Verse. 1010 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَلَا تُفْسِدُوْا فِي الْاَرْضِ بَعْدَ اِصْلَاحِہَا وَادْعُوْہُ خَوْفًا وَّطَمَعًا۝۰ۭ اِنَّ رَحْمَتَ اللہِ قَرِيْبٌ مِّنَ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۵۶
Wala tufsidoo fee alardi baAAda islahiha waodAAoohu khawfan watamaAAan inna rahmata Allahi qareebun mina almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تُفسدوا في الأرض» بالشرك والمعاصي «بعد إصلاحها» ببعث الرسل «وادعوه خوفا» من عقابه «وطمعا» في رحمته «إن رحمة الله قريب من المحسنين» المطيعين وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لإضافتها إلى الله.

56

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} فيه مسألة واحدة ـ وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قلّ أو كثر بعد صلاحٍ قلّ أو كثر. فهو على العموم على الصحيح من الأقوال. وقال الضحاك: معناه لا تُعَوِّروا الماء المَعِين، ولا تقطعوا الشجر المثمِر ضِراراً. وقد ورد: قطع الدنانير من الفساد في الأرض. وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد في الأرض. وقال القُشَيرِيّ: المراد ولا تشركوا؛ فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرْج في الأرض، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسلَ، وتقرير الشرائع ووضوح مِلّة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن عطية: وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر. قلت: وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على المؤمن، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد عَوّر ماء قَلِيب بدر وقطع شجر الكافرين. وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في «هود» إن شاء الله تعالى. {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوّف وتأميل لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن ٱنفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ }تفسير : [الحجر: 49 و50]. فرجّى وخوّف. فيدعو الإنسان خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه؛ قال الله تعالى: {أية : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً}تفسير : [الأنبياء: 90]. وسيأتي القول فيه. والخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار. والطمع: توقع المحبوب؛ قاله القشيري. وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله»تفسير : . صحيح أخرجه مسلم. قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} ولم يقل قريبة. ففيه سبعة أوجه: أوّلها أن الرَّحمة والرُّحْمُ واحد، وهي بمعنى العفو والغفران؛ قاله الزجاج وٱختاره النحاس. وقال النّضْر بن شُمَيْل: الرحمة مصدر، وحقّ المصدر التذكير؛ كقوله: {أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ}تفسير : [البقرة: 275]. وهذا قريب من قول الزجاج؛ لأن الموعظة بمعنى الوعظ. وقيل: أراد بالرحمة الإحسان؛ ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقياً جاز تذكيره؛ ذكره الجوهريّ. وقيل: أراد بالرحمة هنا المطر؛ قاله الأخفش. قال: ويجوز أن يذكّر كما يذكّر بعض المؤنث. وأنشد:شعر : فلا مُزْنَةٌ وَدَقَت وَدْقَها ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقَالَها تفسير : وقال أبو عبيدة: ذُكّر «قَرِيبٌ» على تذكير المكان، أي مكاناً قريباً. قال عليّ بن سليمان: وهذا خطا، ولو كان كما قال لكان «قَرِيبٌ» منصوباً في القرآن؛ كما تقول: إن زيداً قريباً منك. وقيل: ذكّر على النسب؛ كأنه قال: إن رحمة الله ذات قُرْب؛ كما تقول: ٱمرأة طالق وحائض. وقال الفَرّاء: إذا كان القريب في معنى المسافة يذكّر ويؤنّث، وإن كان في معنى النَسب يؤنث بلا ٱختلاف بينهم. تقول: هذه المرأة قريبتي، أي ذات قرابتي؛ ذكره الجوهريّ. وذكر غيره عن الفرّاء: يقال في النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث؛ يقال: دارك مِنّا قريبٌ، وفلانة منا قريب؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} تفسير : [الأحزاب: 63]. وقال من ٱحتج له: كذا كلام العرب؛ كما قال ٱمرؤ القيس:شعر : له الوَيْلُ إن أمْسَى ولا أمَّ هاشم قرِيبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ٱبنةُ يَشْكُرا تفسير : قال الزجاج: وهذا خطأ؛ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} بالكفر والمعاصي. {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا} ببعث الأنبياء وشرع الأحكام. {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} ذوي خوف من الرد لقصور أَعمالكم وعدم استحقاقكم، وطمع في إجابته تفضلاً وإحساناً لفرط رحمته {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} ترجيح للطمع وتنبيه على ما يتوسل به للإِجابة، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الرحم، أو لأنه صفة محذوف أي أمر قريب، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو الذي هو مصدر كالنقيض، أو الفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره. {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الريح» على الوحدة. {نُشْراً} جمع نشور بمعنى ناشر، وقرأ ابن عامر «نشراً» بالتخفيف حيث وقع وحمزة والكسائي «نشراً» بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى ناشرات، أو مفعول مطلق فإن الإِرسال والنشر متقاربان. وعاصم {بشراً} وهو تخفيف بشر جمع بشير وقد قرىء به و {بشراً} بفتح الباء مصدر بشره بمعنى باشرات، أو للبشارة وبشرى. {بَيْنَ يَدَي رَحْمَتِهِ} قدام رحمته، يعني المطر فإن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه. {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} أي حملت، واشتقاقه من القلة فإن المقل للشيء يستقله. {سَحَاباً ثِقَالاً} بالماء جمعه لأن السحاب جمع بمعنى السحائب. {سُقْنَاهُ} أي السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ. {لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} لأجله أو لإحيائه أو لسقيه. وقرىء {ميت}. {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الماءُ} بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق أو بالريح وكذلك. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} ويحتمل فيه عود الضمير إلى {الماء}، وإذا كان لـ {لبلد} فالباء للإلصاق في الأول وللظرفية في الثاني، وإذا كان لغيره فهي للسببية فيهما. {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} من كل أنواعها. {كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى} الإشارة فيه إلى إخراج الثمرات، أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات، نخرج الموتى من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على هذا. {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ} الأرض الكريمة التربة. {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} بمشيئته وتيسيره، عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنه أوقعه في مقابلة. {وَالَّذِي خَبُثَ} أي كالحرة والسبخة. {لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} قليلاً عديم النفع، ونصبه على الحال وتقدير الكلام، والبلد الذي خبث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعاً مستتراً وقرىء {يخرج} أي يخرجه البلد فيكون {إلا نكداً} مفعولاً و {نكداً} على المصدر أي ذا نكد و {نكداً} بالإِسكان للتخفيف. {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} نرددها ونكررها. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} نعمة الله فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأساً ولم يتأثر بها. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} جواب قسم محذوف، ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة التوقع، فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها. ونوح بن لمك بن متوشلح بن إدريس أول نبي بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين. {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله} أي اعبدوه وحده لقوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} وقرأ الكسائي غيره بالكسر نعتاً أو بدلاً على اللفظ حيث وقع إذا كان قبل إله من التي تخفض. وقرىء بالنصب على الاستثناء. {إني أخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} إن لم تؤمنوا، وهو وعيد وبيان للداعي إلى عبادته. واليوم يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. {قَالَ الملأُ مِنْ قَوْمِهِ} أي الأَشراف فإنهم يملؤون العيون رواء. {إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلاَلٍ} زوال عن الحق. {مُبِينٍ} بين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } بالشرك والمعاصي {بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا } ببعث الرسل {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا } من عقابه {وَطَمَعًا } في رحمته {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } المطيعين، وتذكير «قريب» المُخْبَرِ به عن «رحمة» لإِضافتها إلى الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلا تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها] بالإيمان، أو بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة، أو بتكذيب الرسل بعد إصلاحها بالوحي، أو بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه. {رَحْمَتَ اللَّهِ} أتت على المعنى لأنها "إنعام"، أو "مكان رحمة الله".

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ...} الآية ألفاظها عامة تتضمن كل فَسَادٍ قَلّ أو كثر بعد صَلاَحٍ قل أو كثر، والقَصْدُ بالنهي هو [على] العموم، وتخصيص شيء دون شَيْءٍ، في هذا تحكم إلا أن يُقَالَ على جهة المثال. وقوله سبحانه: {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعاً} أمر بأن يكون الإنسان في حالة تقرب، وتحرز، وتأميل للَّه عز وجل حتى يَكُونَ الخَوْفُ والرجاء كالجَنَاحَيْنِ للطير يَحْمِلاَنِهِ في طريق استقامة، وإن انفرد أحدهما هَلَكَ الإنسان. وقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَّجَاءَ طُولَ الحياة، فإذا جاء المَوْتُ غلب الرَّجَاءُ. وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخَوْفُ أغلب على المَرْءِ بكثير، وهذا كله طَرِيقُ احتياط، ومنه تَمَنَّى الحسن البصري أَن يَكون الرَّجُل الذي هو آخِرُ مَنْ يدخل الجَنَّةَ، وتمنى سَالِمٌ مولى أبي حذيفة أن يكون من أَصْحَابِ الأَعْرَافِ. ثم آنسَ سبحانه بقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

ابن عادل

تفسير : يدخل فيه المنع من إفْسَادِ النُّفُوسِ بالقَتْلِ، وقطع الأعضاء، [وإفساد الأموال بالنَّهْبِ، والغصب، والسَّرِقَةِ، ووجوه الحيل وإفساد الأديان بالكفر والبِدَعِ] وإفساد الإنسانِ بالزِّنَا واللِّواطِ والقَذْفِ، وإفساد العقول بشرب المُنْكَرَاتِ، فهذا النَّهْيُ يقتضي مَنْعَ إدخال ماهيَّة الفَسَادِ في الوُجُودِ بجميع أنْوَاعِهِ وأصنافه. وقوله: "بَعْدَ إصلاحِهَا" يحتمل أنْ يكون المرادُ بعد أن صح خلقها على الوَجْهِ المطابق لمنافع الخَلْقِ، ويحتمل أنْ يكون المرادُ بعد إصلاح الأرْضِ ببعثة الرُّسُلِ، وإنزال الكُتُبِ، وتفصيل الشَّرَائِع. قوله: {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً}. هذانِ حالانِ، أي: ادْعُوهُ ذُوُو خَوْفٍ وطَمَعٍ، أو خَائِفِينَ طامعين، أو مَفْعُولان من أجلهما، أي: لأجْلِ الخوفِ والطَّمَعِ. فإن قيل: قد قال في الآية الأولى: "ادْعُوا رَبَّكُمْ"، ثم قال هاهنا: "وَادْعُوهُ"، وهذا يقتضي عَطْفَ الشَّيْءِ على نفسه، وهو باطل. والجوابُ: أنَّ الَّذينَ فسروا قوله: "ادْعُوا رَبَّكُمْ" بأنَّ المرادَ به العِبادَة، قالوا: المُرَادُ بهذا الدُّعَاء الثَّانِي هو الدُّعَاءُ نفسه. وأمّا الذين قالوا: المرادُ بقوله: "ادْعُوا رَبَّكُمْ" هو الدُّعَاءُ قالوا: المراد بهذا الدُّعَاءِ أن يكون الدُّعَاءُ المأمور به أوَّلاً مقروناً بالتَّضَرُّع، والأخْفَاءِ، ثم بيَّن هاهنا أنَّ فائدةَ الدُّعَاءِ أحد هذين الأمرين. فالأولى في بيان شَرْطِ صحَّةِ الدُّعاء. والثانية في بيان فَائِدةِ الدُّعَاءِ ومنفعته. قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} إنَّمَا لم يُؤنِّثْهَا وإن كانت خبراً لمؤنث لوجوه: منها أنَّهَا في معنى الغُفْرَانِ والعفو والإنعامِ، فحُمِلت عليه، قاله النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل واختاره الزَّجَّاجُ. قال سعيدُ بْنُ جُبَيْر: الرَّحْمَةُ هاهنا الثَّوَابُ فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ كقوله: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ}تفسير : [النساء: 8] ولم يقل: "مِنْهَا"؛ لأنَّهُ أراد الميراث والمال. ومنها أنها صفة لموصوف مذكَّرٍ حذف، وبقيت صِفَتُهُ، والتَّقديرُ: إنَّ رحمة الله شيءٌ قريبٌ. ومنها: أنها في معنى العفو أو المطر، أو الرحم. ومنها: أنَّهَا على النَّسب كحائضٍ ولابنٍ وتامرٍ، أي: ذات حيض. ومنها: تشبيه فعيل بمعنى فاعل بِفَعيلٍ بمعنى مفعول، فيستوي فيه المُذَكَّر والمؤنَّث كجريح، كما حُمِلَ هذا عليه حيثُ قالوا: أسير وأسَرَاءُ، وقبيل وقُبَلاء حَملاً على رَحِيمٍ ورحماء، وعليم وعُلَماء، وحكيم وحُكماء. [ومنها: أنَّه] مصدر [جاء على فعيل كالنَّعيق وهو صَوْت الضِّفْدَع، والضغيب وهو صَوْتُ الأرنب وإذا كان مَصْدراً] لَزِمَ الإفراد والتذكير. ومنها: أنَّهَا بمعنى مَفْعُولٍ أي مُقَرَّبة، قاله الكَرْمَانِيُّ، وليس بجيد؛ لأنَّ فعيلاً بمعنى مفعول لا يَنْقَاسُ، وعلى تقدير اقتياسه فإنَّمَا يكونُ من الثُّلاثِي المجرَّد، لا من المزيدِ فيه، ومُقَرَّبة من المزيد فيه. ومنها: أنَّهَا من باب المُؤنَّث المجازي، فلذلك جاز التَّذكير كطلع الشَّمس. قال بعضهم: وهو غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لأنَّ ذلك حيث كان الفعل متقدِّماً نحو: طلع الشَّمس، أمَّا إذا تأخَّر وجب التَّأنيثُ، إلا في ضرورة شِعْرٍ كقوله: [المتقارب] شعر : 2487 -...................... وَلاَ أرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَهَا تفسير : قال شهابُ الدِّين: "وهذا يجيءُ على مذهب ابن كَيْسَان، فإنَّهُ لا يَقْصُر ذلك على ضرورة الشِّعر، بل يجيزه في السَّعَةِ". وقال الفرَّاءُ: قريبةٌ وبعيدةٌ: إمَّا أن يُراد بها النَّسَبُ وعدمُه، فتؤنِّثها العرب ليس إلاَّ فيقولون: فلانٌ قريبة مني في النَّسَبِ، وبعيدةٌ مني أي في النَّسَبِ، أمَّا إذا أُريدَ القُرْب في المكان، فإنَّهُ يجوزُ الوجهان؛ لأنَّ قريباً وبعيداً قائم مقام المكان فتقولُ: فلانة قريبة وقريبٌ، وبعيدة وبعيد. التَّقديرُ: هي في مكان قَريبٍ وبعيد؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 2488 - عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ تفسير : فجَمَعَ بين اللُّغَتَيْنِ إلا أنَّ الزَّجَّاج ردّ على الفرَّاءِ قوله وقال: "هذا خطأ؛ لأنَّ سبيل المذكر والمؤنث أنْ يجريا على أفعالهما". قال شِهَابُ الدِّين: وقد كَثُرَ في شِعْرِ العرب مجيءُ هذه اللَّفظة مُذكَّرة، وهي صِفَةٌ لمُؤنَّثٍ. قال امْرُؤ القَيْسِ: [الطويل] شعر : 2489 - لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسَى وَلاَ أمُّ سَالِمٍ قَرِيبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا تفسير : وفي القرآن: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً}تفسير : [الأحزاب: 63]. وقال أبو عبيدة: "قَرِيبٌ في الآية ليس وَصْفاً لها، إنَّمَا هو ظَرْفٌ لها وموضع، فيجيءُ هكذا في المُفْرَد والمثنى والجمع، فإن أُرِيدَ بها الصِّفَةُ؛ وَجَبَ المُطابَقَةُ، ومثلُها لفظة بعيد أيضاً" إلاّ أنَّ عليَّ بْنَ سُلَيْمَانَ الأخفشَ خطَّأهُ قال: "لأنَّهُ لو كانت ظَرْفاً لانتصب كقولك: "إنَّ زَيْداً قريباً منك" وهذا ليس بِخَطَأ، لأنَّهُ يجوز أن يتَّسعَ في الظَّرْفِ، فيعطى حكم الأسماء الصَّريحةِ فتقُولُ: زيد أمامك وعمرو خلفُك برفع أمام وخلف، وقد نصَّ النُّحَاةُ على أنَّ نحو: "[أن قريباً] منك زيد" أن "قريباً" اسم "إنّ"، و "زيدٌ" خبرها، وذلك على الاتِّسَاع". و "مِنَ المُحْسِنِينَ" متعلِّقٌ بـ "قَرِيبٍ"، ومعنى هذا القرب هو أنَّ الإنسان يَزْدَادُ في كلِّ لَحْظَةٍ قرباً من الآخرة وبعداً من الدُّنْيَا، فإنَّ الدُّنْيَا كالماضي والآخرة كالمستقبل، والإنسانُ في كلِّ ساعة ولحظة يَزْدَادُ بعداً عن الماضي، وقرباً من المُسْتَقْبَل. قال الشِّاعِرُ: [الطويل] شعر : 2490 - فَلاَ زَالَ ما تَهْوَاهُ أقْرَبَ مِنْ غَدٍ وَلاَ زَالَ مَا تَخْشَاهُ أبْعَدَ مِنْ أمْسِ تفسير : ولمَّا كانت الدُّنْيَا تزداد بعداً في كلِّ سَاعَةٍ، والآخرة تزداد قُرْباً في كلِّ سَاعَةٍ، وثبت أنَّ رحمة الله إنَّمَا تحصلُ بعد الموت، لا جرم قال الله - تعالى -: {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. فصل في دحض شبهة للمعتزلة قالت المعتزلةُ: العَفْوُ عن العذابِ رَحْمَةٌ، والتَّخلُّصُ من النَّارِ بعد الدُّخول فيها رَحْمَةٌ [فوجب ألا يحصل ذلك لمن لم يكن من المحسنين والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا من المحسنين] فوجب ألاَّ يحصل لهم العفوُ عن العقاب والخلاص من النَّارِ. والجوابُ: أنَّ من آمن بالله وأقرّ بالتَّوْحيدِ والنُّبوَّةِ، فقد أحْسَنَ بدليل أن الصَّبِيَّ إذا بلغ وقت الضَّحْوَةِ، وآمن بالله ورسوله ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد اجتمعت الأمَّةُ على أنَّهُ دخل تحت قوله: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [يونس: 26] وهذا لم يَأتِ بِشَيْءٍ من الطَّاعات سوى المعرفة والإقْرَارِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} قال: بعدما أصلحها الأنبياء وأصحابهم . وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش. أنه سئل عن قوله {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} فقال: إن الله بعث محمداً إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض . وأخرج أبو الشيخ عن أبي سنان في قوله {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} قال: أحللت حلالي، وحرمت حرامي، وحددت حدودي، فلا تعتدوها . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {وادعوه خوفاً وطمعاً} قال: خوفاً منه، وطمعاً لما عنده {إن رحمة الله قريب من المحسنين} يعني من المؤمنين، ومن لم يؤمن بالله فهو من المفسدين . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مطر الوراق قال: تنجزوا موعود الله بطاعة الله، فإنه قضى إن رحمته قريب من المحسنين .

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}[56] قال: أن لا تفسدوا الطاعة بالمعصية، وذلك أن من كان مقيماً على المعصية على أدنى منهيّ فجميع حسناته ممزوجة بتلك المعصية، ولا تخلص له حسناته البتة وهو مقيم على سيئة واحدة حتى يتوب وينخلع عن ذلك المنهي، ويصفيها عن كدورات المعاصي في السر والعلانية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} [الآية: 56]. قيل: خوفًا من عقابه وطمعًا فى ثوابه. وقيل: خوفًا من بعده وطمعًا فى قربه. وقيل: خوفًا من إعراضه وطمعًا فى إقباله. وقيل: خوفًا منه وطمعًا فيه. قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. قال بعضهم: المحسن هو الذى صَحَّح عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على أداء فرائضه وكفى المسلمين شره.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تفسدوا فى الارض} بالكفر والمعاصى {بعد اصلاحها} ببعث الانبياء وشرع الاحكام. قال الحدادى وقيل معناه لا تعصوا فى الارض فيمسك المطر عنها ويهلك الحرث بمعاصيكم {وادعوه خوفا وطمعا} مصدران فى موقع الحال اى خائفين من الرد لقصور اعمالكم وعدم استحقاقكم وطامعين فى اجابته تفضلا واحسانا لفرط رحمته {ان رحمة الله قريب من المحسنين} وتذكير قريب مع انه مسند الى ضمير الرحمة لتأويل الرحمة بالرحم فان الرحم بضم الراء بمعنى الرحمة قال الله تعالى {أية : واقرب رحما} تفسير : [الكهف: 81]. قال الكسائى اراد ان اتيان رحمة الله قريب كقوله {أية : وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} تفسير : [الأحزاب: 63]. اى لعل اتيانها والمعنى ان رحمة الله قريب من الداعين بلسان ذاكر شاكر وقلب حاضر طاهر وترجيح للطمع وتغليب لجانب الرحمة وتنبيه على وسيلة الاجابة اعنى الاحسان المفسر "حديث : بان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك " . تفسير : وفى الحديث "حديث : ادعوا الله وانتم موقنون بالاجابة " .تفسير : يعنى ليكن الداعى ربه على يقين بان الله يجيب لان رد الدعاء اما للعجز فى اجابته او لعدم كرم فى المدعو او لعدم علم المدعو بدعاء الداعى وهذه الاشياء منتفية عن الله تعالى فانه عالم كريم قادر لامانع له من الاجابة. قال سهل ما اظره عبد فقره الى الله تعالى فى وقت الدعاء فى شئ يحل به الا قال الله تعالى لملائكته لولا انه لا يحتمل كلامى لأجبته لبيك ـ وحكى ـ ان موسى عليه السلام مرّ برجل يدعو ويتضرع فقال موسى لو كانت حاجته بيدى لقضيتها فاوحى الله تعالى اليه انا ارحم به منك ولكنه يدعونى وله غنم وقلبه فى غنمه وانا لا اقبل دعوة عبد قلبه عند غيرى فذكر ذلك للرجل فتوجه الى الله بقلبه فقضيت حاجته فيلزم حضور القلب وحسن الظن بالله فى اجابة الدعاء ـ وحكى ـ عن بعض البله وهو فى طواف الوداع انه قال له رجل وهو يمازحه هل اخذت من الله براءتك من النار فقال الابله لا وهل اخذ الناس ذلك فقال نعم فبكى ذلك الابله ودخل الحجر وتعلق باستار الكعبة وجعل يبكى ويطلب من الله ان يعطيه كتابه بعتقه من النار فجعل اصحابه والناس يلومونه ويعرفونه ان فلانا مزح معك وهو لا يصدقهم بل بقى مستقرا على حاله فبينا هو كذلك اذ سقطت عليه ورقة من جهة الميزاب فيها مكتوب عتقه من النار فسرّ بها واوقف الناس عليها وكان من آية ذلك الكتاب ان يقرأ من كل ناحية على السواء لا يتغير كلما قلبت الورقة انقلبت الكتابة لانقلابها فلعم الناس انه من عند الله. قيل دعاء العامة بالاقوال. ودعاء الزاهدين بالافعال. ودعاء العارفين بالاحوال واذا وفق الله عبدا الى نطق بامر مّا فما وفقه اليه الا وقد اراد اجابته فيه وقضاء حاجته وعدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحمل لمشاقه كما قال الشيخ المحقق ابن الفارض قدس سره شعر : ويحسن اظهار التجلد للعدى ويقبح غير العجز عند الاحبة تفسير : قال الحافظ شعر : فقير خسته بدركاهت آمدم رحمى كه جز دعاى توام نيست هيج دست آويز تفسير : [ودر منا جات شيخ الاسلام است كه خدايا اكر وفاداران بتواميد دارند جفا كاران نيز بغير توبناهى ندارند]. والاشارة ان التضرع ما يطلع عليه الخلق والخفية ما يطلع عليه الحق اى تضرعا بالجوارح وخفية بالقلوب والاعتداء فى الدعاء طلب الغير منه والرضى بما سواه ولا تفسدوا فى الارض اى فى ارض القلوب بعد اصلاحها اى بعد ان اصلحها الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب فان فساد القلوب فى رؤية غير الحق وصلاحها فى رؤية الحق ويقال من افساد القلوب بعد اصلاحها ارسالها فى اودية المنى بعد امساكها عن متابعة الهوى ومن ذلك الرجوع الى الحظوظ بعد القيام بالحقوق وادعوه خوفا من الانقطاع وطمعا فى الاصطناع ان رحمة الله وهى بذل المتمنى قريب من المحسنين الذين يرون الله فى الطاعات اى يعبدونه طمعا فهي لامنه كذا فى التأويلات النجمية.

الطوسي

تفسير : نهى الله تعالى في هذه الآية عن الفساد في الارض وهو الاضرار بما تمنع الحكمة منه يقال: أفسد الحر التفاحة اذا أخرجها الى حال الضرر بالتغيير. والاصلاح النفع بما تدعو اليه الحكمة ولذلك لم تكن الآلام في النار إِصلاحاً لأهلها، لأنه لا نفع لهم فيها. وقال الحسن: إِفساد الأرض بالقتل للمؤمنين والاعتداء عليهم. وقيل: إِفساد الأرض العمل فيها بمعاصي الله، وإِصلاحها العمل فيها بطاعة الله. وقوله {وادعوه خوفاً وطمعاً} أمر من الله تعالى لهم أن يدعوه خوفاً وطمعاً، وهما منصوبان على المصدر، وهما في موضع الحال. وتقديره ادعوا ربكم خائفين من عقابه طامعين في ثوابه. والخوف هو الانزعاج بما لا يؤمن، والأمن سكون النفس الى انتفاء المضار، والخوف يكون بالعصيان. والأمنُ بالايمان. والطمع توقع المحبوب، ونقيضه اليأس وهو القطع بانتفاء المحبوب. وقوله {إِن رحمة الله قريب من المحسنين} إِخبار منه تعالى أن رحمته قريبة واصلة الى المحسن. والاحسان هو النفع الذي يستحق به الحمد. والاساءة هي الضرر الذي يستحق به الذم. وقيل: المراد بالمحسنين من تكون أفعاله كلها حسنة وهذا لا يقتضيه الظاهر، بل الذي يفيده أن رحمة الله قريب الى من فعل الاحسان، وليس فيها أنها لا تصل الى من جمع بين الحسن والقبيح بل ذلك موقوف على الدليل. وقال الفراء: إِنما لم يؤنث قوله {قريب} وهو وصف لـ {رحمة} لأنه ذهب مذهب المكان، وما يكون كذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. ولو ذهب به مذهب النِّسب أنث وثني وجمع قال عروة بن حزام: شعر : عشية لا عفراء منك قريبة فتدنوا ولا عفراء منك بعيد تفسير : وقال الزجاج هذا غلط بل كل ما قرب من مكان أو نسب فهو جائز عليه التأنيث والتذكير. وجعله الأخفش من باب الصيحة والصياح، لأن الرحمة والاحسان والانعام من الله واحد. وقال بعضهم المراد بالرحمة ها هنا المطر فلذلك ذكر.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} اعلم، انّ الانسان ما لم يبلغ حدّ الرّشد والتّكليف شأنه شأن البهائم فى طلب المشتهيات بأىّ نحوٍ اتّفق ودفع المولمات كذلك وليس له شأن الايتمار والانقياد الاّ لمن يخاف منه على بدنه، وليس له شأن الاصلاح فى ارض العالم الصّغير ولا فى ارض العالم الكبير، فاذا بلغ وحصل له العقل حصل له شأنيّة الايتمار والاصلاح فى ارضى العالمين فى الجملة، فان ساعده التّوفيق ودعاه الدعاة الآلهيّون دعوةً عامّةً ظاهرة وقبل منهم وانقاد لهم بالبيعة العامّة النّبويّة وصار مسلماً كمل له شأنيّة الاصلاح وحصل له الانقياد فى الجملة، فان زاد توفيقه ودعاه الدّعاة الآلهيّون دعوة خاصّةً باطنة وقبل منهم وبايع معهم البيعة الخاصّة الولويّة وتمّ له الانقياد، فامّا ان يلتحق بملكوت الدّاعى ويحصل له حالة الحضور معه وهو المصلح الحقيقىّ فى العالمين، وامّا ان يطلب الالتحاق وشأنه دعاء ربّه والتّضرّع والالتجاء اليه فى غيبته حتّى يلتحق به وهو المصلح فى الجملة، وان خذله الله بعد حصول العقل وشأنيّة الاصلاح ولم يطلب الاسلام، او طلب ودخل فيه ولم يطلب الايمان، او طلب ودخل فيه ولم يكن يدعو ربّه ولم يطلب الالتحاق بملكوته صار مفسداً فى العالمين فكأنّه قال: ادعو ربّكم ولا تتركوا الدّعاء فتفسدوا فى الارض {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بالقوّة لحصول العقل او بالفعل بالاسلام والايمان وهكذا فى بواقى الاقسام فقوله: ولا تفسدوا فى الارض، من قبيل اقامة المسبّب مقام السّبب كأنّه قال: لا تتركوا الدّعاء والالتجاء والتّضرّع عليه فتفسدوا فى الارضين بعد شأنيّة اصلاحهما او بعد فعليّة اصلاحهما ولكون هذا الدّعاء هو غاية كلّ عبادة وطاعة كرّره بذكر جهة اخرى من جهات الدّعاء فقال {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} مصدر ان او حالان كما سبق والمعنى خوفاً من فراقه وعدم اجابته وطمعاً فى لقائه واجابته، وسائر الوجوه المحتملة راجعة الى هذا، او ضعيفة بحسب مقام دعوة الرّبّ؛ كخوف سخطه وخوف عقابه وخوف ردّه وخوف عدله خوف ميزانه وخوف خذلاته والخوف من جلاله فانّ من استشعر فى حضور الملوك جلالهم اسشعر خوفاً وهيبة فى نفسه من غير استشعارٍ بسبب لتلك الهيبة، واستعمال الطّمع للاشارة الى انّ الانسان لا بدّ وان يكون مترقّباً للقاء الرّبّ ورحمته من غير نظرٍ الى حصول اسبابه من قبله او من قبل الله فانّ فعل الله لا يناط بالاسباب، لانّ الطّمع هو ترقّب حصول الشّيء من غير تهيّة سببٍ لحصوله بخلاف الرّجاء ولمّا اوهم ذكر الطّمع قرينة للخوف ترجيح جانب الرّجاء وعدم الاناطة بسببٍ وشرطٍ واستواء نسبة الرّحمة الى الكلّ بحسب القابل كما هو كذلك بحسب الفاعل، رفع ذلك بقوله {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تعليلاً للخوف والطّمع، يعنى انّ رحمته من جهة الفاعل وان كانت مستوية النّسبة الى الكلّ غير موقوفة على سببٍ وشرط لكنّها من جهة القابل متفاوتة النّسبة فليخف غير المحسن ولا يتّكل على عموم رحمته واستواء نسبتها وليطمع المحسن وليجدّ فى طلب لقائه، وتذكير قريب بتأويل الرّحمة بالرّحم او بتشبيهه بالفعيل بمعنى المفعول.

اطفيش

تفسير : {ولا تفْسِدُوا فى الأرضِ} بالمعاصى والشرك والدعاء إلى غير الله {بعد إصْلاحِها} ببعث الرسوم وبيان الشريعة، روى ذلك عن الحسن، وقيل: لا تعصوا الله فيمسك المطر ويهلك الحرث والأرض بعد إصلاحها بالمطر والخصب، وقيل: لا تفسدوا شيئا بعد أن أصلحه الله، فيدخل قتل النفس، وقطع العضو، وإفساد المال، والغصب والسرقة، وإفساد الدين بالكفر والبدعة، وإفساد الأنساب بالزنى، والعقول بشرب المسكر، وتغوير الماء الظاهر، وقطع الشجر المثمر، وهذه الأشياء أعظم إفساد بعد أعظم إصلاح، وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد. {وادْعُوه خَوفاً وطَمعاً} مفعول لأجله، أو مفعول مطلق، أى دعاء خوف وطمع، أو حال مبالغة، أو بتقدير ذوى خوف وطمع، أو خائفين وطامعين، فالخوف منه ومن عقابه، والطمع فيما عنده من جزيل ثوابه، وعن ابن جريج: خوف العدل، وطمع الفضل، وقيل: خوفا من الرياء، والذكر فى الدعاء، أو طمعا فى الإجابة وقيل: خوف من الرد لقصور الأعمال، وعدم الاستحقاق، وطمعا فى الإجابة، تفضلا وإحسانا لفرط سعة رحمته، وذلك أمر بأن يكون الإنسان فى حال تقرب وتحرز وتأميل، حتى يكون الرجاء والخوف له كالجناحين للطائر يحملانه فى طريق استقامة، لا يظن الوفاء بحق الله ولو اجتهد اجتهاداً، وإن انفرد الخوف وهو انزعاج فى الباطن لمن لا يؤمن من المضار. وقيل: توقع مكروه أو انفرد الطمع وهو إرادة أن يقع محبوب والشوق لوقوعه هلك الإنسان، وقيل: يهلك بالميل، والصحيح الأول، لأنه ما وجد أحدهما لا يكون آيسا أو آمنا، واختار كثير من العلماء أن يغلب الخوف الرجاء حتى يحتضر، فيغلب الرجاء، والمشهور استواءهما، وجزم به الأكثر للأحاديث، "حديث : ودخل صلى الله عليه وسلم على شاب محتضر فقال: "يكون أجدك؟" قال أرجو يا رسول الله، وإنى أخاف ذنوبى، فقال: "لا يجتمعان فى عبد فى هذه الحالة إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف"" تفسير : وهو محتمل لاستوائهما، ومحتمل لاجتماعهما، ولو مع زيادة أحدها، ونكتة تكرير الدعاء إذا فسر فى الموضعين جميعا بالسؤال أو بالعبادة، أن يكون السؤال أو العبادة مقرونا بالتضرع والإخفاء، والخوف والطمع، أو أن فائدة الدعاء خوف العقاب، وطمع الثواب، فافهم أو إن فائدته أنكم تدعونه فى الأمرين، فتارة فيما يخاف وتارة فيما يرجى. {إنَّ رحْمَة اللهِ قَريبٌ مِنَ المحْسِنينَ} أى لازم الرحمة ومسببها وهو الإحسان، وإلا فالرحمة بمعنى رقة القلب، ولا يوصف الله بالقلب ولا برقته، وهى صفة فعل لله، وإن قيل: هى إرادة الإحسان، فصفة ذات، وصح التذكير فى قريب لأنه فعيل بمعنى فاعل، وهو شبيه بالمصدر الذى هو كصهيل أو لشبهه بفعيل بمعنى مفعول، فإنه يجوز تذكيره إذا وجد دليل الأنثى، لا لأن الرحمة مؤنث غير حقيق لأنه يجب تأنيث ضميره، ولو كان كذلك تقول: الشمس طالعة لا طالع، أو لإضافته لما ليس مؤنثا مع صلاحية الاستغناء به، فلو قيل: الله قريب لصح، أو لأن الرحمة لمعنى الثواب أو الفضل أو الغفران أو العفو، وقيل: لأن الرحمة هنا المطر، وقيل: لأن المراد النسب، أى ذات قرب، وقيل: ذكر فرقا بين قرب المسافة والزمان، وقرب الرحم يجب التأنيث فى الآخر وهو ضعيف، أو لتقدير مضاف أى حضور رحمته أو مجيئها، أو لتأويل الرحمة بالترحم، قيل: أو بالرحم بدون تاء مع إسكان الحاء، أو لتقدير موصوف أى شىء قريب، أو أمر قريب. والصحيح أن المراد بالرحمة الرحمة الأخروية لا المطر كما قيل، ومعنى قربها سهولة عضو وصلها، لأن الدين يسر، فقبول الله الأعمال رحمة، ورضاه رحمة، وفى وصفها بالقرب قبل ترجيح للطمع وترغيب فيها، فيتوسل بقربها إلى إجابة الدعاء، وقال الطبرى: رحمته الجنة، ووجه قربها أنه ما بينهما وبين المحسنين إلا موتهم، وهم فى كل لحظة فى إدبار عن الدنيا وإقبال على الآخرة، لأن كل لحظة مضت من عمرهم لا ترجع أبداً.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } نهى عن سائر أنواع الافساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } أي إصلاح الله تعالى لها وخلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين وبعث فيها الأنبياء بما شرعه من الأحكام {وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي ذوي خوف من الرد لقصوركم عن أهلية الإجابة وطمع في إجابته تفضلاً منه، وقيل خوفاً من عقابه وطمعاً في جزيل ثوابه. وقال ابن جريج: المعنى خوف العدل وطمع الفضل. وعن عطاء خوفاً من الميزان وطمعاً في الجنان. وأصل الخوف انزعاج القلب لعدم أمن الضرر، وقيل: توقع مكروه يحصل فيما بعد، والطمع توقع محبوب يحصل له، ونصبهما على الحالية كما أشير إليه. وجوز أن يكون على المفعولية لأجله. قيل: ولما كان الدعاء من الله تعالى بمكان كرره وقيده أولاً بالأوصاف الظاهرة وآخراً بالأوصاف الباطنة، وقيل: الأمر السابق من قبيل بيان شرط الدعاء والثاني من قبيل بيان فائدته، وقيل: لا تكرار، فما تقدم أمر بالدعاء بمعنى السؤال وهذا أمر بالدعاء بمعنى العبادة، والمعنى / اعبدوه جامعين في أنفسكم الخوف والرجاء في عبادتكم القلبية والقالبية وهو كما ترى، ومن الناس من أبقى الدعاء على المعنى الظاهر وعمم في متعلق الخوف والطمع، والمعنى عنده ادعوه وأنتم جامعون في أنفسكم الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، وليس بشيء والمختار عند جلة المفسرين ما تقدم. {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } أعمالهم، ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقروناً بالخوف والطمع. وقد كثر الكلام في توجيه تذكير {قَرِيبٌ } مع أنه صفة مخبر بها عن المؤنث، وقد نقل ابن هشام في ذلك وجوهاً ذاكراً ما لها وما عليها. الأول: أن الرحمة في تقدير الزيادة والعرب قد تزيد المضاف قال سبحانه وتعالى: { أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1] أي سبح ربك ألا ترى أنه يقال في التسبيح سبحان ربـي ولا يقال سبحان اسم ربـي والتقدير إن الله تعالى قريب فالخبر في الحقيقة عن الاسم الأعظم، وتعقبه بأن هذا لا يصح عند علماء البصرة لأن الأسماء لا تزاد في رأيهم وإنما تزاد الحروف، ومعنى الآية عندهم نزه أسماء ربك عما لا يليق بها فلا تجر عليه سبحانه اسماً لا يليق بكماله أو اسما غير مأذون فيه فلا زيادة، الثاني: إن ذلك على حذف مضاف أي إن مكان رحمة الله تعالى قريب فالإخبار إنما هو عن المكان وهو مذكر، ونظير ذلك حديث : قوله صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى الذهب والفضة «إن هذين حرام» تفسير : فإن الإخبار بالمفرد لأن التقديران استعمال هذين، وقول حسان: شعر : يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل تفسير : فإنه بتقدير ماء بردى فلذا قال: يصفق بالتذكير مع أن بردى مؤنث. وتعقب بأن هذا المضاف بعيد جداً لا قريب والأصل عدم الحذف والمعنى مع تركه أحسن منه مع وجوده. الثالث: أنه على حذف الموصوف أي شيء قريب كما قال الشاعر: شعر : قامت تبكيه على قبره من لي من بعدك يا عامر تركتني في الدار ذا غربة قد ذل من ليس له نـاصـر تفسير : أي شخصاً ذا غربة. وعلى ذلك يخرج قول سيبويه قولهم: امرأة حائض أي شخص ذو حيض. وقول الشاعر أيضاً: شعر : فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق تفسير : وتعقب بأنه أشد ضعفاً من سابقه لأن تذكير صفة المؤنث باعتبار إجرائها على موصوف مذكر محذوف شاذ ينزه كلام الله تعالى عنه، على أنه لا فصاحة في قولك: رحمة الله شيء قريب ولا لطافة بل هو عند ذي الذوق كلام مستهجن، ونحو حائض من الصفات المختصة لا يحتاج إلى العلامة لأنها لدفع اللبس ولا لبس مع الاختصاص. وسيبويه وإن كان جواداً في مثل هذا المضمار إلا أن الجواد قد يكبو، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، ألا تراه كيف جوز في باب الصفة المشبهة مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه وإضافة الوجه إلى ضمير الرجل وخالفه في ذلك جميع البصريين والكوفيين لأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه. وقد علمت أيضاً أن الأصل عدم الحذف. الرابع: أن العرب تعطي المضاف حكم المضاف إليه في التذكير والتأنيث إذا صح الاستغناء عنه وهو أمر مشهور فالرحمة لإضافتها إلى الاسم الجليل قد اكتسبت ما صحح الإخبار عنها بالمذكر. وتعقبه أبو علي الفارسي في «تعاليقه» على «الكتاب» بأن هذا التقدير والتأويل في القرآن / بعيد فاسد وإنما يجوز هذا في ضرورة الشعر. وقال الروذراوري: إن اكتساب التأنيث في المؤنث قد صح بكلام من يوثق به، وأما العكس فيحتاج إلى الشواهد ومن ادعى الجواز فعليه البيان. الخامس: أن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث كرجل جريح وامرأة جريح. وتعقب بأنه خطأ فاحش لأن فعيلاً هنا بمعنى فاعل. واعترض أيضاً بأن هذا لا ينقاس خصوصاً من غير الثاني. السادس: أن فعيلا بمعنى فاعل قد يشبه بفعيل بمعنى مفعول فيمنع من التاء في المؤنث كما قد يشبهون فعيلا بمعنى مفعول بفعيل بمعنى فاعل فيلحقونه التاء. فالأول كقوله تعالى: { أية : مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } تفسير : [يسۤ: 78] ومنه الآية الكريمة. والثاني كقولهم: خصلة ذميمة وصفة حميدة حملا على قولهم: قبيحة وجميلة ولم يتعقب هذا بشيء. وتعقبه الروذراوري بأنه مجرد دعوى لا دليل عليه وإن قاله النحويون. ويرد عليه أن أحد الفعلين مشتق من لازم والآخر من متعد فلو أجري على أحدهما حكم الآخر لبطل الفرق بين المتعدي واللازم إن كان على وجه العموم وإن كان على وجه الخصوص فأين الدليل عليه وفيه نظر. السابع: أن العرب قد تخبر عن المضاف إليه وتترك المضاف كقوله تعالى: { أية : فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } تفسير : [الشعراء: 4] فإن خاضعين خبر عن الضمير المضاف إليه الأعناق لا عن الأعناق ألا ترى أنك إذا قلت: الأعناق خاضعون لا يجوز لأن الجمع المذكر السالم إنما يكون من صفات العقلاء فلا يقال أيد طويلون ولا كلاب نابحون. وتعقب بأنه لعل هذا راجع إلى القول بالزيادة وقد علمت ما فيه. وقد قيل: إن المراد بالأعناق الرؤساء والمعظمون. وقيل: الجماعة كما يقال: جاء زيد في عنق من الناس أي في جماعة. وقال الروذراوري: إنه لو ساغ الإعراض عن المضاف والحكم على المضاف إليه لساغ أن يقال: كان صاحب الدرع سابغة ومالك الدار متسعة وليس فليس. الثامن: أن الرحمة والرحم متقاربان لفظاً وهو واضح ومعنى بدليل النقل عن أئمة اللغة فأعطي أحدهما حكم الآخر. وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الوعظ والموعظة تتقارب أيضاً فينبغي أن يجيز هذا القائل أن يقال: موعظة نافع وعظة حسن وكذلك الذكر والذكرى فينبغي أن يقال: ذكرى نافع كما يقال: ذكر نافع. التاسع: أن فعيلا هنا بمعنى النسب فقريب معناه ذات قرب كما يقول الخليل في حائض: إنه بمعنى ذات حيض. وتعقب بأنه باطل لأن اشتمال الصفات على معنى النسب مقصور على أوزان خاصة وهي فعال وفعل وفاعل. العاشر: ما قاله الروذراوري أن فعيلا مطلقاً يشترك فيه المؤنث والمذكر. وتعقب بأنه من أفسد ما قيل لأنه خلاف الواقع في كلام العرب فإنهم يقولون: امرأة ظريفة وعليمة وحليمة ورحيمة ولا يجوز التذكير في شيء من ذلك ولهذا قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } تفسير : [مريم: 28] أن بغيا فعول والأصل بغوى ثم قلبت الواو ياء والضمة كسرة وأدغمت الياء في الياء، وأما قوله: شعر : فتور القيام قطيع الكلام تفتر عن در عروب حصر تفسير : فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه نادر. الثاني: أن أصله قطيعة ثم حذف التاء للإضافة كقوله تعالى: { أية : وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة } تفسير : [الأنبياء: 73] والإضافة مجوزة لحذف التاء كما توجب حذف النون والتنوين. وقد نص على ذلك غير واحد من القراء. الثالث: أنه إنما جاز ذلك لمناسبة فتور لأنه فعول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث. الحادي عشر: أنهم يقولون في قرب النسب: قريب وإن أجري على مؤنث نحو فلانة قريب مني ويفرقون بينه وبين قرب المسافة. وتعقب بأنه مبني على أن يقال في القرب النسبـي: فلان قرابتي. وقد نص جمع على / أن ذلك خطأ وأن الصواب أن يقال فلان ذو قرابتي كما قال: شعر : يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور تفسير : الثاني عشر: من تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى. واختلف القائلون بذلك فمنهم من يقدر إن إحسان الله قريب ومنهم من يقدر لطف الله قريب. ومن ذلك قوله: شعر : أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما يضم إلى كشحيه كفاً مخضبا تفسير : فأول الكف على معنى العضو. وتعقب بأنه باطل لأن ذلك إنما يقع في الشعر وقد تقدم أنه لا يقال: موعظة حسن مع أن الموعظة بمنزلة الوعظ في المعنى ويقاربه في اللفظ أيضاً. وأما البيت فنص النحاة على أنه ضرورة وما هذه سبيله لا يخرج عليه كلام الله سبحانه وتعالى، على أن بعضهم قال: إن الكف قد يذكر. الثالث عشر: أن المراد بالرحمة هنا المطر ـ ونقل ذلك عن الأخفش ـ والمطر مذكر، وأيد بأن الرحمة فيما بعد بمعنى المطر. واعترض عليه من أوجه. أحدها: أنه لو كانت الرحمة الثانية هي الرحمة الأولى لم تذكر ظاهرة على ما هو الظاهر إذ الموضع للضمير. ثانيها: أنه إذا أمكن الحمل على العام لا يعدل إلى الخاص ولا ضرورة هنا إلى الحمل كما لا يخفى، ثالثها: أن الرحمة التي هي المطر لا تختص بالمحسنين لأن الله سبحانه يرزق الطائع والعاصي، وإنما المختص في عرف الشرع هو الرحمة التي هي الغفران والتجاوز والثواب. والجواب عن هذا بأنه كما جاز تخصيص الخطاب بالرحمة بالمعنى الشرعي بالمحسنين على سبيل الترغيب كذلك يجوز تخصيص المطر الذي هو سبب الإرزاق بهم ترغيباً في الإحسان ليس بشيء عندي. رابعها: أنك لو قلت: مطر الله قريب لوجدت هذه الإضافة مما تمجها الأسماع وتنبو عنها الطباع بخلاف إن رحمت الله فدل على أنه ليس بمنزلته في المعنى. وأجيب عنه بأن مجموع [رحمة الله] استعمل مراداً به المطر، وبأن الإضافة في مطر الله إنما لم تحسن للعلم بالاختصاص ولا كذلك رحمة الله تعالى، وهذا كما يحسن أن يقال: كلام الله تعالى ولا يحسن أن يقال: قرآن الله سبحانه، والإنصاف أن هذا القول ليس بشيء كما لا يخفى على ذي ذهن طري. وقال ابن هشام: لا بعد في أن يقال: إن التذكير في الآية الكريمة لمجموع أمور من الأمور المذكورة. واختار أنه لما كان المضاف يكتسب من المضاف إليه التذكير وكانت الرحمة مقاربة للرحم في اللفظ وكان قريب على صيغة فعيل وفعيل الذي بمعنى فاعل قد يحمل على فعيل بمعنى مفعول جاء التذكير. وادعى أنه لا يناقض ما قدمه من الاعتراضات لأنه لا يلزم من انتفاء اعتبار شيء من هذه الأمور مستقلاً انتفاء اعتباره مع غيره اهـ. ولا يخلو عن حسن سوى أنه إذا أخذ في المجموع كون الرحمة بمعنى المطر يفسد الزرع، وقد جرى في هذه الآية بحث طويل بين ابن مالك والروذراوري وفي كلام كل حق وصواب، وفي نقل ذلك ما يورث السآمة. وأجاب الجوهري بأن الرحمة مصدر والمصادر لا تجمع ولا تؤنث وهو كما ترى. وقيل: التذكير لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ولا يخفى بعده لأن المتضمن لضمير المؤنث ولو كان غير حقيقي لم يحسن تذكيره على المشهور، وقيل: إن فعيلاً هنا محمول على فعيل الوارد في المصادر فإنه للمؤنث والمذكر كفعيل بمعنى مفعول كالنقيض بالنون والقاف والضاد المعجمة وهو صوت الرحل ونحو والضغيب بالضاد والغين المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الموحدة صوت الأرنب. وأنت تعلم أن حمله على فعيل / بمعنى مفعول أولى من هذا الحمل وهو الذي أميل إليه، نعم ربما يدعى أن في ذلك إشارة ما إلى مزيد قرب الرحمة لكنه بعيد جداً وقد لا يسلم. والذي أختاره أن فعيلاً هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول كما زعم الكرماني لما مرت الإشارة إليه، ولأن الرحمة صفة ذات عند جمع وصفات الذات ـ سواء قلنا بعينيتها أو بغيريتها أو بأنها لا ولا ـ لا يحسن الإخبار عنها بأنها مقربة، وذلك على القولين الأخيرين ظاهر وعلى الأول أظهر، والقول بأن في ذلك ترغيباً في الإحسان حيث أشير إلى أنه كالفاعل وقد أثر فيما لا يقبل التأثر مما لا يكاد يسلم، وأنه قد حمل على فعيل بمعنى مفعول كما حمل على ذلك في خصوصية قريب في قول جرير: شعر : أتنفعك الحياة وأم عمرو قريب لا تزور ولا تزار تفسير : وإنما لم يقل قريبة على الأصل للإشارة لأرباب الأذهان السليمة إلى أنها قريبة جداً من المحسنين كما لا يخفى على المتأمل. واختار بعضهم تفسير الرحمة هنا بالإحسان لمكان المحسنين { أية : هَلْ جَزَاءُ ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَـٰنُ } تفسير : [الرحمٰن: 60] ولعله يعتبر شاملاً للإحسان الدنيوي والأخروي. ووجه القرب ـ على ما قيل ـ وجود الأهلية بحسب الحكمة مع ارتفاع الموانع بالكلية. وفسرها ابن جبير بالثواب، والمتبادر منه الإحسان الأخروي. ووجه القرب عليه بأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا وإقبال على الآخرة وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة فلا يكون بين المحسن والثواب في الآخرة إلا الموت وكل آت قريب. وجعل الزمخشري الآية من قبيل قوله تعالى: { أية : وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } تفسير : [طه: 82] الخ أي علق فيها الرحمة بإحسان الأعمال كما علق الغفران فيه بالتوبة والإيمان والعمل الصالح فكأن (من تاب وآمن) الخ تفسير للمحسنين وهو إشارة إلى ما يزعمه قومه من أن الآية تدل على أن صاحب الكبيرة لا يخلص من النار لأنه ليس من المحسنين، والتخليص من النار بعد الدخول فيها رحمة. وأجيب بأن صاحب الكبيرة مؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن يكون كذلك فهو محسن بدليل أن الصبـي إذا بلغ ضحى وآمن ومات قبل الظهر فقد اجتمعت الأمة على أنه داخل تحت قوله تعالى: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [يونس: 26] فهو محسن بمجرد الإيمان، والقول بأن المحسنين هم الذين أتوا بجميع أنواع الإحسان على ما يؤذن به الآية الممثل بها أول البحث أول المسألة. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه فسر المحسنين بالمؤمنين. وعن بعضهم تفسيره بالداعين خوفاً وطمعاً لقرينة السباق على ذلك ونظر فيه.

ابن عاشور

تفسير : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا}. عُطف النّهي عن الفساد في الأرض على جملة {أية : إنه لا يحب المعتدين}تفسير : [الأعراف: 55] عَطْفاً على طريقة الاعتراض، فإنّ الكلام لمّا أنبأ عن عناية الله بالمسلمين وتقريبه إياهم إذ أمرهم بأن يدعوه وشرّفهم بذلك العنوان العظيم في قوله: {أية : ربكم}تفسير : [الأعراف: 55]، وعرّض لهم بمحبّته إياهم دون أعدائهم المعتدين، أعقبه بما يحول بينهم وبين الإدلال على الله بالاسترسال فيما تُمليه عليهم شهواتهم من ثوران القوتين الشّهوية والغَضبيّة، فإنّهما تجنيان فساداً في الغالب، فذكَّرهم بترك الإفساد ليكون صلاحهم منزّهاً عن أن يخالطه فساد، فإنّهم إن أفسدوا في الأرض أفسدوا مخلوقات كثيرة وأفسدوا أنفسهم في ضمن ذلك الإفساد، فأشبه موقعَ الاحتراس، وكذلك دأب القرآن أن يعقِّب التّرغيب بالتّرهيب، وبالعكس، لئلاّ يقع النّاس في اليأس أو الأمْن. والاهتمامُ بدرء الفساد كان مَقَاماً هنا مقتضياً التّعجيل بهذا النّهي مُعترضاً بين جملتي الأمر بالدّعاء. وفي إيقاع هذا النّهي عقب قوله {أية : إنه لا يحب المعتدين}تفسير : [الأعراف: 55] تعريض بأنّ المعتدين وهم المشركون مفسدون في الأرض، وإرْباءُ للمسلمين عن مشابهتهم، أي لا يليق بكم وأنتم المقرّبون من ربّكم، المأذونُ لكم بدعائه، أن تكونوا مثل المبعدين منه المبغضين. والإفساد في الأرض والإصلاح تقدّم الكلام عليهما عند قوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} تفسير : في سورة البقرة (11)، وبيّنّا هنالك أصول الفساد وحقائق الإصلاح، ومر هنالك القول في حذف مفعول تفسدوا} ممّا هو نظير ما هنا. و{الأرض} هنا هي الجسم الكُروي المعبّر عنه بالدّنيا. والإفساد في كلّ جزء من الأرض هو إفساد لمجموع الأرض، وقد يكون بعض الإفساد مؤدّياً إلى صلاح أعظم ممّا جرّه الإفساد من المضرّة، فيترجّح الإفساد إذا لم يمكن تحصيل صلاح ضروري إلاّ به، فقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير، ونهى أبو بكر رضي الله عنه عن قطع شجر العدوّ، لاختلاف الأحوال. والبعدية في قوله: {بعد إصلاحها} بعديةٌ حقيقيةٌ، لأنّ الأرض خلقت من أوّل أمرها على صلاح قال الله تعالى: {أية : وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها}تفسير : [فصلت: 10] على نظام صالح بما تحتوي عليه، وبخاصة الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات التي جعلها الله على الأرض، وخلق له ما في الأرض، وعزّز ذلك النّظام بقوانين وضعها الله على ألْسِنَةِ المرسلين والصّالحين والحكماء من عباده، الذين أيّدهم بالوحي والخطاب الإلهي، أو بالإلهام والتّوفيق والحكمة، فعلموا النّاس كيف يستعملون ما في الأرض على نظام يحصل به الانتفاع بنفع النّافع وإزالة ما في بعض النّافع من الضرّ وتجنّب ضرّ الضار، فذلك النّظامُ الأصلي، والقانُونُ المعزّزُ له، كلاهما إصلاح في الأرض، لأنّ الأوّل إيجاد الشّيء صالحاً، والثّاني جعل الضّار صالحاً بالتّهذيب أو بالإزالة، وقد مضَى في قوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} تفسير : في سورة البقرة (11)، أنّ الإصلاح موضوع للقدر المشترك بين إيجاد الشّيء صالحاً وبين جعل الفاسد صالحاً. فالإصلاح هنا مصدر في معنى الاسم الجامد، وليس في معنى الفعل، لأنّه أريد به إصلاح حاصل ثابت في الأرض لا إصلاح هو بصدد الحصول، فإذا غُيّر ذلك النّظام فأفْسِد الصّالحُ، واستُعمل الضّار على ضرّه، أو استبقى مع إمكان إزالته، كان إفساداً بعد إصلاح، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}تفسير : [الأنفال: 73]. والتّصريح بالبعدية هنا تسجيل لفظاعة الإفساد بأنّه إفساد لما هو حسن ونافع، فلا معذرة لفاعله ولا مساغ لفعله عند أهل الأرض. عود إلى أمر الدّعاء لأنّ ما قبله من النّهي عن الإفساد أشبه الاحتراس المعترض بين أجزاء الكلام، وأعيد الأمر بالدّعاء ليبنى عليه قوله: {خوفاً وطمعاً} قصداً لتعليم الباعث على الدّعاء بعد أن عُلّموا كيفيته، وهذا الباعث تنطوي تحته أغراض الدّعاء وأنواعه، فلا إشكال في عطف الأمر بالدّعاء على مِثله لأنّهما مختلفان باختلاف متعلّقاتهما. والخوف تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله}تفسير : [البقرة: 229]. والطّمع تقدّم في قوله: {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم }تفسير : في سورة البقرة (75). وانتصاب {خوفاً وطمعاً} هنا على المفعول لأجله، أي أنّ الدّعاء يكون لأجل خوف منه وطمع فيه، فحذف متعلِّق الخوف والطّمع لدلالة الضّمير المنصوب في {ادعوه}. والواو للتّقسيم للدّعاء بأنّه يكون على نوعين: فالخوف من غضبه وعقابه، والطّمع في رضاه وثوابه، والدّعاء لأجل الخوف نحو الدّعاء بالمغفرة، والدّعاء لأجل الطّمع نحو الدّعاء بالتّوفيق وبالرّحمة. وليس المراد أنّ الدّعاء يشتمل على خوف وطمع في ذاته كما فسرّ به الفخر في السّؤال الثّالث لأنّ ذلك وإن صحّ في الطّمع لا يصحّ في الخوف إلاّ بسماجة. وفي الأمر بالدّعاء خوفاً وطمعاً دليل على أنّ من حظوظ المكلّفين في أعمالهم مراعاة جانب الخوف من عقاب اللَّه والطّمععِ في ثوابه، وهذا ممّا طفحت به أدلّة الكتاب والسنّة، وقد أتى الفخر في السّؤال الثّاني في تفسير الآية بكلام غيْر مُلاق للمعروف عند علماء الأمّة، ونزع به نزعة المتصوّفة الغلاة. وتعقبّه يطول، فدونك فانظره إن شئت. وقد شمل الخوف والطّمع جميع ما تتعلّق به أغراض المسلمين نحوّ ربّهم في عاجلهم وآجلهم، ليدعُوا الله بأن ييسِر لهم أسباب حصول ما يطمعون، وأن يجنبهم أسباب حصول ما يخافون. وهذا يقتضي توجّه همّتهم إلى اجتناب المنهيات لأجل خوفهم من العقاب، وإلى امتثال المأمورات لأجل الطّمع في الثّواب، فلا جرم أنّه اقتضى الأمرَ بالإحسان، وهو أن يعبدُوا الله عبادة من هو حاضر بين يديه فيستحيي من أن يعصيه، فالتّقدير: وادعوه خوفاً وطمعاً وأحسنوا بقرينة تعقيبه بقوله: {إن رحمة الله قريب من المحسنين}. وهذا إيجاز. وجملة: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} واقعة موقع التّفريع على جملة {وادعوه}، فلذلك قرنت بــــ {إن}الدّالة على التّوكيد، وهو لمجرّد الاهتمام بالخبر، إذ ليس المخاطبون بمتردّدين في مضمون الخبر، ومن شأن (إن) إذا جاءت على هذا الوجه أن تفيد التّعليل وربط مضمون جملتها بمضمون الجملة التي قبلها، فتغني عن فاء التّفريع، ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها فلم تعطف لإغناء (إنّ) عن العاطف. و{رحمة الله}: إحسانه وإيتاؤه الخبر. والقرب حقيقته دُنُّو المكان وتجاوره، ويطلق على الرّجاء مجازاً يقال: هذا قريب، أي ممكن مرجو، ومنه قوله: {أية : إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً}تفسير : [المعارج: 6، 7] فإنّهم كانوا ينكرون الحشر وهو عند الله واقع لا محالة، فالقريب هنا بمعنى المرجو الحصول وليس بقرب مكان. ودلّ قوله {قريب من المحسنين} على مقدّر في الكلام، أي وأحسنوا لأنّهم إذا دَعوا خوفاً وطعماً فقد تهيَّأوا لنبذ ما يوجب الخوف، واكتساب ما يوجب الطّمع، لئلا يكون الخوف والطّمع كاذبين، لأنّ من خاف لا يُقدم على المخوف، ومن طمع لا يَترك طلب المطموع، ويتحقّق ذلك بالإحسان في العمل ويلزم من الإحسان ترك السَيِّئات، فلا جرم تكون رحمة الله قريباً منهم، وسكت عن ضد المحسنين رفقاً بالمؤمنين وتعريضاً بأنّهم لا يظن بهم أن يسيئوا فتبعد الرّحمة عنهم. وعدم لحاق علامة التّأنيث لوصفِ {قريب} مع أنّ موصوفه مؤنّث اللّفظ، وجَّهه علماء العربيّة بوجوه كثيرة، وأشار إليها في «الكشاف». وجلّها يحوم حول تأويل الاسم المؤنّث بما يرادفه من اسمٍ مذكّر، أو الاعتذارِ بأنّ بعض الموصوف به غيرُ حقيقي التّأنيث كما هنا، وأحسنها ــــ عندي ــــ قول الفراء وأبي عبيدة: أنّ قريباً أو بعيداً إذا أطلق على قرابة النّسب أو بُعد النّسب فهو مع المؤنّث بتاء ولا بُدّ، وإذا أطلق على قُرب المسافة أو بُعدها جاز فيه مطابقة موصوفه وجاز فيه التّذكير على التّأويل بالمكان، وهو الأكثر، قال الله تعالى: {أية : وما هي من الظالمين ببعيد}تفسير : [هود: 83] وقال: {أية : وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً}تفسير : [الأحزاب: 63]. ولمّا كان إطلاقه في هذه الآية على وجه الاستعارة من قرب المسافة جرى على الشّائع في استعماله في المعنى الحقيقي، وهذا من لطيف الفروق العربيّة في استعمال المشترك إزالة للإبهام بقدر الإمكان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. ذكر في هذه الآية الكريمة: أن رحمته جل وعلا قريب من عباده المحسنين، وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ} تفسير : [الأعراف: 156] الآية. ووجه تذكير وصف الرحمة مع أنها مؤنثة في قوله: {قَرِيبٌ} ولم يقل قريبة، فيه للعلماء أقوال تزيد على العشرة. نذكر منها إن شاء الله بعضاً، ونترك ما يظهر لنا ضعفه أو بعده عن الظاهر. منها: أن الرحمة مصدر بمعنى الرحم، فالتذكير باعتبار المعنى. ومنها أن من أساليب اللغة العربية أن القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها في الأنثى فتقول: هذه المرأة قريبتي أي في النسب ولا تقول: قريب مني. وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث. فتقول: داره قريب وقريبة مني، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً}تفسير : [الأحزاب: 63] وقول امرئ القيس: شعر : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا تفسير : ومنها: أن وجه ذلك إضافة الرحمة إلى الله جل وعلا. ومنها: أن قوله {قَرِيبٌ} صفة موصوف محذوف أي شيء قريب من المحسنين. ومنها: أنها شبهت بفعيل بمعنى مفعول الذي يستوي فيه الذكر والأنثى. ومنها: أن الأسماء التي على فعيل ربما شبهت بالمصدر الآتي على فعيل، فأفردت لذلك. قال بعضهم: ولذلك أفرد الصديق في قوله: {أية : أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} تفسير : [النور: 61]، وقول الشاعر: شعر : وهن صديق لمن لم يشب اهـ تفسير : والظهير في قوله: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}تفسير : [التحريم: 4] إلى غير ذلك من الأوجه.

الواحدي

تفسير : {ولا تفسدوا في الأرض} بالشِّرك والمعاصي وسفك الدِّماء {بعد} إصلاح الله إياها ببعث الرَّسول {وادعوه خوفاً} من عقابه {وطعماً} في ثوابه {إنَّ رحمة الله} ثوابَ الله {قريب من المحسنين} وهم الذين يطيعون الله فيما أمر. "وهو الذي يرسل الرياح نُشْراً" طيِّبة ليِّنة، من النَّشر وهو الرَّائحة الطَّيِّبة. وقيل: مُتفرِّقةً في كلِّ جانبٍ، بمعنى المنتشرة {بين يدي رحمته} قدَّام مطره {حتى إذا أقلَّت} أَيْ: حملت هذه الرِّياح {سحاباً ثقالاً} بما فيها من الماء سُقنا السَّحاب {لبلد ميت} إلى مكان ليس فيه نباتٌ {فأنزلنا به} بذلك البلد {الماء فأخرجنا} بذلك الماء {من كلَّ الثمرات كذلك نخرج الموتى} أَيْ: نحيي الموتى مثل ذلك الإِحياء الذي وصفناه في البلد الميت {لعلكم تذكرون} لعلَّكم بما بيَّنا تتَّعظون، فتستدلُّون على توحيد الله وقدرته على البعث، ثمَّ ضرب مثلاً للمؤمن والكافر فقال: {والبلد الطيب} يعني: العذبُ التُّراب {يخرج نباته بإذن ربه} وهذا مثل المؤمن يسمع القرآن فينتفع به، ويحسن أثره عليه {والذي خبث} ترابه وأصله {لا يخرج} نباته {إلاَّ نكداً} عسراً مُبطئاً، وهو مثل الكافر يسمع القرآن، ولا يُؤثِّر فيه أثراً محموداً، كالبلد الخبيث لا يُؤثِّر فيه المطر {كذلك نصرِّف الآيات} نبيِّنها {لقوم يشكرون} نِعَمَ الله ويطيعونه.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِصْلاَحِهَا} {رَحْمَتَ} (56) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ أَصْلَحَها اللهُ بِمَا خَلَقَ فِيهَا مِنَ المَنَافِعِ وَالنِّظَامِ، وَبِمَا هَدَى النَّاسَ إِليهِ مِنْ حُسْنِ اسْتِغْلاَلها، وَالانْتِفَاعِ بِخَيْرَاتِهَا، وَبِمَا سَخَّرَهُ لَهُمْ مِنْهَا. وَيَشْمَلُ الإِفْسَادُ كُلَّ مَا أَفْسَدَ العُقُولَ وَالعَقَائِدَ، وَالآدَابَ الشَّخْصِيَّةَ وَالمَعَايِشَ وَالمَرَافِقَ مِنْ زِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ وَصِنَاعَةٍ.. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِدُعَائِهِ خَوْفاً مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ شَديدِ العِقَابِ، وَطَمَعاً بِمَا عِنْدَهُ مِنْ جَزِيلِ الثَّوابِ، فَرَحْمَةُ اللهِ مُرْصَدَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ الذِي يَتَّبِعُونَ أَوَامِرَهُ وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ. رَحْمَةَ اللهِ - إِنْعَامَهُ وَإِحْسَانَهُ أَوْ ثَوَابَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الأرض هي مكان الخليفة وهو الإِنسان، وفيها الأسباب الأصيلة لاستبقاء الحياة والسماء والأرض والشمس والهواء كلٌ مسخر لك. ولا تحتاج إلى تكليف فيه، فلا أنت تقول: "يا شمس أشرقي" أو "يا هواء هب" فكل ذلك مسخر لك. وأنت مطالب ألا تفسد فيما لك فيه اختيار؛ لأنك لا تستطيع أن تفسد قوانين الكون العليا، لا تستطيع أن تغير مسار الشمس ولا مسار القمر ولا مسار الريح، وأنت لن تستطيع إصلاح ما لا يمكن أن تقترب من إفساده، لأن أمره ليس بيدك لأنه لا اختيار لك فيه. وإنما يأتي الإِفساد من ملكات الاختيار الموجودة فيك، ولم يتركنا الله أحراراً فيها، بل حددها بمنهج يحمي حركة الحياة بـ "افعل" و "لا تفعل"، فإذا كان سبحانه قد أنزل قرآناً، والقرآن فيه منهج يحمي اختيارك إذن فقد أعطاك عناصر الإِصلاح ولذلك يقول لك: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً...} [الأعراف: 56] وهنا يعود الحق مرة أخرى للحديث عن الدعاء، فأولاً جاء بالأمر أن يكون الدعاء تضرعاً وخفية، وهنا يوضح الحق سبيلاً ثانيا للدعاء: {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً}. خوفاً من صفات جبروته وقهره، وطمعا في صفات غفرانه ورحمته؛ لأن لله صفات جمال وصفات جلال، وادعوه خوفاً من متعلقات صفات الجلال، وطمعاً في متعلقات صفات الجمال. أو خوفاً من أن تُرد وطمعاً فيما أنت ترجو. {...وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] إذن من الذي يحدد قرب الرحمة منه؟ إنه الإِنسان فإذا أحسن قربت منه الرحمة والزمام في يد الإِنسان؛ لأن الله لا يفتئت ولا يستبد بأحد. فإن كنت تريد أن تقرب منك رحمة الله فعليك بالإِحسان. {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. ولذلك قلنا إن الحق سبحانه وتعالى يقول: "حديث : لا أمل حتى تملّوا". تفسير : [من حديث قدسي] وأنت تدخل بيوت الله تصلى في أي وقت، وتقف في أي مكان لتؤدي الصلاة، إذن فاستحضارك أمام ربك في يدك أنت، وسبحانه حدد لك خمسة أوقات، ولكن بقية الأوقات كلها في يدك، وتستطيع أن تقف بين يدي الله في أي لحظة. وسبحانه يقول: "حديث : ومن جاءني يمشي أتيته هرولة " تفسير : [من حديث قدسي]. وهو جل وعلا يوضح لك: استرح أنت وسآتي لك أنا؛ لأن الجري قد يتعبك لكني لا يعتريني تعب ولا عي ولا عجز. وكأن الحق لا يطلب من العبد إلا أن يملك شعوراً بأنه يريد لقاء ربه. إذن فالمسألة كلها في يدك، ويقول سبحانه: "حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه". تفسير : [من حديث قدسي]. وهكذا يؤكد لك سبحانه أن رحمته في يدك أنت وقد أعطاها لك، وعندما تسلسلها تجدها تفضلاً من الله، ولكن في يدك أنت. {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. ونعلم أن فيه صفات لله وفيه ذات، فالذات (الله) وهو واهب الوجود، وله كل صفات الكمال وكل صفة لها متعلق؛ الرحمة لها متعلق والبعث له متعلق فمن أسمائه سبحانه "الباعث"؛ وإياك أن تغيب عن الذات، اجعل نفسك مسبحاً لذاته العلية دائماً. وقد تقول: يا رب أريد أن ترحمني في كذا، وقد لا ينفذ لك ما طلبت، لكن ذلك لا يجعلك تبتعد عن التسبيح للذات، لأن عدم تحقيق ما طلبت هو في مصلحتك وخير لك. وقد وقف العلماء عند كلمة "قريب" هذه، وتساءل بعضهم عن سرّ عدم مجيء تاء التأنيث بعد لفظ الجلالة؟ ونعلم أن القرآن قد نزل بلغة العرب، وعند العرب ألفاظ يستوي فيها التذكير والتأنيث، وما يقال للمذكر مثلما يقال للمؤنث، فنقول: "رجل صبور"، و"امرأة صبور"، ولا نقول: صبورة ونقول: "رجل معطار" أي يكثر استخدام العطر، و"امرأة معطار" أي تكثر استخدام العطر. ونقول: قريب مثلما نقول: قتيل بمعنى مقتول. فيقال: "رجل قتيل" و"امرأة قتيل"، ولا يقال: "قتيلة" إلا إذا لم يذكر معها كلمة امرأة أو ما يدل على التأنيث، لأن القتيل للذكر وللأنثى. هذه هي ألفاظ صحيح اللغة. وقد صنعت اللغة ذلك بأسانيد، فأنت حين نقول: "رجل صبور" أو "امرأة صبور" فالصبر يقتضي الجلد والعزم والشدة؛ لذلك لا نقول: "امرأة صبور" بل نأتي بالوصف المناسب للجَلَد والشدة. وإياك أن تضعفها بحكاية التأنيث، وكذلك "رجل معطار" و"امرأة معطار"، والرجل المعطار هو من تعرفه الناس من نفاذ رائحة عطره، والمرأة مبنية على الستر. فإن تعطرت فهي قد تشبهت بالرجل ويقال لها: "امرأة معطار"، وحين ننظر إلى كلمة "قريب" فهي من صيغة "فعيل" التي يستوي فيها المذكر والمؤنث؛ بدليل أن الله قال: {أية : ...وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4] والملائكة لفظها لفظ مؤنث، ولم يقل الحق "ظهيرة"، لأن "ظهير" يعني مُعين، والمعونة تتطلب القوة والعزم والمدد؛ لذلك جاء لها باللفظ المناسب الذي يدل على القوة وهو "ظهير". وكذلك قوله الحق: {...إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] و"قريب" بوزن "فعيل" بمعنى مفعول، ولعل بعض الناس يفهم أن "قريب" بمعنى فاعل أي قارب. مثل رحيم وراحم. أي أن رحمة الله هي التي تُقرب من المحسنين، والأمر ليس كذلك، فإن الرحمة هي المقروبة، والإحسان هو الذي يقرب إليها فيكون فعيل هنا بمعنى مفعول الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث، أن يكون جاءت كذلك على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة لموصوف محذوف أي شيء قريب، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، أو أن الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير. ويقول الحق بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ...}