Verse. 1014 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ الْمَلَاُ مِنْ قَوْمِہٖۗ اِنَّا لَنَرٰىكَ فِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۶۰
Qala almalao min qawmihi inna lanaraka fee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال الملأ» الأشراف «من قومه إنا لنراك في ضلالٍ مبين» بيَّن.

60

Tafseer

القرطبي

تفسير : «المَلأُ» أشراف القوم ورؤساؤهم. وقد تقدّم بيانه في «البقرة». والضَّلاَلُ والضَّلاَلَةُ: العدول عن طريق الحق، والذهاب عنه. أي إنا لنراك في دعائنا إلى إله واحد في ضلال عن الحق. {أُبَلِّغُكُمْ} بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ. وقيل: هما بمعنًى واحد لغتان؛ مثلُ كرَّمه وأكرمه. {وَأَنصَحُ لَكُمْ} النُّصح: إخلاص النية من شَوَائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغَشِّ. يقال: نصحته ونصحت له نَصيحةً ونَصاحة ونُصحا. وهو باللام أفصح. قال الله تعالى: «وَأَنْصَحُ لَكُمْ» والاسم النصيحة. والنّصِيح الناصِحُ، وقوم نُصحاء. ورجل ناصح الجَيْب أي نقيّ القلب. قال الأصمعيّ: الناصح الخالص من العسل وغيره. مثلُ الناصع. وكل شيء خَلَص فقد نَصَح. وانتَصَح فلان أقبل على النصيحة. يقال: انْتَصِحْني إنني لك ناصح. والناصح الخياط. والنِّصاح السلك يُخاط به. والنِّصاحات أيضاً الجلود. قال الأعشى:شعر : فَتَرى الشُّرْبَ نَشَاوَى كلَّهم مثل ما مُدّتْ نِصاحاتُ الرُّبَحْ تفسير : الرُّبَحُ لغة في الرُّبَع، وهو الفَصِيل. والرُّبَح أيضاً طائر. وسيأتي لهذا زيادة معنًى في «براءة» إن شاء الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ } الأشراف {مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَٰكَ فِي ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيِّن.

ابن عادل

تفسير : قوله: "قَالَ الم‍َلأ". قال ابن عطية: وقرأ ابن عامر: "المَلَؤُ" بواوٍ، وهي كذلك في مصاحفِ الشَّامِ، وهذه القراءةِ ليست مَشْهُورةً عنه قال المفسِّرُونَ: الملأ: الكبراء والسَّاداتُ الذين جعلَوا أنفسهم أضداد الأنبياء، ويدلُّ على ذلك قوله: "مِنْ قَوْمِهِ"؛ لأنَّهُ يقتضي التَّبْعِيضَ، وذلك البَعْضُ لا بدَّ وأن يكونوا موصوفين بِصِفَةٍ لأجلها استحقُّوا هذا الوَصْفَ بأن يكونوا هم الذين يملئون صدور المَجَالس، وتمتلىء القلوب من هَيْبَتِهِم، وتمتلىءُ الأبصارُ من رُؤيتهم، وهذه الصِّفاتُ لا تحصل إلا في الرُّؤسَاءِ. قوله: "إنَّا لَنَرَاكَ" يجوزُ أن تكون الرُّؤيَةُ قلبية فتتعدى لاثنين ثانيهما "في ضلالٍ"، وأن تكون البَصريَّة وليس بظاهر فالجارُّ حال، وجعل الضَّلالِ ظَرْفاً مبالغة في وصفهم له بذلكَ، وزادوا في المبالغة بأن أكَّدُوا ذلك بأن صَدَّرُوا الجملة بـ "إنَّ" وفي خبرها اللاَّم. وقوله: {لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ} الضَّلالُ، والضَّلالةُ، العدول عن الحق. فإن قيل: قولهم: إنَّا لنراك في ضلال جوابه أن يقال: ليس في ضلال فَلِمَ أجاب بقوله {لَيْسَ بِي ضلالةٌ}. فالجوابُ أنَّ قوله: {لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ} من أحسن الردِّ وأبلغه؛ لأنَّهُ نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة فضلاً عن أن يحيط به الضلالُ، فكان المعنى: ليس بي نوع من أنْواعِ الضَّلالة ألْبَتَّةَ، فكان هذا أبْلَغَ في عموم السّلب فلو قال: لستُ ضالاًّ لم يُؤدِّ هذا المعنى. واعلم أنَّ القَوْمَ إنما نسبوا نوحاً في ادِّعَاءِ الرِّسالةِ إلى الضَّلال لأمور: أحدها: أنَّهُمْ استبعدوا أن يكون للَّهِ رَسُولاً إلى خلقه، لاعتقادهم أن المقصود من الإرْسَالِ التَّكْلِيفُ: والتَّكْلِيفُ لا منفعة فيه للمَعْبُودِ؛ لأنَّهُ متعالٍ عن النَّفْع والضَّرَرِ، ولا مَنْفَعَةَ فيه للعابد؛ لأنَّهُ فِي الحالِ مضرَّة، وما يوحى فيه من الثَّواب والعقاب فاللَّهُ - تعالى - قادر على تحصيله بغير واسطة تكليفٍ، فيكونُ التَّكليف عبثاً، واللَّهُ منزهٌ عن العَبَثِ. وثانيها: أنَّهُم وإن جَوَّزُوا التَّكْلِيفَ إلا أنَّهُم قالُوا: ما علمنا حسنه بالعَقْلِ فعلناه، وما علمنا قُبْحَهُ تركناه حَذَراً من خَطَرِ العقابِ، فاللَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن أنْ يكلِّفَ عبده ما لا طاقة له به، وإذا كان رسولُ العقل كافياً، فلا حاجة إلى بعثه رسولاً آخر. وثالثها: أي بتقدير أنَّهُ لا بدَّ من الرسول، فإرسال الملائكة أولى؛ لأنَّ مهابتهم أشَدُّ، وطهارتهم أكملُ، وبعدهم عن الكذب أعْظَمُ. ورابعها: اعلم أنَّ بتقدير أن يَبْعَثَ رَسُولاً من البشرِ، فلعلَّ القوم اعتقدوا أن الفقيرَ الذي ليس له أتباعٌ، ولا رئاسة لا يليق به منصب الرسالة، أو لعلَّهم اعتقدُوا أنَّ ادعاء نوح الرِّسالة من باب الجُنُونِ وتخييلات الشَّيطان، فلهذه الأسباب حَكَمُوا على نوح بالضَّلالِ، وقد أجابهم نُوحٌ ببقية الآيَةِ على ما يأتي في أثنائها. ثمَّ إنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لما نفى العيبَ عن نفسه، وصف نفسه بأشرف الصِّفات وهو قوله: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} جاءت "لَكِنَّ" هنا أحسن مجيء؛ لأنَّها بين نقيضين؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو من أحدَ شَيْئَيْنِ: ضلال، أو هدى، والرِّسَالة لا تجامع الضَّلال. و "مِنْ رَبِّ" صفة لـ "رَسُول"، و "مِنْ" لابتداء الغاية المجازية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك {قال الملأ} يعني الاشراف من قومه . وأخرج أبو الشيخ عن السدي {أَوَ عجبتم أَن جاءكم ذكر ربكم} قال: بيان من ربكم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحَّاك عن ابن عباس {إنهم كانوا قوماً عمين} قال: كفاراً . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {إنهم كانوا قوماً عمين} قال: عن الحق .

القشيري

تفسير : قوله: {لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ}: نسبوا نوحاً - عليه السلام - إلى الضلالة، فتولَّى إجابتهم بنفسه فقال: {يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ}، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - نُسِبَ إليه فتولَّى الحق - سبحانه - الردَّ عنه فقال: {أية : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}تفسير : [النجم: 2] فشتّان بين مَنْ دافع عن نفسه، وبين مَنْ دَافَع عنه ونفى عنه ربُّه!.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال الملأ من قومه} استئناف اى الرؤساء من قومه والاشراف الذين يملأون صدور المحافل باجرامهم والقلوب بجلالهم وهيبتهم والابصار بجمالهم وبهجتهم {انا لنرٰك} يا نوح {فى ضلال} ذهاب عن طريق الحق والصواب لمخالفتك لنا والرؤية قلبية {مبين} بين كونه ضلالا.

الطوسي

تفسير : {قال} أصله (قول) فانقلبت الواو الفاً لحركتها وانفتاح ما قبلها. أخبر الله تعالى عن الملأ من قوم نوح. وقيل في معنى الملأ قولان: أحدهما - أنهم الجماعة من الرجال سموا بذلك لأنهم يملؤن المحافل. والثاني - أنهم الاشراف، وقيل: الرؤساء، لأنهم يملؤن الصدر بعظم شأنهم، ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) أولئك الملأ من قريش. والقوم يقال لمن يقوم بالأمر، ولا نسوة فيهم - على قول الفراء - وهو مأخوذ من القيام. وإِنما سموا بالمصدر، كما قال بعض العرب اذا أكلت طعاماً أحببت نوماً وابغضت قوماً أي قياماً. وقوله {إِنا لنراك} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - انه من رؤية القلب الذي هو العلم. الثاني - من رؤية العين، كأنهم قالوا نراك بأبصارنا على هذه الحال. الثالث - أنه من الرأي الذي هو غالب الظن وكأنه قال: إِنا لنظنك. وقوله {في ضلال مبين} أرادوا بالضلال ها هنا العدول عن الصواب الى الخطأ فيما زعموا مخالفتهم إِياه فيما دعاهم اليه من اخلاص العبادة لله تعالى. و {مبين} أي بين ظاهر.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ} اى المترفون والرّؤساء، فانّ الاتباع لا شأن لهم الاّ القبول والتّقليد وعدم اتّباعهم للانبياء لانّ نظرهم الى الدّنيا وكان المترفون فى نظرهم اجلّ شأناً من الانبياء {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} لما رأوه مخالفاً لسيرتهم المحبوبة الدّنيويّة الّتى يحسبونها احسن ما يكون فانّ كلّ حزب بما لديهم فرحون، ولذا اكّدوه بتأكيداتٍ.

اطفيش

تفسير : {وقَالَ الملأ} الأشراف سموا ملأ لأنهم يملئون العيون والقلوب، حديث : قال سلمة بن سلامة الأنصارى، "عند قفول رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر: إنما قتلنا عجائز صلعا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أولئك الملأ من قريش لو حضرت أفعالهم لاحتقرت فعلك"" تفسير : قال أحمد ابن يحيى: له واحد من لفظه وهو مائى وهو الذى يملأ العين بجلالته، وقد سموا لتمايلهم واجتماعهم على أمر، وقرأ ابن عامر الملو بالواو، وكذا فى مصاحف الشام، ولا يقال بالجماعة التى فيها امرأة ملأ. {مِنْ قَومه إنَّا لنراكَ فى ضَلالٍ} عن الحق {مُبينٍ} واضح، وزعم بعض أنهم قالوا ذلك حين خوفهم بالطوفان، وشرع فى عمل السفينة، أى أخطأ فى عمل شىء تنجوا به من الماء ولا ماء.

اطفيش

تفسير : {قَالَ الْمَلأُ} الأَشراف سموا لأنهم يملأون صدور المحافل بأَجسادهم، أَعنى صدور مجالس الجماعات بجلالتهم وهيبتهم وأَتباعهم والعيون بجمالهم وأُبهتهم، أَو لملاءَتهم بالمعروف وجودة الرأى، ولم يقل الذين كفروا من قومه لأَنه لم يؤمن أَحد منهم بل آمن من آمن من قومه لا من ملئهم فى غير أَول دعائه إِياهم، بخلاف ما فى هود فمنهم من آمن فقال فيها ذلك واقتصر هنا على قوله {مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لنَرَاكَ} نعلمك {فِى ضَلاَلٍ مُبِينٍ} بترك دين آبائك وقومك، بالغوا بجعله مظروفاً للضلال وإِن واللام، ويقال والجملة الاسمية، ولذلك قابلهم بقوله فى قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلاَلَةٌ} باستغراق الضلال بالنفى للنكرة أَو بنفى الواحدة فضلا عن أَن يكون الضلال ظرفاً له محيطاً به، والضلال عدم الاهتداء، وأَصله الغيبة، ادعوا أَنه غاب عن الحق فنفى ما ادعوه، ولو قال ليس بي ضلال لاحتمل نفى ضلالتين أَو أَكثر ونفى الضلال مطلقاً، لأَنه مصدر يصلح للقليل والكثير وأَما ضلالة ففى تاء الواحدة ولا يقال المراد نفى الماهية فيكون أَبلغ لأَنا نقول الماهية ليست بمعنى الوحدة أَو القلة، بل تصدق بالقليل والكثير، وناداهم يا قوم استجلابا إِلى الحق، وقابل الضلالة بمرادف ضدها وهو الهدى فى قوله {وَلَكِنِّى رَسُول مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} لأَنه من كان رسولا من الله فهو على الهدى فى الغاية، لأَن صيغة الاستدراك قد تكون للتأكيد بنحو لست بنائم لكنى مستيقظ، أَو لما أَرادوا بضلاله أَنه ترك دين آبائه وأَنه ادعى الرسالة ونفى الضلالة توهم أَنه ترك دين آبائهم، أَنه ترك دعوى الرسالة فأَتبعها بالاستدراك، أَو المعنى ليس إِلى شئ من الضلال كائنا ما كان بل فى غاية من الهدى، أَو الاستدراك هنا بمعنى مطلق التدارك على معنى بل. كقولك ما أَنا مريض لكن صحيح جداً، أَو لما نفى الضلالة يبقى أَن يقال لعل الرسالة أَيضاً غير ثابتة فأَثبتها بلكن، أَو أَتى بلكن على طريق تأكيد المدح بما يشبه الذم أَى لا ضلالة بي إِلا الرسالة إِن كانت ضلالة {أُبَلِّغُكُمْ} مستأْنف فى التفات لبيان الرسالة المذكورة فى قوله رسول أَو نعت لرسول مراعى فيه المعنى، لأَن الرسول هو القائل أبلغكم التفاتا من غيبة الاسم الظاهر، وهو رسول إِلى التكلم فالرابط هو المستتر، ولو راعى الظاهر لقال يبلغكم بالياء، ويجوز أَن يكون أبلغ حبراً ثانيا للكن فلا التفات كأَنه قيل لكنى رسول من رب العالمين ولكنى أبلغكم {رِسَالاَتِ رَبِّى} جمع باعتبار أَفراد الوحى كلما جاءَه، وباعتبار تعدد أَنواعه كأَمر ونهى ووعظ وأَحكام وإِنذار وتبشير على الإِيمان إِن وقع وقصة ومسائل وصحف إِدريس وهى ثلاثون وصحف شيث وهى خمسون، فهو يبلغهم ما أرسل به وما أرسل به غيره {وَأَنْصَحٌ لَكُمْ} أرغبكم من عندي فى الطاعة وأحذركم عن المعصية بذكر عواقب ذلك وبتمييز الأَحسن من الحسن والأَصلح من الصالح، وبترغيبكم فى القبول عن الله، فحقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، ويقال أَيضاً نصحتك، ولكن فى اللام دلالة على إِمحاض النصح، قال الفراء: وهو الغالب {وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ} من للابتداء متعلق بأَعلم أَولى من تعليقه بمحذوف أَى أَعلم بالوحى من الله {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من الأُمور الآتية، ومن شئونه وبطشه الشديد، ولم يعلموا بقوم حل بهم العذاب قبلهم لعدم ذلك أَو لم يسمعوا بذلك وقد وقع قبلهم.

الالوسي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلاَ مِن قَوْمِهِ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قوله عليه السلام ونصحه لقومه كأنه قيل: فماذا قالوا بعد ما قيل لهم ذلك؟ فقيل: قال الخ. والملأ ـ على ما قال الفراء ـ الجماعة من الرجال خاصة. وفسره غير واحد بالأشراف الذين يملأون القلوب بجلالهم والأبصار بجمالهم والمجالس بأتباعهم، وقيل: سموا ملأ لأنهم مليون قادرون على ما يراد منهم من كفاية الأمور {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ } أي ذهاب عن طريق الحق، والرؤية قلبية ومفعولاها الضمير والظرف؛ وقيل: بصرية فيكون الظرف في موضع الحال {مُّبِينٌ } أي بين كونه ضلالاً.

ابن عاشور

تفسير : فُصلت جملة {قال} على طريقة الفصل في المحاورات، واقترن جوابهم بحرف التّأكيد للدّلالة على أنّهم حقّقوا وأكّدوا اعتقادهم أنّ نوحاً منغمس في الضّلالة. {الملأ} مهموز بغير مدّ: الجماعةُ الذين أمْرُهم واحد ورأيهم واحد لأنّهم يُمالىء بعضهم بعضاً، أي يعاونه ويوافقه، ويطلق الملأ على أشراف القوم وقَادتهم لأنّ شأنهم أن يكون رأيهم واحداً عن تشاور، وهذا المعنى هو المناسب في هذه الآية بقرينة (مِن) الدّالة على التّبعيض أي أنّ قادة القوم هم الذين تَصدّوا لمجادلة نوح والمناضلةِ عن دينهم بمسمع من القوم الذين خاطبَ جميعَهم، والرّؤية قلبيّة بمعنى العلم، أي أنّا لنوقن أنّك في ضلال مبين ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصّة هود بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنّهم كذّبوا وكفروا. وظرفية {في ضلال} مجازية تعبيراً عن تمكّن وصف الضّلال منه حتّى كأنّه محيط به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف. «والضّلال» اسم مصدر ضَلّ إذا أخطأ الطّريق الموصّل، «والمبين» اسم فاعل من أبان المرادففِ بَان، وذلك هو الضّلال البالغ الغاية في البعد عن طريق الحقّ، وهذه شبهة منهم فإنّهم توهّموا أنّ الحقّ هو ما هم عليه، فلا عجب إذا جعلوا ما بَعُد عنه بعدا عظيماً ضلالاً بيّناً لأنّه خالفهم، وجاء بما يعُدّونه من المحال، إذْ نفَى الإلهيةَ عن آلهتهم، فهذه مخالفة، وأثبتها لله وحده، فإن كانوا وثنيين فهذه مخالفة أخرى، وتوعدهم بعذاب على ذلك وهذه مخالفة أيضاً، وإن كان العذاب الذي توعدهم به عذاب الآخرة فقد أخبرهم بأمر محال عندهم وهو البعث، فهي مخالفة أخرى، فضلاله عندهم مبينٌ، وقد يتفاوت ظهوره، وادّعى أنّ الله أرسله وهذا في زعمهم تعمد كذب وسفاهةُ عقل وادعاءُ محال كما حكي عنهم في قوله تعالى:{أية : قال الملأ الذين كفروا من قومه إنّا لنراك في سفاهة وإنّا لنظنّك من الكاذبين}تفسير : [الأعراف: 66] ــــ وقوله هنا ــــ {أية : أَوَعجبتم أن جاءكم ذكر من ربّكم}تفسير : [الأعراف: 63] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَنَرَاكَ} {ضَلاَلٍ} (60) - فَقَالَ جُمْهُورُ السَّادَةِ وَالكُبَراءِ (المَلأُ) مِنْ قَوْم نُوحٍ: إِنَّنا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ فِي دَعْوَتِكَ إِيَّانَا إِلى تَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ التِي وَجَدْنَا آبَاءَنا يَعْبُدُونَها. المَلأُ - السَّادَةُ وَالكُبَرَاءُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والملأ هم سادة القوم وأعيانهم وأشرافهم، أو الذين "يملأون" العين هيئة ويملأون القلوب هيبة، ويملأون صدور المجالس بنية. إنهم خائفون أن تكون دعوة نوح هي الدعوة إلى الطريق المستقيم وكلامه هو الهداية؛ فيمنّوا أنفسهم بأن هذا ضلال وخروج عن المنهج الحق: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. أي غيبة عن الحق، أو في تيه عن الحق، و"مبين" أي محيط بصورة لا يمكن النفاذ منها. ويرد نوح عليه السلام: {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ...}