال، قال الضحاك: معناه لا تغوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضراراً، وقد ورد قطع الدينار والدرهم من الفساد في الأرض، وقد قيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض، وقال بعض الناس: المراد ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها الله ببعثة الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر. وقوله تعالى: {وادعوه خوفاً وطمعاً} أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتحزن وتأميل لله عز وجل حتى يكون الرجاء والخوف كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامة وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، وقد قال كثير من العلماء ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء، وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخوف أغلب على المرء بكثير، وهذا كله احتياط ومنه تمني الحسن البصري أن يكون الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة، وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف لأن مذهبه أنهم مذنبون، ثم أنس قوله تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} فإنها آية وعد فيها تقييد بقوله {من المحسنين}. واختلف الناس في وجه حذف التاء من {قريب} في صفة الرحمة على أقوال، منها أنه على جهة النسب أي ذات قرب، ومنها أنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جرت مجرى كف خضيب ولحية دهين، ومنها أنها بمعنى مذكر فذكر الوصف لذلك. واختلف أهل هذا القول في تقدير المذكر الذي هي بدل منه فقالت فرقة الغفران والعفو، وقالت فرقة المطر، وقيل غير ذلك، وقال الفراء: لفظة القرب إذا استعملت في النسب والقرابة فهي مع المؤنث بتاء ولا بد، وإذا استعملت في قرب المسافة. قال القاضي أبو محمد: أو الزمن - فقد تجيء مع المؤنث بتاء وقد تجيء بغير تاء، وهذا منه، ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] شعر : عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد تفسير : فجمع في هذا البيت بين الوجهين. قال القاضي أبو محمد: هذا قول الفراء في كتابه، وقد مر في بعض كتب المفسرين مقيداً ورد الزجّاج على هذا القول، وقال أبو عبيدة {قريب} في الآية ليس بصفة للرحمة وإنما هو ظرف لها وموضع، فيجيء، هكذا في المؤنث والاثنين والجميع وكذلك بعيد، فإذا جعلوها صفة بمعنى مقربة قالوا قريبة وقريبتان وقريبات. وذكر الطبري أن قوله {قريب} إنما يراد به مقاربة الأرواح للأجساد أي عند ذلك تنالهم الرحمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} رغبة ورهبة، أو التضرع: التذلل، والخفية: الإسرار. {لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} في الدعاء برفع الصوت، أو بطلب ما لا يستحقه من منازل الأنبياء، أو باللعنة والهلاك على من لا يستحقهما.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ادعوا ربكم} قيل معناه اعبدوا ربكم لأن معنى الدعاء طلب الخير من الله تعالى وهذه الصفة العبادة ولأنه تعالى عطف عليه قوله وادعوه خوفاً وطمعاً والمعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه. وقيل: المراد به حقيقة الدعاء هو الصحيح لأن الدعاء هو السؤال والطلب وهو نوع من أنواع العبادة لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وهو عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه تبارك وتعالى يسمع الدعاء ويعلم حاجته، وهو قادر على إيصالها إلى الداعي فعند ذلك يعرف العبد نفسه بالعجز والنقص ويعرف ربه بالقدرة والكمال وهو المراد من قوله تعالى: {تضرعاً} يعني ادعوا ربكم تذللاً واستكانة، وهو إظهار الذل في النفس والخشوع. يقال: ضرع فلان لفلان إذا أذل له وخشع. وقال الزجاج: تضرعاً يعني تملقاً وحقيقته أن ندعوه خاضعين خاشعين متعبدين بالدعاء له تعالى {وخفية} يعني سراً في أنفسكم وهو ضد العلانية والأدب في الدعاء أن يكون خفياً لهذه الآية قال الحسن بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول ادعوا ربكم تضرعاً وخفية وأن الله تعالى ذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال تعالى: {أية : إذ نادى ربه نداء خفياً}تفسير : [مريم: 3] (ق) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"تفسير : قال أبو موسى رضي الله عنه وأنا خلفه أقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم في نفسي فقال: حديث : "يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة" قلت بلى يا رسول الله قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"تفسير : قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أربعوا على أنفسكم"تفسير : يعني ارفقوا بها وأقصروا عن الصياح في الدعاء. وقوله تعالى: {إنه لا يحب المعتدين} يعني في الدعاء، وقال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل الأنبياء. عن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها قال أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء"تفسير : أخرجه أبو داود. وقال ابن جريج: الاعتداء رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء. وقيل: الاعتداء مجاوزة الحد في كل شيء فكل من خالف أمر الله ونهيه فقد اعتدى ودخل تحت قوله تعالى: {إنه لا يحب المعتدين} وفرع بعض أرباب الطريقة على قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} هل الأفضل إظهار العبادات أم لا فذهب بعضهم إلى أن إخفاء الطاعات والعبادات أفضل من إظهارها لهذه الآية ولكونها أبعد عن الرياء وذهب بعضهم إلى إن إظهارها أفضل ليقتدي به الغير فيعمل مثل عمله وتوسط الشيخ محمد بن عبد الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء، فالأولى إخفاء العبادات صوناً لعمله عن البطلان وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى التمكين بحيث صار مبايناً شائبة الرياء كأن الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء به؛ وذهب بعضهم إلى أن إظهار العبادات المفروضات أفضل من إخفائها فالصلاة المكتوبة في المسجد أفضل من صلاته في بيته وصلاة النفل في البيت أفضل من صلاته في المسجد وكذا إظهار الزكاة أفضل من إخفائها وإخفاء صدقة التطوع أفضل من أظهارها ويقاس على هذا سائر العبادات قوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} يعني ولا تفسدوا أيها الناس في الأرض بالمعاصي والكفر والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعثة الرسل وبيان الشرائع والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي. قال ابن عطية: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بسبب معاصيكم فعلى هذا يكون معنى قوله بعد إصلاحها يعني بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب. وقيل معنى الآية: ولا تفسدوا في الأرض شيئاً بعد أن أصلحه الله تعالى فيدخل فيه المنع من إتلاف النفس بالقتل أو إفسادها بقطع بعض الأعضاء وإفساد الأموال بالغصب والسرقة وأخذه من الغير بوجوه الحيل وإفساد الأديان بالكفر واعتقاد البدع والأهواء المضلة وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنى وإفساد العقول بسبب شرب المسكر وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة فمنع الله من إدخال الفساد في ماهيتها. وقوله تعالى: {وادعوه خوفاً وطمعاً} أصل الخوف انزعاج في الباطن لما لا يؤمن من المضار وقيل هو توقع مكروه يحصل فيما بعد والطمع توقع محبوب يحصل له والمعنى وادعوه خوفاً منه ومن عقابه وطمعاً فيما عنده من جزيل ثوابه. وقال ابن جريج: العدل معناه خوف والطمع الفضل. وقيل معناه ادعوه خوفاً من الرياء في الذكر والدعاء طمعاً في الإجابة. فإن قلت قال في أول الآية ادعوا ربكم تضرعاً وخفية وقال هنا وادعوه وهذا هو عطف الشيء على نفسه فما فائدة ذلك؟ قلت: الفائدة فيه أن المراد بقوله تعالى ادعوا ربكم أي ليكن الدعاء مقروناً بالتضرع والإخبات وقوله وادعوه خوفاً وطمعاً أن فائدة الدعاء أحد هذين الأمرين فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء وقيل معناه كونوا جامعين في أنفسكم من بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء وإن اجتهدتم فيهما {إن رحمت الله} أصل الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم وتستعمل تارة في الرقة المجردة عن الإحسان وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة وإذا وصف بها الباري جل وعز فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة فرحمة الله عز وجل عبارة عن الإفضال والأنعام على عباده وإيصال الخير إليهم. وقيل: هي إرادة إيصال الخير والنعمة إلى عباده فعلى القول الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال وعلى القول الثاني تكون من صفات الذات {قريب من المحسنين} قال سعيد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ. وقيل إن تأنيث الرحمة ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة وكون الرحمة قريبة من المحسنين لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا وإقبال على الآخرة وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة وليس بينه وبين رحمة الله التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من الإنسان.

ابن عادل

تفسير : لمَّا ذكر الدَّلائلَ الدَّالة على كمالِ القُدْرَةِ، والحكمة، والرَّحْمَةِ أتبعه بذكر الأعْمَال اللاَّئقةِ بتلك المعارفِ، وهو الاشتغالُ بالدُّعَاءِ والتَّضَرُّع، فقوله: "تَضَرُّعاً وخُفْيةً" نُصِبَ على الحال: أي: متضرعين مُخْفين الدُّعَاءَ ليكون أقْرَبَ إلى الإجَابَةِ. ويجوزُ أن ينتصبا على المصدرِ، أي: دعاءَ تضرّعٍ وخُفْيَةٍ. وقرأ أبُو بَكْرٍ: "خِفْية" بكسر الخاء، وقد تقدَّم ذلك في الأنعام إلا أنَّ كلام أبي عليٍّ يُرْشد إلى أنَّ "خِفْيَةً" بالكسر بمعنى الخَوْفِ، وهذا إنَّما يَتَأتَّى على ادِّعاءِ القَلْب أي يُعتقد تقدم اللاَّم على العَيْنِ وهو بعيدٌ؛ لأنَّهُ كان يَنْبَغِي أنْ تعود الواو إلى أصلها، وذلك أن "خِفْية" ياؤُهَا عن واو لسكونها وانكسار ما قبلها، [ولمَّا أخِّرَت الواوُ تحرَّكتْ، وسُكِّن ما قبلها،] إلاَّ أن يقال: إنَّهَا قلبت متْرُوكَةً على حالها. وقرأ الأعمش "وخِيْفة" وهي تؤيِّدُ ما ذكره الفَارِسِيُّ، نقل هذه القراءة عنه أبو حَاتِمٍ. قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} قرأ ابن أبي عَبْلَة "إنَّ اللَّه" أتى بالجلالةِ مكان الضَّميرِ، والمُرَادُ بالتَّضَرُّعِ: التَّذَلُّلُ والاستكانة، وبالخفية: السِّرُّ. قال الحسنُ: بين دعوة السِّرِّ، ودعوة العلانيةِ سبعون ضعفاً، ولقد كان المُسْلِمُونَ يجتهدون في الدُّعَاءِ، وما يسمع لهم صوت، إلاَّ هَمْساً بينهم وبين ربهم، وذلك أنَّ الله يقول: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}، وإنَّ الله ذكر عبدهُ زكريا، ورضي فعله فقال: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}تفسير : [مريم: 3]. وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "حديث : دَعْوَةُ السِّرِّ تَعْدِلُ سَبعِيْنَ دَعْوَة في العَلاَنِيَةِ"تفسير : ، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ"تفسير : وروى أبو موسى الأشعريُّ - رضي الله عنه - أنَّهُم كانُوا في غزاة فأشْرَفُوا على وادٍ فجعلُوا يكبِّرون ويهلِّلُونَ رَافِعِي أصواتهم، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : ارْبعُوا على أنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ، ولا غَائِباً، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعاً قَرِيباً وإنَّهُ لَمَعَكُمْ ". تفسير : واختلفوا في أنَّ الأفضل الدُّعاء خفيةً، أو علانيةً؟ فقيل: الإخفاءُ أفْضَلُ لهذه الآية ولقوله تعالى: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}تفسير : [مريم: 3]، ولما تقدَّم، ولأنَّهُ مُصون عن الرياء. وقال آخرون: العلانيَةُ أفضلُ؛ لترغيب الغَيْرِ في الاقتداء به. وقال آخرونَ: إن خَافَ على نفسه الرِّيَاءَ؛ فالإخفاءُ أفضلُ وإلاَّ فالعلانية. فصل في بيان شبهة منكري الدعاء من النَّاسِ من أنكر الدُّعاء، واحتج على صحَّة قوله بوجوه: الأول: أنَّ المطلوب بالدُّعاء إن كان معلوم الوقوع، كان واجب الوُقُوع؛ لامتناع وقُوع التَّغير في علم الله تعالى، وما كان واجبَ الوُقُوع لم يكن في طَلَبِهِ فائدةٌ، وإن كان معلومَ اللاوقوع؛ كان ممتنع الوقوع فلا فائدة في طلبه أيضاً. الثاني: أنَّهُ تعالى: إن كان قد أراد في الأزَلِ إحْدَاثَ ذلك الشيء فهو حاصلٌ سواءٌ كان هذا الدُّعَاء أو لم يكن، وإنْ كان أرَادَ في الأزَلِ ألاَّ يعطيه، فهو ممتنعٌ الوقوع، فلا فائِدَةَ في الطَّلَبِ، وإن قلنا: إنَّه ما أراد في الأزَلِ ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه، ثم إنَّهُ عند ذلك الدُّعَاءِ صار مُرِيداً له لَزِمَ وقوع التَّغير في ذاتِ الله، وفي صفاته، وهو مُحالٌ، وعلى هذا التقدير يصيرُ إقْدَامُ العبد على الدُّعاء عِلَّةً لحدوث صِفَةٍ في ذات الله - تعالى - فيكون العبد متصرِّفاً في صفة اللَّهِ - تعالى - بالتَّبْديلِ والتَّغْيير، وهو محال. الثالث: أنَّ المَطْلُوبَ بالدُّعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءَه، فهو تعالى يُعْطِيهِ من غير هذا الدُّعاء؛ لأنَّهُ منزَّهٌ عن أن يكون بَخِيلاً، وإن اقْتَضَتِ الحكمةُ مَنْعَهُ فهو لا يطعيه سواء أقْدَمَ العَبْدُ على الدُّعَاءِ، أو لم يُقْدِم عليه. الرابع: أنَّ الدُّعَاءَ غير الأمر، ولا تَفَاوُتَ بين البَابَيْنِ إلا كون الدَّاعي أقَلَّ رتبةْ، وكون الآمر أعلى رُتْبَةً، وإقدام العبد على أمر الله سُوءُ أدَبٍ وإنه لا يجوز. الخامس: الدُّعَاءُ يُشْبِهُ ما إذا أقْدَمَ العَبْدُ على إرشاد ربِّه وإلهه إلى فعل الأصْلَح والأصْوَبِ، وذلك سوءُ أدبٍ، أو أنَّهُ ينبه الإله على شيءٍ ما كان منتبهاً له، وذلك كُفْرٌ، وأنَّ اللَّه تعالى قصَّرَ في الإحسان والفَضْلِ، وذلك جهلٌ. السادس: أنَّ الإقدام على الدُّعاء يدلُّ على كون العَبْدِ غير راضٍ بالقضاءِ، إذْ لو رَضِيَ بما قضاه اللَّهُ عليه لترك تصرّفَ نفسه، ولما طلب من الله شيئاً على التَّعيين، وترك الرِّضَا بالقضاء من المنكرات. السابع: روي أنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام قال حَاكياً عن اللَّهِ - تعالى - "حديث : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطي السَّائلينَ"تفسير : وذلك يدلُّ على أنَّ الأوْلَى ترك الدُّعَاءِ. الثامن: أنَّ علم الله - تعالى - محيطٌ بحاجة العبد، والعبدُ إذا علم أن مَوْلاَهُ عالم باحتياجه فَسَكَتَ ولم يذكر تلك الحاجة، كان ذلك أدْخَلَ في الأدَبِ، وفي تعظيم المولى، ممَّا إذَا أخذ يشرح كيفيَّة تلك الحاجةِ، وإذا كان الحالُ على هذا الوَجْهِ في الشاهد؛ وجَبَ اعتبار مثله في حقِّ الله - تعالى -، وكذلك نُقل أن الخليل - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - لمَّا وضع في المَنْجَنيقِ للرّمي إلى النَّارِ قال له جبريلُ - عليه السَّلامُ - "ادْعُ ربَّكَ"، فقال الخليل - عليه السَّلام -: "حسبي من سؤالي علمه بحالي". والجوابُ: أنَّ الدُّعَاءَ نوعٌ من أنواع العبادةِ، والأسئلةُ المذكورة واردة في جميع أنواع العباداتِ، فإنَّهُ يقال: إن كان هذا الإنسان سعيداً في علم الله فلا حاجة إلى الطَّاعات والعبادات، وإن كان شقِيّاً في علمه؛ فلا فائدة في تلك العبادات، ويجبُ أيضاً ألاَّ يُقْدِمَ الإنسانُ على أكل الخُبْزِ، وشرب الماء؛ لأنَّهُ إن كان شبعاناً في علم اللَّه فلا حاجة إلى أكل الخبز، وإن كان جَائِعاً فلا فائدة في أكل الخبز، وكما أنَّ هذا الكلامَ باطلٌ؛ فكذا فيما ذكروه، بل نقول: المقصودُ من الدُّعَاءِ معرفةُ ذلَّةِ العبوديَّة، ومعرفة عزِّ الرُّبوبيَّةِ، وهذا هو المقصودُ الأعلى من جميع العِبَادَاتِ؛ لأنَّ الدَّاعِي لا يقدم على الدُّعَاءِ إلا إذا عرف من نفسه كَوْنَهُ محتاجاً إلى ذلك المَطْلُوب، وكونه عَاجِزاً عن تحصيله، وعرف من ربِّه، وإلهه أنَّهُ يسمعُ دُعَاءهُ، ويعلم حاجته، وهو قادرٌ على دفع تلك الحاجة، فإذَا كان الدُّعَاءُ مستجمعاً لهذين المقامين كان الدُّعَاءُ أعظم العِباداتِ، ولهذا قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "حديث : الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادةِ ". تفسير : قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أجمع المُسْلِمُونَ على أنَّ المحبة صفة من صفات اللَّه - تعالى - واتَّفَقُوا على أن ليس معناها شهوة النفس وميل الطَّبْعِ، وطلب التَّلَذُّذِ بالشَّيء؛ لأنَّ كل ذلك في حقِّ الله - تعالى - محالٌ، واختلفوا في تفسير المحبَّة في حقِّ الله - تعالى - فقيل: هي عبارة عن إيصال الثَّوابِ، والخير إلى العبد، والمراد بـ "المُعْتَدينَ" المجاوزين ما أمِرُوا به. قال الكلبيُّ وابن جريج: من الاعتداء رَفْعُ الصَّوتِ في الدُّعَاءِ. وقال أبُو مِجْلَزٍ: هم الذين يسألون منازل الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام -. روي أنَّ عبدَ الله بْنَ مُغفَّل سمع ابنه يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك القَصْرَ الأبْيَضَ عن يمين الجَنَّةِ إذا دخلتها فقال: يا بني سل اللَّه الجَنَّةَ، وتعوَّذ به من النَّارِ، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سَيَكُونَ فِي هَذِهِ الأمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الظُّهُورِ والدُّعَاءِ. وقال عَطِيَّةُ: هم الَّذين يدعون على المُؤمنينَ، فيما لا يحل فيقولون: "اللَّهُمَّ أخْزِهم اللَّهُمَّ الْعَنْهُم".

البقاعي

تفسير : ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والأمر المقتضي لتفرده بالعبادة للتوجيه إلى تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقية، أمر بهذا المقتضى اللائق بتلك المعارف، وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال: {ادعوا ربكم} أي الدائم الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع {تضرعاً} أي تذللاً ظاهراً {وخفية} أي وتذللاً باطناً، وقد أثنى على عبده زكريا عليه السلام فقال: {أية : إذ نادى ربه نداء خفياً } تفسير : [مريم: 3] أي اجمعوا إلى خضوع الظاهر خضوع الباطن، أي أخلصوا له العبادة، إنه يحب المخلصين لأن تفرده بأن يدعى هو اللائق بمقام عز الربوبية، والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل العبودية، وهذا هو المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الأزلي، وهو المقصود من جميع العبادات، فإن العبد لا يدعو إلا وقد استحضر من نفسه الذل والصعب والحاجة، ومن ربه العلم والقدرة والكفاية، وهذا هو المقصود من جميع العبادات، فلهذا كان الدعاء مخ العبادة، وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ما يراد تحقيقه وتحصيله من شرائط الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه، ومن فعل خلاف ذلك فقد تجاوز الحد، وإلى ذلك أوماً بتعليله بقوله: {إنه لا يحب المعتدين*} أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وغيره، قالوا فالمعنى أن من ترك هذا لا يحبه الله، أي لا يثيبه البتة ولا يحسن إليه، فالآية من الاحتباك آخرها يدل على حذف ضده من صدرها، وصدرها يدل على أنه حذف قبل الآخر: ولا تتركوا الإخلاص تكونوا معتدين. ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضياًَ للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله: {ولا تفسدوا} أي لا تدفعوا فساداً {في الأرض} أي بالشرك والظلم، فهو منع من إيقاع ماهية الإفساد في الوجود، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل، وهي الأديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال {بعد إصلاحها} والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في المفعول، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقاً بما سوى فيها من المنافع المشار إليها بقوله { أية : يغشي الليل النهار} تفسير : [الأعراف: 54]، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء الأول. ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف، نفى ذلك بقوله {وادعوه خوفاً} أي من عدله؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه، عبر بالطمع فقال: {وطمعاً} أي في فضله، فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن، ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته، ومن حاز مقام الإحسان كان أهلاً للرحمة {إن رحمت الله} أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن يدعوه على هذه الصفة، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبوية، فقال: {قريب} وكان الأصل منكم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {من المحسنين*}. ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا يكون بالغيث، وهو من أجلّ أنواع الرحمة، وهو لا يكون إلا بالسحاب، وهو لا يكون إلا بالريح، قال تعالى عاطفاً على {إن ربكم الله} تنبيهاً بعد تحقيق المبدإ على تحقيق المعاد: {وهو} أي لا غيره {الذي يرسل} أي بالتحريك {الرياح} هذا في قراءة الجماعة، وأنواعها خمس: جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء، وهي كل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين،ووحد ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس {بشرا} بضمتين في قراءة أهل الحجاز والبصرة، أي منتشرة جمع نشور من النشر، وهو بسط ما كان مطوياً وتفريقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا لدام ذلك منها ولا بقوة فلك أو نجم لأن نسبتهما إلى الهواء واحدة {بين يدي} أي قبل {رحمته} أي المطر، ولعله عبر فيه باليدين: اليمنى واليسرى، لدلالته - مع ما فيه من الفخامة - على انه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذاباً كما كان على قوم نوح عليه السلام وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين، وتارة تكون الرياح جامعة لها لحفظ الماء، وتارة مفرقة مبطلة لها، وتارة تكون مقومة للزروع والأشجار مكملة لها وهي اللواقح، وتارة تكون منمية لها أو مهلكة كما يكون في الخريف، وتارة تكون طبية وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة والبرودة؛ ثم غيّ الإرسال بقوله {حتى إذا أقلت سحاباً} أي حملتها لقلتها عندها لخفتها عليها {ثقالاً} أي بالماء؛ ولما دل على العظمة بالجمع وحقق الأمر بالوصف، أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه مجتمعاً كأنه قطعة واحدة، لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لاختل أمره، فقال: {سقناه لبلد} أي لأجله وإليه {ميت} أي بعدم النبات {فأنزلنا} أي بما لنا من العظمة {به} أي البلد، أو بسبب ذلك السحاب {الماء} أي هذا الجنس، وأشار إلى عظمة الإنبات بالنون فقال {فأخرجنا به} أي بالماء {من كل الثمرات} أي الحقيقية على الأشجار، والمجازية من النبات وحبوبه، ولما كان هذا - مع ما فيه من التذكير بالنعمة المقتضية لتوحيده بالدعوة - دليلاً ثانياً في غاية الدلالة على القدرة على البعث، قال تعالى: {كذلك} أي مثل ما أخرجنا هذا النبات من الأرض بعد أن لم يكن {نخرج الموتى} أي من الأرض بعد أن صاروا تراباً {لعلكم تذكرون*} أي قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجي تذكر هذه الآية المشاهدة القريبة المأخذ ولو على أدنى وجوه التذكر بما أشار إليه الإدغام، لأنه سبحانه كما قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف الأرض بعد أن كان تغيب في الأرض وصار تراباً، وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا روح لها بإيداع الثمرة التي هي روحها، فهو قادر على إعادة الأشباح وإيداعها الأرواح كما كانت أول مرة، لأنه لا فرق بين الإخراجين.

ابو السعود

تفسير : {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ} الذي قد عَرَفتم شؤونَه الجليلة {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أي ذوي تضرّعٍ وخُفية فإن الإخفاءَ دليلُ الإخلاص {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي لا يحب دعاءَ المجاوزين لما أُمروا به في كل شيء، فيدخُل فيه الاعتداءُ في الدعاء دخولاً أولياً، وقد نُبِّه به على أن الداعيَ يجب أن لا يطلُب ما لا يليق به كرتبة الأنبـياءِ والصعودِ إلى السماء، وقيل: هو الصياحُ في الدعاء والإسهابُ فيه. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : سيكونُ قومٌ يعتدون في الدعاء وحسْبُ المرءِ أن يقول: اللهم إني أسألُك الجنةَ وما قرَّب إليها من قول وعملٍ، وأعوذُ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل»تفسير : ثم [قرأ] «إنَّهُ لا يحبُّ المعتدين». {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} بالكفر والمعاصي {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا} ببعث الأنبـياء عليهم السلام وشرْعِ الأحكام {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي ذوي خوفٍ نظراً لقصور أعمالِكم وعدمِ استخقاقِكم، وطمَعٍ نظراً إلى سَعة رحمتِه ووفورِ فضلِه وإحسانِه {إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين} في كل شيء، ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقروناً بالخوف والطمع، وتذكيرُ قريبٌ لأن الرحمةَ بمعنى الرحم أو لأنه صفةٌ لمحذوف أي أمرٌ قريبٌ أو على تشبـيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول أو الذي هو مصدر كالنقيض والصهيل، أو للفرق بـين القريب من النسَب والقريب من غيره أو لاكتسابه التذكيرَ من المضاف إليه كما أن المضافَ يكتسب التأنيثَ من المضاف إليه.

السلمي

تفسير : قال أبو عثمان: التضرع فى الدعاء أن لا تقدم إليه أفعالك وصلاتك وصيامك وقرآنك ثم تدعو على أثره، إنما التضرع أن تقدم إليه افتقارك وعجزك وضرورتك وفاقتك وقلة حيلتك، ثم تدعو بلا غفلة ولا سبب فترفع دعاءك، ألا ترى ما ذكر عن أبى يزيد رحمة الله عليه أنه قال: قيل: لى خزائننا مملوءة من الطاعات فإن أردتها فعليك بالذلة والافتقار، وكما قال أبو حفص حين قيل له بما تُقدِم على ربك؟ قال: وما للفقير أن يُقدم به على الغنى سوى فقره. قال الواسطى رحمة الله عليه: قوله {تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} قال: تضرعًا بذل العبودية وخلع الاستطالة، و {وَخُفْيَةً} أى أخفى ذكرى صيانة عن غيرى، ألا تراه يقول: خير الذكر الخفى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً}. الأمر بالدعاء إذنٌ - في التسلِّي - لأرباب المحنة، فإنهم إلى أن يصلوا إلى كشف المحنة ووجود المأمول استروحوا إلى روْح المناجاة في حال الدعاء؛ والدعاء نزهةٌ لأرباب الحوائج، وراحةٌ لأصاحب المطالبات، ومعجل من الإِنس بما (...) إلى القلب عاجل التقريب. وما أخلص عبدٌ من دعائه إلى رَوَّحَ - سبحانه - في الوقت قلبَه. ويقال علَّمهم آداب الدعاء حيث قال: {تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} وهذا أدب الدعاء؛ أن يَدْعُوا بوصف الافتقار والانكسار ونشر الاضطرار. ومن غاية ما تقرر لديك نعت كرمه بك أنه جعل إمساكَكَ عن دعائه - الذي لا بد منه - اعتداء منك. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. من الإفساد بعد الإصلاح إحمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عذارها حتى تتبع هواها بعدما كَبَحْتَ لجامَها مدةً عن العَدْوِ في ميدان الخلاف، ومن ذلك إرسالُ القلب في أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة، ومن ذلك الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك استشعارُ محبة المخلوق بعد تأكيد العقد معه بألا تحب سواه، ومن ذلك الجنوحُ إلى تتبع الرُّخص في طريق الطلب بعد حمل النَّفْس على ملازمة الأَوْلى والأشَق، ومن ذلك الانحطاطُ بِحَظٍّ إلى طلبِ مقامٍ منه أو إكرام، بعد القيام معه بترك كل نصيب. وفي الجملة: الرجوعُ من الأعلى إلى الأدنى إفسادٌ في الأرض بعد الإصلاح. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. يقال المحسنين عملاً والمحسنين أملاً، فالأول العابدون والثاني العاصون. ويقال المحسن من كان حاضراً بقلبه غير لاهٍ عن ربِّه ولا ناسياً لِحقِّه. ويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق. ويقال المحسن الذي لم يخرج (...) عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ادعوا ربكم} بمعنى المربى من التربية وهى تبليغ الشئ الى كماله شيأ فشيأ وهو تعالى مربى الظواهر بالنعمة وهى النفوس ومربى البواطن بالرحمة وهى القلوب ومربى نفوس العابدين باحكام الشريعة ومربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة ومربى اسرار المحبين بانوار الحقيقة وهو اى الرب اسم الله الاعظم ولذلك كل اسم قلبته بطل معناه الا الرب فان مقلوبه البر وهو من اسمائه تعالى واليه يشير ما روى عن الخضر عليه السلام انه قال الاسم الاعظم ما دعا به كل نبى وولى وعدو اشار الى انه مقدمة دعوات الانبياء نحو {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : [الأعراف: 23]. الآية ونحوه والصحابة نحو {أية : ربنا ما خلقت هذا باطلا} تفسير : [آل عمران: 191]. الآيات والاعداء نحو {أية : رب فأنظرنى} تفسير : [الحجر: 36]{أية : ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا} تفسير : [السجدة: 12]. {تضرعا وخفية} التضرع [زارى كردن] كذا فى تاج المصادر يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة من باب فتح اى خضع وذل هما حالان من فاعل ادعوا اى متضرعين متذللين مخفين الدعاء ليكون اقرب الى الاجابة لكون الاخفاء دليل الاخلاص والاحتراز عن الرياء "حديث : ـ روى ـ عن الصحابة رضى الله عنهم انهم كانوا فى غزوة فاشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعى اصواتهم فقال عليه السلام لهم "اربعوا على انفسكم فانكم لا تدعون اصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا بصيرا قريبا وانه لمعكم" " . تفسير : اى بالعلم والاحاطة وفى الحديث استحباب الاخفاء فى ذكر الله لكن ذكر شارح الكشاف ان هذا بحسب المقام والشيخ المرشد قد يأمر المبتدى برفع الصوت لينقلع عن قلبه الخواطر الراسخة فيه كذا فى شرح المشارق لابن الملك. قال حسين الكاشفى فى الرسالة العلية [اى درويش قومى كه كمين كاه نفس را ديدندودا نستند ذكر بجهر كفتن مناسب نديدند كه بريا انجامد ومخفى بذكر مشغول شدند وقول حق تعالى راكه] {أية : واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة} تفسير : [الأعراف: 205]. [كاربستند وجمعى كه بمرتبة اخلاص رسيدند وباطن خودرا از ريا باك يافتند ذكر را بجهر كفتند وهريكى ار ازين وطائفه بر عمل خود دلائل است]: وفى المثنوى شعر : كفت ادعوا الله بى زارى مباش تابيايد فيضهاى دوست فاش [1] تا سقاهم ربهم آيد خطاب تشنه باش الله اعلم بالصواب [2] تفسير : وعن عمر رضى عنه قال حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا رفع يديه فى الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه تفسير : وذلك ليصل شئ من البركة الفائضة على اليد الى الوجه كما قال تعالى {أية : سيماهم فى وجوههم من اثر السجود} تفسير : [الفتح: 29]. وذلك المسح فى الحقيقة رجوع الى الحقيقة الجامعة فان الوجه هو الذات كما قال فى الاسرار المحمدية ان الانسان حال دعائه متوجه الى الله تعالى بظاهره وباطنه ولذا يشترط حضور القلب فيه وصحة الاستحضار فسر الرفع والمسح ان اليد الواحدة مترجمة عن توجهه بظاهره واليد الاخرى عن توجهه بباطنه واللسان مترجم عن جملته ومسح الوجه هو التبرك والتنبيه على الرجوع الى الحقيقة الجامعة بين الروح والبدن لان وجه الشئ حقيقته والوجه الظاهر مظهرها وقال ايضا السنة للداعى فى طلب الحاجة له ان ينشرهما يعنى كفيه الى السماء وللمكروب ان ينصب ذراعيه حتى يقابل بكفيه وجهه واذا دعا على احد ان يقلب كفيه ويجعل ظهرهما الى السماء والسنة ان يخرج يديه حين الدعاء من كميه. قال سلطان العارفين ابو يزيد البساطمى دعوت الله ليلة فاخرجت احدى يدى والاخرى ما قدرت على اخراجهما من شدة البرد فنمت فرأيت فى منامى ان يدى الظاهرة مملوءة نورا والاخرى فارغة فقلت ولم ذاك يارب فنوديت اليد التى خرجت ان يدى الظاهرة مملوءة نورا والاخرى فارغة فقلت ولم ذاك يا رب فنوديت اليد التى خرجت للطلب ملأناها والتى توارت حرمناها ورفع الايدى الى السماء والنظر اليها وقت الدعاء بمنزلة ان يشير سائل الخزانة السلطانية ثم بطلب من السلطان ان يفيض عليه سجال العطاء من هذه الخزانة قال تعالى {أية : وفى السماء رزقكم وما توعدون} تفسير : [الذاريات: 22]. فالسماء قبلة الدعاء ومحل نزول البركات والافضل ان يبسط كفيه ويكون بينهما فرجة. وان قلت ولا يضع احدى يديه على الاخرى فان كان وقت عذر او برد فاشار بالمسبحة قام مقام بسط كفيه. والمستحب ان يرفع يديه عند الدعاء بحذاء صدره كذا روى ابن عباس رضى الله عنهما فعل النبى عليه السلام كذا فى القنية {انه لا يحب المعتدين} اى المجاوزين ما امروا به فى الدعاء وغيره نبه به على ان الداعى ينبغى ان لا يطلب ما لا يليق كرتبة الانبياء والصعود الى السماء وقيل هو الصياحُ فى الدعاء والاسهاب فيه. وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : سيكون قوم يعتدون فى الدعاء وحسب المرء ان يقول اللهم انى اسألك الجنة وما قرّب اليها من قول وعمل واعوذ بك من النار وما قرّب اليها من قول وعمل ثم قرأ انه لا يحب المعتدين " . تفسير : فاللائق للداعى ان يدعو باهمّ الامور وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار كما قال النبى عليه السلام للاعرابى الذى قال انى اسأل الله الجنة واعوذ به من النار انى لا اعرف دندنتك ولا دندنة معاذ وقال "حديث : حولهما ندندن " . تفسير : ومعناه انى لا اعرف ما تقول انت ومعاذ يعنى من الاذكار والدعوات المطولة ولكنى اختصر على هذا المقدار فاسأل الله الجنة واعوذ به من النار ومعنى قوله عليه السلام "حديث : حولهما ندندن " . تفسير : ان القصد بهذا الذكر الطويل الفوز بهذا الاجر الجزيل.

الطوسي

تفسير : قرأ أبو بكر {خفية} بكسر الخاء - ها هنا - وفي الأنعام. الباقون بضمهما، وهما لغتان. أمر الله تعالى عباده المكلفين أن يدعوه والدعاء، طلب الفعل بطريقة (اللهم افعل) وقد يجيء بطريقة غفر الله له، فهذه صيغة الخبر، والأول صيغة الأمر غير أنه إِنما يسمى أمراً اذا كان المقول له دون القائل، وإِن كان فوقه سمي دعاء وطلباً. وأما قول القائل: يا الله يا رحمن يا رحيم يا غفور يا قدير يا سميع وما أشبه ذلك من اسماء الله، فانما هو على جهة النداء ومعناه التعظيم. وقوله {تضرعاً} فالتضرع التذلل، وهو اظهار الذل الذي في النفس، ومثله الخشع ومنه الطلب لأمر من الأمور. وأصل التضرع الميل في الجهات ذلاً من قولهم: ضرع الرجل يضرع ضرعاً إِذا مال بأصبعه يميناً وشمالاً، ذلاً وخوفاً. ومنه ضرع الشاة، لأن اللبن يميل. ومنه المضارعة للمشابهة لأنها تميل الى شبهه بمعنى المقاربة، والضريع نبت لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنه يميل مع كل داء. وقوله {وخفية} فالخفية خلاف العلانية. قال ابن عباس: الخفية هي السرُّ، وبه قال الحسن. وقال أبو علي: إِنما ذاك لئلا يشوب الدعاء معنى الرياء، وحد الاخفاء خلاف حد الاظهار، والاظهار اخراج الشىء الى حيث يقع عليه الادراك. والاخفاء إِغماضه بحيث لا يقع عليه الادراك. وقوله {إِنه لا يحب المعتدين} فالمحبة من الله تعالى للعبد إِرادة الثواب، ولذلك يحب المؤمن ولا يحب الكافر، ويحب الصلاح ولا يحب الفساد. والاعتداء تجاوز حد الحق أي لا تتجاوزوا حدَّ الحق في الدعاء فتطلبوا منازل الانبياء وما لا يجوز أن يعمل في الدنيا - في قول أبي مجلز - وقال ابن جريج يكره الصياح في الدعاء و {تضرعاً وخفية} مصدران في موضع الحال، وتقديره ادعوا الله متضرعين في حال السر والعلانية. والخفية والاخفاء، والخيفة والخوف والرهبة نظائر. والهمزة في الاخفاء منقلبة عن الياء بدلالة الخفية والاخفاء، ضد الاعلان. ويقال أحفيت الشىء اذا أظهرته قال الشاعر: شعر : يحفى التراب بأظلاف ثمانية

الجنابذي

تفسير : {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ} كأنّه قال اذا كنتم كذلك فادعوا ربّكم، والدّعاء يستعمل فى طلب ذات المدعوّ وفى طلب امرٍ آخر منه كأنّ المدعوّ فى الحقيقة هو ذلك الامر، والمدعوّ مطلوب من باب المقدّمة وكلّما اطلق الدّعاء كان المطلوب ذات المدعوّ لا امراً غيره الاّ اذا قامت قرينة على انّ المطلوب غيره، والمطلوب هناك ذات المدعوّ كأنّه قال انّه حاضر عليكم فى تدبير اموركم وانتم غائبون عنه فادعوه الى بيوت قلوبكم حتّى تحضروا عنده بخروجكم عن غيبتكم؛ وهو مشعر بما قالت الصّوفيّة من الفكر والحضور {تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} مصدر ان لادعوا من غير مادّته فانّ التّضّرع والخفية عبارة عن نوعى الدّعاء ما يظهر على اللّسان وما لا يظهر، فانّ التّضرّع ملازم للظّهور على اللّسان او ما يجهر به وما لا يجهر به فانّ التّضرّع قلّما يخلو عن جهرٍ او بتقدير المصدر اى دعاء تضرّع وخفية، او حالان بكون المصدر بمعنى المشتقّ او بتقدير مضافٍ اى ذوى تضرّع، ولا استبعاد فى ان يقال: المراد بالتّضرّع هو الدّعاء مع الشّعور به سواء كان بلسان القالب او بلسان القلب، وبالخفية هو الدّعاء بلسان الحال والاستعداد من غير استشعارٍ به فانّ الخفية الحقيقيّة هى الّتى لا يستشعر الدّاعى بها، وتعلّق الامر والتّكليف بها باعتبار مقدّماتها الّتى هى بشعوره واختياره، او يقال: المراد بالتّضرّع هو الدّعاء بلسان القالب وبالخفية هو الدّعاء بلسان القلب شاعراً بهما؛ وهما اللّذان يسمّيان فى عرف الصّوفيّة بالّذكر الجلىّ والّذكر الخفىّ {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} المتكبّرين المستنكفين عن الدّعاء المتجاوزين مرتبتهم وشأنهم، لانّه من لا يدعو الله من العباد فقد تجاوز عن شأن عبوديّته، او المراد بالمعتدين المتجاوزون فى الدّعاء حدّ الدعاء وشأن الدّاعى من التّضرّع والانكسار او حدّ الوسط بالاجهار بالصّوت فى الدّعاء، او حدّ الوسط بين التّرك والاصرار فانّه ورد: انّه ما زال المظلوم يدعو على الظّالم حتّى يصير ظالماً.

اطفيش

تفسير : {ادْعُوا ربَّكم} سلوه قضاء حوائجكم الدنيوية والأخروية، والدعاء عبادة، فإن الداعى معترف بأنه عاجز عن حاجته، وأن الله جل وعلا قادر عليها وعالم بها {تَضرُّعا} تذللا واستكانة وتملقاً {وخُفْيةً} خفاء وسراً، بين دعاء السر ودعاء الجهر سبعون ضعفا قاله الحسن، وقال: إن الله يحب التقى والدعاء الخفى، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة وعنده زائروه وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه فى السر، فيكون علانية أبداً. ولقد كان المسلمون يجتهدون فى الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وأثنى الله على زكريا بقوله: {أية : إذ نادى ربه نداءً خفيا} تفسير : وجهر الناس بالتكبير فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيها الناس أربعوا على أنفسكم، أى قفوا عن هذا الجهير إنكم لا تدعون أصم ولا أعمى ولا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة" تفسير : وتضرعا وخفية مفعول مطلق، أى دعاء تضرع وخفية، أو حال على المبالغة، أو بتقدير ذوى تضرع وخفية، أو متضرعين وخافيا دعاؤكم. وعن الحسن: التضرع أيضاً السر، وهو فعل القلب، وقال الزجاج: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} اعبدوه باستكانة واعتقاد ذلك فى القلوب، وكل من العبادات والدعاء أدبه السر إلا الفرائض، فإظهارها أفضل إذ يؤمن الرياء بها، وإن لم يؤمن أخفيت، وإن كان يتهم عليها أظهر، وجاهد الرياء، وقيل: إظهار العبادات مطلقا ولو نفلا أفضل ليقتدى بها، وإذا حضر الرياء جاهده ونفاه. وقيل: إن أمن الرياء أظهر للاقتداء وإلا أخفى، وذكرت كلاما فى الصلاة فى المسجد فى شرح النية يشمله عموم هذا الكلام، ورجح بعض قول الزجاج بأن الأصل فى العطف التغاير، والدعاء مذكور بعد، فليكن الذى هنا بمعنى العبادة، وليس ترجيحا قويا لجواز العكس بأن يكون هذا عبادة، وذاك سؤالا، وإن يكونا معا سؤالا لكتة تأتى إن شاء الله، وقرأ عاصم عن أبى بكر بكسر الخاء وهو لغة، وقيل: المكسور بمعنى الخوف، وقرأ بعض خيفة بتقديم الياء أى خوفا، ونسبت للأعمش. {إنَّه لا يُحبُّ المعْتدِينَ} أى المعتدين إلى ما لا يجوز كرفع الصوت بالدعاء والإلحاح فيه، وطلب معصية وما لا يجوز كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء، ولإسهاب فيه والاستغراق، وفى الحديث: "حديث : سيكون قوم يعتدون فى الظهور والدعاء وحسب المرء أن يقول: اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ثم قرأ إنه لا يحب المعتدين" تفسير : وكالإسراف فى الأكل والشرب واللباس، وعن ابن جريج: الصياح فى الدعاء مكروه وبدعة، وقرأ ابن أبى عبلة: إن الله لا يحب المعتدين.

اطفيش

تفسير : {ادْعُوا رَبَّكُمْ} اسأَلوه مصالحكم الدينية والدنيوية والأخروية، وهو مخ العبادة، وما من شئ أكرم على الله من الدعاءِ، ورد ذلك فى الحديث لأَن فيه تذللا واعترافا بعجزه وعجز غيره، وبقدرة الله عز وجل على الإيصال إِلى الخير، وبعلمه بحوائج العباد ودعائهم {تَضَرُّعًا} تذللا أَو استكانة أَو تملقا، وقيل معناه جَهْرًا {وَخفْيَةً} أَى سرًّا، والمعنى متضرعين وخافين أَى ذوى خفاء فى الدعاءِ أَو ذوى تضرع وخفية. قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا. وكان المسلمون يجتهدون فى الدعاءِ ولا يسمع لهم صوت فما كان إِلا همسا بينهم وبين ربهم، والإِخفاء أَنسب بالإِخلاص ودليل عليه، وقد قال الله عز وجل "أية : إِذ نادى ربه نداء خفيا" تفسير : [مريم: 3] ويجوز الجهر ليتعلم جاهل، وللتأمين وإِزالة وحشة أَو نوم وإِدخال سرور وقهر مبتدع، ولترغيب السامع ولكل عارض من الخير، ويجتنب الرئاء والسمعة. وقال لقوم يجهرون: أَيها الناس، اربعوا على أَنفسكم إِنكم لا تدعون أَصم ولا غائبا، إِنكم تدعون سميعا بصيرا. وهو معكم، وهو أَقرب إِلى أَحدكم من عنق راحلته. رواه أَبو سعيد، وتستثنى التلبية فإِنه يجهر بها جدا {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فى الدعاءِ بالتوسع فيه بغير احتياط عما يكره أَو لا يجوز، وعن الرغبة فى الدنيا وكونها أَكبر همه، وطلبه ما لا يليق كالصعود إلى السماءِ، ورتبة الأَنبياءِ والصيام فيه، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيكون قوم يعتدون فى الدعاء وحسب المرء أَن يقول: اللهم إِنى أَسأَلك الجنة وما قرب إِليها من قول وعمل"تفسير : ، ثم قرأَ: إِنه لا يحب المعتدين، ويحرم الدعاء بالنبوة إِجماعاً، والصحيح تحريم ما خص بالأَنبياء لأَن الدعاءَ به اعتداء، والله لا يحب المعتدين، وستر الأَيدى بدعة محرمة مخالفة للسنة. وذلك من الاعتداء فى الدعاء إِذ جعل غير الشرع شرعاً إِلا إِن كان إِنسان فى جملة ناس لا يدعون معه فله إِخفاء يديه فى الدعاء بحيث لا يعرفون أَنه يدعو، ومن الاعتداء فى الدعاء الدعاء على الفاسق أَن يموت مشركاً حتى قيل إِن الداعى بذلك مشرك، والصحيح كفره كفر نعمة، وأَما أَن يدعو على فاسق بالموت على غير توبة فأَجازه بعض أَصحابنا. والمختار المنع كأَنه غير منصوص عليه فلا يحال بينه وبين التوبة {وَلاَ تُفْسِدُوا فى الأَرْضِ} بالإِشراك والمعاصى وأَخلاق السوء والجهل {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بالتوحيد والطاعة ومكارم الأَخلاق بواسطة الأَنبياء والكتب والعقول والأَحكام الشرعية {وَادْعُوهُ} اعبدوه {خَوْفًا} من طرده {وَطَمَعًا} فى تقريبه، أَى خائفين وطامعين أَو ذوى خوف وطمع، أَو لخوف من النار لقصورهم فى الأَعمال والطمع فى الجنة لفرط رحمته وفضله، والعبادة لهذا صحيحة عندنا إِلا أَنها ناقصة على العبادة إِجلالا، وزعم قوم من الأَشاعرة أَنها لا تصح، لأَنه ما أَتى بها تعبدا لمولاه وقضاء لحق ألوهيته، وقيل الدعاء فى الموضعين العبادة، وقيل: السؤال وكتمان النفل من العبادة أَفضل إِلا ما خص كصلاة الضحى والتلبية، وإِذا صفا القلب عن الرئاء وقصد الاقتداء فإِظهار النفل أَفضل، وأَما الفرض فإِظهاره أَفضل، وقال بعض قومنا: إِخفاء العبادة أَفضل ولو فرضا، وبعض: إِظهارها أَفضل ولو نفلا ليقتدى به بأَن يظهرها ويجهد نفسه فى مجانبة الرئاء {إِنَّ رَحْمَة اللهِ قَرِيب مِنَ المُحْسِنِينَ} ترجيح للطمع، ولا سيما عند الاحتضار، وتنبيه على ما يتوسل به إِلى الإجابة والقبول وهو الإِحسان لم تذكر الرحمة لإِضافتها إِلى غير مؤنث لأنها ذكرت ولا إِضافة إِليه فى قوله تعالى: إِن الساعة قريب، وأَيضاً هذا مختص بالشعر وأُجيز العكس بل ذكر لتأويله بالرحم بضم الراء كما فى قوله تعالى وأَقرب رحماً أَى رحمة، ولزم عليه جواز تذكير الموعظة بمعنى الوعظ، والذكرى بمعنى التذكير، وقال سعيد بن جبير: لأَنها بمعنى الثواب، ومثله: قيل ذكر لأَنه بمعنى اللطف والإحسان، واعترض بأَن مثل هذا مختص بالشعر أَو لأَنه نعت لمذكر أَى أَمر قريب، واعترض بأَن مثل هذا مختص بالشعر. أَو لأَنه نعت لمذكر أَى أَمر قريب، واعترض بأن مثل هذا شاذ أَو ضرورة ولا يخرج عليه القرآن مثل قولك: هذا ضارب بمعنى إِنسان ضارب، ولا فصاحة لقولك رحمة الله شئ قريب، أَو لشبهه بفعيل بمعنى مفعول حيث يذكر كامرأَة كحيل. وهو خطأ لأَنه هنا بمعنى فاعل فلا يشبه به لمجرد الوزن، وأَيضاً امرأَة كحيل غير مقيس، أو لمصدر الصوت والسير أَو للفرق بين قرب النسب والمكان، وما هنا من المكان مجازاً فإِنه يجب التأنيث فى النسب، ويجوز فى غيره تقول فلانة قريبة منى نسباً وقريبة أَو قريب مكاناً، أَو لأَنه للنسب فهو كقولك امرأَة تامر ولابن بلا تاء، ورد بأَن ذلك فى فاعل لا فى فعيل، وقيل بزيادة المضاف وكأَنه قيل إِن الله قريب. وفيه إِن الأَصل عدم زيادة الأَسماء، وقيل التذكير باعتبار المضاف إِليه كقوله تعالى "أية : فظلت أعناقهم لها خاضعين" تفسير : [الشعراء: 4] ويجاب بأَن الأَعناق بمعنى الأَكابر أَو نحو هذا من الأَوجه. وأَقرب ما يقال أَن فعيلا يذكر مع المؤنث سماعاً فصيحاً لشبهة المصدر، أَو للنسب، أَو لشبه وزن فعيل بمعنى مفعول، وقيل أَنث لأَن المراد به المطر، ويدل له قوله تعالى "أية : وهو الذي يرسل" تفسير : [الأَعراف: 57] إِلخ، واعترض بأَن المطر لا يخص المحسنين، وأُجيب بأَن المراد الترغيب كما أَن الرحمة هكذا لا تخصهم، ومطر الله قريب لا يحسن لكن يحسن بعنوان أَنه معبر بعنوان الرحمة، ومعنى قرب الرحمة من المحسنين قرب الثواب لمن أَحسن بالعبادة والتقوى. لأَن الإِنسان فى كل لحظة يدبر عن الدنيا ويقبل على الآخرة، وهو فى الثواب من موته إِلى أَن يدخل الجنة، أَو رحمة الله توفيقه فإِنه مجاور لهم لا بعيد، والرحمة إِيصال الخير فهى فعل أَو إِرادة الخير فهى صفة.

الالوسي

تفسير : ثم إنه تعالى بعد أن بين التوحيد وأخبر أنه المتفرد بالخلق والأمر أمر عباده أن يدعوه مخلصين متذللين فقال عز من قائل: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ } الذي عرفتم شؤونه الجليلة، والمراد من الدعاء ـ كما قال غير واحد ـ السؤال والطلب وهو مخ العبادة لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وأنه عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه تبارك وتعالى يسمع الدعاء ويعلم الحاجة وهو قادر على إيصالها إليه. ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص ومعرفته ربه بالقدرة والكمال من أعظم العبادات. وقيل: المراد منه هنا العبادة لأنه عطف عليه { أية : وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } تفسير : [الأعراف: 56] والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه وفيه نظر، أما أولاً فلأن المغايرة تكفي باعتبار المتعلقات كما تقول ضربت زيداً وضربت عمراً. وأما ثانياً فلأنها لا تستدعي حمل الدعاء هنا على العبادة بل حمله على ذلك إما هناك أو هنا، وأما ثالثاً فلأنه خلاف التفسير المأثور كما ستعلمه إن شاء الله تعالى: {تَضَرُّعًا } أي ذوي تضرع أو متضرعين فنصبه على الحال من الفاعل بتقدير أو تأويل، وجوز نصبه على المصدرية وكذا الكلام فيما بعد. وهو من الضراعة وهي الذل والاستكانة يقال ضرع فلان لفلان إذا ذل له واستكان، وقال الزجاج التضرع التملق وهو قريب مما قالوا أي ادعوه تذللا، وقيل: التضرع مقابل الخفية واختاره أبو مسلم أي ادعوه علانية. {وَخُفْيَةً } أي سراً. أخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وأنه سبحانه ذكر عبداً صالحاً فرضي له فعله فقال تعالى: { أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً } تفسير : [مريم: 3] وفي رواية عنه أنه قال: « حديث : بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً ». تفسير : وجاء من حديث أبـي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال لقوم يجهرون: « حديث : أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » تفسير : والمعنى ارفقوا بأنفسكم واقصروا من الصياح في الدعاء. ومن هنا قال جمع بكراهة رفع الصوت به. وفي «الانتصاف» «حسبك في تعين الإسرار فيه اقترانه في الآية بالتضرع فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله تعالى [في الدعاء] وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه، وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصاً في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستك المسامع وتستد ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء وكون ذلك في المسجد». وروى ابن جرير عن ابن جريج أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء المشار إليه بقوله سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } وأخرج ابن أبـي حاتم مثله عن زيد بن أسلم. وذهب بعضهم إلى أنه مما لا بأس به، ودعاء المعتدين الذي لا يحبه الله تعالى هو طلب ما لا يليق بالداعي كرتبة الأنبياء عليهم السلام والصعود إلى / السماء. وإن منه ما ذهب جمع إلى أنه كفر كطلب دخول إبليس وأبـي جهل وأضرابهما الجنة وطلب نزول الوحي والتنبـي ونحو ذلك من المستحيلات لما فيه من طلب إكذاب الله تعالى نفسه. وأخرج أحمد في «مسنده» وأبو داود عن سعد بن أبـي وقاص قال: سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } ». تفسير : وفصل آخرون فقالوا: الإخفاء أفضل عند خوف الرياء والإظهار أفضل عند عدم خوفه، وأولى منه القول بتقديم الإخفاء على الجهر فيما إذا خيف الرياء أو كان في الجهر تشويش على نحو مصل أو نائم أو قارىء أو مشتغل بعلم شرعي، وبتقديم الجهر على الإخفاء فيما إذا خلا عن ذلك وكان فيه قصد تعليم جاهل أو نحو إزالة وحشة عن مستوحش أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه أو إدخال سرور على قلب مؤمن أو تنفير مبتدع عن بدعة أو نحو ذلك، ومنه الجهر بالترضي عن الصحابة والدعاء لإمام المسلمين في الخطبة. وقد سن الشافعية الجهر بآمين بعد الفاتحة وهو دعاء ويجهر بها الإمام والمأموم عندهم. وفرق بعضهم بين رفع الصوت جداً كما يفعله المؤذنون في الدعاء بالفرج على المآذن وبين رفعه بحيث يسمعه من عنده فقال: لا بأس في الثاني غالباً ولا كذلك الأول. والظاهر أن المراد بالمعتدين المجاوزون ما أمروا به في كل شيء ويدخل فيهم المعتدون في الدعاء دخولاً أولياً. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أن المعنى في الآية ادعوا ربكم في كل حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة ولا تعتدوا فتدعوا على مؤمن ومؤمنة بشر كالخزي واللعن. وقد اختلف العلماء في كفر من دعا على آخر بسلب الإيمان أو الموت كافراً وهو من أعظم أنواع الإعتداء والمفتى به عدم الكفر. وذكروا للدعاء آداباً كثيرة، منها الكون على طهارة واستقبال القبلة وتخلية القلب من الشواغل وافتتاحه واختتامه بالتصلية على النبـي صلى الله عليه وسلم ورفع اليدين نحو السماء وإشراك المؤمنين فيه وتحري ساعات الإجابة، ومنها يوم الجمعة عند كثير ساعة الخطبة ويدعو فيها بقلبه كما نص عليه أفضل متأخري مصره الفاضل الطحطاوي في «حواشيه على الدر المختار» فيما نقله عنه أفقه المعاصرين ابن عابدين الدمشقي ووقت نزول الغيث والإفطار وثلث الليل الأخير وبعد ختم القرآن وغير ذلك مما هو مبسوط في محله.

ابن عاشور

تفسير : استئناف جاء معترضاً بين ذكر دلائل وحدانية الله تعالى بذكر عظيم قدرته على تكوين أشياء لا يشاركه غيره في تكوينها. فالجملة معترضة بين جملة {أية : يغشى الليل النهار}تفسير : [الأعراف: 54] وجملة: {أية : وهو الذي يرسل الرياح}تفسير : [الأعراف: 57] جرى هذا الاعتراض على عادة القرآن في انتهاز فُرص تهنُّؤ القلوب للذّكرى. والخطاب بــــ {ادعوا} خاص بالمسلمين لأنّه تعليم لأدب دعاء الله تعالى وعبادته، وليس المشركون بمتهيّئين لمثل هذا الخطاب، وهو تقريب للؤمنين وإدناء لهم وتنبيه على رضى الله عنهم ومحبّته، وشاهدُه قوله بعده: {أية : إن رحمت الله قريب من المحسنين}تفسير : [الأعراف: 56]. والخطاب مُوَجَّه إلى المسلمين بقرينة السياق. و(الدّعاء) حقيقته النّداء، ويطلق أيضاً على النّداء لطلب مهمّ، واستعمل مجازاً في العبادة لاشتمالها على الدّعاء والطّلب بالقول أو بلسان الحال، كما في الرّكوع والسّجود، مع مقارنتها للأقوال وهو إطلاق كثير في القرآن. والظاهر أنّ المراد منه هنا الطّلب والتّوجه، لأنّ المسلمين قد عبدوا الله وأفردوه بالعبادة، وإنّما المهمّ إشعارهم بالقرب من رحمة ربّهم وإدناء مَقامهم منها. وجيء لتعريف الرّب بطريق الإضافة دون ضمير الغائب، مع وجود معاد قريب في قوله: {أية : تبارك الله}تفسير : [الأعراف: 54] ودون ضمير المتكلّم، لأنّ في لفظ الرّب إشعاراً بتقريب المؤمنين بصلة المربوبية، وليتوسّل بإضافة الرّب إلى ضمير المخاطبين إلى تشريف المؤمنين وعناية الرّب بهم كقوله: {أية : بل الله مولاكم}تفسير : [آل عمران: 150]. والتّضرّع: إظهار التّذلل بهيئة خاصة، ويطلق التّضرع على الجهر بالدّعاء لأنّ الجهر من هيئة التّضرع، لأنّه تذلّل جهري، وقد فُسّر في هذه الآية وفي قوله في الأنعام (63): {أية : تدعونه تضرعاً وخفية} تفسير : بالجهر بالدّعاء، وهو الذي نختاره لأنّه أنسب بمقابلته بالخُفية، فيكون أسلوبه وفقا لأسلوب نظيره في قوله {أية : ادعوه خوفاً وطمعاً}تفسير : [الأعراف: 56] وتكون، الواو للتقسيم بمنزلة (أو) وقد قالوا: إنّها فيه أجود من (أوْ). ومن المفسّرين من أبقى التّضرع على حقيقته وهو التّذلل، فيكون مصدراً بمعنى الحال، أي متذلّلين، أو مفعولاً مطلقاً لــــ {ادعوا}، لأنّ التّذلّل بعض أحوال الدّعاء فكأنّه نوع منه، وجعلوا قوله: وخفية} مأموراً به مقصوداً بذاته، أي ادعوه مُخفين دعاءكم، حتّى أوهم كلام بعضهم أنّ الإعلان بالدّعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه، وهذا خطأ: فإنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم دعا علَناً غير مرّة. وعلى المنبر بمسمع من النّاس وقال: «حديث : اللّهمّ اسْقِنا» تفسير : وقال: «حديث : اللّهمّ حَوالَيْنا ولا علينا»تفسير : وقال: «حديث : اللّهمّ عليك بقريش» تفسير : الحديث. وما رويت أدعيته إلاّ لأنّه جهر بها يسمعها من رَوَاها، فالصّواب أنّ قوله: {تضرعاً} إذنٌ بالدّعاء بالجهر والإخفاء، وأمّا ما ورد من النّهي عن الجهر فإنّما هو عن الجهر الشّديد الخارج عن حدّ الخشوع. وقرأ الجمهور {وخفية}ــــ بضمّ الخاء ــــ وقرأه أبو بكر ــــ بكسر الخاء ــــ وتقدّم في الأنعام. وجملة {إنه لا يحب المعتدين} واقعة موقع التّعليل للأمر بالّدعاء، إشارة إلى أنّه أمر تكريم للمسلمين يتضمّن رضى الله عنهم، ولكن سلك في التّعليل طريق إثبات الشّيء بإبطال ضدّه، تنبيهاً على قصد الأمرين وإيجازاً في الكلام. ولكون الجملة واقعَة موقع التّعليل افتتحت بــــ (إنّ) المفيدة لمجرّد الاهتْمام، بقرينة خلو المخاطبين عن التّردد في هذا الخبر، ومن شأن (إنّ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تفيد التّعليل والرّبط، وتقوم مقام الفاء، كما نبّه عليه الشّيخ عبد القاهر. وإطلاق المحبّة وصفاً لله تعالى، في هذه الآية ونحوها، إطلاقٌ مجازي مراد بها لازم معنى المحبّة، بناء على أنّ حقيقة المحبّة انفعال نفساني، وعندي فيه احتمال، فقالوا: أريد لازم المحبّة، أي في المحبوب والمحِب، فيلزمها اتّصاف المحبوب بما يرضي المحِب لتنشأ المحبّة التي أصلها الاستحسان، ويلزمها رضى المحِب عن محبوبه وإيصال النّفع له. وهذان اللاّزِماننِ مُتَلازمان في أنفسهما. فإطلاق المحبّة وصفاً لله مجاز بهذا اللاّزم المركب. والمراد بــــ {المعتدين}: المشركون، لأنّ يرادف الظّالمين. والمعنى: ادعوا ربّكم لأنّه يحبّكم ولا يحبّ المعتدين، كقوله: {أية : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}تفسير : [غافر: 60] تعريض بالوعد بإجابة دعاء المؤمنين وأنّه لا يستجيب دعاءَ الكافرين، قال تعالى: {أية : وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال}تفسير : [الرعد: 14] على أحد تأويلين فيها. وحمل بعض المُفسّرين التّضرّع على الخضوع، فجعلوا الآية مقصورة على طلب الدّعاء الخفي حتّى بَالغ بعضهم فجعل الجهر بالدّعاء منهياً عنه، وتجاوز بعضهم فجعل قوله: {إنه لا يحب المعتدين} تأكيداً لمعنى الأمر بإخفاء الدّعاء، وجعل الجهر بالدّعاء من الاعتداء والجاهرين به من المعتدين الذين لا يحبّهم الله. ونقل ذلك عن ابن جريج، وأحسب أنّه نقلٌ عنه غير مضبوط العبارة، كيف وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم جهراً ودعا أصحابه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ادعوا ربكم: سلوه حوائجكم الدنيوية والأخروية فإنّه ربّكم فلا تستحيوا من سؤاله. تضرعاً وخفية: أي حال كونكم ضارعين متذللين مخفي الدعاء غير رافعين أصواتكم به. المعتدين: أي في الدعاء وغيره والاعتداء في الدعاء أن يسأل الله ما لم تجر سنته بإعطائه أو إيجاده أو تغييره كأن يسأل أن يكون نبياً أو أن يرد طفلاً أو صغيراً، أو يرفع صوته بالدعاء. ولا تفسدوا في الأرض: أي بالشرك والمعاصي بعد إصلاحها بالتوحيد والطاعات. المحسنين: الذين يحسنون أعمالهم ونياتهم، بمراقبتهم الله تعالى في كل أحوالهم. معنى الآيات: لما عرّف تعالى عباده بنفسه وأنه ربهم الحق وإلههم، وأنه الخالق الآمر المتصرف بيده كل شيء أمرهم إرشاداً لهم أن يدعوه، وبين لهم الحال التي يدعونه عليها، ليستجيب لهم فقال: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً} أي تذللاً وخشوعاً {وَخُفْيَةً} أي سراً جهراً، ونهاهم عن الاعتداء في الدعاء حيث أعلمهم أنه لا يحب المعتدين، والاعتداء في الدعاء أن يُدْعَى غير الله تعالى أو يدعى معه غيره، ومنه طلب ذوات الأسباب بدون إعداد أسبابها، أو سؤال ما لم تجر سنة الله به كسؤال المرء أن يكون نبياً أو يرد من كهولته إلى شبابه أو من شبابه إلى طفولته. ثم بعد هذا الإِرشاد والتوجيه إلى ما يكملهم ويسعدهم نهاهم عن الفساد في الأرض بعد أن أصلحها تعالى والفساد في الأرض يكون بالشرك والمعاصي، والمعاصي تشمل سائر المحرمات كقتل الناس وغصب أموالهم وإفساد زروعهم وإفساد عقولهم بالسحر والمخدرات وأعراضهم بالزنى والموبقات. ومرة أخرى يحضهم على دعائه لأن الدعاء هو العبادة وفي الحديث الصحيح "الدعاء هو العبادة" فقال: ادعوا ربكم أي سلوه حاجتكم حال كونكم في دعائكم خائفين من عقابه طامعين راجين رحمته وبين لهم أن رحمته قريب من المحسنين الذين يحسنون نيّاتهم وأعمالهم ومن ذلك الدعاء فمن أحسن الدعاء ظفر بالإِجابة، فثواب المحسنين قريب الحصول بخلاف المسيئين فإنه لا يستجاب لهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- وجوب دعاء الله تعالى فإن الدعاء هو العبادة. 2- بيان آداب الدعاء وهو: أن يكون الداعي ضارعاً متذللاً، وأن يخفي دعاءه فلا يجهر به، وأن يكون حال الدعاء خائفاً طامعاً، وأن لا يعتدي في الدعاء بدعاء غير الله تعالى أو سؤال ما لم تجر سنة الله بإعطائه. 3- حرمة الإِفساد في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها الله تعالى بالإِسلام. 4- الترغيب في الإِحسان مطلقاً خاصاً وعاماً حيث أن الله تعالى يحب أهله.

القطان

تفسير : تضرعا: تذلّلا، ويقال تضرع له، إذا اظهر الذل في مَعِرض السؤال. خفية: سرا ضد العلانية. لا يحب المتعدين: المتجاوزين الحدود، ومعنى لا يحبُّهم أنه لا يجازيهم بالثواب. بعد ان ذكر سبحانه وتعالى الأدلةَ على توحيد الربوبية، امر بتوحيد الألوهية أي إفراده تعالى بالعبادة. اذا كان الله قد أنشأ الكونَ وحده، فاعدوه متضرّعين مبتهِلين، جهراً وغير جهر. والدعاء خفية أفضلُ، لما روى أبو موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفَر فجعل الناس يجِدُّون بالتكبير فقال رسول الله: "حديث : أيها الناس، اربَعوا على أنفسِكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا. إنكم سَميعاً قريباً وهو معكم" تفسير : رواه مسلم ومعنى اربَعوا على انفسكم: ارفقوا بأنفسكم. وفي الحديث ايضا "حديث : خيرُ الذِكر الخَفِي، وخير الرزق ما يكفي" تفسير : رواه احمد وابن حبان وابو يعلى عن سعد بن ابي وقّاص رضي الله عنه. وفصّل بعض العلماء فقال: ان التضرُّع بالجهر المعتدِل يحسُن في حال الخَلوة، والأمنِ من رؤية الناس للداعي وسماعهم لصوته. أما الدعاء خفيةً فيحسُن في حال اجتماع الناس في المساجد وغيرِها إلى ما ورد في رفعُ الصوت من الجميع كالتلبيةِ في الحج وتكبير العيدين. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}. لا تعتدوا بإشراك غيره معه في الدعاء او بظلم أحدٍ من الناس، فان الله لا يحب ذلك. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}. ولا تفسِدوا في الأرض بإشاعة المعاصي والعدوان، بعد أن أصلحها الله بما خلق فيها من المنافع وما هدى الناس اليه من الاستغلال. والإفساد هنا شامل لإفساد العقول والعقائد والآداب الشخصية، والاجتماعية من جميع وجوهها. وبعد ان بيّن في الآية الأولى كيفيّةَ الدعاءِ أعاد الأمر به في الآية الثانية. وذلك إيذاناً بانَّ من لا يعرف أنه محتاج إلى رحمة ربه، ولا يدعو ربه تضرّعاً وخفية - يكون أقربَ الى الإفساد منه الى الاصلاح فقال: {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} ادعوه سبحانه خائفين من عقابه، طامعين في ثوابه. ثم إنه بيّن فائدة الدعاء وعلّل سبب طلبه فقال: {إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، إن رحمته قريبة من كل محسِن، وهي أكيدةٌ محققة. والجزاء من جنس العلم، فمن أحسن في عبادته نال حُسن الثواب، ومن احسن في الدعاء نال خيراً مما طلب وقريب (فعيل) يوصف بها المذكر والمؤنث.

د. أسعد حومد

تفسير : (55) - يُرْشِدُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلى دُعَائِهِ بِتَضَرُّعٍ وَبِصُورَةٍ خَفِيَّةٍ. (أَيْ بِخُشُوع وَصِحَّةِ يَقِينٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ وَبِربُوبيَّتِهِ) لا جَهَاراً وَلا مُرَاءَاةً، فَاللهُ لاَ يُحِبُّ أَنْ يَتَجَاوَزُوا فِي الدُّعَاءِ حُدُودَ مَا أُمِرُوا بِهِ (كَالمُبَالَغَةِ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الدُّعَاءِ، أَوْ طَلَبِ العَوْنِ مِنَ اللهِ عَلَى ارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالمُنْكَرَاتِ، أَوِ التَّوجُّهِ بِالدُّعَاءِ إِلى غَيْرِ اللهِ لِيَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ...). ادْعُوا رَبَّكُمْ - اسْأَلُوهُ قَضَاءَ حَاجَاتِكُمْ. تَضَرُّعاً - مُظْهِرِينَ الضَّرَاعَةَ وَالذِّلَّةَ وَالاسْتِكَانَةَ وَالخُشُوعَ. خُفْيَةً - سِرَاً فِي أَنْفُسِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والدعاء إنما يكون من عاجز يدعو أو قادراً على إنجاز وتحقيق ما عجز عنه أو يعينه عليه. وعندما تشعر أنك عاجز فأنت ترتكن إلى من له مطلق القدرة؛ لأن قدرتك محدودة. إذن فإن كنت تطغى أو تتكبر فاعرف مكانتك ومنزلتك جيداً وتراجع عن ذلك لأنك عرض زائل، والدعاء هو تضرع، وذلة، وخشوع، وإقرار منك بأنك عاجز، وتطلب من ربك المدد والعون. واستحضار عجزك وقدرة ربك تمثل لك استدامة اليقين الإِيماني. وما جعل ربنا للناس حاجات إلا من أجل ذلك؛ لأن الإِنسان إذا ما رأى الأشياء تنفعل له، ويبتكر ويخترع فقد يأخذه الغرور، فيأتي له بحاجة تعز وتعجز فيها الأسباب، فيقف ليدعو. ومن كان متكبراً وعنده صلف وغطرسة يذهب إلى رجل "غلبان" زاهد تجرد من الجاه والسلطان منقطع لعبادة الله ويقول له: أستحلفك برسول الله أن تدعو لي لأني في أزمة والذي يسأل الغلبان الزاهد هو رجل عزيز في قومه لكنه يظن أن الغلبان الزاهد أقرب إلى الله منه. إذن الدعاء هو الضراعة وإظهار الذلة والخشوع لله؛ لكي يستديم اليقين الإِيماني. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً...} [الأعراف: 55] وإياك أن تدعو وفي بالك أن تقضي حاجتك بالدعاء، عليك بالدعاء فقط لقصد إظهار الضراعة والذلة والخشوع، ولأنك لو لم تدع فستسير أمورك كما قُدر لها، والدعاء هو إظهار للخشوع، وإياك أن تفهم أنك تدعو الله ليحقق لك مطالبك؛ لأنه سبحانه منزه أن يكون موظفاً عندك، وهناك نظام وضعه سبحانه لتحقيق مطالب العباد. ومن الناس من يطلب بالدعاء أشياء ضارة. {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11] والإِنسان قد يتعلق قلبه بأماني قد تضره؛ لذلك نقول: لا تتعجل بالدعاء طلباً لأمنيات قد تكون شراً عليك، والحق العليم ينظم لنا أمورنا، وإياك أيضاً أن تيأس حين لا تجاب دعوتك التي في بالك؛ لأن الله يحقق الخير لعباده. ولو حقق لك بعضاً مما تدعو فقد يأتي منها الشر، ويترك الله لأقضيتك أموراً تبين لك هذا، وتقول: إن الشيء الفلاني الذي كنت أتمناه تحقق وجاء شراً عليّ. مثال ذلك قد تحجز لطائرة لكنك لا تلحق بها فقد أقلعت قبل أن تصل إليها وحزنت لأن بعضاً من مصالحك قد فاتك ولم يتحقق وتفاجأ بأن هذه الطائرة سقطت في البحر. إذن، اجعل حظك من الدعاء هو الخشوع والتذلل والضراعة له سبحانه لا إجابتك إلى ما تدعو إليه، إنك دعوت لتطلب الخير، فدع الحق بقيوميته وعلمه يحقق لك الخير. واسمع قول الله: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإِسراء: 11] إذن فحين يقول الحق: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} فسبحانه يطلب منا أن ندعوه لأننا سنواجه لحظات متعددة نعجز فيها عن أشياء، فبدلاً من أن تظل مقهوراً بصفة العجز عن الشيء اذكر أن لك رباً قويا مقتدراً، وساعة تذكر ذلك لن تأخذك الأسباب من حظيرة الإِيمان. وقلنا من قبل: من له أب لا يحمل هماً للحياة، فإذا كان الذي له أب لا يحمل هماً لمطلوبات الحياة فمن له رب عليه أن يستحي ويعرف أن ربه سيوفر له الخير؛ لذلك يوضح سبحانه: إذا أعجزتكم الأسباب فاذكروا أن لكم رباً. وقد طلب منكم أن تدعوه، ولا تظن أن حظك من الدعاء أن تجاب إلى ما طلبت، بل ليكن حظك من الدعاء إظهار التذلل والخشوع لله؛ فقد يكون ما حدث لك نتيجة أنك قد اغتررت بنفسك. وقد سبق "قارون" إلى الغرور، فماذا حدث له؟.. لقد هزمه الحق وأنزل به شر العقاب. وقد يجعل الحق من تأبّى الأسباب وامتناعها عليك مغزى لتلتفت إلى الله، لكن لفتتك لله لا يصح أن تكون بغرض أن يقضي حاجتك، بل اجعل أساس لفتتك لله أن تظهر العجز أمامه والخضوع والخشوع؛ ليعيط ما لم يكن في بالك حين تدعو. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً...} [الأعراف: 55] خفية لها معنى وهو أن يكون الدعاء دعاءً مستوراً مختبئاً، ولها معنى آخر وهو أن تكون من الخوف أي أدعو ربكم خوفاً من متعلقات صفات الجلال كالجبار والقهار أو خوفا من أن يردها الله عليك فلا يقبلها منك. ادعوا ربكم تضرعاً بذلة وانكسار وخضوع خفية بينك وبين ربك، فلا تجهر بالدعاء وتجعله عملك الوحيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا حينما كان في غزوة غزاها فنزل أصحابه وادياً، فلما نزلوا الوادي صاحوا بالتهليل والتكبير، فقال: "حديث : أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصمَّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم ". تفسير : والدعاء إلى الله خُفية يبتعد بك عن الرياء وهو أستر لك في مطلوباتك من ربك لأنه حين يوضح لك: ادعني في سرّك لأنني سميع عليم؛ فاعلم كل ما ظهر منك وما بطن، ادع بالخضوع والخشوع والتذلل لتنكسر فيك شهوة الكبرياء، وشهوة الغطرسة، وشهوة الجبروت. وإذا ما نظرت إلى هذا تجد أن كثيراً من العلماء يقولون: - نعرف قوماً يقرأون القرآن في محضرنا وما عرفنا لشفاههم حركة، وعرفنا قوماً يستنبطون الأحكام من كلام الله وما رأينا منهم انفعالاً يصرفهم عناً.إذن فالمسألة تعبر عن شغل باطني داخلي. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبعدنا عن الرياء ويريد أن يستر علينا مطلوباتنا؛ لأن الإِنسان قد يطلب من الله سبحانه وتعالى ما يستحي أن يسمعه آخر. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً...} [الأعراف: 55] ولو نظرت إلى هذه الآية لوجدت أن كثيراً من الناس يخالفونها مخالفات جماعية؛ في الليل مثلاً تجد من يصعدون على المآذن أو يصيحون في مكبرات الصوت التي أغنتهم عن صعود المآذن، ويكون الواحد من هؤلاء نائما طول النهار لأن رفع الأذان هو عمله ليس غير، وبعد ذلك يظل يصرخ ويستغيث ويقول: "أن هذه ابتهالات". بينما من الناس من هو نائم ليأخذ قسطه من الراحة ليؤدي عمله نهاراً، ولا أحد يطلب من هذا النائم إلا أنه وإذا جاء الفجر يستيقظ ويؤدي الصلاة. فلماذا نقلق الناس بهذا؟ إننا لابد أن ننبه هؤلاء الذين يظنون أنهم يذكرون الناس بدين الله، إنهم بعملهم هذا لا يسلكون الطريق الصحيح؛ لأننا لا يمكن أن نذكر الناس بالله ونصنع مخالفة أو نؤذي أحداً؛ فسبحانه يقول: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}. والتضرع والخُفية تقتضي ألا أقلق الناس، أو أن أعلن الأمور التي أريدها لنفسي خاصة بصوت عال مثل من يأتي في ختام الصلاة ويقول دعاءه بصوت عال وهو رافع يديه، ولمثل هذا أقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل لنا القنوت لندعو فيه، وترك كل مسلم أن يدعو بما ينفعل له. وأنت حين تدعو في ختام الصلاة قد يوجد مُصل مسبوق لحق الصلاة بعد أن سبقه الإمام بركعة أو باثنين أو بثلاث ويريد أن يكمل صلاته، وأنت حين ترفع صوتك بالدعاء حين تختم صلاتك إنما تفسد عليه إتمام صلاته. وتشغله بمنطوق من عندك وبكلام من عندك عن شيء واجب عليه. ومن بفعل ذلك إنما يفعله عن حسن نية، لكنه يسيء إلى عبادة آخر. إذن فلابد أن ننتّبه إلى أن الله سبحانه وتعالى له مطلوبات، هذه المطلوبات قد تخالفها النفس لغرض ترى أنه حسن، لكن خذها في إطار: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-401] فلابد أن نتنبه إلى مثل هذه المسائل، وعلينا أن نوفر الراحة لمن ينام ليقوم ويصلي الصبح ويذهب إلى عمله؛ لذلك لا داعي أن يفتح إنسان "الميكروفون" ويعلو صوته بالدعاء، ومن يفعل ذلك يظن أنه يحرص على أمر مطلوب فيزعج النائم، بل ويزعج من يصلي بالليل أو "يشوش" على من يقرأ القرآن أو يستذكر بعضاً من العلم. إن على من يفعل ذلك أن يترك كل إنسان لانفعالاته، وأن يكون ملك نفسه وملك اختياره. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى صوراً كهذه فيقول: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} تفسير : [مريم: 3-4] إذن كلمة "خفي" موجودة في القرآن، ولابد أن نتنبه إلى الدعاء الخفي. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } [الأعراف: 55] إذن إن لم يكن تضرعاً وخفية فهو اعتداء في الدعاء؛ لأنك مكلف والله هو المُكلَف، وهو يقول لك: ادعوني تضرعاً وخفية. فإن فعلت غير هذا تكن معتدياً، وعلى كل هؤلاء أن يفهموا أنهم معتدون فإما أن يكون الاعتداء في أسلوب الطلب وإما ان يكون الاعتداء في المطلوب. لأن الحق حدد أسلوب الطلب فأوضح: ادعوني بخفاء، فإن دعوت في غير الخفاء تكن معتدياً على منهج الله. وكذلك قد يكون الاعتداء في المطلوب فلا يصح مثلاً أن تقول: إنني أدعوك يا رب أن تجعلني نبياً. إن ذلك لا يصح وربنا سبحانه وتعالى علمنا فيما سرده عن نوح. فقال: {أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ * قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود: 45-46] وهنا نبه الحق نوحاً إلى الاعتداء في المطلوب فقال الحق: {أية : فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...} تفسير : [هود: 46] ولذلك نجد نوحاً يستغفر لأنه سأل ودعا الله هذا الدعاء عن غير علم، فلما عرف ذنبه استغفر الله وقال: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ...} تفسير : [هود: 47] وقال له الحق سبحانه: {أية : ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ...} تفسير : [هود: 48] إذن فالذي لا يسمع منهج الله أو لا يطبقه في الدعاء يكون معتدياً على الحق سبحانه وتعالى، وسبحانه لا يحب المعتدين. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن رفع الوسائط أخذاً بالحقائق بقوله تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] إلى قوله: {تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57]. الإشارة فيها: إنه تعالى لمَّا رفع حجب الوسائط بينه وبين العباد بقوله: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}تفسير : [الأعراف: 54] أمرهم بالرجوع في الحاجات إليه، والتضرع في المناجات بين يديه، فقال: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}، والتضرع: ما يطلع عليه الخلق، والخفية: ما يطلع عليه الحق؛ أي: تضرعاً بالجوارح وخفية بالقلوب، وفيه معنى آخر: ادعوا من ربكم بربكم تضرعاً قيماً بأداء حق العبودية وخفية بمطالعة حرق الربوبية، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] الاعتداء في الدعاء: طلب الغير منه والرضا بما سواه، {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 56] في أرض القلوب، {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56]؛ أي: بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب وفساد القلوب في رؤية غير الحق. ويقال: من إفساد القلوب بعد أصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} [الأعراف: 56]؛ أي: لا تدعوا أحداً غيره في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي والمانع والمعز والمذل، وأيضاً {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً} من الانقطاع، {وَطَمَعاً} في الاصطناع، وأيضاً: خوفاً من الاثنينية، وطمعاً في الوحدة. {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، {قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] الذي يذوقون الله في الطاعات؛ أي: يعبدونه طمعاً فيه لا منه، {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57]؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب الهداية، {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} [الأعراف: 57]؛ أي: كل قلب ميت، {فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ} [الأعراف: 57] المحبة، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 57]؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع الكمالات، {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} [الأعراف: 57]؛ موتى القلوب من قبور الصدور، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57]؛ أي: تذكَّروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض القرب عند حظائر القدس. ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب الحي الذي أحياه الله، {أية : وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ}تفسير : [الأنعام: 122]؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، {وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} [الأعراف: 58]، يشير به إلى: أرض النفوس الأمارة التي لا يخرج منها ألاَّ الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة، فمن كان حياً بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله وطاعته، كا هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]، وإن كان القلب ميتاً والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه بالدنيا وما فيها. {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} [الأعراف: 58]؛ أي: تصرف النفوس أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58]؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من آياتنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الدعاء يدخل فيه دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فأمر بدعائه { تَضَرُّعًا } أي: إلحاحا في المسألة، ودُءُوبا في العبادة، { وَخُفْيَةً } أي: لا جهرا وعلانية، يخاف منه الرياء، بل خفية وإخلاصا للّه تعالى. { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } أي: المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل اللّه مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه. { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } بعمل المعاصي { بَعْدَ إِصْلاحِهَا } بالطاعات، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، كما قال تعالى: {أية : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } تفسير : كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، وأحوال الدنيا والآخرة. { وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهٍ. وحاصل ما ذكر اللّه من آداب الدعاء: الإخلاص فيه للّه وحده، لأن ذلك يتضمنه الخفية، وإخفاؤه وإسراره، وأن يكون القلب خائفا طامعا لا غافلا ولا آمنا ولا غير مبال بالإجابة، وهذا من إحسان الدعاء، فإن الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها، وأداؤها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولهذا قال: { إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } في عبادة اللّه، المحسنين إلى عباد اللّه، فكلما كان العبد أكثر إحسانا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبا منه برحمته، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى.