٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} أي التُّربة الطيبة. والخَبِيثُ الذي في تربته حجارة أو شوك؛ عن الحسن. وقيل: معناه التشبيه، شبَّه تعالى السريعَ الفهم بالبلد الطيب، والبَلِيدَ بالذي خَبُثَ؛ عن النحاس. وقيل: هذا مثل للقلوب؛ فقلب يقبل الوعظ والذِّكْرى، وقلب فاسق يَنْبُو عن ذلك؛ قاله الحسن أيضاً. وقال قتادة: مَثَلُ للمؤمن يعمل محتسِباً متطوّعاً، والمنافق غير محتسب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذِي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مِرْمَاتَيْن حسَنَتَين لشهد العِشاء»تفسير : . {نَكِداً} نصب على الحال، وهو العَسِر الممتنع من إعطاء الخير. وهذا تمثيل. قال مجاهد: يعني: أن في بني آدم الطيب والخبيث. وقرأ طلحة «إلاَّ نَكْداً» حذف الكسرة لثقلها. وقرأ ٱبن القَعْقَعاع «نَكَداً» بفتح الكاف، فهو مصدر بمعنى ذا نكد. كما قال:شعر : فإنَّمَـا هِيَ إِقْبَـالٌ وإدْبَـارِ تفسير : وقيل: «نَكِداً» بنصب الكاف وخفضها بمعنًى؛ كالدّنَف والدّنِف، لغتان. {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي كما صرفنا من الآيات، وهي الحجج والدّلالات، في إبطال الشرك؛ كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} وخصّ الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ } العذب التراب {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } حسناً {بِإِذْنِ رَبِّهِ } هذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها {وَٱلَّذِى خَبُثَ } ترابه {لاَ يَخْرُجُ } نباته {إِلاَّ نَكِدًا } عسراً بمشقة، وهذا مَثَل للكافر {كَذٰلِكَ } كما بيَّنا ما ذكر {نُصَرِّفُ } نبيِّن {ٱلأَيَٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } الله فيؤمنون.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ} القلب النقي {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ} من الإيمان والطاعات {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بما أمر به ذلك {وَالَّذِى خَبُثَ} من القلوب {لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} بالكفر والمعاصي، قاله بعض أرباب القلوب، والجمهور على أنه من بلاد الأرض الطيِّب التربة والرخيص السعر، أو الكثير العلماء، أو العادل سلطانه. ضرب الله ـ تعالى ـ الأرض الطيبة مثلاً للمؤمن، والخبيثة السبخة مثلاُ للكافر {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ} زرعه وثماره {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بلا كد على قول التربة، أو صلاح أهله على قول الطيب بالعلماء {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بدين ربه، أو كثرة أمواله وحسن أحواله على قول عدل السلطان {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بأمر ربه {وَالَّذِى خَبُثَ} في تربته، أو بغلاء أسعاره، أو بجور سلطانه، أو قلّة علمائه. {نَكِداً} بالكد والتعب، أو قليلاً لا ينتفع به، أو عسراً لشدّته مانعاً من خيره.
ابن عادل
تفسير : قيل: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكَافِرِ بالأرْضِ الخيرة والأرض السَّبِخَة، وشبه نُزُولَ القرآن بنُزُولِ المطرِ، فشبّه المؤمن بالأرض الخيرةِ التي ينزلُ عليها المَطَرُ، فَتُزْهِرُ وتثمرُ، وشبَّهَ الكافر بالأرض السَّبخة، فهي وإنْ نزل عليها المطر لم تزهر ولم تثمر. وقيل: المرادُ أنَّ الأرض السَّبخة يقلُّ نفعها وثمرها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها، بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليقُ بها من المَنْفَعَةِ، فمن طلبَ هذا النفع اليَسِيرَ بالمشَقَّةِ العظيمة، فلأن يطلب النَّفْعَ العَظيم الموعود به في الآخرة بالمَشَقَّةِ الَّتِي لا بد من تحصيلها في أداء الطَّاعاتِ أوْلَى. قوله: "بإِذْنِ رَبِّهِ" يجوزُ أن تكون "الباء" سببية أو حالية وقرىء: "يُخْرِجُ نَبَاتَهُ"، أي: يخرجه البلد وينبته. قوله: "والَّذِي خَبُثَ" يريد الأرْضَ السَّبخةَ التي لا يخرج نباتها. يقال: خَبُثَ الشَّيءُ يَخْبُثُ خُبثاً وخَبَاثَةً. قال الفراء: قوله: "إلاَّ نَكِداً" فيه وجهان: أحدهما: أن ينتصب حالاً أي عَسِراً مُبْطئاً. يقال: نَكِدَ يَنْكَدُ نَكَداً بالفَتْحِ، فهو نَكِدٌ بالكسر. والثاني: أن ينتصب على أنَّهُ نَعْتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: إلا خروجاً نَكداً، وصف الخروج بالنَّكد كما يوصَفُ به غيره، ويؤيِّدُهُ قراءة أبي جعفر بن القَعْقَاعِ: "إلاَّ نَكَداً" بفتح الكاف. قال الزَّجَّاج: وهي قراءة أهْلِ المدينةِ، وقراءة ابن مصرِّف: "إلا نَكْداً" بالسُّكُونِ وهما مصدران. وقال مكيٌّ: "هو تخفيفُ نَكِد بالكَسْرِ مثل كَتْفٍ في كَتِف". يقال: رجل نَكِد، وأنْكَد، والمَنْكُود: العطاء النَّزْرُ وأنشدوا [في ذلك]: [السريع] شعر : 2495 - وأعْطِ مَا أعْطَيْتَهُ طَيِّباً لا خَيْرَ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ تفسير : وأنشدوا: [المنسرح] شعر : 2496 - لا تُنْجِزُ الوَعْدَ إنْ وَعَدْتَ وَإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تَافِهاً نَكِدَا تفسير : وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بْن عُمَرَ: "يُخْرَج" مبنيّاً للمفعول، "نَبَاتُه" مرفوعاً لقيامة مقام الفاعل، وهو الله تعالى. وقوله: "والَّذِي خَبُثَ" صفة لموصوف محذوف، أي: والبلد التي خَبُثَ، وإنَّما حذف لدلالةِ ما قبله عليه، كما أنَّهُ قد حذف منه الجار في قوله: "بإِذْنِ ربِّهِ"، إذ التقديرُ: والبلد الذي خَبث لا يخرج بإذن ربه إلا نَكِداً. ولا بدَّ من مضاف محذوف: إمّا من الأوَّلِ تقديرُهُ: ونبات الذي خبُث لا يخرج، وإمَّا من الثَّاني تقديره: والذي خَبُثَ لا يخرجُ نباته إلا نكداً، وغاير بين الموصُوليْنِ، فجاء بالأول بالألِفِ واللاَّمِ، وفي الثَّاني جاء بالذي، ووُصِلَتْ بفعل ماض. قوله: "كَذَلِكَ" تقدم نظيره. {نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}. قرىء: "يُصرِّفُ" أي يصرفها الله، وختم هذه الآية بقوله: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}؛ لأنَّ الذي سبق ذكره هو أنَّهُ تعالى يحرك الرِّياح اللطيفة النافعة، ويجعلها سبباً لنزول المطر، الذي هو الرَّحمة، ويجعل تلك الرياح والأمطار سبباً لحدوث أنواع النَّبات النافعةِ، فمن هذا الوجهِ ذكر الدَّليل الدَّال على وجود الصَّانع، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ونبَّه من وجه آخر على إيصال هذه النعمِ العظيمةِ إلى العبادِ، فمن الوَجْهِ الأوَّلِ وصفها بأنَّهَا آيات، ومن الوجْهِ الثَّانِي أنَّها نعم يجبُ شكرها وخصّها بكونها آيات للشَّاكرين؛ لأنَّهُم المنتفعون بها، كقوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2]. روى أبُو بُرْدَةَ عن أبي موسى عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : مثل ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثيرِ أصَابَ أرضاً، فَكَانَ مِنْهَا بُقْعَة قَبِلتِ الماءَ، فأنْبَتَت الكَلأ والعُشُبَ الكثيرَ، وكانَ مِنْهَا أجَادبُ أمسكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ به النَّاس فَشَرِبُوا وسَقَوْا وَرَعوا، وأصَابَ مِنهَا طَائِفة أخْرَى، إنَّمَا هي قيعانُ لا تُمْسِكُ، ولا تُنْبِتُ كَلأ، فذلك مثل من فقههُ في دين اللَّهِ، ونَفَعَهُ بما بعثني اللَّهُ به فعلم وعلَّمَ، ومثل من لم يَرْفَعْ بذلك رَأساً ولمْ يَقْبَلْ هدى الله الذي أرْسِلْتُ بِهِ .
البقاعي
تفسير : ولما كانت الموت موتين: حسياً ومعنوياً - كما أشير في الأنعام في آية { أية : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله }تفسير : [الأنعام: 36] { أية : أو من كان ميتاً فأحييناه } تفسير : [الأنعام: 122] كان كأنه قيل: لا فرق في ذلك عندما بين أموات الإيمان وأموات الأبدان، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها جيداً وبعضها رديئاً كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيباً وبعضها خبيثاً، فالجيد العنصر يسهل إيمانه، والخبيث الأصل يعسر إذعانه وتبعد استقامته وإيقانه {والبلد الطيب} أي الذي طابت أرضه فكانت كريمة منبتة {يخرج نباته} أي إذا نزل عليه الماء خروجاً كثيراً حسناً سهلاً غزيراً {بإذن} أي بتمكين {ربه} أي المربي له بما هيأه له، والذي طاب في الجملة ولم يصل إلى الغاية يخرج له نبات دون ذلك، والخبيث لا يخرج له نبات أصلاً بمنع ربه له {والذي خبث} أي حصلت له خباثة في جبلته بكون أرضه سبخة أو نحوها مما لا يهيئه الله تعالى للإنبات {لا يخرج} أي نباته {إلا} أي حال كونه {نكداً} أي قليلاً ضعيف المنفعة، وهو - مع كونه دالاً على أن ذلك ما كان على ما وصف مع استواء الأراضي في الأصل واستواء المياه ونسبتها إلى الأفلاك والنجوم إلا بالفاعل المختار - مثل ضربه سبحانه للمؤمن والكافر عند سماعهما للذكر من الكتاب والسنة، والآية من الاحتباك. ولما استوت هذه الآيات على الذروة من بدائع الدلالات، كان السامع جديراً بأن يقول: هل تبين جميع هذه الآيات هذه البيان؟ فقيل: {كذلك} أي نعم، مثل هذا التصريف، وهو الترديد مع اختلاف الأنحاء لاختلاف الدلالات وإبرازها في قوالب الألفاظ الفائقة والمعاني الرائقة في النظوم المعجزة على وجوه لا تكاد تدخل تحت الحصر: {نصرف الآيات} أي كلها؛ ولما تم ذلك على هذا المنهاج الغريب والمنوال العجيب المذكر بالنعم في أسلوب دال على التفرد وتمام القدرة، كان أنسب الأشياء ختمه بقوله مخصصاً بها المنتفع لأنها بالنسبة إلى غيرهم كأنها لم توجد: {لقوم يشكرون*} أي يوجد منهم الشكر للنعم وجوداً مستمراً فلا يشركون بل ينتفعون بما أنعم عليهم به وحده في عبادته وحده، وينظرون بعقولهم أنه أقدرهم بنعمه على ما هم عاجزون عنه، فلا يسلبون عنه شيئاً من قدرته على بعث ولا غيره فإنهم يزعمون أنهم أهل معالي الأخلاق التي منها أنه ما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان. ولما طال تهديده سبحانه لمن أصر على إفساده، ولم يرجع عن غيّه وعناده بمثل مصارع الأولين ومهالك الماضين، ونوَّع في هذه الآيات محاسن الدلالات على التوحيد والمعاد بوجوه ظاهرة وبينات قاهرة وبراهين قاطعة وحجج ساطعة، ساق سبحانه تلك القصص دليلاً حسياً على أن في الناس الخبيث والطيب مع الكفالة في الدلالة على تمام القدرة والغيرة من الشرك على تلك الحضرة - بتفصيل أحوال من سلفت الإشارة إلى إهلاكهم وبيأن مصارعهم وأنه لم تغن عنهم قوتهم شيئاً ولا كثرتهم بقوله تعالى { أية : وكم من قرية أهلكناها} تفسير : [الأعراف: 4] وقوله { أية : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة } تفسير : [الأعراف: 34] الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لصالحي أتباعه بالتنبيه على أن الإعراض عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة بلف هي عادة الأمم السالفة، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين، ولذا كانت النقم مقصورة على الكافرين، فقال تعالى {لقد أرسلنا} أي بعظمتنا، وافتتحه بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكر ما تكرر من الإشارة إليه، ولأن اللام المجاب بها القسم المحذوف لا ينطقون بها غالباً إلا مقترنة بقد، لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تاكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى "قد" عند استماع المخاطب كلمة القسم {نوحاً} يعني ابن لمك بم متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس عليه السلام، وكان عند الإرسال ابن خمسين سنة. ولما كان إرساله صلى الله عليه وسلم قبل القبائل باختلاف اللغات قال: {إلى قومه} أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله عنه، ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. وفيهم من القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تأمل آثارهم وعرف أخبارهم،فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد، وإن كانت لمن بعدهم علم - بحكم قياس الاستقرار - أنهم أقوى على مثلها وأعلى منها، ولسوق ذلك دليلاً على ما ذكر جاء مجرداً عن أدوات العطف، وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان {أية : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض}تفسير : [الأعراف: 54] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل والحجاج المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد، وكون نوح عليه السلام رسولاً إلى جميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحده لسانهم - لا يقدح في تخصيص نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة، لأن معنى العموم إرساله إلى جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس والجن والملائكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان. ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بأن الذي دعا إليه هذا الرسول لم تزل الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام - تدعو إليه، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به بالفاء بقوله {فقال يا قوم} أي فتحبب إليهم بهذه الإضافة {اعبدوا الله} أي الذي له جميع العظمة من الخلق والأمر، فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده به. ولما كان المقصود إفراده بذلك، علله بقوله مؤكداً له بإثبات الجار {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله غيره} ثم قال معللاً أو مستأنفاً مخوفاً مؤكداً لأجل تكذيبهم: {إني أخاف عليكم} في الدنيا والآخرة، ولعلة قال هنا: {عذاب يوم عظيم*} وفي هود{ أية : أليم } تفسير : [هود: 26] وقال في المؤمنون {أية : أفلا تتقون } تفسير : [المؤمنون: 23] لأن ترتيب السور الثلاث - وإن كان الصحيح أنه باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم - فلعله جاء على ترتيبها في النزول، لأنها مكيات، وعلى ترتيب مقال نوح عليه السلام لهم فألان لهم أولاً المقال من حيث إنه أوهم أن العظم الموصوف به {اليوم} لا بسبب العذاب بل الأمر آخر، فيصير العذاب مطلقاً يتناول أي عذاب كان و لو قل، فلما تمادى تكذيبهم بين لهم أن عظمه إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه، فلما لجوا في عتوهم قال لهم قول القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له: ألا تفعل ما أقول لك؟ أي متى خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف قدرتي. ولما تم ذلك، وكان الحال مقتضياً - مع ما نصب من الأدلة الواضحة على الوحدانية - لأن يجيبوا بالتصديق، كان كأنه قيل: فبماذا كان جوابهم؟ فقال {قال الملأ} أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة، وتتوجه العيون في المحافل إليهم، ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك أدخل في التسلية، لأنها أول سورة قص فيها مثل هذا في ترييب الكتاب، ولأن من آمن به مطلقاً كانوا في جنب من لم يؤمن في غاية القلة، فكيف عند تقييدهم بالشرف! وأكد ذمهم تسلية لهذا النبي الكريم بالتعريف بقربهم منه في النسب بقوله: {من قومه} وقابلوا رقته وأدبه بغلطة مؤكداً ما تضمنته من البهتان لأن حالهم مكذب لهم فقالوا: {إنا لنراك} أي كل واحد منا يعتقد اعتقاداً هو في الثقة به كالرؤية أنك {في ضلال} أي خطأ وذهاب عن الصواب، هو ظرف لك محيط بك {مبين*} أي ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك لغيره.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والبلد الطيب...} الآية. قال: هذا مثل ضربه الله للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب، والذي خبث ضرب مثلاً للكافر كالبلد السبخة المالحة التي لا يخرج منها البركة، والكافر هو الخبيث وعمله خبيث . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {والبلد الطيب ... والذي خبث} قال: كل ذلك في الأرض السباخ وغيرها، مثل آدم وذريته فيهم طيب وخبيث . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {والبلد الطيب} قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فوعاه وأخذ به، وعمل به، وانتفع به، كمثل هذه الأرض أصابها الغيث فأنبتت وأمرعت {والذي خبث} قال: هذا مثل الكافر لم يعقل القرآن، ولم يعمل به، ولم يأخذ به، ولم ينتفع به، فهو كمثل الأرض الخبيثة أصابها الغيث فلم تنبت شيئاً ولم تمرع . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: هذا مثل ضربه للقلوب يقول: ينزل الماء فيخرج البلد الطيب نباته بإذن الله {والذي خبث} هي السبخة لا يخرج نباتها إلا نكداً، فكذلك القلوب لما نزل القرآن بقلب المؤمن آمن به وثبت الإِيمان في قلبه، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإِيمان شيء إلا ما لا ينفعه ، كما لم يخرج هذا البلد إلا ما لم ينفع من النبات والنكد: الشيء القليل الذي لا ينفع . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {والبلد الطيب يخرج نباته} بنصب الياء ورفع الراء. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {والبلد الطيب...} الآية. قال الطيب ينفعه المطر فينبت {والذي خبث} السباخ لا ينفعه المطر {لا يخرج نباته إلا نكداً} هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة فمنهم من آمن بالله وكتابه فطاب، ومنهم من كفر بالله وكتابه فخبث . وأخرج ابن جرير عن قتادة {والبلد الطيب} الآية. قال: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم " حديث : مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكانت منها بقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} [الآية: 58]. قال أبو عثمان: البلد الطيب مثل قلب المؤمن النقى، يخرج نباته بإذن ربه، تظهر على الجوارح أنوار الطاعات والزينة بالإخلاص، والذى خبث قلب الكافر لا يظهر منه إلا النكد والشؤم والظلم على الجوارح من إظهار المخالفات. وقال الواسطى رحمة الله عليه: البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه أى بتوليه، والذى خبث لا يخرج إلا نكدًا، حُجب عن التجلى واللحظات {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} كذلك الشمس تحرق طوائف من النبات وتفنيها، وتغذى طوائف من النبات فتطيبها وتنميها، وذلك على قدر جوهرها، كما أن بإرادة واحدة ظهرت المخالفات والموافقات. وقال بعضهم فى قوله: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ} قال: طيبها يرخص أسعارها. وقال بعضهم: بكثرة علمائها. وقال بعضهم: بظهور الطاعات فيها. وقال بعضهم: طيبها بدوام الأمن وعدل السلطان. وقال الجوزجانى: البلد الطيب هو القلب يخرج نباته بإذن ربه، بظهور أنواع الطاعات على الجوارح، والذي خبث من القلوب لا يظهر على الجوارح إلا بالمخالفات.
القشيري
تفسير : إذا زكا الأصلُ نما الفرع، وإنْ خبُث الجوهر لم يَطبْ ما تحلَّل منه، وإن طاب العنصر فالجزء يحاكي أصله، والأَسِرَّةُ تدل على السريرة، فَمَنْ صفا باطنُ قلبه زكا ظاهرُ فعله، ومن كان بالعكس فحاله بالضد.
اسماعيل حقي
تفسير : {والبلد الطيب} اى الارض الكريمة التربة. وفى التفسير الفارسى [وزمين باك ازسنك وريك كه شايسته وصالح زراعت باشد] {يخرج نباته باذن ربه} بمشيئته وتيسيره ما اذن الله فى خروجه لا يكون الا احسن اكثر عزيز النفع {والذى خبث} والبلد الذى خبث ترابه كالحرة والسبخة الحرة ارض ذات حجارة سود كأنها احرقت بالنار والسبخة الارض المالحة التى لا تنبت شيئا {لا يخرج} نباته فى حال من الاحوال {الا} فى حال كونه {نكدا} قليلا عديم النفع فهو مستثنى مفرغ من اعم الاحوال. والنكد بكسر الكاف القليل الخير الممتنع عن افادة النفع على جهة البخل والضنة والمصدر النكد بفتحتين يقال نكد عيشهم بكسر الكاف ينكد بالفتح نكدا اذا اشتد عيشهم وضاق {كذلك} اى مثل ذلك التصريف البديع {نصرف الآيات} نرددها ونكررها {لقوم يشكرون} نعمة الله فيتفكرون فيها ويعتبرون بها وتخصيصهم بالذكر لانهم المنتفعون بها كقوله تعالى {أية : هدى للمتقين} تفسير : [البقرة: 2]. والآية مثل لارسال الرسل عليهم السلام بالشرائع التى هى ماء حياة القلوب الى المكلفين المنقسمين الى المقتبسين من انوارها والمحرومين من مغانم آثارها. وفى التفسير الفارسى [هركاه كه باران مواعظ ازسحاب كلام رب الارباب بردل مؤمن بارد انوار طاعات وعبادات برجوارح او ظاهر كردد جون كافر استماع سخن كند زمين دلش تخم نصحيت قبول نكند ازو هيج صفت كه بكار آيددر ظهور نيايد]: قال السعدى قدس سره شعر : زمين شوره سنبل برنيارد دروتخم عمل ضايع مكردان تفسير : وقال الحافظ قدس سره شعر : كوهر باك بيايدكه شود قابل فيض ورنه هرسنك وكلى لؤلؤ ومرجان نشود تفسير : وعن عبدالله بن مهران قال حج الرشيد فوافى الكوفة فاقام بها اياما ثم امر بالرحيل فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فيمن خرج فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه ويولعون به اذ اقبلت هوادج هارون فكف صبيان عن الولوع به فلما جاء هارون نادى باعلى صوته يا امير المؤمنين يا امير المؤمنين فكشف هارون السجاف بيده وقال لبيك يا بهلول فقال يا امير المؤمنين حدثنا ايمن بن نائل عن قدامة بن عبدالله العامرى قال رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يمضى على جمل وتحته رحل رث فلم يكن ضرب ولا طرد ولا اليك اليك وتواضعك فى سفرك هذا يا امير المؤمنين خير لك من تكبرك فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الارض وقال يا بهلول زدنا يرحمك الله فقال شعر : هب انك قد ملكت الارض طرا وان لك العباد فكان ما ذا أليس غدا مصيرك جوف قبر ويحثو الترب هذا ثم هذا تفسير : فبكى هارون ثم قال احسنت يا بهلول هل غيره قال نعم يا امير المؤمنين رجل آتاه الله مالا وجمالا فانفق فى ماله وعف فى جماله كتب فى خالص ديوان الله من الابرار فقال احسنت يا بهلول ثم امر له بجائزة فقال اردد الجائزة الى من اخذتها منه فلا حاجة لى فيها قال يا بهلول ان يكن عليك دين قضيناه قال يا امير المؤمنين لا يقضى دين بدين اردد الحق الى اهله واقض دين نفسك يا امير المؤمنين من نفسك قال بهلول فنجرى عليك ما يكفيك فرفع بهلول راسهُ الى السماء ثم قال يا امير المؤمنين انا وانت من عيال الله تعالى فمحال ان يذكرك وينسانى فاسبل هارون السجاف ومضى والمقصود من هذه الحكاية بيان استماع هارون الحق وقبوله وذلك لانه كان كالمكان الزاكى وقلبه حيا بالحياة الطيبة فلذا لم يخرج منه الا الاخلاق الحميدة واما ارض النفس الامارة التى هى البلد الخبيث فلا يخرج منها الا الاخلاق الذميمة والافعال الرديئة فمن كان قلبه حيا بنور الله انعكس نور قلبه على نفسه فتنورت النفس فتبدلت اوصافها باوصاف القلب وتلاشت ظلمتها بنور القلب فيطمئن الى ذكر الله وطاعته كما هو من اوصاف القلوب وان كان القلب ميتا والنفس حيه فظلمات صفات النفس تطل على القلب وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فيحصل اطمئنانه بالدنيا وما فيها نسأل الله تعالى ان يجعل اطمئناننا الى ذكره وفكره وشكره ويجعلنا من الذين يعرفون قدر نعمة الله وحق المنعم.
الطوسي
تفسير : قرأ أبو جعفر {نكداً} بفتح الكاف. الباقون بكسرها، والوجه في ذلك أنهما لغتان. وحكى الزجاج {نكداً} بضم النون وسكون الكاف. ولا يقرأ به. وقال الفراء: يقتضي القياس أيضاً {نكداً} بضم الكاف، وفتح النون، غير أني لم أسمعه مثل دَنَف ودنِف وحذر وحذر، ويقظ ويقظ ويقظ، بالفتح والضم والكسر. قوله {والبلد الطيب} فالبلد هو الارض التي تجمع الخلق الكثير، وتنفصل بما لهم فيها من العمل، والتأثير. والبلدة خلاف الفلاة، والصحراء، وأما البادية فكالبلد للأعراب ونحوهم من الأكراد والأتراك. والطيب ما فيه أسباب التلذذ، وضده الخبيث، وهو ما فيه أسباب النكرة. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي: هذا مثل، ضربه الله للمؤمنين فشبه المؤمن - وما يفعله من الطاعات والأفعال، والانتفاع بما أمره الله ونهاه عنه - بالأرض العذبة التربة التي تخرج الثمرة الطيبة بما ينزله الله عليها من الماء العذب، والكافر - وما يفعله من الكفر والمعاصي - بالأرض السبخة الملحة التي لا ينتفع بنزول المطر عليها، فينزع عنها البركة. وقوله {يخرج نباته بإذن ربه} فالاخراج نقل الشىء من محيط به الى غيره، فهذا النبات كأنه كان في باطن الأرض فخرج منه، (والاذن) هو الاطلاق في الفعل برفع المنعة فيه، فكذلك منزلة هذا البلد، كأنه قد أطلق في اخراج النبت الكريم. ووجه ضرب المثل بالأرض الطيبة والأرض الخبيثة مع أنهما من فعل الله وكلاهما حكمة وصواب، والطاعات والمعاصي أحدهما بأمر الله والآخر بخلاف أمره، هو أن الله تعالى لما جعل المنفعة بأحدهما والمضرة بالآخر مثل بذلك الانتفاع بالعمل الصالح والاستضرار بالمعاصي والقبائح. وقوله {والذي خبث لا يخرج إِلا نكداً} فالنكد العسر بشدته الممتنع من إِعطاء الخير على وجه البخل تقول: نكد ينكد نكداً، فهو نَكِد ونَكَد. وقد نكُد إِذا سئل فبخل، ونكد ينكد نكداً، قال الشاعر: شعر : لا تنجز الوعد إِن وعدت وإِن أعطيت أعطيت تافهاً نكداً تفسير : وقال الآخر: شعر : واعط ما أعطيته طيباً لا خير في المنكود والناكد تفسير : وقال السدي: النكد القليل الذي لا ينتفع به. وقوله {كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} فالتصريف توجيه الشىء في جهتين فصاعداً، فلما كان معنى الآية يوجه في الدلالات المختلفة كانت الآية متصرفة، فالنشأة الثانية مصرَّفة بأنها كاحياء الأرض بالماء للبنات، وبأنها كالخارج من الأرض في الاختلاف، فمنه طيب، ومنه خبيث، وبأنها في حال المؤمن المؤمن والكافر، كحال الأرض في الطيب والخبث. والمعنى أنه تعالى يبين لهم آية بعد آية، وحجة بعد أخرى، ويضرب مثلا بعد مثل {لقوم يشكرون} الله على إِنعامه عليهم هدايته إِياهم لما فيه نجاتهم وتبصيرهم سبيل أهل الضلال وأمره إِياهم تجنب ذلك والعدول عنه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} كأنّه استدراك لما توهّم من تساوى البلاد فى خروج النّبات منها وتساوى الاموات فى كيفيّة الاحياء وحالة الحيوة، كأنّه قال ولكنّ البلد الطّيّب يخرج نباته باذن ربّه يعنى يخرج جميع ما يمكن ان ينبت فيه، فانّه المستفاد منه بحسب مخاطبات العرف خصوصاً مع اضافة النّبات المشعرة بالعموم ومع المقابلة مع قرينة وهو قوله {وَٱلَّذِي خَبُثَ} بالنّسبة الى الاراضى الصّالحة بسبب كونه سبخة {لاَ يَخْرُجُ} نباته {إِلاَّ نَكِداً} قليل المقدار عديم النّفع {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} نعمنا الظّاهرة والباطنة وان كان بصورة الرّياح المختلفة والابتلاءات والنّقمات، فانّ تصريف امثال هذه الآيات لمن عرف انّها نعم لا لمن رآها نقماً ولا يشكر بل يكفر بسببها، فانّ كفره وكفرانه ليس غاية لفعلنا بل هو مترتّب عليه بالعرض، ونقل انّه قال عمرو بن العاص للحسين بن علىّ عليهما السّلام: ما بال لحاكم اوفر من لحانا؟ فقرأ هذه الآية، وامثال هذا التّفسير للآيات تدلّ على جواز تعميمها فى كلّ ما يمكن ان تصدق عليه حقيقةً او مجازاً.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} قال الحسن: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر: إن عمل المؤمن مقبول، وعمل الكافر ليس بمقبول؛ مثل الأرض التي ليست بطيبة والتي لا يخرج نباتها إلا نكداً. وقال الكلبي: هذا مثل المؤمن والمنافق. أما البلد الطيب فمثل المؤمن يعمل ما عمل من شيء ابتغاء وجه الله، وأما الذي خبث فالمنافق لا يفعل شيئاً، ولا يعمله إلا رياء وسمعة، إلا نكداً، ليست له فيه حسبة. وقال مجاهد: كل هذا من الأرض، الخبيث وغيره، مثل آدم وذريته، كلهم منه؛ منهم طيب وخبيث. وقال بعضهم: {البَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ}، هذا مثل المؤمن، سمع كتاب الله فأقر، فانتفع به وعقله، كمثل هذه الأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت وأمرعت. {وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} أي إلا عسراً. هذا مثل الكافر، سمع كتاب الله فلم يعقله ولم ينتفع به، كمثل هذه الأرض الخبيثة أصابها الغيث فلم تنبت شيئاً ولم تمرع عنه. قال: {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الأَيَاتِ} أي نبّين الآيات. وقال بعضهم: أي نكرر الآيات ونأتي بها من الوجوه التي فيها البيان والشرح. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} أي لقوم يؤمنون.
اطفيش
تفسير : {والبَلَدُ الطَّيبُ يَخرُج نَباتُه} وقرأ أبو حيوة وابن أبى عبلة وعيسى ابن عمير بضم الياء وكسر الراء، ونصب النبات، وعلى هذا ففى يخرج ضمير البلد أو الله {بإذْن ربِّه} متعلق بيخرج أو لمحذوف حال، ومعناه بتيسير الله، وهو كتابة عن أنه يخرج حسنا وافيا بسهولة كثيراً كمًّا ونفعا، وهو فى مقابلة قوله نكداً، فالحالية أولى، لأن نكداً حال، وذلك مبالغة فى المدح كما تقول العامة عند رواية ما يعجبها: ما شاء الله، وتقول لمن اغتبطت حاله: أنت كما شاء الله، وخرج بعض على ذلك فله ما سلف وأمره إلى الله، واختار لفظ الرب لأنه مشعر بالتربية. {والَّذى خَبُث} بأن كان حجارة أو سبخة أو بذرها بذر شرك أو غيره مما لا نفع فيه {لا يخْرجُ إلاَّ نَكِداً} قليلا بمشقة وكلفة، قليل النفع أو عدم النفع، ويقدر مضاف، أى لا يخرج نباته فحذف الفاعل وهو نبات، وناب عنه المضاف إليه فارتفع واستتر، ويجوز تقديره أولا، أى ونبات البلد الذى خبث، وتقديره آخراً أنسب بما قبله، وبما تقرر أن الآخر أولى بالتغيير، وقرأ هؤلاء بضم الياء وكسر الراءِ أيضا، وعليه فنكداً مفعول به، والفاعل ضمير البلد أو الله، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا أى لا يخرجه، فنكدا حال منه. وقرأ طلحة بن مصرف بإسكان الكاف تخفيفا من الكسر، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بفتح الكاف، قال الزجاج: وهى قراءة أهل المدينة وهو فيها مصدر أتى به مبالغة، أو بتأويله بالوصف أو بذا نكد، وذلك مثل للمؤمن والكافر، فالمؤمن ينتفع بالقرآن وتظهر عليه آثاره من العبادات والأخلاق الحميدة كالبلد الطيِّب يظهر فيه أثر الغيث من حشيش وأزهار وثمار، والكافر لا ينتفع بالقرآن، ولا تظهر عليه آثاره، بل يزداد كفراً كالسبخة، إنما تزداد بالماء ضراً كالإزلاق، وكإنبات الشوك ونحوه، أو ذلك مثل للمؤمن والكافر من كلامه، وعن النحاس مثل للفهم والبلد وفى الحديث: "حديث : مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كغيث أصاب أرضا فطائفة منها طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ، وطائفة أمسكت الماء فشربوا منه وسقوا زروعهم، وطائفة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ الأول مثل للعالم العامل، والثانية للعالم غير العامل، والثالثة لمن لا علم ولا عمل أو يعمل بلا علم" تفسير : وزاد لهذا التمثيل ما قبله حسنا، وقيل: ليست للآية مثلا بل تتميم لما قبلها. {كَذلكَ نُصرِّف} وقرىء يصرف بالمثناه التحتية أى الله {الآياتِ لقوْمٍ يشْكُرونَ} أى مثل ذلك التصريف نصرف الآيات، أى نكررها لقوم يشكرون النعم، وأما غيرهم فإنها قد كررت له، لكن لا ينتفع بها، فكأنها كررت للمؤمنين فقط.
اطفيش
تفسير : {وَالْبَلَدُ الطَّيّبُ} الذى طاب ترابه {يَخْرُجُ نَبَاتَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} متعلق بيخرج أَو حال وهو عبارة عن كون النبات جيدا كثيراً نافعاً بنفسه وثماره، كما يذكر إِن شاءَ الله للبركة بلا قصد استثناء، أَو يقدر يخرج نباته وافياً حسناً، ودل على ذلك المقابلة بقوله {وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} أِى والبلد الذى خبث لا يخرج إِلا نكدا، وضمير يخرج للبلد الذى خبث، فالخارج البلد لكن على حذف مضاف أَى لا نخرج نباته، أَو يقدر المضاف أَولا، أَى ونبات البلد الذى خبث، لا يخرج إِلا نكدا، فحذف نبات فعاد الضمير أَيضاً إِلى البلد الذى خبث، والأَول أَنسب لما قبله، ولم يذكر هنا بإِذن ربه لأَنه لا بركة فى الخبث والنكد، وإِن فسرنا بإِذن ربه بمجرد مشيئته قدرنا مثله لقوله لا يخرج إِلا نكدًا أَو النكد الشئُ العسر يطلق على الذات والمعنى فهو حال أَو مفعول مطلق، أَى الآخر، وجاء نكدا، ومعناه قليلا عديم النفع، شبه المؤمن ونزول القرآن وقبوله وتأَثره فيه وظهور العمل به على لسانه وجوارحه بالأَرض الطيبة، ونزول المطر عليها وتأَثرها به وخروج النبات والثمار منها به فهذه استعارة تمثيلية، وهى المركبة، وشبه الكافر ونزول القرآن فى شأنه وعدم تأَثره به وعدم ظهوره على لسانه وجوارحه بالأَرض التى لا تنبت لكونها سبخة أَو صلبة أَو طال مكث الماء فيها أَو نحو ذلك، ونزول المطر عليها وعدم خروج النبات فيها أَو الإِنبات لا نفع فيه فإِن الكافر لا يعمل بالقرآن فإِن عمل بعض فكنبات لا نفع فيه، فهذه استعارة تمثيلية أَيضاً، وهى أَولى من تشبيه بمفرد فى الموضعين. ووجه الشبه فى الأُولى النفع والحسن وفى الثانية القبح وعدم النفع، وذلك كله بأَوجهه أَولى من أَن تفسر الآية بمطلق الامتنان أَو بمطلق القدرة إِذ لا يناسبهما ذكر قوله والذى خبث، وفى الآية تلويح بأَن الخير فى خلقة المؤمن والشر فى خلقة الكافر فالسعادة والشقاوة من البطن لكن بلا إِجبار ولا طبع. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل ما بعثنى الله تعالى به من العلم والهدى كمثل غيث أصاب أَرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماءَ فأَنبتت الكلأَ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أَمسكت الماءَ فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب منها أخرى هى قيعان لا تمسك الماءَ ولا تنبت الكلأ، فذلك مثل من فقه فى دين الله تعالى ونفعه ما بعثنى الله تعالى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله تعالى الذى أرسلت به"تفسير : ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله عز وجل: "حديث : إِنى خلقت عبادى حنفاءَ كلهم وأَنهم أَتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم"تفسير : . ورواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مولود إِلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أَو ينصرانه"تفسير : . هذا لفظ البخارى {كَذَلِكَ} كما بينا وكررنا {نُصَرِّفُ} نبين أو نكرر {الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} نعم الله ويؤمنون به، وخصهم بالذكر لأَنهم المنتفعون بها، وسلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كفر قومه وإِيذائهم بقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ولم يقترن بالواو ولعدم تقدم ذكر نوح، وقرن فى هود لتقدم ذكر نوح، وفى قد أَفلح لذكر الفلك الدال عليه، إِذ هو أَول صانع الفلك، ولقب نوحاً لنوحه على نفسه لدعائه على قومه بالهلاك أَو لمراجعته ربه فى ولده كنعان أَو لقوله لكلب يا قبيح وإِيحاء الله عز وجل إِليه أَعبتنى أَم عبت الكلب، أَو لأَنه كذبه قومه، وكلما كذبوه بكى، وقيل اسمه عبد الجبار وقيل عبد السكن لسكون الناس إِليه، وقيل اسمه عبد الغفار بن لمك بفتح لام لمك وميمه، وقيل بفتح اللام وإِسكان الميم، وقيل لمكان بفتح فإِسكان، وقيل لامك بفتح الميم، ومتوشلح بضم الميم وفتح تائه وواوه وسكون شينه، وقيل بفتح الميم وضم التاء مشددة وسكون الواو وفتح اللام وبفتح همزة أَخنوخ من إِسكان خاءَ وضم نونه وإسكان واوه، وقيل خنوخ بلا همز وأَخنوخ هو إِدريس بعث فى الأَلف الثاني وآدم حى فيما قيل، وولد له نوح فى آخر الأَلف الأَول، كبر آدم ودق عظمه فقال يا رب إِلى متى آكل فقال تعالى حتى يولد لك ولد اسمه نوح مختون، فولد له نوح بعد عشرة أَبطن وهو يومئذ ابن أَلف سنة إِلا ستين عاماً، ونوح عجمى اسم له من أَول على ما صحح لا لقب، ولا يتم عندى حياة آدم إِلى زمان نوح عليهما السلام ابن متوشلح بن إِدريس بعث ابن أَربعين سنة كما عن ابن عباس رضى الله عنهما، أَوابن خمسين أَو ابن مائتين وخمسين أَو ابن مائة أَو ابن أَربعمائة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فعمره أَلف ومائتان وأربعون فى قول، وقيل أَلف وأَربعمائة وخمسون وهو أول نبى بعد إِدريس وهو أَول نبى بعث بتحريم الأَخوات والخالات والعمات، بعث إِلى من فى الأَرض كلهم إِلا الجن، ولم تدم رسالته لأَنه جاءَت بعده رسل بشرائع، ورسالته إِلى الكل اتفاقية قبل الغرق، وخلافية بعده، إِذ لم يوجد إِلا من معه ونسله قوم فى الأَرض لم يغرقوا مؤمنون بخلاف نبينا صلى الله عليه وسلم فإِنه بعث إِلى قومه وغيرهم حتى الجن والحيوان والملائكة والجمادات، وقيل بعد إعقالها وذلك أشرف له صلى الله عليه وسلم، ولا يعقبه نبى أَو شرع إلى يوم القيامة، وقوم رجل من اجتمع معهم فى جد، وقد يطلق على من كان فيهم نزيلا كما هو قول فى قوله تعالى "أية : اتبعوا المرسلين"تفسير : [يس: 20] {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ} وحده ووحدوه {مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِهِ} نعت على المحل لأَن إِله مبتدأ أَو فاعل للكم أَو لوصف يستغنى به عن الخبر، ومن صلة لتأكيد النفى والجملة مستأنفة لتعليل العبادة المأمور بها، أَو على معنى أَمرناكم بعبادته لأَنه لا إِله غيره {إِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فى الدنيا إِن لم تؤمنوا، فالخوف لإِمكان أَن لا يعذبوا فى الدنيا ولو لم يؤمنوا وهو بمعنى اليقين على علمه أَنهم إِن لم يؤمنوا أَنزل الطوفان، أَو على أَن اليوم يوم القيامة وأَنهم لا يؤمنون، أَو شك أَن لا يعذبوا لإِمكان أَن يؤمنوا قبل الموت.
الالوسي
تفسير : {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ } أي الأرض الكريمة التربة التي لا سبخة ولا حرة، واستعمال البلد بمعنى القرية عرف طار، ومن قبيل ذلك إطلاقه على مكة المكرمة {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ } بمشيئته وتيسيره، وهو في موضع الحال، والمراد بذلك أن يكون حسناً وافياً غزير النفع لكونه واقعاً في مقابلة قوله: {وَٱلَّذِى خَبُثَ } من البلاد كالسبخة والحرة {لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا } أي قليلاً لا خير فيه، ومن ذلك قوله: شعر : لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تافهاً نكداً تفسير : ونصبه على الحال أو على أنه صفة مصدر محذوف، وأصل الكلام لا يخرج نباته فحذف المضاف إليه وأقيم المضاف مقامه فصار مرفوعاً مستتراً، وجوز أن يكون الأصل ونبات الذي خبث، والتعبير أولاً بالطيب وثانياً بالذي خبث دون الخبيث للإيذان بأن أصل الأرض أن تكون طيبة منبتة وخلافه طار عارض. وقرىء {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } ببناء {يُخْرَجُ } لما لم يسم فاعله ورفع {نَبَاتُ } على النيابة عن الفاعل، و {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } ببناء {يَخْرُجُ } للفاعل من باب الإخراج، ونصب {نَبَاتَهُ } على المفعولية، والفاعل ضمير البلد، وقيل ضمير الله تعالى أو الماء، وكذا قرىء في {يَخْرُجُ } المنفي، ونصب {نَكِدًا } حينئذٍ على المفعولية. وقرأ أبو جعفر {نَكْدًا } بفتحتين على زنة المصدر، وهو نصب على الحال أو على المصدرية أي ذا نكد أو خروجاً نكدا. وقرأ {نَكِدًا } بالإسكان للتخفيف كنزه في قوله: شعر : / فقال لي قول ذي رأي ومقدرة مجرب عاقل نزه عن الريب تفسير : {كَذٰلِكَ } مثل ذلك التصريف البديع {نُصَرّفُ ٱلأَيَـٰتِ } أي نردد الآيات الدالة على القدرة الباهرة ونكررها. وأصل التصريف تبديل حال بحال ومنه تصريف الرياح. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } نعم الله تعالى ومنها تصريف الآيات وشكر ذلك بالتفكر فيها والاعتبار بها، وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك. وقال الطيبـي: ذكر {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } بعد { أية : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 57] من باب الترقي لأن من تذكر آلاء الله تعالى عرف حق النعمة فشكر، وهذا ـ كما قال غير واحد ـ مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك. أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أن قوله سبحانه وتعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ } الخ مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين يقول: هو طيب وعمله طيب والذي خبث الخ مثل للكافر يقول: هو خبيث وعمله خبيث. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن هذا مثل ضربه الله تعالى لآدم عليه السلام وذريته كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة فمنهم من آمن بالله تعالى وكتابه فطاب ومنهم من كفر بالله تعالى وكتابه فخبث. أخرج أحمد والشيخان والنسائي عن أبـي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به » تفسير : وإيثار خصوص التمثيل بالأرض الطيبة والخبيثة استطراد عقيب ذكر المطر وإنزاله بالبلد وموازنة بين الرحمتين كما في «الكشف»، ولقربه من الاعتراض جىء بالواو في قوله سبحانه وتعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ } وفيه إشارة إلى معنى ما ورد في «صحيح مسلم» عن عياض المجاشعي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته عن الله عز وجل: « حديث : إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ». تفسير : وفي «صحيح البخاري» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه » تفسير : ووجه الإشارة قد مرت الإشارة إليه.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة بين جملة: {أية : كذلك نخرج الموتى} تفسير : [الأعراف: 57] وبين جملة: {أية : لقد أرسلنا نوحاً}تفسير : [الأعراف: 59] تتضمّن تفصيلاً لمضمون جملة: {أية : فأخرجنا به من كل الثمرات}تفسير : [الأعراف: 57] إذ قد بيّن فيها اختلاف حال البلد الذي يصيبه ماء السّحاب، دعا إلى هذا التّفصيل أنّه لما مُثِّل إخراج ثمرات الأرض بإخراج المَوتى منها يوم البعث تذكيراً بذلك للمؤمنين، وإبطالاً لإحالة البعث عند المشركين، مُثل هنا باختلاف حال إخراج النّبات من الأرض اختلافُ حال النّاس الأحياءِ في الانتفاع برحمة هُدى الله، فموقع قوله: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} كموقع قوله: {أية : كذلك نخرج الموتى}تفسير : [الأعراف: 57] ولذلك ذُيل هذا بقوله: {كذلك نصرف الأيات لقوم يشكرون} كما ذيل ما قبله بقوله: {أية : كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون}تفسير : [الأعراف: 57]. والمعنى: كذلك نخرج الموتى وكذلك ينتفع برحمة الهَدْي من خُلقت فطرته طيّبة قابلة للهُدى كالبلد الطّيّب ينتفع بالمطر، ويحرم من الانتفاع بالهدى من خلقت فطرته خبيثة كالأرض الخبيثة لا تنتفع بالمطر فلا تنبت نباتاً نافعاً، فالمقصود من هذه الآية التّمثيل، وليسَ المقصود مجرّد تفصيل أحوال الأرض بعد نزول المطر، لأنّ الغرض المسوق له الكلام يجمع أمرين: العبرةَ بصنع الله، والموعظَة بما يماثل أحواله. فالمعنى: كما أنّ البلد الطّيّب يَخرج نباته سريعاً بَهِجاً عند نزول المطر، والبلد الخبيثَ لا يكاد ينبت فإن أنبت أخرج نبْتاً خبيثاً لا خير فيه. والطيب وصف على وزن فَيْعِل وهي صيغة تدلّ على قوّة الوصف في الموصوف مثل: قيّم، وهو المتّصف بالطِّيببِ، وقد تقدّم تفسير الطيب عند قوله تعالى: {أية : قل أحلّ لكم الطّيّباتُ} تفسير : في سورة المائدة (4)، وعند قوله: {أية : يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيِّباً} تفسير : في سورة البقرة (168). والبلد الطّيب الأرضُ الموصوفة بالطِّيبِ، وطيبها زكاء تربتها وملاءمتها لإخراج النّبات الصّالح وللزّرع والغرس النّافع وهي الأرض النّقيّه. والذي خبث ضدّ الطَّيب. وقوله: {بإذن ربه} في موضع الحال من {نباته} والإذن: الأمر، والمراد به أمر العناية به كقوله: {أية : لِمَا خلقتُ بيَدَيّ}تفسير : [ص: 75] ليدلّ على تشريف ذلك النّبات، فهو في معنى الوصف بالزّكاء، والمعنى: البلد الطَّيب يخرج نباته طيّباً زكياً مثلَه، وقد أشار إلى طيب نباته بأنّ خروجه بإذن ربّه، فأريد بهذا الإذن إذنٌ خاص هو إذن عناية وتكريم، وليس المراد إذن التّقدير والتّكوين فإنّ ذلك إذن معروف لا يتعلّق الغرض ببَيانه في مثل هذا المقام. {والذي خبث} حملهُ جميع المفسّرين على أنّه وصف للبلد، أي البلد الذي خبث وهو مقابل البلد الطّيب، وفسّروه بالأرض التي لا تنبت إلاّ نباتاً لا ينفع، ولا يسرع إنباتها، مثل السّباخ، وحملوا ضمير يَخْرج على أنّه عائد للنّبات، وجعلوا تقدير الكلام: والذي خبث لا (يخرج) نباتُه إلاّ نَكِداً، فحُذف المضاف في التّقدير، وهو نبات، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير البلد الذي خبث، المستترُ في فعل يخرج. والذي يظهر لي: أن يكون {الذي} صادقاً على نبات الأرض، والمعنى: والنّبت الذي خبث لا يخرج إلاّ نَكِداً، ويكون في الكلام احتباك إذ لم يذكر وصف الطّيب بعد نبات البلد الطّيب، ولم تذكر الأرض الخبيثة قبل ذكر النّبات الخبيث، لدلالة كِلا الضدّين على الآخر. والتّقدير: والبلد الطّيب يخرج نباته طيّباً بإذْن ربّه، والنّبات الذي خبث يخرج نكداً من البلد الخبيث، وهذا صنع دقيق لا يهمل في الكلام البليغ. وقرأ الجميع {لا يَخْرُج} ــــ بفتح التّحتيّة وضمّ الراء ــــ إلاّ ابنَ وردان عن أبي جعفر قرأ بضمّ التّحتيّة وكسر الرّاء ــــ على خلاف المشهور عنه، وقيل إنّ نسبة هذا لابن وردان توهم. والنّكد وصف من النكَد ــــ بفتح الكاف وهو مصدر نَكِدَ الشّيءُ إذا كان غير صالح يَجُرّ على مستعمله شراً. وقرأ أبو جعفر {إلا نكداً}، بفتح الكاف. وفي تفصيل معنى الآية جاء الحديث الصّحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حديث : مثَلُ ما بَعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقِيَّةٌ قبِلَتْ الماءَ فأنبتت الكلأ والعُشْب الكثيرَ، وكانت منها أجَادِبُ أمسكت الماء فنفع بها الله النّاسَ فشربوا وسَقَوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنّما هي قِيعَانٌ لا تُمْسك ماء ولا تنبتُ كَلأ فذلك مثَل مَن فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني اللَّهُ به فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، ومَثَل من لم يَرْفَعْ لِذلك رأساً ولم يَقْبَل هُدَى اللَّهِ الذي أُرْسِلْتُ به»تفسير : . والإشارة بقوله: {كذلك نصرف الأيات} إلى تفنّن الاستدلال بالدّلائل الدّالة على عظيم القدرة المقتضية الوحدانيّة، والدّالة أيضاً على وقوع البعث بعد الموت، والدّالة على اختلاف قابليّة النّاس للهدى والانتفاع به بالاستدلال الواضححِ البيّن المقِرّب في جميع ذلك، فذلك تصريف أي تنويع وتفنين للآيات أي الدّلائل. والمراد بالقوم الذين يشكرون: المؤمنون: تنبيهاً على أنّهم مورد التّمثيل بالبلد الطّيب، وأنّ غيرهم مورد التّمثيل بالبلد الخبيث، وهذا كقوله تعالى: {أية : وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إلاّ العالِمُون}تفسير : [العنكبوت: 43].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآيَاتِ} (58) - والأرضُ مِنْهَا الطَّيِّبَةُ الكَرِيمَةُ، وَمِنْهَا الخَبِيثَةُ كَالسِّباخِ وَغَيْرِهَا، فَالأَرْضُ الطَّيِّبَةُ يَخْرُجُ نَبَاتُها بِسُهُولَةٍ حَسَناً، وَالأَرْضُ الخَبِيثَةُ لاَ يَخْرُجُ نَبَاتُها إلاَّ بِصُعُوبَةٍ وَعُسْرٍ (نَكِداً)، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ البَرِّ وَالكَافِرِ الفَاجِرِ. وَهَكَذا يَضْرِبُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَيُبَيَّنُ لَهُم الآيَاتِ (يُصَرِّفُ) لَعَلَّ المُؤْمِنينَ يَشْكُرُونَ رَبَّهُمْ عَلَى مَا هَدَاهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ. النَّكِدُ - هُوَ العَسِيرُ المُمْتَنِعُ مِنْ إِعْطَاءِ الخَيْرِ بُخْلاً، أَوْ هُوَ القَلِيلُ الذِي لاَ خَيْرَ فِيهِ. نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُها بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ لِيَعِيَهَا النَّاسُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن الآية السابقة عالجت قضية البعث بضرب المثل بالآية الكونية الموجودة؛ فالرياح التي تحمل السحاب، والسحاب يساق إلى بلد ميت وينزل منه الماء فيخرج به الزرع. والأرض كانت ميتة ويحييها الله بالمطر وهكذا الإِخراج بالبعث وهذه قضية دينية، ويأتي في هذه الآية بقضية دينية أيضا: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}. والبلد الطيب هو البلد الخصب الذي لا يحتاج إلا لى المياه فيخرج منه الزرع، أما الذي خبث، فمهما نزل عليه الماء فلن يخرج نباته إلاّ بعد عناء ومشقة وهو مع ذلك قليل وعديم النفع. وهنا يخدم الحق قضية دينية مثلما خدم القضية الدينية في البعث أولاً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة؛ قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل فقه في دين الله تعالى، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به ". تفسير : إذن فالمنهج ينزل إلى الناس وهم ثلاثة أقسام؛ قسم يسمع فينفع نفسه وينقل ما عنده إلى الغير فينفع غيره مثل الأرض الخصبة شربت الماء وقبلته، وأنبتت الزرع، وقسم يحملون المنهج ويبلغونه للناس ولا يعملون به وينطبق عليهم قوله الحق: {أية : ...لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2] صحيح سينتفع الناس من المنهج، ولذلك قال الشاعر: شعر : خذ بعلمي ولا تركن إلى عملي واجن الثمار وخل العود للنار تفسير : ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ". تفسير : فستر المؤمن على المؤمن مطلوب وستر المؤمن على العالم آكد وأشدّ طلبا؛ لأن العالم غير معصوم وله فلتات، وساعة ترى زلته وسقطته لا تُذِعْها لأن الناس سينتفعون بعلمه. فلا تشككهم فيه، والقسم الثالث هو من لا يشرب الماء ولا يسقيه لغيره أي الذي لا ينتفع هو، ولا ينفع غيره. {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] إذن منهج الله مثله مثل المطر تماماً؛ فالمطر ينزل على الأرض ليرويها وتخرج النبات وهناك أرض أخرى لا تنتفع منه ولكنها تمسكه فينتفع غيره، وهناك من لا ينتفع ولا ينفع، فكذلك العلم الذي ينزله الله على لسان رسوله. { وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ}. قلنا من قبل: إن الآيات تطلق على معانٍ ثلاثة: الآيات الكونية التي نراها واقعة في الكون مثل قوله الحق: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ...} تفسير : [فصلت: 37] وآيات هي آيات القرآن، والآيات التي تكون هي المعجزات للأنبياء. {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} [الأعراف: 58] الآيات هنا في الكونية كالماء الذي ينزل، إنه مثل المنهج، من أخذ به فاز ونجا، ومن تركه وغوى وكل آيات الله تقتضي أن نشكر الله عليها ويقول الحق بعد ذلك: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ} {وَٱلَّذِي خَبُثَ} [الآية: 58] كل ذلك من الأَرض السباخ، وغيرها مثل بني آدم منهم الخبيث والطيب. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [الآية: 64]. قال: يعني عمين عن الحق. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} [الآية: 77]. قال غلوا في الباطل.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} معناهُ إَلا قَليلاً عَسراً في شِدةٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 910- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}: [الآية: 58]، قال: هذا مثل ضربه الله في المؤمن والكافر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):