Verse. 1015 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ يٰقَوْمِ لَيْسَ بِيْ ضَلٰلَۃٌ وَّلٰكِـنِّيْ رَسُوْلٌ مِّنْ رَّبِّ الْعٰلَمِيْنَ۝۶۱
Qala ya qawmi laysa bee dalalatun walakinnee rasoolun min rabbi alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال يا قوم ليس بي ضلالة» هي أعم من الضلال فنفيها أبلغ من نفيه «ولكني رسول من رب العالمين».

61

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَالَ يَا قَوْمٍ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ} أي شيء من الضلال، بالغ في النفي كما بالغوا في الإِثبات وعرض لهم به. {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ} استدراك باعتبار ما يلزمه، وهو كونه على هدى كأنه قال: ولكني على هدى في الغاية لأني رسول من الله سبحانه وتعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ يـَٰقَوْمِ * لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌ } هي أعم من (الضلال)، فنفيها أبلغ من نفيه {وَلـَٰكِنِّي رَسُولٌ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.

البقاعي

تفسير : ولما قذفوه بضلال مقيد بالوضوح، نفى الضلال المطلق الذي هو الأعم، وبنفيه ينتفي كل أخصيّاته بل نفي أقل شيء من الضلال، فقال تعالى مخبراً عنه {قال ياقوم} مجدداً لا ستعطافهم {ليس بي ضلالة} فنفى وحدة غير معينة، ولا يصدق ذلك إلا بنفي لكل فرد، فهو أنص من نفي المصدر، ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم بذلك في سورة هود، إما لأنها صفة ذم لم يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين: إحداهما قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية بعد أن أسلم بعضهم. ولما نفى ما رموه به على هذا الوجه البليغ، أثبت له ضده بأشرف ما يكون من صفات الخلق، فقال مستدركاً - بعد نفي الضلال - إثبات ملزوم ضده: {ولكني رسول} أي إليكم بما أمرتكم به فأنا على أقوم طريق {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم بإرسال الرسل لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال، فرد الأمر عليهم بألطف إشارة؛ ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بياناً لرسالته فقال: {أبلغكم} وكأن أبواب كفرهم كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو باعتبار تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني المختلفة، أو أنه جمع له ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة وشيث وهو خمسون صحيفة عليهما السلام فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إليّ من الأوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من أحوال الآخرة وغيرها، لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع. ولما كان الضلال من صفات الفعل، واكتفى بالجملة الفعلية الدالة على حدوث في قوله: {وأنصح} وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال: {لكم} والنصيحة: الإرشاد إلى المصلحة مح خلوص النية من شوائب المكروه، ولما كان الضلال من الجهل قال: {وأعلم من الله} أي من صفات الذي له صفات الكمال وسائر شؤونه {ما لا تعلمون*} أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ذلك مما ليس لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء، ولا تتركوه بنسبتي إلى الضلال تزدادوا ضلالاً. ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد استبعاد أن يختص عنهم بفضيلة وهو منهم كما سيأتي في غير هذه السورة، أنكر ذلك عليهم بقولة: {أو عجبتم} أي أكذبتم وعجبتم {أن جاءكم} وضمن جاء معنى أنزل، فلذلك جعلت صلته "على" فقال: {ذكر} رسالة {من ربكم} أي المحسن إليكم بالإيجاد والتربية منزلاً {على رجل} أي كامل في الرجولية وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه فإنه {منكم} لقولكم: {ما سمعنا بهذا} أي إرسال البشر {أية : في آبائنا الأولين}تفسير : [المؤمنون: 24] {لينذركم} لتحذروا ما ينذركموه {ولتتقوا} أي تجعلوا بينكم وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم تنجون {ولعلكم ترحمون*} أي وليكون حالكم إذا لقيتم الله حال من ترجى رحمته بأن يرفعه الله في الدارين. ولما نسبوه أولاً إلى الضلال وهو قد يكون خطأ عن ذهول ونحوه، فأقام لهم الدليل على أنه على الصواب، أخبر أنه لم يتسبب عن ذلك إلا تصريحهم بما لوحوا إليه أولاً بالضلال من التكذيب فقال: {فكذبوه} أي الملأ وتبعهم من دونهم؛ ولما تسبب عن تكذيبهم له تصديق الله لهم بإهلاكهم وإنجائه ومن آمن به، قال مقدماً لإنجائه اهتماماً به: {فأنجيناه} بما لنا من العظمة من أهل الأرض كلهم ومن عذابنا الذي أخذناهم به: {والذين معه} أي بصحبة الأعمال الدينية {في الفلك} وهو السفينة التي منّ الله على الناس بتعليمه عملها لتقيه من الطوفان فكانت آية ومنفعة عظيمة لمن أتى بعدهم {وأغرقنا} أي بالطوفان، وهو الماء الذي طبق ظهر الأرض فلم يبق منها موضعاً حتى أحاط به، وأظهر موضع الإضمار تعليقاً للفعل بالوصف إشارة إلى أن من فعل مع الرسول شيئاً فإنما فعله مع مرسله فهو يجازيه بما يستحقه فقال: {الذين كذبوا بآياتنا} أي وهي من الظهور في حد لا خفاء به لما لها من العظمة بالنسبة إلينا، وعدي هنا فعل النجاة بالهمزة وهي الأصل في التعدية، وقرنت ب {الذين} لأنه أخلص الموصولات واصرحها. ولما أعيدت القصة في سورة يونس عليه السلام، كان الأليق بكلام البلغاء والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة، فعدي التضعيف مع ما فيه من الأبلغية بإفهام مزيد الاعتناء مناسبة لما تقدم من مزيد التفويض في قوله {أية : فأجمعوا أمركم وشركاءكم} تفسير : [يونس: 71]، وتلا بـ {من} ضماً للفرع إلى الفرع فإن {من} مشترك بين الوصل والشرط، وهي أيضاً قد تطلق على ما لا يعقل، فناسب ذلك الحال، وزيد هناك في وصف الناجين { أية : وجعلناهم خلائف } تفسير : [يونس: 73] نظراً إلى قوله تعالى في في أول السورة { أية : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا } تفسير : [يونس: 13]، ثم قال: {أية : ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}تفسير : [يونس: 14] فلوح لهم بالإهلاك إن ظلموا، ثم أشار لهم - في قصة نوح عليه السلام بكونه أعلمهم أن الخلائف هم الناجون الباقي ذكرهم وذريتهم - إلى أنه تفضل عليهم بالتوفيق إلى الإجابة ورحمهم بهذا النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم - فقضى أنهم غير مهلكين. ولما افتتحت القصة بنسبتهم له إلى الضلال باطلاً، وهو ناشىء عن عمى البصيرة أو البصر، ناسب أن يقلب الأمر عليهم على وجه الحق فقال مؤكداً لإنكارهم ذلك {إنهم كانوا} أي لما جبلتهم من العوج {قوماً عمين*} أي مطبوعين في عمى القلب مع قوتهم يحاولون، ثابت لهم ذلك، بما أشار إليه فعل دون أن يقال فاعل،وختمت القصة في يونس بقوله { أية : فانظر كيف كان عاقبة المنذرين }تفسير : [يونس: 73] لقوله أولها {أية : إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري}تفسير : [يونس: 71] أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر عليهم ولو كان تبشيراً لما عز عليهم. ولما كان عاد بعدهم، ولم يكن هنا ما يقتضي تشويش الترتيب، اتبعهم بهم مقدماً المرسل إليه ليفيد تخصيص رسالته بهم وهم بعض أهل الأرض فقال: {وإلى عاد} خاصة أرسلنا {أخاهم} أي في النسب لأنهم عنه أفهم وبحاله في الثقة والأمانة أعرف؛ ولما عطفه على نوح عليهما السلام بعد تقديم المرسل إليهم، بينه بقوله: {هوداً} بخلاف قوم نوح فإنهم كانوا جميع أهل الأرض، لأن القبائل لم تكن فرقت الناس ولا الألسنة إذ كان لسان الكل واحداً، ولم تفرق الألسنة إلا بعد الصرح، ولهذا عم الغرق جميع أهل الأرض، فكان المعنى حينئذ لا يختلف في قصته بتقديم ولا تأخير، فناسب تقديم الرسالة أو المرسل لأنه أهم. ولما وكانت قصة نوح عليه السلام أول قصص الأنبياء مع قومهم، ولم يكن للعرب عهد بمجاورات الأنبياء ومن يرسلون إليه، فأتى فيها بالأصل "أرسلناه" فقال سياقاً واحداً إخباراً لمن هو فارغ الذهن من كل جزء من أجزائها؛ أتت قصة هود عليه السلام بعد علم السامعين بقصة نوح عليه السلام مما وقع من تبليغه لهم وردهم عليه، فلما ذكر إرساله تشوف السامع إلى انه هل قال لهم كما قال نوح وهل ردوا عليه كرد قومه أو كان الأمر بخلاف ذلك؟ فأجيب سؤال المتشوف بقوله: {قال} كقوله نوح عليه السلام سواء {يا قوم} مذكراً لهم بأنه أحدهم يهمه ما يهمهم {اعبدوا الله} أي لا ستحقاقه ذلك لذاته؛ ثم علل أو استأنف بقوله: {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله غيره} ولما كانوا عارفين بما أصاب قوم نوح قال: {أفلا تتقون*} أي أفلا تجعلون بينكم وبين عذاب هذا الواحد الجبار وقاية. ولما تشوف السامع إلى جوابهم بعد هذا الترغيب الممزوج بالترهيب، أجيب بقوله {قال الملأ} أي الأشراف الذين يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة، ولما كانت عاد قليلاً بالنسبة إلى قوم نوح عليه السلام، وكان قد أسلم من أشرافهم من له غنى في الجملة، قيد بقوله: {الذين كفروا} أي ستروا ما من حقه الظهور من أدلة الوحدانية، ووصفوا تسلية لهذا النبي الكريم فيما يرى من جفاء قومه بأن مثل ذلك كان لإخوانه من الأنبياء بقوله {من قومه} وأكدوا ما واجهوه به من الجفاء لأنهم عالمون بأن حاله في علمه وحكمه يكذبهم بقولهم: {إنا لنراك} أي لنعلمك علماً متيقناً حتى كأنه محسوس {في سفاهة} أي مظروفاً لخفة العقل، فهي محيطة بك من جميع الجوانب، لا خلاص لك منها، فلذا أدتك إلى قول لا حقيقة له، فالتنوين للتعظيم، فإن قيل: بل للتحقير، كأنهم توقفوا في وصفه بذلك كما توقفوا في الجزم بالكذب فقالوا: {وإنا لنظنك من الكاذبين*} أي المتعمدين للكذب، وذلك لأنه كان عندهم علم من الرسل وما يأتي مخالفهم من العذاب من قصة نوح عليه السلام ولم يكن العهد بعيداً، وأما قوم نوح فجزموا بالضلال وأكدوه بكونه مبيناً، لأنه لم يكن عندهم شعور بأحوال الرسل وعذاب الأمم قبل ذلك، ولهذا قالوا{أية : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : [المؤمنون: 24]، قيل: ليس كذلك، فقد ورد في جواب قوم نوح في سورة هود مثل هذا، وهو قوله {أية : بل نظنكم كاذبين}تفسير : [هود: 27]؛ فإن قيل: إنما كان هذا في ثاني الحال بعد أن نصب لهم الأدلة وأقام البراهين على صحة مدعاه وثارت حظوظ الأنفس بالجدال، فإنه يبعد أن يكون قومه أجابوه بذلك أول ما دعاهم، قيل: والأمر كذلك في قصة هود عليه السلام سواء فإنه لم يقل له ذلك إلا الكفار من قومه، فتقييدهم بالوصف يدل على أنه كان فيهم من اتبعه، بل وإن متبعه كان من أشرافهم هم بالظن، وتعبير في الكذب لإرادتهم أنه يكفي في وصفه بالسفاهة التي زعموها إقدامه على ما يحتمل معه ظنهم لكذبه، أو يكون قوله غير الحق في زعمهم مردداً بين أن يكون قاله عن تعمد أو حمله عليه ما رموه به من السفه من غير تأمل. ولما قابلوا لينته لهم وشفقته عليهم بهذه الغلطة، أعرض عن ذلك وعاملهم من الحلم بضده ما سموه به بأن {قال} معلماً الأدب في مخاطبة السفهاء {يا قوم} مذكراً بما بينهم من النسب الداعي إلى الود والمناصحة والعطف والملاطفة {ليس بي سفاهة} فنفى أن يكون به شيء من خفة حلم، فانتقى أن يكون كاذباً لأن الداعي إلى الكذب الخفة والطيش فلم يحتج إلى تخصيصه بنفي. ولما نفى السفاهة، أثبت ما يلزم منه ضدها بقوله: {ولكني رسول} وبين المرسل تعظيماً للأمر بقوله {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم بعد نعمة الإيجاد والأرزاق بإرسال الرسل إليهم ليكسبوهم معالي الأخلاق التي بها انتظام نعمة الإبقاء {أبلغكم} وجمع الرسالة لما تقدم في قصة نوح عليه السلام فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إليّ بتعليمي ما لم أكن أعلم وتأهيلي لما لم يكن في حسابي. ولما كانوا قد رموه بالسفه الذي هو من غرائز النفس لأنه ضد الحلم والرزانة، عبر عن مضمون الجملة النافية له بما يقتضي الثبات فقال: {وأنا لكم ناصح} أي لم يزل النصح من صفتي، وليس هو تكسبته بل غريزة فيّ، وقد بلوتموني فيه قبل الرسالة وإظهار هذه المقالة دهراً دهيراً وزماناً طويلاً؛ ولما قالوا إنهم يظنون كذبه، زادهم صفة الأمانة فقال:{أمين*}.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} استئناف ايضا {يا قوم} ناداهم باضافتهم اليه استمالة لقلوبهم نحو الحق {ليس بى} الباء للملابسة او للظرفية {ضلالة} بالغ فى النفى حيث نفى عن نفسه ملابسة ضلالة واحدة اى ليس بى شئ من افراد الضلال وجزئياته فضلا عن ان يكون بى ضلال عظيم بين كما بالغوا فى الاثبات حيث جعلوه مستقرا فى الضلال الواضح كونه ضلالا {ولكنى رسول} اى رسول كائن {من رب العالمين} فمن لابتداء الغاية مجازا والرسالة يلزمها الهدى التام الغير القابل للضلال فاستدرك الملزوم ليكون كالبرهان على استدراك اللازم كأنه قال ولكنى على هدى كامل فى الغاية لانى رسول من رب العالمين.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية إِخبار عما أجابهم به نوح (ع) وقال لهم {ليس بي ضلالة} أي ليس بي عدول عن الحق، ويقال،: به ضلالة لأن فيه معنى عرض به كما يقال به جنة، ولا يجوز أن يقال: به معرفة، لأنها ليست مما تعرض بصاحبها، ولكن يصح أن يقال: به جوع، وبه عطش، لأنه عارض به. قوله {يا قوم} أصله يا قومي، فحذفت ياء الاضافة لقوة النداء على التغيير، حتى يحذف للترخيم، فلما جاز أن يحذف في غيره للاجتزاء بالكسرة منها، لزم أن يحذف فيه لاجتماع السببين فيه. وقوله {ولكني رسول من رب العالمين} معنى (لكن) والاستدراك الخفيفة يستدرك بها معنى المفرد. والمشددة يستدرك بها معنى الجملة، فلذلك صارت من أخوات (إِنَّ). {ولكني} أصله (ولكنني) وحذفت النون لاجتماع النونات، ويجوز الاتمام، لأنه الأصل، وكذلك (اني، وكأني) فأما (ليتني) فلا يجوز فيه الا اثبات النون، لأنه لم يعرض فيه علة الحذف. واما (لعلي) فيجوز فيه الوجهان، لأن اللام قريبة من النون. ومعنى (من) - ها هنا - لابتداء الغاية، ومعناه أن الله تعالى هو الذي ابتدأني بالرسالة، وكل مبتدىء بفعل فذلك الفعل منه. وأصل (من) موضع ابتداء الغاية كقولك: خرجت من بغداد الى الكوفة أي ابتداء خروجي من بغداد.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ} داراهم بنفى معتقدهم ولذا لم يؤكّده مثل تأكيداتهم {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ} اتى باللاّم اشارة الى خلوص النّصح عن شوب الخديعة {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ} يعنى من صفاته وتدبيره او بافاضة الله {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} بلّغ اوّلاً رسالته مع تعقيبه بالانذار ولمّا كّذبوه بابداء اعتقاد ضدّ الرّسالة وهو الضّلالة نفى معتقدهم واثبت دعواه مع لازمها الّذى هو التّبليغ، ثمّ عقّبها بما لاينبغى ردّه من النّصح والعلم بما ليس لهم علم به مداراةً معهم واظهاراً للرّأفة بهم.

اطفيش

تفسير : {قالَ يا قَوْم} ناداهم بهذا استجلابا لهم {لَيسَ بى ضَلالةٌ} أى ليس فى شىء من الضلال، نفى عن نفسه الضلال بوجه بليغ، كما بلغوا فى إثبات الضلال الكامل له، كما يقال: عندك تمر؟ وتقول: ليست عندى تمره أو شق تمرة، وزاد بأن عرض ولوَّح بأنهم هم فى الضلال المبين، وأما أنا فلست منه فى شىء، والضلال يستعمل فى القليل والكثير، والضلالة فى الواحد، فعلى أنه القليل فالمعنى ليس بى قطعة منه كقولك: ليس عنده شق تمرة، وعلى أنه الكثير فالمراد أنه ليس بى ولو ضلال واحد، أو أنه ليس بى قطعة منه. {ولكنَّى رسُولٌ مِنْ ربِّ العَالمينَ} أى فأنا على الصراط المستقيم الكامل كما هو لازم الرسالة، فلذلك صح أن يكون استدراك لقوله: {ليس بى ضلالة} كأنه قال: ليس بى ضلالة لكنى على الاستقامة والهدى، وفى هذا الاستدراك تعرض النظر منهم فى المعجزة، ولكل رسول معجزة.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف على طرز سابقه {يَٰاقَوْمِ } ناداهم بإضافتهم إليه استمالة لهم نحو الحق {لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ } نفي للضلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه فإن التاء للمرة لأن مقام المبالغة في الجواب لقولهم الأحمق يقتضي ذلك والوحدة المستفادة منه باعتبار أقل ما ينطلق فيرجع حاصل المعنى ليس بـي أقل قليل من الضلال فضلاً عن الضلال المبين، وما يتخايل من أن نفي الماهية أبلغ فإن نفي الشيء مع قيد الوحدة قد يكون بانتفاء الوحدة إلى الكثرة مضمحل بما حقق أن الوحدة ليست صفة مقيدة بل اللفظ موضوع للجزء الأقل وهو الواحد المتحقق مع الكثرة ودونها على أن ملاحظة قيد الوحدة في العام في سياق النفي مدفوع، وكفاك لا رجل شاهداً فإنه موضوع للواحد من الجنس وبذلك فرق بينه وبين أسامة فإذا وقع عاماً لا يلحظ ذلك. ولو سلم جواز أن يقال ليس به ضلالة أي ضلالة واحدة بل ضلالات متنوعة ابتداء لكن لا يجوز في مقام المقابلة كما نحن فيه قاله في «الكشف» وبه يندفع ما أورد على «الكشاف» في هذا المقام. وفي «المثل السائر» الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي تكون بينها وبين واحدها تاء التأنيث متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ كما في هذه الآية، ولا يظن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين من قولك: ضل يضل ضلالاً وضلالة كان القولان سواء لأن الضلالة هنا ليست عبارة عن / المصدر بل عن المرة والنفي كما علمت، وإنما بالغ عليه السلام في النفي لمبالغتهم في الإثبات حيث جعلوه وحاشاه مستقراً في الضلال الواضح كونه ضلالاً. وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} استدراك على ما قبله رافع لما يتوهم منه، وذلك ـ على ما قيل ـ أن القوم لما أثبتوا له الضلال أرادوا به ترك دين الآباء ودعوى الرسالة فحين نفى الضلالة توهم منه أنه على دين آبائه وترك دعوى الرسالة فوقع الإخبار بأنه رسول وثابت على الصراط المستقيم استدراكاً لذلك، وقيل: هو استدراك مما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في أقصى مراتب الهداية فإن رسالته من رب العالمين مستلزمة له لا محالة كأنه قيل وليس بـي شيء من الضلالة لكني في الغاية القاصية من الهداية، وحاصل ذلك ـ على ما قرره الطيبـي ـ أن لكن حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفياً وإثباتاً والتغاير هنا حاصل من حيث المعنى كما في قولك: جاءني زيد لكن عمراً غاب، وفائدة العدول عن الظاهر إرادة المبالغة في إثبات الهداية على أقصى ما يمكن كما نفى الضلالة كذلك، وسلك طريق الإطناب لأن هذا الاستدراك زيادة على الجواب إذ قوله: {لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ} كان كافياً فيه فيكون من الأسلوب الحكيم الوارد على التخلص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنوي لأنه بدأ بالدعوة إلى إثبات التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى فلما أراد إثبات الرسالة لم يتمكن لما اعترضوا عليه من قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } فانتهز الفرصة وأدمج مقصوده في الجواب على أحسن وجه حيث أخرجه مخرج الملاطفة والكلام المنصف يعني دعوا نسبة الضلال إلي وانظروا ما هو أهم لكم من متابعة ناصحكم وأمينكم ورسول رب العالمين ألا ترى أن صالحاً عليه السلام لما لم يعترضوا عليه عقب بإثبات الرسالة إثبات التوحيد؛ ففي هذه الآية خمسة من أنواع البديع فإذا اقتضى المقام هذا الإطناب كان الاقتصار على العبارة الموجزة تقصيراً انتهى. ولا يخفى أن هذا الاستدراك غير الاستدراك بالمعنى المشهور. وقد ذكر غير واحد من علماء العربية أن الاستدراك في لكن أن تنسب لما بعدها حكماً مخالفاً لما قبلها سواء تغايرا إثباتاً ونفياً أو لا، وفسره صاحب «البسيط» وجماعة برفع ما توهم ثبوته، وتمام الكلام فيه في «المغني»، واعتبار اللازم لتحصيل الاستدراك بالمعنى الثاني مما لا يكاد يقبل لأنه لا يذهب وهم واهم من نفي الضلالة إلى نفي الهداية حتى يحتاج إلى تداركه، ووجهه بعضهم من دون اعتبار اللازم بأنه عليه السلام لما نفى الضلالة عن نفسه فربما يتوهم المخاطب انتفاء الرسالة أيضاً كما انتفى الضلالة فاستدركه بلكن كما في قولك زيد ليس بفقيه لكنه طبيب، وأنت تعلم أن هذا إن لم يرجع إلى ما قرر أولاً فليس بشيء، وقيل: إنه إذا انتفى أحد المتقابلين يسبق الوهم إلى انتفاء المقابل الآخر لا إلى انتفاء الأمور التي لا تعلق لها به، ولهذا يؤول ما وقع في معرض الاستدراك بما يقابل الضلال مثلاً يقال: زيد ليس بقائم لكنه قاعد ولا يقال: لكنه شارب إلا بعد التأويل بأن الشارب يكون قاعداً، وقال بعض فضلاء الروم: النظر الصائب في هذا الاستدراك أن يكون مثل قوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وقوله: شعر : هو البدر إلا أنه البحر زاخرا سوى أنه الضرغام لكنه الوبل تفسير : كأنه قيل: ليس بـي ضلالة وعيب سوى أني رسول من رب العالمين، وأنت تعلم أن هذا النوع يقال له عندهم تأكيد المدح بما يشبه الذم وهو قسمان ما يستثنى فيه من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح لذلك / الشيء بتقدير دخولها في صفة الذم المنفية. وما يثبت فيه لشيء صفة مدح ويتعقب ذلك بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى لذلك، والظاهر أن ما في الآية من القسم الأول إلا أنه غير غني عن التأويل فتأمل. و {مِنْ } فيها لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسول مؤكدة ما يفيده التنوين من الفخامة الذاتية كأنه قيل: إني رسول وأي رسول كائن من رب العالمين.

ابن عاشور

تفسير : فصلت جملة: {قال} على طريقة فَصْل المحاورات. والنّداء في جوابه إياهم للاهتمام بالخبر، ولم يخصّ خطابَه بالذين جاوبوه، بل أعاد الخطاب إلى القوم كلّهم، لأنّ جوابه مع كونه مجادلة للملأ من قومه هو أيضاً يتضمّن دعوة عامة، كما هو بيِّن، وتقدّم آنفاً نكتة التّعبير في ندائهم بوصف القوم المضاف إلى ضميره، فأعاد ذلك مرّة ثانية استنزالاً لطائر نفوسهم ممّا سيَعقُب النّداء من الرد عليهم وإبطال قولهم {أية : إنّا لنراك في ضلال مبين}تفسير : [الأعراف: 60]. والضّلالة مصدر مثل الضّلال، فتأنيثه لَفْظي محض، والعرب يستشعرون التّأنيث غالباً في أسماء أجناس المعاني، مثل الغواية والسّفاهة، فالتّاء لمجرّد تأنيث اللّفظ وليس في هذه التّاء معنى الوحدة لأنّ أسماء أجناس المعاني لا تراعَى فيها المُشخّصات، فليس الضّلال بمنزلة اسم الجمع للضّلالة، خلافاً لِما في «الكشاف»، وكأنَّه حاول إثبات الفرق بين قول قومه له {أية : إنّا لنراك في ضلال}تفسير : [الأعراف: 60]، وقوله هُو: {ليس بي ضلالة} وتبعه فيه الفخر، وابن الأثير في «المثل السّائر»، وقد تكلّف لتصحيحه التفتزاني، ولا حاجة إلى ذلك، لأنّ التّخالف بين كلمتي ضلال وضلالة اقتضاه التّفنّن حيث سبق لفظ ضلال، وموجب سبقه إرادة وصفه بــــ{أية : مبين}تفسير : [الأعراف: 60]، فلو عبّر هنالك بلفظ ضلالة لكان وصفها بمبيّنة غير مألوف الاستعمال، ولما تقدّم لفظ {أية : ضلال}تفسير : [الأعراف: 60] استحسن أن يعاد بلفظ يغايره في السّورة دفعاً لثقل الإعادة؛ فقوله: {ليس بي ضلالة} ردّ لقولهم: {أية : إنا لنراك في ضلال مبين}تفسير : [الأعراف: 60] بمساويه لا بأبلغ منه. والباء في قوله: {بي} للمصاحبة أو الملابسة، وهي تناقض معنى الظرفية المجازية من قولهم {أية : في ضلال}تفسير : [الأعراف: 60] فإنّهم جعلوا الضّلال متمكّنا منه، فنفى هو أن يكون للضّلال متلبّس به. وتجريد {ليس} من تاء التّأنيث مع كون اسمها مؤنّث اللّفظ جرى على الجواز في تجريد الفعل من علامة التّأنيث، إذا كان مرفوعه غير حقيقي التّأنيث، ولمكان الفصل بالمجرور. والاستدراك الذي في قوله {ولكني رسول} لرفع ما توهّموه من أنّه في ضلال حيث خالف دينهم، أي هو في حال رسالة عن الله، مع ما تقتضي الرّسالة من التّبليغ والنّصح والإخبارِ بما لا يعلمونه، وذلك ما حسبوه ضلالاً، وشأن (لكن) أن تكون جملتها مفيدة معنى يغاير معنى الجملة الواقعة قبلها، ولا تدلّ عليه الجملة السّابقة وذلك هو حقيقة الاستدراك الموضوعةُ له (لكِنّ) فلا بد من مناسبة بين مضموني الجملتين: إما في المسند نحو {أية : ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكنّ الله سَلَّم}تفسير : [الأنفال: 43] أو في المسند إليه نحو {أية : وما رميتَ إذ رميت ولكنّ الله رمى}تفسير : [الأنفال: 17] فلا يحسن أن تقول: ما سافرت ولكنّي مقيم، وأكثر وقوعها بعد جملة منفية، لأنّ النّفي معنى واسع، فيكثر أن يحتاج المتكلّم بعده إلى زيادة بيان، فيأتي بالاستدراك، ومن قال: إنّ حقيقة الاستدراك هو رفْعُ ما يتوَهَّم السّامع ثبوتَه أو نفيه فإنّما نظر إلى بعض أحوال الاستدراك أو إلى بعض أغراض وقوعه في الكلام البليغ، وليس مرادُهم أنّ حقيقة الاستدراك لا تتقوم إلاّ بذلك. واختيار طريق الإضافة في تعريف المرسِل: لما تؤذن به من تفخيم المُضاف ومن وجوب طاعته على جميع النّاس، تعريضاً بقومه إذ عصوه. وجملة: {أبلغكم رسالات ربي} صفة لرسول، أو مستأنفة، والمقصود منها إفادة التّجدّد، وأنّه غير تارككٍ التّبليغَ من أجل تكذيبهم تأييساً لهم من متابعته إياهم، ولولا هذا المقصد لكان معنى هذه الجملة حاصلاً من معنى قوله: {ولكني رسول}، ولذلك جمع الرّسالات لأنّ كلّ تبليغ يتضمّن رسالة بما بلَّغَه، ثمّ إن اعتُبرت جملة: {أبلغكم} صفة، يكُن العدول عن ضمير الغيبة إلى ضمير التّكلّم في قوله: {أبلغكم} وقولِه: {ربي} التفاتاً، باعتبار كون الموصوف خبراً عن ضمير المتكلّم، وإن اعتُبرت استينافاً، فلا التفات. والتّبليغ والإبلاغ: جعل الشّيء بالغاً، أي واصلاً إلى المكان المقصود، وهو هنا استعارة للإعلام بالأمر المقصود علمُه، فكأنّه ينقله من مكان إلى مكان. وقرأ الجمهور: {أُبَلِّغكم} ــــ بفتح الموحّدة وتشديد اللاّم ــــ وقرأه أبو عَمرو، ويعقوب: بسكون الموحدة وتخفيف اللاّم من الإبلاغ والمعنى واحد. ووجه العدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {رسالات ربي} هو ما تؤذن به إضافة الرّب إلى ضمير المتكلّم من لزوم طاعته، وأنّه لا يسعه إلاّ تبليغُ ما أمره بتبليغه، وإن كَرِه قومه. والنّصح والنّصيحة كلمة جامعة، يعبّر بها عن حسن النّيّة وإرادة الخير من قوللٍ أو عملٍ، وفي الحديث: «حديث : الدّين النّصحية»تفسير : ــــ وأن تُناصحوا من ولاّه الله أمركم. ويكثر إطلاق النّصح على القول الذي فيه تنبيه للمخاطب إلى ما ينفعه ويدفع عنه الضّر. وضدّه الغشّ. وأصل معناه أن يتعدّى إلى المفعول بنفسه، ويكثر أن يُعدّى إلى المفعول بلام زائدة دالة على معنى الاختصاص للدّلالة على أنّ النّاصح أراد من نصحه ذات المنصوح، لا جلب خير لنفس النّاصح، ففي ذلك مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة، وأنّها وقعت خالصة للمنصوح، مقصوداً بها جانبه لا غير، فربّ نصيحة ينتَفع بها النّاصح فيقصد النّفعين جميعاً، وربّما يقع تفاوت بين النّفعين فيكون ترجيح نفع النّاصح تقصيراً أو إجحافاً بنفع المنصوح. وفي الإتيان بالمضارع دلالة على تجديد النّصح لهم، وإنّه غير تاركه من أجل كراهيتهم أو بذاءتهم. وعقب ذلك بقوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} جمعاً لمعان كثيرة ممّا تتضمّنه الرّسالة وتأييداً لثباته على دوام التّبليغ والنّصح لهم، والاستخفاف بكراهيتهم وأذاهم، لأنّه يعلم ما لا يعلمونه ممّا يحمله على الاسترسال في عمله ذلك، فجاء بهذا الكلام الجامع، ويتضمّن هذا الإجمالُ البديعُ تهديداً لهم بحلول عذاب بهم في العاجل والآجل، وتنبيهاً للتّأمّل فيما أتاهم به، وفتحاً لبصائرهم أن تتطلب العلم بما لم يكونوا يعلمونه، وكل ذلك شأنه أن يبعثهم على تصديقه وقبولِ ما جاءهم به. و{من} ابتدائية أي: صار لي علم وارد من الله تعالى، وهذه المعاني التي تضمّنها هذا الاستدراك هي ما يُسلِّم كلّ عاقل أنّها من الهدى والصّلاح، وتلك هي أحواله، وهم وصفوا حاله بأنّه في ضلال مبين، ففي هذا الاستدراك نعي على كمال سفاهة عقولهم. وانتقَل إلى كشف الخطأ في شبهتهم فعطف على كلامه قولَه: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم} مفتتحاً الجملةَ بالاستفهام الإنكاري بعد واو العطف، وهذا مشعر بأنّهم أحالوا أن يكون رسولاً، مستدلّين بأنّه بشر مثلهم، كما وقعت حكايته في آية أخرى {أية : ما هذا إلاّ بشر مثلكم يريد أن يتفضّل عليكم}تفسير : [المؤمنون: 24]. واختير الاستفهام دون أن يقول: لا عَجب، إشارة إلى أنّ احتمال وقوع ذلك منهم ممّا يتردّد فيه ظن العاقل بالعقلاء. فقولهّ: {أو عجبتم} بمنزلة المنع لقضية قولهم: {أية : إنا لَنَراك في ضلالٍ مبين}تفسير : [الأعراف: 60] لأنّ قولهم ذلك بمنزلة مقدمةِ دليل على بطلان ما يدعوهم إليه. وحقيقة العَجَب أنّه انفعال نفساني يحصل عند إدراك شيء غير مألوففٍ، وقد يكون العجب مشوباً بإنكار الشّيء المتعجب منه واستبعاده واحالته، كما في قوله تعالى: {أية : بل عَجِبُوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا مِتْنَا وكُنَّا تراباً ذلك رَجْع بعيد}تفسير : [ق: 2، 3] وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: {أية : وإنْ تَعْجَب فَعَجَبٌ قولهم أإذا كنا تراباً إنَّا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربّهم}تفسير : [الرعد: 5] والذي في هذه الآية كناية عن الإنكار كما في قوله تعالى: {أية : قالوا أتَعْجَبين من أمر الله}تفسير : [هود: 73] أنكروا عليها أنّها عدت ولادتها ولَدا، وهي عَجوز، مُحالاً. وتنكير {ذِكْرٌ} و{رَجُلٍ} للنّوعية إذ لا خصوصية لذِكْر دون ذِكْر ولا لِرَجُل دون رَجل، فإنّ النّاس سواء، والذّكْر سواء في قبوله لمن وفقه الله ورده لمن حُرم التّوفيقَ، أي هذا الحدث الذي عظمتموه وضجِجتم له ما هو إلاّ ذِكْر من ربّكم على رَجُل منكم. ووصْفُ {رجل} بأنّه منهم، أي من جنسهم البشري فضحٌ لشبهتهم، ومع ما في هذا الكلام من فضح شبهتهم فيه أيضاً ردّ لها بأنّهم أحقاء بأن يكون ما جعلوه موجب استِبْعاد واستحالة هو موجب القبول والإيمان، إذ الشأن أن ينظروا في الذّكر الذي جاءهم من ربّهم وأن لا يسرعوا إلى تكذيب الجائي به، وأن يعلموا أن كونَ المُذَكِّر رجلاً منهم أقربُ إلى التّعقّل من كون مُذكِّرِهم من جنس آخر من مَلَك أو جِنِّي، فكان هذا الكلام من جوامع الكلم في إبطال دعوى الخصم والاستدلال لصدق دعوى المجادل، وهو يتنزّل منزلة سَنَد المنع في علم الجدل. ومعنى (على) من قوله {على رجل منكم} يشعر بأنّ {جاءكم} ضُمّن معنى نَزل: أي نزل ذكر من ربّكم على رجل منكم، وهذا مختار ابن عطيّة، وعن الفرّاء أنّ (على) بمعنى مع. والمجرور في قوله: {لينذركم} ظرف مستقر في موضع الحال من رجل، أو هو ظرف لَغو متعلّق بقوله: {جاءكم} وهو زيادة في تشويه خَطَئهم إذ جعلوا ذلك ضلالاً مبيناً، وإنّما هو هدى واضح لفائدتكم بتحذيركم من العقوبة، وإرشادكم إلى تقوى الله، وتقريبكم من رحمته. وقد رُتّبت الجمل على ترتيب حصول مضمونها في الوجود، فإنّ الإنذار مقدّم لأنّه حَمْلٌ على الإقلاع عمّا هم عليه من الشّرك أو الوثنية، ثمّ يحصل بعده العمل الصّالح فتُرجى منه الرّحمة. والإنذار تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إنَّا أرسلناك بالحقّ بشيراً ونَذيراً }تفسير : في سورة البقرة (119). والتّقوى تقدّم عند قوله تعالى: {أية : هدى للمتّقين} تفسير : في أوّل سورة البقرة (2). ومعنى (لعلّ) تقدّم في قوله تعالى: {أية : لعلّكم تتّقون} تفسير : في سورة البقرة (21). والرّحمة تقدّمت عند قوله تعالى: {أية : الرحمٰن الرّحيم} تفسير : في سورة الفاتحة (3).

د. أسعد حومد

تفسير : {يَاقَوْمِ} {ضَلاَلَةٌ} {ٱلْعَالَمِينَ} (61) - فَقَالَ لَهُمْ نُوحٌ: إِنَّني لَسْتُ ضَالاً، وَلَمْ أَخْرُجْ عَنِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ فِي دَعْوتي لَكُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَإِنَّما أَنَا رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ وَرَبِّ كُلِّ شيءٍ فِي الوُجُودِ وَمَالِكِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هم قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}، المتبادر أن يكون الرد: ليس في أمري ضلال، لكنه قال هنا: {لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ}، أقول ذلك لنعرف أن كل حرف في القرآن موزون لموضعه. هم قالوا له: إنا لنراك في "ضلال، فيرد عليهم ليس بي ضلالة؛ لأن الضلال جنس يشمل الضلالات الكثيرة، وقوله يؤكد أنه ليس عنده ضلالة واحدة. وعادة نفي الأقل يلزم منه نفي الأكثر، مثلاً عندما يقول صديق: عندك تمر من المدينة المنورة؟ تقول له: ليس عندي ولا تمرة واحدة. أنت بذلك نفيت الأقل، وهذا أيضاً نفي للأكثر. {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ}. وحين ينفي نوح عن نفسه وجود أدنى ضلالة فذلك لأنه يعرف أنه لم يأت من عنده بذلك، ولو كان الأمر كذلك لاتّهم نفسه بأن هواه قد غلبه، لكنه مرسل من عند إله حق. {...وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 61] وقوله: "ولكني" استدراك فلا تقولوا: أنا في ضلال؛ فليس فيّ ضلالة واحدة، لكن أنا رسول يبلغ عن الله، الله لا يعطي غير الهدى. {رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي من سيد العالمين ومن متولى تربية العالمين، ومن يتولى التربية لا يُنزل منهجاً يضل به من يربيهم، بل ينزل منهجاً ليصلح من يربيهم، وسبحانه قبل أن يأتي بهم إلى الوجود سخر لهم كل هذا الكون، وأمدهم بالأرزاق حتى الكافرين منهم، ومن يعمل كل ذلك لن يرسل لهم من يضلهم. ويستمر البلاغ من نوح عليه السلام لقومه فيقول: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ...}