٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {أَبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعَلَم مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} صفات لرسول أو استئناف، ومساقها على الوجهين لبيان كونه رسولاً. وقرأ أبو عمرو {أبلغكم} بالتخفيف وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها أو لتنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والأحكام، أو لأن المراد بها ما أوحي إليه وإلى الأنبياء قبله، كصحف شيث وإدريس وزيادة اللام في لكم للدلالة على إمحاض النصح لهم، وفي أعلم من الله تقريراً لما أوعدهم به فإن معناه أعلم من قدرته وشدة بطشه، أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُبَلِّغُكُمْ } بالتخفيف والتشديد {رِسَٰلٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ } أريد الخير {لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله: "أبَلِّغُكُمْ" يجوزُ أن تكون جملة مستأنفة أتى بها لبيانِ كونه رسولاً، ويجوز أن تكون صفةً لـ "رَسَولٍ"، ولكنَّهُ راعى الضَّمِيرَ السَّابِقَ الذي للمتكلِّم فقال: أبَلِّغُكُمْ، ولو راعى الاسم الظَّاهِرَ لقال: يُبَلِّغكم، والاستعمالان جائزان في كلِّ اسم ظاهرٍ سبقه ضمير حاضر من متكلم، أو مخاطب فتحرَّر لك فيه وجهان: مراعاةُ الضَّميرِ السَّابِقِ، وهو الأكثر، ومراعاة الاسم الظَّاهر فيقول: أنَا رجلٌ أفعل كذا مراعاة لـ "أنا"، وإن شئت أنا رجل يفعل كذا مراعاة لرجُلٍ، ومثله: أنْتَ رجلٌ يفعل وتفعلُ بالخطاب والغيبة. وقرأ أبو عَمْرٍو: "أبْلِغُكُمْ" بالتَّخفيف، والباقون بالتَّشديدِ، وهذا الخلافُ جارٍ هنا في الموضعين، وفي الأحقاف والتَّضعيف والهمزة للتَّعْدِيَةِ كأنْزَلَ، ونَزَّلَ، وجمع "رسالة" باعتبار أنواعها من أمر ونهي، ووعظ، وزجر، وإنذار، وإعذار، وقد جاء الماضي على أفْعَل في قوله: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ}تفسير : [هود: 57] فهذا شاهدٌ لقراءة أبِي عَمْرٍو، وجاء على فعَّل في قوله: {أية : فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}تفسير : [المائدة: 67] فهذا شاهدٌ لقراءة الجماعة. واعلم أنَّهُ ذكر ما هو المقصود من الرِّسالة، وهو أمران: أن يبلغ الرِّسالة، وتقرير النَّصِيحَةِ، والفرقُ بينهما أنَّ تبليغ الرِّسالة معناه: أن يعرفهم أنْوَاعَ تَكَاليفِ اللَّه، وأوامره، ونواهيه، وأمَّا النَّصيحةُ فهو ترغيبهم في الطَّاعَةِ، وتحذيرهم عن المعاصي. قوله: "وأنْصَحُ لَكُمْ". قال الفرَّاءُ: العربُ لا تَكَادُ تقُولُ: نصحتك، إنَّمَا يقولون: نصحتُ لك، ويجوز أيضاً: نَصَحْتُكَ. قال النابغة: [الطويل] شعر : 2498 - نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَقْبَلُوا نُصْحِي وسُؤلِي، وَلَمْ تَنْجَحْ لَديْهِمْ رَسَائِلِي تفسير : فصل في بيان حقيقة النصح وحقيقةُ النُّصْحِ الإرْشَادُ إلى المصلحةِ مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى: إنِّي أبَلِّغ لَكُمْ تَكَالِيفَ اللَّهِ، ثمَّ أرشدكم إلى الأصوب، والأصْلَحِ، وأدعوكم إلى ما دَعَانِي، وأحبِّبُ لكم ما أحبه لنفسي. قوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قيل: أعلم أنكُم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطُّوفَانِ. وقيل: أعلم أنَّهُ يعاقبكم في الآخرة عذاباً شديداً، خارجاً عمَّا تتصوَّرُهُ عقولُكُمْ. وقيل: أعلم من توحيد الله وصفاتِ جلالهِ ما لا تعلمون. والمقصود من ذكر هذا الكلام: حملُ القَوْمِ على أنْ يرجعوا إليه في طلب تلك العُلُومِ. واعلم أنَّ نوحاً - عليه الصلاة والسلام - أزال تعجبهم وقال: إنَّه تعالى خالق الخلق، فله بحكم الإلهية أنْ يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوزُ أن يخاطبهم بتلك التَّكاليف من غير واسطة؛ لأنَّ ذلك ينتهي إلى حَدِّ الإلجاء، وهو يُنَافِي التَّكْلِيف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسُولُ من الملائكة، لما تقدَّم في "الأنعام" في قوله: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}تفسير : [الأنعام: 9]، فلم يَبْقَ إلا أن إيصال التَّكالِيف إلى الخَلْقِ بواسطة إنسان يبلغهم، وينذرهم ويحذرهم، وهذا جوابُ شُبَهِهم. قوله: "أوَ عَجْبتُمْ" ألفُ استفهامٍ دخلت على واو العَطْفِ، وقد تقدَّم الخلافُ في هذه الهَمْزَةِ السَّابقة على الواو، وقدَّر الزمخشري على قاعدته معطوفاً عليه محذوفاً تقديره: أكذَّبْتُمْ وعجبتم "أنْ جَاءَكُمْ" أي: مِنْ أنْ جاءكم، فلما حذف الحَرْفَ جرى الخلاف المشهورُ. "مِنْ رَبِّكُمْ" صفةٌ لـ "ذِكْر". "عَلَى رَجُلٍ": قال ابْنُ قُتَيْبَةَ: "[قال الفرَّاءُ]: يجوز أن تكون على حذف مضافٍ، أي: على لِسَانِ رَجُل". وقيل: على بمعنى "مع"، أي: مع رجل فلا حذف. وقيل: لا حاجة إلى حَذْف، ولا إلى تضمين حرف؛ لأنَّ المعنى أُنزل إليكم ذِكْر على رَجُلٍ، وهذا أوْلى؛ لأنَّ التَّضْمِينَ في الأفعال أحسن منه في الحُرُوفِ لقوَّتِهَا وضعف الحُرُوفِ. فصل في معنى "الذكر" قال ابنُ عَبَّاسٍ: الذِّكْرُ الموعظة. وقال الحَسَنُ: إنه الوَحْيُ الَّذي جَاءَهُمْ بِهِ. وقيل: المراد بالذِّكْرِ المُعْجِز. وقيل: بيان "عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ" أي تعرفون نسبه، فهو منكم نسباً. "ليُنْذِرَكُمْ" أي: لأجْلِ أن ينذركم عذابَ اللَّه. "وَلِتَتَّقُوا" أي: لكي تَتَّقُوا. "وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون" أي: لكي ترحموا. فصل في دحض شبهة للمعتزلة قال الجُبُّائِيُّ، والكَعْبِيُّ، والقاضي: دلَّتْ هذه الآية على أنَّهُ تعالى أراد من بعثة الرُّسُل إلى الخلق التَّقْوَى، والفوزَ بالرَّحْمَةِ، وذلك يبطل قول من قال: إنَّهُ تعالى أراد من بعضهم الكُفْرَ والعِنَادَ، وخلقهم لأجل العذاب والنارِ. والجوابُ بأن نقول: إن لم يَتَوَقَّفِ الفعل على الدّاعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح، وإن توقَّف لزم الجَبْرُ، ومتى لزم ذلك، وجب القطعُ بأنَّهُ تعالى أراد الكُفْرَ، وذلك يبطلُ مذهبكم. قوله: "فَكَذَّبُوهُ": أي في ادِّعَاءِ النُّبوُّةِ والرِّسالةِ. "فَأنْجَيْنَاهُ" من الطُّوفان، وأنجْينا من كان معه [وكانوا أرْبَعِينَ رجلاً، وأربعين امرأة]. وقيل: عشرةٌ: بَنُوه: حَامٌ، وسامٌ، ويافث، وسبعة ممن آمن معه من المؤمنين. "فِي الفُلْكِ" أي: في السَّفِينَةِ، وأغرقنا الكُفَّارَ والمكذِّبين، وبين العِلَّة في ذلك فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ}. قوله: "فِي الفُلْكِ" يجوزُ أن يتعلق بـ "أنْجَيْنَاهُ"، أي: أنجيناه في الفلك، [ويجوز أن تكون "فِي" حينئذٍ سببيَّةً أي: بسبب الفُلْكِ] كقوله: "حديث : إنَّ امْرَأةً دخلت النَّارَ فِي هِرَّةٍ"تفسير : ، ويجوزُ أن يتعلق في الفلك بما تعلَّق به الظَّرْفُ الواقع صلةً، أي: الذين استقرُّوا في الفلك معه. "وعَمِيْنَ" جمع عَمٍ، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المادة. وقيل: عمٍ هنا إذا كان أعْمَى البصيرة، [قال ابن عباس: عَمِيَتْ قلوبُهُم عن معرفة التَّوْحِيد، والنَّبوة والمعَادِ قال أهل اللُّغَة]: غير عارفٍ بأموره، وأعْمَى أي في البَصَرِ. قال زُهَيْرٌ: [الطويل] شعر : 2499 - وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ تفسير : قاله اللَّيْثُ وقيل: عم وأعْمَى بمعنًى، كخَضِرٍ وأخْضَر. وقال بعضهم: "عَم" فيه دلالةٌ على ثبوت الصِّفةِ واستقرارها [كفَرِح] وضيّق، ولو أريد الحدوث لَقِيلَ: عامٍ كما يقال: فارحٌ وضَائِقٌ. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: قريء "قَوْماً عَامِينَ".
ابو السعود
تفسير : {أُبَلّغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبّى} استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير رسالتِه وتفصيلِ أحكامِها وأحوالِها وقيل: صفة أخرى لرسولٌ على طريقة: [الرجز] شعر : أنا الذي سمّتني أمي حيدَره [ضِرْغامُ آجامٍ ولَيْتٌ قَسْوَرَهْ] تفسير : وقرىء أبْلِغُكم من الإبلاغ، وجمعُ الرسالاتِ لاختلاف أوقاتِها أو لتنوّع معانيها، أو لأن المرادَ بها ما أوحيَ إليه وإلى النبـيـين من قبله، وتخصيصُ ربوبـيتِه تعالى به عليه الصلاة والسلام بعد بـيانِ عمومِها للعالمين للإشعار بعلة الحُكمِ الذي هو تبليغُ رسالتِه تعالى إليهم فإن ربوبـيتَه تعالى به عليه الصلاة والسلام من موجبات امتثالِه بأمره تعالى بتبليغ رسالتِه تعالى إليهم {وَأَنصَحُ لَكُمْ} عطفٌ على أبلّغُكم مبـينٌ لكيفية أداءِ الرسالةِ، وزيادةُ اللامِ مع تعدّي النُصحِ بنفسه للدلالة على إمحاض النصيحةِ لهم وأنها لمنفعتهم ومصلحتِهم خاصةً، وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على تجدد نصيحتِه لهم كما يعرف عنه قوله تعالى: {أية : رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً ونَهَارًا } تفسير : [نوح، الآية 5] وقولُه تعالى: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} عطفٌ على ما قبله وتقريرٌ لرسالته عليه الصلاة والسلام، أي أعلم من جهة الله تعالى بالوحي ما لا تعلمونه من الأمور الآتيةِ، أو أعلم من شؤونه عز وجل وقدرتِه القاهرةِ وبطشِه الشديدِ على أعدائه وأن بأسَه يُردّ عن القوم المجرمين ما لا تعلمون. قيل: كانوا لا يسمعون بقوم حل بهم العذابُ قبلَهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علِمه نوحٌ عليه السلام بالوحي. {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ} جوابٌ ورد لمّا اكتُفيَ عن ذكره بقولهم: {أية : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأعراف، الآية 60] من قولهم: {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } تفسير : [هود، الآية 27] وقولِهم: {أية : لَوْ شَاء ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً} تفسير : [المؤمنون، الآية 24] والهمزةُ للإنكار والواوُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلامُ كأنه قيل: استبعدتم وعجِبتم من أن جاءكم ذكرٌ أي وحيٌ أو موعظةٌ من مالك أموركم ومربّـيكم {عَلَىٰ رَجُلٍ مّنكُمْ} أي على لسان رجلٍ من جنسكم كقوله تعالى: {أية : مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } تفسير : [آل عمران: 194] وقلتم لأجل ذلك ما قلتم من أن الله تعالى لو شاء لأنزل ملائكة {لِيُنذِرَكُمْ} علةٌ للمجيء أي ليحذرَكم عاقبةَ الكفر والمعاصي {وَلِتَتَّقُواْ} عطفٌ على العلة الأولى مترتبةٌ عليها {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} عطف على العلة الثانية مترتبةٌ عليها، أي ولتتعلق بكم الرحمةُ بسبب تقواكم. وفائدةُ حرفِ الترجّي التنبـيه على عزة المطلبِ وأن التقوى غيرُ موجبةٍ للرحمة بل هي منوطةٌ بفضل الله تعالى وأن المتقيَ ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمنَ عذابَ الله عز وجل. {فَكَذَّبُوهُ} أجمعوا على تكذيبه في دعوى النبوةِ وما نزل عليه من الوحي الذي بلّغه إليهم وأنذرهم بما في تضاعيفه، واستمرّوا على ذلك هذه المدةَ المتطاولةَ بعد ما كرر عليه الصلاة والسلام عليهم الدعوةَ مراراً، فلم يزدهم دعاؤُه إلا فراراً حسبما نطق به قولُه تعالى: {أية : رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً } تفسير : [نوح، الآية 5]، إذ هو الذي يعقُبه الإنجاءُ والإغراقُ لا مجرَّدُ التكذيب {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} من المؤمنين، قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأةً وقيل: تسعةً: أبناؤُه الثلاثة وستةٌ ممّن آمن به، وقوله تعالى: {فِي ٱلْفُلْكِ} متعلقٌ بالاستقرار في الظرف أي استقروا في الظرف، أي استقروا معه في الفلك أو صحِبوه فيه، أو بفعل الإنجاء أي أنجيناهم في السفينة، ويجوز أن يتعلق بمُضْمر وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الظرف {وأغرقنا ٱلَّذِينَ كذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي استمروا على تكذيبها، وليس المرادُ بهم الملأَ المتصدِّين للجواب فقط بل كلَّ من أصرّ على التكذيب منهم ومن أعقابهم، وتقديمُ ذكرِ الإنجاءِ على الإغراق للمسارعة إلى الإخبار به، والإيذانِ بسبق الرحمةِ التي هي مقتضى الذاتِ، وتقدُّمِها على الغضب الذي يظهر أثرُه بمقتضى جرائمِهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} عُمْيَ القلوبِ غيرَ مستبصرين. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: عمِيَتْ قلوبُهم عن معرفة التوحيد والنبوةِ والمعاد، وقرىء عامِينَ والأولُ أدلُّ على الثبات والقرار.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية: 62]. قال بعضهم: {أَنصَحُ لَكُمْ}: أدلكم على طريق رشدكم، {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من سعة رحمته وقبول التوبة لمن رجع إليه بالإخلاص وقال شاه الكرمانى: علامة النصح ثلاثة: اغتنام القلب بمصائب المسلمين، وبذل النصح لهم. وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوها وكرهوها.
القشيري
تفسير : إني أعلم أَنِّي وإنْ بالغت في تبليغ الرسالة فمَنْ سبقت له القسمة بالشقاوة لا ينفعه نصحي، ولا يُؤَثِّرُ فيه قولي، فمَنْ أسقطته القسمةُ لم تنعشه النصيحة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} اعرفكم طريق عرفان ربكم ارشدكم فى نصيحتى الى مشاهدة ربكم وتعطفه ولطفه على عباده علم من الله من لطائف بره وجميل عطفه وكشوف صفاته وجمال ذاته وحلاوة مشاهديه ولذيذ خطابه مالا تعرفونه ما وصل اليه يكون فى ملك لا يبلى سعادة لا تفنى ومن حرم من الوصول اليه يكون بلا حجاب وضلال لا ينقضى محبها ابدا قال بعضهم انصح لكم ادركم على طريق رشدكم واعلم من الله ما لا تعلمون من سعة رحمته قبول التوبة لمن رجع اليه بالاخلاص.
اسماعيل حقي
تفسير : {ابلغكم رسالات ربى} الرسالة صفة واحدة قائمة بذات الرسول متعلقة بالاضافة الى المرسل والمرسل اليه الا انها جمعت نظرا الى تعددها بحسب تنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والاحكام او لان المراد بها ما اوحى اليه والى الانبياء قبله كصحف شيث وهى خمسون صحيفة وصحف ادريس وهى ثلاثون صحيفة {وأنصح لكم} زيادة اللام مع تعدى النصح بنفسه يقال نصحتك للدلالة على امحاض النصح لهم وانها لمنفعتهم ومصلحتهم خاصة فانه رب نصيحة ينتفع بها الناصح ايضا وليس الامر ههنا كذلك والفرق بين تبليغ الرسالة وتقرير النصيحة ان تبيلغ الرسالة معناه ان يعرف انواع تكاليف الله واحكامه والنصيحة المراد بها الترغيب فى الطاعة والتحذير من المعاصى والارشاد الى ما فيه مصالح المعاد. قال الحدادى النصح اخراج الغش من القول والفعل {وأعلم من الله ما لا تعلمون} اى اعلم من قدرته القاهرة وبطشه الشديد على اعدائه وان بأسه لا يرد عن القوم المجرمين ما لا تعلمونه قيل كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علمه نوح عليه السلام بالوحى.
الطوسي
تفسير : قرأ أبو عمرو وحده {أبلغكم} مخففة اللام. الباقون بتشديدها. و (بلغ) فعل يتعدى الى مفعول واحد تقول: بلغني خبركم، وبلغت أرضكم، فاذا نقلته تعدى الى مفعولين. والنقل يكون تارة بالهمزة وأخرى بتضعيف العين، وقد ورد بهما التنزيل، قال الله تعالى {أية : فإن تولوا فقد أبلغتكم}تفسير : فنقل بالهمزة، وقال {أية : يا أيها الرسول بلغ}تفسير : فنقل بتضعيف العين، فعلى هذين الوجهين اختلفوا في القراءة. وفي الآية حكاية عن قول نوح (ع) لقومه أنه قال لهم بعد ما أنكر عليهم أنه ليس به ضلالة، وانه رسول من عند الله، وأنه بلغهم ما حمله الله من رسالات ربه. والإِبلاغ إِيصال ما فيه بيان وافهام، ومنه البلاغة، وهي إِيصال المعنى الى النفس بأحسن صورة من اللفظ. والبليغ الذي ينشىء البلاغة، لا الذي يأتي بها على وجه الحكاية. والفرق بين الإِبلاغ والاداء أن الاداء لما يسمع، وحسن الاداء للقراءة. والرسالات جمع رسالة، وهي جملة من البيان يحملها القائم بها ليؤديها الى غيره. وانما جمع - ها هنا - {رسالات} وفي موضع آخر {أية : رسالة}تفسير : على التوحيد، لأنه يشعر تارة بالجملة وتارة بالتفصيل، فلما دعا الى عبادة الله وطاعته واجتناب محارمه والعمل بشريعته، كان هذا تفصيل رسالات الله تعالى. ورسالات الله حكم: من ترغيب، وتحذير، ووعد، ووعيد، ومواعظ، ومزاجر، وحجج، وبراهين وأحكام يعمل بها، وحدود ينتهى اليها. وقوله {وأنصح لكم} فالنصيحة اخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة. و (النصح) خلاف الغش في العمل، ولا يكون الغش إِلا بسوء النية. وقوله {وأعلم من الله ما لا تعلمون} فيه حث لهم على طلب العلم من جهته، وتحذير من مخالفته، لما يعلم من العاقبة، فكأنه قال: أنا أعلم بحلول العقاب بمخالفتكم وترك القبول مني {ما لا تعلمون} أنتم، ويجوز أن يريد {وأعلم من} توحيد الله وصفاته وحكمته {ما لا تعلمونه}. وفي ذلك بطلان مذهب القائلين بأن معرفة الله ضرورة - وأن من لم يعرفه ضرورة فليس بمكلف - لأن نوحاً (ع) بين أنه خاف عليهم مع أنه يعلم ما لا يعلمونه.
اطفيش
تفسير : {أبلِّغُكم} خبر ثان أو استئناف، وأجيز أن يكون نعتا أو حالا من رسول، ولو كان لفظ رسول للغيبة من حيث إن الظاهر من قبيل الغيبة، لأنه خبر لضمير المتكلم، فهو فى معناه، قرأ أبو عمرو أبلغكم بإسكان الباء وتخفيف اللام. {رِسَالاتِ ربِّى} جمع باعتبار الأمر والنهى، والوعظ والتخويف، والترغيب والتبشير، وغير ذلك، أو باعتبار الأوقات الموحى إليه فيها، أو لذلك كله الرسالات ما أوحى إلى الأنبياء قبله كصحف شيث وإدريس. {وأنْصحُ لكُم} أتى باللام تأكيداً فى النصح، فإنه يقال: نصحته ونصحت له، الثانى أبلغ، والنصح بالإرشاد لمصلحة، وقيل: إرادتك الخير لغيرك كما تريده لنفسك، وفيه أن مجرد الإرادة ليست نصحا، ولعل المراد الإرشاد لمصلحة اللازم، والمسبب عن إرادتها للمنصوح، كما قيل: النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، وعن بعضهم أنه تحرى قول أو فعل فيه صلاح الغير، ولعل المراد تحريه، ولازم التحرى ومسببه وهو الإرشاد، وعلى كل حال فالمعنى أنى أرشدكم شفقة عليكم إلى ما هو صلاح لكم وأحبه لنفسى، وغيره ضر لكم وهو التوحيد والعبادة، وقرر ما وعدهم به وما يذكر لهم من الرسالة وغيرها بقوله: {وأعْلم مِنَ الله ما لاَ تعْلَمون} من شدة بطش الله بمن أصر على الكفر فى الدنيا والآخرة، أو فى الآخرة، وكانوا لم يعلموا بهلاك أمة إذ لم يتقدمهم، أو من جلال الله وتعاليه عن المعاصى وغير ذلك مما علمه بالوحى، ومن قال إنه عالم حينئذ بالطوفان أجاز أن يزيده بما لا تعلمون.
الالوسي
تفسير : {أُبَلّغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبِّى } استئناف مسوق لتقرير رسالته وتفصيل أحكامها وأحوالها. وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون صفة أخرى لرسول على المعنى لأنه عبارة عن الضمير في (إنّي) وهذا كقول علي كرم الله تعالى وجهه حين بارز مرحباً اليهودي يوم خيبر: شعر : أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أو فيهم بالصاع كيل السندره تفسير : حيث لم يقل سمته حملاً له على المعنى لأمن اللبس، وأوجب بعضهم الحمل على الاستئناف زعماً منه أن ما ذكر قبيح حتى قال المازني: لولا شهرته لرددته، وتعقب ذلك الشهاب بأن ما ذكره المازني في صلة الموصول لا في وصف النكرة فإنه وارد في القرآن مثل { أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفسير : [النمل: 55] وقد صرح بحسنه في «كتب النحو والمعاني»، على أن ما ذكره في الصلة أيضاً مردود عند المحققين وإن تبعه فيه ابن جني حتى استرذل قول المتنبـي: شعر : أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبـي تفسير : وفي «الانتصاف» أنه حسن في الاستعمال وكلام أبـي الحسن أصدق شاهد على ما قال وعلى حسن كلام ابن الحسين، وهذا ـ كما قال الشهاب ـ إذا لم يكن الضمير مؤخراً نحو الذي قرى الضيوف أنا أو كان للتشبيه نحو أنا في الشجاعة الذي قتل مرحباً. وقرأ أبو عمرو {أبلغكم } بتسكين الباء وتخفيف اللام من الإبلاغ، وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبـي واحدة وهو مصدر والأصل فيه أن لا يجمع رعاية لاختلاف أوقاتها أو تنوع معاني ما أرسل عليه السلام به أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس عليه السلام وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وشيث عليه السلام وقد أنزل عليه خمسون صحيفة، ووضع الظاهر موضع الضمير وتخصيص ربوبيته تعالى له عليه السلام بعد بيان عمومها للعالمين للإشعار بعلة الحكم الذي هو تبليغ رسالته تعالى إليهم فإن ربوبيته تعالى له من موجبات امتثاله بأمره تعالى بتبليغ رسالته. {وَأَنصَحُ لَكُمْ } أي أتحرى ما فيه صلاحكم بناءً على أن النصح تحري ذلك قولاً أو فعلاً، وقيل: هو تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى هنا أبلغكم أوامر الله تعالى ونواهيه وأرغبكم في قبولها وأحذركم عقابه إن عصيتموه، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع، ويقال: هو مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من خلل الثوب، وقد يستعمل لخلوص المحبة للمنصوح له والتحري فيما يستدعيه حقه، وعلى ذلك حمل ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » تفسير : ويقال: نصحته ونصحت له كما يقال: شكرته وشكرت له، قيل: وجىء باللام هنا ليدل الكلام على أن الغرض ليس غير النصح وليس النصح لغيرهم بمعنى أن نفعه يعود عليهم لا عليه عليه السلام كقوله: { أية : مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } تفسير : [الفرقان: 57] وهذا مبني على أن اللام للاختصاص لا زائدة، وظاهر كلام البعض يشعر بأنها مع ذلك زائدة وفيه خفاء. / وصيغة المضارع للدلالة على تجدد نصحه عليه السلام لهم كما يفصح عنه قوله: { أية : رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } تفسير : [نوح: 5]. وقوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } عطف على ما قبله وتقرير لرسالته عليه السلام أي أعلم من قبله تعالى بالوحي أشياء لا علم لكم بها من الأمور الآتية. فمن لابتداء الغاية مجازاً أو أعلم من شؤونه عز وجل وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على من لم يؤمن به ويصدق برسله ما لا تعلمونه. فمن إما للتبعيض أو بيانية لما، ولا بد في الوجهين من تقدير المضاف، قيل: كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين غافلين لا يعلمون ما علمه نوح عليه السلام فهم أول قوم عذبوا على كفرهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 62- وإنى فى هذه الدعوة الحق إلى الوحدانية والإيمان باليوم الآخر، أبلِّغكم ما أرسلنى الله به من الأحكام الإلهية التى يصلح بها الإنسان وإنى أمحضكم النصح وأخلصه لكم، وقد علمنى الله تعالى ما لا تعلمون. 63- أترموننى بالضلالة والبعد عن الحق؟ وتعجبون أن يجئ إليكم تذكير من الله خالقكم، على لسان رجل جاء إليكم لينذركم بالعقاب إن كذبتم، وليدعوكم إلى الهداية وإصلاح القلوب وتجنب غضب الله تعالى، رجاء أن تكونوا فى رحمة الله تعالى فى الدنيا والآخرة، فلا يصح أن تعجبوا وتكذبوا مع قيام البينات المثبتة للرسالة. 64- ولكنهم مع تلك البينات لم يؤمن أكثرهم، فكذبوه، فأنزلنا عليهم عذاباً بالإغراق فى الماء، وأنجينا الذين آمنوا به بالفلك الذى صنعه بهداية منا، وغرق الذين كذبوا مع قيام الدلائل البينة الواضحة، فعاندونا، وكانوا بذلك غير مبصرين الحق وقد عموا عنه. 65- وكما أرسلنا نوحاً إلى قومه داعياً إلى التوحيد، أرسلنا إلى عاد هودا واحداً منهم علاقته بهم كعلاقة الأخ بأخيه، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله - وحده - وليس لكم إله غيره، وإن ذلك سبيل الاتقاء من الشر والعذاب وهو الطريق المستقيم، فهلا سلكتموه لتتقوا الشر والفساد؟.
د. أسعد حومد
تفسير : {رِسَالاَتِ} (62) - وَأَنَا أَتَوَلَّى إِبْلاَغَكُمْ مَا أَرْسَلَنِي بِهِ اللهُ إِلَيْكُمْ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَإِخْلاَصِ العِبَادَةِ للهِ، وَأَتَوَلَّى نُصْحَكُمْ وَتَوْجِيهَكْم إِلَى الخَيْرِ وَإِنَّنِي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، لأَِنَّني مُرْسَلٌ مِنْ قِبَلِهِ إِلَيْكُمْ. أَنْصَحُ لَكُمْ - أَتَحَرَّى مَا فِيهِ صَلاَحُكُمْ قَوْلاً وَفِعْلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والبلاغ هو إنهاء الأمر إلى صاحبه؛ فيقال: بلغت المكان الفلاني.. أي انتهيت إليه. و"البلاغة" هي النهاية في أداء العبارة الجميلة، و"أبلغكم" أي أنهي إليكم ما حملنيه الحق من منهج هداية لحركة حياتكم. {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي}. وكان يكفي أن يقول: "رسالة ربي" إلا أنّه قال: {رِسَالاَتِ رَبِّي} لأن أي رسول يأتي بالمنهج الثابت كما جاءت به الرسالات السابقة حتى لا يقول أحد: إنه جاء ليناقض ما جاء به الرسل السابقون، فما قاله به أي رسول سابق يقوله، ونعلم أنه كانت هناك صحف لشيت ولإِدريس. فقال: إنه يبلغ رسالته المتضمنة للرسالات السابقة سواء رسالة إدريس وهو اخنوخ، وكذلك شيت وغيره من الرسل. أي أبلغكم كل ما جعله الله منهجاً لأهل الأرض من الأمور المستقيمة الثابتة، مثلما قال سبحانه: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ...} تفسير : [الشورى: 13] وهو الأمور المستقرة الثابتة، العقدية، والأحكام التي لا تتغير. أو {رِسَالاَتِ رَبِّي}، لأنه كرسول يتلقى كل يوم قسطاً من الرسالة؛ فاليوم جاءت له رسالة يبلغها، وغداً تأتي له رسالة يبلغها، ولو قال: "الرسالة" لكان عليه أن ينتظر حتى تكتمل البلاغات من الله له ثم يقولها، لكنْ نوح كان يبلغ كل رسالة تأتيه في وقت إبلاغه بها؛ لذلك فهي "رسالات". أو لأن موضوع الرسالات أمر متشعب تشعباً يماثل ما تحتاج إليه الحياة من مصالح؛ فهناك رسالة للأوامر، ورسالة للنواهي، ورسالة للوعظ، ورسالة للزجر، ورسالة للتبشير، ورسالة للإِنذار، ورسالة للقصص، وهكذا تكون رسالات. أو أن كل نجم - أي جزء من القرآن وقسط منه - يعتبر رسالة، فما يرسله الله في يوم هو رسالة للنبي، وغداً له رسالة أخرى وهكذا. وقوله: {وَأَنصَحُ لَكُمْ} لأن البلاغ يقتضي أن يقول لهم منهج الله، ثم يدعو القوم لاتباع هذا المنهج بان يرقق قلوبهم ويخاطبهم بالأسلوب الهادئ وينصحهم، والنصح أمر خارج عن بلاغ الرسالة. ولنلتفت إلى فهم العبارة القرآنية. {وَأَنصَحُ لَكُمْ}. والنصح أن توضح للإِنسان المصلحة في العمل، وتجرد نيتك مما يشوهه. وهل أنت تنصح آخر بأن يعود نفعه عليك؟ إنك إن فعلت ذلك تكون النصيحة متهمة، وإن نصحته بأمر يعود عليه وعليك فهذه نصيحة لك وله، ولكن حينما تقول: "نصحت لك" أي أن النصيحة ليس فيها مسألة خاصة بك، بل كل ما فيها لصالح من تبلغه فقط، وبذلك يتضح الفارق بين "نصحته" و"نصحت لك". {وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 62] وكأن سيدنا نوحاً يخاطب قومه: إياكم أن تظنوا أن ما أقوله لكم الآن هو كل العلم من الله، ولا كل علم الله، ولا كل ما علمني الله، بل أنا عندي مسائل أخرى سوف أقولها لكم إن اتقيتم الله وامتلكتم الاستعداد الإِيماني، وهنا سأعطيكم منها جرعات. أو قوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعني أنه سيحدث لكم أمر في الدنيا لم يحصل للأمم السابقة عليكم وهو أن من يُكذب الرسول يأخذه الله بذنبه. وتلك التجربة لم تحدث مع قوم شيت أو إِدريس. {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا...} تفسير : [العنكبوت: 40] ولم يحدث مثل هذا العقاب من قبل نوح، وقد بين لهم نوح: أنا أعلم أن ربنا قد دبر لكم أن من يُكّذِّبَ سيأخذه أخذ عزيز مقتدر. أو {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، أي أن الله أعلمني لا على قدر ما قلت لكم من الخير، لكنه سبحانه قد علمني أن لكل إخبار بالخير ميلاداً وميعاداً. ويقول سبحانه بعد ذلك: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):