Verse. 1011 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَہُوَالَّذِيْ يُرْسِلُ الرِّيٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِہٖ۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَاۗ اَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنٰہُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَاَنْزَلْنَا بِہِ الْمَاۗءَ فَاَخْرَجْنَا بِہٖ مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰتِ۝۰ۭ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتٰى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ۝۵۷
Wahuwa allathee yursilu alrriyaha bushran bayna yaday rahmatihi hatta itha aqallat sahaban thiqalan suqnahu libaladin mayyitin faanzalna bihi almaa faakhrajna bihi min kulli alththamarati kathalika nukhriju almawta laAAallakum tathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي يرسل الرياح نُشُرا بين يدي رحمته» أي متفرقة قدام المطر، وفي قراءة سكون الشين تخفيفا، وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرا، وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون: أي مبشرا ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة بشير «حتى إذا أقلت» حملت الرياح «سحابا ثقالا» بالمطر «سقناه» أي السحاب وفيه التفات عن الغيبة «لبلد ميت» لا نبات به أي لإحيائها «فأنزلنا به» بالبلد «الماء فأخرجنا به» بالماء «من كل الثمرات كذلك» الإخراج «نخرج الموتى» من قبورهم بالإحياء «لعلكم تذكرون» فتؤمنون.

57

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في كيفية النظم وجهين: الأول: أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية. وكمال العلم، والقدرة من العالم العلوي، وهو السموات والشمس والقمر والنجوم، أتبعه بذكر الدلائل من بعض أحوال العالم السفلي. واعلم أن أحوال هذا العالم محصورة في أمور أربعة: الآثار العلوية، والمعادن، والنبات، والحيوان، ومن جملة الآثار العلوية الرياح، والسحاب، والأمطار ويترتب على نزول الأمطار أحوال النبات، وذلك هو المذكور في هذه الآية. الوجه الثاني: في تقرير النظم أنه تعالى لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم، أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة ليحصل بمعرفة هاتين الآيتين كل ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ والمعاد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {ٱلرّيحَ } على لفظ الواحد والباقون {ٱلرّيَاح} على لفظ الجمع، فمن قرأ {ٱلرّيَاح } بالجمع حسن وصفها بقوله: {بَشَرًا } فإنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ {ٱلرّيحَ } واحدة قرأ {بُشرًا } جمعاً لأنه أراد بالريح الكثرة كقولهم كثير الدرهم والدينار والشاة والبعير وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 2] ثم قال: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [العصر: 3] فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع وأما قوله: {نَشْراً } ففيه قراءات: إحداها: قراءة الأكثرين {نُشُراً } بضم النون والشين، وهو جمع نشور مثل رسل ورسول، والنشور بمعنى المنشر كالركوب بمعنى المركوب، فكان المعنى رياح منشرة أي مفرقة من كل جانب والنشر التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار. وقال الفراء: النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب واحدها نشور وأصله من النشر، وهو الرائحة الطيبة ومنه قول امرىء القيس ونشر العطر. والقراءة الثانية: قرأ ابن عامر {نُشْراً } بضم النون وإسكان الشين، فخفف العين كما يقال كتب ورسل. والقراءة الثالثة: قرأ حمزة {نَشْراً } بفتح النون وإسكان الشين والنشر مصدر نشرت الثوب ضد طويته ويراد بالمصدر ههنا المفعول والرياح كأنها كانت مطوية، فأرسلها الله تعالى منشورة بعد انطوائها، فقوله: {نَشْراً } مصدر هو حال من الرياح والتقدير: أرسل الرياح منشرات، ويجوز أيضاً أن يكون النشر هنا بمعنى الحياة من قولهم أنشر الله الميت فنشر. قال الأعشى:شعر : يا عجباً للميت الناشر تفسير : فإذا حملته على ذلك وهو الوجه. كان المصدر مراداً به الفاعل كما تقول: أتاني ركضاً أي راكضاً، ويجوز أيضاً أن يقال: أن أرسل ونشر متقاربان، فكأنه قيل: وهو الذي ينشر الرياح نشراً. والقراءة الرابعة: حكى صاحب «الكشاف» عن مسروق {نَشْراً } بمعنى منشورات فعل بمعنى مفعول كنقض وحسب ومنه قولهم: ضم نشره. والقراءة الخامسة: قراءة عاصم {بشرًا} بالباء المنقطة بالمنطقة الواحدة من تحت جمع بشيراً على بشر من قوله تعالى: {يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ مُبَشّرٰتٍ } أي تبشر بالمطر والرحمة، وروى صاحب «الكشاف» {بشرًا } بضم الشين وتخفيفه و {بشرًا } بفتح الباء وسكون الشين مصدر من بشره بمعنى بشره أي باشرات وبشرى. المسألة الثانية: اعلم أن قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ } معطوف على قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }تفسير : [الأعراف: 54] ثم نقول: حد الريح أنه هواء متحرك فنقول: كون هذا الهواء متحركاً ليس لذاته ولا للوازم ذاته، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته فلا بد وأن يكون لتحريك الفاعل المختار وهو الله جل جلاله. قالت الفلاسفة: ههنا سبب آخر وهو أنه يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنه تسخيناً قوياً شديداً فبسبب تلك السخونة الشديدة ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى القرب من الفلك كان الهواء الملتصق بمقعر الفلك متحركاً على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لتلك الطبقة من الهواء فيمنع هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها، فحينئذ ترجع تلك الأدخنة وتتفرق في الجوانب، وبسبب ذلك التفرق تحصل الرياح، ثم كلما كانت تلك الأدخنة أكثر، وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضاً أشد حركة فكانت الرياح أقوى وأشد. هذا حاصل ما ذكروه، وهو باطل، ويدل على بطلانه وجوه: الأول: أن صعود الأجزاء الأرضية إنما يكون لأجل شدة تسخينها، ولا شك أن ذلك التسخن عرض لأن الأرض باردة يابسة بالطبع، فإذا كانت تلك الأجزاء الأرضية متصعدة جداً كانت سريعة الانفعال، فإذا تصاعدت، ووصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرد جداً، وإذا بردت امتنع بلوغها في الصعود إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك، فبطل ما ذكروه. الوجه الثاني: هب أن تلك الأجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك لكنها لما رجعت، وجب أن تنزل على الاستقامة، لأن الأرض جسم ثقيل، والثقيل إنما يتحرك بالاستقامة والرياح ليست كذلك، فإنها تتحرك يمنة ويسرة. الوجه الثالث: وهو أن حركة تلك الأجزاء الأرضية النازلة لا تكون حركة قاهرة، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير، ثم عاد ذلك الغبار، ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها، وترى هذه الرياح تقلع الأشجاء وتهدم الجبال وتموج البحار. والوجه الرابع: أنه لو كان الأمر على ما قالوه، لكانت الرياح كلما كانت أشد، وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر، لكنه ليس الأمر كذلك لأن الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر، مع أن الحس يشهد أنه ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شيء من الغبار والكدرة فبطل. ما قالوه، وبطل بهذا الوجه العلة التي ذكروها في حركة الرياح. قال المنجمون: إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها، وذلك أيضاً بعيد لأن الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة، وإن كان الموجب هو طبيعة الكوكب بشرط حصوله في البرج المعين والدرجة المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم، وليس كذلك، وأيضاً قد بينا أن الأجسام متماثلة باختصاص الكوكب المعين والبرج المعين فالطبيعة التي لأجلها اقتضت ذلك الأثر الخاص، لا بد وأن تكون بتخصيص الفاعل المختار. فثبت بهذا البرهان الذي ذكرناه أن محرك الرياح هو الله سبحانه وتعالى. وثبت بالدليل العقلي صحة قوله: {هوٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ }. المسألة الثالثة: قوله: {بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } فيه فائدتان: إحداهما: أن قوله: {نَشْراً} أي منشرة متفرقة، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة، وجزء آخر يذهب يسرة، وكذا القول في سائر الأجزاء، فإن كل واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول: لا شك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة ونسبة الأفلاك والأنجم والطبائع إلى كل واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ من تلك الريح نسبة واحدة، فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار. والفائدة الثانية: في الآية أن قوله: {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي بين يدي المطر الذي هو رحمته والسبب في حسن هذا المجاز أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز يقال: إن الفتن تحدث بين يدي الساعة، يريدون قبيلها، والسبب في حسن هذا المجاز، أن يدي الإنسان متقدماته فكل ما كان يتقدم شيئاً يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة فلما كانت الرياح تتقدم المطر، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ. فإن قيل: فقد نجد المطر ولا تتقدمه الرياح فنقول: ليس في الآية ان هذا التقدم حاصل في كل الأحوال، فلم يتوجه السؤال، وأيضاً فيجوز أن تتقدمه هذه الرياح وإن كنا لا نشعر بها. ثم قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً } يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله قال صاحب «الكشاف»: واشتقاق الإقلال من القلة، لأن من يرفع شيئاً فإنه يرى ما يرفعه قليلاً، وقوله: {سَحَابًا ثِقَالاً } أي بالماء جمع سحابة، والمعنى حتى إذا حملت هذه الرياح سحاباً ثقالاً بما فيها من الماء والمعنى أن السحاب الكثيف المستطير للمياه العظيمة إنما يبقى معلقاً في الهواء لأنه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكاً شديداً، فلأجل الحركات الشديدة التي في تلك الرياح تحصل فوائد: إحداها: أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى البعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر. وثانيها: أن بسبب تلك الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الأجزاء المائية النزول، فلا جرم يبقى متعلقاً في الهواء. وثالثها: أن بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر وهو الموضع الذي علم الله تعالى احتياجهم إلى نزول الأمطار وانتفاعهم بها. ورابعها: أن حركات الرياح تارة تكون جامعة لأجزاء السحاب موجبة لانضمام بعضها إلى البعض حتى ينعقد السحاب الغليظ، وتارة تكون مفرقة لأجزاء السحاب مبطلة لها. وخامسها: أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزروع والأشجار مكملة لما فيها من النشو والنماء وهي الرياح اللواقح، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف. وسادسها: أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للأبدان، وتارة تكون مهلكة إما بسبب ما فيها من الحر الشديد كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد الشديد كما في الرياح الباردة المهلكة جداً. وسابعها: أن هذه الرياح تارة تكون شرقية، وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية. وهذا ضبط ذكره بعض الناس وإلا فالرياح تهب من كل جانب من جوانب العالم ولا ضبط لها، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها. وثامنها: أن هذه الرياح تارة تصعد من قعر الأرض فإن من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل غليان شديد فيه بسبب تولد الرياح في قعر البحر إلى ما فوق البحر، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وتارة ينزل الريح من جهة فوق فاختلاف الرياح بسبب هذه المعاني أيضاً عجيب، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهو القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم، وأربعة منها رحمة: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» تفسير : والجنوب من ريح الجنة، وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض، وعن السدي: أنه تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك، ورحمته هو المطر. إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الرياح في الصفات المذكورة، مع أن طبيعة الهواء واحدة، وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة، يدل على أن هذه الأحوال لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى. ثم قال تعالى: {سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيّتٍ } والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولم ينبت فيه خضرة. فإن قيل: السحاب إن كان مذكراً يجب أن يقول: حتى إذا أقلت سحاباً ثقيلاً، وإن كان مؤنثاً يجب أن يقول سقناه فكيف التوفيق؟! والجواب: أن السحاب لفظه مذكر وهو جمع سحابة فكان ورود الكناية عنه على سبيل التذكير جائزاً، نظراً إلى اللفظ، وعلى سبيل التأنيث أيضاً جائزاً، نظراً إلى كونه جمعاً، أما «اللام» في قوله: {سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ } ففيه قولان: قال بعضهم هذه «اللام» بمعنى إلى يقال هديته للدين وإلى الدين. وقال آخرون: هذه «اللام» بمعنى من أجل، والتقدير سقناه لأجل بلد ميت ليس فيه حياً يسقيه. وأما البلد فكل موضع من الأرض عامر أو غير عامر، خال أو مسكون فهو بلد والطائفة منه بلدة والجميع البلاد والفلاة تسمى بلدة قال الأعشى:شعر : وبلدة مثل ظهر الترس موحشةٌ للجن بالليل في حافاتها زجلُ تفسير : ثم قال تعالى: {فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَاء } اختلفوا في أن الضمير في قوله: {بِهِ } إلى ماذا يعود؟ قال الزجاج وابن الأنباري: جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء، لأن السحاب آلة لإنزال الماء. ثم قال: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } الكناية عائدة إلى الماء، لأن إخراج الثمرات كان بالماء. قال الزجاج: وجائز أن يكون التقدير فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات، لأن البلد ليس يخص به هنا بلد دون بلد، وعلى القول الأول، فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء. وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار غير متولدة من الماء، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب، وقال جمهور الحكماء: لا يمتنع أن يقال إنه تعالى أودع في الماء قوة طبيعية، ثم إن تلك القوة الطبيعية توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء بالتراب وحدوث الطبائع المخصوصة. والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول، بأن طبيعة الماء والتراب واحدة. ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد أحوال مختلفة مثل العنب فإن قشره بارد يابس، ولحمه وماؤه حار رطب، وعجمه بارد يابس، فتولد الأجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب، يدل على أنها إنما حدثت بإحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصة. ثم قال تعالى: {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ } وفيه قولان: الأول: أن المراد هو أنه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الأمطار، فكذلك يحيي الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة. وروي أنه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطراً كالمني أربعين يوماً، وإنهم ينبتون عند ذلك ويصيرون أحياء. قال مجاهد: إذا أراد الله أن يبعثهم أمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها. والقول الثاني: أن التشبيه إنما وقع بأصل الأحياء بعد أن كان ميتاً، والمعنى: أنه تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه، فأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر، فكذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا أمواتاً، لأن من يقدر على إحداث الجسم، وخلق الرطوبة والطعم فيه، فهو أيضاً يكون قادراً على إحداث الحياة في بدن الميت، والمقصود منه إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة حق. واعلم أن الذاهبين إلى القول الأول إن اعتقدوا أنه لا يمكن بعث الأجساد إلا بأن يمطر على تلك الأجساد البالية مطراً على صفة المني، فقد أبعد، ولأن الذي يقدر على أن يحدث في ماء المطر الصفات التي باعتبارها صار المني منياً ابتداء، فلم لا يقدر على خلق الحياة والجسم ابتداء؟ وأيضاً فهب أن ذلك المطر ينزل إلا أن أجزاء الأموات غير مختلطة، فبعضها يكون بالمشرق، وبعضها يكون بالمغرب، فمن أين ينفع إنزال ذلك المطر في توليد تلك الأجساد؟ فإن قالوا: إنه تعالى بقدرته وبحكمته يخرج تلك الأجزاء المتفرقة فلم لم يقولوا إنه بقدرته وحكمته يخلق الحياة في تلك الأجزاء ابتداء من غير واسطة ذلك المطر؟ وإن اعتقدوا أنه تعالى قادر على إحياء الأموات ابتداء، إلا أنه تعالى إنما يحييهم على هذا الوجه كما أنه قادر على خلق الأشخاص في الدنيا ابتداء، إلا أنه أجرى عادته بأنه لا يخلقهم إلا من الأبوين فهذا جائز. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } والمعنى: أنكم لما شاهدتم أن هذه الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف بالأزهار والثمار، ثم صارت عند الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم إنه تعالى أحياها مرة أخرى، فالقادر على إحيائها بعد موتها يجب كونه أيضاً قادراً على إحياء الأجساد بعد موتها، فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } المراد منه تذكر أنه لما لم يمتنع هذا المعنى في إحدى الصورتين وجب أن لا يمتنع في الصورة الأخرى. ثم قال تعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: القول الأول: وهو المشهور أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض الخيرة والأرض السبخة، وشبه نزول القرآن بنزول المطر، فشبه المؤمن بالأرض الخيرة التي نزل عليها المطر فيحصل فيها أنواع الأزهار والثمار، وأما الأرض السبخة فهي وإن نزل المطر عليها لم يحصل فيها من النبات إلا النزر القليل، فكذلك الروح الطاهرة النقية عن شوائب الجهل والأخلاق الذميمة إذا اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع من الطاعات والمعارف والأخلاق الحميدة، والروح الخبيثة الكدرة وإن اتصل به نور القرآن لم يظهر فيه من المعارف والأخلاق الحميدة إلا القليل. والقول الثاني: أنه ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر، وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة. فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة، فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لا بد من تحملها في أداء الطاعات، كان ذلك أولى. المسألة الثانية: هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، وذلك لأنها دلت على أن الأرواح قسمان: منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون في أصل جوهرها غليظة كدرة بطيئة القبول للمعارف الحقيقية، والأخلاق الفاضلة، كما أن الأراضي منها ما تكون سبخة فاسدة، وكما أنه لا يمكن أن يتولد في الأراضي السبخة تلك الأزهار والثمار التي تتولد في الأرض الخيرة، فكذلك لا يمكن أن يظهر في النفس البليدة والكدرة الغليطة من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة مثل ما يظهر في النفس الطاهرة الصافية، ومما يقوي هذا الكلام أنا نرى النفوس مختلفة في هذه الصفات فبعضها مجبولة على حب عالم الصفاء والإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانية كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ } تفسير : [المائدة: 83] ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه المعاني كما قال: {أية : فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } تفسير : [البقرة: 74] ومنها ما تكون شديدة الميل إلى قضاء الشهوة متباعدة عن أحوال الغضب، ومنها ما تكون شديدة الميل إلى إمضاء الغضب، وتكون متباعدة عن أعمال الشهوة بل نقول: من النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون الجاه، ومنهم من يكون بالعكس، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته في النقود، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع والعقار، وإذا تأملت في هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس مختلفة في هذه الأحوال اختلافاً جوهرياً ذاتياً لا يمكن إزالته ولا تبديله، وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع إلى أفعال الفجور أن تصير نفساً مشرقة بالمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة، ولما ثبت هذا كان تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جارياً مجرى تكليف ما لا يطاق فثبت بهذا البيان: أن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكداً قليل الفائدة والخير، كثير الفضول والشر. والوجه الثاني: من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبّهِ } وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى. المسألة الثالثة: قرىء {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } أي يخرجه البلد وينبته. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِى خَبُثَ } قال الفراء: يقال: خبث الشيء يخبث خبثاً وخباثة. وقوله: {إِلاَّ نَكِدًا } النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل. وقال الليث: النكد: الشؤم واللؤم وقلة العطاء، ورجل أنكد ونكد قال:شعر : وأعط ما أعطيته طيبا لا خير في المنكود والناكد تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَٱلَّذِى خَبُثَ } صفة للبلد ومعناه والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى ذلك البلد مقامه، إلا أنه كان مجروراً بارزاً فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدر ونبات الذي خبث، وقرىء {نَكِدًا } بفتح الكاف على المصدر أي ذا نكد. ثم قال تعالى: {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } قرىء {يُصْرَفْ } أي يصرفها الله، وإنما ختم هذه الآية بقوله: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سبباً لنزول المطر الذي هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سبباً لحدوث أنواع النبات النافعة اللطيفة اللذيدة، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، ومن الوجه الثاني تنبيه على إيصال هذه النعمة العظيمة إلى العباد، فلا جرم كانت من حيث إنها دلائل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها، فلا جرم قال: {نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } وإنما خص كونها آيات بالقوم الشاكرين لأنهم هم المنتفعون بها، فهو كقوله: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }تفسير : [البقرة: 2].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} عطف على قوله: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ». ذكر شيئاً آخر من نعمه، ودل على وحدانيته وثبوت إلَهِيّتِه. وقد مضى الكلام في الريح في «البقرة». ورياح جمع كثرة، وأرواح جمع قِلة. وأصل ريح رِوح. وقد خطىء من قال في جمع القلة أرياح. {بُشْراً} فيه سبع قراءات: قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو «نُشُراً» بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب، أي ذات نشر؛ فهو مثلُ شاهد وشُهُد. ويجوز أن يكون جمع نَشُور كرَسُول ورُسُل. يقال: ريح النشور إذا أتت من هاهنا وهاهنا. والنَّشُور بمعنى المنشور؛ كالرّكوب بمعنى المركوب. أي وهو الذي يرسل الرياح منشرة. وقرأ الحسن وقتادة «نُشْراً» بضم النون وإسكان الشين مخفَّفاً من نُشُر؛ كما يقال: كُتْب ورُسْل. وقرأ الأعمش وحمزة «نَشْراً» بفتح النون وإسكان الشين على المصدر، أعمل فيه معنى ما قبله؛ كأنه قال: وهو الذي ينشر الرّياح نشْراً. نشرت الشيء فٱنتشر، فكأنها كانت مطوية فنُشرت عند الهُبُوب. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال من الرياح؛ كأنه قال يرسل الرياح مُنْشرة، أي مُحيية؛ من أنْشر الله الميتَ فنَشَر، كما تقول أتانا ركضاً، أي راكضاً. وقد قيل: إن نَشْراً (بالفتح) من النَّشْر الذي هو خلاف الطي على ما ذكرنا. كأن الريح في سكونها كالمطوية ثم ترسل من طَيِّها ذلك فتصير كالمنفتحة. وقد فسره أبو عبيد بمعنى متفرِّقة في وجوهها، على معنى ينشرها ها هنا وها هنا. وقرأ عاصم: «بُشْراً» بالباء وإسكان الشين والتنوين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر. وشاهده قوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} تفسير : [الروم: 46]. وأصل الشين الضم، لكن سكِّنت تخفيفاً كرسُل ورُسْل. وروى عنه «بَشْراً» بفتح الباء. قال النحاس: ويقرأ «بُشُراً» و«بَشْر مصدر بَشَره يبشره بمعنى بشَّره» فهذه خمس قراءات. وقرأ محمد اليمانِي «بُشْرَى» على وزن حُبْلَى. وقراءة سابعة «بُشُرَى» بضم الباء والشين. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} السحاب يذكَّر ويؤنَّث. وكذا كل جمع بينه وبين واحدته هاء. ويجوز نعته بواحد فتقول: سحاب ثقيل وثقيلة. والمعنى: حملت الريح سَحاباً ثِقَالاً بالماء، أي أثقلت بحمله. يقال: أقلّ فلان الشيء أي حمله. {سُقْنَاهُ} أي السحاب. {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي ليس فيه نبات. يقال: سقته لبلد كذا وإلى بلد كذا. وقيل: لأجل بلد ميت؛ فاللام لام أجل. والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خالٍ أو مسكون. والبلدة والبلد واحد البلاد والبُلدان. والبَلَد الأثر وجمعه أبلاد. قال الشاعر:شعر : مِن بعد ما شَمـل البِلَـى أبلادَها تفسير : والبلد: أُدْحِيّ النَّعام. يقال: هو أذلّ من بَيْضَة البلد، أي من بيضة النعام التي يتركها. والبلدة الأرض؛ يقال: هذه بلدتنا كما يقال بَحْرَتُنا. والبَلْدَة من منازل القمر، وهي ستّة أنْجُم من القوس تنزلها الشمس في أقصر يوم في السنة. والبلدة الصّدر؛ يقال: فلان واسع البلدة أي واسع الصدر. قال الشاعر:شعر : أُنِيخَتْ فألقتْ بَلْدَةً فوقَ بلدة قليلٍ بها الأصواتُ إلاّ بُغَامُها تفسير : يقول: بركت الناقة فألقت صدرها على الأرض. والبُلدة (بفتح الباء وضمها): نقاوة ما بين الحاجبين؛ فهما من الألفاظ المشتركة. {فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ} أي بالبلد. وقيل: أنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء. ويحتمل أن يكون المعنى فأنزلنا منه الماء؛ كقوله: {أية : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 6] أي منها. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الكاف في موضع نصب. أي مثل ذلك الإخراج نحيـي الموتى وخرج البيهقِيّ وغيره عن حديث : أبي رَزِين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أمَا مَررت بوادِي قومك جَدْباً ثم مَررت به يهتز خَضِراً» قال: نعم، قال: «فتلك آية الله في خلقه»تفسير : . وقيل: وجه التشبيه أنّ إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على قبورهم، فتنشقّ عنهم القبور، ثم تعود إليهم الأرواح. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثم يرسل الله ـ أو قال ينزل الله ـ مطراً كأنه الطَّلُّ فتنبت منه أجساد الناس ثم يقال يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقِفوهم إنهم مسؤولون»تفسير : . وذكر الحديث. وقد ذكرناه بكماله في كتاب (التذكرة) والحمد لله. فدل على البعث والنشور؛ وإلى الله ترجع الأمور.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه؛ لأنه على ما يشاء قادر، نبه تعالى على أنه الرزاق، وأنه يعيد الموتى يوم القيامة، فقال: {وهو الذي يرسل الرياح بشراً} أي: منتشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من قرأ: بشرا؛ كقوله: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَـٰحَ مُبَشِّرَٰتٍ} وقوله: {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} أي: بين المطر؛ كما قال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ } تفسير : [الشورى: 28] وقال: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الروم: 50] وقوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً} أي: حملت الرياح سحاباً ثقالاً، أي: من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة؛ كما قال زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله:شعر : وأسلَمْتُ وجهي لمَنْ أسلَمَتْ له المُزنُ تحمل عَذْباً زُلالاً وأسلَمْتُ وجهي لمَنْ أسلَمَتْ له الأرضُ تحمل صَخْراً ثِقالاً تفسير : وقوله: {سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي: إلى أرض ميتة مجدبة، لا نبات فيها؛ كقوله: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا} تفسير : [يس: 33] الآية، ولهذا قال: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميماً، يوم القيامة، ينزل الله سبحانه وتعالى ماء من السماء، فتمطر الأرض أربعين يوماً، فتنبت منه الأجساد في قبورها؛ كما ينبت الحب في الأرض. وهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب الله مثلاً ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قال: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقوله: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعاً حسناً؛ كقوله: {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} تفسير : [آل عمران: 37] {وَٱلَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} قال مجاهد وغيره: كالسباخ ونحوها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حماد بن أسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً، فكانت منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» تفسير : رواه مسلم والنسائي من طرق عن أبي أسامة حماد بن أسامة به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيـَٰحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي متفرّقة قدّام المطر، وفي قراءة بسكون الشين تخفيفاً. وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدراً، وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون: أي بُشراً، ومفرد الأولى: (نَشُور) (كرسول)، والآخرة (بَشير) {حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ } حملت الرياح {سَحَابًا ثِقَالاً } بالمطر {سُقْنَٰهُ } أي السحاب، وفيه التفات عن الغيبة {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ } لا نبات به: أي لإِحيائها {فَأَنزَلْنَا بِهِ } بالبلد {ٱلْمآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بالماء {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ كَذٰلِكَ } الإِخراج {نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ } من قبورهم بالإِحياء {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتؤمنون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ} يعني طيب التربة. {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} يعني يخرج نباته حسناً جيداً. {وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} فيه قولان: أحدهما: أن النكد القليل الذي لا ينتفع به، قاله السدي. والثاني: أنه العسر بشدته المانع من خيره، قال الشاعر: شعر : وَأَعْطِ مَا أَعَطْيتَهُ طَيِّباً لاَ خَيْرَ فِي الْمَنْكُودِ وَالنَّاكِد تفسير : وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فجعل المؤمن كالأرض الطيبة والكافر كالأرض الخبيثة السبخة، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي.

ابن عطية

تفسير : هذه آية اعتبار واستدلال، وقرأ نافع وأبو عمرو "الرياح" بالجمع "نُشُراً" بضم النون والشين، قال أبو حاتم، وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن وأبي رجاء، واختلف عنهم الأعرج، وأبي جعفر ونافع وأبي عمرو وعيسى بن عمر وأبي يحيى وأبي نوفل الأعرابيين، وقرأ ابن كثير "الريح" واحدة "نُشْراً" بضمها أيضاً، وقرأ ابن عامر "الرياح" جمعاً "نُشْراً" بضم النون وسكون الشين، قال أبو حاتم: ورويت عن الحسن وأبي عبد الرحمن وأبي رجاء وقتادة وأبي عمرو، وقرأ حمزة والكسائي، "الريح" واحدة، "نَشْراً" بفتح النون وسكون الشين، قال أبو حاتم وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وزر بن حبيش وابن وثاب وإبراهيم وطلحة والأعمش ومسروق بن الأجدع، وقرأ ابن جني قراءة مسروق "نَشَرا" بفتح النون والشين، وقرأ عاصم "الرياح" جماعة "بُشْراً" بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه "بُشُراً" بضم الباء والشين، وقرأ بها ابن عباس والسلمي وابن أبي عبلة، وقرأ محمد بن السميفع وأبو قطيب "بُشرى" على وزن فعل بضم الباء، ورويت عن أبي يحيى وأبي نوفل، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "بَشْرا" بفتح الياء وسكون الشين، قال الزهراوي: ورويت هذه عن عاصم. ومن جمع الريح في هذه الآية فهو أسعد، وذلك أن الرياح حيث وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرحمة كقوله {أية : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} تفسير : [الروم:45] وقوله {أية : وأرسلنا الرياح لواقح} تفسير : [الحجر:22] وقوله {أية : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً} تفسير : [الروم:48] وأكثر ذكر الريح مفردة، إنما هو بقرينة عذاب، كقوله {أية : وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} تفسير : [الذاريات:41] وقوله {أية : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} تفسير : [الحاقة:6] وقوله {أية : بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها} تفسير : [الأحقاف:24] نحا هذا المنحى يحيى بن يعمر وأبو عمرو بن العلاء وعاصم، وفي الحديث حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح يقول "اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" . تفسير : قال القاضي أبو محمد: والمعنى في هذا كله بين، وذلك أن ريح السقيا والمطر أنها هي منتشرة لينة تجيء من هاهنا وتتفرق فيحسن من حيث هي منفصلة الأجزاء متغايرة المهب يسيراً أن يقال لها رياح، وتوصف بالكثرة ريح الصر والعذاب، عاصفة صرصر جسد واحد شديدة المر مهلكة بقوتها وبما تحمله أحياناً من الصر المحرق، فيحسن من حيث هي شديدة الاتصال أن تسمى ريحاً مفردة، وكذلك أفردت الريح في قوله تعالى: {أية : وجرين بهم بريح طيبة} تفسير : [يونس:22] من حيث جري السفن إنما جرت بريح متصلة كأنها شيء واحد فأفردت لذلك ووصفت بالطيب إزالة الاشتراك بينها وبين الريح المكروهة، وكذلك ريح سليمان عليه السلام إنما كانت تجري بأمره أو تعصف في حقوله وهي متصلة، وبعد فمن قرأ في هذه الآية الريح بالإفراد فإنما يريد به اسم الجنس، وأيضاً فتقيدها بـ "نشر" يزيل الاشتراك. والإرسال في الريح هو بمعنى والإجراء والإطلاق والإسالة ومنه الحديث فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، والريح تجمع في القليل أرواح وفي الكثير رياح لأن العين من الريح واو انقلبت في الواحد ياء للكسر الذي قبلها، وكذلك في الجمع الكثير، وصحت في القليل لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال، وأما "نُشُراً" بضم النون والشين فيحتمل أن يكون جمع ناشر على النسب أي ذات نشر من الطي أو نشور من الحياة، ويحتمل "نَشُراً" أن يكون جمع نشور بفتح النون وضم الشين كرسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر، ويحتمل "نشرا" أن يكون كالمفعول بمعنى منشور كركوب بمعنى مركوب، ويحتمل أن يكون من أبنية اسم الفاعل لأنها تنشر الحساب، وأما مثال الأول في قولنا ناشر ونشر فشاهد وشهد ونازل ونزل، كما قال الشاعر: شعر : أو تنزلون فإنّا معشر نزل تفسير : وقاتل وقتل ومنه قول الأعشى: [البسيط] شعر : إنا لمثلكم يا قومنا قتل تفسير : وأما من قرأ "نُشْراً" بضم النون وسكون الشين فإنما خفف الشين من قوله {نشراً} وأما من قرأ "نَشْراً" بفتح النون وسكون الشين فهو مصدر في موضع الحال من الريح، ويحتمل في المعنى أن يراد به من النشر الذي هو خلاف الطيّ كل بقاء الريح دون هبوب طيّ، ويحتمل أن يكون من أن النشر الذي هو الإحياء كما قال الأعشى: [السريع] شعر : يا عجبا للميّت الناشر تفسير : وأما من قرأ "نَشَراً" بفتح النون والشين وهي قراءة شاذة فهو اسم وهو على النسب، قال أبو الفتح أي ذوان نشر، والنَّشَر أن تنتشر الغنم بالليل فترعى، فشبه السحاب، في انتشاره وعمومه بذلك، وأما "بُشُراً" بضم الباء والشين فجمع بشير كنذير ونذر، و"بشْراً" بسكون الشين مخفف منه و "بَشْراً" بفتح الباء وسكون الشين مصدر و "بشرى" مصدر أيضاً في موضع الحال. و"الرحمة" في هذه الآية المطر، و {بين يدي} أي أمام رحمته وقدامها وهي هنا استعارة وهي حقيقة فيما بين يدي الإنسان من الأجرام. و {أقلت} معناه: رفعت من الأرض واستقلت بها، ومنه القلة وكأن المقل يرد ما رفع قليلاً إذا قدر عليه، و {ثقالاً} معناه من الماء، والعرب تصف السحاب بالثقل والدلح، ومنه قول قيس بن الخطيم: [المتقارب] شعر : بأحسنَ منها ولا مزنة دلوح تكشف أدجانها تفسير : والريح تسوق السحاب من ورائها فهو سوق حقيقة، والضمير في {سقناه} عائد على السحاب، واستند الفعل إلى ضمير اسم الله تعالى من حيث هو إنعام، وصفة البلد بالموت، استعارة بسبب سعته وجدوبته وتصويح نباته، وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش: "لبلد ميْت" بسكون الياء وشدها الباقون, والضمير في قوله: {فأنزلنا به} يحتمل أن يعود على السحاب أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن يعود على الماء وهو أظهرها، وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن الله تعالى يرسل الرياح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين طرق السماء والأرض حيث يلتقيان فتخرجه من ثم ثم تنشره فتبسطه في السماء ثم تفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم تمطر السحاب بعد ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا التفصيل لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله تبارك وتعالى {كذلك نخرج الموتى} يحتمل مقصدين أحدهما أن يراد كهذه القدرة العظيمة في إنزال الماء وإخراج الثمرات به من الأرض المجدبة هي القدرة على إحياء الموتى من الأجداث وهذه مثال لها، ويحتمل أن يراد أن هكذا يصنع بالأموات من نزول المطر عليهم حتى يحيوا به فيكون الكلام خبراً لا مثلاً، وهذا التأويل إنما يستند إلى الحديث الذي ذكره الطبري عن أبي هريرة أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى مطر عليهم مطر من ماء تحت العرش يقال له ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع، فإذا كملت أجسادهم نفخ فيهم الروح، ثم تلقى عليهم نومة فينامون فإذا نفخ في الصور الثانية قاموا وهم يجدون طعم النوم، فيقولون يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، فيناديهم المنادي هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. وقوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته} آية متممة للمعنى الأول في الآية قبلها معرفة بعادة الله تعالى في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مثالاً لقلب المؤمن وقلب الكافر فذلك كله مرتب، لكن ألفاظ الآية لا تقتضي أن المثال قصد بذلك والتمثيل بذلك حكاه الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وقال النحاس: هو مثال للفهيم وللبليد، و {الطيب}: هو الجيد التراب الكريم الأرض، وخص بإذن ربه مدحاً وتشريفاً، وهذا كما تقول لمن تغض منه، أنت كما شاء الله فهي عبارة تعطي مبالغة في مدح أو ذم ومن هذا قوله تعالى: {أية : فله ما سلف وأمره إلى الله} تفسير : [البقرة:275] على بعض التأويلات، والخبيث هو السباخ ونحوهما من رديء الأرض، وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر "يُخْرِج نباتَه" بضم الياء وكسر الراء ونصب التاء، و "النكد" العسير القليل، ومنه قول الشاعر: [المنسرح] شعر : لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تافهاً نكدا تفسير : ونكد الرجل إذا سأل إلحافاً وأخجل ومنه قول الشاعر: [السريع] شعر : وأعط ما أعطيته طيباً لا خير في المنكود والناكد تفسير : وقرأ جمهور الناس وجميع السبعة "نَكِداً" بفتح النون وكسر الكاف، وقرأ طلحة بن مصرف "نَكْداً" بتخفيف الكاف وفتح النون، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "نَكَداً " بفتح النون والكاف، وقال الزجّاج: وهي قراءة أهل المدينة {كذلك نصرف الآيات} أي هكذا نبين الأمور، و {يشكرون} معناه يؤمنون ويثنون بآلاء الله.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وهو الذي يرسل الرياح} هذا عطف على ما قبله. والمعنى أن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض وهو الذي يرسل الرياح {بشراً} قرئ نشراً بالنون أراد جمع نشور وهي الريح الطيبة الهبوب التي تهب من كل ناحية، وقيل: هو جمع ناشر يقال أنشر الله الريح بمعنى أحياها. وقال الفراء: النشر الريح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب. وقال ابن الأنباري: النشر المنتشرة الواسعة الهبوب. وقيل: النشر خلاف الطيّ فيحتمل أنها كانت بانقطاعها كالمطوية فانتشرت بمعنى أرسلت. وقرئ بشراً بالباء جمع بشيرة وهي التي تبشر بالمطر والريح هو الهواء المتحرك يمنة ويسرة والرياح أربعة الصبا وهي الشرقية والدبور وهي الغربية والشمال وهي التي تهب من تحت القطب الشمالي والجنوب وهي القبلية. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرياح ثمان: أربع منها عذاب وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات {بين يدي رحمته} يعني أمام المطر الذي هو رحمته وإنما سماه رحمة لأنه سبب لحياة الأرض الميتة. قال أبو بكر بن الأنباري رحمه الله تعالى: اليدان تستعملهما العرب في المجاز على معنى التقدمة تقول هذه تكون في الفتن بين يدي الساعة يريدون قبل أن تقوم الساعة تشبيهاً وتمثيلاً بما إذا كانت يد الإنسان تتقدمانه كذلك الرياح تتقدم المطر وتؤذن به. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله ما بلغكم في الريح فلم يرجعوا إليه شيئاً وبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت في مؤخر الناس فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله من خيرها واستعيذوا بالله من شرها"تفسير : رواه الشافعي رضي الله عنه بطوله وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وقال كعب الأحبار: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل الأرض وقوله تعالى: {حتى إذا أقلّت سحاباً ثقالاً} يقال أقل فلان الشيء إذا حمله واشتقاق الإقلال من القلة فإن من يرفع شيئاً يراه قليلاً والسحاب جمع سحابة وهو الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء سمي سحاباً لانسحابه في الهواء. والمعنى: حتى إذا حملت هذه الرياح سحاباً ثقالاً بما فيه من الماء قال السدي: إن الله تبارك وتعالى يرسل الرياح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين وهما طرفا السماء والأرض حيث يلقيان فتخرجه من ثم، ثم تنشره فتبسطه في السماء كيف يشاء ثم تفتح له أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وقيل إن الله تعالى دبر بحكمته أن الرياح تتحرك تحريكاً شديداً فتثير السحاب ثم ينضم بعضه إلى بعض فيتراكم وينعقد ويحمل الماء ثم تسوقه إلى حيث يشاء الله عز وجل وهو قوله تعالى: {سقناه لبلد ميت} يعني إلى بلد فتكون اللام بمعنى إلى. وقيل: معناه لأجل حياة بلد ميت وإنما قال سقنا، لأن لفظ السحاب مذكر وإن كان جمع سحابة فكان ورود الكناية عنه على سبيل التذكير جائزاً نظراً إلى اللفظ، قال الأزهري رحمه الله تعالى: قال الليث البلد كل موضع من الأرض عامراً أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منها بلدة والجمع بلاد. زاد غيره والمفازة تسمى بلدة، لكونها مسكن الوحش والجن. قال الأعشى: شعر : وبلدة مثل ظهر الترس موحشة للجن بالليل في حافاتها زجل تفسير : ومعنى الآية: إنا سقنا السحاب إلى بلد ميت محتاج لإنزال الماء لم ينزل فيه غيث ولم تنبت فيه خضرة {فأنزلنا به الماء} اختلفوا في الضمير في قوله تعالى به إلى ماذا يعود؟ فقال الزجاج رحمه الله وابن الأنباري جائز أن يكون المعنى فأنزلنا بالبلد الميت الماء وجائز أن يكون المعنى وأنزلنا بالسحاب الماء لأن السحاب آلة لنزول الماء {فأخرجنا به} يعني بذلك الماء لأن إنزال الماء كان سبباً لإخراج الثمرات، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى فأخرجنا بذلك الماء {من كل الثمرات} يعني وأخرجنا بذلك البلد بعد موته وجد به من أصناف الثمار والزورع {كذلك نخرج الموتى} يعني كما أحيينا البلد الميت كذلك نخرج الموتى أحياء من قبورهم بعد فنائهم ودروس آثارهم واختلفوا في وجه التشبيه، فقيل: إن الله تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال المطر كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضاً. قال أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما: إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر الله تعالى عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. وفي رواية: أربعين يوماً فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم النوم فينامون في قبورهم فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عاشوا ثم يحشرون من قبورهم وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه فعند ذلك يقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا فيناديهم المنادي: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون: قال مجاهد: إذا أراد الله تعالى أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تنشق الأرض ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض به وقيل إنما وقع التشبيه بأصل الإحياء والمعنى أنه تعالى كما أحيا هذا البلد الميت بعد خرابه وموته فأنبت فيه الزرع والشجر وجعل فيه الثمر كذلك يحيى الموتى ويخرجهم من قبورهم أحياء بعد أن كانوا أمواتاً ورمماً بالية لأن من قدر على إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس قادر على أن يحييهم ويخرجهم من قبورهم إلى حشرهم ونشرهم {لعلكم تذكرون} الخطاب لمنكري البعث، يقول: إنكم شاهدتم الأشجار وهي مزهرة مورقة مثمرة في أيام الربيع والصيف ثم إنكم شاهدتموها يابسة عارية من تلك الأزهار والأوراق والثمار ثم إن الله تعالى أحياها مرة أخرى فالقادر على إحيائها بعد موتها قادر على إحياء الأجساد بعد موتها. والمعنى: إنما وصفت ما وصفت من التشبيه والتمثيل لكي تعتبروا وتتذكروا وتعلموا أن من فعل ذلك كان هو الذي يعيد ويحيي. قوله تعالى: {والبلد الطيب} يعني والأرض الطيبة التربة السهلة السمحة {يخرج نباته بإذن ربه} يعني إذا أصابه المطر أخرج نباته بإذن الله عز وجل: {والذي خبث لا يخرج} يعني والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة لا يخرج يعني لا يخرج نباته {إلا نكداً} يعني عسراً بمشقة وكلفة قال الشاعر في المعنى يذم إنساناً: شعر : لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تافهاً نكدا تفسير : يعني بالتافه القليل بالنكد العسير ومعناه: إنك إن أعطيت أعطيت القليل بعسر ومشقة. قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فشبه المؤمن بالأرض الحرة الطيبة وشبه نزول القرآن على قلب المؤمن بنزول المطر على الأرض الطيبة فإذا نزل المطر عليها أخرجت أنواع الأزهار والثمار وكذلك المؤمن إذا سمع القرآن آمن به وانتفع به وظهرت منه الطاعات والعبادات وأنواع الأخلاق الحميدة وشبه الكافر بالأرض الرديئة الغليظة السبخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر فكذلك الكافر إذا سمع القرآن لا ينتفع به ولا يصدقه ولا يزيده إلا عتواً وكفراً وإن عمل الكافر حسنة في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في الآخرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول هو طيب وعمله طيب كما أن البلد الطيب ثمره طيب ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبخة المالحة التي خرجت منها البركة فالكافر خبيث وعمله خبيث. وقال مجاهد: هذا مثل ضربه الله تعالى لآدم وذريته كلهم منهم خبيث وطيب ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبته كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله عز وجل ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: {كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} يعني كما ضربنا هذا المثل كذلك نبين الآيات الدالة على التوحيد والإيمان آية بعد آية وحجة بعد حجة لقوم يشكرون الله تعالى على إنعامه عليهم بالهداية وحيث جنّبهم سبيل الضلالة وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا لسماع القرآن

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً...} الآية: هذه آية اعتبار، واستدلال. وقرأ عاصم الرياح بالجَمْعِ، «بُشْراً» بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه «بُشُراً» بضم الباء والشين، ومن جمع الريح في هذه الآية، فهو أسعد؛ وذلك أن الرِّيَاحَ حيث وَقَعَتْ في القرآن فهي مقترنة بالرحمة، كقوله: { أية : وَمِنْ آيَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَـٰحَ مُبَشِّرَٰتٍ } تفسير : [الروم:46] وأكثر ذِكْرِ الريح مفردة إنما هو بقرينة عَذَابٍ، كقوله سبحانه: { أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } تفسير : [الذاريات:41] وقد تقدم إيضاح هذا في «سورة البقرة». ومن قرأ في هذه الآية «الريح» بالإفراد، فإنما يريد به اسْمَ الجِنْسِ، وأيضاً فتقييدها بـــ «بشراً» يزيل الاشتراك. والإِرْسَالُ في الريح هو بمعنى الإجراءِ، والإطلاق، وبُشْرَاً، أي: تَبْشُرُ السحابَ، وأما «بُشُراً» بضم الباء والشين، فجمع بَشِير، كنذير ونُذُور، والرحمة في هذه الآية المَطَرُ، و{بَيْنَ يَدَيْ}، أي: أمام رحمته وقدامها، و{أَقَلَّتْ} معناه: رفعته من الأرض، واسْتَقَلَّتْ به، و{ثِقَالاً} معناه من الماء، والعَرَبُ تَصِفُ السحاب بالثّقَلِ، والرِّيحُ تَسُوقُ السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة، والضمير في {سُقْنَـٰهُ} عائد على السحاب، ووصف البلد بالمَوْتِ استعارة بسبب شعثه وجدوبته. والضمير في قوله {فَأَنزَلْنَا بِهِ} يحتمل أن يَعُودَ على السحاب، أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن يعود على الريح. وقوله تبارك وتعالى: {كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} يحتمل مقصدين: أحدهما: أن يراد كهذه القُدْرَةِ العظيمة هي القدرة على إِحْيَاءِ الموتى، وهذا مثال لها. الثاني: أن يراد أن هكذا نَصْنَعُ بالأموات من نزول المَطَرِ عليهم، حتى يحيوا به، حَسَبَ ما وردت به الآثار، فيكون الكَلاَمُ خبراً لا مثالاً. وقوله سبحانه: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ...} آية مُتَمِّمَةٌ للمعنى الأول في الآية قبلها، معرفة بِعَادَةِ اللَّه سبحانه في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مِثَالاً لقلب المؤمن، وقلب الكافر، كما هو محكي عن ابن عَبَّاسٍ، ومجاهد، وقتادة، والسدي، فذلك مترتب، لكن أَلْفَاظَ الآية لا تقتضي أن المَثَل قصد به ذلك، والطيب: هو الجَيِّدُ التُّرَابِ الكريمُ الأَرْضِ وخص بإذن ربه مَدْحاً وتشريفاً، وهذا كما تقول لمن تغضُّ منه: أنت كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم. والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض. والنَّكدُ العَسِيرُ القليل. {كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ} أي هكذا نبين الأمور، و{يَشْكُرُونَ} معناه: يؤمنون ويثنون بآلآءِ اللَّه سبحانه.

ابن عادل

تفسير : في كيفيَّة النَّظْمِ وجهان: الأولُ: أنه تعالى لمّا ذكر دَلاَئِلَ الإلهيَّةِ، وكمال العلم والقدرة من العالم العلويّ، وهو السَّموات والشَّمْسُ، والقمر، والنُّجُوم، أتبعه بذكر الدَّلائل من أحوال العَالمِ السُّفْلِيّ. واعلم أنَّ أحوال هذا العالم محصورةٌ في أمور أربعة: الآثار العُلْويَّة، والمعادن، والنَّبَات، والحيوان، ومن جملة الآثار العلويَّة: الرياحُ والسَّحَابُ والأمطار، ويترتب على نزول الأمطار أحوال النَّبَات، وهو المذكور في هذه الآية. الثاني: أنَّهُ تعالى لمَّا أقاَمَ الدَّلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادِرِ العالم الحكيم؛ أقَامَ الدَّلالة في هذه الآية على صِحَّةِ القول بالحشر، والنَّشْرِ، والبعث، والقيامة ليحصلَ بمعرفة هايتن الآيتين كلُّ ما يحتاج إليه في معرفة المَبْدَأ والمعاد. قوله: "الرِّيَاح بُشْراً" قد تقدَّم خلاف القرَّاءِ في إفراد "الرِّيحِ" وجمعها بالنِّسْبَة إلى سائر السُّور في البقرة. وأمّا "بُشْراً" فقرأه في هذه السُّورة - وحيث ورد في غيرها من السُّورِ - نافع وأبو عمرو وابن كثير بضم النون والشِّين، وهي قراءة الحسنِ وأبي عَبْدِ الرَّحْمنِ، وأبي رجاء بخلاف عنهم، وشَيْبَةَ بْن نصَاحٍ والأعْرَجِ وعيسَى بْنِ عُمر وأبِي يحيى، وأبي نَوْفَلٍ الأعْرَابيَّيْنِ. وفي هذه القراءة وجهان فيتحصَّلَ فيها ستَّةُ أوْجُه: أحدها: أن "نُشُراً" جمع نَاشِرٍ كـ "بازل" و "بُزُلٍ" و "شَارِفٍ" و "شُرُفٍ" وهو جمع شاذٌّ في فاعل. ثم "نَاشِرٌ" هذا اختلف في معناه فقيل: هو على النَّسَبِ: إمَّا إلى النَّشْر ضدَّ الطيِّ، وإمَّا إلى النُّشُورِ بمعنى الإحياء كقوله: {أية : وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ}تفسير : [الملك: 25]، والمعنى: ذا نَشْرٍ، أو نشورٍ كـ "لابنٍ" و "تَامِرٍ". وقيل: هو فاعل من نَشَرَ مطاوع أنْشَرَ يُقال: أنْشَرَ اللَّهُ الميِّتَ، فَنَشَرَ فهو نَاشِرٌ، وأنشد: [السريع] شعر : 2491 - حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأوْا يَا عَجباً لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ تفسير : وقيل: ناشرٌ بمعنى مُنْشِرٌ أي: المُحْيي تقول: نَشَرَ اللَّهُ الموتى وأنْشَرَهَا، ففعل وأفْعل على هذا بمعنى واحد، وهذه الثَّالِثَةُ ضعيفة. الوجه الثاني: أنَّ نُشُراً جمع نَشُور، وهذا فيه احتمالان: أرجحهما: أنَّهُ بمعنى فاعل، وفعول بمعنى فاعِل ينقاس جمعُه على فُعُل كصَبُور، وصُبُر، وشكور، وشُكُر أي متفرقة، وهي الرِّيَاحُ التي تأتي من كل ناحية والنّشر التفريق، ومنه نَشْرُ الثَّوْبِ، ونشر الخَشَبَةِ بالمِنْشَارِ. وقال الفراءُ: النَّشْرُ من الرِّيح الطيِّبة اللينَةِ التي تنشىء السَّحاب، واحدها نُشُورٌ، وأصله من النَّشْرِ وهو الرَّائِحَةُ الطيِّبَةُ. والثاني: أنَّهُ بمعنى مفعول كَرَكُوبٍ وحلوب بمعنى مَرْكوب ومَحْلُوبٍ قالوا: لأنَّ الرِّيح تُوْصَفُ بالمَوْتِ وتوصفُ بالإحياء فمن الأوَّل قوله: [الرجز] شعر : 2492 - إنِّي لأرْجُو أنْ تمُوتَ الرِّيحُ فأقْعُدُ اليَوْمَ وأسْتَرِيحُ تفسير : ومن الثاني قوله: "أنْشَر الله الرِّيحَ وأحْيَاهَا" وفعول بمعنى مفعول يُجْمع على فُعُل كرسول ورُسُلٍ. وبهذا قال جماعةٌ كثيرةٌ، إلا أنَّ ذلك غير مقيس في المُفْرَدِ وفي الجمع، أعني أنه لا يَنْقَاسُ فعول بمعنى مفعول لا تقُولُ: زيد ضروب ولا قتول بمعنى مضروب ومقتول، ولا ينقاسُ أيضاً جمع فَعُول بمعنى مفعول على فُعُل. فَحَصَلَ في هذه القراءة ستَّة أوْجُهٍ: الأول: أنَّها جمع لناشرٍ بمعنى: ذا نشر ضدَّ الطيِّ. الثاني: جمع ناشِرُ بمعنى: ذي نشور. الثالث: جمع ناشر مطاوع أنْشَرَ. الرابع: جمع ناشر بمعنى مُنْشِرٍ. الخامس: جمع نُشورٍ بمعنى: فاعلٍ. السادس: جمع نُشورٍ بمعنى: مَفْعول. وقرأ ابن عامر بضمِّ النُّون وسكون الشين، وهي قراءة ابن عبَّاس، وزِرِّ بين حُبَيْشٍ، ويحيى بن وثَّابٍ، والنَخَعيِّ وابن مصرف، والأعمش، ومَسْرُوقٍ، وتخريجها بما ذكر في القراءة قبلها، فإنَّهَا مخفَّفة منها، كما قالوا: رُسْل في رُسُل وكُتْب في كُتُب، فَسكّنوا الضمَّة تخفيفاً، وإذا كَانُوا قد فعلوا ذلك في المفرد، الذي هو أخفُّ من الجَمْعِ كقولهم في عُنُقٍ: عُنْقٌ، وفي طُنُبٍ: طُنْبٌ، فما بالهم في الجمع الذي هو أثقل من المفرد؟ وقرأ الأخوان: "نَشْراً" بفتح النُّونِ وسكون الشِّين، ووجهها أنَّهَا مَصْدَرٌ واقع موقع الحَالِ بمعنى ناشرة، أو منشورة، أو ذاتُ نَشْرٍ [كُلُّ ذلك على ما تقدَّم في نظيره. وقيل: نَشْراً مصدر مؤكِّد؛ لأنَّ أرسل، وأنْشَرَ متقاربان. وقيل: نَشْراً] مصدر على حذف الزَّوائد أي: إنشاراً، وهو واقع موقع الحال أي: مُنْشِراً، أو مُنْشَراً حسب ما تقدَّم في ذلك. وقرأ عَاصِمٌ: "بُشْراً" بالبَاءِ الموحَّدَةِ مضمومة وسكون الشِّين، وهو جمع بشيرة كنذيرة ونُذُر. وقيل: جمع فعيل كَقَلِيبٍ وقُلُب ورغيب ورُغُف، وهي مأخوذةٌ في المعنى من قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ}تفسير : [الروم: 46] أي تبشّرُ بالمطر، ثم خفِّفت الضَّمَّةُ كما تقدَّم في "النُّشُر"، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ ابن عباس والسُّلمي وابن أبي عبلة قرأوا بضمِّهَا، وهي مرويَّة عن عاصم نفسه فهذه أرْبَعُ قراءات في السَّبْع. والخامسة: ما ذكرناه عن ابن عباس ومن معه. وقرأ مسروق: "نَشَراً" بفتح النُّونِ والشِّين وفيها تخريجان: أحدهما: نقله أبُو الفتحِ: أنَّهُ اسم جمعٍ كـ "غَيَب" وَ "نشأ" لغائبة وناشئَةٍ. والثاني: أنَّ فَعَلاً بمعنى مفعول كَقَبَضَ بمعنى مَقْبُوضٍ. وقرأ أبُو عبد الرحمن: "بَشْراً" بفتح الباء وسكون الشِّين ورُويت عن عاصم أيضاً على أنه مصدر "بَشَر" ثلاثياً. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: "بُشْرى" بزنة رُجْعَى، وهو مصدر أيضاً، فهذه ثَمَان قِراءاتٍ: أربع مع النُّونِ، وأربع مع الباء، هذا ما يتعلَّقُ بالقراءات، وما هي بالنِّسْبَةِ إلى كونها مفردة أو جمعاً. وأمَّا نَصْبُها فإنَّها في قراءة نَافِعٍ، ومن معه وابن عامر منصوبة على الحال من "الرِّياح" أو "الرِّيح" حسب ما تقدَّم من الخلاف وكذلك هي في قراءة عَاصِمٍ، وما يشبهها. وأمَّا في قراءة الأخوين، ومسروق فيحتمل المصدريَّة، أو الحاليَّة، وكلُّ هذا واضح، وكذلك قراءة "بُشْرَى" بزنة رجعى ولا بدَّ من التَّعرُّض لشيء آخر، وهو أنَّ من قرأ "الرِّياح" بالجمع وقرأ "نُشْراً" جمعاً كنافع، وأبي عمرو فواضح. وأما من أفرد "الرِّيح" وجمع "نُشْراً" كابن كثير، فإنَّهُ يجعل الرِّيح اسم جنس، فهي جمع في المَعْنَى، فوصفها بالجمع كقول عنترة: [الكامل] شعر : 2493 - فيهَا اثْنَتَانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُوداً كخَافِيَةِ الغُرَابِ الأسْحَمِ تفسير : والحاليَّةُ في بعض الصُّوَرِ يجوز أن تكون من فاعل "يُرْسلُ"، أو مفعوله وكلُّ هذا يُعْرف مما تقدم. فصل روى أبو هريرة قال: أخذتِ النَّاس ريحٌ بطريق مكَّةَ، وعمر حاجٌّ فاشتدت، فقال عُمَرُ، لمن حوله: ما بلغكم في الرِّيحِ فلم يرجعوا إليه شيئاً، فبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح، فاستحثثتُ راحلتي حتى أدْرَكْتُ عمر، فكنت في مُؤخَّر النَّاس، فقلتُ: يا أمير المؤمنين: أخبرتُ أنَّكَ سألت عن الرِّيحِ، وإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: الرِّيحُ من روح الله، تأتِي بالرَّحْمَةِ وتَأتِي بالعذابِ، فلا تَسبُّوهَا، وسلُوا الله من خَيْرِهَا، وتعوَّذُوا به من شرِّها. فصل في ماهية الريح. قال ابن الخطيب - رحمه الله -: الرِّيحُ: هواء متحرك، وكونه متحرِّكاً ليس لذاته، ولا للوازم ذاته، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته، فلا بدَّ وأن يكون بتحريك الفاعل المختار وهو الله تعالى. وقالت الفلاسفةُ: هاهنا سَبَبٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ يرتفعُ من الأرضِ أجزاءٌ أرضيَّةٌ لطيفةٌ، تسخنه تَسْخِيناً فبسبب تلك السُّخُونَةِ الشَّديدة ترتفعُ وتتصاعَدُ، فإذا قربت من الفلك، كان الهواءُ ألْصَقَ بمقعرِ الفلكِ، مُتحرِّكاً على استدارة الفلكِ بالحركةِ المستديرةِ التي حَصَلَتْ لتلك الطبقة من الهواءِ، فيمنع هذه الأدْخِنَة من الصُّعُودِ، بل يردها عن سمتِ حركتِهَا، فحينئذٍ ترجعُ تلك الأدْخِنَةُ، وتتفرق في الجوانبِ، وبسبب ذلك التَّفَرُّق تحصلُ الرِّيَاحُ ثمَّ كلما كانت تلك الأدْخِنَةُ أكثر، كان صعودها أقْوَى، وكان رجوعها أشدَّ حركةً، فكانت الرِّياحُ أقْوَى وأشَدّ، هذا حاصلُ ما ذَكَرُوهُ، وهو بَاطِلٌ لوجوهٍ: الأول: أنَّ صعُودَ الأجْزَاء الأرضيَّةِ إنَّمَا يكون لشدَّةِ تسخينها وذلك التسخينُ عَرَضٌ؛ لأنَّ الأرْضَ باردةٌ يابسة بالطَّبْعِ، فإذا كانت الأجزاءُ الأرضيَّةُ متصَعِّدَة جداً كانت سريعة الانفصالِ فإذا تَصَاعَدَتْ ووصلت إلى الطَّبَقَةِ الباردة من الهواء؛ امتنع بقاءُ الحرارةِ فيها، بل تبرد جداً؛ فإذا بردت؛ امتنع بلوغها في الصُّعُود إلى الطبقةِ الهوائيَّةِ المتحركة بحركة الفلكِ فَبَطَلَ ما ذكروه. الثاني: إذا ثَبَتَ أنَّ تلك الأجزاء الدُّخانيَّة، صعدتْ إلى الطَّبقة الهوائيَّةِ المتحرّكَةِ بحركة الفلكِ، لكنها لمّا رَجَعَتْ، وجب أن تنزل على الاسْتِقَامَةِ، لأنّ الأرْضَ جسم ثقيلٌ، والثَّقِيلُ إنما يتحرك بالاستقامَةِ، والرِّيَاحُ ليست كذلِكَ، فإنَّهَا تتحرك يُمْنةً ويُسْرَةً. الثالث: أنَّ حركة تلك الأجزاء الأرضيَّةِ النَّازلة لا تكونُ حركة قاهرةً، فإنَّ الرِّياح إذا أحضرت الغُبَارَ الكَثِيرَ، وعاد ذلك الغُبَارُ ونزل على السُّطُوحِ، لم يحسَّ أحَدٌ بنزولها ونرى هذه الرِّياح تقلعُ الأشْجَارَ، وتهدمُ [الجِبَالَ]، وتموجُ البِحَارَ. الرابع: لو كانَ الأمرُ على ما قالوهُ لكانت الرِّياحُ كلَّما كانت أشَدَّ وجب أنْ يكون حُصُولُ الأجزاء الغباريَّةِ الأرضيَّةِ أكثر، لكنَّهُ ليس الأمر كذلِكَ؛ لأنَّ الرِّيَاحَ قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البَحْرِ، مع أن الحِسَّ يشهدُ بأنَّهُ ليس في ذلك الهواء العَاصفِ شيء من الغبارِ والكدورة، فبطل بهذه الوجوه العقليَّةِ ما ذكروه في حركةِ الرِّياحِ. وقال المُنَجِّمُونَ: إن قوى الكَواكبِ هي الَّتي تحرك هذه الرِّياح، وتوجبُ هبوبَها، وذلِكَ أيضاً بعيد؛ لأنَّ الموجب لحركةِ الرِّياح إن كانت طَبِيعةُ الكواكبِ؛ وجب دوامُ الرِّياح بدوام تلك الطبيعة، وإن كان الموجبُ هو طبيعةُ الكواكبِ بشرط حصوله في البُرْجِ المُعَيَّنِ، أو الدَّرجةِ المعيَّنَةِ؛ وجب أن يتحرك هواء كل العالم، وليس كذلك، وأيضاً قد ثبت في العقليَّاتِ أنَّ الأجْسامَ مُتَمَاثِلَةٌ، فاختصاص الكوكب المعين والبرج المعيَّنِ بالطَّبيعة التي اقتضت ذلك الأثر لا بد وأن تكون بتخصيص الفاعلِ المُخْتَارِ، فثبتَ بهذا البرهان العقليِّ أنَّ محرك الرِّياح هو الله - سبحانه وتعالى - وأيضاً فقوله تعالى: "نشراً" أي مُنَشَّرَةً متفرقةً، فجزء من أجزاء الريح يذهب يُمَنْةً، وجزء آخرُ يذهبُ يُسْرَةً، وكذا سَائِرُ أجزاء الرِّياحِ، كلُّ واحد منها يَذْهَبُ إلى جانب آخر، ولا شكَّ أنَّ طبيعة الهواءِ طبيعةٌ واحدةٌ، ونسبة الأفلاكِ والانْجُم والطَّبائع إلى كلِّ واحدٍ من الأجَزْاءِ التي لا تتجزَّأ من تلك الريح نسبة واحدة، فاختصاصُ بعضِ أجْزَاءِ الرِّيحِ بالذَّهَابِ يمنةً، والجزءُ الآخر بالذَّهَابِ يُسْرَةً يجبُ أن يكُون ذلك بتخصيص الفاعل المُخْتَارِ. قوله: "بَيْنَ": ظَرْفٌ لـ "يُرْسِلُ"، أو للبشارة فيمن قرأه كذلك. وقوله: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي بين يدي المَطَرِ الذي هو رحمته، وحسنُ هذا المجاز أنَّ اليدين تستعملهما العربُ في معنى التقدُمَةِ على سبيل المجاز؛ يقال إن الفتن تحدثُ بين يدي السَّاعةِ يريدونَ قبلها، وذلك لأنَّ يدي الإنسان مُتَقَدِّمَانِهِ، فكل ما يتقَدَّمُ شيئاً يطلق عليه لفظ اليَدَيْنِ مجازاً لهذه المشابَهَةِ، كما تقولُ لمن أحسن إليك وتقدَّم إحسانه، له عندي أيادٍ، ولما كانت الرِّيَاحُ تتقدَّمُ المطر عَبَّرَ عنه بهذا اللفظ. فإن قيل: قد نجد المطرَ لا يتقدَّمُهُ ريَاحٌ، فنقول: ليس في الآية أنَّ هذا التَّقدُّمَ حاصل في كلِّ الأحوال، وأيضاً يجوز أن تتقدَّمَهُ هذه الرِّياحُ وإن كنَّا لا نعرفها. قوله: {حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ} غاية لقوله: "يُرْسِلُ"، وأقلَّت أي حملت من أقْلَلْتُ كذا أي: حملته بسهُولَةٍ. قال صاحبُ "الكشَّافِ:" واشتقاقُ الإقلال من القلَّةِ، فإن مَنْ يرفعُ شيئاً فإنَّهُ يرى ما يرفعه قليلاً، أقلَّهُ أي حمله بِسُهُولَةٍ، والقُلَّةُ بضمِّ القافِ هو الظَّرْفُ المعروف وقِلال هَجَرٍ كذلك؛ لأنَّ البعيرَ يُقِلُّها أي يحملها. وتقدَّم تفسير "السَّحابِ"، وأنَّهُ يُذكَّر ويؤنَّثُ، ولذلك عاد الضَّميرُ عليه مُذَكَّراً في قوله: "سُقْنَاهُ". ولو حمل على المعنى كما حمل قوله "ثِقَالاً" فجُمِعَ لقال: "سُقْنَاهَا". و "لِبَلَدٍ" جعل الزَّمَخْشَرِيُّ "اللاَّم" للعلَّةِ، أي: لأجل. وقال أبُو حيَّان: فرقٌ بين قولك: سقتُ له مالاً، وسُقْتُ لأجله مالاً، بأنَّ سُقْتُ له أوْصَلْتُ إليه، وأبْلَغْتُه إيَّاهُ، بخلاف سُقْتُهُ لأجْلِهِ، فإنَّهُ لا يلزمُ منه إلاَّ إيصاله له، فقد يسوق المال لغيري لأجلي، وهو واضح. وقيل: هذه اللامُ بمعنى "إلى"، يقال: هَدَيْتُهُ للدِّين، أو إلى الدِّين. وتقدَّم الخلافُ في تخفيف "مَيِّتٍ" وتثقيله في آل عمران وجاء هنا وفي الرُّومِ [46] {يُرْسِلُ} بلفظ المستقبل مناسبة لما قبله، فإنَّ قبله: "ادْعُوهُ خَوْفاً" وهو مستقبل، وفي الروم [45]: {أية : لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : ، وهو مستقبل. وأمَّا في الفرقان: [48] وفاطر [9] فجاء بلفظ الماضي: "أرْسَلَ" لمناسبة ما قَبْلَهُ وما بعدهُ في المضي؛ لأنَّ قبله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ}تفسير : [الفرقان: 45]، وبعده: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ}تفسير : [الفرقان: 53]، فناسب ذلك الماضي، ذكره الكَرْمَانِيُّ. والبلد يطلق على كلِّ جُزْءٍ من الأرْضِ، عامِراً كان، أو خراباً، وأنشدوا على ذلك قول الأعشى: [البسيط] شعر : 2494 - وَبَلْدَةٍ مِثْلِ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ لِلجِنِّ باللَّيْلِ في حَافَاتِهَا زَجَلُ تفسير : قوله: "فَأنْزَلْنَا بِهِ" الضَّميرُ في "به" يعود على أقرب مذكورٍ، وهو "بَلَدٍ مَيّتٍ"، وعلى هذا فلا بدَّ من أن تكون الباء ظرفيّة، بمعنى أنزلنا في ذلك البلدِ الميِّتِ الماء، وجعل أبُو حيّان هذا هو الظَّاهِرُ. وقيل: الضَّميرُ يعود على "السَّحَابِ"، ثم في "البَاءِ" وجهان: أحدهما: هي بمعنى "مِنْ" أي: فأنزلنا من السَّحَابِ الماء. والثاني: أنَّهَا سببيَّةٌ أي: فأنزلنا الماء بسبب السَّحَابِ. وقيل: يعودُ على السَّوْقِ المفهوم من الفعل و "الباءُ" سببية أيضاً [أي]: فأنزلنا بسبب سَوْقِ السَّحابِ، وهو ضعيفٌ لعَوْد الضَّمير على غير مذكور مع إمكان عَوْدِهِ على مذكُورٍ. قوله: "فَأخْرَجْنَا بِهِ" الخلافُ في هذه الآيةِ كالَّذِي في قبلها، ونزيد عليه وجهاً أحْسَنَ منها، وهو العودُ على الماء، ولا ينبغي أن يُعْدَلَ عنه. وقوله: {مِنْ كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} "من" تبعيضية، أو ابتدائية، وقد تقدم نظيره. فصل اعلم أنَّ السَّحَابَ للمياه العظيمةِ إنما يبقى معلقاً في الهواء؛ لأنَّهُ تعالى دبَّر بحكمته أن يحرِّكَ الرِّياح تحريكاً شديداً، فلأجل الحركاتِ الشَّديدةِ التي في تلك الرياح تحصل فوائد. أحدها: أنَّ أجزاء السَّحابِ ينضمُّ بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقدُ السَّحابُ الكثيرُ المَاطِرُ. وثانيها: أنَّ بسبب حركات الرِّياح الشَّديدةِ يمنةً ويُسْرَةً يمتنع على تلك الأجزاء المائيَّة النُّزُول، فلا جَرَمَ يبقى معلّقاً في الهواء. وثالثها: أن بسب حركات تلك الرِّياحِ ينساقُ من موضع إلى موضع آخر يكون محتاجاً في علم اللَّهِ - تعالى - إلى نزولِ الأمْطَارِ. ورابعها: أنَّ حركاتِ الرِّياحِ تارةً تكون جامعةً لأجزاء السَّحابِ، وتارةً مفرقة لأجزاءِ السَّحَابِ. وخامسها: أنَّ هذه الرِّياحَ تارةً تكونُ مُقَوِّيَةً للزُّرُوعِ والأشجار مكملة لما فيها من النشوء والنَّمَاءِ، وهي الرِّيَاحُ اللَّواقِحُ، وتارةً تكونُ مبطلة لها، كما تكونُ في الخريف. وسادسها: أنَّ هذه الرِّياح تارةً تكون طيِّبة موافقة للأبدان، وتارةً تكون مُهْلِكَة: إمَّا بسبب ما فيها من الحرِّ الشَّديدِ كما في السَّمُومِ، أو بما فيها من البرد الشَّديدِ، كما في الرِّياحِ الباردة والمهلِكَة. وسابعها: أنَّ هذه الرِّياحَ تكونُ [تارةً] شرقيَّةً، وتارة غربيَّة، وشماليَّةً، وجنوبيَّةً، كذا ضبطه بعض النَّاسِ، وإلا فالرِّياحُ تهبُّ من كلِّ جانبٍ من جوانبِ العالم، ولا اختصاصَ لها بجانب من جَوَانبِ العالمِ. وثامها: أنَّ هذه الرِّياحَ تصعدُ من قعر البَحْرِ، فإنَّ من ركب البَحْرَ يشاهد أن البَحْرَ، يحصل له غليان شديد بسبب تولُّدِ الرِّياحِ في قَعْرِ البَحْرِ، ثمَّ لا يَزَالُ يَتَزَايدُ الغليانُ ويقوى إلى أن تَنْفَصِلَ تلك الرِّيَاحُ من قَعْرِ البَحْرِ إلى ما فوقَ البَحْرِ، وحينئذٍ يَعْظُمُ هبُوبُ الرِّيَاح في وجه البَحْرِ، وتارةً ينزل الرِّيح من جهة فوق فاختلافُ الرِّياحِ بسبب هذه المعاني عجيبٌ. وعن ابْن عُمَرَ الرِّيَاحُ ثمانٍ: أربعٌ عَذَابٌ وهي القَاصِفُ، والعاصفُ والصَّرْصَرُ، والعَقِيمُ، وأربعٌ منها رحمة وهي: النَّاشِرَاتُ، والمبشّرَاتُ، والمُرْسلاتُ، والذَّارِيَاتُ. وقال عليه الصَّلاة والسَّلامُ: "حديث : نُصِرْتُ بالصَّبَا، وَأهْلِكَ عادٌ عادٌ بالدَّبُّورِ"تفسير : و"حديث : الجَنُوبُ مِنْ رِيحِ الجَنَّةِ ". تفسير : وعن كعب: لَو حَبَسَ اللَّهُ الرِّيحَ عن عِبَادِهِ ثلاثةً أيَّام لأنْتَنَ أكثر أهْلِ الأرْضِ. وعن السُّدِّيِّ أنَّه تعالى يرسل الرِّيَاحَ، فتأتي بالسَّحَابِ، ثم إنَّهُ تعالى يبسطه في السَّمَاءِ كيف يشَاءُ، ثم يفتح أبوابَ السَّمَاءِ فيسيلُ الماءُ على السَّحابِ، ثم يُمْطِرُ السَّحَابُ بعد ذلك، ورحمته هو المَطَرُ. وإذا عُرف ذلك فنقولُ: اختلاف الرّياحِ في الصِّفات المذكورَةِ مع أنَّ طبعها واحد، وتأثيرات الطَّبائع والأنجم والأفلاك واحدة، يدلُّ على أنَّ هذه الأحوال لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المُخْتَارِ. قوله: "كَذَلِكَ" نعت مصدر محذوف، أي: يُخْرج المَوْتى إخْرَاجاً كإخْراجِنَا هذه الثَّمَرَاتِ، وفي هذا التَّشبيه قولان: الأول: أنَّ المَعْنَى كما خلق الله - تعالى - النَّبَاتَ بالأمطار، فكذلك يحيي الموتى بِمطرٍ ينزله على الأجْسَادِ الرَّميمة. قال أبُو هُريْرَةَ وابن عباس: إذا مَاتَ النَّاسُ كلُّهم في النَّفْخَةِ، أرسل اللَّهُ عليهم مَطَراً كمنيِّ الرِّجالِ من ماء تَحْتَ العَرْشِ يدْعَى ماءُ الحيوانِ، ينبتون في قُبُورِهِم نبات الزَّرْعِ، حتى إذا استكملت أجْسَادهم نفخ فيه الرُّوح، ثم يلقى عليهم نومة فينامُونَ في قبورهم، ثم يُحْشَرُونَ بالنَّفْخَةِ الثَّانية، وهم يجدون طعم النَّوْم في رُءُوسهم وأعينهم، فعند ذلك يَقُولُونَ: {أية : يَٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}تفسير : [يس: 52]. الثاني: أن [هذا] التَّشْبِيه إنَّمَا وقع بأصل الإحْيَاء، والمعنى: أنَّهُ تعالى أحيى هذا البَلَدَ بعد خَرَابِهِ، فأنبت فيه الشَّجَرَ فكذلك يحيى الموتى بعد أن كانوا أمْواتاً؛ لأنَّ من قدر على إحداث الجسم، وخلق الرُّطُوبَةِ والطعم فيه، يكون قادراً على إحداث الحياة في بدن الميِّتِ. قال ابن الخطيب: واعلم أنَّ الذَّاهبين إلى القولِ الأوَّلِ إن اعتقدوا أنَّهُ لا يمكن بَعْث الأجْسَادِ، إلا بأنْ يمطر على تلك الأجساد البَاليةِ مَطَراً على صفة المَني فقد بعدوا؛ لأنَّ القادر على أنْ يحدث في ماء المطر صفة، تصير باعتبارها منيّاً، لم لا يَقْدِرُ على خلق الحياةِ في الجِسْمِ؟ وأيضاً فهب أن ذلك المطر ينزل، إلا أنَّ أجزاء الأمْوات متفرقة، فبعضها بالمَشْرِقِ وبعضها بالمغربِ، فمن أين ينفعُ ذلك المَطَرُ في توليد تلك الأجْسَام؟ فإن قالوا: إنَّهُ تعالى بقدرته وحكمته يجمع تلك الأجْزَاءَ المتفرّقَةَ، فَلِمَ لمْ يقُولوا: إنَّهُ بقدرته وحكمته يخلق الحياةَ في تلك الأجْزاء المتفرقة ابتداءً من غير واسطة ذلك المطر؛ وإن اعتقدُوا أنه تعالى قادر على إحياء الأمْواتِ ابتداءً، إلا أنه تعالى إنَّمَا يحييهم على هذا الوَجْهِ، كما أنَّهُ قادرٌ على خلق الأشخاص في الدُّنْيَا ابتداءً إلا أنَّهُ أجرى عادته بأنَّهُ لا يخلقهم إلاَّ من أبوين، فهذا جَائِزٌ. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: أنكم لما شاهدتم أنَّ هذه الأرض كانت مزيَّنَة وقت الرَّبيع والصَّيْفِ بالأزهار والثِّمار، ثم صارت عند الشِّتاء ميتة عارية عن تلك الزّينة، ثم إنَّهُ تعالى أحياها مرَّةً أخرى، فالقادر على إحيائها بعد موتها يَجِبُ أن يكون قَادِراً على إحياء الأجساد بَعْدَ موتها أيضاً.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وهو الذي يرسل الرياح} على الجماع {بشراً} خفيفة بالباء . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين ــ طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان ــ فيخرجه من ثَمَّ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {بشراً بين يدي رحمته} قال: يستبشر بها الناس . وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله اليماني أنه كان يقرأها {بشراً} من قبل مبشرات . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {بين يدي رحمته} قال: هو المطر. وفي قوله {كذلك نخرج الموتى} قال: وكذلك تخرجون، كذلك النشور كما يخرج الزرع بالماء . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وكذلك نخرج الموتى} قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى تمطر السماء حتى تشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح فيهوي كل روح إلى جسده، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كاحيائه الأرض .

ابو السعود

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ} عطفٌ على الجملة السابقةِ وقرىء الريحَ {بُشْرًا} تخفيف بُشُر جمعُ بشير أو مبشّرات، وقرىء بفتح الباءِ على أنه مصدرُ بَشَره، بمعنى باشرات أو للبِشارة، وقرىء نُشُراً بالنون المضمومة جمع نَشور أي ناشرات ونَشْراً على أنه مصدرٌ في موقع الحال بمعنى ناشرات أو مفعولٌ مطلقٌ، فإن الإرسالَ والنَّشرَ متقاربان {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} قُدّامَ رحمتِه التي هي المطرُ فإن الصَّبا تُثير السحابَ والشَّمالَ تجمعُه والجَنوبَ تدُرّه والدَّبورَ تفرّقه {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} أي حملت، واشتقاقُه من القِلة فإن المُقِلَّ للشيء يستقِلّه {سَحَابًا ثِقَالاً} بالماء، جَمَعه لأنه بمعنى السحائب {سُقْنَـٰهُ} أي السحاب، وإفرادُ الضميرِ لإفراد اللفظ {لِبَلَدٍ مَّيّتٍ} أي لأجله ولمنفعته أو لإحيائه أو لسقيه وقرىء ميْتٍ {فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَاء} أي بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوْق أو بالريح، والتذكيرُ بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} ويحتمل أن يعود الضميرُ إلى الماء وهو الظاهرُ، وإذا كان للبلد فالباءُ للإلصاق في الأول والظرفية في الثاني وإذا كان لغيره فهي للسببـية {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} أي من كل أنواعها (وألوانها) {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} الإشارةُ إلى إخراج الثمراتِ أو إلى إحياء البلدِ الميتِ، أي كما نحيـيه بإحداث القوةِ الناميةِ فيه وتطريتِها بأنواعِ النباتِ والثمراتِ نخرج الموتى من الأحداث ونحيـيها بردّ النفوسِ إلى موادّ أبدانِها بعد جَمعِها وتطريتها بالقُوى والحواسّ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بطرح إحدى التاءين أي تتذكرون فتعلمون أن مَنْ قدَرَ على ذلك قدَرَ على هذا من غير شبهة. {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ} أي الأرضُ الكريمةُ التربة {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ} بمشيئته وتيسيرِه، عبَّر عن كثرة النباتِ وحسنِه وغزارةِ نفعه لأنه أوقعه في مقابلة قولِه تعالى: {وَٱلَّذِي خَبُثَ} من البلاد كالسبخة والحرَّة {لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} قليلاً عديمَ النفع، ونصبُه على الحال والتقديرُ والبلدُ الذي خبُث لا يخرُج نباتُه إلا نكِداً، فحُذف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه فصار مرفوعاً مستتراً وقرىء لا يُخرِج إلا نكداً أي لا يخرجه البلدُ إلا نكداً فيكون إلا نكداً مفعولَه، وقرىء نَكَداً على المصدر أي ذا نَكَدٍ، ونَكْداً بالإسكان للتخفيف {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك التصريفِ البديعِ {نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} أي نرددها ونكررها {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} نعمةَ الله تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، وهذا كما ترى مثلٌ لإرسال الرسلِ عليهم السلام بالشرائع التي هي ماءُ حياةِ القلوبِ إلى المكلَّفين المنقسِمين إلى المقتبِسين من أنوارها والمحرومين من مغانمِ آثارِها، وقد عُقّب ذلك بما يحققه ويقرّره من قصص الأممِ الخاليةِ بطريق الاستئناف فقيل:

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الآية: 57]. قال بعضهم: كل ريح تنشر نوعًا من الرحمة فريح التوبة تنشر على القلب رحمة المحبة، وريح الخوف تنشر رحمة الهيبة، وريح الرجاء تنشر رحمة الأنس، وريح القرب تنشر رحمة الشوق، وريح الشوق تنشر نيران القلق، والوَلَه قال الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}. تباشير القرب تتقدم فيتأدّى نسيمُه إلى مشام الأسرار، وكذلك آثار الإعراض تتقدم فتوجد ظلمة القبض في الباطن، فظلُّ الوحشة يتقدمها، ونسيم الوصلة بعدها، وفي قريبٍ منه قال قائلهم: شعر : ولقد تشمَّمْتُ القضاءَ لحاجتي فإذا له من راحتيك نسيم تفسير : قوله جلّ ذكره: {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. الإشارة منه أنه يحصل بالمهجور ما يتأذى به الصدر ويُبَرِّحُ به الوجه ويَنْحلُ به الجسم، بل يُبْطِلُ كلَّه البعدُ، فيأتيه القُرب فيعود عود وصاله بعد الذبول طرياً، ويصير دارس حاله عقيب السقوط نديا، كما قال بعضهم: شعر : كُنّا كمن أُلْبِسَ أكفانه وقرَّب النعشُ من اللَّحد فجالتْ الروحُ في جسمه وردَّه الوصلُ إلى المولد

البقلي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يرسل نسيم وصاله فى اسحار اصباح طلوع جلاله الى مشام المستانسين بشهوده فى سجودهم لزيادة عطش شوقهم الى وبل بجر مشاهدته من سحائب قربته وزلفته قدام ظهور سحاب صفاته التى يتجلى من بحر ذاته للارواح العاشقة وتسقيها من مروق الواد مالا يستقر بشربها الارواح فى الاكوان والحدثان بل تطير فى فضاء البقاء وهواء القدم باجنحة الازل والاباد ظهر بلطفه ومحبته رياح تجلى الصفات قبل ظهور الذات لاعلام قوانيط القبض ببروز سحاب تجلى الذات لاحياء بلاد قلوبهم الميتة بجذب كشف القدم بقوله {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} لا يستقل حمل اثقال تجلى الذات الارباح تجلى الصفات ولا يقدر سوق انوار القدم والا القدم ولا يقدر سقى زلال بحر الازال الى عطاش سارب الحيرة الا الازل ولا يقدر ان يخرج من بلاد القلوب ثمار اشجار الغيوب الاعلام الغيوب بقوله {فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} ثمرات المقامات والاحلات والمكاشفات والمشاهدات شعر : نجد متى هجت من نجد قد زادنى مسراك وجدا على وجد تفسير : م كل ريح تنسم نوعا من الرحمة فريح التوبة تنشر على القلب رحمة وريح الخوف تنشر رحمة لاهيبةو ريح الرجاء تنشر رحمته الانس وريح القرب تنشر برحمته الشوق وريح الشوق تنشر نيران القلق والوله قال الله وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين رحمته قال الاستاد تباشر التقرب بتقديم فينادى نسيمه الى مشام الاسرار قال قائلهم شعر : سمت النجاح لحاجتى فاذا لها من راحتيك نسم تفسير : وقال الاستاد فى قوله حتى اذا قلت سحابا ثقالا الاشارة تحصل لمجور تمادة به الصدر وبرح به الوجد وانحل جسمه بل ابطل كله العبد فياتبه بشير القرب فيعود عود ووصله بعد الذبول طريا وبصير وارس حاله عقب السقوط قويا كما قال قائلهم شعر : كنا كمن البس كفانه وقرب النعش من اللحد فحال ماء الروح فى جسمه فرده الاصل الى المولد تفسير : تبارك الله سبحانه ماكلهم هو بالسرمد وذكر سبحانه القلب الذى هو بلد الله الذى مطر عليه من برح امتنانه ويخرج منه نبات الوان الحالات والمقامات ويذكرها ما هو بخلافه الذى فيه سجة الشهوات حظوظ الشربات بقوله {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} يا اخى ارض القلوب تنبت ازهار المواجيد ورياحين المواريد بقدر كشوف انوار الصفات والذات فكل قلب بذرة المحبتة فنباته المشاهدة وكل قلب بذرة الشوق فناباته الانس والوصال وكل قلب بذرة العشق ونباته كشوف الجلال والجمال كل قلب بذرة الهوى فنباته الشهوات فالقلب المنور يظهر على الجوارح اثار المحبة وهى الموافقة وكل قلب مظلم يظهر بالظاهر اثاره وهى المخالفة ثم اشار تعالى الى تبديل الاخلاق ونشر الافضال وثبوت الماقمات وطيران الاحوال بالارادة السابقة والمشية الازلية المنزهة عن التغائر التدبرير بل هو موصوف باصل التقدير بقوله {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} لقوم يعرفون المشكور قبل وجود الالاء والنعماء يجدونه شاكر انعامه بنفسه فيخجلون عن شكره بعرفانهم بعجزهم عن محل شكره قال ابن عثمان البلد الطيب مثل قلب المؤمن التقى يخرج نباته باذن ربه يظهر على الجوارح انوار الطاعات والزينة بالاخلاص والذى حيت قلب الكافر لا يظهر منه الا النكد والشوم والظلمات على الجوارح من اظهار المخالفات وقال الواسطى البلد الطيب يخرج نباته باذن ربه اى تبوليه والذى --- لا يخرج الا نكدا حجب عن التجلى والخطاب كذلك نصرت الأيت كذلك تحرق الشمس طوائف من النبات وتنبيتها وتغذى طوائف من النبات وتتطيبها وذلك على قدر جوهرها كما ان بارادة واحد ظهرت المخالفات الموافقات قال بعضهم البلد الطيب الذى طيبها بدوام الامن وعدل السلطان ويقال النسيم الساطع يدل على الجوهر اللازم ان خبث الجوهر لم يطلب ما لم يحل منه وان طاب العنصر فالحر يحاكى اصله والاسرة تدل على السريرة فمن صفا ساكن قلبه زكى ظاهر فعله ومن كان بالعكس محاله بالضد وقال الاستاد اذا ازكى الاصل بماء الفرع قا بعضهم هو قلب المؤمن الذى ظهره الله وطيبه ظهر الله الروح بماء القربة وطيبه بطيب الكرامة وطهر القلب بماء العلم وطيب السر بنور المعرفة وظهر اللسان بالصدق والذكر وطهر الجوارح بماء العصمة وطيبها بنور التوفيق.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو الذى يرسل الرياح} كل ما كان فى القرآن من ذكر الرياح فهو للرحمة وما كان من ذكر الريح فهو للعذاب ويدل عليه انه عليه الصلاة والسلام كان يجثو على ركبتيه عند هبوب الرياح ويقول "حديث : اللهم اجعلها لنا رياحا ولا تجعلها ريحا اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك " . تفسير : وفى الحديث "حديث : لا تسبوا الريح فاذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم انا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما امرت به نعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما امرت به ". تفسير : قال بعض المشايخ لا تعتمد على الريح فى استواء السفينة وسيرها وهذا شرك فى توحيد الافعال وجهل بحقائق الامور ومن انكشف له امر العالم كما هو عليه يعلم ان الريح لا تتحرك بنفهسا بل لها محرك والمحرك له محرك الى ان ينتهى الى المحرك الاول الذى لا محرك له ولا يتحرك هو فى نفسه ايضا بل هو منزه عن ذلك وعما يضاهيه سبحانه {بشرا} تخفيف بشر بضمتين جمع بشير نحو رغيف ورغف اى مبشرات {بين يدى رحمته} اى قدام رحمته التى هى المطر فان الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدّره والدبور تفرقه. الصبا ريح تهب من موضع طلوع الشمس عند استواء الليل والنهار. والدبور ريح تقابل الصبا اى تهب من موضع غروب الشمس. والشمال بالفتح الريح التى تهب من ناحية القطب. والجنوب الريح التى تقابل الشمال والجنوب تدر السحاب اى تستحلبه قال ابن عباس رضى الله عنهما يرسل الله الرياح فتحمل السحاب فتمريه كما يمرى الرجل الناقة والشاة حتى تدر وفى الآية اطلاق الرحمة على المطر فقول من قال انى افر من الرحمة محمول على المطر {حتى اذا اقلت} غاية لقوله يرسل {سحابا} اى حملته ورفعته باليسر والسهولة بان وجدته خفيفا قليلا يقال اقللت كذا اى حملته بالسهولة ومن حمل الشئ بسهولة لا شك انه يعده قليلا فلذلك اشتق هذا الفعل من القلة {ثقالا} جمع ثقيل اى بالماء جمعه مع كونه وصفا للسحاب لان السحاب اسم جنس يصح اطلاقه على سحابة واحدة وما فوقها فيكون بمعنى الجمع اى السحائب والسحاب هو الغيم الجارى فى السماء {سقناه} من السوق والضمير للسحاب والافراد باعتبار اللفظ والمعنى بالفارسية [برانيم ما آن ابررا] {لبلد ميت} اى لا حياء بلد لا نبات فيه والبلد يطلق على كل موضع من الارض سواء كان عامرا اى ذا عمارة او غير عامر خاليا او مسكونا والطائفة منها بلدة والجمع بلاد {فانزلنا به الماء} اى بالبلد والباء للالصاق اى التصق انزال الماء بالبلد {فاخرجنا به} اى سبب ذلك الماء {من كل الثمرات} اى من كل انواعها والظاهر ان الاستغراق عرفى {كذلك نخرج الموتى} الاشارة فيها الى اخراج الثمرات او الى احياء البلد الميت اى كما نحييه باحداث القوة النباتية فيه وتطريته بانواع النبات والثمرات نخرج الموتى من الاجداس ونحييها برد النفوس الى مواد ابدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس {لعلكم تذكرون} بطرح احدى التاءين اى تتذكرون فتعلمون ان من قدر على هذا من غير شبهة. قال ابن عباس وابو هريرة اذا مات الناس كلهم فى النفخة الاولى مطرت السماء اربعين يوما قبل النفخة الاخيرة مثل منى الرجال فينبتون من قبورهم بذلك المطر كم ينبتون فى بطون امهاتهم وكما ينبت الزرع من الماء حتى اذا استكملت اجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقى عليهم نومة فينامون فى قبورهم فاذا نفخ فى الصور النفخة الثانية وهى نفخة البعث جاشوا وخرجوا من قبورهم وهم يجدون طعم النوم فى رؤسهم كما يجده النائم اذا استيقظ من نومه فعند ذلك يقولون من بعثنا من مرقدنا فيناديهم المنادى هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. والاشارة فى الآية ان الرياح رياح العناية والسحاب سحاب الهداية والماء ماء المحبة فيخرج الله تعالى بهذا الماء سمرات المشاهدات والمكاشفات وانواع الكمالات كذلك نخرج الموتى اى موتى القلوب من قبور الصدور لعلكم تذكرون اى تذكرون ايام حياتكم دون حياض الانس ورياض القرب عند حظائر القدس. واعلم ان العمدة هى العناية الازلية وهى تصل الى العباد فى الخلا والملا ـ حكى ـ انه قيل لولى من اولياء الله تعالى اذهب الى دار الشرك فان فيها صديقا فكان ذلك الولى يقدر على الاختفاء فذهب الى دار المشركين فاسره مشرك وباعه لخادم كنيسة فخدم فيها زمانا بالصدق فجاء السلطان يوما الى الكنيسة فخلاها ثم صلى فاستتر الولى ثم ظهر للسلطان فقال من انت قال مسلم مثلك وقيل للولى هو الصديق ثم سأل الولى ذلك السلطان الصديق عن حاله فقال فى احسن الاحوال وارغد عيش آكل الرزق الحلال واعبدُ خالصا عن الرياء واقتل الكفار واعين المسلمين بحيث لو كنت سلطانهم ما قدرت ثم خرج من الكنيسة وقعد عند بابها فسأل عنى البطارقة والرهبان والخدام ثم قتل الكل وقال تتكبرون عن خدمة بيت الرب بانفسكم وتستخدمون غير اهل الملة ثم خلى سبيلى وفى هذه الحكاية اشارة الى ان الله تعالى اذا اراد اهلك العدو بادنى سبب من حيث لا يحتسب فان له الطافا خفية: قال الحافظ شعر : تيغى آسمانش ازفيض خوددهد آب تنها جهان بكيرد بى منت سباهى تفسير : وقال ايضا شعر : دلاطمع مبراز لطف بى نهايت دوست كه ميرسدهمه را لطف بى نهايت او تفسير : فنظر اهل التوحيد وارباب البصيرة الى المؤثر الحقيقى والفيض الازلى لا الى الخلق والوسائط والاسباب نسأل الله تعالى ان يجعلنا من الذين فازوا بالسعادة الابدية والعناية السرمدية ويسلك بنا مسلك الحقيقة والطريقة الاحمدية انه هو البر الرحيم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (نُشُرًا): حال من الرياح، وهو جمع نشور، بمعنى ناشر، ومن قرأ بسكون الشين، فهو تخفيف منه، ومن قرأ بفتح النون، فمصدر في موضع الحال، بمعنى: ناشرات، أو مفعول مطلق؛ فإن الإرسال والنشر متقاربان، ومن قرأه بالباء وسكون الشين فهو جمع بشير، مخفف، و(أقَلَّت): مشتق من القلة؛ لأن الحامل للشيء يستقله، و(ثقالاً): جمع؛ لأن السحاب جمع بمعنى السحائب. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي يرسل الرياح} أو الريح (نُشْرًا) أي: تنشر السحاب، وتفرقه إلى الأرض التي أراد الله أن تمطر، أو بشارة بالمطر، {بين يدي رحمته} أي: قبل نزول المطر، فهي قدامَه؛ فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب تذره، والدبور تُفرقه. قاله البيضاوي. {حتى إذا أقلَّت} أي: حملت {سحابًا ثِقالاً} بالماء؛ لأنها تحمل الماء فتثقل به، {سُقناه} أي: السحاب بما اشتمل عليه من الماء، {لبلدٍ ميِّتٍ} أي: لإحيائه أو لسَقيه بعد يبسه، كأنه ميت، {فأنزلنا به} أي: بالبلد، أو بالسحاب، أو بالسوق، أو بالريح، {الماء} الذي في السحاب، {فأخرجنا به} أي: بالماء، {من كل الثمرات} من كل أنواعها وأصنافها، {كذلك نُخرج الموتى} من القبور، أي: كما نُحيي البلد بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات {كذلك نُخرج الموتى} من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقُوى الحسية. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: هو تمثيل لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها: {أية : كَذَلِكَ النُّشُورُ } تفسير : [فَاطِر:9]، و {أية : كَذَلِكَ الْخُرُوجُ }تفسير : [قَ:11]. هـ. {لعلكم تذكَّرون}؛ فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى، إذ لا فرق. {والبلدُ الطيب} أي: الأرض الكريمة والتراب الجيد {يَخرج نباتُه} بسهولة، حسنًا قويًا نضرًا، {بإذن ربه} أي: بمشيئته وقدرته، {والذي خبُث} من الأرض؛ كالحرة والسبخة، {لا يخرج إلا نَكِدًا}؛ قليلاً عديم النفع، أو عسيرًا بمشقة، {كذلك نُصرِفَ الآيات}؛ نُكررها ونُرددها {لقوم يشكرون} نعمة الله، فيتفكرون فيها، ويعتبرون بها. قال البيضاوي: والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسًا ولم يتأثر بها، ومثلُه في البخاري في حديث طويل. وقال ابن عباس وغيره: هو ضرب مثل للمؤمن والكافر. وقال ابن جزي: يحتمل أن يكون المراد ما يقتضيه ظاهر اللفظ، فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر، وأن تكون تمثيلاً للقلوب؛ فالطيب: قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر، وقيل: هما للفِهم والبليد. هـ. الإشارة: وهو الذي يرسل رياح الهداية، تنشر سحاب الواردات الإلهية والنفحات الربانية، بين يدي معرفته، أو تُبشر بها قبل وصولها، حتى إذا أقلت سحابًا ثقالاً بالعلوم اللدنية، سقناه لقلبٍ ميت بالجهل والهوى، فأنزلنا مما فيه من ماء ذلك الأمطار، فأخرجنا به من ثمرت العلوم وأزهار الحِكَم ونوار اليقين. وفي الحكم: "لا تزكين واردًا لم تعلم ثمرته، فليس المقصود من السحابة الأمطار، وإنما المقصود وجود الأثمار". {كذلك نخرج الموتى} أي: نحيي القلوب الموتى بالجهل، {لعلكم تذكرون}. والبلد الطيب، وهو القلب الطيب، إذا هبت عليه هذه الواردات، ونزلت فيه أمطار النفحات، يُخرج نباته من العلوم والمعارف بإذن ربه، والذي خبث من القلوب لا يخرج ما فيه إلا نكدًا ـ أي: ضعيفًا؛ لعدم تأثره بالواردات والمواعظ. وقال الورتجبي: ذكر ـ سبحانه ـ القلب الذي هو بلد الله الذي مُطر عليه من بحر امتنانه، ويخرج نبات ألوان الحالات والمقامات. ثم قال: وكل قلب بذره الهوى فنباته الشهوات. هـ. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء مع أممهم، تفصيلاً لقوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا....} الآية، فقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائى وخلف {الريح} على التوحيد، ها هنا وفي النمل، والثانى من الروم وفي فاطر وقرأ عاصم {بشراً} بالباء وضمها وسكون الشين. وقرأه نافع بالنون وضمها وضم الشين وهم أهل الحجاز والبصرة، وكذلك الخلاف في الفرقان، والنمل. قال أبو علي (الريح) إِسم على وزن (فِعَل)، والعين منه واو فانقلبت ياء في الواحد للكسرة وصحت في الجمع القليل، لأنه لا شيء يوجب الاعلال ألا ترى أن الفتحة لا توجب اعلال هذه الواو في مثل يوم وقول وعون قال ذو الرمة: شعر : اذا هبت الأرواح من نحو جانب به آل ميِّ هاج شوقي هبوبها تفسير : وليس ذلك كعيد وأعياد، لأن هذا بدل لازم وليس البدل في الريح كذلك. فاما في الجمع الكثير فرياح انقلبت الواو بالكسرة التي قبلها كما انقلبت في نحو ديمة وديم، وحيلة وحيل، وفي رياح أجدر، لوقوع الالف بعدها، والالف تشبه الياء، والياء إِذا تأخرت عن الواو وجب فيها الاعلال فكذلك الألف لشبهها بها، والريح على لفظ الواحد، ويجوز ان يراد بها الكثرة، لقولهم: كثير الدرهم والدينار، وقوله {إن الإنسان لفي خسر} ثم قال {أية : إِلا الذين آمنوا}تفسير : فكذلك من قرأ {الريح بشراً} فأفرد، ووصفه بالجمع، فانه حملها على المعنى. وقد أجاز أبو الحسن ذلك وقال الشاعر: شعر : فيها اثنتان وأربعون حلوبة سوداً تفسير : ومن نصب جاء قوله على المعنى، لأن المفرد يراد به الجمع، وهذا وجه قراءة ابن كثير لأنه أفرد (الريح) ووصفه بالجمع، فلا يكون (الريح) على هذا اسم جنس وقول من جمع الريح اذا وصفها بالجمع أحسن إِذ الحمل على المعنى أقل من الحمل على اللفظ، ويؤكد ذلك قوله {أية : الرياح مبشرات} تفسير : فلما وصفت بالجمع جمع الموصوف أيضاً. فأما ما جاء في الحديث من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقول اذا هبت ريح: "حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" تفسير : فلأن عامة ما جاء بلفظ الرياح السقيا والرحمة، كقوله{أية : وأرسلنا الرياح لواقح}تفسير : وقوله {أية : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات}تفسير : وقوله {أية : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء}.تفسير : وما جاء بخلاف ذلك جاء على الافراد كقوله {أية : وفي عاد إِذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} تفسير : وقوله {أية : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر}تفسير : وقوله {أية : بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم}. تفسير : قال أبو عبيدة {نشراً} أي متفرقة من كل جانب، وقال أبو زيد: انشر الله الموتى إِنشاراً اذا بعثها وأنشر الله الريح مثل أحياها، فنشرت الجنوب وأحييت، والدليل على ذلك قول المراد الفقسي: شعر : وهبت له ريح الجنوب واحييت له ريدة يحيي المياه نسيمها تفسير : والريدة والريدانة الريح، قال الشاعر: شعر : إِني لأرجو أن تموت الريح فأقعد اليوم واستريح تفسير : ومن قرأ "نشراً" بضم النون والشين يحتمل ضربين: جمع ريح، ريح نشور وريح ناشر، ويكون على معنى النِّسب فاذا جعله جمع نشور احتمل أمرين: أحدهما - أن يكون النشور بمعنى المنشر كما أن الركوب بمنزلة المركوب كان المعنى ريح أو رياح منشرة، ويجوز أن يكون نشراً جمع نشور يريد به الفاعل مثل طهور ونحوه من الصفات. ويحتمل أن يكون نشر جمع ناشر كشاهد وشهد ونازل ونزل وقايل وقيل، قال الاعشى: شعر : إِنا لأمثالكم يا قومنا قيل تفسير : وقول ابن عامر {بشراً} يحتمل الوجهين: أن يكون جمع فعول وفاعل فخفف العين، كما خفف في كتب ورسل، ويكون جمع فاعل كبارك وبرك وغايظ وغيظ. ومن فتح النون وسكون الشين فانه يحتمل ضربين: أحدهما - أن يكون المصدر حالاً من الريح فاذا جعلته حالاً منها احتمل أمرين أحدهما - أن يكون النشر الذي هو خلاف الطبي، كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية، ويجوز على تأويل أبي عبيدة أن تكون متفرقة في وجوهها. والآخر - أن يكون النشر الذي هو الحياة من قوله: شعر : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشر تفسير : فاذا حملته على ذلك - وهو الوجه - كان المصدر يراد به الفاعل، كما تقول أتانا ركضاً أي راكضاً، ويجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول كأنه يرسل الرياح انشاراً أي محياة فحذف الزوائد من المصدر، كما يقال عمرك الله. وكما يقال: فان يهلك فذلك كان قدري أي تقديري. والضرب الآخر - أن يكون {نشراً} على هذه القراءة ينصب انتصاب المصادر من باب {أية : صنع الله}تفسير : لأنه إِذا قال يرسل الرياح دل هذا الكلام على تنشير الريح نشراً. وقراءة عاصم {بشراً} بالباء فهو جمع بشير وبشر من قوله {أية : يرسل الرياح مبشرات}تفسير : أي تبشر بالمطر والرحمة وجمع (بشير) على (بشر) ككتاب وكتب. لما أخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه الذي خلق السماوات والارض وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات، وأنه الذي يجلل الليل النهار، عطف على ذلك بأن قال {وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} تعداداً لنعمه على خلقه. والارسال هو الاطلاق بتحميل معنى، كما تقول: أرسلت فلاناً أي حملته رسالة، فلما أطلق الله الرياح كان ذلك بمنزلة المطوي في الامتناع من الادراك ثم صارت تدرك في الآفاق، كانت كنشر الثوب بعد طيه في الادراك قال امرؤ القيس: شعر : كان المدام وصوب الغمام وريح الخزامي ونشر القطر تفسير : وقال الفراء: النشر من الرياح: الطيبة اللينة التي تنشىء السحاب، والسحاب الغيم الجاري في السماء مشتقاً من الاسحاب، يقال: سحبه سحباً وأسحب إِسحاباً وتسحب تسحباً. وقوله {بين يدي رحمته} معناه قدام رحمته، كما يقدم الشىء بين يدي الانسان، كما قال {أية : لما خلقت بيدي}تفسير : أي توليت خلقه، كما يقول الانسان: عملت بيدي، والرحمة يراد بها - ها هنا - الغيث. وقوله {حتى إذا أقلت سحابا ثقالاً} فالاقلال حمل الشىء بأسره حتى يقل في طاقة الحامل له بقوة جسمه، يقال: استقل بحمله استقلالاً. وأقله إِقلالا، والثقال جمع ثقيل، والثقيل ما فيه الاعتماد الكثير سفلاً. وقال قوم: هو ما تجمع أجزاؤه كالذهب والحجر، وقد يكون بكثرة ما حمل كالسحاب الذي يثقل بالماء. وقوله {سقناه لبلد ميت} أي الى بلد، فالسوق حث الشىء في السير حتى يقع الاسراع فيه، ساقه يسوقه سوقاً، واستاقه استياقاً، وساوقه مساوقة، وتساوقوا تساوقاً، وتسوق تسوقاً، وانساق انسياقاً، وسوقه تسويقاً. (والبلد الميت) هو الذي اندرست مشاربه وتعفت مزارعه. وقوله {فأنزلنا به الماء} الهاء في (به) راجعة الى البلد. ويحتمل أن تكون راجعة الى السحاب. وقوله {فأخرجنا به من كل الثمرات} فالهاء في (به) يحتمل أن تكون راجعة الى البلد، ويكون التقدير أخرجنا بهذا البلد. ويحتمل أن تكون راجعة الى الماء، فكأنه قال فأخرجنا بهذا الماء من كل الثمرات. ويحتمل أن تكون (من) للتبعيض. ويحتمل أن تكون لتبيين الجنس. وقوله {كذلك نخرج الموتى} معناه كما أخرجنا الثمرات. كذلك نخرج الموتى بعد موتها بأن نحييها {لعلكم تذكرون} معناه لكي تتذكروا، وتتفكروا وتعتبروا بأن من قدر على انشاء الاشجار والثمار في البلد الذي لا ماء فيه ولا زرع، فانه يقدر على أن يحيي الاموات بأن يعيدها الى ما كانت عليه بأن يخلق فيها الحياة والقدرة. واستدل البلخي بهذه الآية على أن كثيرا من الاشياء تكون بالطبع. قال: لأن الله تعالى بين انه يخرج الثمرات بالماء الذي ينزله من السماء، قال: ولا ينبغي أن ينكر ذلك وإِنما ينكر قول من يقول بقدم الطبائع أو قول من يقول: إِن الجمادات تفعل. فأما من قال: إِن الله تعالى يفعل هذه الأشياء غير أنه يفعلها تارة مخترعة بلا وسائط وتارة بوسائط، فلا كراهة في ذلك كما تقول في السبب والمسبب، وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنه إِن اشار بالطبع الى رطوبات مخصوصة ويبوسات مخصوصة، فلا خلاف في ذلك غير أن هذه الأشياء لا تتولد عنها ذوات أخر، بل ما يحصل عندها الله تعالى يفعلها مبتدأ، وليس كذلك السبب والمسبب، لان السبب الذي يفعل الفعل بها وهو الاعتماد والمجاوزة يوجب التأليف، وما عدا ذلك فليس فيه شىء تولد أصلاً، وإِن أراد بالطبع غير هذا المعقول فليس في الآية دلالة على صحته بحال.

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً} قرء بالنّون وبالباء جمعاً للنّشور والبشير وبالضمّتين على الاصل وباسكان العين تخفيفاً وبالفتح كالنّصر مصدراً وهو عطف على قوله، انّ ربّكم الله الّذى خلق السّماوات، وهو لبيان الاعادة بطريق التّمثيل كما انّ الاوّل لبيان الابداء والتّدبير {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعنى المطر، فانّه يسمّى بالرّحمة فى العرف ولا يخفى تعميم الرّياح والرّحمة وان كان التّمثيل بحسب ظاهر التّنزيل {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} بالاجزاء الرّشّيّة المائيّة، جمع الوصف وافراد الضّمير فى {سُقْنَاهُ} باعتبار معنى الجنس ولفظه {لِبَلَدٍ} اليه او لسقيه او لاحيائه {مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا} فى ذلك البلد الميّت {بِهِ ٱلْمَآءَ} اى بالسّحاب او الضّمير راجع الى البلد والباء بمعنى فى {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} بالماء او بالسّحاب او بالبلد {مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ} اى كما ترون من نشر الرّياح وحمل السّحاب وسوقه الى البلد الميّت واحيائه باخراج الثّمرات {نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} عن الحيوة الحيوانيّة او عن الحيوة الحقيقيّة الانسانيّة بنشر الرّياح المختلفة وسوق سحاب الرّحمة باعداد الرّياح المختلفه من الاستحالات والانقلابات والانتقالات والبلايا والامتحانات، وتهييج الشّهوات وايذاء السّخطات ووسوسة الشّياطين الجنّيّة والانسيّة، واذا هم الّذى عاهدناهم عليه بقولنا {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً}تفسير : [ آل عمران: 186] حتّى ينزعجوا عن قبر الطّبع الجمادىّ او النّفس النّباتيّة او النّفس الحيوانيّة ويحيوا بالحيوة الانسانيّة ويخرج فى ارض وجودهم كلّ الثّمرات الآلهيّة {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} غاية للممثّل به او للمثل او للتّمثيل.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بُشراً بين يدي رحمته} أي يجريه ارسالاً قدام رحمته وهو المطر {حتى إذا أقلّت سحاباً ثقالاً} يعني بالمطر {سقناه لبلد ميتٍ} يعني إلى البلد الميت {فأنزلنا به} يعني بالسحاب، وقيل: بالبلد {الماء} يعني المطر {كذلك نخرج الموتى} أي كما نخرج النبات بعد أن لم يكن، كذلك نخرج الموتى من الأرض، وروي في الثعلبي عن ابن عباس: إذا مات الناس في النفخة الأولى مطر عليهم أربعين عاماً كمني الرجال من تحت العرش يدعى ماء الحيوان فينبتون من قبورهم بذلك كما ينبتون في بطون أمهاتهم، وكما ينبت الزرع من الماء {والبلد الطيب يخرج نباته} يعني الأرض الطيب ترابها {بإذن ربه} يعني بأمره {والذي خبث لا يخرج إلاَّ نكداً} يعني والنكد الذي لا خير فيه، هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر والمؤمن والمنافق، لأن المؤمن يخرج منه العمل الصالح وهو عبادة الله تعالى مثل البلد الطيب، والمنافق خبيث لا يخرج منه إلا العمل الخبيث كمثل الأرض السبخة الخبيثة التي لا يخرج نباتها وغلتها إلاَّ نكداً {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن مهلايل بن نرد بن فينان بن أنوش بن شيث بن آدم (عليه السلام) قيل: بعث وهو ابن خمسين وقيل: بعث وهو ابن أربع مائة وثمانين سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم كان الطوفان وأغرق قومه، وهو ابن ألف وثلاثمائة وسبعين سنة، وعاش بعد الطوفان تسعين سنة، وهو أول نبي بعد إدريس وكان نجاراً {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} وهو يوم القيامة، وقيل: يوم نزول العذاب وهو الطوفان الذي أهلكهم الله به {قال الملأ} الأشراف والسادة {انا لنراك في ضلال مبين} أي في ذهاب عن الطريق والصواب، وروي أن الله تعالى بعث نوحاً إلى الخلق كافة فدعاهم إلى الله تعالى ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، وكانوا أصحاب أصنام وهي ما عدّ الله تعالى في سورة نوح: يغوث ويعوق ونسراً، فلما أيس من إيمانهم دعا عليهم فأمره الله تعالى باتخاذ السفينة، وروي أنه كان إذا صاح وهو بالمغرب سمعه من بالمشرق، قوله تعالى: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} يعني أعلم من صفات الله تعالى يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين، وقيل: لم يسمعوا بقوم حلَّ عليهم العذاب قبلهم وكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوح (عليه السلام) بوحي الله تعالى إليه. {أو عجبتم} الهمزة للإِنكار {أن جاءكم ذكر} موعظة {على رجل منكم} يعني على لسان رجل {ليذركم} عذاب الله إن لم تؤمنوا {ولتتقوا} أي ولكي تتقوا {فكذبوه فأنجيناه والذين معه}، قيل: كان معه أربعون رجلاً وأربعون امرأة، وقيل: تسعة بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به {إنهم كانوا قوماً عمين} عمي القلوب غير مستبصرين.

اطفيش

تفسير : {وهُو الَّذى يُرسل الرِّياحَ} وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائى الريح بالإفراد، والرياح بالجمع حيث وقع فى القرآن، فهو مقرون بالرحمة كقوله: {أية : ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} {أية : وأرسلنا الرياح لواقح} تفسير : والريح بالإفراد حيث وقع مقرون بالعذاب غالباً كقوله: {أية : وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} {أية : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصرٍ} تفسير : حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : كان إذا هبت الريح يقول: "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحاً ". تفسير : وذلك أن ريح الرحمة تجىء من هاهنا وهاهنا لينة متغايرة المهب، فيحسن تسميتها رياحاً، وريح العذاب تجىء من جهة واحدة جسما واحداً شديد المر، فهى ريح واحد، ولذلك لما أفردت فى {أية : وجرين بهم بريح طيبة} تفسير : وصفت بالطيب إزالة لتنوهم العذاب، وكذلك ريح سليمان لما أفردت أوصفت بالرخاء، وإفرادها فى الموضعين أليق بالسفينة، ومن حملت من سليمان وغيره تجىء من جهة واحدة لئلا تعطل، ووجه الإفراد فى هذه الآية إرادة الجنس، ووصفه بالنشر يزيل التوهم. وعن ابن عمر: الريح أربعة رحمة: النشر، والمبشرات والمرسلات، والذاريات، وأربعة عذاب: القاصف والعاصف والصرصر والعقيم، ويكتب {وهو الذى يرسل الرياح} إلى {يشكرون} فى وعاء من شجر الزيتون بماء التفاح وماء العنب وزعفران، ويمحى بماء العنب أيضا، ويجعل منه فى أصل الشجر قليل، ويكبُّ فوقه الماء القراح، فتحفظ بإذن الله من الدود والنمل، والعفن والجراد، والفار والطير، ويحسن أصلها وثمرها {نشراً} [وفى قراءة {بُشراً} بالباء] وقراء ابن عامر بإسكان الشين تخفيفاً حيث وقع، وهو جمع نشور كرسول ورسل حال من الرياح، وكذا فى قراءة ابن كثير الريح بالإفراد، لأن المراد الجنس، وقرأ الكسائى وحمزة بفتح النون وإسكان الشين حيث وقع على أنه مصدر وقع حالا مبالغة، أو بتقديره يناشره، أو بذات نشر أو مفعولا مطلقا كقعدت جلوسا، فإن الإرسال والنشر متقاربان، وعلى الحالين، فصاحب الحال الريح على أنه من النشر القاصر، وضمير يرسل على أنه من المتعدى وهو خلاف طى الشىء، ويصح أن يكون على التعدى صاحبها الريح على التأويل بمنشور. وهذه الأوجه فى الحالية تأتى أيضا إذا فسر بالنشر الذى هو الحياة أو الأحياء، وكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس وطلحة والأعمش ومسروق وغيرهم، وقيل: عن مسروق إنه قرأ بكسر النون وسكون الشين بمعنى منشورة كالنقض بمعنى المنقوض، وقال أبو الفتح عنه نشراً بفتحهما وهو مصدر، أى ذات نشر أو ناشرات من النشر بفتحهما الذى هو أن تنشر الغنم بالليل فترعى تشبه السحاب فى انتشاره بها. وعن مسروق أيضا وابن عباس وابن أبى عبلة بشراً بباء موحدة مضمومة وضم الشين جمع بشير، وقرأ عاصم بموحدة مضمومة وإسكان الشين تخفيفا، وعنه بموحدة مفتوحة وإسكان الشين على المصدرية وهو حال مبالغة، أو يؤولوا بباشرات أو ذوات بشر، وقرأ محمد بن السميفع بشرى بضم الوحدة وإسكان الشين، وبألف التأنيث وهو أيضا مصدر، وإعرابه كالذى قبله. {بَيْن يَدْى رَحْمته} هى هنا المطر، أى قدام رحمته، واستعيرت لها اليدان تمثيلا بالإنسان، فإنه إنه كان الشىء أمامه أو فى حجره فهو بين يديه، لأن يدى الإنسان يتقدمانه عند المناولة وعند المشى استعانة، وسمى المطر رحمة لأنه سبب لحياة الأرض وغيرها، وهو من أجلّ النعم وأحسنها أثراً، وبيان تقدم الريح المطر أن الصبا وهى الريح الشرقية تثير السحاب، والشمال وهى التى تهب من جهة قطب الشمال تجمعه، والجنوب وهى القبلية تذره، والدبور وهى الغربية تفرقه. اشتدت الريح بطريق مكة على عمر وغيره قاصدين الحج فسأل من حوله: ما بلغكم فى الريح؟ فلم يكن عندهم جواب، وبلغ ذلك أبا هريرة وهو آخر الركب، فحث راحلته حتى أدركه فقال: يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الريح من روح الله تأتى بالرحمة وتأتى بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرها" تفسير : وعن كعب: لو حبس الله الريح ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل الأرض. {حتَّى إذا أقلَّت} حملت، سمى الحمل بالإقلال لا عمن حمل شيئا يراه قليلا، ومن ذلك تسمية الإناء المعروف قُلَّة {سحاباً} جمع سحابة ككلمة وكلم، ولذلك وصفه بالجمع وهو قوله: {ثِقالاً} بما فيها من الماء، والسحابة الغيم فيه ماء أو لم يكن، سمى لانسحابه فى الهواء، وهو جسم يتولد من شجرة فى الجنة، وعن السدى تأتى به الريح من حيث تلتقى السماء والأرض وتنشره، فيفتح له أبواب السماء فيسيل فيه الماء، فإما أن يرى أن المسافة إلى السماء قليلة دون خمسمائة عام أو يراها خمسمائة عام، ويعجل الماء بقدرته فى زمان قليل، وقيل: إنه يتولد بريح شديد ويضم بعضه إلى بعض وينعقد ويحمل الماء. {سُقْناه لبلدٍ} إلى بلد، أو لأجل إحياء بلد أو سقيه، والهاء للسحاب وأفرد لجواز إفراد الجمع الذى هو كالكلم والنخل والشجر، والبلد الموضع عامراً أو غير عامر، وفى سقنا التفات من طريق الغيبة إلى التكلم تأكيداً للمن وإظهاراً له، فإن سوقه لبلد إنعام عظيم {ميِّتٍ} وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش بإسكان الياء، وصف البلد بالموت تجوزاً لسعته وعدم زيادته بالنبات، ولحفوف نباته وشجره. {فأنزلْنا به الماءَ} أى فيه فالباء صرفية، والهاء للبلد، ويجوز كون الباء للإلصاق، والهاء للبلد، ويجوز كون الباء للآلة، والهاء لسحاب، وكونها بمعنى من الهاء للسحاب، وكونها للسببية والهاء للريح، ولو فى قراءة الرياح بالجمع لدلالة الجمع على المفرد، أو للسوق المداول عليه بسقناه. {فأخْرجْنا} الفاء للاتصال، وهو فى كل شىء بحسبه، تقول: تزوج زيد فولد له إذا لم يكن بين التزوج والولادة إلا مدة الحمل، أو بمعنى الواو أو يقدر ومضت مدة فأخرجنا {بِهِ} أى بالماء، والباء للسببية أو الهاء للبلد، فالباء للظرفية أو الإنصاف أو الهاء للريح أو اسوق، فالباء أيضا للسببية {مِنْ كلِّ الثَّمراتِ} من جميع أصنافها، ومفعول أخرج محذوف أى شيئا ومن كل نعته. {كذلِكَ نُخرجُ الموتى} رد على منكرى البعث، والمعنى إنَّا قادرون على إخراج الموتى كما قدرنا على إخراج الثمار، أو كما قدرنا على إحياء البلد، والإشارة لإخراج الثمار أو لإحياء البلد المفهوم من الكلام، ويجوز أن يكون الكلام إخباراً بكيفية إخراج الموتى لا مسوقا للرد على منكرى البعث، لكنه متضمنا له، وبيان ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه ينزل على الموتى ماء من السماء"تفسير : ، وفى رواية "حديث : من تحت العرش، يقال له ماء الحيوان"تفسير : ، ولا منافاة بينهما، وفى رواية "حديث : كمنى الرجل أربعين سنة"تفسير : ، وفى رواية "حديث : أربعين يوما، فينبتون كما ينبت الزرع، حتى إذا كملت أجسادهم ونفخ فيها الروح، ويلقى عليهم النوم فينومون، ثم ينفخ للبعث فيقومون، وفى رءوسهم وعيونهم أثر النوم فيقولون: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا}" تفسير : وعن مجاهد: يرسل عليهم الماء من السماء فتنشق عنهم الأرض، فيرسل الأرواح، إلى أجسادها {لعلَّكم تذكَّرونَ} هذه ترجية أو تعليل لمحذوف، أى قلنا ذلك أو أنزلنا الآية لعلكم تذكرون فتؤمنوا بالبعث.

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} عطف على الذى خلق السماوات عطف الخبر الجملى على المفرد أو على إِن ربكم الله الذي إِلخ {بُشْرًا} وفى قراءة نشراً جمع نَشور قيل من النُّشور بمعنى الإِحياء مجازاً لأَن الريح توصف بمعنى الحياة، وقيل: بمعنى منتشرة فى النواحى متفرقة، قيل: أَو بمعنى منشورة، أَى مفرقة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ريح الرحمة تأتى من ها هنا ومن ها هنا، وريح العذاب تأتى من جهة واحدة"تفسير : . وفيه أن فعلا جمع لمفعول بمعنى فاعل لا لفاعل على نحو ناشر ولا لمفعول بمعنى مفعول كحلوب إِلا ما شذ. نعم صح رسول ورسل. أَخذت الناس ريح بطريق مكة وفيهم عمر رضى الله عنه للحج فقال ما بلغكم فى الريح فلم يجيبوه، فبلغ ذلك أَبا هريرة فى مؤخر الركب فأَسرع براحلته فقال: يا أَمير المؤمنين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الريح من روح الله تأتى بالرحمة وتأتى بالعذاب، فإذا رأَيتموها فاسأَلوا الله خيرها واستعيذوا من شرها" تفسير : {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} قدام رحمته، وهى المطر، فقيل لو كان الرحمة قبل بمعنى المطر لا ضمير له هنا، ولا يلزم ذلك لجواز الإِظهار فى موضع الإِضمار. لنكتة كالامتنان. والرحمة بمعنى المطر على إِرادة من عام حقيقة وعلى أَنه اسم للمطر مجازا، وقيل وضع لفظ الرحمة اسماً للمطر هكذا بخصوصه فهو حقيقة كما هو حقيقة فى العموم، والصبا تثير السحاب وهى التى تهب من المشرق، وقيل من مطلع الشمس إِذا استوى الليل والنهار، والشمال تجمعه وهى التى تهب من ناحية القطب، والجنوب بفتح الجيم تنزله وهى مقابلة الشمال، والدبور بفتح الدال تفرقه وهى الغربية بين الجنوب والشمال، وعن كعب الأَحبار: لو أَمسك الله الريح ثلاثة أَيام لأَنتن أَهل الأَرض، وروى لأَنتن أَكثر أَهل الأَرض، وقال بعض: لو أَمسك الله الريح لأنتن ما بين السماء والأَرض. وعن ابن عمر: الريح ثمان: أَربع عذاب القاصف والعاصف والصرصر والعقيم، وأَربع رحمة الناشرة والمبشرة والمرسلة والنازعة كذا قيل {حَتَّى} تفريع أَو غاية لقوله يرسل {إِذَا أَقَلَّتْ} عملت بسهولة، وأَصله من القلة لأَن حامل الشئ عده قليلا أَو وجده قليلا، فهو من أَفعل بمعنى عدد الشئ. كذاك أفسقه بمعنى عده فاسقاً أَو وجده فاسقاً {سَحَابًا} أَى سحابات، والمفرد سحابة كثمر وثمرة، ويدل على أَن المراد بالجماعة قوله {ثِقَالاً} بصيغة الجمع أَى ثقيلة بالماء، وما واحدة بالتاء يجوز تذكيره وإِفراده كما قال {سُقْنَاهُ} أَى السحاب قيل الإِفراد و التذكير مراعاة للفظ، وسمى لانسحابه فى الهواء، ومقتضى الظاهر ساقه بالغيبة كما فى قوله عز وجل وهو الذى يرسل {لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} أَى أَرض لا نبات فيها كالميت لا ينمو، والمعنى لأَجل بلد أَى لمنفعته أَو لإِحيائه وإِنضاره، وهو أَنسب لمقابلة ميت أَو لسقيه والأَول راجع إِليهما لأَن البلد لا ينتفع، أَو إِلى بلد ميت {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أَى فى البلد لقربه، فالباء ظرفية والبلد يذكر ويؤنث، ويطلق على المعمور وغيره، أَو فأَنزلنا بالسحاب أَو بالريح المعلوم من الرياح، وهو يذكر ويؤنث، أَو بالسوق المعلوم من سقنا، وفيه عود الضمير لغير مذكور مع وجود المذكور، وعلى هذه الثلاثة الباء للآلة أَو للسببية أَو فَأَنزلنا منه أَى من السحاب {المَاءَ} والباء على هذا الأَخير للابتداء {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أَى بالماءِ، وهو أَولى لقربه وظهوره وكونه سبباً قريباً من أَن يقال أَخرجنا بالسحاب أَو بالسوق أَو فى البلد على أَن الباءَ ظرفية والسحاب سبب قريب والماء أَقرب والسوق بعيد ولو قرب بالنسبة للريح {مِنْ كُلّ الثَّمَرَاتِ} أَى بعض الثمرات. أَو أَصدرنا من كل الثمرات، ومن عليه للابتداء، وكل هنا لإحاطة الأَفراد النوعية لا للأَفراد الشخصية إذ لا تصح هنا، ويجوز الحمل على الاستغراق العرفى {كَذَلِكَ نَخْرِجُ الْموتَى} من قبورهم ومن مواضعهم للإِحياء، ووجه الشبه الإِحياء بالماء والإِخراج، وقيل الإحياء والإِخراج، وهذا رد على منكرى البعث إِذا قامت الساعة، ومضت أَربعون سنة أَو أَربعون يوماً، نزل من تحت العرش ماء كالمنى يحييهم الله به. وروى عن أَبى هريرة وابن عباس أَن ذلك الماءَ ينزل عليهم أَربعين عاما بعد نفخة الموت، وفى رواية أَربعين يوماً، ويروى أَنه يلقى عليهم النوم بعد ذلك وبعد رد أَرواحهم إِليهم ثم يبعثون وقد وجدوا لذة النوم فيقولون يا ويلتنا إِلخ. والإِشارة إِلى إِخراج الثمرات أَو إِلى إِحياء البلد الميت، أَى كما تخرج الثمرات بإنزال المطر بجرى العادة نخرج الموتى من قبورهم بماء مطلق كالمنى، كذا قيل، والأُولى التشبيه فى مجرد الإِخراج لأَن الإِحياءَ والإِخراج بلا إِنزال ماء على الموتى دل على قدرة كاملة، وهذا على إِعادة أَعيان الأجساد بعد جمعها وأَما على القول بإِعادة المعدوم فلا يتصور فيه الإِخراج بالماء. أو الإِشارة إِلى إِحياء البلد أَى كما نحييه بإحداث القوة النامية فيه وتطرئتها بأَنواع النبات والثمرات نخرج الموتى من القبور ونحييها برد الأَرواح إِلى مواد أَبدانها بعد جمعها وتطرئتها بالقوة العقلية والغضبية والشهوية والنامية والتغذية والحواس الظاهرة من نحو السمع والبصر والباطنة على القول بوجودهما {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فتعلموا أَن من قدر على إِخراج النبات والثمار من الأَرض والخشب قادر على إخراج الموتى أَحياءَ.

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ } عطف على الجملة السابقة أو على حديث خلق السمٰوات والأرض. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {ٱلرّيحَ } على الوحدة وهو متحمل لمعنى الجنسية فيطلق على الكثير. وخبر «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» مخرج على قراءة الأكثرين {بُشْرًا } بضم الموحدة وسكون الشين مخفف بشراً بضمتين جمع بشير كنذر ونذير أي مبشرات وهي قراءة عاصم. وروي عنه أيضاً {بشرًا } على الأصل. وقرىء بفتح الباء على أنه مصدر بشره بالتخفيف بمعنى بشره المشدد. والمراد باشرات أو للبشارة. وقرىء {بُشْرىً } كحبلى وهو مصدر أيضاً من البشارة. وقرأ أهل المدينة والبصرة {نُشُراً } بضم النون والشين جمع نشور بفتح النون بمعنى ناشر، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه كذلك كصبور وصبر، ولم يجعل جمع ناشر كبازل وبزل لأن جمع فاعل على فعل شاذ. / واختلف في معنى ناشر ففي «الحواشي الشهابية» قيل: هو على النسب إما إلى النشر ضد الطي وإما إلى النشور بمعنى الإحياء لأن الريح توصف بالموت والحياة كقوله: شعر : إني لأرجو أن تموت الريح فاقعد اليوم واستريح تفسير : كما يصفها المتأخرون بالعلة والمرض. ومما يحكى النسيم من ذلك قول بعضهم في شدة الحر: شعر : أظن نسيم الروض مات لأنه له زمن في الروض وهو عليل تفسير : وقيل: هو فاعل من نشر مطاوع أنشر الله تعالى الميت فنشر وهو ناشر كقوله: شعر : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشر تفسير : قيل: ناشر بمعنى منشر أي محيـي، وقيل: فعول هنا بمعنى مفعول كرسول ورسل وقد جوز ذلك أبو البقاء إلا أنه نادر مفرده وجمعه. وقرأ ابن عامر {نُشْراً } بضم النون وسكون الشين حيث وقع، والتخفيف في فعل مطرد، وقرأ حمزة والكسائي {نَشْراً } بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان. {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أي قدام رحمته وهو من المجاز كما نقل عن أبـي بكر الأنباري، والمراد بالرحمة كما ذهب إليه غالب المفسرين المطر، وسمي رحمة لما يترتب عليه بحسب جري العادة من المنافع. ولا يخفى أن الرحمة في المشهور عامة فإطلاقها على ذلك إن كان من حيث خصوصه مجاز لكونه استعمال اللفظ في غير ما وضع له إذ اللفظ لم يوضع لذلك الخاص بخصوصه وإن كان إطلاقها عليه لا بخصوصه بل باعتبار عمومه. وكونه فرداً من أفراد ذلك العام فهو حقيقة لأنه استعمال اللفظ فيما وضع له على ما بين في «شرح التلخيص» وغيره. وادعى الشهاب إثبات بعض أهل اللغة كون المطر من معاني الرحمة، وقول ابن هشام في «رسالته» التي ألفها في بيان وجه تذكير {قَرِيبٌ } المار عن قريب: إنا لا نجد أهل اللغة حيث يتكلمون على الرحمة يقولون: ومن معانيها المطر فلو كانت موضوعة له لذكروه، قصارى ما فيه عدم الوجدان وهو لا يستدعي عدم الوجود، ومما اشتهر أن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمقام ظاهر في إرادة هذا المعنى، وبيان كون الرياح مرسلة أمام ذلك ما قيل: إن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه وهذه أحد أنواع الريح المشهورة عند العرب، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرياح ثمانية أربع منها عذاب وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. والريح من أعظم منن الله تعالى على عباده، وعن كعب الأحبار لو حبس الله تعالى الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل الأرض، وفي بعض الآثار أن الله تعالى خلق العالم وملأه هواء ولو أمسك الهواء ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض، وذكر غير واحد من العلماء أنه يكره سب الريح، فقد روى الشافعي عن أبـي هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر رضي الله تعالى عنه حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئاً وبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت مؤخر الناس فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله / تعالى من خيرها واستعيذوا بالله سبحانه من شرها » تفسير : ولا منافاة بين الآية وهذا الخبر إذ ليس فيها أنه سبحانه لا يرسلها إلا بين يدي الرحمة ولئن سلم فهو خارج مجرى الغالب فإن العذاب بالريح نادر، وقيل: ما في الخبر إنما هو الإيتاء بالرحمة والإيتاء بالعذاب لا الإرسال بين يدي كل. {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ } غاية لقوله سبحانه {يُرْسِلُ } والإقلال ـ كما في «مجمع البيان» ـ حمل الشيء بأسره واشتقاقه من القلة وحقيقة أقله ـ كما قال بعض المحققين ـ جعله قليلاً أو وجده قليلاً، والمراد ظنه كذلك كأكذبه إذا جعله كاذباً في زعمه ثم استعمل بمعنى حمله لأن الحامل يستقل ما يحمله أي يعده قليلاً، ومن ذلك قولهم: جهد المقل أي الحامل {سَحَابًا } أي غيماً سمي بذلك لانسحابه في الهواء وهو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع. وأهل اللغة كالجوهري وغيره تسميه جمعاً فلذا روعي فيه الوجهان في وصفه وضميره، وجاء في الجمع سحب وسحائب {ثِقَالاً } من الثقل كعنب ضد الخفة يقال: ثقل ككرم ثقلاً وثقالة فهو ثقيل، وثقل السحاب بما فيه من الماء {سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيّتٍ } أي لأجله ومنفعته أو لإحيائه أو لسقيه كما قيل. وفي «البحر» أن اللام للتبليغ كما في قلت لك، وفرق بين سقت لك مالاً وسقت لأجلك مالاً بأن الأول: معناه أوصلت لك ذلك وأبلغتكه. والثاني: لا يلزم منه وصوله إليه، والبلد ـ كما قال الليث ـ كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منه بلدة والجمع بلاد، وتطلق البلدة على المفازة ومنه قول الأعشى: شعر : وبلدة مثل ظهر الترس موحشة للجن بالليل في حافاتها زجل تفسير : {فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَاء } أي بالبلد أو السحاب كما قال الزجاج وابن الأنباري أو بالسوق أو الرياح كما قيل، والتذكير بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ويحتمل أن يعود الضمير إلى الماء وهو الظاهر لقربه لفظاً ومعنى، ومطابقة النظائر وانفكاك الضمائر لا بأس به إذا قام الدليل عليه وحسن الملاءمة. وإذا كان للبلد فالباء للظرفية في الثاني وللإلصاق في الأول لأن الإنزال ليس في البلد بل المنزل، وجوز الظرفية أيضاً كما في رميت الصيد في الحرم على ما علمت فيما مر، وإذا كان لغيره فهي للسببية وتشمل القريبة والبعيدة. {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } أي من كل أنواعها لأن الاستغراق غير مراد ولا واقع، وهذا أبلغ في إظهار القدرة المراد، وقيل: إن الاستغراق عرفي والظاهر أن المراد التكثير، وجوز بعضهم أن تكون {مِنْ } للتبعيض وأن تكون لتبيين الجنس. {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ } إشارة إلى إخراج الثمرات أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوى النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتى من الأرض ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس كذا قالوا، وهو إشارة ـ كما قيل ـ إلى طريقي القائلين بالمعاد الجسماني وهما إيجاد البدن بعد عدمه ثم إحياؤه وضم بعض أجزائه إلى بعض على النمط السابق بعد تفرقها ثم إحياؤه. واستظهر الأول بأن المتبادر من الآية كون التشبيه بين الإخراجين من كتم العدم، والثاني يحتاج إلى تمحل تقدير الإحياء واعتبار جمع الأجزاء مع أنه غير معتبر في جانب المشبه به، وجوز أن يرجع ما في الشق الثاني من الإحياء برد النفوس الخ إلى الأول، وأنت تعلم أنه لا مانع من الإخراج من كتم العدم، وأدلة / استحالة ذلك مما لا تقوم على ساق وقدم إلا أن الأدلة النقلية على كل من الطريقين متجاذبة، وإذا صح القول بالمعاد الجسماني فلا بأس بالقول بأي كان منهما، وكون إخراج الثمرات من كتم العدم قد لا يسلم فإن لها أصلاً في الجملة على أن إخراج الموتى عند القائلين بالطريق الأول إعادة وليس إخراج الثمرات كذلك إذ لم يكن لها وجود قبل، نعم كون الأظهر أن التشبيه بين الإخراجين مما لا مرية فيه، وفي «الخازن» اختلفوا في وجه التشبيه فقيل: إن الله تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال المطر كذلك يحيــي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضاً، فقد روي عن أبـي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. وفي رواية أربعين يوماً فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم تنفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم النوم فينامون في قبورهم فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عاشوا ثم يحشرون من قبورهم ويجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه فعند ذلك يقولون: { أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : ؟ فيناديهم المنادي { أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ } تفسير : [يسۤ: 52]. وأخرج غير واحد عن مجاهد أنه إذا أراد الله تعالى أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تشقق عنهم الأرض ثم يرسل سبحانه الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها، فكذلك يحيـي الله تعالى الموتى بالمطر كإحيائه الأرض. وقيل: إنما وقع التشبيه بأصل الإحياء من غير اعتبار كيفية فيجب الإيمان به ولا يلزمنا البحث عن الكيفية ويفعل الله سبحانه ما يشاء {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن من قدر على ذلك فهو قادر على هذا من غير شبهة. والأصل تتذكرون فطرحت إحدى التاءين، والخطاب قيل: للنظار مطلقاً، وقيل: لمنكري البعث.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {وهو الذي يرسل الرياح} عطف على جملة: {أية : يغشي الليل النهار} تفسير : [الأعراف: 54] وقد حصلت المناسبة بين آخر الجمل المعترضة وبين الجملة المعترض بينها وبين ما عُطفت عليه بأنّه لما ذكر قرب رحمته من المحسنين ذكَر بعضاً من رحمته العامة وهو المطر. فذِكر إرسال الرّياح هو المقصود الأهم لأنّه دليل على عظم القدرة والتّدبير، ولذلك جعلناه معطوفاً على جملة: {أية : يغشي الليل النهار} تفسير : [الأعراف: 54] أو على جملة: {أية : ألا له الخلق والأمر}تفسير : [الأعراف: 54]. وذِكْر بعض الأحوال المقارنة لإرسال الرّياح يحصل منه إدماجُ الامتنان في الاستدلال وذلك لا يقتضي أنّ الرّياح لا ترسل إلاّ للتبشير بالمطر، ولا أنّ المطر لا ينزل إلاّ عَقب إرسال الرّياح، إذ ليس المقصود تعليم حوادث الجَو، وإذ ليس في الكلام ما يقتضي انحصار الملازمة وفيه تعريض ببشارة المؤمنين بإغداق الغيث عليهم ونذارةِ المشركين بالقحط والجوع كقوله {أية : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً} تفسير : [الجن: 16] ــــ وقوله ــــ {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}تفسير : [الدخان: 10]. وأطلق الإرسال على الانتقال على وجه الاستعارة، فإرسال الرّياح هبوبها من المكان الذي تهب فيه ووصولها، وحَسَّن هذه الاستعارةَ أنّ الرّيح مسخّرة إلى المكان الذي يريد الله هبوبها فيه فشُبهت بالعاقل المرسَل إلى جهة مَّا، ومن بدائع هذه الاستعارة أنّ الرّيح لا تفارق كُرَة الهواء كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس}تفسير : الآية في سورة [البقرة: 164]. فتصريفُ الرّياح من جهة إلى جهة أشبَهُ بالإرسالِ مِنْه بالإيجاد. والرّياح: جمع ريح، وقد تقدّم في سورة البقرة. وقرأ الجمهور: {الرّياح} ــــ بصيغة الجمع ــــ وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخَلف: الرّيحَ ــــ بصيغة المفرد باعتبار الجنس، فهو مساو لقراءة الجمع، قال ابن عطيّة: من قرأ بصيغة الجمع فقراءته أسعد، لأنّ الرّياح حيثما وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرّحمة، كقوله: {أية : وأرسلنا الرياح لواقح}تفسير : [الحجر: 22] وأكثر ذكر الرّيح المفردة أن تكون مقترنة بالعذاب كقوله {أية : ريح فيها عذاب أليم}تفسير : [الأحقاف: 24] ونحو ذلك. ومن قرأ بالإفراد فتقييدها بالنّشر يزيل الاشتراك أي الإيهام. والتّحقيق أنّ التّعبير بصيغة الجمع قد يراد به تعدّد المهابّ أو حصول الفترات في الهُبوب، وأنّ الإفراد قد يراد به أنّها مدفوعة دفعة واحدة قويَّة لا فترة بين هبَاتها. وقوله: {نشراً} قرأه نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر: نُشُراً ــــ بضمّ النّون والشّين ــــ على أنّه جمع نَشُور ــــ بفتح النّون ــــ كرَسُول ورُسُل، وهو فعول بمعنى فاعل، والنَّشور الرّياح الحيّة الطيّبة لأنّها تنثر السّحاب، أي تبثُّه وتكثره في الجوّ، كالشّيء المنشور، ويجوز أن يكون فَعولاً بمعنى مفعول، أي منشورة، أي مبْثوثة في الجهات، متفرّقة فيها، لأنّ النّشر هو التّفريق في جهات كثيرة. ومعنى ذلك أنّ ريح المَطر تكون ليّنة، تجيء مرّة من الجنوب ومرّة من الشّمال، وتتفرّق في الجهات حتّى ينشأ بها السّحاب ويتعدّد سحابات مبثوثة، كما قال الكميت في السّحاب:شعر : مَرَتْهُ الجَنُوبُ بِأنْفَاسِهَا وحَلَّتْ عَزَالِيَه الشَّمْأل تفسير : ومن أجل ذلك عبّر عنها بصيغة الجمع لتعدّد مهابِّها، ولذلك لم تجمع فيما لا يحمد فيه تعود المهاب كقوله {أية : وجرين بهم بريح طيبة}تفسير : [يونس: 22] من حيث جريُ السّفن إنّما جيّدُهُ بريح متّصلة. وقرأه ابن عامر {نُشْراً} ــــ بضم النّون وسكون الشّين ــــ وهو تخفيف نُشُر ــــ الذي هو بضمّتين ــــ كما يقال: رُسْل في رُسُل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف ــــ بفتح النّون، وسكون الشّين على أنّه مصدر، وانتصب إمّا على المفعولِية المطلقة لأنّه مرادف لــــ (أرْسل) بمعناه المجازي، أي أرسلها إرسالاً أو نَشَرها نَشْراً، وإمّا على الحال من الرّيح، أي ناشرة أي السّحاب، أو من الضّمير في (أرسل) أي أرسلها ناشِراً أي محيياً بها الأرض الميّتة، أي محيياً بآثارها وهي الأمطار. وقرأه عاصم بالباء الموحّدة في موضع النّون مضمومة وبسكون الشّين ــــ وبالتّنوين وهو تخفيف (بُشراً) بضمّهما على أنّه جمع بشير مثل نُذُر ونذير، أي مبشّرة للنّاس باقتراب الغيث. فحصل من مجموع هذه القراءات أنّ الرّياح تنشر السّحاب، وأنّها تأتي من جهات مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنّها تحيي الأرض بعد موتها، وأنّها تبشّر النّاس بهبوبها، فيدخل عليهم بها سرور. وأصل معنى قولهم: بين يدي فلان، أنّه يكون أمامه بقرب منه (ولذلك قوبل بالخَلْف في قوله تعالى: {أية : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}تفسير : [البقرة: 255] فقصد قائله الكناية عن الأمام، وليس صريحاً، حيث إنّ الأمام القريب أوسع من الكون بين اليدين، ثمّ لِشُهْرة هذه الكناية وأغلبيَّة موافقتها للمعنى الصريح جُعلت كالصّريح، وساغ أن تستعمل مجازاً في التّقدّم والسّبق القريب، كقوله تعالى: {أية : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}تفسير : [سبأ: 46]، وفي تقدّم شيء على شيء مع قربه منه من غير أن يكون أمامه ومن غير أن يكون للمتقدّم عليه يَدَان. وهكذا استعماله في هذه الآية، أي يرسل الرّياح سابقة رحمته. والرّحمة هذه أريد بها المطر، فهو من إطلاق المصدر على المفعول، لأنّ الله يرحم به. والقرينة على المراد بقيّة الكلام، وليست الرّحمة من أسماء المطر في كلام العرب فإنّ ذلك لم يثبت، وإضافة الرّحمة إلى اسم الجلالة في هذه الآية تبعد دعوى من ادعاها من أسماء المطر. والمقصد الأوّل من قوله: {وهو الذي يرسل الرياح} تقريع المشركين وتفنِيد إشراكهم، ويتبعه تذكير المؤمنين وإثارة اعتبارهم، لأنّ الموصول دلّ على أنّ الصّلة معلومة الانتساب للموصول، لأنّ المشركين يعلمون أنّ للرّياح مُصرّفاً وأنّ للمطر مُنْزلاً، غير أنّهم يذهلون أو يتذاهلون عن تعيين ذلك الفاعل، ولذلك يجيئون في الكلام بأفعال نزول المطر مبنيّة إلى المجهول غالباً، فيقولون: مُطرنا بنَوْء الثّريا ــــ ويقولون: غِثْنَا مَا شِئْنَا. مبنياً للمجهول أي أُغثنا، فأخبر الله تعالى بأنّ فاعل تلك الأفعال هو الله، وذلك بإسناد هذا الموصول إلى ضمير الجلالة في قوله: {وهو الذي يرسل الرياح} أي الذي علمتم أنّه يرسل الرّياح وينزل الماء، هو اللَّهُ تعالى كقوله {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}تفسير : [البقرة: 16]، فالخبر مسوق لتعيين صاحب هذه الصّلة. فهو بمنزلة الجواب عن استفهام مقصود منه طلب التّعيين في نحو قولهم: أرَاحل أنت أم ثاوٍ، ولذلك لم يكن في هذا الإسناد قصر لأنّه لم يقصد به رد اعتقاد، فإنّهم لم يكونوا يزعمون أنّ غير الله يرسل الرّياح، ولكنّهم كانوا كمن يجهل ذلك من جهة إشراكهم معه غيرَه، فروعي في هذا الإسناد حالُهم ابتداء، ويَحصل رعي حال المؤمنين تبعاً، لأنّ السّياق مناسب لمخاطبة الفريقين كما تقدّم في الآية السّابقة. و{حتّى} ابتدائية وهي غاية لمضمون قوله: {بشرا بين يدي رحمته}، الذي هو في معنى متقدّمة رحمتَه، أي تتقدّمها مدّة وتنشر أسحبتها حتّى إذا أقلَّت سحاباً أنزلنا به الماء، فإنزال الماء هو غاية تقدّم الرّياح وسبقها المطرَ، وكانت الغاية مجزأة أجزاء فأوّلها مضمون قوله: {أقلت} أي الرّياحُ السّحابَ، ثمّ مضمون قوله: {ثقالاً}، ثم مضمون {سقناه} أي إلى البلد الذي أراد الله غيثه، ثمّ أن يَنزل منه الماء. وكلّ ذلك غاية لتقدّم الرياح، لأنّ المفرّع عن الغاية هو غاية. الثّقال: البطيئة التّنقّل لما فيها من رطوبة الماء، وهو البخار، وهو السّحاب المرجوّ منه المطر، ومن أحسن معاني أبي الطّيب قوله في: «حسن الاعتذار»:شعر : ومِنَ الخَيْرِ بُطْءُ سَيْبِكَ عَنِّي أسْرَعُ السُّحْب في المَسير الجهَام تفسير : وطُوي بعضُ المغيَّا: وذلك أنّ الرّياح تُحرّك الأبْخِرَة التي على سطح الأرض، وتُمِدّها برطوبات تسوقها إليها من الجهات الندِيَّة التي تمرّ عليها كالبحار والأنهار، والبُحيرات والأراضين الندِيَّة، ويجتمع بعض ذلك إلى بعض وهو المعبّر عنه بالإثارة في قوله تعالى: {أية : فتثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48] فإذا بلغ حدّ البُخارِيَّة رفعته الرّياح من سطح الأرض إلى الجوّ. ومعنى {أقلت}، حملت مشتق من القلّة لأنّ الحامل يَعُد محموله قليلاً فالهمزة فيه للجعل. وإقلال الرّيح السّحاب هو أنّ الرّياح تمرّ على سطح الأرض فيتجمّع بها ما على السّطح من البخار، وترفعه الرّياح إلى العلوّ في الجوّ، حتّى يبلغ نقطة باردة في أعلى الجوّ، فهنالك ينقبض البخار وتتجمّع أجزاؤه فيصير سحابات، وكلّما انضمّت سحابة إلى أخرى حصلت منهما سحابة أثقلُ من إحداهما حينَ كانت منفصلة عن الأخرى، فيقلّ انتشارها إلى أن تصير سحاباً عظيماً فيثقل، فينماع، ثمّ ينزل مطراً. وقد تبيّن أنّ المراد من قوله: {أقلت} غير المراد من قوله في الآية الأخرى {أية : فتثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48]. والسّحاب اسم جمع لسحابة فلذلك جاز اجراؤه على اعتبار التّذكير نظراً لتجرّد لفظه عن علامة التّأنيث، وجاز اعتبار التّأنيث فيه نظراً لكونه في معنى الجمع ولهذه النّكتة وصف السّحاب في ابتداء إرساله بأنّها تثير، ووصف بعد الغاية بأنّها ثقال، وهذا من إعجاز القرآن العلمي، وقد ورد الاعتبارَاننِ في هذه الآية فوُصِفَ السّحاب بقوله: {ثقالاً} اعتباراً بالجمع كما قال صلى الله عليه وسلم و«حديث : رأيت بَقَراً تُذْبَح»تفسير : ، وأعيد الضّمير إليه بالإفراد في قوله: {سقناه}. وحقيقة السَّوْق أنّه تسيير مَا يمشي ومُسَيِّرُه وراءه يُزجيه ويَحثُّه، وهو هنا مستعار لتسير السّحاب بأسبابه التي جعلها الله، وقد يجعل تمثيلاً إذا رُوعي قوله: {أقلت سحاباً} أي: سقناه بتلك الرّيح إلى بلد، فيكون تمثيلاً لحالة دفع الرّيح السّحاب بحالة سوق السّائق الدّابة. واللاّم في قوله: {لبلد} لام العلّة، أي لأجل بلد ميّت، وفي هذه اللاّم دلالة على العناية الرّبانية بذلك البلد فلذلك عدل عن تعدية (سقناه) بحرف (إلى). والبلد: السّاحة الواسعة من الأرض. والميّت: مجاز أطلق على الجانب الذي انعدم منه النّبات، وإسناد الموت المجازي إلى البلد هو أيضاً مجاز عقلي، لأنّ الميّت إنّما هو نباتُه وثَمره، كما دلّ عليه التّشبيه في قوله: {كذلك نخرج الموتى}. والضّمير المجرور بالباء في قوله: فأخرجنا به يجوز أن يعود إلى البلد، فيكون الباء بمعنى (في) ويجوز أن يعود إلى المَاء فيكون الباء للآلة. والاستغراق في {كل الثمرات} استغراق حقيقي، لأنّ البلد الميّت ليس معيّناً بل يشمل كلّ بلد ميّت ينزل عليه المطر، فيحصل من جميع أفراد البلد الميّت جميع الثّمرات قد أخرجها الله بواسطة الماء، والبلدُ الواحد يُخرج ثمراته المعتادة فيه، فإذا نظرت إلى ذلك البلد خاصة فاجعل استغراق كلّ الثّمرات استغراقاً عرفياً، أي من كلّ الثّمرات المعروفة في ذلك البلد وحرف (من) للتبعيض. وجملة: {كذلك نخرج الموتى} معترضة استطراداً للموعظة والاستدلال على تقريب البعث الذي يستبعدونه، والإشارة بــــ (كذلك) إلى الإخراج المتضمّن له فعل {فأخرجنا} باعتبار ما قبله من كون البلد ميّتاً، ثمّ إحيائه أي إحياء ما فيه من أثر الزّرع والثّمر، فوجه الشّبه هو إحياء بعد موت، ولا شكّ أنّ لذلك الإحياء كيفيّة قدّرها الله وأجمل ذكرها لقصور الإفهام عن تصوّرها. وجملة: {لعلكم تذكرون} مستأنفة، والرّجاء ناشىء عن الجمل المتقدّمة من قوله: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} لأنّ المراد التذكّر الشّامل الذي يزيد المؤمن عبرة وإيماناً، والذي من شأنه أن يقلع من المشرك اعتقادَ الشّرك ومن مُنكِرِ البعث إنكارَه. وقرأ الجمهور {تذّكّرون} ــــ بتشديد الذال ــــ على إدغام التّاء الثّانية في الذّال بعد قلبها ذالاً، وقرأ عاصم في رواية حفص {تَذَكَّرون} ــــ بتخفيف الذال ــــ على حذف إحدى التاءين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}. على قراءة عاصم {بُشْرًا} بضم الباء الموحدة، وإسكان الشين: جمع بشير، لأنها تنتشر أمام المطر مبشرة به، وهذا المعنى يوضحه قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} تفسير : [الروم: 46] الآية، وقوله: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، يعني برحمته المطر كما جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} تفسير : [الشورى: 28] الآية، وقوله: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم: 50]. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} الآية. بين في هذه الآية الكريمة أنه يحمل السحاب على الريح، ثم يسوقه إلى حيث يشاء من بقاع الأرض، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} تفسير : [فاطر: 9] الآية. وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [السجدة: 27] إلى غير ذلك من الآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 57- والله - سبحانه وتعالى وحده - هو الذى يطلق الرياح مبشرة برحمته فى الأمطار التى تنبت الزرع وتسقى الغرس، فتحمل هذه الرياح سحاباً محملا بالماء، نسوقه لبلد لا نبات فيه، فيكون كالميت الذى فقد الحياة، فينزل الماء، فينبت الله به أنواعاً من كل الثمرات، وبمثل ذلك الإحياء للأرض بالإنبات نخرج الموتى فنجعلهم أحياء لعلكم تتذكرون بهذا قدرة الله وتؤمنون بالبعث. 58- والأرض الطيبة الجيدة التربة يخرج نباتها نامياً حياً بإذن ربه، والأرض الخبيثة لا تخرج إلا نباتاً قليلاً عديم الفائدة يكون سبب نَكَدٍ لصاحبها. 59- لقد عاند المشركون، وكذبوا بالحق إذ جاءهم مؤيداً بالحُجج القاطعة، وذلك شأن الكافرين مع أنبيائهم فى الماضى. لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه الذين بعث فيهم، وقال لهم - مذكراً بأنه منهم -: يا قوم اعبدوا الله تعالى - وحده - فليس لكم أى إله غيره، وأنه سيكون البعث والحساب فى يوم القيامة، وهو يوم عظيم، أخاف عليكم فيه عذابه الشديد. 60- قال أهل الصدارة والزعامة منهم، مجيبين تلك الدعوة إلى الوحدانية واليوم الآخر: إنا لنراك فى بُعْد بيِّن عن الحق. 61- قال نوح لهم نافياً ما رموه به: ليس بى كما تزعمون. ولكنى رسول من خالق العالمين ومنشئهم، فلا يمكن أن يكون ما أدعوكم إليه بعيداً عن الحق.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الرياح: جمع ريح وهو الهواء المتحرك. بُشْراً: جمع بشير أي مبشرات بقرب نزول المطر، قرىء نشراً أي تنشر السحاب للأمطار. رحمته: أي رحمة الله تعالى وهي المطر. أقلت سحاباً ثقالاً: أي حملت سحاباً ثقالاً مشبعاً ببخار الماء. ميت: لا نبات به ولا عشب ولا كلأ. كذلك نخرج الموتى: أي كذلك نحيي الموتى ونخرجهم من قبورهم أحياء. تذكرون: تذكرون فتؤمنون بالبعث والجزاء. الطيب: أي الطيب التربة. خبث: أي خبثت تربته بأن كانت سبخة. إلا نَكِداً: أي إلا عسراً. تصرف الآيات: أي ننوعها ونخالف بين أساليبها ونذكر في بعضها ما لم نذكره في بعضها للهداية والتعليم. لقوم يشكرون: لأنهم هم الذين ينتفعون بالنعم بشكرها بصرفها في محاب الله تعالى. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان مظاهر القدرة الربانية والرحمة الإلهية الموجبة لعبادته تعالى وحده دون سواه قال تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً} وهو أي ربكم الحق الذي لا إله إلا هو وبشراً أي مبشرات ونشراً أي تنشر الرياح تحمل السحب الثقال ليسقي الأرض الميتة فتحيا بالزروع والنباتات لتأكلوا وترعوا أنعامكم، وبمثل هذا التدبير في إنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها يحييكم بعد موتكم فيخرجكم من قبوركم أحياء ليحاسبكم على كسبكم في هذه الدار ويجزيكم به الخير بالخير والشر بمثله جزاء عادلاً لا ظلم فيه وهذا الفعل الدال على القدرة والرحمة ولطف التدبير يُريكموه فترونه بأبصاركم لعلكم به تذكرون أن القادر على إحياء موات الأرض قادر على إحياء موات الأجسام فتؤمنوا بلقاء ربكم وتوقنوا به فتعملوا بمقتضى ما يسعدكم ولا يشقيكم فيه. هذا ما تضمنته الآية الأولى [57] {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي المطر {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ} أي حملت {سَحَاباً ثِقَالاً} أي ببخار الماء {سُقْنَاهُ} بقدرتنا ولطف تدبيرنا {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} لا حياة به لا نبات ولا زرع، ولا عشب {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي بالسحاب {ٱلْمَآءَ} العذب الفرات، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} المختلفة الألوان والروائح والطعوم {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} كهذا الإِخراج للنبات من الأرض الميتة نخرج الموتى من قبورهم وعملنا هذا نسمعكم إياه ونريكموه بأبصاركم رجاء أن تذكروا فتذكروا أن القادر على إحياء الأرض قادر على إحياء الموتى رحمة منا بكم وإحساناً منا إليكم. أما الآية الثانية [58] فقد تضمنت مثلاً ضربه الله تعالى للعبد المؤمن والكافر إثر بيان قدرته على إحياء الناس بعد موتهم فقال تعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ} أي طيب التربة {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} وذلك بعد إنزال المطر به، وهذ مثل العبد المؤمن ذي القلب الحي الطيب إذا سمع ما ينزل من الآيات يزداد إيمانه وتكثر أعماله الصالحة {وَٱلَّذِي خَبُثَ} أي والبلد الذي تربته خبيثة سبخة أو حمأة عندما ينزل به المطر لا يخرج نباته إلا نكداً عسراً قليلاً غير صالح وهذا مثل الكافر عندما يسمع الآيات القرآنية لا يقبل عليها ولا ينتفع بها في خُلقه ولا سلوكه فلا يعمل خيراً ولا يترك شراً. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي ببيان مظاهر قدرته تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وضرب الأمثال وسوق الشواهد والعبر {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} إذ هم المنتفعون بها أما الكافرون الجاحدون فأنى لهم الإِنتفاع بها وهم لا يعرفون الخير ولا ينكرون الشر. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تقرير عقيدة البعث والحياة بعد الموت للحساب والجزاء إذ هي من أهم أركان الإِيمان. 2- الإِستدلال بالحاضر على الغائب وهو من العلوم النافعة. 3- حسن ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. 4- فضيلة الشكر وهو صرف النعمة فيما من أجله وهبها الله تعالى للعبد.

القطان

تفسير : الريح: الهواء اذا تحرك. قال الراغب: كلُّ موضع ذكَر الله فيه إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب، وكل موضع ذكَر فيه الريحَ بلفظ الجمع كان للرحمة. واظن ان هذا في الغالب، لان الله تعالى يقول: {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} وفي سورة يوسف: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} تفسير : سورة [يوسف:94]. بُشرا: مبشّرة. بين يدي رحمته: قدّام رحمته اقلّت: حملت. سحابا ثقالا: غيما مثقلا بالمياه. البلد: يطلق على البلدة، وعلى الموضع. لبلدٍ ميت: ارض لانبات فيها. الثمرات: كل ما تحمله الأشجار من جميع الانواع. النكد: العسِر: الشحيح: القلي النفع. نصرّف الآيات: نبدل الاشياء من حال الى حال. إن الله سبحانه تعالى وحده هو الذي يُطلِق الرياح مبشّرة برحمته (وهي هنا الأمطار التي تُنبت الزرعَ وتسقي الغرس) فتحمل هذه الرياحُ سحاباً محمَّلاً بالماء، يسوقه الله إلى بلد ميتٍ لا نبات فيه فينزل الماء، وبه يُنبت الله أنواعاً من كل الثمرات تدل على قدرة الله وعلمه ورحمته وفضله. وبعد ان ذكَّرهم بهد الآيات والنعم قفّى على ذلك ما يزيل إنكارهم للبعث فقال: {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ}. بمثل ذلك الإِحياء للأرضِ بالإِنبات نُخرج الموتى فنجعلهم أحياء. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }. أي تفطنون لهذا الشبه فيزول استبعادُكم للبعث، وبذلك تتذكّرون قدرة الله وتؤمنون به. قراءات: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (الرّيح" بالافراد. وقرأ ان عامر: نُشْراً جمع نشور، وقرا حمزة والكسائي: نَشْراً بفتح النون وقرأ عصام كما هو بالمصحف "بُشْراً" وقرأ نافع: نُشُراً بضم النون والشين. وبعد أن ضرب الله إحياءَ البلاد بالمطر مثلاً لبعث الموتى، ضرب الخلاف نتاج البلاد مَثَلاً لما في البشَر من اختلاف الاستعداد لكّلٍ من الهدى والكفر. {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}. أما الأرض الجيدة التربة فإن نباتها يخرج نامياً حياً بإذن ربه، ويكون كثير الغلّة طيب الثمرة. وأما الأرضُ الخبيثة فإنها لا تُخرج إلا نباتاً قليلاً عديم الفائدة. {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}. في مثل ذلك التصريف البديع نردّد الآياتِ الدالّةَ على القدرة الباهرة، ونكررها لقوم يشكرون نِعمنا، وبذا يستحقُّون المزيد منها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلرِّيَاحَ} {سُقْنَاهُ} {ٱلثَّمَرَاتِ} (57) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُدَبِّرُ لأَِمْرِ الخَلْقِ وَالكَوْنِ، وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ بَيْنَ يَدِيْ رَحْمَتِهِ، مِنَ السَّحَابِ الحَامِلِ لِلْمَاءِ، فَيُنْشِىءُ بهَا السَّحَابَ الثِّقَالَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ المَاءِ، حَتَّى إِذا أَقَلَّتِ الرِّيحُ السَّحَابَ، وَرَفَعَتْها إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ، سَاقَتْها الرِّيَاحُ، بِأَمْرِ رَبِّها، إِلى أَرْضٍ مُجْدِبَةٍ لاَ نَبَاتَ فِيهَا لِتُمْطِرَ عَلَيها، وَتَصُبَّ مَا فِيهَا مِنَ المَاءِ، فَتُنْبِتَ الأَرْضُ، وَتَخْرُجَ فِيها الثَّمَراتُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. وَكَمَا يُخْرِجُ اللهُ النَّبَاتَ وَالثَّمَرَاتِ مِنَ الأَرْضِ المَوَاتِ بِالمَطَرِ وَالمَاءِ، كَذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِ المَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَرِّبُوا هَذَا المَثَلَ مِنْ ذلِكَ تَتَذَكَّرُوا هذا الشَّبَهَ، فَيَزُولَ اسْتِبْعَادُكُمْ لِلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ. بُشْراً - مُبَشِّراتٍ بِالمَطَرِ. بَلَدٍ مَيِّتٍ - بَلَدٍ مُجْدِبٍ، لاَ نَبَاتَ فِيهِ وَلاَ مَاءَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وتصريف الرياح إهاجة للهواء في الكون، والإهاجة للهواء في الكون تأتي منها فوائد كثيرة للغاية، ونحن حين نجلس في مكان مكتظ وممتلئ بالأنفاس نقول لمن يجلس بجوار النافذة: "لنهوي الغرفة قليلاً. وإن لم يكف هواء النافذة تأت بمروحة لتأخذ من طبقات الجو طبقة هواء جديدة فيها أوكسجين كثير. إذن فإرسال الرياح ضرورة حتى لا يظل الهواء راكداً. ويتلوث الجو بهذا الركود، ولو أن كل إنسان سيستقر في مكان مكتوم الهواء لامتلأ المكان بثاني أكسيد الكربون الخارج من تنفسه، ثم لا يلبث أن يختنق، ولذلك أراد الله حركة الرياح رحمة عامة مستمرة في كل شيء، وهي أيضاً رحمة تتعلق بالقوت كما تعلقت بمقومات الحياة من نفس وماء وطعام، وتصريف الرياح من أجل تجديد الهواء الذي تتنفسة، وكذلك تكوين الماء. لأن سبحانه القائل عن الرياح. {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ...} [الأعراف: 57] والرياح هي التي تساعد في تكوين الأمطار التي تنزل على الأرض فتروي التربة التي نحرثها، هكذا تكون الرياح بشرى في ثلاثة أشياء: الشيء الأول تحريك طبقات الهواء وإلا لفسد الجو في الماء، لأن الرياح هي التي تحمل السحاب وتحركه وتنزل به هناك فرقاً بين بشرى، وبشراً؛ فالبشرى مفرد، وقد وردت في قوله الحق: {أية : وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَى...} تفسير : [هود: 69] أي التبشير. لكن بشراً جمع بشير وهي كلمة مخففة، والأصل فيها بشر. والحق يقول: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ}. وجمع البشير "بُشُر" مثل: "نذير" و"نُذُر" بضم الشين فسكنت تخفيفا، فتنطق بُشْراً وبُشُراً. {بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}. هي بين يدي رحمته لأنها ستأتي لنا بالماء، وهو الرحمة في ذاته، وبواسطته يعطينا ري الأرض، ونحن نرتوي منه مباشرة أيضاً. ونلحظ كلمة الرياح إذا أطلقت بالجمع فهي تأتي للخير، أما حين يكون فيها شر فيأتي بكلمة "ريح" مفردة، مثل قوله: {أية : ...بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6] فإذن عندما ترى كلمة "رياح" فاعلم أنها خير، أما كلمة "ريح" فاعلم أنها شر لماذا؟ أنت إذا كنت قاعداً في حجرة فيها فتحة نافذة يأتي منها الهواء، ويتسلط التيار على إنسان، فالإِنسان يصاب بالتعب؛ لأن الهواء يأتي من مكان واحد، لكن حين تجلس في الخلاء ويهب الهواء فأنت لا تتعبَ، لأن الرياح متعددة. ولكن الرياح تأتي كالصاروخ. الرياح إذن يرسلها الحق بين يدي رحمته؛ حتى إذا أقلت أي حملت يقال: "أقل فلان الحمل" أي رفعه من على الأرض وحمله لأنه أقل من طاقته، لأنه لو كان أكثر من طاقته لما استطاع أن يرفعه عن الأرض، وما دام قد أقله فالحمل أقل بالنسبة لطاقته وبالنسبة لجهده، أقلت أي حملت، وما دامت قد حملت فجهدها فوق ما حملته، وإذا كان الجهد أقل من الذي حملته لابد أن ينزل إلى الأرض. وأقلت سحاباً أي حملت سحاباً. نعرف أن السحاب هو الأبخرة الطالعة والصاعدة من الأرض ثم تتجمع وتصعد إلى طبقات الجو العليا، وتضربها الرياح إلى أن تصادف منطقة باردة فيحدث تكثيف للسحاب؛ فينزل المطر؛ ونرى ذلك في الماء المقطر الذي يصنعونه في الصيدلية؛ فيأتي الصيدلي بموقد وفوقه إناء فيه ماء ويغلي الماء فيخرج البخار ليسير في الأنابيب التي تمر في تيار بارد فيتكثف البخار ليصير ماء. {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}. وقال الحق: "سقناه" بضمير المذكر؛ لأنه نظر إلى السحاب في اسم جنسه، أو نظر إلى لفظه، وجاء بالوصف مجموعاً فقال: "ثقالا" نظراً إلى أن السحاب جمع سحابة فرق بينه وبين واحدة بالتاء، وما دامت السحب كلها داخلة في السّوق فليس لها تعددات فكأنها شيء واحد. {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} [الأعراف: 57] السحاب لا يتجه إلى مكان واحد، بل يتجه لأماكن متعددة، إذن فالحق يوجه السحاب الثقال لأكثر من مكان. لكن الحق سبحانه وتعالى يقول: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}. والميت هو الذي لا حراك فيه وانتهى اختياره في الحركة، كذلك الأرض، فالماء ينزل من السماء على الأرض وهي هامدة ليس بها حركة حياة أي أن الله يرسل السحاب ويزجيه إلى البلد الميت في أي مكان من الأرض. {أية : ...فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5] إذن فالأرض التي لا يأتيها الماء تظل هامدة أي ليس بها حركة حياة مثل الميت. {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ...} [الأعراف: 57] وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا وينبهنا إلى القضية اليويمية التي نراها دائما في صور شتى، وهي أن الأرض تكون في بعض الأحيان جدباً، ثم يهبط عليها بعض المطر، وبمجرد أن ينزل المطر على الجبل، وبعد يومين من نزول المطر نجد الجبل في اليوم الثالث وهو مخضر، فمن الذي بذر البذرة للنبات هذا اليوم؟ إذن فالنبات كان ينتظر هذه المياه، وبمجرد أن تنزل المياه يخرج النبات دون أن يبذر أحد بذوراً، وهذا دليل على أن كل منطقة في الأرض فيها مقومات الحياة. {...فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] فالماء الذي ينزل على الأرض الميتة يحيي الأرض؛ لأنه سبحانه يخرج الحياة كل يوم، وحين يوضح لنا سبحانه أن سيبعثنا من جديد فليس في هذا أمر عجيب، وهكذا جعل الله القضية الكونية مرئية وواضحة لكل واحد ولا يستطيع أحد أن يكابر ويعاند فيها؛ لأنها أمر حسيّ مشاهد، ومنها نستنبط صدق القضية وصدق الرب. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} معناهُ مِن كُلِّ مَهبٍ وَجانبٍ ونَاحيةٍ. تفسير : وقوله تعالى: {أَقَلَّتْ سَحَاباً} معناهُ سَاقتْ.

الأندلسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} لما ذكر الدلائل على كمال ألوهيته وقدرته وعلمه من العالم العلوي اتبعها بالدلائل على أحوال العالم السفلي وجعل الخبر موصولاً في أن ربكم الله الذي خلق وفي قوله: وهو الذي، دلالة على كون ذلك معهوداً عند السامع مفروغاً من تحقق النسبة فيه والعلم به, ولم يأت التركيب أن ربكم خلق ولا هو يرسل الرياح. نشراً جمع نشور كصبور وصبر. وقرىء: نشراً بإِسكان الشين تخفيفاً من الضم كرسل ورسل ونشراً مصدر نشر وبشرى والألف للتأنيث وهو مصدر بشر كرجعى ومعنى بين يدي رحمته أي أمام نعمته وهو المطر الذي هو من أجل النعم وأحسنها أثراً والتعبير عن امام الرحمة بقوله: بين يدي رحمته من مجاز الاستعارة إذ الحقيقة هو ما بين يدي الإِنسان من الاجرام. {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} هذه غاية لإِرسال الرياح، والمعنى أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات أو مبتشرات إلى سوق السحاب وقت إقلاله إلى بلد ميت. والسحاب إسم جنس بينه وبين مفرده تاء التأنيث فيذكر كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ}تفسير : [البقرة: 164]، ويؤنث ويوصف ويخبر عنه بالجمع كقوله تعالى: {ثِقَالاً}، وثقله بالماء الذي فيه، ونسب السوق إليه تعالى بنون العظمة التفاتاً إذ فيه خروج من ضمير الغيبة في رحمته إلى ضمير المتكلم في سقناه ولما فيه من عظيم المنة وجليل النعمة ذكر الضمير في سقناه رعياً للفظه كما قلنا أنه يذكر. واللام في لبلد لام التبليغ كقولك: قلت لك. وقال الزمخشري: لأجل بلد، فجعل اللام لام العلة ولا يظهر وفرق بين قولك: سقت لك مالاً وسقت لأجلك مالاً، فإِن الأول معناه أوصلته لك وأبلغتك هو، والثاني لا يلزم منه وصوله إليه بل قد يكون الذي وصل له المال غير الذي علل به السوق. ألا ترى صحة قول القائل: لأجل زيد سقت لك مالك. ووصف البلد بالموت استعارة حسنة لجدْبه وعدم نباته كأنه من حيث عدم الانتفاع به كالجسد الذي لا روح فيه. {فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ} الظاهر أن الباء ظرفية، والضمير عائد على بلد ميت أي فأنزلنا فيه الماء وهو أقرب مذكور فحسن عوده إليه. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي بالماء. {مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} ظاهره العموم. {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} أي مثل هذا الإِخراج وهو إخراج النبات نخرج الموتى من قبورهم أحياء إلى الحشر. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بإِخراج الثمرات وإنشائها خروجكم للبعث إذاً لإِخراجان سواء فهذا الإِخراج المشاهد نظيره الإِخراج الموعود به. {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} الطيب: الجيد التربة الكريم الأرض. {وَٱلَّذِي خَبُثَ} المكان السبخ الذي لا ينبت ما ينتفع به وهو الرديء من الأرض. ولما قال: فأخرجنا به من كل الثمرات، تم هذا المعنى بكيفية ما يخرج من النبات من الأرض الكريمة والأرض السبخة. وفي الكلام حال محذوفة أي يخرج نباته وافياً حسناً، وحذفت لفهم المعنى ولدلالة البلد الطيب عليها ولمقابلتها بقوله: {إِلاَّ نَكِداً} ولدلالة بإِذن ربه لأن ما أذن الله تعالى في إخراجه لا يكون إلا على أحسن حال وبإِذن ربه في موضع الحال وخصّ خروج النبات الطيب بقوله: بإِذن ربه، على سبيل المدح له والتشريف ونسبة الأشياء الشريفة الطيبة إليه تعالى وإن كان كلا النباتين يخرج بإِذنه تعالى. ومعنى بإِذن ربه: بتيسيره. وحذف من الجملة الثانية الموصوف أيضاً، والتقدير والبلد الذي خبث لدلالة والبلد الطيب عليه فكل من الجملتين فيه حذف. {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي مثل هذا التصريف والترديد والتنويع ننوع الآيات ونرددها وهي الحجج الدالة على الوحدانية والقدرة الباهرة التامّة والفعل بالاختيار ولما كان ما سبق ذكره من إرسال الرياح مبشرات ومنتشرات سبباً لإِيجاد النبات الذي هو سبب إيجاد الحياة وديموميتها كان ذلك أكبر نعمة على الخلق فقال: لقوم يشكرون أي يشكرون هذه النعمة التي لا تكاد توازيها نعمة وخص الشاكرين لأنهم هم المنتفعون بهذه النعم. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} الآية لما ذكر تعالى في هذه السورة مبدأ الخلق الإِنساني وهو آدم عليه السلام وقص من أخباره ما قصَّ واستطرد من ذلك إلى المعاد ومصير أهل السعادة إلى الجنة وأهل الشقاوة إلى النار قص تعالى على نبيه أحوال الرسل الذين كانوا قبله وأحوال من بعثوا إليه على سبيل التسلية له صلى الله عليه وسلم والتأسي بهم فبدأ بنوح عليه السلام إذ هو آدم الثاني وأول رسول بعث إلى من في الأرض، وأمته أدوم تكذيباً له وأقل استجابة له. وتقدم رفع نسبه إلى آدم عليه السلام وكان نجاراً بعثه الله تعالى إلى قومه وهو ابن أربعين سنة، قاله ابن عباس. قال الزمخشري: فإِن قلت: ما بالهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد وقل عنهم: حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا. قلت: إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم. "انتهى". وبعض أصحابنا يقول إذا أقسم على جملة مصدرة بماض مثبت متصرف وكان قريباً من زمان الحال أتيت مع اللام بقد الدالة على التقريب من زمن الحال ولم تأت بقد بل باللام وحدها ان لم ترد التقريب. {قَالَ يَٰقَوْمِ} في ندائه قومه تنبيه لهم لما يلقيه إليهم واستعطاف وتذكير بأنهم قومه فالمناسب أن لا يخالفوه ومعمول القول جملة الأمر بعبادة الله وحده ورفض آلهتهم المسماة ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وغيرها. والجملة المنبهة على الوصف الداعي إلى عبادة الله تعالى وهو انفراده بالألوهية المرجوّ إحسانه المحذور انتقامه دون آلهتهم. {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قرىء: غيره بالجر نعتاً لإِله على اللفظ. وقرىء غيره بالرفع نعتاً لإِله على الموضع. ومن زائدة، وإله مبتدأ، ولكم خبره. وأخاف على بابها من الخوف لأنه يجوز عنده أن يؤمنوا أو يؤمن بعضهم، ويوم عظيم هو يوم القيامة أو يوم حلول العذاب بهم في الدنيا وهو الطوفان. وفي هذه الجملة إظهار الشفقة والحنو عليهم. {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ} الملأ هم الأشراف وساداتهم وهم الذين يتعاصون على الرسل لانغمار عقولهم بالدنيا وطلب الرياسة والعلو فيها ونراك الظاهر أنها من رؤية البصر، وفي ضلال جعلوه ظرفاً لنوح عليه السلام ومعنى مبين واضح وجاءت جملة جوابهم مؤكدة بأن وباللام. {قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ} لم يرد النفي فيه على لفظ ما قالوه فلم يأت التركيب لست في ضلال مبين بل جاء في غاية الحسن من نفي أن يلتبس به ويختلط ضلالة ما واحدة فأنى يكون في ضلال فهذا أبلغ من الإِنتفاء من الضلال إذا لم تتعلق به ضلالة واحدة وفي ندائه لهم ثانياً والإِعراض عن جفائهم ما يدل على سعة صدره والتلطف بهم، ولما نفى عنه التباس ضلالة ما به دل على أنه الصراط المستقيم، فصح أن يستدرك كما تقول: ما زيد بضال لكنه مهتد، فلكن واضعة بين نقيضين لأن الإِنسان لا يخلو من أحد الشيئين الضلال والهدى ولا تجامع الضلالة الرسالة. وفي قوله: {مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تنبيه على أنه ربهم لأنهم من جملة العالم أي من ربكم المالك لأموركم الناظر لكم بالمصلحة حيث وجه إليكم رسولاً يدعوكم إلى إفراده بالعبادة. و{أُبَلِّغُكُمْ} إستئناف على سبيل البيان لكونه رسولاً، أو جملة في موضع الصفة لرسول ملحوظاً فيه كونه خبر الضمير متكلم، كما تقول: أنا رجل آمر بالمعروف، فتراعي لفظ أنا. ويجوز يأمر بالمعروف تراعي لفظ رجل والأكثر مراعاة ضمير المتكلم والمخاطب فيعود الضمير ضمير متكلم أو مخاطب. قال تعالى: {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}تفسير : [النمل: 47]، بالتاء ولو قرىء بالياء لكان عربياً مراعاة للفظ قوم لأنه غائب. وجمع رسالات باعتبار ما أوحي إليه في الأزمان المتطاولة أو باعتبار المعاني المختلفة من الأمر والنهي والزجر والوعظ والتبشير والإِنذار أو باعتبار ما أوحي إليه وإلى من قبله. وتقدم الكلام على نصح وتعديتها باللام نحو: نصحت زيداً ونصحت لزيد. وكقول الشاعر: شعر : نصحت بني عوف فلم يتقبلوا وصاتي فلم تنجح لديهم وسائلي تفسير : وفي قوله: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إبهام عليهم وهو عام، ولكن ساق ذلك مساق المعلومات التي يخاف عليهم ولم يسمعوا قط بأمة عذبت، فتضمن التهديد والوعيد. وما أحسن سياق هذه الأفعال قال أولاً أبلغكم رسالات ربي وهذا مبْدأ أمره معهم وهو التبليغ كما قال: {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [الشورى: 48]. ثم قال: وأنصح لكم، أي أخلص لكم في تبيين الرشد والسلامة في العاقبة إذا عبدتم الله وحدهُ. ثم قال: وأعلم من الله ما لا تعلمون، من بطشه بكم وهو مآل أمركم إذا لم تفردوه بالعبادة فنبّه على مبدأ أمره معهم ومنتهاه.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف لا يكون رحمته قريبة من المؤمنين المحسنين {هُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} أي: يثيرها {بُشْراً} مبشرات {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} قدام روحه ورحمته {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ} حملت وأثقلت وجمعت من البخارات المتراكمة {سَحَاباً} غليظاً {ثِقَالاً} بالأجزاء المائية {سُقْنَاهُ} من غاية لطفنا {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} يابس لأجل إحيائه ونضارته {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي: بالبلد الميت {ٱلْمَآءَ} المحيي {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي: بالماء {مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} أي: أنواعها وأجناسها المختلفة بالألوان والطعوم {كَذٰلِكَ} أي: مثل إخراجنا بالماء الصوري أنواع الثمرات من البلد الميت، نخرج بالماء المعنوي الذي هو العلم اللدني من أراضي القابليات واستعدادات الموتى المحجوبين بالحجاب الظلماني والجهل الجبلي الهيولاني، بإرسال رياح أنفاس الأنبياء والأولياء المستنشقة من النفس الرحماني، مبشرات بالكشوف والمشاهدات حتى إذا اجتمعت صارت سحاباً شرعياً ثقيلاً بمياه الحكمة والتقوى، سقناه من غاية جودنا إلى بلاد النفوس الميتة اليابسة، فأجرينا فيها أنهار المعارف والحقائق المنتشئة من قلوب الأنبياء والأولياء، فأخرجنا به ثمرات اليقين العلمي والعيني والحقي {نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} في النشأة الأخرى {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] فتعرفون قدرتنا على جميع مقدوراتنا ومراداتنا. {وَ} بعد سوقنا مياه جودنا إلى أموات {ٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ} الذي هو نجيب المنبت، لطيف الطينة، قابل التربية {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: بتوفيقه سبحانه وتربيته جيداً نافعاً كثيراً على مقتضى استعداده الفطري {وَ} البلد {ٱلَّذِي خَبُثَ} طينته وقل قابليته كالحرة والسبخة {لاَ يَخْرُجُ} نباته بد إجراء المياه اللطيفة عليه {إِلاَّ نَكِداً} قليلاً غير نافع، بل ضار كالنفوس المنهمكة في الغفلة والضلال إلى حيث لا يؤثر فيها مياه الحكم والمعارف الجارية على ألسنة الرسل؛ لخباثة طينتها وقلة قابليتها {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ} نردد ونكرر {ٱلآيَاتِ} الدالة على استقلالنا في ملكنا وملكوتنا {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] نعمتنا ويتفكرون في آلائنا، ويعتبرون بها إلى أن يستغرقوا في مطالعة جمالنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يبين تعالى أثرا من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته فقال: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أي: الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن اللّه من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة اللّه، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله. { حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ } الرياح { سَحَابًا ثِقَالا } قد أثاره بعضها، وألفه ريح أخرى، وألحقه ريح أخرى { سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ } قد كادت تهلك حيواناته، وكاد أهله أن ييأسوا من رحمة اللّه، { فَأَنزلْنَا بِهِ } أي: بذلك البلد الميت { الْمَاء } الغزير من ذلك السحاب وسخر اللّه له ريحا تدره وتفرقه بإذن اللّه. { فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } فأصبحوا مستبشرين برحمة اللّه، راتعين بخير اللّه، وقوله: { كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها بالنبات، كذلك نخرج الموتى من قبورهم، بعد ما كانوا رفاتا متمزقين، وهذا استدلال واضح، فإنه لا فرق بين الأمرين، فمنكر البعث استبعادا له - مع أنه يرى ما هو نظيره - من باب العناد، وإنكار المحسوسات. وفي هذا الحث على التذكر والتفكر في آلاء اللّه والنظر إليها بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال. ثم ذكر تفاوت الأراضي، التي ينزل عليها المطر، فقال: { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ } أي: طيب التربة والمادة، إذا نزل عليه مطر { يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } الذي هو مستعد له { بِإِذْنِ رَبِّهِ } أي: بإرادة اللّه ومشيئته، فليست الأسباب مستقلة بوجود الأشياء، حتى يأذن اللّه بذلك. { وَالَّذِي خَبُثَ } من الأراضي { لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا } أي: إلا نباتا خاسا لا نفع فيه ولا بركة. { كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } أي: ننوعها ونبينها ونضرب فيها الأمثال ونسوقها لقوم يشكرون اللّه بالاعتراف بنعمه، والإقرار بها، وصرفها في مرضاة اللّه، فهم الذين ينتفعون بما فصل اللّه في كتابه من الأحكام والمطالب الإلهية، لأنهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها، فيبين لهم من معانيها بحسب استعدادهم، وهذا مثال للقلوب حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة، كما أن الغيث مادة الحياة، فإن القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي، تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها، وحسن عنصرها. وأما القلوب الخبيثة التي لا خير فيها، فإذا جاءها الوحي لم يجد محلا قابلا بل يجدها غافلة معرضة، أو معارضة، فيكون كالمطر الذي يمر على السباخ والرمال والصخور، فلا يؤثر فيها شيئا، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا } تفسير : الآيات.