٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة، وبينات قاهرة، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام، وفيه فوائد: أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قَبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم محمد عليه الصلاة والسلام بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت. فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك على قلبه. وثانيها: أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المحقين ويكسر قلوب المبطلين. وثالثها: التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه. ورابعها: بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه عليه السلام كان أمياً وما طالع كتاباً ولا تلمذ أستاذاً، فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله، وذلك يدل على صحة نبوته. ولقائل أن يقول: الأخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز، لاحتمال أن يقال إن إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها إليه، أما الأخبار عن الغيوب المستقبلة فإنه معجز لأن علم الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى. واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام، وقد سبق ذكرها. والقصة الثانية: قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَآ } جواب قسم محذوف. فإن قالوا: ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد، وذكر هذه اللام بدون قد نادر كقوله:شعر : حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا تفسير : قلنا: إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم. المسألة الثانية: قرأ الكسائي {غَيْرُهُ } بكسر الراء على أنه نعت للإله على اللفظ والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع لأن تقدير الكلام ما لكم إله غيره، وقال أبو علي: وجه من قرأ بالرفع قوله: {أية : وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 62] فكما أن قوله: {إِلاَّ ٱللَّهُ } بدل من قوله: {مَّا مِن إِلَـهٍ } كذلك قوله: {غَيْرُهُ } يكون بدلاً من قوله: {مِنْ إِلَـهٍ } فيكون (غَيْرِ) رفعاً بالاستثناء، وقال صاحب الكشاف: قرىء (غَيْرِ) الحركات الثلاث، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم، قال وأما النصب فعلى الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زيداً وغير زيد. المسألة الثالثة: قال الواحديُّ: في الكلام حذف، وهو خبر {مَا } لأنك إذا جعلت {غَيْرُهُ } صفة لقوله: {إِلَـهٍ } لم يبق لهذا المنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف، لأنك إذا قلت زيد العاقل وسكت، لم يفد ما لم تذكر خبره. ويكون التقدير ما لكم من إله غيره في الوجود، أقول: اتفق النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لا بد فيه من إضمار، والتقدير: لا إله في الوجود أو لا إله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة، فإنا نقول لم لا يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة؟ وعلى هذه الماهية، فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله، وإذا حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه. فإن قالوا: صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها، فلا يمكن أن يقال لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية، وإنما الممكن أن يقال إن تلك الحقائق غير موجودة ولا حاصلة، وحينئذ يجب إضمار الخبر. فنقول: هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها، وذلك باطل قطعاً. إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن الوجود أيضاً حقيقة من الحقائق وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات؟ فإن قالوا: إذا قلنا لا رجل، وعنينا به نفي كونه موجوداً، فهذا النفي لم ينصرف إلى ماهية الوجود، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة بالوجود. فنقول: تلك الموصوفية يستحيل أن تكون أمراً زائداً على الماهية وعلى الوجود، إذ لو كانت الموصوفية ماهية، والوجود ماهية أخرى، لكانت تلك الماهية موصوفة أيضاً بالوجود، والكلام فيه كما فيما قبله، فيلزم التسلسل، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجوداً واحداً، بل موجودات غير متناهية وهو محال. ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن يكون أمراً مغايراً للماهية والوجود، وإما أن لا يكون كذلك. فإن لم يكن أمراً مغايراً لها فحينئذ يكون لذلك المغاير ماهية ووجود، وماهيته لا تقبل الارتفاع، وحينئذ يعود السؤال المذكور. فثبت بما ذكرنا أن الماهية أن لم تقبل النفي والرفع، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات، فإن كانت الماهية قابلة للنفي والرفع، فحينئذ يمكن صرف كلمة «لا» في قولنا لا إله إلا الله إلى هذه الحقيقة، وحينئذ لا يحتاج إلى التزام الحذف والإضمار الذي يذكره النحويون، فهذا كلام عقلي صرف، وقع في هذا البحث الذي ذكره النحويون. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا } فيه قولان: قال ابن عباس: بعثنا. وقال آخرون: معنى الإرسال أنه تعالى حمله رسالة يؤديها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث، فيكون البعث كالتابع لا أنه الأصل، وهذا البحث بناء على مسألة أصولية، وهي أنه هل من شرط إرسال الرسول إلى قوم، أن يعرفهم على لسانه أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أوليس ذلك بشرط؟ بل يكون الغرض من بعثة الرسل مجرد تأكيد ما في العقول، وهذا الخلاف إنما يليق بتفاريع المعتزلة، ولا يليق بتفاريع مذاهبنا وأصولنا. المسألة الخامسة: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى حكى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء: أحدها: أنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى. والثاني: أنه حكم أن لا إله غيرُ الله، والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد. ثم قال عقيبه: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ولا شكَّ أن المراد منه إما عذاب يوم القيامة، وعلى هذا التقدير: فهو قد خوفهم بيوم القيامة، وهذا هو الدعوى الثالثة، أو عذاب يوم الطوفان، وعلى هذا التقدير: فقد ادعى الوحي والنبوة من عند الله، والحاصل أنه تعالى حكى عنه أنه ذكر هذه الدعاوى الثلاثة، ولم يذكر على صحة واحد منها دليلاً ولا حجة، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل التقليد، فهذا باطل، لما أن القول بالتقليد باطل. وأيضاً فالله تعالى قد ملأ القرآن من ذم التقليد، فكيف يليق بالرسول المعصوم الدعوة إلى التقليد؟ وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدليل، فهذا الدليل غير مذكور. واعلم أنه تعالى ذكر في أول سورة البقرة دلائل التوحيد والنبوة، وصحة المعاد، وذلك تنبيه منه تعالى على أن أحداً من الأنبياء لا يدعو أحداً إلى هذه الأصول إلا بذكر الحجة والدليل. أقصى ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما كانت معلومة لم يكن إلى ذكرها حاجة في هذا المقام، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا السبب. الفائدة الثانية: أنه عليه السلام ذكر أولاً قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وثانياً قوله: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } والثاني كالعلة للأول، لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً من الله، ونهاية الإنعام توجب نهاية التعظيم، فإنما وجبت عبادة الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله، ويتفرع على هذا البحث مسألة وهي: أنا قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم أن المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا هو هذا أم ذاك؟ وإذا جهلنا ذلك فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا. وحينئذ لا يحسن عبادته، فعلى هذا القول كان العلم بالتوحيد شرطاً للعلم بحسن العبادة. الفائدة الثالثة: في هذه الآية أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه الإله هو الذي يستحق العبادة لأن قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } إثبات ونفي، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام، فكان المعنى أعبدوا الله ما لكم من معبود غيره، حتى يتطابق النفي والإثبات، ثم ثبت بالدليل أن الإله ليس هو المعبود وإلا لوجب كون الأصنام آلهة، وأن لا يكون الإله إلهاً في الأزل لأجل أنه في الأزل غير معبود، فوجب حمل لفظ الإله على أنه المستحق للعبادة. واعلم أنهم اختلفوا في معنى قوله: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } هل هو اليقين، أو الخوف بمعنى الظن والشك. قال قوم: المراد منه الجزم واليقين، لأنه كان جازماً بأن العذاب ينزل بهم إما في الدنيا وإما في الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين. وقال آخرون: بل المراد منه الشك وتقريره من وجوه: الأول: إنه إنما قال: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } لأنه جوز أن يؤمنوا كما جوز أن يستمروا على كفرهم، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعاً بنزول العذاب، فوجب أن يذكره بلفظ الخوف. والثاني: أن حصول العقاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا بالسمع ولعل الله تعالى ما بين له كيفية هذه المسألة فلا جرم بقي متوقفاً مجوزاً أنه تعالى هل يعاقبهم على ذلك الكفر أم لا؟ والثالث: يحتمل أن يكون المراد من الخوف الحذر كما قال في الملائكة: {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ } تفسير : [النحل: 50] أي يحذرون المعاصي خوفاً من العقاب. الرابع: إنه بتقدير أن يكون قاطعاً بنزول أصل العذاب لكنه ما كان عارفاً بمقدار ذلك العذاب، وهو أنه عظيم جداً أو متوسط، فكان هذا الشك راجعاً إلى وصف العقاب، وهو كونه عظيماً أم لا، لا في أصل حصوله. ثم إنه تعالى حكى ما ذكره في قومه، فقال: {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وقال المفسرون: {ٱلْمَلأُ } الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء، والدليل عليه أن قوله {مِن قَوْمِهِ } يقتضي أن ذلك الملأ بعض قومه، وذلك البعض لا بد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف، وذلك بأن يكونوا هم الذين يملؤن صدور المجالس، وتمتلىء القلوب من هيبتهم، وتمتلىء الأبصار من رؤيتهم، وتتوجه العيون في المحافل إليهم، وهذه الصفات لا تحصل إلا في الرؤساء، وذلك يدل على أن المراد من الملأ الرؤساء والأكابر. وقوله: {إِنَّا لَنَرَاكَ } هذه الرؤية لا بد وأن تكون بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والرؤية. وقوله: {فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي في خطأ ظاهر وضلال بين، ولا بد وأن يكون مرادهم نسبة نوح إلى الضلال في المسائل الأربع التي بينا أن نوحاً عليه السلام ذكرها، وهي التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد، ولما ذكروا هذا الكلام. أجاب نوح عليه السلام بقوله: {يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ }. فإن قالوا: إن القوم قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }. فجوابه أن يقال: ليس بي ضلال، فلم ترك هذا الكلام، وقال: ليس بي ضلالة؟ قلت: لأن قوله: {لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ } أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة، فكان هذا أبلغ في عموم السلب، ثم إنه عليه السلام لما نفى عن نفسه العيب الذي وصفوه به، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها، وهو كونه رسولاً إلى الخلق من رب العالمين. ذكر ما هو المقصود من الرسالة، وهو أمران: الأول: تبليغ الرسالة. والثاني: تقرير النصيحة. فقال: {أُبَلِغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبّى وَأَنصَحُ لَكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو {أُبَلّغُكُمْ } بالتخفيف، من أبلغ، والباقون بالتشديد. قال الواحدي: وكلا الوجهين جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ } تفسير : [هود: 57] والتشديد {أية : فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ }تفسير : [المائدة: 67]. المسألة الثانية: الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه: أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه، وأما النصيحة: فهو أنه يرغبه في الطاعة، ويحذره عن المعصية، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه، وقوله: {رِسَـٰلـٰتِ رَبّى } يدل على أنه تعالى حمله أنواعاً كثيرة من الرسالة. وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا، وقوله: {وَأَنصَحُ لَكُمْ } قال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نصحتك، إنما تقول: نصحت لك، ويجوز أيضاً نصحتك. قال النابغة:شعر : نصحت بني عوف فلم يتقبلوا رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي تفسير : وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى: أني أبلغ إليكم تكاليف الله، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح، وأدعوكم إلى ما دعاني، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي. ثم قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه وجوه: الأول: واعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان. الثاني: واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقاباً شديداً خارجاً عما تتصوره عقولكم. الثالث: يجوز أن يكون المراد: واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام: حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} لما بيّن أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار. واللام في «لقد» للتأكيد المنبِّه على القسم. والفاء دالة على أن الثاني بعد الأوّل. {يَاقَوْمِ} نداء مضاف. ويجوز «يا قومي» على الأصل. ونوح أوّل الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات. قال النحاس: وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح؛ وقد تقدّم في «آل عمران» هذا المعنى وغيره فأغنى عن إعادته. قال ابن العربيّ: ومن قال إن إدْرِيسَ كان قبله من المؤرّخينَ فقد وَهِم. والدليل على صحة وهمِه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس فقال له آدم: «مرحباً بالنبيّ الصالح والابن الصالح». وقال له إدْريسٌ: «مَرْحَباً بالنبيّ الصالح والأخ الصالح». فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحباً بالنبيّ الصالح والابن الصالح. فلما قال له والأخ الصالح دَلّ ذلك على أنه يجتمع معه في نوح، صلوات الله عليهم أجمعين. ولا كلام لمنصف بعد هذا. قال القاضي عِياض: وجاء جواب الآباء ها هنا كنوح وإبراهيم وآدم «مرحباً بالابن الصالح». وقال عن إدريس «بالأخ الصالح» كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيـى ممن ليس بِأب بٱتفاق للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال المازِريّ: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جدّ نوح عليهما السلام. فإن قام الدليل على أنّ إدريس بُعِثَ أيضاً لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح؛ لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحاً أوّل رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوا: وصح أن يحمل أن إدريس كان نبياً غير مرسل. قال القاضي عِياض: قد يجمع بين هذا بأن يقال: اختص بعث نوح لأهل الأرض ـ كما قال في الحديث ـ كافَّة كنبينا عليه السلام. ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم. وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ }تفسير : [الصافات: 123 و124]. وقد قيل: إن إلياس هو إدريس. وقد قرىء «سلام على إِدْرَاسِين». قال القاضي عياض: وقد رأيت أبا الحسن بن بَطّال ذهب إلى أن آدم ليس برسول؛ ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذَرٍّ الطويل: يدل على أن آدم وإدريس رسولان. قال ابن عطية: ويجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان؛ فالمراد أنه أوّل نبيّ بُعث على هذه الصفة. والله أعلم. وروي عن ابن عباس أن نوحاً عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة. قال الكلبيّ: بعد آدم بثمانمائة سنة. وقال ابن عباس: وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً؛ كما أخبر التنزيل. ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثُر الناس وفَشَوْا. وقال وهب: بعث نوح وهو ابن خمسين سنة. وقال عَوْن بن شدّاد: بعث نوح وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة. وفي كثير من كتب الحديث: الترمذيّ وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام. وذكر النقّاشُ عن سليمان بن أَرْقَم عن الزهريّ: أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سَامِ بن نوح. والسند والهند والزّنج والحبشة والزُّطّ والنُّوبة، وكلُّ جلد أسود من ولد حَامِ بن نوح. والترك وبَرْبَر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يَافِثَ بن نوح. والخلق كلهم ذرية نوح. قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} برفع «غَيْرُهُ» قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة. أي ما لكم إله غيره. نعت على الموضع. وقيل: «غير» بمعنى إلا؛ أي ما لكم من إله إلا الله. قال أبو عمرو: ما أعرف الجر ولا النصب. وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع. ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير؛ غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب «غير» في كل موضع يحسن فيه «إلاّ» تَمَّ الكلام أو لم يتم. فأجازا: ما جاءني غيرك. قال الفراء: هي لغة بعض بني أُسْد وقُضَاعَة. وأنشد:شعر : لم يَمْنَع الشُّرْبَ منها غيَر أن هتفَتْ حمامةٌ في سَحُوق ذاتِ أوْقَال تفسير : قال الكسائيّ: ولا يجوز جاءني غيرك، في الإيجاب؛ لأن إلا لا تقع ها هنا. قال النحاس: لا يجوز عند البصريين نصب «غير» إذا لم يتم الكلام. وذلك عندهم من أقبح اللحن.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة، وما يتعلق بذلك، وما يتصل به، وفرغ منه، شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام، الأول فالأول، فابتدأ بذكر نوح عليه السلام؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام، وهو نوح بن لامك بن متوشلح بن أخنوخ، وهو إدريس النبي عليه السلام فيما يزعمون، وهو أول من خط بالقلم، ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم عليهم السلام، هكذا نسبه محمد بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب. قال محمد بن إسحاق: ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح، إلا نبي قتل. وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه. وقد كان بين آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام. قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوماً صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صورة أولئك فيها؛ ليتذكروا حالهم وعبادتهم، فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان، جعلوا أجساداً على تلك الصور، فلما تمادى الزمان، عبدوا تلك الأصنام، وسموها بأسماء أولئك الصالحين: وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، فلما تفاقم الأمر، بعث الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة رسوله نوحاً، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له فقال: {يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ} أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا، وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة؛ كقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَآلُّونَ} تفسير : [المطففين: 32] { أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } تفسير : [الأحقاف: 11] إلى غير ذلك من الآيات { قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: ما أنا ضال، ولكن أنا رسول من رب العالمين، رب كل شيء ومليكه { أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغاً فصيحاً ناصحاً عالماً بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات؛ كما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعاً: «حديث : أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» تفسير : قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم، ويقول: «حديث : اللهم اشهد، اللهم اشهد».
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَقَدْ } جواب قسم محذوف {أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ } بالجرّ صفة لـ(إِلـٰه)، والرفع بدل من محله {إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } إن عبدتم غيره {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هو يوم القيامة.
الشوكاني
.تفسير : لما بيّـن سبحانه كمال قدرته، وبديع صنعته في الآيات السابقة، ذكر هنا أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار ووعيدهم، لتنبيه هذه الأمة على الصواب، وأن لا يقتدوا بمن خالف الحق من الأمم السالفة. واللام جواب قسم محذوف. وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم. وقد تقدّم ذكر نوح في آل عمران، فأغني عن الإعادة هنا. وما قيل من أن إدريس قبل نوح، فقال ابن العربي: إنه وهم. قال المازري: فإن صح ما ذكره المؤرخون كان محمولاً على أن إدريس كان نبياً غير مرسل. وجملة: {فقال يا قوم اعبدوا الله} استئنافية جواب سؤال مقدر. قوله: {ما لكم من إلٰه غيره} هذه الجملة في حكم العلة، لقوله: {اعبدوا} أي اعبدوه، لأنه لم يكن لكم إلٰه غيره، حتى يستحق منكم أن يكون معبوداً. قرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، وابن كثير، وابن عامر برفع {غيره} على أنه نعت لإلٰه على الموضع. وقرأ الكسائي بالخفض في جميع القرآن، على أنه نعت على اللفظ. وأجاز الفراء والكسائي النصب على الاستثناء. يعني ما لكم من إلٰه إلا إياه. وقال أبو عمرو: ما أعرف الجرّ ولا النصب. ويردّه أن بعض بني أسد ينصبون «غير» في جميع الأحوال، ومنه قول الشاعر:شعر : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال تفسير : وجملة: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} جملة متضمنة لتعليل الأمر بالعبادة، أي إن لم تعبدوه، فإني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، أو عذاب يوم الطوفان. قوله: {قال الملأ من قومه} جملة استئنافية جواب سؤال مقدّر. والملأ أشراف القوم ورؤساؤهم. وقيل: هم الرجال، وقد تقدّم بيانه في البقرة. والضلال: العدول عن طريق الحق والذهاب عنه، أي إنا لنراك في دعائك إلى عبادة الله وحده في ضلال عن طريق الحق. وجملة {قال يا قوم} استئنافية أيضاً، جواب سؤال مقدّر. {ليس بي ضلالة} كما تزعمون {ولكني رسول من رب العالمين} أرسلني إليكم لسوق الخير إليكم، ودفع الشرّ عنكم، نفي عن نفسه الضلالة، وأثبت لها ما هو أعلى منصباً وأشرف رفعة، وهو أنه رسول الله إليهم. وجملة {أبلغكم رسالات ربي} في محل رفع، على أنها صفة لرسول، أو هي مستأنفة مبينة لحال الرسول. والرسالات: ما أرسله الله به إليهم مما أوحاه إليه {وأنصح لكم} عطف على {أبلغكم} يقال: نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام دلالة على المبالغة في إمحاض النصح. قال الأصمعي: الناصح: الخالص من الغلّ، وكل شيء خلص فقد نصح، فمعنى أنصح هنا: أخلص النية لكم عن شوائب الفساد، والاسم النصيحة. وجملة: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} معطوفة على الجملة التي قبلها، مقررة لرسالته، ومبينة لمزيد علمه، وأنه يختص بعلم الأشياء التي لا يعلمونها بإخبار الله له بذلك. قوله: {أو عجبتم} فتحت الواو لكونها العاطفة، ودخلت عليها همزة الاستفهام للإنكار عليهم. والمعطوف عليه مقدّر، كأنه قيل: استبعدتم وعجبتم، أو أكذبتم وعجبتم، أو أنكرتم وعجبتم {أن جاءكم ذكر من ربكم} أي وحي وموعظة {على رجل منكم} أي على لسان رجل منكم تعرفونه. ولم يكن ذلك على لسان من لا تعرفونه، أو لا تعرفون لغته. وقيل "على" بمعنى "مع": أي مع رجل منكم لأجل ينذركم به. {ولتتقوا} ما يخالفه {ولعلكم ترحمون} بسبب ما يفيده الإنذار لكم، والتقوى منكم من التعرّض لرحمة الله سبحانه لكم ورضوانه عنكم. {فكذبوه} أي فبعد ذلك كذبوه، ولم يعملوا بما جاء به من الإنذار {فأنجيناه والذين معه} من المؤمنين به المستقرّين معه {في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} واستمرّوا على ذلك، ولم يرجعوا إلى التوبة. وجملة {إنهم كانوا قوماً عمين} علة لقوله: {وأغرقنا} أي أغرقنا المكذبين، لكونهم عمي القلوب، لا تنجع فيهم الموعظة، ولا يفيدهم التذكير. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أول نبيّ أرسل نوح»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن يزيد الرقاشي قال: إنما سمي نوح عليه السلام نوحاً لطول ما ناح على نفسه. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال: الملأ يعني الأشراف من قومه. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ {أن جاءكم ذكر من ربكم} يقول: بيان من ربكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إنهم كانوا قوماً عمين} قال: كفاراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد {إنهم كانوا قوماً عمين} قال: عن الحق.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} فيها قولان: أحدهما: القوة، قاله ابن زيد. والثاني: بسط البدن وطول الجسد، قيل: إنه كان أقصرهم طولاً اثني عشر ذراعاً. {فَاذْكُرُوا ءَالآءَ اللَّهِ} معناه نعم الله، وقال الشاعر: شعر : أَبْيَضُ لاَ يَرْهَبُ الهزَالَ وَلاَ يَقْطَعُ رَحِمَاً وَلاَ يَخُونُ إِلَى
ابن عطية
تفسير : اللام لام القسم، قال الطبري أقسم الله تعالى أنه أرسل نوحاً، وقالت فرقة من المفسرين: سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، قال سيبويه: نوح ولوط وهود أسماء أعجمية إلا أنها حقيقة فلذلك صرفت، وهذه نذارة من نوح لقومه دعاهم إلى عبادة الله وحده ورفض آلهتهم المسماة وداً وسواعاً ويغوث ويعوق وغيرها مما لم يشتهر، وقرأ الكسائي وحده "غيرِه" بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي "هل من خالق غير الله" خفضاً، وقرأ الباقون: "غيرُ الله" رفعاً والرفع في قراءة الجماعة هنا على البدل من قوله {من إله} لأن موضع قوله {من إله} رفع، وهو الذي رجح الفارسي، ويجوز أن يكون نعتاً على الموضع لأن التقرير ما لكم إله غيره، أو يقدر "غير" بـ "إلا" فيعرب بإعراب ما يقع بعد "إلا"، وقرأ عيسى بن عمر "غيرَه" بنصب الراء على الاستثناء، قال أبو حاتم: وذلك ضعيف من أجل النفي المتقدم، وقوله {عذاب} يحتمل أن يريد عذاب الدنيا ويحتمل أن يريد به عذاب الآخرة. و {الملأ} الجماعة الشريفة، قال الطبري: لا امرأة فيهم، وحكاه النقاش عن ثعلب في الملأ والرهط والنفر والقوم، وقيل هم مأخوذون من أنهم يملؤون النفس والعين، ويحتمل أن يكون من أنهم إذا تمالؤوا على أمر تم، وقال سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري عند قفول رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر إنما قتلنا عجائز صلعاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أولئك الملأ من قريش لو حضرت أفعالهم لاحتقرت فعلك" تفسير : والملأ صفة غالبة وجمعه أملاء وليس من باب رهط وإن كانا اسمين للجمع لأن رهط لا واحد له من لفظه، و "ملأ" يوجد من لفظه مالىء قال أحمد بن يحيى: المالىء الرجل الجليل الذي يملأ العين بجهرته فيجيء كعازب وخادم ورائح فإن أسماء جموعها عرب وخدم وروح، وإن كان اللفظة من تمالأ القوم على كذا فهي مفارقة باب رهط ومنه قول علي رضي الله عنه: ما قتلت عثمان ولا مالأت في دمه، وقال ابن عباس "الملؤ" بواو وكذلك هي في مصاحف الشام، وقولهم لنراك يحتمل أن يجعل من رؤية البصر، ويحتمل من رؤية القلب وهو الأظهر و {في ضلال} أي في إتلاف وجهالة بما نسلك. وقوله لهم جواباً عن هذا {ليس بي ضلالة} مبالغة في حسن الأدب والإعراض عن الجفاء منهم وتناول رفيق وسعة صدر حسبما يقتضيه خلق النبوة، وقوله: {ولكني رسول} تعرض لمن يريد النظر والبحث والتأمل في المعجزة. قال القاضي أبو محمد: ونقدر ولا بد أن نوحاً عليه السلام وكل نبي مبعوث إلى الخلق كانت له معجزة تخرق العادة فمنهم من عرفنا بمعجزته ومنهم من لم نعرف. وقرأ السبعة سوى أبي عمرو "أبَلّغكم" بشد اللام وفتح الباء، بسكون الباء وتخفيف اللام، وقوله صلى الله عليه وسلم {وأعلم من الله ما لا تعلمون} وإن كان لفظاً عاماً في كل ما علمه فالمقصود منه هنا المعلومات المخوفات عليهم لا سيما وهم لم يسمعوا قط بأمة عذبت فاللفظ مضمن الوعيد.
النسفي
تفسير : {لقد أرسلنا} جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا {نوحاً إلىٰ قومه} أرسل وهو ابن خمسين سنة وكان نجاراً، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو اسم إدريس عليه السلام {فقال ياقوم اعبدوا اللّه ما لكم مّن إلٰهٍ غيره} {غيره} علي. فالرفع على المحل كأنه قيل: ما لكم إله غيره فلا تعبدوا معه غيره، والجر على اللفظ {إنّىٰ أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ} يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان. {قال الملأ} أي الأشراف والسادة {من قومه إنّا لنراك في ضلالٍ مّبينٍ} أي بين في ذهاب عن طريق الصواب، والرؤية رؤية القلب {قال يا قوم ليس بي ضلالةٌ} ولم يقل ضلال كما قالوا لأن الضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كأنه قال: ليس بي شيء من الضلال. ثم استدرك لتأكيد نفي الضلالة فقال {ولكنّي رسولٌ مّن رّبّ العالمين} لأن كونه رسولاً من الله مبلغاً لرسالاته في معنى كونه على الصراط المستقيم فكان في الغاية القصوى من الهدى {أبلّغكم رسالٰت ربّي} ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والبشائر والنظائر. {أبلغكم} أبو عمرو. وهو كلام مستأنف بيان لكونه رسول رب العالمين {وأنصح لكم} وأقصد صلاحكم بإخلاص. يقال نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة. وحقيقة النصح إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك أو النهاية في صدق العناية {وأعلم من اللّه ما لا تعلمون} أي من صفاته يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين {أو عجبتم} الهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم {أن جآءكم} من أن جاءكم {ذكرٌ} موعظة {مّن رّبّكم علىٰ رجلٍ مّنكم} على لسان رجل منكم أي من جنسكم، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ويقولون{أية : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : يعنون إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة {لينذركم} ليحذركم عاقبة الكفر {ولتتّقوا} ولتوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار {ولعلّكم ترحمون} ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم {فكذّبوه} فنسبوه إلى الكذب {فأنجيناه والّذين معه} وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة وقيل تسعة: بنوه سام وحام ويافث، وستة ممن آمن به {في الفلك} يتعلق بمعه كأنه قيل: والذين صحبوه في الفلك {وأغرقنا الّذين كذّبوا بأياتنا إنّهم كانوا قوماً عمين} عن الحق. يقال أعمى في البصر وعمٍ في البصيرة. {وإلىٰ عادٍ} وأرسلنا إلى عاد وهو عطف على {نوحا} {أخاهم} واحداً منهم من قولك «يا أخا العرب» للواحد منهم. وإنما جعل واحداً منهم لأنهم عن رجل منهم أفهم فكانت الحجة عليهم ألزم {هوداً} عطف بيان لـ {أخاهم} وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح {قال ياقوم اعبدوا اللّه ما لكم مّن إلٰهٍ غيره أفلا تتّقون} وإنما لم يقل {فقال} كما في قصة نوح عليه السلام لأنه على تقدير سؤال سائل قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: {قال يا قوم اعبدوا اللّه} وكذلك {قال الملأ الّذين كفروا من قومه} وإنما وصف الملأ بالذين كفروا دون الملأ من قوم نوح لأن في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح عليه السلام مؤمن {إنّا لنراك في سفاهةٍ} في خفة حلم وسخافة عقل حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر. وجعلت السفاهة ظرفاً مجازاً يعني أنه متمكن فيها غير منفك عنها {وإنّا لنظنّك من الكاذبين} في ادعائك الرسالة. {قال يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكنّي رسولٌ مّن رّبّ العالمين أبلّغكم رسالات ربّي وأنا لكم ناصحٌ} فيما أدعوكم إليه {أمينٌ} على ما أقول لكم. وإنما قال هنا {وأنا لكم ناصح أمين} لقولهم {وإنا لنظنك من الكاذبين} أي ليقابل الاسم الاسم، وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام من ينسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم، أدب حسن وخلق عظيم، وإخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم {أو عجبتم أن جآءكم ذكرٌ مّن رّبّكم علىٰ رجلٍ مّنكم لينذركم واذكروآ إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوحٍ} أي خلفتموهم في الأرض أو في مساكنهم. و «إذ» مفعول به وليس بظرف أي اذكروا وقت استخلافكم {وزادكم في الخلق بصطةً} طولاً وامتداداً فكان أقصرهم ستين ذراعاً وأطولهم مائة ذراع {بصطة}: حجازي وعاصم وعلي {فاذكروا ءالاء اللّه} في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه. وواحد الآلاء «إلى» نحو «إنى» و «آناء» {لعلّكم تفلحون}. ومعنى المجيء في {قالوا أجئتنا} أن يكون لهود عليه السلام مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم {لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ءابآؤنا} أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه حباً لما نشئوا عليه {فأتنا بما تعدنآ} من العذاب {إن كنت من الصّادقين} أن العذاب نازل بنا {قال قد وقع} أي قد نزل {عليكم} جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب إليك بعض المطالب «قد كان» {مّن رّبّكم رجسٌ} عذاب {وغضبٌ} سخط {أتجادلونني في أسمآء سمّيتموهآ} في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم تسمون الأصنام آلهة وهي خالية عن معنى الألوهية {أنتم وءابآؤكم مّا نزّل الله بها من سلطانٍ} حجة {فانتظروآ} نزول العذاب {إنّي معكم مّن المنتظرين} ذلك.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} اعلم أن الله تبارك وتعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته وغرائب خلقه وصنعته الدالة على توحيده وربوبيته وأقام الدلالة القاطعة على صحة البعث بعد الموت أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما جرى لهم مع أممهم وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن إعراض قومه فقط في قبول الحق بل قد أعرض عنه سائر الأمم الخالية والقرون الماضية وفيه تنبيه على أن عاقبة أولئك الذين كذبوا الرسل كانت إلى الخسار والهلاك في الدنيا وفي الآخرة إلى العذاب العظيم فمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم من قومه كانت عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبله من الأمم المكذبة وفي ذكر هذه القصص دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب ولم يلق أحداً من علماء زمانه فلما أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية مما لم ينكره عليه أحد علم بذلك أنه إنما أتى به من عند الله عز وجل وإنه أوحى إليه ذلك فكان دليلاً واضحاً وبرهاناً قاطعاً على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} لقد أرسلنا نوحاً جواب قسم محذوف تقديره والله لقد أرسلنا نوحاً وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس عليه الصلاة والسلام ويعني أرسلنا بعثنا وهو أول نبي بعثه الله تعالى بعد إدريس وكان نوح عليه الصلاة والسلام نجاراً. وقيل: معنى الإرسال أن الله تعالى حمله رسالة ليؤديها إلى قومه فعلى هذا التقدير فالرسالة تكون متضمنة للبعث أيضاً ويكون البعث كالتابع لا أنه أصل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بعثه الله وهو ابن أربعين سنة وقيل وهو ابن خمسين سنة وقيل وهو ابن مائتين وخمسين سنة وقيل هو ابن مائة سنة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: سمي نوحاً لكثرة نوحه على نفسه واختلفوا في سبب نوحه فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنان وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه أعبتني أم عبت الكلب؟ {فقال} يعني نوحاً لقومه {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} يعني اعبدوا الله تعالى فإنه هو الذي يستحق العبادة لا غيره فإنه ليس لكم إله معبود سواه فإنه هو الذي يستوجب أن يعبد {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} يعني إن لم تقبلوا ما آمركم به من عبادة الله تعالى واتباع أمره وطاعته واليوم الذي خافه عليهم وهو إما يوم الطوفان وإهلاكهم فيه أو يوم القيامة وإنما قال أخاف على الشك وإن كان على يقين من حلول العذاب بهم إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعلم وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم يتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة{قال الملأ} وهم الجماعة الأشراف {من قومه إنا لنراك} يعني يا نوح {في ضلال مبين} يعني في خطأ وزوال عن الحق بين {قال} يعني نوحاً {يا قوم ليس بي ضلالة} يعني ما بي ما تظنون من الضلال {ولكني رسول من رب العالمين} يعني: هو أرسلني إليكم لأنذركم وأخوفكم إن لم تؤمنوا به وهو قوله {أبلغكم رسالات ربي} يعني بتحذيري إياكم عقوبة على كفركم إن لم تؤمنوا به {وأنصح لكم} يقال نصحته ونصحت له كما يقال شكرته وشكرت له والنصح إرادة الخير لغيره كما يريده لنفسه وقيل النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح للغير وقيل حقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه والمعنى أنه قال أبلغكم جميع تكاليف الله وشرائعه وأرشدكم إلى الوجه الأصلح والأصوب لكم وأدعوكم إلى ما دعاني إليه وأحب لكم ما أحب لنفسي قال بعضهم والفرق بين إبلاغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة أن يعرفهم جميع أوامر الله تعالى ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله تعالى عليهم. وأما النصيحة فهو أن يرغّبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ويحذرهم عقابه إن عصوه {وأعلم من الله ما لا تعلمون} يعني أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان والغرق في الدنيا ويعذبكم في الآخرة عذاباً عظيماً وقيل أعلم أن مغفرة الله تعالى لمن تاب وعقوبته لمن أصر على الكفر وقيل: لعل الله أطلعه على سر من أسراره فقال وأعلم من الله ما لا تعلمون.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إله غيره} بالجر على الوصف حيث كان: يزيد وعلي الباقون بالرفع حملاً على محل {من إله} {إني أخاف} بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير {أبلغكم} بالتخفيف حيث كان: أبو عمرو. والباقون: بالتشديد. عباس: بالاختلاس {بصطة} بالصاد: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل وعاصم وعلي وسهل وشجاع وابن الأخزم عن ابن ذكوان الحلواني عن قالون مخيراً. الوقوف: {غيره} ط {عظيم} ه {مبين} ه {العالمين} ه {لا يعلمون} ه {ترحمون} ه {بآياتنا} ط {عمين} ه {هوداً} ط {غيره} ط {تتقون} ه {الكاذبين} ه {العالمين} ه {أمين} ه {لينذركم} ط لتناهى الاستفهام {بسطة} ج تنبيهاً على الإنعام العام بعد ذكر إنعام خاص مع اتفاق الجملتين {تفلحون} ه {آباؤنا} ج للعدول مع فاء التعقيب {الصادقين} ه {وغضب} ط {من سلطان} ج لانتهاء الاستفهام إلى أمر التهديد {المنتظرين} ه {مؤمنين} ه. التفسير: لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل قاهرة وبينات باهرة شرع في قصص الأنبياء وفي ذلك فوائد منها، التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل عادة معتادة فيكون فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها بيان سوء عاقبة المستكبرين وحسن عقبى المطيعين وفي ذلك تقوية قلوب المحقين وكسر قلوب المبطلين. ومنها التنبيه على أن الله سبحانه لا يهمل المبطلين وإن كان يمهلهم. ومنها العظة والاعتبار{أية : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}تفسير : [يوسف: 111] ومنها الدلالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث إنه إخبار بالغيب لأنه أمي لم يقرأ الكتب فيكون قد عرف ذلك بالوحي لا محالة. فمن القصص أولاها قصة آدم وقد مرت في أوّل السورة. الثانية قصة نوح وهو نوح بن لمك بن مثوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ اسم إدريس. قيل: كان اسمه يشكر فسمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه فأهلكوا فندم، أو حين راجع ربه في شأن ابنه، أو حين مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك. قال الله له: أعبتني إذ خلقته أم عبت الكلب؟ وهذه الوجوه متكلفة فإن الإعلام لا تفيد صفة في المسمى. والصحيح أنه اسم أعجمي. قال ابن عباس: معنى أرسلنا بعثنا. وقال آخرون: معناه أنه تعالى حمله رسالة يؤدّيها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث فيكون البعث كالتابع لا أنه أصل. قال في التفسير الكبير: وهذا البحث مبني على مسألة أصولية هي أن الرسول أرسل إلى قوم ليعرّفهم أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أو الغرض من بعثته مجرد تأكيد ما في العقول. وهذا الاختلاف بتفاريع المعتزلة أليق، أمرهم نوح بعبادة الله ثم حكم بأنه لا إله إلا الله ثم حذرهم عذاب يوم عظيم هو القيامة أو الطوفان، ولم يذكر دليلاً على هذه الدعاوى الثلاث لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهور المعجزة حجة، أو لعله قد ذكر الحجج وما حكاها الله تعالى لأنه قد علم من القرآن ذم التقليد في مواضع كثيرة فيعلم أن نبي الله لا يأمر قومه بالتقليد المحض، وأيضاً قد مر دلائل التوحيد والنبوّة وصحة القرآن من أول سورة البقرة إلى ههنا غير مرة، فوقع التعويل على ذلك هذا مع أن الحكم الثاني كالعلة للأوّل لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً منه، ونهاية الإنعام توجب غاية التعظيم ومن هنا قال بعض العلماء: لا يحسن منا عبادة الله تعالى قبل العلم بأنه واحد لأنا إذا جوّزنا التعدد لم يتعين المنعم فتقع العبادة ضائعة، والإله معناه المستحق للعبادة وإلا فهو في الأزل غير معبود. ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: الجزم واليقين فإنه كان جازماً بنزول العذاب بهم عاجلاً وآجلاً. وقال آخرون: الشك لأنه كان يجوّز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب، أو لعل السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفاً، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر على الجوار. ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب. وقيل: المراد من الخوف التحذير. وجملة قوله: {إني أخاف} بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام {فقال الملأ من قومه} أي الأشراف وصدور المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح {إنا لنراك في ضلال} في ذهاب عن طريق الحق. والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والبديهة. نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد والنبوّة والمعاد {قال يا قوم ليس بي ضلالة} لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال، ثم لما نفى عن نفسه العيب الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: {ولكني رسول من رب العالمين} وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم. وفي ذلك بيان فرط جهالتهم وعتوّهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده، وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز. ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: الأول تبليغ الرسالة، والثاني تقرير النصيحة فقال {أبلغكم} الآية. والجملة استئناف بيان لكونه رسولاً من رب العالمين، أو صفة لرسول. وإنما جاز أن تكون صفة ولفظ الرسول غائب نظراً إلى المعنى كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره {رسالات ربي} ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو ما أوحي إليّ في المعاني المختلفة في الأوامر والنواهي. وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا. ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة {وأنصح لكم} قال الفراء: العرب لا تكاد تقول نصحتك وإن كان جائزاً ولكن تقول نصحت لك. قال في الكشاف: وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة. وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر. ومعنى الآية: وأبلغكم تكاليف الله ثم أرشدكم إلى الأصلح الأصوب وأدعوكم إلى ما دعاني الله تعالى وأحب لكم ما أحب لنفسي {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان، وذلك أنهم لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم أو أعلم أن الله يعاقبكم في الآخرة عقاباً، أو أعلم من توحيد الله من صفات جلاله ما لا تعلمون، ويكون المقصود حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم. {أو عجبتم} الهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف والتقدير: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم. قال الحسن: يعني الوحي الذي جاءهم به. وقال آخرون: الذكر المعجز كتاباً أو غير كتاب. وقيل: هو الموعظة {على رجل} أي على لسانه قاله ابن قتيبة ونظيره{أية : آتنا ما وعدتنا على رسلك}تفسير : [آل عمران: 194] وقال الفراء "على" معنى "مع" تقول: جاءنا الخبر على وجهك ومع وجهك كلاهما جائز. وقيل: أي منزل على رجل. ومعنى {منكم} من بني نوعكم كأنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التكليف، وأن التكليف لا منفعة فيه للمعبود لتعاليه ولا للعابد لتضرره في الحال، وأما في المآل فالله تعالى قادر على تحصيلة بدون واسطة التكليف. وأيضاً إن العقل كافٍ في معرفة الحسن والقبيح، وما لا يعلم حسنه ولا قبحه فإن كان المكلف مضطراً إليه فعل لأنه تعالى لا يكلف ما لا يطاق، وإن لم يكن مضطراً إليه ترك حذراً عن الخطر وبتقدير أنه لا بد من الرسول فإن إرسال الملائكة أولى لشدة بطشهم ووفور عصمتهم وطهارتهم واستغنائهم عن الأكل والشرب والنكاح، وبتقدير جواز كون النبي من البشر فلعلهم اعتقدوا أن من كان فقيراً خاملاً لا يصلح للنبوّة فأنكر نوح عليه السلام كل هذه الأشياء لأنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عباده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء المنافي للتكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول ملكاً لأن الجنس إلى الجنس أسكن وقد مر في أوّل "الأنعام". ثم بين ما لأجله يبعث الرسول فقال {لينذركم} الآية. وإنه ترتيب أنيق لأن المقصود من البعثة الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز برحمة الله. قال الجبائي والكعبي: في الآية دلالة على أنه تعالى لم يرد من المبعوث إليهم إلا التقوى والفوز بالجنة دون الكفر والعذاب، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً {فكذبوه} في ادعاء النبوّة وتبليغ التكاليف وأصروا قال بعض العلماء: ما في حق العقلاء من التكذيب فبغير الباء نحو كذبوا رسلي وكذبوه، وما في حق غيرهم فبالباء نحو كذبوا بآياتنا. والتحقيق أن المراد كذبوا رسلنا برد آياتنا {فأنجيناه والذين} استقروا {معه في الفلك} وأنجيناهم في السفينة من الطوفان. قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة. وقيل: كانوا تسعة وهم بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به. وإنما قال في سورة يونس{أية : فنجيناه ومن معه في الفلك}تفسير : [الآية: 73] لأن التشديد للتكثير ولفظة من أدل على العموم ولهذا يقع على الواحد والتثنية والجمع والذكر والمؤنث بخلاف الذين {إنهم كانوا قوماً عمين} قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوّة والمعاد. وقال أهل اللغة: يقال رجل عمٍ في البصيرة وأعمى في البصر. فالعمى يدل على عمّى ثابت والعامي على عمّى حادث. القصة الثالثة قصة هود وذلك قوله سبحانه {وإلى عاد أخاهم هوداً} والتقدير لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. واتفقوا على أن هوداً ما كان أخاهم في الدين. ثم قال الزجاج: معناه أنه كان من آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة والجن. وقيل: أراد واحداً منهم قاله الكلبي، وهو من قولك يا أخا العرب لواحد منهم، وقيل: خص واحداً منهم بالإرسال إليهم ليكونوا أعرف بحاله في صدقه وأمانته. وقيل: معناه صاحبهم. والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أخاكم أذن وإنما يقيم من أذن" تفسير : يريد صاحبهم. ونسبه هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح {وهوداً} عطف بيان لأخاهم. وأما عاد فهم كانوا باليمين بالأحقاف. قال ابن إسحق: والأحقاف الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت. واعلم أن ألفاظ هذه القصة بعضها يوافق الألفاظ المذكورة في قصة نوح وبعضها يخالفها فلنبين أسرارها فمنها قوله هناك {فقال يا قوم اعبدوا الله} وههنا {قال يا قوم} والفرق أن نوحاً عليه السلام كان مواظباً على دعوتهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود فما كان جدّه إلى هذا الحد فلا جرم جاء بالتعقيب في قصة نوح دون قصة هود. ويمكن أن يقال: لما أضمر {أرسلنا} أضمر الفاء لأن الداعي إلى الفاء {أرسلنا} وفي الكشاف أن هذا وارد على سبيل الاستئناف. ومنها قوله: {ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} وفي قصة هود {ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} لأن واقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح فوقع الاقتصار على ذلك أي لعلكم تحذرون مثل ذلك العذاب العظيم الذي اشتهر خبره في الدنيا. ومنها {قال الملأ من قومه} وفي قصة هود {قال الملأ الذين كفروا من قومه} إما أن هذا وصف وارد للذم لا غير، وإما أنه لم يكن في أشراف قوم نوح من يؤمن وكان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فأريد التفرقة بالوصف. ومنها أن قوم نوح {قالوا إنا لنراك في ضلال مبين} وقوم هود {قالوا إنا لنراك في سفاهة} أي متمكناً منها تمكن المظروف من الظرف. وذلك أن نوحاً كان يخوّفهم بالطوفان العام وكان يشتغل بإعداد السفينة مدّة طويلة فوصفوه بضعف الرأي والبعد عن السداد. وأما هو فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف معتقدهم في عبادة الأصنام وطعن فيها فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة وخفة العقل حيث فارق دين قومه. ثم قالوا {وإنا لنظنك من الكاذبين} في ادعاء الرسالة. قيل: الظن بمعنى الجزم واليقين كقوله {أية : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}تفسير : [البقرة: 46] قال الحسن والزجاج: كانوا شاكين فيعلم أن الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر. ومنها قول نوح {وأنصح لكم} وقال هود {وأنا لكم ناصح} وذلك لأنه كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، وصيغة الفعل دلت على التجدد المستمر ولهذا{أية : قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً}تفسير : [نوح: 5] إلى آخر الآيات. وأما هود فكان ثابتاً على النصح غير مجدد إياه لحظة فلحظة كما كان يفعل نوح. ثم إن نوحاً عليه السلام قال {وأعلم من الله ما لا تعلمون} لأنه كان يعلم من أسرار الله تعالى ما لم يصل إليه هود فلا جرم أمسك هود لسانه واقتصر على وصف نفسه بكونه أميناً ثقة أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فليس من حقي أن آتي بالكذب والغش. أو المراد تقرير الرسالة فإنها تدور على الأمانة أي أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه. وفي هذين الجوابين عن مثل ذينك الشخصين مع جلالة قدرهما دليل على أن الحكيم يجب أن لا يقابل السفهاء إلا بالكلام المبني على الحلم والإغضاء. ومنها أن هوداً اقتصر على قوله {لينذركم} لما مر في قصة نوح أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة فلم يكن حاجة إلى الإعادة ولكنه ضم إلى ذلك شيئاً آخر يختص بهم فقال {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً قد استخلفكم فيها بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأملاكهم وما يتصل بها من المنافع، "وإذا" مفعول به لا ظرف أي اذكروا وقت جعلكم خلفاء {وزادكم في الخلق بسطة} فالخلق التقدير وقلما يطلق إلا على الشيء الذي له مقدار وحجمية. والمراد حصول الزيادة في أجسامهم زيادة خارقة للعادة وإلا لم تذكر في معرض الامتنان. قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً. وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يد الإنسان إذا رفعها كانوا يفضلون على أهل زمانهم بهذا القدر. ومنهم من حمل اللفظ على الزيادة في القوة، ومنهم من قال: الخلق الخليقة وبسطتهم فيهم كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدّة والجلادة متناصرين متوادّين {فاذكروا آلاء الله} في استخلافكم وبسطة أجرامكم وفيما سواهما من عطاياه وآلاء الله نعمه واحدها إلى ونحوه أني وآناء كعنب وأعناب. قال الجوهري: واحدها إني بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء. استدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرية بالآية قالوا: إنه تعالى رتب حصول الفلاح على مجرد التذكر. وأجيب بأن الآيات بالدالة على وجوب العمل مخصصة أو مقيدة والتقدير: فاذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلكم تفلحون. ذكرهم نبيهم نعم الله عليهم ليرجعوا إلى عقولهم فيعلموا أن العبادة نهاية التعظيم ولا تلق إلا بمن صدر عنه نهاية الإنعام وليس للأصنام على الخلق شيء من النعم لأنها جماد والجماد لا قدرة له أصلا فلم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم {أجئتنا لنعبد الله وحده} الهمزة لإنكار اختصاص الله وحده بالعبادة. وفي المجيء أوجه منها: أن يكون لهود معتزل يتحنث فيه أي يتعبد كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم. ومنها الاستهزاء اعتقاداً منهم أن الله لا يرسل إلا ملكاً فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك؟ ومنها أن يراد به القصد كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب كأنهم قالوا: أتعرضت لنا بتكليف عبادة الله وحده أي منفرداً عن الأصنام وهو من المعارف التي وقعت حالاً بتأويل. ولا يمكن أن يكون وحده ههنا اعترافاً كما يقول الموحد لا إله إلا الله وقال الله وحده لأن الفرض أنهم مشركون. ثم إن قول هود فيما قبل {أفلا تتقون} كان مشعراً بالتهديد والوعيد فلهذا استعجلوا العذاب زعماً منهم أنه كاذب وذلك قولهم {فأتنا بما تعدنا} فأجابهم هود بقوله {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} ولا بد أن يحملا على معنييين متغايرين لمكان العطف. أما الغضب في حقه تعالى فإرادة إيقاع السوء كما سبق مراراً، وأما الرجس فقيل: العذاب. اعترض عليه بلزوم التكرار. وقيل: العقائد المذمومة والصفات القبيحة. وذلك أن الرجس ضد التطهير كما قال سبحانه في صفة أهل البيت{أية : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}تفسير : [الأحزاب: 33] وقال القفال: الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كما قال{أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 125] وهذا التفسير أخص. أما قوله {قد وقع} ولم يقع العذاب بعد ففيه وجوه: قال بعض من يقول بأن إرادة الله تعالى حادثة: معناه أنه تعالى أحدث إرادة في ذلك الوقت. وقيل: أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب. وقيل: جعل المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك. تريد أنها ستكون ألبتة. وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء أباه يبكي فقال له: يا بني ما لك؟ فقال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر. ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال {أتجادلونني في أسماء} تناظرونني في شأن آلهة أشياء ما هي إلا أسماء {سميتموها} أحدثتموها {أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان} أي لا حجة على حقيقتها فتنزل. والحاصل أنها أسماء بلا مسميات لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال. سموا واحداً بالعزي مشتقاً من العز وما أعطاه الله تعالى عزاً أصلاً. وسموا آخر منها باللات من الإلهية وماله من الإلهية أثر. وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما سيجيء {أنزل} لأن "نزل" للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل للجملة، أو أنواع للجنس والله أعلم. ثم إنه ذكرهم وعيداً محدوداً فقال {فانتظروا} سوء عاقبة هذه الأصنام {إني معكم من المنتظرين} عاقبة السوء أو عاقبة الحسنى وذلك قوله {فأنجيناه والذين معه برحمة} بسبب رحمة كانوا يستحقونها {منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي استأصلناهم ودمرناهم عن آخرهم وقد مر مثله في الأنعام. وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله {وما كانوا مؤمنين} مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضاً بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد وغيره كأنه قيل: ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن منهم، أو معنى {وما كانوا مؤمنين} في علم الله تعالى أي لم يكونوا من المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا. قال في الكشاف: وإن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها. صداء وصمود والهباء فبعث الله هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا. وإن الناس كانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا لأجله أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وما يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا أنه ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل قولاً نغينهم به لا يدرون من قاله فقال معاوية: شعر : ألا ياقيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماماً ويسقي أوض عاد إن عاداً قد آمسوا ما يبينون الكلاما تفسير : الهينمة إخفاء الكلام في الدعاء وغيره، ومعنى يسقينا يجعله ساقياً لنا. وقوله ما يبينون الكلام أي لا يكادون يفقهون قولاً من ضعفهم وسوء حالهم. فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم. فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا يسقون بدعائكم ولكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه. فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثداً لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء ياقيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا. فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فتعبدوا الله فيها حتى ماتوا. التأويل: لقد أرسلنا نوح الروح إلى قومه ببلاد القوالب وهم القلب وصفاته والنفس وصفاتها، ومن صفة الروح العبودية والطاعة دعوة القلب والنفس وصفاتها إلى الله وعبوديته، ومن صفات النفس تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن نصحه والتعجب {فكذبوا} يعني النفس وصفاتها نوح والروح {فأنجيناه والذين معه} في الفلك الشريعة {وأغرقنا} النفس وصفاتها في البحر الدنيا وشهواتها {إنهم كانوا قوماً عمين} عن رؤية الله والوصول إليه {وزادكم في الخلق بسطة} كما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني {قد رفع عليكم من ربكم رجس وغضب} أي مقالتكم تدل على حالتكم أنه أصابكم سطوات العذاب. فمن أمارات الإعراض رد العبد إلى شهود الأغيار وتغريقه إياه في بحار الظنون والأوهام والجدال.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }. قال الطبري: أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل نوحاً، وكذا قال أبو حيان: «لقد» اللام جواب قسم محذوف. انتهى. و«غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله: {مِّنْ إِلَٰهٍ }؛ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع؛ لأن التقدير؛ ما لكم إلٰه غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف. قيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملؤون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ. وقولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ } يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر. و{فِي ضَلَـٰلٍ } أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك. وقوله: لهم جَوَابٌ عن هذا: {لَيْسَ بي ضَلَـٰلَةٌ} مبالغة في حُسْنِ الأدب، والإعراض عن الجَفَاءِ منهم، وتناول رفيق، وسعة صدر حَسْبَ ما تقتضيه خُلُقُ النبوءة. وقوله: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ } تعرض لمن يريد النظر، والبَحْثَ، والتأمل في المعجزة. وقوله عليه السلام: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } لفظ مُضَمَّنُهُ الوَعِيد، لا سيما وهم لم يسمعوا قَطُّ بأمة عذبت. وقوله: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ }. الاستفهام هنا على جِهَةِ التقرير والتوبيخ، وقوله: {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ } قيل: «على» بمعنى «مع». وقيل: هو على حَذْفِ مضاف، تقديره: على لسان رجل، ويحتمل أن يكون معناه منزَّل على رَجُلٍ منكم؛ إذا كل ما يأتي من اللَّه سبحانه فله حُكْمُ النزول، و{لَعَلَّكُمْ } تَرَجٍّ بحسب حال نوح ومعتقده. وقوله سبحانه: {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ...} الآية. وفي التفسير: إن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رَجُلاً. وقيل: ثمانون رجلاً وثمانون امرأة وقيل: عشرة وقيل: ثمانية. قاله قتادة. وقيل: سبعة. واللَّه أعلم. وفي كثير من كتب الحديث؛ التِّرْمذِيِّ وغيره أن جَمِيعَ الخَلْقِ الآن من ذُرِّيَّةِ نوح عليه السلام وقوله: {عَمِينَ } جمع عَمٍ، ويريد عَمِيَّ البَصَائر، وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نُوحاً أَوَّلُ الرسل.
ابن عادل
تفسير : لمَّا قرر المعاد بالدَّليل الظَّاهِرِ أتبعه بذكْرِ قَصَصِ الأنْبِياء لفوائد: أحدها: التَّنبيه على أنَّ إعراض النَّاسِ عن قبول الدلائل والبينات ليس مَخْصوصاً بِقَوْم مُحَمَّد - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - بل هذه العادَةُ المذمُومَة كانت حاصلة في جميع الأمَمِ السَّابقة، والمصيبة إذا عمَّت خَفَّت، ففي ذِكْرِ قَصَصِهم تسلِيَة للرَّسُولِ - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتخفيف عن قَلْبِهِ. وثانيها: أنَّهُ تعالى يحكي في هذه القَصَصِ أنَّ عَاقِبَة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللّعْنِ في الدُّنْيَا، والخسارة في الآخِرَةِ، وعاقبة أمر المحقّين [إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيَا، والسَّعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المُحِقِّين]، ويكسر قلوب المبطلين. وثالثها: التنبيه على أنَّهُ تعالى، وإن كان يمهل المبطلين لكنَّهُ لا يُهْمِلُهُمْ بل يعاقِبُهُم، وينتقمُ منهم. ورابعها: بيان ما في هذه القصص من الدّلالةِ على نُبُوَّةِ محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - لأنَّهُ كان أميّاً، لم يطالع كتاباً، ولا تَلْمَذَ لأستاذ، فإذا ذكر هذه القصص من غير تحريف ولا خطأ دَلَّ ذلك على أنَّهُ عرفها بوحي من الله تعالى. قوله: "لقد أرْسَلْنَا" جواب قسم محذوف تقديره: "واللَّه لقد أرْسَلْنَا". قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت: ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللاَّم إلاَّ مع "قَدْ"، وقلَّ عنهم قوله: [الطويل] شعر : 2497 - حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ لَنَامُوا........................... تفسير : قلتُ: إنَّمَا كان ذلك؛ لأنَّ الجملة القسميَّة لا تساقُ إلا تأكيداً للجملةِ المُقْسَمِ عليها، التي هي جوابها، فكانت مَظَنَّةً لمعنى التَّوَقُّعِ الذي هو معنى "قَدْ" عند استماع المخاطب كلمة القسم. وأما غير الزَّمَخْشَريِّ من النُّحَاةِ فإنَّهُ قال: إذا كان جواب القسم ماضياً مثبتاً متصرفاً: فإمَّا أن يكُونَ قريباً من زمن الحال فتأتي بـ "قَدْ" وإلاَّ أتيت باللاَّم وَحْدَهَا فظاهر هذه العبارة جواز الوَجْهَيْنِ باعتبارَيْنِ. وقال هاهنا: "لقد" من غير عاطف، وفي "هود" [25] و "المؤمنين" [23]: ولقد بعاطف، وأجاب الكَرْمَانيُّ بأن في "هود" قد تقدَّم ذكر الرَّسولِ مرَّات، وفي "المؤمنين" ذكر نُوحٍ ضِمْناً في قوله {أية : وَعَلَى ٱلْفُلْكِ}تفسير : [غافر: 80]؛ لأنَّهُ أوَّلُ من صنعها، فحسن أن يُؤتى بالعاطف على ما تقدَّم، بخلافِهِ في هذ السُّورةِ. فصل هو نُوحُ بْنُ لمك بْنِ متوشلح بْنِ اخنوخ، وهو إدريس وهو أول نبيّ بعثه الله بعد إدريس. وقال القُرْطُبِيُّ: "وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بعد آدم بتحريم البنات والعمَّاتِ، والخالاتِ، وكان نَجَّاراً، بعثَهُ اللَّهُ إلى قومه وهو ابن خمسين سنة". وقال مُقَاتِلٌ: "ابن مِائَةِ سَنَةٍ". قال النَّحَّاسُ: "وانصرف؛ لأنَّهُ على ثلاث أحرف". وقال ابن عباس: "سُمِّي نوحاً لكثرة نَوْحِهِ على نَفْسِهِ". واختلفُوا في سبب نَوْحِهِ، قال بعضُهُم: لدعوته على قومه بالهلاكِ، وقيل: لمراجعته رَبَّه في شأنِ ابنه كَنْعَانَ. وقيل: لأنَّهُ مرّ بكلب مَجْذُومٍ فقال: اخْسَأ يا قبيحُ يا كَلْبُ، فأوْحَى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب. قال ابن عباس: "معنى أرْسَلْنَا: بَعَثْنَا". وقال آخرون: معنى الإرسال أنَّهُ تعالى حمَّلَهُ رسالة يُؤدِّيهَا، فالرِّسَالةُ على هذا التَّقديرِ تكون متضَمِّنَةً للبعث، فيكونُ البعث كالتَّابعِ لا أنَّهُ الأصل. قوله: {فقال يا قوم اعْبُدُوا اللَّه} جيء هنا بفاء العطف في قوله: "فَقَالَ"، وكذا في المؤمنين وفي قصّة هودٍ وصالحٍ وشُعَيْبٍ هنا بغير فَاء، والأصلُ الفاء، وإنَّمَا حذفت تَخْفيفاً، وتوسعاً [و] اكتفاء بالرَّبْطِ المَعْنَوِيِّ، وكانت اللواتي بعدها بالحذف أولى. وأما في هود فيقدَّر قبل قوله: "إنّي لَكُمْ": "فقال" بالفَاءِ على الأصْلِ. وجاء هنا: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} فلم يعطف هذه الجملة المنفيَّةِ بفاءٍ ولا غيرها، لأنَّهَا مبنية ومثبتة على اختِصَاصِ اللَّهِ - تعالى - بالعبادةِ ورفض ما سواه، فكانت في غايةِ الاتِّصالِ فقال: يا قَوْمِ اعبدُوا الله. فصل في بيان نسب "نوح" قال ابن العربيِّ: ومن قال: إن إدْرِيسَ كان قبل نوح فقد وهمَ، بدليل حديث الإسْرَاءِ الصَّحيح، حين لَقِيَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم آدمَ وإدريس، فقال له آدمُ: مرحباً بالنَّبِيِّ الصالح والابن الصالح، وقال له إدريس: مرحباً بالنَّبيِّ الصَّالح، والأخ الصَّالح فلما قال له: "والأخ الصالح" دلَّ على أنَّهُ يجمع معه في نُوح. قال القَاضِي عياضٌ: جواب الآبَاءِ هاهنا كَنُوحٍ، وإبراهيم وآدم: مرحباً بالابن الصالح، وقال عن إدريس: بالأخ الصالح كما ذكر عن مُوسَى وعيسى، ويوسف [وهارون ويحيى ممَّنْ ليس بأبٍ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم باتِّفَاقٍ]. فصل في بيان أجناس البشر قال القُرْطُبِيُّ: ذكر النَّقَّاشُ عن سليمان بن أرقم عن الزهري أنَّ العربَ، وفارسَ والرُّومَ، وأهلَ الشَّامِ واليمن من ولد سام بن نوح، والهند والسِّنْد والزِّنْج، والحبشَة والزُّطّ والنَّوبة وكل جِلْدٍ أسْوَدَ من ولد حامٍ، والترْك، والبربر ووراء النهر والصين، ويأجوج ومأجوج والصَّقَالِبَة من ولد يافثِ بن نُوحٍ، والخلق كلهم ذُرية نُوحٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام -. قوله: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قرأ الكِسَائِيُّ "غيره" بخفض الرَّاءِ في جميع القُرآنِ، والباقون برفعها، وقرأ عيسى بْنُ عمرَ بنصبها، فالجرُّ على النَّعْتِ والبَدَلِ من موضع "إله"؛ لأن "مِنْ" مزيدة فيه، وموضعه رفع: إما بالابتداء، وإمَّا بالفاعليَّة، ومنع مكيٌّ في وجه الجرِّ أن تكون بدلاً من إله على اللَّفْظِ، قال: كما لا يَجُوزُ دخول "مِنْ" لو حذفت المبدل منه؛ لأنَّها لا تدخل في الإيجابِ، وهذا كلام متهافت. والنَّصْبُ على الاستِثْنَاءِ، والقراءتانِ الأوليانِ أرجح؛ لأنَّ الكلام متى كان غير إيجاب، رجَّح الاتباع على النَّصْبِ على الاستثناء وحكم غير حكم الاسم الواقع بعد "إلاَّ"، و "مِنْ إلهٍ" إذا جَعَلْته مبتدأ فلك في الخبر وجهان: أظهرهما: أنَّهُ "لَكُمْ". والثاني: أنَّهُ محذوف، أي: ما لكم من إله في الوجود، أو في العالم غير الله، و "لَكُمْ" على هذا تخصيص وتبيين. فصل فيما تضمنته الآية من حذف قال الواحِدِيُّ: "في الكلام حذفٌ، وهو خبر ما؛ لأنَّكَ إذا جعلت غيره صفة لقوله: "إله" لم يبق لهذا المنفي خبر، والكلامُ لا يستقِلُّ بالصِّفةِ والموصوف، فإنَّكَ إذا قلتَ: زيدٌ العاقلُ وسكتَّ لم يُفِدْ ما لم تذكر خبره ويكون التَّقْدِيرُ: ما لكم من إله غيره في الوجود". قال ابن الخطيب: اتَّفَقَ النَّحويُّونَ على أنَّ قولنا: "لا إله إلاَّ الله" لا بد فيه من إضمار، والتَّقْديرُ: لا إله في الوجود إلا الله ولا إله لنا إلا الله، ولم يذكروا على هذا الكلام حجَّةً، فنقولُ: لِمَ لا يجوز أن يقال: دخل حرف النَّفي على هذه الحقيقةِ وعلى هذه الماهِيَّةِ، فيكون المعنى أنَّهُ لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حقِّ الله تعالى، وإذا حملنا الكلامَ على هذا المعنى استغنينا عن الإضْمَارِ الذي ذكروه. فإنْ قالوا: صرف النفي إلى الماهِيَّةِ لا يمكنُ؛ لأنَّ الحقائِقَ لا يُمْكِنُ نَفْيُهَا، فلا يمكن أن يُقَالَ: لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهِيَّةِ، وإنَّمَا الممكن أن يقال: إنَّ تلك الحَقَائِقَ غيرُ موجودة، ولا حاصلة، وحينئذٍ يجب إضمار الخبر فنقول: هذا الكلامُ بِنَاءً على أنَّ الماهيَّة لا يمكن انتِفَاؤُهَا وارتفاعها، وذلك بَاطِلٌ قطعاً، إذ لو كان الأمر كذلك؛ لوَجَبَ امتناعُ ارتفاعِ الوُجُودِ؛ لأنَّ الوُجُود أيضاً حقيقة من الحقائق، وماهيّة من المَاهِيَّات؛ فوجب ألا يرتفعَ الوُجودُ أيضاً، فإن أمكن ارتفاع الوُجُودِ مع أنَّهُ ماهيّة وحقيقة فلم لا يمكنُ ارتفاعُ سائر الماهيَّاتِ. فصل في بيان أن المستحق للعبادة هو الله دلَّ ظَاهِرُ الآيةِ على أنَّ الإله هو الذي يستحقُّ العبادة؛ لأن قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} إثبات ونفي، فيجب أن يتواردا على مَفْهُوم وَاحِدٍ حتى يستقيم الكلامُ، فكان المَعْنَى: اعبدوا الله ما لكم من معبودٍ غيره، حى يَتَطابَقَ النَّفي والإثبات، ثم ثبت بالدَّليل أنَّ الإله ليس هو المعبود، وإلاَّ لوجب كونُ الأصنام آلهة، وألاَّ يكون الإله إلهاً في الأزَلِ، لأنَّهُ في الأزَلِ غير معبود، فوجب حملُ لفظ الإله على أنَّهُ المُسْتَحِقُّ للعبادةِ. قوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. اختلفوا في معنى قوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} هل هو اليقين؟ أو الخوف بمعنى الظنِّ والشكِّ؟ فقيل: المرادُ: الجزم واليقين؛ لأنَّهُ كان جازماً أنَّ العذابَ ينزل بهم: إمَّا في الدُّنْيَا، وإمَّا في الآخرة، إن لم يَقْبَلُوا الدَّعْوَة. وقيل: بل المرادُ منه الشَّكُّ لوجوه: [أحدها]: إنَّمَا قال: {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ}؛ لأنَّهُ جوَّزَ أن يؤمنوا، وأن يستمروا على كفرهم، ومع هذا التَّجْويز لا يكون قاطعاً بنزول العذاب، فلهذا قال: "أخَافُ عَلَيْكُمْ". وثانيها: أنَّ حُصُولَ العذاب على الكُفْرِ والمعصية أمْرٌ لا يعرف إلا بالسَّمْعِ، فَلَعَلَّ الله - تعالى - ما بيّن له كيفيَّة هذه المسألة، فلا جرم جوَّزَ أنَّ الله - تعالى - هل يعاقبهم أم لا؟. وثالثها: يحتمل أنْ يكُون المرادُ من الخَوْف الحذر، كقوله في الملائكة: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُم}تفسير : [النحل: 50] أي يحذرون المعاصي خَوْفاً من العقاب. ورابعها: أنهُ بتقدير أن يكُون قاطعاً بنُزُولِ العذابِ لكنَّهُ ما كان عارفاً بمقدار ذلك العذابِ فكان هذا الشَّكُ راجعاً إلى وصف العذاب لا في أصْلِ حصولهِ، والمراد بذلك العذاب إمَّا عذاب يوم القيامة، أو عذابُ الطُّوفان. فإن قيل: إنه تعالى حكى عن نُوحٍ - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هذه الآية أنَّهُ أمر قومه بثلاثَةِ أشياء: الأوَّلُ: أمرهم بعبادة الله، والمقصودُ منه إثبات التَّكليف. الثاني: أنَّهُ حكم أن لا إله غَيْرُ الله، والمقصودُ منه الإقرار بالتَّوْحيد، ثم قال عقيبَهُ: {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، وهذا هو الدَّعوى الثَّالثة، وعلى هذا التَّقديرِ فقد ادَّعى الوحي والنُّبوَّةَ من عند اللَّه، ولم يذكر على صِحَّةِ واحد منها دليلاً ولا حجَّةً، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل التَّقْلِيد فهذا باطل؛ لأنَّ الله - تعالى - مَلأَ القرآنَ من ذمِّ التقليد، فكيف يليق بالرَّسُول المعصوم الدَّعوةُ إلى التقليد؟! وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدَّليل، فهذا غير مذكور. فالجوابُ: أن الله - تعالى - ذكر في أوَّلِ السُّورةِ دلائلَ التَّوحيد والنُّبوَّةِ وصحَّةِ المعاد، وذلك تنبيه منه تعالى على أنَّ أحداً من الأنبياء لا يدعو إلى هذا الأصُولِ إلا بذكر الحُجَّةِ والدَّلِيل أقصى ما في البابِ أنَّهُ تعالى ما حكى عن نُوحٍ في هذا المقام ذكر تلك الدَّلائل لما كانت معلومة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن أنس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول نبي أرسل نوح " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم وابن عساكر عن يزيد الرقاشي قال: إنما سمي نوح عليه السلام نوحاً لطول ما ناح على نفسه . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: إنما سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه . وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن مقاتل وجويبر. أن آدم حين كبر ورقَّ عظمه قال: يا رب إلى متى أكد وأسعى؟ قال: يا آدم حتى يولد لك ولد مختون. فولد له نوح بعد عشرة أبطن، وهو يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاماً، فكان نوح بن لامك بن متوشلخ بن إدريس، وهو اخنوخ بن يرد بن مهلايبل ابن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، وكان اسم نوح السكن، وإنما سمي نوح السكن لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه فهو أبوهم، وإنما سمي نوحاً لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسن عاماً يدعوهم إلى الله، فإذا كفروا بكى وناح عليهم . وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان بين نوح وآدم عشرة آباء، وكان بين إبراهيم ونوح عشرة آباء . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق . وأخرج ابن عساكر عن نوف الشامي قال: خمسة من الأنبياء من العرب: محمد، ونوح، وهود، وصالح، وشعيب، عليهم الصلاة والسلام . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس. أن نوحاً بعث في الألف الثاني، وأن آدم لم يمت حتى ولد له نوح في آخر الألف الأول، وكان قد فشت فيهم المعاصي، وكثرت الجبابرة، وعتوا عتوّاً كبيراً، وكان نوح يدعوهم ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، صبوراً حليماً ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح ، فكانوا يدخولن عليه فيخنقونه ويضرب في المجالس ويطرد، وكان لا يدع على ما يصنع به أن يدعوهم، ويقول: يا رب اغفر لقومي فانهم لا يعلمون، فكان لا يزيدهم ذلك إلا فراراً منه، حتى إنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ويجعل أصابعه في أذنيه لكيلا يسمع شيئاً من كلامه، فذلك قوله الله {أية : جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم } تفسير : [نوح: 7] ثم قاموا من المجلس فاسرعوا المشي، وقالوا: امضوا فإنه كذاب. واشتد عليه البلاء، وكان ينتظر القرن بعد القرن، والجيل بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا وهو أخبث من الأول وأعتى من الأول، ويقول الرجل منهم: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا، فلم يزل هكذا مجنوناً، وكان الرجل منهم إذا أوصى عند الوفاة يقول لأولاده: احذروا هذا المجنون فإنه قد حدثني آبائي: إن هلاك الناس على يدي هذا. فكانوا كذلك يتوارثون الوصية بينهم، حتى إن كان الرجل ليحمل ولده على عاتقه، ثم يقف به وعليه فيقول: يا بني ان عشت ومت أنا فاحذروا هذا الشيخ، فلما طال ذلك به وبهم {أية : قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} تفسير : [هود: 32] . وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة . أن نوحاً بعث من الجزيرة، وهوداً من أرض الشحر أرض مهرة، وصالحاً من الحجر، ولوطاً من سدوم، وشعيباً من مدين، ومات إبراهيم وآدم وإسحق ويوسف بأرض فلسطين، وقتل يحيى بن زكريا بدمشق . وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كانوا يضربون نوحاً حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن كان نوح ليضربه قومه حتى يغمى عليه، ثم يفيق فيقول: اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وقال شقيق: قال عبد الله: لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يحكي نبياً من الأنبياء وهو يقول: اللهمَّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون " . تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم من وجه آخر عن عبيد بن عمير الليثي. نحوه . وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان قوم نوح يخنقونه حتى تترقى عيناه، فإذا تركوه قال: اللهمَّ اغفر لقومي فإنهم جهلة . وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن مسعود قال " حديث : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء قد ضربه قومه وهو يمسح الدم عن جبينه ويقول: اللهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مهاجر الرقي قال: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً في بيت من شعر، فيقال له : يا نبي الله ابن بيتا. فيقول: أموت اليوم أموت غداً. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن وهيب بن الورد قال: بنى نوح بيتاً من قصب فقيل له: لو بنيت غير هذا؟ فقال: هذا كثير لمن يموت . وأخرج ابن أبي الدنيا والعقيلي وابن عساكر والديلمي عن عائشة مرفوعاً " نوح كبير الأنبياء، لم يخرج من خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني طعمه وأبقى في منفعته، وأخرج مني أذاه . وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن مسعود قال: بعث الله نوحاً فما أهلك أمته إلا الزنادقة، ثم نبي فنبي والله لا يهلك هذه الأمة إلا الزنادقة " . وأخرج أبو الشيخ عن سعد بن حسن قال: كان قوم نوح عليه السلام يزرعون في الشهر مرتين، وكانت المرأة تلد أول النهار فيتبعها ولدها في آخره . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ما عذب قوم نوح، حتى ما كان في الأرض سهل ولا جبل إلا له عامر يعمره وحائز يحوزه . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم. أن أهل السهل كان قد ضاق بهم وأهل الجبل، حتى ما يقدر أهل السهل أن يرتقوا إلى الجبل ولا أهل الجبل أن ينزلوا إلى أهل السهل في زمان نوح. قال: حسوا . وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: كان نوح أجمل أهل زمانه، وكان يلبس البرقع، فاصابتهم مجاعة في السفينة، فكان نوح إذا تجلى بوجهه لهم شبعوا . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن ابن عباس قال " حديث : لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي عسفان فقال: لقد مر بهذا الوادي هود وصالح ونوح على بكرات حمر خطمها الليف، أُزُرُهُمْ العباء وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عمرو "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر الدهر " . تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد والبزار والحاكم وابن مردويه والبيهقي والصفات عن عبد الله بن عمرو " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاصر عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء وأنهاك عن الشرك الأكبر " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أعلمكم ما علم نوح ابنه؟ قالو: بلى، قال: آمرك أن تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فإن السموات لو كانت في كفة لرجحت بها ، ولو كانت حلقة قصمتها، وآمرك بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق .
ابو السعود
تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} هو جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله لقد أرسلنا الخ، واطّرادُ استعمالِ هذه اللامِ مع قد لكون مدخولِها مَظِنّةً للتوقع الذي هو معنى قد، فإن الجملة القسَميةَ إنما تُساق لتأكيد الجملةِ المُقسَم عليها، ونوحٌ هو ابنُ لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريسُ النبـيُّ عليهما السلام. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بُعث عليه السلام على رأس أربعين سنةً من عمره ولبِث يدعو قومه تسعَمِائةٍ وخمسين سنةً وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنةً فكان عمرُه ألفاً ومائتين وأربعين سنة. وقال مقاتل: بعث وهو ابنُ مائةِ سنةٍ وقيل: وهو ابنُ مائتين وخمسين سنةً ومكث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمُرُه ألفاً وأربَعَمِائةٍ وخمسين سنة {فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي اعبدوه وحدَه، وتركُ التقيـيدِ به للإيذان بأنها العبادةُ حقيقةً، وأما العبادةُ بالإشراك فليست من العبادة في شيء وقوله تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي من مستحِقَ للعبادة، استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل العبادةِ المذكورةِ أو الأمرِ بها، وغيرُه بالرفع صفةٌ لإلٰهٍ باعتبار محلِّه الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية، وقرى بالجر باعتبار لفظه، وقرىء بالنصب على الاستثناء وحكمُ غيرٍ حكمُ الاسمِ الواقعِ بعد إلا أي ما لكم من إلٰه إلا إياه كقولك: ما في الدار من أحد إلا زيداً أو غيرَ زيدٍ، فمن إلٰهٍ إن جعل مبتدأً فلكم خبرُه، أو خبرُه محذوفٌ ولكم للتخصيص والتبـيـين أي ما لكم في الوجود أو في العالم إلٰهٌ غيرُ الله {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} أي إن لم تعبُدوه حسْبما أُمرت به {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو يومُ القيامة أو يومُ الطوفان، والجملةُ تعليلٌ للعبادة ببـيان الصارفِ عن تركها إثرَ تعليلِها ببـيان الداعي إليها، ووصفُ اليومِ بالعِظَم لبـيان عظيمِ ما يقع فيه وتكميلِ الإنذار. {قَالَ ٱلْمَلأ مِن قَوْمِهِ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية قولِه عليه الصلاة والسلام كأنه قيل: فماذا قالوا له عليه الصلاة والسلام في مقابلة نصحِه؟ فقيل: قال الرؤساءُ من قومه والأشرافُ الذين يملأون صدورَ المحافل بإجرامهم والقلوبَ بجلالهم وهيبتِهم والأبصارَ بجمالهم وأُبّهتهم {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ} أي ذهاب عن طريق الحقِّ والصواب، والرؤيةُ قلبـيةٌ ومفعولاها الضميرُ والظرفُ {مُّبِينٌ} بـيّنٌ كونُه ضلالاً. {قَالَ} استئناف كما سبق {يَاقَوْمِ} ناداهم بإضافتهم إليه استمالةً لقلوبهم نحو الحق {لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ} أيُّ شيءٍ ما من الضلال، قصد عليه الصلاة والسلام تحقيقَ الحق في نفي الضلالِ عن نفسه رداً على الكفرة حيث بالغوا في إثباته له عليه الصلاة والسلام حيث جعلوه مستقراً في الضلال الواضِحِ كونُه ضلالاً، وقوله تعالى: {وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزِمه من كونه في أقصى مراتبِ الهداية، فإن رسالةَ ربِّ العالمين مستلزِمةٌ لا محالة، كأنه قيل: ليس بـي شيءٌ من الضلال ولكني في الغاية القاصيةِ من الهداية. ومن لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرسولٌ مؤكدةٌ لما يفيده التنوينُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافيةِ أي رسولٌ ـ وأيُّ رسولٍ ـ كائنٌ من رب العالمين.
القشيري
تفسير : بَلَّغَ الرسالةَ فلم ينجعْ فيهم ما أظهر من الآلاء، لأنَّ محرومَ القسمة لا ينفعه مجهودُ الحيلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد ارسلنا نوحا الى قومه} جواب قسم محذوف تقديره والله لقد ارسلنا نوحا وهو ابن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ وهو ادريس النبى بن يرد بن مهلا بيل بن قينان بن انوش بن آدم عليهم السلام ونوح اول نبى بعد ادريس بعد شيث وكان نوح نجارا بعثه الله الى قومه على رأس اربعين سنة وكان عمره الفا ومائتين واربعين سنة. وفى التفسير الفارسى {الى قومه} [بسوى قوم او كه اكثر اولاد قابيل بودند وبت مى برستيدند] وذلك ان قابيل لما قتل اخاه هابيل طرده آدم فسكن مع اولاده واتباعه فى اليمن وهو اول من عبد الصنم {فقال} اى نوح {يا قوم اعبدوا الله} وحده فان العبادة بالاشراك ليس من العبادة فى شئ {وما لكم من اله غيره} اى من مستحق للعبادة وغيره بالرفع صفة لاله باعتبار محله الذى هو الرفع على الابتداء ومن زائدة فى المبتدأ والخبر لكم {انى اخاف عليكم} اى ان لم تعبدوه حسبما امرت به وهو بيان للداعى الى عبادته {عذاب يوم عظيم} اى عذاب يوم القيامة او يوم الطوفان.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أوَ عَجبتم}: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و {في الفلك}: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه}، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفًا وثلاثمائة سنة، {فقال يا قوم اعبدوا الله} وحده {ما لكم من إله غيرُه} يستحق أن يُعبد، {إني أخاف عليكم}، إن لم تُؤمنوا وتُوحدوا الله {عذابَ يوم عظيم} وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. {قال الملأُ} أي: الأشراف {من قومه}؛ لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: {إنا لنَراكَ في ضلالٍ مبين} أي: في خطأ بيِّن عن الحق، {قال يا قوم ليس بي ضلالةٌ} أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، {ولكني رسولُ من ربّ العالمين} أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى؛ لأني رسول من رب العالمين، {أبلغكم رسالاتِ ربي} كما أمرني، {وأنصحُ لكم} جُهدي، {وأعلمُ من الله ما لا تعلمون} من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات؛ لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام. ثم قال لهم: {أو عَجبتُم} أي: أكذبتم وعجبتم من {أن جاءكم ذِكرٌ} أي: تذكير ووعظ {من ربكم} {على} لسان {رجل منكم} أي: من جملتكم، أو من جنسكم؛ كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: {أية : وَلَوْ شَآءَ اللهُ لأَنزَلَ مَلآئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي ءَابآئِنَا الأَوَّلِينَ }تفسير : [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا مِن كونِ شخص رسولاً، ولم يَعجبوا من كون الصنم شريكًا لله، هذا فَرطُ الجهالة وغاية الغواية. هـ. وحكمة إرساله؛ كونه جاءكم {لينذركم} عاقبة الكفر والمعاصي، {ولتتقوا} الله بسبب تلك الإنذار، {ولعلكم ترحمون} بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي؛ التنبهُ على أن التقوى غير مُوجب للترحم بذاته، وإنما هو ـ أي: الترحم ـ فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمَن من عذاب الله. {فكذبوه فأنجيناه والذين معه} هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حَملناهم {في الفلك} أي: السفينة، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} بالطوفان؛ {إنهم كانوا قومًا عَمِينَ} أي: عُمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عَميين، مخفف. قاله البيضاوي. الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها؛ حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}.
الطوسي
تفسير : قرأ أبو جعفر والكسائي {من إِله غيره} - بخفض الراء وكسر الهاء ووصلها - بناء في اللفظ حيث وقع. الباقون بضم الراء وضم الهاء وإِشباعها بالواو، قال الكسائي تقديره ما لكم غيره من إِله. في قراءة نافع. قال أبو علي الفارسي: من جرَّ جعل (غير) صفة لـ (إِله) على اللفظ وجعل (لكم) مستقراً أو غير مستقر، وأضمر الخبر، والخبر ما لكم في الوجود أو في العالم ونحو ذلك لا بد من هذا الاضمار إِذا لم يجعل (لكم) مستقراً، لأن الصفة. والموصوف لا يستقل بهما الكلام. ومن رفع حجته قوله {أية : وما من إِله إِلا الله}تفسير : فكما أن قوله {إِلا الله} بدل من قوله {من إِله} كذلك قوله {غيره} يكون بدلاً من قوله {من إِله} و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد (إِلا)، وهذا الذي ذكرناه أولى أن يحمل عليه من أن يجعل (غير) صفة لـ (إِله) على الموضع. فان قلت ما ينكر أن يكون {إِلا الله} صفة لـ (إِله)؟ قيل: إِن (إلا) بكونها استثناء أعرف وأكثر من كونها صفة. وإِنما جعلت صفة على التشبيه بغير، فاذا كان الاستثناء أولى حملنا {أية : هل من خالق غير الله}تفسير : على الاستثناء من النفي في المعنى، لأن قوله {هل من خالق غير الله} بمنزلة ما من خالق غير الله، ولا بد من اضمار الخبر، كأنه قال: ما من خالق للعالم غير الله، ويؤكد ذلك قوله {أية : لا إِله إِلا الله}تفسير : فهذا استثناء من منفي مثل لا أجد في الدار إِلا زيداً. فأما حمزة والكسائي فانهما جعلا (غير) صفة لخالق وأضمرا الخبر، كما تقدم. والباقون جعلوه استثناء بدلاً من النفي، وهو أولى لما تقدم من الاستشهاد عليه من قوله {أية : وما من إِله إِلا الله}. تفسير : أخبر الله تعالى وأقسم على خبره - لأن اللام في قوله "لقد" لام القسم - بأنه أرسل نوحاً (ع) الى قومه وإِرساله اياه هو تكليفه القيام بالرسالة وهي منزلة جليلة شريفة يستحق بهاالرسول بتقلبه إِياها والقيام باعبائها أن يعظم أعلى تعظيم البشر، وأخبر أن نوحاً قال لقومه {يا قوم اعبدوا الله} والعبادة هي الخضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع يعظم به من له أعظم النعم، فلذلك لا يستحق العبادة غير الله، وأخبر أنه أمرهم بأن تكون عبادتهم لله وحده، لأنه لا إِله لهم غيره، ولا معبود لهم سواه. وقال لهم {إِني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} يريد به يوم القيامة، والعذاب هو الألم الجاري على استمرار، وقد يكون غير عقاب، إِلا أن المراد به - ها هنا - العقاب. والعقاب الألم على ما كان من المعاصي. ولم يجعل خوفه عليهم على وجه الشك، بل أخبرهم أن هذا العذاب سيحل بهم إِن لم يقبلوا ما أتاهم به، لأن الخوف قد يكون مع اليقين كما يكون مع الشك ألا ترى أن الانسان يخاف من الموت، ولا يشك في كونه.
الجنابذي
تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} بعد ذكر الابداء والتّربية والتّدبير والاعادة بالتّمثيل ذكر تعالى ارسال الرّسل ليكونوا على ذكر منه فلا يستغربوا رسالة البشر، وذكر قصصهم مع اقوامهم وما قالوا لهم وما فعل بالمقّر والمنكر منهم تسلية للمؤمنين وتهديداً للمنكرين المكذّبين {فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} امرهم بالتّوحيد وعبادة ذلك الواحد كما هو ديدن جميع الانبياء {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ان تتركوا عبادته وتوحيده.
الهواري
تفسير : قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ! إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في ضلال بيِّن، أي فيما تدعونا إليه. {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال الحسن يقول: أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم إن لم تؤمنوا. قال: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ}، أي وحي {مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} [أي على لسان رجل منكم] وذلك أنهم عجبوا من ذلك {لِيُنذِرَكُمْ} أي لكي ينذركم العذاب في الدنيا والآخرة. {وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي ترحموا إن اتَّقيتم. ولعل من الله واجبة للمؤمنين. {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ} أي عن الهدى. قوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} يقول: وأرسلنا أخاهم هوداً، تبعاً للكلام الأول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً}. هو أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين. {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. {قَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} [يعني الرؤساء] {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} أي من الرأي، سفّهوه وسفّهوا دينه وزعموا أنه مجنون. {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ} كان تكذيبهم إياه بالظن.
اطفيش
تفسير : {لَقَد أرْسلنا نُوحاً إلى قَومِه} غلب قرن جواب القسم بقد الدالة على التوقع، لأن القسم تأكيد وتعظيم للأمر، فجوابه مظنة التوقع والانتظار، وهو نوح بن لامك بن متوشلح بن إدريس بن فرد بن بارد بن مهلائيل بن قيتان بن أنوش بن شيث بن آدم، وأمه قينوش بنت بركيائيل بن مجوائيل بن إدريس، وسمى نوحاً لأنه ناح على قومه بعد هلاكهم بدعائه، وضعف بأن لفظ نوح أعجمى، وما صرف إلا لخفته فأشبه العربى، وأجيب باتفاق هذه اللغة لغة العرب فى لفظ النواح ونحوه بمعنى البكاء فى صياح. وقيل: سمى لمراجعة ربه فى شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح، فقال الله أعتبتنى أم عتبت الكلب؟ وقول ابن عباس: سمى لكثرة ما ناح على نفسه يحتمل الأقوال، قيل: وهو أول نبى بعث بعد إدريس إلى الناس، وفى حديث: "حديث : أن نوحا أول نبى بعث إلى الناس" تفسير : والمراد أول نبى بعد الطوفان، ولو كان قبله أيضا أو أول نبى بعث بالعذاب والإهلاك حملا على الإيمان، قال ابن عباس: بعث وهو ابن أربعين سنة، قال ابن الكلبى: بعد آدم بثمانمائة سنة، وجاء بتحريم البنات والأخوات والأمهات والعمات والخالات. وقال وهب ابن منبه: بعث وهو ابن أربعمائة سنة، وقيل: ابن ثلاثمائة سنة، وقيل: ابن خمسين، وقيل: ابن مائتين وخمسين، وقيل: ابن مائة، قيل: كان نجاراً، والذى حفظته أنه ما كان نجاراً إلا بسفينته قال فى عرائس القرآن: أرسله الله إلى أولاد قابيل ومن تبعهم من ولد شيث. قال ابن عباس: كان بطنان من ولد آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباح الوجوه ونساؤهم ذماماً، ونساء السهل صباحا، ورجالها ذماماً وأتى إبليس رجلا من أهل السهل فى صورة غلام فآجر نفسه منه، وكان يخدمه، واتخذ شيئا مثل الذى يزمر به الرعاة، فجاء منه صوت ما سمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فأتوهم مستمعين إليه، واتخذوا عبداً يجتمعون إليه فى السنة، فيتبرج الرجال وتتبرج النساء، وهم عليهم رجل من أهل الجبل وهم فى عيدهم فرأى صباحة النساء، فأخبر أصحابه فتحولوا إليهم، ونزلوا معهم، فظهرت الفاحشة فذلك قوله تعالى: {أية : ولا تبرجنَّ تبرُّج الجاهلية الأولى}. تفسير : وفى رواية عنه: أوصى آدم أن لا يناكح بنو شيث بنى قابيل، فجعل آدم بنى شيث فى مغارة، وجعل عليهم حائطاً لا يقربه أحد من أولاد قابيل، وقال مائة من بنى شيث، وكانوا صباحا: لو نظرنا ما فعل بنو عمنا، يعنون قابيل، فهبطوا إلى نساءٍ صباح من بنى قابيل، وأمسك النساء الرجال، ومكثوا ما شاء الله، ثم قالت مائة أخرى: لو نظرنا ما فعل إخواننا فهبطوا فاحتبستهم النساء، ثم هبطوا كلهم، فهاجت المعصية وتناسلوا، وأكثر بنو قابيل الفساد، وبعث إليهم نوح فقال: {يا قوم اعبدوا الله} أى وحده. وقوله: {مَا لكُم مِنْ إلهٍ غَيرهُ} بيان لوجه اختصاصه بالعبادة وقرأ الكسائى بجر غير اتباعا على اللفظ فى جميع القرآن، وبه قرأ يحيى ابن وثاب، والأعمش، وأبو جعفر، ووجه الرفع التبعية للإعراب المقدر، وقرأ عيسى بن عمر بنصب غير على الاستثناء وهو مرجوح. وقوله: {إنِّى} وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو {أخافُ عليْكُم عَذابَ يومٍ عَظيمٍ} وعدٌ وبيان للداعى إلى عبادته، لأنه هو المحذور عقابه دون من كانوا يعبدونه، وذلك تهديد وتخويف لكفار قريش وغيرهم، وتسلية للنبى صلى الله عليه وسلم، واليوم العظيم يوم القيامة وعبر بالخوف لأنه لم يدر حينئذ أيتوبون أم لا، ويوم الطوفان كذا قيل وهو ضعيف، فإنه لم يدر حينئذ بالطوفان، والتحقيق أنه أراد باليوم العظيم يوم القيامة أو يوم ما شديد فى الدنيا، وعليه فعبر بالخوف لما مرَّ، ولأنه لم يدر لعله عذابهم مختص بيوم القيامة، وبطل بذكر اليوم فى الآية قول بعضهم إنه عبَّر بالخوف مع أنه موقن بعذابهم إن لم يؤمنوا أنه لم يعلم وقت العذاب أدنيا أم أخرى؟
الالوسي
تفسير : ثم إنه سبحانه وتعالى عقب ذلك بما يحققه ويقرره من قصص الأمم الخالية والقرون الماضية وفي ذلك أيضاً تسلية لرسوله عليه الصلاة والسلام فقال جل شأنه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ } وهو جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا الخ، واطرد استعمال هذه اللام مع قد في الماضي ـ على ما قال الزمخشري ـ وقل الاكتفاء بها وحدها نحو قوله: شعر : حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما ان من حديث ولا صالي تفسير : والسر في ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة (لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه) لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد، ونقل عن النحاة أنهم قالوا: إذا كان جواب القسم ماضياً مثبتاً متصرفاً فإما أن يكون قريباً من الحال فيؤتى بقد وإلا أثبت / باللام وحدها فجوزوا الوجهين باعتبارين، ولم يؤت هنا بعاطف وأتى به في هود [52]. والمؤمنين [32] على ما قال الكرماني: لتقدم ذكر نوح صريحاً في هود وضمناً في المؤمنين حيث ذكر فيها قبل { أية : وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } تفسير : [المؤمنون: 22] وهو عليه السلام أول من صنعها بخلاف ما هنا. ونوح بن لمك ـ بفتحتين وقيل: بفتح فسكون، وقيل: ملكان بميم مفتوحة ولام ساكنة ونون آخره. وقيل: لامك كهاجر ـ بن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة على وزن المفعول كما ضبطه غير واحد. وقيل: بفتح الميم وضم المثناة الفوقية المشددة وسكون الواو ولام مفتوحة وخاء معجمة ـ ابن ـ أخنوخ بهمزة مفتوحة أوله وخاء معجمة ساكنة ونون مضمومة وواو ساكنة وخاء أيضاً، ومعناه في تلك اللغة على ما قيل القراء. وقيل: خنوخ بإسقاط الهمزة وهو إدريس عليه السلام. أخرج ابن إسحاق. وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بعث نوح عليه السلام في الألف الثاني وإن آدم عليه السلام لم يمت حتى ولد له نوح في آخر الألف الأول. وأخرجا عن مقاتل. وجويبر أن آدم عليه السلام حين كبر ودق عظمه قال: يا رب إلى متى أكد وأسعى؟ قال يا آدم حتى يولد لك ولد مختون فولد له نوح بعد عشرة أبطن وهو يومئذٍ ابن ألف سنة إلا ستين عاماً. وبعث على ما روي عن ابن عباس على رأس (أربعمائة) سنة، وقال مقاتل: وهو ابن مائة سنة. وقيل: وهو ابن خمسين سنة. وقيل: وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة. وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين فكان عمره ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة. وبعث ـ كما روى ابن أبـي حاتم وابن عساكر عن قتادة ـ من الجزيرة. وهو أول نبـي عذب الله تعالى قومه وقد لقي منهم ما لم يلقه نبـي من الأنبياء عليهم السلام. واختلف في عموم بعثته عليه السلام ابتداء مع الاتفاق على عمومها انتهاء حيث لم يبق بعد الطوفان سوى من كان معه في السفينة، ولا يقدح القول بالعموم في كون ذلك من خواص نبينا صلى الله عليه وسلم لأن ما هو من خواصه عليه الصلاة والسلام عموم البعثة لكافة الثقلين الجن والإنس وذلك مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره بل وكذا الملائكة كما رجحه جمع محققون كالسبكي ومن تبعه وردوا على من خالف ذلك وصريح آية { أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 1] إذ العالم ما سوى الله تعالى، وخبر مسلم « حديث : وأرسلت إلى الخلق كافة » تفسير : يؤيد ذلك بل قال البارزي: إنه صلى الله عليه وسلم أرسل حتى للجمادات بعد جعلها مدركة. وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفاً على سائر المرسلين ولا كذلك بعثة نوح عليه السلام. والفرق مثل الصبح ظاهر. وهو ـ كما في «القاموس» ـ «اسم أعجمي صرف لخفته»، وجاء عن ابن عباس وعكرمة وجويبر ومقاتل أنه عليه السلام إنما سمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه. واختلف في سبب ذلك فقيل: هو دعوته على قومه بالهلاك. وقيل: مراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: إنه مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت الكلب. وقيل: هو إصرار قومه على الكفر فكان كلما دعاهم وأعرضوا بكى وناح عليهم. قيل: وكان اسمه قبل السكن لسكون الناس إليه بعد آدم عليه السلام. وقيل: عبد الجبار. وأنا لا أعول على شيء من هذه الأخبار والمعول عليه عندي ما هو الظاهر من أنه اسم وضع له حين ولد، وليس مشتقاً من النياحة. وأنه كما قال / صاحب «القاموس». {فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي وحده، وترك التقييد به للإيذان بأنها العبادة حقيقة وأما العبادة مع الإشراك فكلا عبادة ولدلالة قوله سبحانه وتعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ } أي مستحق للعبادة {غَيْرُهُ } عليه، وهو استئناف مسوق لتعليل العبادة المذكورة أو الأمر بها و {مِنْ } صلة و {غَيْرُهُ } بالرفع ـ وهي قراءة الجمهور ـ صفة {إِلَـٰهٍ } أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرأ الكسائي بالجر باعتبار لفظه، وقرىء شاذاً بالنصب على الاستثناء، وحكم غير ـ كما في «المفصل» ـ حكم الاسم الواقع بعد إلا وهو المشهور أي مالكم إلٰه إلا إياه كقولك: ما في الدار [من] أحد إلا زيداً أو غير زيد، و {إِلَـٰهٍ } إن جعل مبتدأ ـ فلكم ـ خبره أو خبره محذوف و {لَكُمْ } للتخصيص والتبيين أي مالكم في الوجود أو في العالم إلٰه غير الله تعالى. {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } إن لم تعبدوا حسبما أمرت به. وتقدير إن لم تؤمنوا لما أن عبادته سبحانه وتعالى تستلزم الإيمان به وهو أهم أنواعها وإنما قال عليه السلام: {أَخَافُ } ولم يقطع حنوا عليهم واستجلاباً لهم بلطف. {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هو يوم القيامة أو يوم الطوفان لأنه أعلم بوقوعه إن لم يمتثلوا، والجملة ـ كما قال شيخ الإسلام ـ تعليل للعبادة ببيان الصارف عن تركها إثر تعليلها ببيان الداعي إليها، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه وتكميل الإنذار.
سيد قطب
تفسير : نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق؛ وكلما انحرفت عن صراط الله المستقيم؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم.. .. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق.. إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الآفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية: مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم.. وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه. والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً "اقتصادياً" أو "سياسياً". والذين يفسرونه تفسيراً "بيولوجياً". والذين يفسرونه تفسيراً "روحياً" أو "نفسياً". والذين يفسرونه تفسيراً "عقلياً"... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله. ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له؛ والبارئ العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية.. ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه؛ مستغفراً لذنبه؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة: أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته.. ثم مضى به الزمن؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية!!! إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. وقد ضعف.. إن الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى!!! لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً!!! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده! وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام: نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً..ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير.. والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم! وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص: * إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً. واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعاً على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. وذلك لتحقيق معنى وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة.. وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج "الأديان المقارنة" مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا "تطور" في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن "تطور" المعتقدات وتدرجها؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج "والتطور" يقولون غير ما يقوله الله سبحانه! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو "رب العالمين".. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو "أرواحية!" أو صنمية! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر..كما يزعم من يسمونهم "علماء الأديان" وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معقتداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها! لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها "علماء الأديان!" ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها! وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه.. والله يقص الحق وهو خير الفاصلين.. * إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا.. ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. وقال كل رسول لقومه: {إني لكم ناصح أمين}، معبراًعن ثقل التبعة؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف "الملأ" من علية القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتُّ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا "القوم" الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة!.. وعندئذ يجيء الفتح..ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ. * إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد: هو تعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر. ولم يذكر القرآن إلا قليلاً من التفصيلات بعد هذه القاعدة الأساسية المشتركة في الرسالات جميعاً. ذلك أن كل تفصيل - بعد قاعدة العقيدة - في الدين، إنما يرجع إلى هذه القاعدة ولا يخرج عنها. وأهمية هذه القاعدة في ميزان الله هي التي جعلت المنهج القرآني يبرزها هكذا، ويفردها بالذكر في استعراض موكب الإيمان؛ بل في القرآن كله.. ولنذكر - كما قلنا في التعريف بسورة الأنعام أن هذا كان هو موضوع القرآن المكي كله؛ كما كان هو موضوع القرآن المدني كلما عرضت مناسبة لتشريع أو توجيه. إن لهذا الدين "حقيقة"؛ و"منهجاً" لعرض هذه الحقيقة. "والمنهج" في هذا الدين لا يقل أصالة ولا ضرورة عن "الحقيقة" فيه.. وعلينا أن نعرف الحقيقة الأساسية التي جاء بها هذا الدين. كما أن علينا أن نلتزم المنهج الذي عرض به هذه الحقيقة.. وفي هذا المنهج إبراز وإفراد وتكرار وتوكيد لحقيقة التوحيد للألوهية.. ومن هنا ذلك التوكيد والتكرار والإبراز والإفراد لهذه القاعدة في قصص هذه السورة.. * إن هذا القصص يصور طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر في نفوس البشر؛ ويعرض نموذجاً مكرراً للقلوب المستعدة للإيمان، ونموذجاً مكرراً للقلوب المستعدة للكفر أيضاً.. إن الذين آمنوا بكل رسول لم يكن في قلوبهم الاستكبارعن الاستسلام لله والطاعة لرسوله؛ ولم يعجبوا أن يختار الله واحداً منهم ليبلغهم وينذرهم. فأما الذين كفروا بكل رسول فقد كانوا هم الذين أخذتهم العزة بالإثم، فاستبكروا أن ينزلوا عن السلطان المغتصب في أيديهم لله صاحب الخلق والأمر، وأن يسمعوا لواحد منهم.. كانوا هم "الملأ" من الحكام والكبار والوجهاء وذوي السلطان في قومهم.. ومن هنا نعرف عقدة هذا الدين.. إنها عقدة الحاكمية والسلطان.. فالملأ كانوا يحسون دائماً ما في قول رسولهم لهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. {ولكني رسول من رب العالمين}.. كانوا يحسون أن الألوهية الواحدة والربوبية الشاملة تعني - أول ما تعني - نزع السلطان المغتصب من أيديهم؛ ورده إلى صاحبه الشرعي.. إلى الله رب العالمين.. وهذا ما كانوا يقاومون في سبيله حتى يكونوا من الهالكين! وقد بلغ من عقدة السلطان في نفوسهم ألا ينتفع اللاحق منهم بالغابر، وأن يسلك طريقه إلى الهلاك، كما يسلك طريقه إلى جهنم كذلك!.. إن مصارع المكذبين - كما يعرضها هذا القصص - تجري على سنة لا تتبدل: نسيان لآيات الله وانحراف عن طريقه. إنذار من الله للغافلين على يد رسول. استكبار عن العبودية لله وحده والخضوع لرب العالمين. اغترار بالرخاء واستهزاء بالإنذار واستعجال للعذاب. طغيان وتهديد وإيذاء للمؤمنين. ثبات من المؤمنين ومفاصلة على العقيدة.. ثم المصرع الذي يأتي وفق سنة الله على مدار التاريخ! * وأخيراً فإن طاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق.. وحتى حين يريد الحق أن يعيش في عزلة عن الباطل - تاركاً مصيرهما لفتح الله وقضائه - فإن الباطل لا يقبل منه هذا الموقف. بل يتابع الحق وينازله ويطارده.. ولقد قال شعيب لقومه: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين}.. ولكنهم لم يقبلوا منه هذه الخطة، ولم يطيقوا رؤية الحق يعيش؛ ولا رؤية جماعة تدين لله وحده وتخرج من سلطان الطواغيت: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا}.. وهنا صدع شعيب بالحق رافضاً هذا الذي يعرضه عليهم الطواغيت: {قال: أو لو كنا كارهين؟ قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها..} ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضاً، وأنه لا يجديهم فتيلاً أن يتقوها ويتجنبوها. فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية، ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم الله منها. وقد نجاهم الله منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت ودانت بالعبودية لله وحده.. فلا مفر من خوض المعركة، والصبر عليها، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة فيها؛ وأن يقولوا مع شعيب: {على الله توكلنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين}.. ثم تجري سنة الله بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ.. ونكتفي بهذه المعالم في طريق القصص القرآني، حتى نستعرض النصوص بالتفصيل: إن موكب الإيمان الذي يسير في مقدمته رسل الله الكرام، مسبوق في السياق بموكب الإيمان في الكون كله. في الفقرة السابقة مباشرة: {أية : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين }.. تفسير : وإن الدينونة لهذا الإله، الذي خلق السماوات والأرض، والذي استوى على العرش، والذي يحرك الليل ليطلب النهار، والذي تجري الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، والذي له الخلق والأمر. إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة. هي التي يدعون إليها البشرية كلها، كلما قعد لها الشيطان على صراط فأضلها عنه؛ وردها إلى الجاهلية التي تتبدى في صور شتى؛ ولكنها كلها تتسم بإشراك غير الله معه في الربوبية. والمنهج القرآني يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون لله، ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون الذي يعيشون فيه؛ والإسلام لله الذي أسلم له الكون كله؛ والذي يتحرك مسخراً بأمره. ذلك أن هذا الإيقاع بهذه الحقيقة الكونية كفيل بأن يهز القلب البشري هزاً؛ وأن يستحثه من داخله على أن ينخرط في سلك العبادة المستسلمة؛ فلا يكون هو وحده نشازاً في نظام الوجود كله! إن الرسل الكرام لا يدعون البشرية لأمر شاذ؛ إنما يدعونها إلى الأصل الذي يقوم عليه الوجود كله؛ وإلى الحقيقة المركوزة في ضمير هذا الوجود.. وهي ذاتها الحقيقة المركوزة في فطرة البشر؛ والتي تهتف بها فطرتهم حين لا تلوي بها الشهوات، ولا يقودها الشيطان بعيداً عن حقيقتها الأصيلة.. وهذه هي اللسمة المستفادة من تتابع السياق القرآني في السورة على النحو الذي تتابع به. {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قال الملأ من قومه: إنا لنراك في ضلال مبين. قال: يا قوم ليس بي ضلالة، ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات رب، وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون. أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، ولتتقوا، ولعلكم ترحمون؟ فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوماً عمين}.. تعرض القصة هنا باختصار، ليست فيها التفصيلات التي ترد في مواضع أخرى من القرآن في سياق يتطلب تلك التفصيلات، كالذي جاء في سورة هود، وفي سورة نوح.. إن الهدف هنا هو تصوير: تلك المعالم التي تحدثنا عنها آنفاً.. طبيعة العقيدة. طريقة التبليغ. طبيعة استقبال القوم لها. حقيقة مشاعر الرسول. تحقق النذير.. لذلك تذكر من القصة فحسب تلك الحلقات المحققة لتلك المعالم، على منهج القصص القرآني. {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه}.. على سنة الله في إرسال كل رسول من قومه، وبلسانهم، تأليفاً لقلوب الذين لم تفسد فطرتهم، وتيسيراً على البشر في التفاهم والتعارف. وإن كان الذين فسدت فطرتهم يعجبون من هذه السنة، ولا يستجيبون، ويستكبرون أن يؤمنوا لبشر مثلهم، ويطلبون أن تبلغهم الملائكة! وإن هي إلا تعلة. وما كانوا ليستجيبوا إلى الهدى، مهما جاءهم من أي طريق! لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فخاطبهم بتلك الكلمة الواحدة التي جاء بها كل رسول: {فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}. فهي الكلمة التي لا تتبدل، وهي قاعدة هذه العقيدة التي لا توجد إلا بها، وهي عماد الحياة الإنسانية الذي لا تقوم على غيره، وهي ضمان وحدة الوجهة ووحدة الهدف، ووحدة الرباط. وهي الكفيل بتحرر البشر من العبودية للهوى، والعبودية لأمثالهم من العبيد، وبالاستعلاء على الشهوات كلها وعلى الوعد والوعيد. إن دين الله منهج للحياة، قاعدته أن يكون السلطان كله في حياة الناس كلها لله. وهذا هو معنى عبادة الله وحده، ومعنى ألا يكون للناس إله غيره.. والسلطان يتمثل في الاعتقاد بربوبيته لهذا الوجود وإنشائه وتدبيره بقدرة الله وقدره. كما يتمثل في الاعتقاد بربوبيته للإنسان وإنشائه وتدبير أمره بقدرة الله وقدره. وعلى نفس المستوى يتمثل في الاعتقاد بربوبية الله لهذا الإنسان في حياته العملية الواقعية، وقيامها على شريعته وأمره، تمثله في التقدم بشعائر العبادة له وحده.. كلها حزمة واحدة.. غير قابلة للتجزئة. وإلا فهو الشرك، وهو عبادة غير الله معه، أو من دونه! ولقد قال نوح لقومه هذه القولة الواحدة، وأنذرهم عاقبة التكذيب بها في إشفاق الأخ الناصح لإخوانه، وفي صدق الرائد الناصح لأهله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}.. وهنا نرى أن ديانة نوح.. أقدم الديانات.. كانت فيها عقيدة الآخرة. عقيدة الحساب والجزاء في يوم عظيم، يخاف نوح على قومه ما ينتظرهم فيه من عذاب.. وهكذا تتبين مفارقة منهج الله وتقريره في شأن العقيدة، ومناهج الخابطين في الظلام من "علماء الأديان" وأتباعهم الغافلين عن منهج القرآن. فكيف كان استقبال المنحرفين الضالين من قوم نوح لهذه الدعوة الخالصة الواضحة المستقيمة؟ {قال الملأ من قومه: إنا لنراك في ضلال مبين}! كما قال مشركو العرب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إنه صبأ، ورجع عن دين إبراهيم! وهكذا يبلغ الضال من الضلال أن يحسب من يدعوه إلى الهدى هو الضال! بل هكذا يبلغ التبجح الوقح بعدما يبلغ المسخ في الفطر!.. هكذا تنقلب الموازين، وتبطل الضوابط، ويحكم الهوى؛ ما دام أن الميزان ليس هو ميزان الله الذي لا ينحرف ولا يميل. وماذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين بهدى الله؟ إنها تسميهم الضالين، وتعد من يهتدي منهم ويرجع بالرضى والقبول!.. أجل من يهتدي إلى المستنقع الكريه، وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه! وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها؟ وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص؟ إنها تسمي ترفعهما هذا ونظافتهما وتطهرهما "رجعية" وتخلفاً وجموداً وريفية! وتحاول الجاهلية بكل ما تملكه من وسائل التوجيه والإعلام أن تغرق ترفعهما ونظافتهما في الوحل الذي تتمرغ فيه في المستنقع الكريه! وماذا تقول الجاهلية لمن ترتفع اهتماماته عن جنون مباريات الكرة؛ وجنون الأفلام والسينما والتليفزيون وما إليه؛ وجنون الرقص والحفلات الفارغة والملاهي؟ إنها تقول عنه: إنه "جامد". ومغلق على نفسه، وتنقصه المرونة والثقافة! وتحاول أن تجره إلى تفاهة من هذه ينفق فيها حياته.. إن الجاهلية هي الجاهلية.. فلا تتغير إلا الأشكال والظروف! وينفي نوح عن نفسه الضلال، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومنبعها، فهو لم يبتدعها من أوهامه وأهوائه. إنما هو رسول من رب العالمين. يحمل لهم الرسالة. ومعها النصح والأمانة. ويعلم من الله ما لا يعلمون. فهو يجده في نفسه، وهو موصول به، وهم عنه محجوبون: {قال: يا قوم ليس بي ضلالة، ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون}.. ونلمح هنا فجوة في السياق.. فكأنما عجبوا أن يختار الله رسولاً من البشر من بينهم، يحمله رسالة إلى قومه، وأن يجد هذا الرسول في نفسه علماً عن ربه لا يجده الآخرون، الذين لم يختاروا هذا الاختيار.. هذه الفجوة في السياق يدل عليها ما بعدها: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، ولتتقوا، ولعلكم ترحمون؟}.. وما من عجب في هذا الاختيار. فهذا الكائن الإنساني شأنه كله عجيب.. إنه يتعامل مع العوالم كلها، ويتصل بربه بما ركب في طبيعته من نفخة الله فيه من روحه.. فإذا اختار الله من بينه رسوله - والله أعلم حيث يجعل رسالته - فإنما يتلقى هذا المختار عنه، بما أودع في كيانه من إمكانية الاتصال به والتلقي عنه، بذلك السر اللطيف الذي به معنى الإنسان، والذي هو مناط التكريم العلوي لهذا الكائن العجيب التكوين. ويكشف لهم نوح عن هدف الرسالة: {لينذركم، ولتتقوا، ولعلكم ترحمون}.. فهو الإنذار لتحريك القلوب بمشاعر التقوى، ليظفروا في النهاية برحمة الله.. ولا شيء وراء ذلك لنوح، ولا مصلحة، ولا هدف، إلا هذا الهدف السامي النبيل. ولكن الفطرة حين تبلغ حداً معيناً من الفساد، لا تتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر، ولا ينفع معها الإنذار ولا التذكير: {فكذبوه، فأنجيناه والذين معه في الفلك، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوماً عمين}.. ولقد رأينا من عماهم عن الهدى والنصح المخلص والنذير.. فبعماهم هذا كذبوا.. وبعماهم لاقوا هذا المصير! وتمضي عجلة التاريخ، ويمضي معها السياق، فإذا نحن أمام عاد قوم هود: "وإلى عاد أخاهم هودا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون؟ قال الملأ الذين كفروا من قومه: إنا لنراك في سفاهة، وإنا لنظنك من الكاذبين. قال: يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي، وأنا لكم ناصح أمين. أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم؟ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟ فأتنا بما تعدنا إنا كنت من الصادقين. قال: قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان؟ فانتظروا، إني معكم من المنتظرين. فأنجيناه والذين معه برحمة منا، وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا، وما كانوا مؤمنين}. إنها نفس الرسالة، ونفس الحوار، ونفس العاقبة.. إنها السنة الماضية، والناموس الجاري، والقانون الواحد.. إن قوم عاد هؤلاء من ذراري نوح والذين نجوا معه في السفينة، وقيل: كان عددهم ثلاثة عشر.. وما من شك أن أبناء هؤلاء المؤمنين الناجين في السفينة كانوا على دين نوح عليه السلام - وهو الإسلام - كانوا يعبدون الله وحده، ما لهم من إله غيره، وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين، فهكذا قال لهم نوح: {ولكني رسول من رب العالمين}.. فلما طال عليهم الأمد، وتفرقوا في الأرض، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية، وقادهم من شهواتهم - وفي أولها شهوة الملك وشهوات المتاع، وفق الهوى لا وفق شريعة الله، عاد قوم هود يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة الله وحده من جديد: {وإلى عاد أخاهم هودا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون؟}.. القولة التي قالها نوح من قبله، والتي كذب بها قومه، فأصابهم ما أصابهم، واستخلف الله عادا من بعدهم - ولا يذكر هنا أين كان موطنهم، وفي سورة أخرى نعلم أنهم كانوا بالأحقاف، وهي الكثبان المرتفعة على حدود اليمن ما بين اليمامة وحضرموت - وقد ساروا في الطريق الذي سار فيه من قبل قوم نوح، فلم يتذكروا ولم يتدبروا ما حل بمن ساروا في هذا الطريق، لذلك يضيف هود في خطابه لهم قوله: {أفلا تتقون؟} استنكاراً لقلة خوفهم من الله ومن ذلك المصير المرهوب. وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى، وأن يستنكر منهم قلة التقوى؛ ورأوا فيه سفاهة وحماقة، وتجاوزا للحد، وسوء تقدير للمقام! فانطلقوا يتهمون نبيهم بالسفاهة وبالكذب جميعاً في غير تحرج ولا حياء: {قال الملأ الذين كفروا من قومه: إنا لنراك في سفاهة، وإنا لنظنك من الكاذبين}.. هكذا جزافاً بلا تروّ ولا تدبر ولا دليل! {قال: يا قوم ليس بي سفاهة، ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين}.. لقد نفى عن نفسه السفاهة في بساطة وصدق - كما نفى عن نفسه الضلالة - وقد كشف لهم - كما كشف نوح من قبل - عن مصدر رسالته وهدفها؛ وعن نصحه لهم فيها وأمانته في تبليغها. وقال لهم ذلك كله في مودة الناصح وفي صدق الأمين. ولا بد أن يكون القوم قد عجبوا - كما عجب قوم نوح من قبل - من هذا الاختيار، ومن تلك الرسالة، فإذا هود يكرر لهم ما قاله نوح من قبل، كأنما كلاهما روح واحدة في شخصين: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم؟}.. ثم يزيد عليه ما يمليه واقعهم.. واقع استخلافهم في الأرض من بعد قوم نوح، وإعطائهم قوة في الأجسام وضخامة بحكم نشأتهم الجبلية، وإعطائهم كذلك السلطان والسيطرة: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة. فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون}.. فلقد كان من حق هذا الاستخلاف، وهذه القوة والبسطة، أن تستوجب شكر النعمة، والحذر من البطر، واتقاء مصير الغابرين. وهم لم يأخذوا على الله عهداً: أن تتوقف سنته التي لا تتبدل، والتي تجري وفق الناموس المرسوم، بقدر معلوم. وذكر النعم يوحي بشكرها؛ وشكر النعمة تتبعه المحافظة على أسبابها؛ ومن ثم يكون الفلاح في الدنيا والآخرة. ولكن الفطرة حين تنحرف لا تتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر.. وهكذا أخذت الملأ العزة بالإثم، واختصروا الجدل، واستعجلوا العذاب استعجال من يستثقل النصح، ويهزأ بالإنذار: {قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}.. لكأنما كان يدعوهم إلى أمر منكر لا يطيقون الاستماع إليه، ولا يصبرون على النظر فيه: {أجئتنا لنعبد الله وحده، ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟}؛ إنه مشهد بائس لاستعباد الواقع المألوف للقلوب والعقول. هذا الاستعباد الذي يسلب الإنسان خصائص الإنسان الأصيلة: حرية التدبر والنظر، وحرية التفكير والاعتقاد. ويدعه عبداً للعادة والتقليد، وعبداً للعرف والمألوف، وعبداً لما تفرضه عليه أهواؤه وأهواء العبيد من أمثاله، ويغلق عليه كل باب للمعرفة وكل نافذة للنور.. وهكذا استعجل القوم العذاب فراراً من مواجهة الحق، بل فراراً من تدبر تفاهة الباطل الذي هم له عبيد؛ وقالوا لنبيهم الناصح الأمين: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}! ومن ثم كان الجواب حاسماً وسريعاً في رد الرسول: {قال: قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب. أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان؟ فانتظروا، إني معكم من المنتظرين}. لقد أبلغهم العاقبة التي أنبأه بها ربه، والتي قد حقت عليهم فلم يعد عنها محيص.. إنه العذاب الذي لا دافع له، وغضب الله المصاحب له.. ثم جعل بعد هذا التعجيل لهم بالعذاب الذي استعجلوه؛ يكشف لهم عن سخافة معتقداتهم وتصوراتهم: {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما نزل الله بها من سلطان؟}.. إن ما تعبدون مع الله ليس شيئاً ذا حقيقة! إنها مجرد أسماء أطلقتموها أنتم وآباؤكم؛ من عند أنفسكم، لم يشرعها الله ولم يأذن بها، فما لها إذن من سلطان ولا لكم عليها من برهان. والتعبير المتكرر في القرآن: {ما نزل الله بها من سلطان}..هو تعبير موح عن حقيقة أصيلة.. إن كل كلمة أو شرع أو عرف أو تصور لم ينزله الله، خفيف الوزن، قليل الأثر، سريع الزوال.. إن الفطرة تتلقى هذا كله في استخفاف، فإذا جاءت الكلمة من الله ثقلت واستقرت ونفذت إلى الأعماق، بما فيها من سلطان الله الذي يودعها إياه. وكم من كلمات براقة، وكم من مذاهب ونظريات، وكم من تصورات مزوقة، وكم من أوضاع حشدت لها كل قوى التزيين والتمكين.. ولكنها تتذاوب أمام كلمة من الله، فيها من سلطانه - سبحانه - سلطان! وفي ثقة المطمئن، وقوة المتمكن، يواجه هود قومه بالتحدي: {فانتظروا، إني معكم من المنتظرين}.. إن هذه الثقة هي مناط القوة التي يستشعرها صاحب الدعوة إلى الله.. إنه على يقين من هزال الباطل وضعفه وخفة وزنه مهما انتفش ومهما استطال. كما أنه على يقين من سلطان الحق الذي معه وقوته بما فيه من سلطان الله. ولا يطول الانتظار في السياق: {فأنجيناه والذين معه برحمة منا، وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا، وما كانوا مؤمنين}.. فهو المحق الكامل الذي لا يتخلف منه أحد. وهو ما عبر عنه بقطع الدابر. والدابر هو آخر واحد في الركب يتبع أدبار القوم! وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين. وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير.. ولا يفصل السياق هنا ما يفصله من أمر هذا الهلاك في السور الأخرى. فنقف نحن في ظلال النص الذي يهدف إلى الاستعراض السريع؛ ولا نخوض في تفصيل له مواضعه في النصوص. {وإلى ثمود أخاهم صالحاً، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم. واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبوأكم في الأرض، تتخذون من سهولها قصوراً، وتنحتون الجبال بيوتاً، فاذكروا آلاء الله، ولا تعثوا في الأرض مفسدين. قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا - لمن آمن منهم -: أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟ قالوا: إنا بما أرسل به مؤمنون، قال الذين استكبروا: إنا بالذي آمنتم به كافرون. فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين}.. وهذه صفحة أخرى من صحائف قصة البشرية؛ وهي تمضي في خضم التاريخ، وها هي ذي نكسة أخرى إلى الجاهلية؛ ومشهد من مشاهد اللقاء بين الحق والباطل، ومصرع جديد من مصارع المكذبين.. {وإلى ثمود أخاهم صالحاً. قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. ذات الكلمة الواحدة التي بها بدأ هذا الخلق وإليها يعود، وذات المنهج الواحد في الاعتقاد والاتجاه والمواجهة والتبليغ.. ويزيد هنا تلك المعجزة التي صاحبت دعوة صالح، حين طلبها قومه للتصديق: {قد جاءتكم بيِّنة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية}.. والسياق هنا، لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة، ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب، لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة، بل يعلن وجودها عقب الدعوة. وكذلك لا يذكر تفصيلاً عن الناقة أكثر من أنها بيِّنة من ربهم، وأنها ناقة الله وفيها آية منه. ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية، أو أنها أخرجت لهم إخراجاً غير عادي. مما يجعلها بينة من ربهم، ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى، ويجعلها آية على صدق نبوته.. ولا نزيد على هذا شيئاً مما لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن - وفيما جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر - فنمضي نحن مع النصوص ونعيش في ظلالها: {فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم}.. إنها ناقة الله، فذروها تأكل في أرض الله، وإلا فهو النذير بسوء المصير.. وبعد عرض الآية والإنذار بالعاقبة، يأخذ صالح في النصح لقومه بالتدبر والتذكر، والنظر في مصائر الغابرين، والشكر على نعمة الاستخلاف بعد هؤلاء الغابرين: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبوأكم في الأرض، تتخذون من سهولها قصوراً، وتنحتون الجبال بيوتاً. فاذكروا آلاء الله، ولا تعثوا في الأرض مفسدين}. ولا يذكر السياق هنا أين كان موطن ثمود، ولكنه يذكر في سورة أخرى أنهم كانوا في الحجر - وهي بين الحجاز والشام.. ونلمح من تذكير صالح لهم، أثر النعمة والتمكين في الأرض لثمود، كما نلمح طبيعة المكان الذي كانوا يعيشون فيه. فهو سهل وجبل، وقد كانوا يتخذون في السهل القصور، وينحتون في الجبال البيوت. فهي حضارة عمرانية واضحة المعالم في هذا النص القصير.. وصالح يذكرهم استخلاف الله لهم من بعد عاد، وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها، ولكن يبدو أنهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانية التالية في التاريخ لحضارة عاد، وأن سلطانهم امتد خارج الحجر أيضاً. وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض، محكمين فيها. وهو ينهاهم عن الانطلاق في الأرض بالفساد، اغتراراً بالقوة والتمكين، وأمامهم العبرة ماثلة في عاد الغابرين! وهنا كذلك نلمح فجوة في السياق على سبيل الإيجاز والاختصار. فقد آمنت طائفة من قوم صالح، واستكبرت طائفة. والملأ هم آخر من يؤمن بدعوة تجردهم من السلطان في الأرض، وترده إلى إله واحد هو رب العالمين! ولا بد أن يحاولوا فتنة المؤمنين الذين خلعوا ربقة الطاغوت من أعناقهم بعبوديتهم لله وحده، وتحرروا بذلك من العبودية للعبيد! وهكذا نرى الملأ المستكبرين من قوم صالح يتجهون إلى من آمن من الضعفاء بالفتنة والتهديد: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا - لمن آمن منهم -: أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟}.. وواضح أنه سؤال للتهديد والتخويف، ولاستنكار إيمانهم به، وللسخرية من تصديقهم له في دعواه الرسالة من ربه. ولكن الضعاف لم يعودوا ضعافاً! لقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم، والثقة في نفوسهم، والاطمئنان في منطقهم.. إنهم على يقين من أمرهم، فماذا يجدي التهديد والتخويف؟ وماذا تجدي السخرية والاستنكار.. من الملأ المستكبرين؟: {قالوا: إنا بما أرسل به مؤمنون}.. ومن ثم يعلن الملأ عن موقفهم في صراحة تحمل طابع التهديد: {إنا بالذي آمنتم به كافرون}.. على الرغم من البينة التي جاءهم بها صالح. والتي لا تدع ريبة لمستريب.. إنه ليست البينة هي التي تنقص الملأ للتصديق.. إنه السلطان المهدد بالدينونة للرب الواحد.. إنها عقدة الحاكمية والسلطان، إنها شهوة الملك العميقة في الإنسان! إنه الشيطان الذي يقود الضالين من هذا الخطام! وأتبعوا القول بالعمل، فاعتدوا على ناقة الله التي جاءتهم آية من عنده على صدق نبيه في دعواه؛ والتي حذرهم نبيهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم: {فعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم؛ وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين}.. إنه التبجح الذي يصاحب المعصية. ويعبر عن عصيانهم بقوله: {عتوا} لإبراز سمة التبجح فيها، وليصور الشعور النفسي المصاحب لها. والذي يعبر عنه كذلك ذلك التحدي باستعجال العذاب والاستهتار بالنذير: ولا يستأني السياق في إعلان الخاتمة، ولا يفصل كذلك: {فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين}.. والرجفة والجثوم، جزاء مقابل للعتو والتبجح. فالرجفة يصاحبها الفزع، والجثوم مشهد للعجز عن الحراك. وما أجدر العاتي أن يرتجف، وما أجدر المعتدي أن يعجز. جزاء وفاقاً في المصير. وفي التعبير عن هذا المصير بالتصوير. ويدعهم السياق على هيئتهم.. {جاثمين}.. ليرسم لنا مشهد صالح الذي كذبوه وتحدوه: {فتولى عنهم، وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين}. إنه الإشهاد على أمانة التبليغ والنصح؛ والبراءة من المصير الذي جلبوه لأنفسهم بالعتو والتكذيب. .. وهكذا تطوى صفحة أخرى من صحائف المكذبين. ويحق النذير بعد التذكير على المستهزئين.. وتمضي عجلة التاريخ، فيظلنا عهد إبراهيم - عليه السلام - ولكن السياق لا يتعرض هنا لقصة إبراهيم. ذلك أن السياق يتحرى مصارع المكذبين؛ متناسقاً مع ما جاء في أول السورة:{أية : وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون}تفسير : وهذا القصص إنما هو تفصيل لهذا الإجمال في إهلاك القرى التي كذبت بالنذير.. وقوم إبراهيم لم يهلكوا لأن إبراهيم - عليه السلام - لم يطلب من ربه هلاكهم. بل اعتزلهم وما يدعون من دون الله.. إنما تجيء هنا قصة قوم لوط - ابن أخي إبراهيم - ومعاصره، بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك. يتمشى مع ظلال السياق، على طريقة القرآن: {ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين؟ إنكم لتأتون الرجال - شهوة - من دون النساء. بل أنتم قوم مسرفون. وما كان جواب قومه إلا أن قالوا: أخرجوهم من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون. فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطراً، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين}.. وتكشف لنا قصة قوم لوط عن لون خاص من انحراف الفطرة؛ وعن قضية أخرى غير قضية الألوهية والتوحيد التي كانت مدار القصص السابق. ولكنها في الواقع ليست بعيدة عن قضية الألوهية والتوحيد.. إن الاعتقاد في الله الواحد يقود إلى الإسلام لسننه وشرعه. وقد شاءت سنة الله أن يخلق البشر ذكراً وأنثى، وأن يجعلهما شقين للنفس الواحدة تتكامل بهما؛ وأن يتم الامتداد في هذا الجنس عن طريق النسل؛ وأن يكون النسل من التقاء ذكر وأنثى..ومن ثم ركبهما وفق هذه السنة صالحين للالتقاء، صالحين للنسل عن طريق هذا الالتقاء، مجهزين عضوياً ونفسياً لهذا الالتقاء.. وجعل اللذة التي ينالانها عندئذ عميقة، والرغبة في إتيانها أصيلة، وذلك لضمان أن يتلاقيا فيحققا مشيئة الله في امتداد الحياة؛ ثم لتكون هذه الرغبة الأصيلة وتلك اللذة العميقة دافعاً في مقابل المتاعب التي يلقيانها بعد ذلك في الذرية. من حمل ووضع ورضاعة. ومن نفقة وتربية وكفالة.. ثم لتكون كذلك ضماناً لبقائهما ملتصقين في أسرة، تكفل الأطفال الناشئين، الذين تطول فترة حضانتهم أكثر من أطفال الحيوان، ويحتاجون إلى رعاية أطول من الجيل القديم! هذه هي سنة الله التي يتصل إدراكها والعمل بمقتضاها بالاعتقاد في الله وحكمته ولطف تدبيره وتقديره. ومن ثم يكون الانحراف عنها متصلاً بالانحراف عن العقيدة، وعن منهج الله للحياة. ويبدو انحراف الفطرة واضحاً في قصة قوم لوط، حتى أن لوطا ليجبههم بأنهم بدع دون خلق الله فيها، وأنهم في هذا الانحراف الشنيع غير مسبوقين: {ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين؟ إنكم لتأتون الرجال - شهوة - من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون}.. والإسراف الذي يدمغهم به لوط هو الإسراف في تجاوز منهج الله الممثل في الفطرة السوية. والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله إياها، لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة، فإذا هم يريقونها ويبعثرونها في غير موضع الإخصاب. فهي مجرد {شهوة} شاذة. لأن الله جعل لذة الفطرة الصادقة في تحقيق سنة الله الطبيعية. فإذا وجدت نفس لذتها في نقيض هذه السنة، فهو الشذوذ إذن والانحراف والفساد الفطري، قبل أن يكون فساد الأخلاق.. ولا فرق في الحقيقة. فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق الفطرية، بلا انحراف ولا فساد. إن التكوين العضوي للأنثى - كالتكوين النفسي - هو الذي يحقق لذة الفطرة الصادقة للذكر في هذا الالتقاء، الذي لا يقصد به مجرد "الشهوة". إنما هذه اللذة المصاحبة له رحمة من الله ونعمة، إذ يجعل القيام بتحقيق سنته ومشيئته في امتداد الحياة، مصحوباً بلذة تعادل مشقة التكليف! فأما التكوين العضوي للذكر - بالنسبة للذكر - فلا يمكن أن يحقق لذة للفطرة السليمة؛ بل إن شعور الاستقذار ليسبق، فيمنع مجرد الاتجاه عند الفطرة السليمة. وطبيعة التصور الاعتقادي، ونظام الحياة الذي يقوم عليه، ذو أثر حاسم في هذا الشأن.. فهذه هي الجاهلية الحديثة في أوربا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسي الشاذ انتشاراً ذريعاً. بغير ما مبرر إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح، وعن منهج الحياة الذي يقوم عليه. وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياة الإنسانية لغير اليهود، بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي.. كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأن احتجاب المرأة هو الذي ينشر هذه الفاحشة الشاذة في المجتمعات! ولكن شهادة الواقع تخرق العيون. ففي أوربا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى - كما في عالم البهائم! - وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص! ولا يقتصر على الشذوذ بين الرجال؛ بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء.. ومن لا تخرق عينيه هذه الشهادة فليقرأ: "السلوك الجنسي عند الرجال" و "السلوك الجنسي عند النساء" في تقرير "كنزي" الأمريكي.. ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة، وتسندها إلى حجاب المرأة. لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون، ووصايا مؤتمرات المبشرين! ونعود إلى قوم لوط! فيتجلى لنا الانحراف مرة أخرى في جوابهم لنبيهم: {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا: أخرجوهم من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون}! يا عجباً! أو من يتطهر يخرج من القرية إخراجاً، ليبقى فيها الملوثون المدنسون؟! ولكن لماذا العجب؟ وماذا تصنع الجاهلية الحديثة؟ أليست تطارد الذين يتطهرون، فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس فيه مجتمعات الجاهلية - وتسميه تقدمية وتحطيماً للأغلال عن المرأة وغير المرأة - أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم كذلك؛ ولا تطيق أن تراهم يتطهرون؛ لأنها لا تتسع ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين القذرين؟! إنه منطق الجاهلية في كل حين!! وتعرض الخاتمة سريعاً بلا تفصيل ولا تطويل كالذي يجيء في السياقات الأخرى: {فأنجيناه وأهله - إلا امرأته كانت من الغابرين - وأمطرنا عليهم مطراً، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين}.. إنها النجاة لمن تهددهم العصاة. كما أنها هي الفصل بين القوم على أساس العقيدة والمنهج. فامرأته - وهي ألصق الناس به - لم تنج من الهلاك. لأن صلتها كانت بالغابرين المهلكين من قومه في المنهج والاعتقاد. وقد أمطروا مطراً مهلكاً مع ما صاحبه من عواصف.. ترى كان هذا المطر المغرق، والماء الدافق، لتطهير الأرض من ذلك الدنس الذي كانوا فيه، والوحل الذي عاشوا وماتوا فيه؟! على أية حال لقد طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين المجرمين! ونأتي للصفحة الأخيرة من صحائف الأقوام المكذبة في تلك الحقبة من التاريخ.. صفحة مدين وأخيهم شعيب: {وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين. وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين}.. {قال الملأ الذين استكبروا من قومه: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا. قال: أو لو كنا كارهين؟ قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً - على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين. وقال الملأ الذين كفروا من قومه: لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين، فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف آسى على قوم كافرين؟}.. إننا نجد شيئاً من الإطالة في هذه القصة، بالقياس إلى نظائرها في هذا الموضع، ذلك أنها تتضمن غير قضية العقيدة شيئاً عن المعاملات، وإن كانت القصة سائرة على منهج الاستعراض الإجمالي في هذا السياق. {وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}. فهي قاعدة الدعوة التي لا تغيير فيها ولا تبديل.. ثم تبدأ بعدها بعض التفصيلات في رسالة النبي الجديد: {قد جاءتكم بينة من ربكم}.. ولا يذكر السياق نوع هذه البينة - كما ذكرها في قصة صالح - ولا نعرف لها تحديداً من مواضع القصة في السور الأخرى. ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها، تثبت دعواه أنه مرسل من عند الله. ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان، والنهي عن الإفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس، وعن فتنة المؤمنين عن دينهم الذي ارتضوه: {فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط توعدون، وتصدون عن سبيل الله من آمن به، وتبغونها عوجاً، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}.. وندرك من هذا النهي أن قوم شعيب، كانوا قوماً مشركين لا يعبدون الله وحده، إنما يشركون معه عباده في سلطانه؛ وأنهم ما كانوا يرجعون في معاملاتهم إلى شرع الله العادل؛ إنما كانوا يتخذون لأنفسهم من عند أنفسهم قواعد للتعامل - ولعل شركهم إنما كان في هذه الخصلة - وأنهم - لذلك - كانوا سيئي المعاملة في البيع والشراء؛ كما كانوا مفسدين في الأرض، يقطعون الطريق على سواهم. ظلمة يفتنون الذين يهتدون ويؤمنون عن دينهم، ويصدونهم عن سبيل الله المستقيم؛ ويكرهون الاستقامة التي في سبيل الله؛ ويريدون أن تكون الطريق عوجاء منحرفة، لا تمضي على استقامتها كما هي في منهج الله. ويبدأ شعيب - عليه السلام - بدعوتهم إلى عبادة الله وحده وإفراده سبحانه بالألوهية، وإلى الدينونة له وحده وإفراده من ثم بالسلطان في أمر الحياة كله. يبدأ شعيب - عليه السلام - في دعوتهم من هذه القاعدة؛ التي يعلم أنه منها تنبثق كل مناهج الحياة وكل أوضاعها؛ كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل. ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه القاعدة. ويستصحب في دعوتهم إلى الدينونة لله وحده، وإقامة حياتهم على منهجه المستقيم، وترك الإفساد في الأرض بالهوى بعدما أصلحها الله بالشريعة.. يستصحب في دعوتهم إلى هذا كله بعض المؤثرات الموحية.. يذكرهم نعمة الله عليهم: {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم}. ويخوفهم عاقبة المفسدين من قبلهم: {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}.. كذلك يريد منهم أن يأخذوا أنفسهم بشيء من العدل وسعة الصدر؛ فلا يفتنوا المؤمنين الذين هداهم الله إليه عن دينهم، ولا يقعدوا لهم بكل صراط، ولا يأخذوا عليهم كل سبيل، مهددين لهم موعدين، وأن ينتظروا حكم الله بين الفريقين. إن كانوا هم لا يريدون أن يكونوا مؤمنين: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين}.. لقد دعاهم إلى أعدل خطة. ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة.. نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى، وترك كلٍّ وما اعتنق من دين، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت.. إن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا لله، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعاً إلا شرعه، ولا تتبع في حياتها منهجاً إلا منهجه.. إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت - حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده. إن الطاغوت يفرض المعركة فرضاً على الجماعة المسلمة - حتى لو آثرت هي ألا تخوض معه المعركة - إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل. وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل.. إنها سنة الله لا بد أن تجري.. {قال الملأ الذين استكبروا من قومه: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتعودن في ملتنا}. هكذا في تبجح سافر، وفي إصرار على المعركة لا يقبل المهادنة والتعايش! إلا أن قوة العقيدة لا تتلعثم ولا تتزعزع أمام التهديد والوعيد.. لقد وقف شعيب عليه السلام عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة.. نقطة المسالمة والتعايش - على أن يترك لمن شاء أن يدخل في العقيدة التي يشاء؛ وأن يدين للسلطان الذي يشاء: في انتظار فتح الله وحكمه بين الفريقين - وما يملك صاحب دعوة أن يتراجع خطوة واحدة وراء هذه النقطة، تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت.. وإلا تنازل كلية عن الحق الذي يمثله وخانه.. فلما أن تلقى الملأ المستكبرون عرضه هذا بالتهديد بالإخراج من قريتهم أو العودة في ملتهم، صدع شعيب بالحق، مستمسكاً بملته، كارهاً أن يعود في الملة الخاسرة التي أنجاه الله منها، واتجه إلى ربه وملجئه ومولاه يدعوه ويستنصره ويسأله وعده بنصرة الحق وأهله: {قال: أو لو كنا كارهين؟ قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها. وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً - على الله توكلنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين}.. وفي هذه الكلمات القلائل تتجلى طبيعة الإيمان، ومذاقه في نفوس أهله، كما تتجلى طبيعة الجاهلية ومذاقها الكريه. كذلك نشهد في قلب الرسول ذلك المشهد الرائع.. مشهد الحقيقة الإلهية في ذلك القلب وكيف تتجلى فيه. {قال: أو لو كنا كارهين؟} يستنكر تلك القولة الفاجرة: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا}.. يقول لهم: أتجبروننا على ما نكره من ملتكم التي نجانا الله منها؟! {قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها}.. إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت والجاهلية، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة لله وحده، والتي يتخذ الناس فيها أرباباً من دون الله يقرون لهم بسلطان الله.. إن الذي يعود إلى هذه الملة - بعد إذ قسم الله له الخير وكشف له الطريق، وهداه إلى الحق، وأنقذه من العبودية للعبيد - إنما يؤدي شهادة كاذبة على الله ودينه. شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة الله خيراً فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت! أو مؤداها - على الأقل - أن لملة الطاغوت حقاً في الوجود، وشرعية في السلطان؛ وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان بالله. فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن بالله.. وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى، ولم يرفع راية الإسلام. شهادة الاعتراف براية الطغيان. ولا طغيان وراء اغتصاب سلطان الله في الحياة! وكذلك يستنكر شعيب - عليه السلام - ما يتهدده به الطغاة من إعادته هو والذين آمنوا معه إلى الملة التي أنجاهم الله منها: {وما يكون لنا أن نعود فيها}.. وما من شأننا أصلاً؛ وما ينبغي لنا قطعاً أن نعود فيها.. يقولها وأمامه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة، التي تعلن خروجها عن سلطانه، ودينونتها لله وحده بلا شريك معه أو من دونه. إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده - مهما عظمت وشقت - أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة - مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق! - إنه تكاليف بطيئة طويلة مديدة! تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته فهذه "الإنسانية" لا توجد، والإنسان عبد للإنسان - وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان؟!.. وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به، ورضاه أو غضبه عليه؟!.. وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى إنسان مثله ورغباته وشهواته؟! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟! على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة.. إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس - في حكم الطواغيت - أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج. كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات. فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه، ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه! ثم يكلفهم أعراضهم في النهاية.. حيث لا يملك أب أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت، سواء في صورة الغصب المباشر - كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ - أو في صورة تنشئتهن على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهباً مباحاً للشهوات تحت أي شعار! وتمهد لهن الدعارة والفجور تحت أي ستار.. والذي يتصور أنه ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون الله. إنما يعيش في وهم، أو يفقد الإحساس بالواقع! إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والعرض والمال.. ومهما تكن تكاليف العبودية لله، فهي أربح وأقوم حتى بميزان هذه الحياة. فضلاً على وزنها في ميزان الله.. يقول السيد أبو الأعلى المودودي في كتاب: الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية: "... وكل من له أدنى بصيرة بمسائل الحياة الإنسانية، لا يخفى عليه أن المسألة - التي تتوقف عليها قضية صلاح الشؤون البشرية وفسادها - إنما هي مسألة زعامة الشؤون البشرية ومن بيده زمام أمرها. وذلك كما تشاهد في القطار أنه لا يجري إلا إلى الجهة التي يوجهه إليها سائقه، وأنه لا بد للركاب أن يسافروا - طوعاً أو كرهاً - إلى تلك الجهة نفسها. فكذلك لا يجري قطار المدنية الإنسانية إلا إلى جهة يوجهه إليها من بأيديهم زمام أمر تلك المدنية. ومن الظاهر البين أن الإنسانية بمجموعها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تأبى السير على تلك الخطة التي رسمها لهم الذين بأيديهم وسائل الأرض وأسبابها طراً، ولهم الهيمنة كل الهيمنة على أزمة الأمر، وبيدهم السلطة المطلقة في تدبير شؤون الإنسانية، وتتعلق بأذيالهم نفوس الجماهير وآمالهم، وهم يملكون أدوات تكوين الأفكار والنظريات وصوغها في قوالب يحبونها، وإليهم المرجع في تنشئة الطباع الفردية، وإنشاء النظام الجماعي، وتحديد القيم الخلقية. فإذا كان هؤلاء الزعماء والقواد ممن يؤمنون بالله ويرجون حسابه.. فلا بد لنظام الحياة بأسره أن يسير على طريق من الخير والرشد والصلاح، وأن يعود الخبثاء الأشرار إلى كنف الدين ويصلحوا شؤونهم. وكذلك تنمو الحسنات ويزكو غراسها، وأقل ما يكون من تأثير المجتمع في السيئات أنها لا تربو. إن لم تمحق وتنقرض آثارها. وأما إذا كانت هذه السلطة - سلطة الزعامة والقيادة والإمامة - بأيدي رجال انحرفوا عن الله ورسوله، واتبعوا الشهوات، وانغمسوا في الفجور والطغيان، فلا محالة أن يسير نظام الحياة بقضه وقضيضه على البغي والعدوان والفحشاء، ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والنظريات والعلوم والآداب والسياسة والمدنية والثقافة والعمران والأخلاق والمعاملات والعدالة والقانون برمتها، وتنمو السيئات ويستفحل أمرها..." ... "والظاهر أن أول ما يطالب به دين الله عباده، أن يدخلوا في عبودية الحق كافة مخلصين له الطاعة والانقياد، حتى لا يبقى في أعناقهم قلادة من قلائد العبودية لغير الله تعالى. ثم يتطلب منهم ألا يكون لحياتهم قانون إلا ما أنزله الله تعالى، وجاء به الرسول الأمي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ثم إن الإسلام يطالبهم أن ينعدم من الأرض الفساد، وتستأصل شأفة السيئات والمنكرات الجالبة على العباد غضب الله تعالى وسخطه. وهذه الغايات السامية لا يمكن أن يتحقق منها شيء ما دامت قيادة أبناء البشر وتسيير شؤونهم في الأرض بأيدي أئمة الكفر والضلال؛ ولا يكون من أمر أتباع الدين الحق وأنصاره إلا أن يستسلموا لأمر هؤلاء وينقادوا لجبروتهم، يذكرون الله قابعين في زواياهم، منقطعين عن الدنيا وشؤونها، مغتنمين ما يتصدق به هؤلاء الجبابرة عليهم من المسامحات والضمانات! ومن هنا يظهر ما للإمامة الصالحة وإقامة نظام الحق من أهمية خطيرة تجعلها من غايات الدين وأسسه. والحق أن الإنسان لا يمكنه أن يبلغ رضى الله تعالى بأي عمل من أعماله إذا تناسى هذه الفريضة وتقاعس عن القيام بها.. ألم تروا ما جاء في الكتاب والسنة من ذكر الجماعة ولزومها والسمع والطاعة، حتى إن الإنسان ليستوجب القتل إذا خرج من الجماعة - ولو قيد شعره - وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. وهل لذلك من سبب سوى أن غرض الدين الحقيقي وهدفه إنما هو إقامة نظام الحق، والإمامة الراشدة وتوطيد دعائمه في الأرض. وكل ذلك يتوقف تحققه على القوة الجماعية، والذي يضعضع القوة الجماعية ويفت في عضدها، يجني على الإسلام وأهله جناية لا يمكن جبرها وتلافيها بالصلاة ولا بالإقرار بكلمة التوحيد.. ثم انظروا إلى ما كسب "الجهاد" من المنزلة العالية والمكانة الرفيعة في الدين، حتى إن القرآن ليحكم "بالنفاق" على الذين ينكلون عنه ويثاقلون إلى الأرض. ذلك أن "الجهاد" هو السعي المتواصل والكفاح المستمر في سبيل إقامة نظام الحق، ليس غير. وهذا الجهاد هو الذي يجعله القرآن ميزاناً يوزن به إيمان الرجل وإخلاصه للدين. وبعبارة أخرى أنه من كان يؤمن بالله ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة نظام الحق.. فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب، فاعلم أنه مدخول في إيمانه، مرتاب في أمره، فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك؟"... ... "إن إقامة الإمامة الصالحة في أرض الله لها أهمية جوهرية وخطورة بالغة في نظام الإسلام. فكل من يؤمن بالله ورسوله ويدين دين الحق، لا ينتهي عمله بأن يبذل الجهد المستطاع لإفراغ حياته في قالب الإسلام، ولا تبرأ ذمته من ذلك فحسب، بل يلزمه بمقتضى ذلك الإيمان أن يستنفد جميع قواه ومساعيه في انتزاع زمام الأمر من أيدي الكافرين والفجرة والظالمين حتى يتسلمه رجال ذوو صلاح ممن يتقون الله، ويرجون حسابه، ويقوم في الأرض ذلك النظام الحق المرضيّ عند الله الذي به صلاح أمور الدنيا وقوام شؤونها".. إن الإسلام حين يدعو الناس إلى انتزاع السلطان من أيدي غاصبيه من البشر ورده كله لله، إنما يدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم وتحرير رقابهم من العبودية للعبيد؛ كما يدعوهم إلى إنقاذ أرواحهم وأموالهم من هوى الطواغيت وشهواتهم.. إنه يكلفهم أعباء المعركة مع الطاغوت - تحت رايته - بكل ما فيها من تضحيات؛ ولكنه ينقذهم من تضحيات أكبر وأطول، كما أنها أذل وأحقر!.. إنه يدعوهم للكرامة، وللسلامة، في آن.. لذلك قالها شعيب عليه السلام مدوية حاسمة: {قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها..}.. ولكن شعيباً بقدر ما يرفع رأسه، وبقدر ما يرفع صوته، في مواجهة طواغيت البشر من الملأ الذين استكبروا من قومه.. بقدر ما يخفض هامته، ويسلم وجهه في مواجهة ربه الجليل، الذي وسع كل شيء علماً. فهو في مواجهة ربه، لا يتألى عليه ولا يجزم بشيء أمام قدره، ويدع له قياده وزمامه، ويعلن خضوعه واستسلامه: {إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً}.. إنه يفوض الأمر لله ربه، في مستقبل ما يكون من أمره وأمر المؤمنين معه.. إنه يملك رفض ما يفرضه عليه الطواغيت، من العودة في ملتهم؛ ويعلن تصميمه والمؤمنين معه على عدم العودة؛ ويعلن الاستنكار المطلق للمبدأ ذاته.. ولكنه لا يجزم بشيء عن مشيئة الله به وبهم.. فالأمر موكول إلى هذه المشيئة، وهو والذين آمنوا معه لا يعلمون، وربهم وسع كل شيء علماً. فإلى علمه ومشيئته تفويضهم واستسلامهم. إنه أدب ولي الله مع الله. الأدب الذي يلتزم به أمره، ثم لا يتألى بعد ذلك على مشيئته وقدره. ولا يتأبى على شيء يريده به ويقدره عليه. وهنا يدع شعيب طواغيت قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتجه إلى وليه بالتوكل الواثق، يدعوه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق. {على الله توكلنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. وأنت خير الفاتحين}.. وهنا نشهد ذلك المشهد الباهر: مشهد تجلي حقيقة "الألوهية" في نفس ولي الله ونبيه.. إنه يعرف مصدر القوة، وملجأ الأمان. ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان. ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه، والتي ليس منها مفر. إلا بفتح من ربه ونصر. عندئذ يتوجه الملأ الكفار من قومه إلى المؤمنين به يخوفونهم ويهددونهم. ليفتنوهم عن دينهم: {وقال الملأ الذين كفروا من قومه: لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون}.. إنها ملامح المعركة التي تتكرر ولا تتغير.. إن الطواغيت يتوجهون أولاً إلى الداعية ليكف عن الدعوة. فإذا استعصم بإيمانه وثقته بربه، واستمسك بأمانة التبليغ وتبعته، ولم يرهبه التخويف بالذي يملكه الطغاة من الوسائل.. تحولوا إلى الذين اتبعوه يفتنونهم عن دينهم بالوعيد والتهديد، ثم بالبطش والعذاب.. إنهم لا يملكون حجة على باطلهم، ولكن يملكون أدوات البطش والإرهاب؛ ولا يستطيعون إقناع القلوب بجاهليتهم - وبخاصة تلك التي عرفت الحق فما عادت تستخف بالباطل - ولكنهم يستطيعون البطش بالمصرين على الإيمان، الذي أخلصوا الدينونة لله فأخلصوا له السلطان. ولكنه من سنة الله الجارية أنه عندما يتمحض الحق والباطل، ويقفان وجهاً لوجه في مفاصلة كاملة تجري سنة الله التي لا تتخلف.. وهكذا كان.. {فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين}.. الرجفة والجثوم، جزاء التهديد والاستطالة، وبسط الأيدي بالأذى والفتنة.. ويرد السياق على قولتهم: {لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذا لخاسرون}.. وهي التي قالوها مهددين متوعدين للمؤمنين بالخسارة! فيقرر - في تهكم واضح - أن الخسران لم يكن من نصيب الذين اتبعوا شعيباً، إنما كان من نصيب قوم آخرين: {الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها. الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين}.. ففي ومضة ها نحن أولاء نراهم في دارهم جاثمين. لا حياة ولا حراك. كأن لم يعمروا هذه الدار، وكأن لم يكن لهم فيها آثار! ويطوي صفحتهم مشيعة بالتبكيت والإهمال، والمفارقة والانفصال، من رسولهم الذي كان أخاهم، ثم افترق طريقه عن طريقهم، فافترق مصيره عن مصيرهم، حتى لم يعد يأسى على مصيرهم الأليم، وعلى ضيعتهم في الغابرين: {فتولى عنهم، وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف آسى على قوم كافرين؟}.. إنه من ملة وهم من ملة. فهو أمة وهم أمة. أما صلة الأنساب والأقوام، فلا اعتبار لها في هذا الدين، ولا وزن لها في ميزان الله.. فالوشيجة الباقية هي وشيجة هذا الدين، والارتباط بين الناس إنما يكون في حبل الله المتين..
ابن عاشور
تفسير : استئناف انتقل به الغرض من إقامة الحجّة والمنّةِ (المبتدئة بقوله تعالى: {أية : ولقد مكناكم في الأرض}تفسير : [الأعراف: 10]، وتنبيه أهل الضّلالة أنّهم غارقون في كيد الشّيطان، الذي هو عدوّ نوعهم، من قوله: {أية : قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صِراطك المستقيم} تفسير : [الأعراف: 16] إلى قوله: {أية : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}تفسير : [الأعراف: 33]، ثمّ بالتّهديد بوصف عذاب الآخرة وأحوال النّاس فيه، وما تخلّل ذلك من الأمثال والتّعريض)؛ إلى غرض الاعتبار والموعظة بما حلّ بالأمم الماضية. فهذا الاستئناف له مزيد اتّصال بقوله في أوائل السّورة (4): {أية : وكم من قرية أهلكناها} تفسير : الآية، وقد أفيض القول فيه في معظم السّورة وتَتْبَعُ هذا الاعتبار أغراضٌ أخرى: وهي تسلية الرّسول، وتعليم أمّته بتاريخ الأمم التي قبلها من الأمم المرسل إليهم، ليعلم المكذّبون من العرب أنّ لا غضاضة على محمّد ولا على رسالته من تكذيبهم، ولا يجعله ذلك دون غيره من الرّسل، بله أن يؤيّد زعمهم أنّه لو كان صادقاً في رسالته لأيَّده الله بعقاب مكذّيبه (لما قالوا على سبيل التّهكّم أو الحجاج: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم). وليعلَمَ أهل الكتاب وغيرهم أنّ ما لقيه محمّد من قومه هو شنشنة أهل الشّقاوة تلقاء دعوة رسل الله. وأكّد هذا الخبر بلام القسم وحرف التّحقيق لأنّ الغرض من هذه الأخبار تنظير أحوال الأمم المكذّبة رسلَها بحال مشركي العرب في تكذيبهم رسالة محمّد. وكثُر في الكلام اقترانُ جملة جواب القسم: بـ {قَدْ} لأنّ القسم يُهيىء نفس السّامع لتوقع خبر مهم فيؤتى بقَد لأنّها تدلّ على تحقيق أمر متوقّع، كما أثبته الخليل والزّمخشري، والتّوقّع قد يكون توقعاً للمخبَر به، وقد يكون توقعاً للخبر كما هنا. وتقدّم التّعريف بنوح عند قوله تعالى {أية : إنّ الله اصطفى آدم ونوحا} تفسير : في سورة [آل عمران: 33]. وكان قوم نوح يسكنون الجزيرة والعراق، حسب ظن المؤرّخين. وعبر عنهم القرآن بطريق القومية المضافة إلى نوح إذ لم يكن لهم اسْم خاص من أسماء الأمم يعرفون به، فالتّعريف بالإضافة هنا لأنّها أخصر طريق. وعطف جملة {فقال يا قوم} على جملة {أرسلنا} بالفاء إشعاراً بأنّ ذلك القول صدر منه بفور إرساله، فهي مضمون ما أرسل به. وخاطب نوح قومه كلّهم لأنّ الدّعوة لا تكون إلاّ عامة لهم، وعبّر في ندائهم بوصف القوم لتذكيرهم بآصرة القرابة، ليتحقّقوا أنّه ناصح ومريد خيرهم ومشفق عليهم، وأضاف (القوم) إلى ضميره للتحبيب والتّرقيق لاستجلاب اهتدائهم. وقوله لهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} إبطال للحالة التي كانوا عليها، وهي تحتمل أن تكون حالة شرك كحالة العرب، وتحتمل أن تكون حالة وثنيّة باقتصارهم على عبادة لأصنام دون الله تعالى، كحالة الصّابئه وقدماء اليونان، وآيات القرآن صالحة للحالين، والمنقول في القصص: أنّ قوم نوح كانوا مشركين، وهو الذي يقتضيه ما في «صحيح البخاري» عن ابن عبّاس أنّ آلهة قوم نوح أسماء جماعة من صالحيهم فلمّا ماتُوا قال قومهم: لو اتَّخذنا في مجالسهم أنصاباً فاتّخَذوها وسمَّوْها بأسمائهم حتّى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت. وظاهر ما في سورة نوح أنّهم كانوا لا يعبدون الله لقوله: {أية : أن اعبدوا الله واتَّقُوه}تفسير : [نوح: 3] وظاهر ما في سورة فُصِّلت أنّهم يعترفون بالله لقولهم: {أية : لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة}تفسير : [فصلت: 14] مع احتمال أنّه خرج مخرج التّسليم الجدلي فإن كانوا مشركين كان أمرُه إياهم بعبادة الله مقيَّداً بمدلول قوله: {ما لكم من إله غيره} أي أفردوه بالعبادة ولا تشركوا معه الأصنام، وإن كانوا مقتصرين على عبادة الأوثان كان قوله: {ما لكم من إله غيره} تعليلاً للاقبال على عبادة الله، أي هو الإله لا أوثانُكم. وجملة: {ما لكم من إلٰه غيره} على الوجه الأوّل بيان للعبادة التي أمَرَهم بها، أي أفردوه بالعبادة دون غيره، إذ ليس غيره لكم بالإله. وعلى الوجه الثّاني يكون استئنافاً بيانياً للأمر بالإقلاع عن عبادة غيره. وقرأ الجمهور {غيرهُ} بالرّفع على الصّفة (لإله) باعتبار محلّه لأنّه في محلّ رفع إذ هو مبتدأ وإنّما جرّ لدخول حرف الجرّ الزائد ولا يُعتد بجرّه، وقرأه الكسائي، وأبو جعفر: بجرّ {غير} على النّعت للّفظ (إلاه) نظراً لحرف الجر الزّائد. وجملة: {إني أخاف عليكم عذاب يوم} يجوز أن تكون في موقع التّعليل، كما في «الكشاف»: أي لمضمون قوله: {ما لكم من إله غيره} كأنّه قيل: اتركوا عبادة غير الله خوفاً من عذاب يوم عظيم، وبُني نظم الكلام على خوففِ المتكلّم عليهم، دلالة على إمحاضه النّصح لهم وحرصه على سلامتهم، حتّى جعل ما يُضر بهم كأنّه يُضِرّ به، فهو يخافه كما يخافون على أنفسهم، وذلك لأنّ قوله هذا كان في مبدأ خطابهم بما أرسل به، ويحتمل أنّه قاله بعد أن ظَهر منهم التّكذيب: أي إن كنتم لا تخافون عذاباً فإنّي أخافه عليكم، وهذا من رحمة الرّسل بقومهم. وفعل الخوف يتعدّى بنفسه إلى الشّيء المخوف منه، ويتعدّى إلى مفعول ثان بحرف (على) إذا كان الخوف من ضر يلحقُ غيرَ الخائف، كما قال الأحوص:شعر : فإذا تزول تزول على مُتَخَمِّطٍ تُخْشَى بوادِرُهُ على الأقران تفسير : ويجوز أن تكون مستأنفة ثانية بعد جملة {اعبدوا الله} لقصد الإرهاب والإنذار، ونكتة بناءِ نظم الكلام على خوف المتكلّم عليهم هي هي. والعذاب المخوف ويومه يحتمل أنّهما في الآخرة أو في الدّنيا، والأظهر الأوّل لأنّ جوابهم بأنّه في ضلال مبين يشعر بأنّهم أحالوا الوحدانية وأحالوا البعث كما يدلّ عليه قوله في سورة [نوح:17، 18]: {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتا ثمّ يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً} تفسير : فحالهم كحال مشركي العرب لأنّ عبادة الأصنام تمحّض أهلها للاقتصار على أغراض الدّنيا.
الواحدي
تفسير : {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} ظاهرٌ إلى قوله: {وأنصح لكم} أَيْ: أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه {وأعلم من الله ما لا تعلمون} من أنَّه غفورٌ لمَنْ رجع عن معاصيه، وأنَّ عذابه أليمٌ لمن أصرَّ عليها. {أَوَعجتبم أن جاءكم ذكر من ربكم} موعظةٌ من الله {على رجل} على لسان رجل {منكم} تعرفون نسبه. وقوله: {إنهم كانوا قوماً عمين} عميت قلوبهم عن معرفة الله تعالى وقدرته. {وإلى عاد أخاهم} وأرسلنا إلى عادٍ أخاهم ابن أبيهم {هوداً قال يا قوم اعبدوا الله} وحِّدوا الله {ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} أفلا تخافون نقمته. {قال الملأ} الرُّؤساء والجماعة {الذين كفروا من قومه إنَّا لنراك في سفاهة} حمقٍ وجهلٍ {وإنا لنظنك من الكاذبين} فيما جئت به من ادِّعاء النُّبوَّة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نوحاً: هذا أول الرسل هذا العبد الشكور هو نوح بن لَمْك بن متوشلخ بن أخنوخ أي أدريس عليهما السلام، أحد أولي العزم الخمسة من الرسل عاش داعياً وهادياً ومعلماً ألفاً ومائتين وأربعين سنة، ومدة الدعوة ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، وما بعدها عاشها هادياً ومعلماً للمؤمنين. عذاب يوم عظيم: هو عذاب يوم القيامة. الملأ: أشراف القوم ورؤساؤهم الذين يملأون العين والمجلس. وأنصح لكم: أريد لكم الخير لا غير. أوَعجبتم: الاستفهام للإِنكار، وعجبتم الواو عاطفة والمعطوف عليه جملة هي كذبتم أي أكذبتم وعجبتم. لينذركم: أي العذاب المترتب على الكفر والمعاصي. ولتتقوا: أي الله تعالى بالإِيمان به وتوحيده وطاعته فترحمون فلا تعذبون. والذين معه في الفلك: هم المؤمنون من قومه والفلك هي السفينة التي صنعها بأمر الله تعالى وعونه. عمين: جمع عمٍ وهو أعمى البصيرة أما أعمى العينين يقال فيه أعمى. معنى الآيات: هذا شروع في ذكر قصص ستة من الرسل وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام والمراد من ذكر هذا القصص هو تنويع أسلوب الدعوة ليشاهد المدعون من كفار قريش صوراً ناطقة ومشاهد حية لأمم سبقت وكيف كانت بدايتها وبم ختمت نهايتها، وهي لا تختلف إلا يسيراً عما هم يعيشونه من أحداث الدعوة والصراع الدائر بينهم وبين نبيهم لعلهم يتعظون، ومع هذا فالقصص يقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ لو لم يكن رسولاً يوحى إليه لما تأتى له أن يقص من أخبار الماضين ما بهر العقول كما أن المؤمنين مع نبيهم يكتسبون من العبر ما يحملهم على الثبات والصبر، ويجنبهم القنوط واليأس من حسن العافية والظفر والنصر. وهذا أول قصص يقوله تعالى فيه {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} أي وعزتنا لقد أرسلنا نوحا إلى قومه كما أرسلناك أنت يا رسولنا إلى قومك من العرب والعجم، فقال: أي نوح في دعوته: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي ليس لكم على الحقيقة إله غيره، إذ الإِله الحق من يخلق ويرزق ويدبر فيحيي ويميت ويعطي ويمنع، ويضر وينفع، ويسمع ويبصر فأين هذا من آلهة نحتموها يأيديكم، ووضعتموها في بيوتكم عمياء لا تبصر صماء لا تسمع بكماء لا تنطق فكيف يصح أن يطلق عليها اسم الإِله وتعبد {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أنذرهم عذاب يوم القيامة إن هم أصروا على الشرك والعصيان فأجابه الملأ منهم وهم أهل الحل والعقد في البلاد قائلين: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} بسبب موقفك العدائي هذا لآلهتنا، ولعبادتنا إياها فأجاب عليه السلام قائلاً {يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ} مجرد ضلالة فكيف بالضلال كله كما تقولون، {وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي إليكم {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ} أي بما هو خير لكم في حالكم ومآلكم، واعلموا أني {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فأنا على علم بما عليه ربي من عظمة وسلطان، وجلال، وجمال، وما عنده من رحمة وإحسان، وما لديه من نكال وعذاب، وأنتم لا تعلمون فاتقوا الله إذاً وأطيعوني يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى آجالكم، ولا يعجل بفنائكم وواصل حديثه معهم وقد دام ألف سنة إلا خمسين عاماً قائلاً: أكذبتم بما دعوتكم إليه وجئتكم به وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، ولتتقوا الله بتوحيده وعبادته وطاعته رجاء أن ترحموا فلا تعذبوا أمن هذا يتعجب العقلاء؟ وكانت نتيجة لهذه الدعوة المباركة الخيّرة أن كذبوه فأنجاه ربه والمؤمنين معه، وأغرق الظالمين المكذبين، لأنهم كانوا قوماً عمين فلا يستحقون البقاء والنجاة قال تعالى {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} لا يبصرون الآيات ولا يرون النذر والشواهد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كنبوة نوح عليه السلام. 2- تقرير وتأكيد التوحيد، وبيان معنى لا إله إلا الله. 3- التحذير من عذاب يوم القيامة بالتذكير به. 4- أصحاب المنافع من مراكز وغيرها هم الذين يردون دعوة الحق لمنافاتها للباطل. 5- تقرير مبدأ العاقبة للمتقين. 6- عمى القلوب أخطر من عمى العيون على صاحبه.
القطان
تفسير : يوم عظيم: يوم القيامة. الملأ: أشراف القوم، وسَراتهم. وكذلك الجماعة، وجمعُه أمْلاء. نصح: نصح له الوعدَ ونصح له المشورة، ونصحه: أرشده الى ما فيه صلاحه. ذِكر من ربكم: موعضة من ربكم. على رجُل منكم: على لسان رجل منكم. الفلك: السفينة. عمين: جمع عمٍ، وهو الأعمى. وقال بعض العلماء إنه خاص بعمى القلب والبصيرة، فيما الأعمى هو أعمى البصر. بعد ان ذكر الله تعالى الإنسان ومعادَه، وان مردَّه إليه يوم القيامة - جاء هنا يذكر قصص الأنبياء مع أُممهم، وكيف أعرضتْ عن دعوتهم. وذلك حتى يبيّن للرسول الكريم أن إعراضَ المشركين عن قبول الدعوة ليس أمراً جديدا، بل وفي هذا تسليةٌ له صلى الله عليه وسلم. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِه...}. أكّد الله تعالى مخاطِباً البشَر جميعا بأنه أرسلَ نوحاً إلى قومه الّذين بُعث فهم، وقال لهم مذكِّرا بأنه منهم: يا قومُ اعبُدوا الله تعالى وحدَه، فليس لكم أيُّ إلهٍ غيره تتوجّهون إليه في عبادتكم. إني أخاف عليكم عذابَ يومٍ شديدٍ هولُه، وهو يوم الحساب والجزاء.. قراءات: قرأ الكسائي: "ما لكم من إله غيرِهِ" بكسر الراء والهاء. والباقون "غيرُهُ" بضم الراء والهاء. {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. قال اهل الصدارة والزعامة منهم مجيبين تلك الدعوة الى الوحدانية واليوم الآخر: يا نوح، إنا لَنراك في ضلالٍ بيّن عن الحقِ، كيف تنهانا عن عبادة آلهتنا من الاصنام؟ {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. قال نوح مجيبا لهم، ونافياً ما رموه به: لستُ ضالاً كما تزعمون، بل أنا رسولٌ لكم من رب العالمين، أهدِيكم باتّباعي إلى ما يوصلكم الى السعادة في الدنيا والآخرة. {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وإني في هذه الدعوة الى الوحدانية والايمان باليوم الآخر، أُبلِّغكم ما أرسلني به ربّي، وأَمحضُكم النُّصح. واعلموا أنني في هذا التبليغ وذلك النصح على علمٍ من الله أوحاهُ إليَّ لا تعلمون منه شيئا. قراءات: قرأ ابو عمرو: "أُبِلغُكم" باسكان الباء والباقون: أبَلِّغكم بفتح الباء وتشديد اللام المكسورة. {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ...}. أترمونَنِي بالضلالة والبُعد عن الحق، ثم تعجَبون من أن يأتيكم ذِكرٌ وموعظة من خالقكم، وعلى لسان رجل منكم جاء يحذّركم عاقبةَ كفركم، رجاء ان تكونوا في رحمة الله في الدنيا والآخرة. {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ...}. لكنهم مع تلك البينات لم يؤمن اكثرهم، بل كذّبوه، وأصرّوا على كفرهم، فأنجيناهُ هو والّذين أخذّهم معه في الفُلك من الطوفان، واغرقنا من كذّبه. لقد عاندوا فكانوا بذلك قوماً عُمي القلوب والبصيرة. وقد ذُكرت قصة نوح مفصلة في سورة هود. روى مسلم وابو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدينُ النصيحة، قلنا لِمَن يا رسولَ الله؟ قال: لِلّه ولرسوله ولأئمةِ المسلمين، وعامّتِهم ".
د. أسعد حومد
تفسير : {يَاقَوْمِ} (59) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى قِصَّةَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، شَرَعَ فِي سَرْدِ قَصَصِ الأَنْبِياءِ الكِرَامِ، فَابْتَدأ بِنُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، لأنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ. وَقَدْ لاَقى نُوحٌ مِنْ قَوْمِهِ عَنَاءً وَعَنتاً، فَوَجَدَ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَسَمّوها بِأَسْمَاء، مِثْل وَدٍّ وَسواع وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ ... فَبَعَثَ اللهُ نُوحاً فَأَمَرَ قَوْمَهُ بِعِبَادِةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).
الثعلبي
تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} وهو نوح بن ملك بن متوشلح بن اخنوخ، وهو إدريس بن مهلائيل بن يزد بن قيثان ابن انوش بن شيث بن آدم عليهم السلام، وهو أول نبي بعد إدريس وكان نجاراً بعثه الله عزّ وجلّ إلى قومه وهو ابن خمسين سنة فقال لهم: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قرأ محمد بن السميقع (غيره) بالنصب. قال الفراء: بعض بني [أسد وقضاعة أجاز نصب [غير] في كل موضع يحسن فيه "إلا"] تمّ الكلام قبلها أو لم يتم فيقولون: ما جاءني مشرك وما أتاني أحد غيرك. فأنشد الفضل: شعر : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في ذات أو قال تفسير : وقال الزجاج: قد يكون النصب من وجهين: أحدهما الاستثناء من غير [جنسه]. والثاني الحال من قوله {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} لأن "غيره" نكرة، وإن أضيف إلى المعارف. وقرأ أبو جعفر ويحيى بن وثّاب والأعمش والكسائي: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} بكسر الراء على نعت الإله، واختاره أبو عبيد ليكون كلاماً واحداً. وقرأ الباقون (غيره) بالرفع على وجهين: أحدهما: التقديم وإن كان مؤخّراً في اللفظ تقديره: مالكم غيره من إله غيره. والثاني أن يجعله نعت التأويل الاله لأن المعنى مالكم إله غيره {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن لم تؤمنوا {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ } يعني الأشراف والسادة، وقال الفراء: هم الرجال ليست فيهم امرأة {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ} خطال وزوال عن الحق {مُّبِينٍ} يعني ظاهر {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ} ولم يقل: ليست لأن معنى الضلالة الضال، وقد يكون على معنى تقديم الفعل {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ} قرأ أبو عمرو: وأُبلّغكم خفيفة في جميع القرآن لقوله: (لقد أبلغتكم رسالات ربّي)، وليعلموا أن قد أبلغوا رسالات ربهم. ولأن جميع كتب الأنبياء نزلت دفعة واحدة [منها] القرآن، وقرأ الباقون: أُبلّغكم بالتشديد واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لأنّها أجزل اللغتين، قال الله: {أية : بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [المائدة: 67]. {وَأَنصَحُ لَكُمْ} يقال [بتخفيفه] ونصحت له وشكرته وشكرت له {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من عقابه لا يرد عن القوم المجرمين {أَوَ عَجِبْتُمْ} الألف للإستفهام دخلت على واو العطف كأنه قال: إن أضعتم كذا وكذا {أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني نبوّة الرسالة، وقيل: [معجزة وبيان]. {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} عذاب الله إن لم يؤمنوا {وَلِتَتَّقُواْ} [ولكي يتّقوا] الله {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لكي تُرحموا {فَكَذَّبُوهُ} يعني نوحاً {فَأَنجَيْنَاهُ} من الطوفان {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} قال ابن إسحاق: يعني بنيه الثلاثة، سام وحام ويافث وأزواجهم وستة أناس ممن كان آمن به وحملهم في الفلك وهو السفينة. وقال الكلبي: كانوا ثمانين إنساناً أربعون ذكوراً وأربعون امرأة {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} عن الحق جاهلين بأمر الله، وقال الضحاك: (عمينَ) كفّاراً. وقال الحسين بن الفضل: (عمين) في البصائر يقال: رجل عَمٍ عن الحق وأعمى في البصر. وقيل: العمي والأعمى واحد كالخضر والأخضر. وقال مقاتل: عموا عن نزول العذاب بهم وهو الحرث.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطائعين وعن العاصين في الدنيا، وتكلم عن مواقف الآخرة الجزائية في أصحاب الجنة، وأصحاب النار والأعراف أراد أن يبين بعد ذلك أن كل دعوة من دعوات الله سبحانه أهل الأرض لابد أن تلقي عنتا وتضييقا، وتلقى إعراضاً، وتلقى إيذاء، إنه - سبحانه - يريد أن يعطي المناعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيوضح له: لست أنت بادعاً من الرسل؛ لأن كل رسول جاء إلى قومه قوبل بالاضطهاد، وقوبل بالتكذيب، وقوبل بالنكرات، وقوبل بالإيذاء، وإذا كان كان كل رسول قد أخذ من هذا على قدر مهمته الرسالية زماناً محدوأ، ومكاناً محصوراً فأنت يا رسول الله أخذت الدنيا كلها زماناً ومكاناً، فلا بد أن تكون مواجهاً لمصاعب تناسب مهمتك ورسالتك؛ فأنت في قمة الرسل، وستكون الإيذاءات التي تنالك وتصيبك قمة في الإيذاء، فلست بدعاً من الرسل، فوطّن نفسك على ذلك. وحين توطن نفسك على ذلك ستلقى كل إيذاء وكل اضطهاد بصبر واحتمال في الله، وقص الحق قصص الرسل على رسول الله، وعبر الله بالهدف من قص القصص بقول: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...} تفسير : [هود: 120] فكأنا القصص تثبيت لفؤاده صلى الله عليه وسلم، فكلما أهاجه نكران، أو كلما أهاجه جحود، قص عليه الحق - سبحانه - قصة رسول قوبل بالنكران وقوبل بالجحود ليثبت به فؤاده صلى الله عليه وسلم وفؤاد أتباعه لعلهم يعرفون كل شيء ويوطنون أنفسهم على هذا العنت؛ فلم يقل الحق لأتباع محمد: إنكم مقبلون على أمر والأرض مفروشة لكم بالورود، لا. إنما هي متاعب لتجابهوا شر الشيطان في الأرض. والقصص له أكثر من هدى يثبت به فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين له أنه ليس بدعاً من الرسل، ويقوي نفوس أتباعه، لأنهم حينما يرون أن أهل الحق مع الأنبياء انتصروا، وهزم الجميع ووليّ الدبر، وأنهم منصورون دائما فهذا يقوي يقين المؤمنين، ويكسر من جهة أخرى نفوس الكافرين مثلما قال الحق عن واحد من أكابر قريش. {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ}. قال الحق لهم ذلك عن واحد من أكابر قريش وهم لا يقدرون حينئذ أن يدافعوا أو يذودوا عن أنفسهم، وذهبوا وهاجروا إلى الحبشة حماية لأنفسهم من بطش هؤلاء الأكابر، وكل مؤمن يبحث له عمن يحميه، وينزل قوله الحق بعد ذلك في الوليد بن المغيرة {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ}، والوليد بن المغيرة سيد قومه، ويأتي يوم بدر فيوجد أنفه وقد ضرب وخطم ويتحقق قول الله: {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 16] فمن - إذن - يحدد ضربة قتال بسيف في يد مقاتل قبل أن يبدأ القتال؟ لقد حددها الأعلم بما يكون عليه الأمر. وأيضا فقصص الرسل إنما جيء بها ليثبت للمعاصرين له أنه تلقى القرآن من الله؛ لأنه رسول أميّ؛ الأمة أمية، ولم يدّع أحد من خصومه أنه جلس إلى معلم، أو قرأ كتاباً، فمن أين جاءته هذه الأخبار إذن؟ واسمع قول الحق سبحانه وتعالى في الآيات التي يأتي فيها: "ما كنت" مثل قوله الحق: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ...} تفسير : [القصص: 44] ومثل قوله الحق: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48] ومثل قوله: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ...} تفسير : [آل عمران: 44] فمن أين جاءت هذه الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه لم يجلس إلى معلم ولم يقرأ كتاباً؟ لقد جاءت كلها من الحق سبحانه وتعالى، وهذا دليل آخر على صدق رسالته. وقصة سيدنا نوح من القصص التي وردت كثيراً في القرآن الكريم مثل قصة موسى عليه السلام، ومن العجيب أن لقطات القصة تنتشر في بعض السور، لكن السورة التي سميت بسورة نوح ليس فيها من المواقف التي تعتبر من عيون القصة، إنها تعالج لقطات أخرى؛ تعالج إلحاحه في دعوة قومه، وأنه ما قصّر في دعوتهم ليلاً ونهاراً، وسرّاً وعلانية، كلما دعاهم ابتعدوا، ولم تأت قصة المركب في سورة نوح، ولا قصة الطوفان، وهذه لقطات من عيون القصة، وكذلك لم تأت فيها قصته مع ابنه، بل جاء بها في سورة هود. إذن كل لقطة جاءت لوضع مقصود، ولهذا رأينا قصة نوح في سورة "نوح" وقد خلت من عناصر مهمة في القصة، وجاءت هذه العناصر في سورة "هود" أو في سورة "الأعراف" التي نتناولها الآن بالخواطر الإِيمانية. إذن، كل قصة من القصص القرآني تجدها قد جاءت تخدم فكرة، ومجموعها يعطي كل القصة؛ لأن الحق حين يورد القصص فهو يأتي بلقطة في سورة لتخدم موقفاً، ولقطة أخرى تخدم موقفاً آخر وهكذا. وحين شاء أن يرسل لنا قصة محبوكة تماماً، جاء بقصة "يوسف" في سورة يوسف ولم يكررها في القرآن، لأنها مستوفية في سورة يوسف، اللهم إلا في آية واحدة: {أية : وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً...} تفسير : [غافر: 34] لقد وردت في سورة يوسف حياة يوسف منذ أن كان طفلا حتى أصبح عزيز مصر، وهكذا نرى أن الحق حين يشاء أن يأتي بالقصة كتاريخ يأتي بها محبوكة، وحين يريد أن يلفتنا إلى أمور فيها مواقف وعظات، يوزع لقطات القصة على مواقع متعددة تتناسب وتتوافق مع تلك المواقع لتأكيد وخدمة هدف. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ...} [الأعراف: 59] وساعة ترى "اللام" و"قد" فاعرف أن هذا قسم، وكأن الحق يقول: وعزتي وجلالي لقد أرسلت نوحاً. وهو بهذا يؤكد المقسم عليه. والقوم هم الرجال خاصة من المعشر؛ لأن القوم عادة هم المواجهون للرسالة، والمرأة محتجبة؛ تسمع من أبيها أو من أخيها أو من زوجها، ولذلك قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال. أي أننا لا نجد وسيلة لنقعد معك ونسألك، فاجعل لنا يوماً من أيامك تعظنا فيه، فجعل لهن يوماً؛ لأن المفروض أن تكون المرأة في ستر، وبعد ذلك ينقل لها الزوج المنهج. إن سمع من الرسول شيئاً، وكذلك الأب يقول لابنته، والأخ يقول لأخته. فإذا تكلم الرسول يقال: إن الرسول واجه القوم، من قولهم هو قائم على كذا. وقيم على كذا. ولذلك الشاعر العربي يقول: شعر : وما أدرى ولست أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : وجاء هنا بالقوم، والمراد بهم الرجال، والقرآن يقول: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ...} تفسير : [الحجرات: 11] إذن النساء لا تدخل في القوم؛ فالقوم هم المواجهون للرسول ومنهم تأتي المتاعب والتصلب في الرأي، ويكون الإِنكار والجحود والحرب منهم. وسيدنا نوح عليه السلام دعا قومه ونبههم إلى ثلاثة أشياء: عبادة الله، فقال: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}، وبين لهم أنه ليس هناك إله سواه فقال: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}، وأظهر لهم حرصه وإشفاقه عليهم إذا خالفوا وعصوا فقال: {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. وهكذا تكلم عن العقيدة في الإِله الواحد المستحق للعبادة، وليس آلهة متعددة، ونعبده أي نطيع أمره ونهيه، ولأنهم إن لم يفعلوا ذلك فهو يخاف عليهم من عذاب يوم عظيم، وهو عذاب يوم القيامة. أو أنّ الله كان قد أوحى له بأنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وعذاب يوم عظيم أي يوم الإِغراق، و"الخوف" مسألة تتعب تفكير من يستقبلها ويخاف أن يلقاها. فمن الذي يفزع بهذا؟ إن الذي يفزع هم الطغاة والجبابرة والسادة والأعيان ووجوه القوم، وكانوا قد جعلوا من أنفسهم سادة، أما سائر الناس وعامتهم فهم العبيد والمستضعفون. والذي يهاج بهذه الدعوة هم السادة لأنه ليس هناك إلا إله واحد، والأمر لواحد والنهي لواحد والعبادة والخضوع لواحد، ومن هنا فسوف تذهب عنهم سلطتهم الزمنية، لذلك يوضح الحق لنا موقف هؤلاء من الدعوة حين يقول: {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ...}
الجيلاني
تفسير : ثم أشار سبحانه إلى تفاوت الاستعدادات واختلاف القالبليات بتفصيل الأمم الهالكة بموت العناد والجهل لخبث طينتهم، فقال مقسماً: والله {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} رسولنا {نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} بعدما انصروا وانحرفو عن طريق الحق بالميل إلى الأهواء الباطلة والآراء الفاسدة {فَقَالَ} لهم نوح إمحاضاً للنصح على وجه الشفقة: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ} أيها المنهمكون في الغفلة {ٱللَّهَ} المتوحد في الألوهية، المتفرد في الربوبية، المستحق للعبودية، واعلموا أنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} معبود بحق {غَيْرُهُ} يقذكم من عذابه، وإن لم تعبدوه وتوحدوه {إِنِّيۤ} بعدما أوحي إليَّ من عنده إهداءكم وتنبيهكم إلى توحيده {أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] هو يوم الطوفان في النشأة الأولى ويوم القيامة في النشأة الأخرى. وبعدما سمعوا مقالته {قَالَ ٱلْمَلأُ} الأشراف {مِن قَوْمِهِ}: يا نوح {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: 60] ظاهر لائح، تأمرنا بترك عبادة الآلهة المحققة وتدعوناإلى إله واحد موهوم وأبدعته من عند نفسك. {قَالَ} أيضاً على مقتضى شفقة النبوة لعلهم يتنبهوا: {يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ} كما تخليتم من جهلكم {وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ} هادٍ لكم مرسل {مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [الأعراف: 61] الذي أوجدكم ورباكم بأنواع التربية؛ حتى تعترفوا بربوبيته وتقروا بتوحيده. وإنما جئت لكم {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ} بآياته سبحانه؛ حتى تفوزوا من عنده بالمثوبة العظمى والمرتبة العليا بإهدائي وإرشادي {وَ} لا تضعفوني ولا تنسبوني إلى الجهل والسفه، إني {أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ} بتوفيقه وحيه وجذب من جانبه {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 62]. {أَوَ عَجِبْتُمْ} من {أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ} موعظة وتذكير لإرشادكم {مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ} لسان {رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} به عن الكفر والمعاصي ووخامة عاقبتهما {وَلِتَتَّقُواْ} عن محارم الله بسبب إنذاره وتخويفه {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 63] بإثبات مأموراته وترك منهياته؛ عناية وتفضلاً. {فَكَذَّبُوهُ} بعدما ضعفوه ونسبوه إلى الضلال، فانتقمنا منهم وأخذناهم بالطوفان {فَأَنجَيْنَاهُ وَ} المؤمنين {ٱلَّذِينَ مَعَهُ} حال كونهم متمكنين {فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} المنزلة على رسولنا {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [الأعراف: 64] غير مستبصرين بآيات الله الدالة على توحيده؛ لعمي قلوبهم وفسادهم وعمههم في الغفلة الضلال.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} [الأعراف: 59] إلى قوله {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [الأعراف: 64]، إلإشارة فيها: أن قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، {فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة. {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا الحق ضلالة والضلالة حقاً، {قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ} الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، {وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} [الأعراف: 61-62] في الوعد والوعيد {وَأَنصَحُ لَكُمْ} [الأعراف: 62] لكم بالدعوى لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 62]؛ أي من طلبه وجده، ومن طلب غيره لم يجده، {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ} [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية {لِيُنذِرَكُمْ} [الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة {وَلِتَتَّقُواْ} [الأعراف: 63] عمَّا يقطعكم عن الله {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 63] بالوصلة عن الفرقة {فَكَذَّبُوهُ} [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء حظهم، {فَأَنجَيْنَاهُ} [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ} [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار الدرجات والقربات، {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا قوماً عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب وصفاته، والنفس وصفاتها. ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى الله تعالى وعبوديته. ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، والتعجب والاستبعاد عمَّا يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، {فَأَنجَيْنَاهُ}؛ أي: الروح من ظلمات النفس وتمردها، {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين، {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ}؛ أي: النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} عن رؤية الله والوصول إليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } . إلى آخر القصة. لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك، وكيف أيد اللّه أهل التوحيد، وأهلك من عاندهم ولم يَنْقَدْ لهم، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ومعتقد واحد، فقال عن نوح - أول المرسلين -: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده، حين كانوا يعبدون الأوثان { فَقَالَ } لهم: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحده { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } لأنه الخالق الرازق المدبِّر لجميع الأمور، وما سواه مخلوق مدبَّر، ليس له من الأمر شيء، ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب اللّه، فقال: { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم، فلما قال لهم هذه المقالة، ردوا عليه أقبح رد. { قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ } أي: الرؤساء الأغنياء المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق، وعدم انقيادهم للرسل، { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } فلم يكفهم - قبحهم اللّه - أنهم لم ينقادوا له، بل استكبروا عن الانقياد له، وقدحوا فيه أعظم قدح، ونسبوه إلى الضلال، ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ضلالا مبينا واضحا لكل أحد. وهذا من أعظم أنواع المكابرة، التي لا تروج على أضعف الناس عقلا وإنما هذا الوصف منطبق على قوم نوح، الذين جاءوا إلى أصنام قد صوروها ونحتوها بأيديهم، من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئا، فنزلوها منزلة فاطر السماوات، وصرفوا لها ما أمكنهم من أنواع القربات، فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة اللّه عليهم لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم، بل هم أهدى منهم وأعقل، فرد نوح عليهم ردا لطيفا، وترقق لهم لعلهم ينقادون له فقال: { يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ } أي: لست ضالا في مسألة من المسائل بوجه من الوجوه، وإنما أنا هاد مهتد، بل هدايته عليه الصلاة والسلام من جنس هداية إخوانه، أولي العزم من المرسلين، أعلى أنواع الهدايات وأكملها وأتمها، وهي هداية الرسالة التامة الكاملة، ولهذا قال: { وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: ربي وربكم ورب جميع الخلق، الذي ربى جميع الخلق بأنواع التربية، الذي من أعظم تربيته أن أرسل إلى عباده رسلا تأمرهم بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والعقائد الحسنة وتنهاهم عن أضدادها، ولهذا قال: { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ } أي: وظيفتي تبليغكم، ببيان توحيده وأوامره ونواهيه، على وجه النصيحة لكم والشفقة عليكم، { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } فالذي يتعين أن تطيعوني وتنقادوا لأمري إن كنتم تعلمون. { أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ } أي: كيف تعجبون من حالة لا ينبغي العجب منها، وهو أن جاءكم التذكير والموعظة والنصيحة، على يد رجل منكم، تعرفون حقيقته وصدقه وحاله؟!! فهذه الحال من عناية اللّه بكم وبره وإحسانه الذي يتلقى بالقبول والشكر، وقوله: { لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي: لينذركم العذاب الأليم، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى اللّه ظاهرا وباطنا، وبذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة اللّه الواسعة. فلم يفد فيهم، ولا نجح { فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ } أي: السفينة التي أمر اللّه نوحا عليه الصلاة والسلام بصنعتها، وأوحى إليه أن يحمل من كل صنف من الحيوانات، زوجين اثنين وأهله ومن آمن معه، فحملهم فيها ونجاهم اللّه بها. { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ } عن الهدى، أبصروا الحق، وأراهم اللّه - على يد نوح - من الآيات البينات، ما بهم يؤمن أولوا الألباب، فسخروا منه، واستهزءوا به وكفروا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):