Verse. 1017 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاۗءَكُمْ ذِكْرٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ عَلٰي رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوْا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ۝۶۳
AwaAAajibtum an jaakum thikrun min rabbikum AAala rajulin minkum liyunthirakum walitattaqoo walaAAallakum turhamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أ» كذبتم «وعجبتم أن جاءكم ذكر» موعظة «من ربكم على» لسان «رجل منكم لينذركم» العذاب إن لم تؤمنوا «ولتتَّقوا» الله «ولعلكم ترحمون» بها.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {أوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ } يدل على أن مراد القوم من قولهم لنوح عليه السلام: {أية : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأعراف: 60] هو أنهم نسبوه في ادعاء النبوة إلى الضلال، وذلك من وجوه: أحدها: أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه، لأجل أنهم اعتقدوا أن المقصود من الإرسال هو التكليف. والتكليف لا منفعة فيه للمعبود لكونه متعالياً عن النفع والضرر، ولا منفعة فيه للعابد، لأنه في الحال يوجب المضرة العظيمة، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب، فالله قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف، فيكون التكليف عبثاً، والله متعال عن العبث، وإذا بطل التكليف بطل القول بالنبوة. وثانيها: أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا: ما علم حسنه بالعقل فعلناه، وما علم قبحه تركناه، وما لا نعلم فيه لا حسنه ولا قبحه، فإن كنا مضطرين إليه فعلناه، لعلمنا أنه متعال عن أن يكلف عبده ما لا طاقة له به، وإن لم نكن مضطرين إليه تركناه للحذر عن خطر العقاب، ولما كان رسول العقل كافياً فلا حاجة إلى بعثة رسول آخر. وثالثها: أن بتقدير: أنه لا بد من الرسول؛ فإن إرسال الملائكة أولى، لأن مهابتهم أشد، وطهاراتهم أكمل، واستغناءهم عن المأكول والمشروب أظهر، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم. ورابعها: أن بتقدير: أن يبعث رسولاً من البشر، فلعل القوم اعتقدوا أن من كان فقيراً، ولم يكن له تبع ورياسة فإنه لا يليق به منصب الرسالة، ولعلهم اعتقدوا أن الذي ظن نوح عليه السلام أنه من باب الوحي، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان، فهذا هو الإشارة إلى مجامع الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلالة، ثم أن نوحاً عليه السلام أزال تعجبهم وقال: إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة، لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء، وهو ينافي التكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة لما ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] فبقي أن يكون إيصال تلك التكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان، وذلك الإنسان إنما يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم، ومتى أنذرهم اتقوا مخالفة تكليف الله، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله، فهذا هو المراد من قوله: {لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }. إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية. أما قوله: {أوعجبتم} فالهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم أن جاءكم؟ أي عجبتم أن جاءكم ذكر. وذكروا في تفسير هذا الذكر وجوهاً. قال الحسن: إنه الوحي الذي جاءهم به. وقال آخرون: المراد بهذا الذكر المعجز، ثم ذلك المعجز يحتمل وجهين: أحدهما: أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتاباً، وكان ذلك الكتاب معجزاً، فسماه الله تعالى ذكراً، كما سمي القرآن بهذا الاسم، وجعله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: أن ذلك المعجز كان شيئاً آخر سوى الكتاب. وقوله: {عَلَىٰ رَجُلٍ } قال الفراء: {عَلَى } ههنا بمعنى مع كما تقول: جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه، كلاهما جائز. وقال ابن قتيبة: أي على لسان رجل منكم، كما قال {أية : رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } تفسير : [آل عمران: 194] أي على لسان رسلك. وقال آخرون: {ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ } منزل على رجل، وقوله: {مِّنكُمْ } أي تعرفون نسبه فهو منكم نسباً، وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب، لأن المرء بمن هو من جنسه أعرف، وبطهارة أحواله أعلم، وبما يقتضي السكون إليه أبصر، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول، فقال: {لِيُنذِرَكُمْ } وما لأجله ينذر، فقال: {وَلِتَتَّقُواْ } وما لأجله يتقون، فقال: {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وهذا الترتيب في غاية الحسن، فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى، الفوز بالرحمة في دار الآخرة. قال الجبائي والكعبي والقاضي: هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين بعث الرسل إليهم، التقوى والفوز بالرحمة، وذلك يبطل قول من يقول: إنه تعالى أراد من بعضهم الكفر والعناد، وخلقهم لأجل العذاب والنار. وجواب أصحابنا أن نقول: إن لم يتوقف الفعل على الداعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح، وإن توقف لزم الجبر، ومتى لزم ذلك وجب القطع، فإنه تعالى أراد الكفر من الكافر، وذلك يبطل مذهبكم. ثم بين تعالى أنهم مع ذلك كذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين. وبين العلة في ذلك فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ } قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد، قال أهل اللغة: يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر {أية : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلاْنبَـاء يَوْمَئِذٍ } تفسير : [القصص: 66] وقال: {أية : قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } تفسير : [الأنعام: 104] قال زهير:شعر : وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي تفسير : قال صاحب «الكشاف»: قرىء {عَامِيْنِ } والفرق بين العمي والعامي أن العمي يدل على عمي ثابت. والعامي على عمي حادث، ولا شك أن عماهم كان ثابتاً راسخاً، والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى: {أية : وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ }تفسير : [هود: 36].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَ عَجِبْتُمْ} فتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا الألف لقوتها. {أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ} أي وعظ من ربكم. {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ} أي على لسان رجل. وقيل: «على» بمعنى «مَعَ»، أي مع رجل. وقيل: المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم مُنَزَّل على رجل منكم، أي تعرفون نسبه. أي على رجل من جنسكم. ولو كان مَلَكاً فربما كان في اختلاف الجنس تنافر الطبع. و«الفُلْك» يكون واحداً ويكون جمعاً. وقد تقدّم في «البقرة». و{عَمِينَ} أي عن الحق؛ قاله قتادة. وقيل: عن معرفة الله تعالى وقدرته، يقال: رجلٌ عَمٍ بكذا، أي جاهل.

البيضاوي

تفسير : {أَوَ عَجِبْتُمْ} الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي أكذبتم وعجبتم. {أَنْ جَاءَكُمْ} من أن جاءكم. {ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ} رسالة أو موعظة. {عَلَى رَجُلٍ} على لسان رجل. {مِنْكُمْ} من جملتكم أو من جنسكم، فإنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون {لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آباءنا الأولين}. {لِيُنْذِرَكُمْ} عاقبة الكفر والمعاصي. {وَلِتَتْقُوا} منهما بسبب الإنذار. {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بالتقوى، وفائدة حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجب والترحم من الله سبحانه وتعالى تفضل، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى إخباراً عن نوح أنه قال لقومه: {أَوَ عَجِبْتُمْ} الآية، أي: لا تعجبوا من هذا؛ فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم؛ رحمة بكم ولطفاً وإحساناً إليكم؛ لينذركم، ولتتقوا نقمة الله، ولا تشركوا به {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} قال الله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} أي: تمادوا على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل؛ كما نص عليه في موضع آخر، {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ} أي: السفينة؛ كما قال: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَآ} كما قال: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَـٰتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً} تفسير : [نوح: 25] وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} أي: عن الحق، لا يبصرونه، ولا يهتدون له، فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين؛ كقوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} تفسير : [غافر: 51] الآية. وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة أن العاقبة فيها للمتقين، والظفر والغلب لهم؛ كما أهلك قوم نوح بالغرق، ونجى نوحاً وأصحابه المؤمنين. وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز. وقال ابن وهب: بلغني عن ابن عباس: أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً، أحدهم جرهم، وكان لسانه عربياً. رواه ابن أبي حاتم، وروي متصلاً من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَ} كذبتم {عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ } موعظة {مّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ } لسان {رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ } العذاب إن لم تؤمنوا {وَلِتَتَّقُواْ } الله {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بها؟!.

ابن عطية

تفسير : هذه ألف استفهام دخلت على الواو العاطفة، والاستفهام هنا بمعنى التقرير والتوبيخ، وعجبهم الذي وقع إنما كان على جهة الاستبعاد والاستمحال، هذا هو الظاهر من قصتهم، وقوله: {على} قيل هي بمعنى مع، وقيل على حذف مضاف تقدره على لسان رجل منكم. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المجيء بنفسه في هذا الموضع يصل بـ {على} إذ كل ما يأتي من الله تعالى فله حكم النزول فكأنه {جاءكم} معناه نزل فحسن معه أن يقال {على رجل} واللام في {لينذركم} لام كي. وقوله {ولعلكم} ترجّ بحسب حال نوح ومعتقده لأن هذا الخبر إنما هو من تلقاء نوح عليه السلام. وقوله: {فكذبوه} الآية، أخبر الله عنهم أنهم بعد تلطفه بهم كذبوه فأنجاه الله والمؤمنين به في السفينة وهي الفلك، و {الفلك} لفظ واحد للجمع والمفرد، وليس على حد جنب ونحونه، لكن فلك للواحد كسر على فُلك للجميع فضمة الفاء في الواحد ليست هي في الجمع وفعل بناء تكسير مثل أسد وأسد، ويدل على ذلك قولهم في التثنية فلكان، وفي التفسير: أن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رجلاً، وقيل ثمانون، وقيل عشرة، فهم أولاده يافث وسام وحام، وفي كثر من كتب الحديث للترمذي وغيره: أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام، وقال الزهري في كتاب النقاش: وفي القرآن {أية : ذرية من حملنا مع نوح} تفسير : [الإسراء:3]. قال القاضي أبو محمد: فيحتمل أن يكون سائر العشرة أو الأربعين حسب الخلاف حفدة لنوح ومن ذريته فتجتمع الآية والحديث، ويحتمل أن من كان في السفينة غير بنيه لم ينسل، وقد روي ذلك، وإلا لكان بين الحديث والآية تعارض، وقوله: {كذبوا بآياتنا} يقتضي أن نوحاً عليه السلام كانت له آيات ومعجزات، وقوله: {عمين} وزنه فعلين وهو جمع عم وزنه فعل، ويريد عمى البصائر، وروي عن ابن عباس أن نوحاً بعث ابن أربعين سنة، قال ابن الكلبي: بعد آدم بثمانمائة سنة، وجاء بتحريم البنات والأخوات والأمهات والخالات والعمات، وقال وهب بن منبه بعث نوح وهو ابن أربعمائة سنة، وقيل بعث ابن ثلاثمائة سنة، وقيل ابن خمسين سنة، وروي أنه عمر بعد الغرق ستين سنة، وروي أن الطوفان كان سنة ألف وستمائة من عمره صلى الله عليه وسلم، وأتى في حديث الشفاعة وغيره: أن نوحاً أول نبي بعث إلى الناس، وأتى أيضاً أن إدريس قبل نوح ومن آبائه وذلك يجتمع بأن تكون بعثة نوح مشتهرة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان، فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة.

الخازن

تفسير : {أوعجبتم} الألف ألف استفهام والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف وهذا الاستفهام استفهام إنكار معناه أكذبتم وعجبتم {أن جاءكم ذكر من ربكم} يعني وحياً من ربكم {على رجل منكم} تعرفونه وتعرفون نسبه وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب، وقيل: المراد بالذكر الكتاب الذي أنزل الله تعالى على نوح عليه الصلاة والسلام سماه ذكراً كما سمي القرآن ذكراً. وقيل: المراد بالذكر المعجزة التي جاء بها نوح عليه السلام فعلى هذا تكون على بمعنى مع أي مع رجل منكم. قال الفراء على هنا بمعنى مع {لينذركم} يعني جاءكم لأجل أن ينذركم {ولتتقوا} أي ولأجل أن تتقوا {ولعلكم ترحمون} لأن المقصود من إرسال الرسل الإنذار والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي والمقصود بالتقوى الفوز بالرحمة في الدار الآخرة {فكذبوه} يعني فكذبوا نوحاً {فأنجيناه} يعني من الطوفان والغرق {والذين معه} يعني من آمن من قومه معه {في الفلك} يعني في السفينة {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما عميت قلوبهم عن معرفة الله تعالى، قال الزجاج: عموا عن الحق والإيمان. يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر وأنشدوا قول زهير: شعر : وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدٍ عم تفسير : قال مقاتل: عموا عن نزول العذاب بهم وهو الفرق. قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هوداً} أي وأرسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وهي عاد الأولى أخاهم هوداً يعني أخاهم في النسب لا في الدين وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقال ابن إسحاق: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح واتفقوا على أن هوداً عليه الصلاة والسلام لم يكن أخاهم في الدين ثم اختلفوا في سبب الأخوّة من أين حصلت فقيل إنه كان واحداً من القبيلة فيتوجه قوله أخاهم لأنه واحد منهم وقيل إنه لم يكن من القبيلة ثم ذكروا في تفسير هذه الإخوة وجهين: الأول: قال الزجاج: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من الملائكة ويكفي هذا القدر في تسمية الأخوة. والمعنى إنّا أرسلنا إلى عاد واحداً من جنسهم من البشر ليكون الفهم والأنس بكلامه أتم وأكمل ولم نبعث إليهم من غير جنسهم مثل الملك أو الجن. والثاني: إنه أخاهم يعني صاحبهم والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم وكانت منازل عاد بالأحقاف باليمن والأحقاف الرمل الذي عند عمان وحضرموت {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} أي اعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه إلهاً آخر فإنه ليس لكم إله غيره والفرق بين قوله في قصة نوح وهنا قال إن نوحاً كان مواظباً على دعوة قومه غير متوان فيها لأن الفاء تدل على التعقيب. وأما هود فلم يكن كذلك بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء فأخبر الله تعالى عنه بقوله {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} {أفلا تتقون} يعني أفلا تخافون عقابه بعبادتكم غيره ولما كانت هذه القصة منسوقة على قصة قوم نوح وقد علموا ما حل بهم من الفرق حسن قوله هنا. أفلا تتقون يعني أفلا تخافون ما نزل بهم العذاب ولم يكن قبل واقعة قوم نوح شيء حسن تخويفهم من العذاب فقال هناك إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة} يعني إنا لنراك يا هود في حمق وجهالة وضلالة عن الحق. والصواب: أخبر الله تعالى عن قومه نوح أنهم قالوا له إنا لنراك في ضلال مبين وأخبر عن قوم هود أنهم قالوا إنا لنراك في سفاهة والفرق بينهما أن نوحاً لما خوف قومه بالطوفان وطفق في عمل السفينة قال له قومه عند ذلك إنا لنراك في ضلال مبين حيث تتعب في إصلاح سفينة في أرض ليس فيها من الماء شيء وأما هود عليه السلام فإنه لما زيف عبادة الأصنام ونسب من عبدها إلى السفه وهو قلة العقل قابلوه بمثله فقالوا إنا لنراك في سفاهة {وإنا لنظنك من الكاذبين} يعني في ادعائك أنك رسول من عند الله {قال} يعني قال هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى السفه {يا قوم ليس بي سفاهة} يعني ليس الأمر كما تدعون أن بي سفاهة {ولكني رسول من رب العالمين} يعني إليكم.

القشيري

تفسير : عجبوا مِنْ كوْنِ شخصِ رسولَ اللهِ، ولم يتعجبوا من كون الصنمِ شريكاً لله، هذا فَرْطُ الجهالة وغاية الغباء!

اسماعيل حقي

تفسير : {أو عجبتم ان جاءكم ذكر من ربكم} الهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر اى استبعدتم وعجبتم من ان جاءكم وحى او موعظة من مالك اموركم ومربيكم {على رجل منكم} اى على لسان رجل من جنسكم فانهم كانوا يتعجبون من ارسال البشر ويقولون لا مناسبة بينه تعالى وبين البشر من حيث انه تعالى فى غاية التقدس والتنزه والبشر فى غاية التعلق والتكدر فانكر عليهم نوح عليه السلام لانه لا سبيل الى ان يكلف الله البشر بنفسه من غير واسطة لان حجاب العظمة والكبرياء يمنع من ان يتحقق بينهم الفيض والاستفاضة فتعين ان يكون التكليف بان يرسل بشرا ذا جهتين يستفيض من عالم الغيب بجهة تجرده وصفاء روحانيته ويفيض لبنى نوعه بجهة مشاركته لهم فى الحقيقة النوعية {لينذركم} علة للمجئ اى ليحذركم عاقبة الكفر والمعاصى {ولتتقوا} منها بسبب الانذار {ولعلكم ترحمون} اى ولتتعلق بكم الرحمة بسبب تقواكم وفائدة حرف الترجى التنبيه على عزة المطلب وان التقوى غير موجبة للرحمة بل هى منوطة بفضل الله تعالى وان المتقى ينبغى ان لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله تعالى.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية تقريع من نوح (ع) لقومه على صورة الاستفهام بأنهم عجبوا أن جاءهم ذكر من ربهم. وإِنما دخل الاستفهام معنى التقريع، لأن المجيب لا يأتي الا بما يسوء من القبيح، فهو إِنكار وتقريع، وقد يدخل معنى التمني، لأنه بمنزلته في انه طلب، لأن يكون أمر، وإِنما فتحت الواو في قوله {أوَعجبتم} لأنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فالكلام مستأنف من وجه، متصل من وجه، كما أن المبتدأ في خبر الأول بهذه الصفة. والتعجب تغير النفس بما خفي سببه، وخرج عن العادة مثله، لأنه لا مثل له في العادة. والذكر حضور المعنى للنفس، والذكر على وجهين: ذكر البيان وذكر البرهان، فذكر البيان احضار المعنى للنفس، وذكر البرهان الشهادة بالمعنى في النفس، وكلا الوجهين يحتمل في الآية. وقوله {على رجل منكم} فالرجل هو إِنسان خارج عن حد الصبي من الذكران، وكل رجل انسان، وليس كل انسان رجلاً، لأن المرأة انسان. وقيل في دخول (على) في قوله {على رجل منكم} قولان: أحدهما - أنه بمعنى مع رجل منكم، قال الفراء: كما تقول: جاءني الخير على وجهك ومع وجهك. الثاني - لأن فيه معنى منزل {على رجل منكم}. وقوله {لينذركم} فالانذار هو الاعلام بموضع المخافة، والتحذير هو الزجر عن موضع المخافة. وقوله {ولتتقوا ولعلكم ترحمون} معناه إِن الله تعالى أرسل هذا الرسول مع هذا الذكر، وأراد انذاركم، وغرضه أن تتقوا معاصيه لكي يرحمكم ويدخلكم الجنة ونعيم الأبد. وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله تعالى لم يرد منهم أن يتقوا ولا أن يؤمنوا.

الجنابذي

تفسير : {أَوَعَجِبْتُمْ} اى اكذّبتم وعجبتم يعنى لا ينبغى التّعجّب منكم {أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} اى ما به تذكّركم للآخرة {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ} ابدل الرّسالة الّتى فيها الشّقاق والعناد بلازمها الّذى فيه صلاحهم وهو تذكّرهم بعواقب امورهم واضافه الى الرّبّ المضاف اليهم حتّى يكون اقرب الى النّصح والقبول، ثمّ عقّبه بغاياتٍ ثلاث مترتّبة منسوبة الى الرّسول والمرسل اليهم والمرسل وفى الكلّ صلاحهم ونفعهم لابداء انّ دعواه الرّسالة ليست الاّ محض نفعهم حتّى يكون ابعد من الشّغب، فقال {لِيُنذِرَكُمْ} عمّا انتم عليه مما ليس فيه الاّ الشّرّ والسّوء {وَلِتَتَّقُواْ} عمّا فيه فسادكم بالتّوجّه والرّغبة فيما فيه صلاحكم {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} من ربّكم وهو حسن العاقبة.

اطفيش

تفسير : {أوَعَجِبتُمْ} الهمزة للاستفهام الإنكارى، أو التوبيخى أو التعجبى، والواو للاستيثاق، والهمزة مما بعدها، وقدمت لكمال صدريتها، أو للعطف على مدخول للهمزة أى أكذبتم وعجبتم {أنْ جاءكُم ذِكْرٌ} موعظة أو رسالة أو معجزة أو كتاب، أنزل على نوح، سماه ذكراً كما سمى القرآن ذكراً أقوال. {مِنْ ربِّكُم عَلَى رجُلٍ} أى على لسان رجل، أو مع رجل، وإنما صح إبقاء {على} فى ذلك على أصلها، لأن المجىء من الله سبحانه نزول، أو يقدر منزل على رجل {مِنْكُم} من جملتكم، أو من جنسكم، وكونه منهم أليق وأسهل لهم، وأقرب قبولا ومزيل للتعجب، فكيف يتعجبون، وذلك أنهم يتعجبون من رسالة نوح وهو بشر {أية : لو شاء ربنا لأنزل ملائكة}. تفسير : {لينْذِركُم} يُحذركُم عاقبة الكفر والمعاصى {ولتتَّقُوا} منها بالإنذار به {ولَعلَّكُم تُرحَمونَ} إن اتقيم، ولعل للتعليل أو للترجى بحسب معتقد نوح، وحسب ما يجب عليهم أن يعتقدوه، وهو أن يرجو رحمة الله بعد أن يؤمنوا ويعملوا الصالحات، فإن الإيمان والعمل لا يوجبان الرحمة، وإنما هى فضل من الله، فليس لأحد أن يعتمد عليهما ويأمن العذاب.

اطفيش

تفسير : {أَوَ عجِبْتُمْ} قدمت الهمزة على عاطف قصة أخرى عند سيبويه والجمهور لتمام صدارتها، أَو يقدر أَجاءَكم إِرشاد وعجبتم {أَنْ جَاءَكُمْ} أَى من إِن جاءَكم {ذِكْرٌ} نبى يجب أَن يذكر ولا ينسى وهو ما أَوحى الله عز وجل أَو وعظ. {مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ} أَى على لسان رجل {مِنْكُمْ} من نسبكم أَو جنسكم الآدمى أَو من جملتكم تعرفون مولده ومنشأَه. وكانوا يقولون "لو شاءَ الله لأَنزل ملائكة ما سمعنا بهذا فى آبائنا الأَولين" {لِيُنْذِرَكُمْ} بخبر بالسوء الذى يترتب على كفر الكافر ومعصيته إِن لم يتب {وَلِتَتَّقُوا} بسبب الإِنذار بما تعذبون به أَو لتعظموا الله فلا تعصوه {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} علة ثالثة مرتبة على الثانية التى هى الاتقاء. وكانت بصيغة الترجى تنبيهاً على أَن التقوى غير موجبة للرحمة، بل الرحمة مسببة لها فلو شاءَ الله عز وجل لم يثب المتقى كما لا يعاقبه لأَنه عبده لا مالك له مع الله وهو الخالق لتقواه الموفقة إِليها، وأَما أَن يعذب المتقى فلا لأَنه ليس حكمة، وقال قومنا بجوازه فقالوا: لو شاءَ الله لم يثبه ولو شاءَ عذبه، قلنا ليس من الحكمة أَن يشاءَ تعذيبه، نعم يمكن أَن يشاءَ ذلك باعتبار تقصيره إِذ لا يخلو من تقصير، والمقصود من الإِرسال الإِنذار فقدمه وهو العلة الأولى. والمقصود من الإِنذار الاتقاء فعقبه به، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة فعقبها بالرحمة أَى لعلكم ترحمون بالاتقاء، أَو بالتذكر المرتب على الذكر، وزاد الله تقبيحاً لكفرهم بأَن كفروا بما ينفعهم لو آمنوا به وبكونه جاءَهم من سيدهم المربى لهم المنعم عليهم على لسان رجل منهم هو من نسبهم شرفه شرف لهم ومن جنسهم بحيث يتمكنون من الفهم عنه ومراجعته كى يفهموا، وبأَن فى اتباعه نجاة وفوزاً.

الالوسي

تفسير : {أَوعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبِّكُمْ } رد لما هو منشأ لقولهم: { أية : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأعراف: 60] والاستفهام للإنكار أي لم كان ذلك ولا داعي له. والواو للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، ويقدر عند الزمخشري وأتباعه بين الهمزة وواو العطف كأنه قيل: استبعدتم وعجبتم. ومذهب سيبويه والجمهور أن الهمزة من جملة أجزاء المعطوف إلا أنها قدمت على العاطف تنبيهاً على أصالتها في التصدير. وضعف قول الأولين بما فيه من التكلف لدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال: إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه أقل لفظاً. وفيه تنبيه على أصالة شيء في شيء وبأنه غير مطرد في نحو { أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الرعد: 33]. وتحقيقه في محله و {أَن جَاءَكُمْ} بتقدير بأن لأن الفعل السابق يتعدى بها؛ والمراد بالذكر ما أرسل به كما قيل للقرآن ذكر ويفسر بالموعظة. ومن للابتداء والجار والمجرور متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة لذكر أي ذكر كائن من مالك أموركم ومربيكم. {عَلَىٰ رَجُلٍ مّنكُمْ} أي من جملتكم تعرفون مولده ومنشأه أو من جنسكم فمن تبعيضية أو بيانية كما قيل و {عَلَىٰ } متعلقة بجاء بتقدير مضاف أي على يد أو لسان رجل منكم أي بواسطته، وقيل: على بمعنى مع فلا حاجة إلى التقدير، وقيل: تعلقه به لأن معناه أنزل كما يشير إليه كلام أبـي البقاء أو لأنه ضمن معناه، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من {ذِكْرٌ } أي نازلاً على رجل منكم. {لِيُنذِرَكُمْ} علة للمجىء أي ليحذركم العذاب والعقاب على الكفر والمعاصي {وَلِتَتَّقُواْ} عطف على {لِيُنذِرَكُمْ} وكذا قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } على ما هو الظاهر فالمجىء معلل بثلاثة أشياء وليس من توارد العلل على معلول واحد الممنوع وبينها ترتب في نفس الأمر فإن الإنذار سبب للتقوى والتقوى سبب لتعلق الرحمة بهم، وليس في الكلام دلالة على سببية كل من الثلاثة لما بعده ولو أريدت السببية لجيء بالفاء. وبعضهم اعتبر عطف {لتَتَّقوا} على {لِيُنذِرَكُمْ } و {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } على {لتتقوا} مع ملاحظة الترتب أي لتتقوا بسبب الإنذار ولعلكم ترحمون بسبب التقوى فليتأمل. وجىء بحرف الترجي على عادة العظماء في وعدهم أو للتنبيه على عزة المطلب وأن الرحمة منوطة بفضل الله تعالى فلا اعتماد إلا عليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} الآية. أنكر تعالى في هذه السورة الكريمة على قوم نوح، وقوم هود عجبهم من إرسال رجل. وبين في مواضع أخر أن جميع الأمم عجبوا من ذلك. قال في عجب قوم نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} تفسير : [يونس: 2]، وقال: {أية : بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ}تفسير : [ق: 2] الآية، وقال عن الأمم السابقة: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [التغابن: 6]، وقال: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} تفسير : [القمر: 23-24] الآية، وقال: {أية : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 34]، وصرح بأن هذا العجب من إرسال بشر مانع للناس من الإيمان بقوله: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. ورد الله عليهم ذلك في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} تفسير : [الأنبياء: 7] الآية، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الفرقان: 20] الآية، وقوله: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} تفسير : [الأنعام: 9] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : (63) - قَالَ لَهُمْ نُوحٌ: أَعَجِبْتُمْ وَكَذَّبْتُمْ، لأَِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَى رَجُلٍ مِنَ البَشَرِ (مِنْكُمْ)، وَأَرْسَلَهُ إِلَيكُم رَسُولاً لِيَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَيُحَذِّرَكُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَنكَالِهِ إِنْ أَصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، لَعَلَّ هذا الإِنْذَارَ يَحْمِلُكُمْ عَلَى أَنْ تَتَّقُوا مَا يُسْخِطُ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ، مِنَ الشِّرْكِ فِي عِبَادَتِهِ، وَالإِفْسَادَ في الأَرْضِ، وَإِنَّ اللهَ يُرِيدُ أَنْ يُعِدَّكُمْ بِالتَّقْوَى لِلْفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ التِي تُرْجَى لِكُلِّ مَنْ أَجَابَ الدَّعْوَة

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أَوَ عَجِبْتُمْ} وكان من الممكن أن يقول: "أعجبتم"، لكن ساعة أن يجيء بهمزة الاستفهام ويأتي بعدها بحرف عطف. فاعرف أن هناك عطفاً على جملة؛ أي أنه يقول: أكذَّبْتُم بي، وعجبتم من أن الله أرسل على لساني {ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ}. والذكر ضد النسيان، وأن الشيء يكون على البال، ومرة يتجاوز البال ويجري على اللسان. وقد وردت معانٍ كثيرة للذكر في القرآن، وأول هذه المعاني وقمتها أن الذكر حين يطلق يراد به القرآن: {أية : ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [آل عمران: 58] وكذلك في قوله الحق: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] إذن يطلق الذِّكر ويراد به القرآن، ومرة يطلق الذكر ويراد به الصيت أي الشهرة الإِعلامية الواسعة. وقد قال الحق لرسوله عن القرآن: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ...} تفسير : [الزخرف: 44] أي أن القرآن شرف كبير لك ولأمتك وسيجعل لكم به صيتاً إلى يوم القيامة؛ لأن الناس سترى في القرآن على تعاقب العصور كل عجيبة من العجائب، وسيعلمون كيف أن الكون يصدق القرآن، إذن بفضل القرآن "العربي"، سيظل اسم العرب ملتصقا ومرتبطا بالقرآن، وكل شرف للقرآن ينال معه العرب شرفا جديدا. أي أن القرآن شرف لكم. ويقول سبحانه: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ...} تفسير : [الأنبياء: 10]. أي فيه شرفكم، وفيه صيتكم، وفيه تاريخكم، ويأتي الإِسلام الذي ينسخ القوميات والأجناس، ويجعل الناس كلها سواسية كأسنان المشط. {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ...} تفسير : [الحجرات: 13] والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ". تفسير : وسيظل القرآن عربياً، وهو معجزة في لغة العرب، وبه ستظل كلمة العرب موجودة في هذه الدنيا. إذن فشرف القوم يجيء من شرف القرآن، ومن صيت القرآن. والحق يقول: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1] أي أن شرفه دائم أبداً. حين يأتي إلى الدنيا سبق علمي، نجد من يذهب إلى البحث عن أصول السبق في القرآن، ونجد غير المسلمين يعتنون بالقرآن ويطبعونه في صفحة واحدة، وعلى ورق فاخر قد لا يستعملونه في كتبهم. هذا هو القرآن ذو الذكر على الرغم من أن بعض المسلمين ينحرفون قليلاً عن المنهج، وقد يتناساه بعضهم، لكن في مسألة القرآن نجد الكل يتنبه. وكما قلت من قبل: قد تجد امرأة كاشفة للوجه وتضع مصحفاً كبيراً على صدرها، وقد تجد من لا يصلي ويركب سيارة يضع فيها المصحف، وكل هذا ذكر. وتجد القرآن يُقرأ مرتلاً، ويُقرأ مجوداً، ومجوداً بالعشرة ثم يسجل بمسجلات يصنعها من لا يؤمنون بالقرآن. وكل هذا ذكر وشرف كبير. عرفنا أن "الذكر" قد ورد أولا بمعنى القرآن، وورد باسم الصيت والشرف: ويطلق الذكر ويراد به ما نزل على جميع الرسل؛ فالحق سبحانه يقول: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنبياء: 1-2] أي أن كل ما نزل على الرسل ذكر. ويقول سبحانه: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 48] إذن فالمراد بالذكر - أيضاً - كل ما نزل على الرسل من منهج الله. ومرة يُطلق الذكر ويراد به معنى الاعتبار. والتذكير، والتذكر فيقول سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ...} تفسير : [المائدة: 90-91] والمراد هنا بالذكر: الاعتبار والتذكر وأن تعيش كمسلم في منهج الله. ومرة يراد بالذكر: التسبيح، والتحميد. انظر إلى قوله الحق سبحانه وتعالى: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ...} تفسير : [النور: 36-37} وهو ذكر لأن هناك من يسبح له فيها بالغدو والآصال وهم رجال موصوفون بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وقد يُطلق الذكر ويراد منه خير الله على عبادة ويراد به كذلك ذكر عبادتهم له بالطاعة؛ فسبحانه يذكرهم بالخير وهم يذكرونه بالطاعة. اقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ...وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 90] وفي آية أخرى: {أية : ...إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} تفسير : [العنكبوت: 45] وما دام قد قال جل وعلا: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي ذكر الله لهم بالنعم والخيرات، فذكره فضل وإحسان وهو الكبير المتعال. فهناك إذن ذكر ثان، ذكر أقل منه، وهو العبادة لربهم بالطاعة، هنا يقول الحق: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الاعراف: 63] ما وجه العجب هنا؟ نعلم أن العجب هو إظهار الدهشة وانفعال النفس من حصول شيء علي غير ما تقتضيه مواقع الأمور ومقدماتها، إذن تظهر الدهشة ونتساءل كيف حدث هذا؟ ولو كان الأمر طبيعياً ورتيباً لما حدثت تلك الدهشة وذلك العجب. وعجبتم لماذا؟ اقرأ - إذن - قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ...} تفسير : [ق: 1-2] موضع العجب هنا أن جاء لهم منذر ورسول من جنسهم؛ فمن أي جنس كانوا يريدون الرسول؟ كان من غبائهم أنهم أرادوا الرسول مَلَكاً. {أية : بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} تفسير : [ق: 2] وجاء العجب أيضاً في البعث. فتساءل الكافرون هل بعد أن ذهبنا وغبنا في الأرض وصرنا تراباً بعد الموت يجمعنا البعث مرة ثانية؟! إذن فالعجب معناه إظهار الدهشة من أمر لا تدعو إليه المقدمات أو من أمر يخالف المقدمات. العجب عندهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لأن نوحاً عليه السلام يريد منهم أن يبحثوا في الإِيمان بوجود إِله. وكان المنطق يقتضي أنه إذا رأوا شيئاً هندسته بديعة، وحكيمة، وطرأ عليها هذا المخلوق وهو الإِنسان ليجد الكون منسقاً موجوداً من قبله، كان المنطق أن يبحث هذا الإِنسان عمن خلق هذا الكون وأن يلحّ في أن يعرف مَن صنع الكون، وحين يأتي الرسول ليقول لكم من صنع هذا الكون، تتعجبون؟! كان القياس أن تتلهفوا على من يخبركم بهذه الحقيقة؛ لأن الكون وأجناسه من النبات والجماد والحيوان في خدمتك أيها الإنسان. لا بقوتك خلقت هذا الكون ولا تلك الأجناس، بل أنت طارئ على الكون والأجناس، ألم يدر بخلدك أن تتساءل من صنع لك ذلك؟ إذن فالكلام عن الإِيمان كان يجب أن يكون عمل العقل، وقلت قديماً: هب أن إنساناً وقعت به طائرة في مكان، وهذا المكان ليس به من وسائل الحياة شيء أبداً، ثم جاع، ولم يجد طعاماً، وقهره التعب، فنام، ثم أفاق من هذه الإِغفاءة؛ وفوجئ بمائدة أمامه عليها أطايب الطعام والشراب وهو لا يعرف أحداً في المكان، بالله قبل أن يأكل ألا يتساءل عمن أحضرها؟!! كان الواجب يقتضي ذلك. إذن أنتم تتعجبون من شيء تقتضي الفطرة أن نبحث عنه، وأن نؤمن به وهو الإِله الذي لا ينتفع بطاعاتنا أو بعبادتنا، ولا تعود عليه العبادة بشيء، بل تعود علينا، والعبادة فيها مشقات لأنها تلجم الشهوات وتعقل وتمنع من المعاصي والمحرمات، ولكن يُقابِل ذلك الثوابُ في الآخرة. وهناك من قال: ولماذا لا يعطينا الثواب بدون متاعب التكليف؟ مادام لا يستفيد. إنّ العقل كاف ليدلنا - دون منهج - إلى ما هو حسن فنفعله، وما نراه سيئاً فلا نفعله، والذي لا نعرفه أهو حسن أم سيىء. ونضطر له نفعله، وإن لم نكن في حاجة له لا نفعله. ونقول لها القائل: لكن من الذي أخبرك أن العقل كاف ليدلنا إلى الأمر الحسن، هل حسّن لك وحدك أم لك وللآخرين؟ فقد يكون الحسن بالنسبة لك هو السوء بالنسبة لغيرك لأنك لست وحدك في الكون. ولنفترض أن هناك قطعة قماش واحدة، الحسن عندك أن تأخذها، والحسن عند غيرك أن يأخذها. لكن الحُسْن الحقيقي أن يفصل في مسألة ملكية هذه القطعة من القماش مَن يعدل بينك وبين غيرك دون هوى. وألاّ يكون واحد أولى عنده من الآخر. إذن لابد أن يوجد إله يعصمنا من أهوائنا بمنهج ينزله يبين لنا الحسن من السيء؛ لأن الحسن بالمنطق البشري ستصدم فيها أهواؤنا. ومثال آخر: افرض أننا دخلنا مدينة ما، ورأينا مسكنا جميلا فاخرا وكل منا يريد أن يسكن فيه وكل واحد يريد أن يأخذه؛ لأن ذلك هو الحسن بالنسبة له، لكن ليس كذلك بالنسبة لغيره، إذن فالحسن عندك قد يكون قبيحاً عند الغير. فالحسن عند بعض الرجال إذا رأى امرأة أن ينظر إليها ويتكلم معها، لكن هل هذا حسن عند أهلها أو أبيها أو زوجها؟ لا. إنّ الذي تعجبتم منه كان يجب أن تأخذوه على أنه هو الأمر الطبيعي الفطري الذي تستلزمه المقدمات. فقد جاءكم البلاغ على لسان رجل منكم. ولماذا لم يقل الحق: لسان رجل؟ إننا نعلم أن هناك آية ثانية يقول فيها الحق: {أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ...} تفسير : [آل عمران: 194] كأنه يقول لهم: إن الوعد الذي وعده الحق لكم قد جاء لكم بالمنهج الذي نزل على الرسل. ومهمة الرسل صعبة؛ فليست مقصورة على التبليغ باللسان لأن مشقاتها كلها على كاهل كل رسول، ولا تظنوا أن ربنا حين اختار رسولاً قد اختاره ليدلـله على رقاب الناس، لا. لقد اختاره وهو يعلم أن المهمة صعبة، والرسول صلى الله عليه وسلم - كما تعلمون - لم يشبع من خبز شعير قط، وأولاده وأهله - على سبيل المثال - لا يأخذون من الزكاة، والرسل لا تورث فجميع ما تركوه صدقة، وكل تبعات الدعوة على الرسول، وهذه هي الفائدة في أنه لم يقل على لسان رسول، لأن الأمر لو كان على لسان الرسول فقط لأعطى البلاغ فقط، إنما "على رجل منكم" تعطي البلاغ ومسئولية البلاغ على هذا الرجل. {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ...} [الأعراف: 63] ما هو العجب؟ لقد كان العجب أن تردوا الألوهية والنبوة. وبعضهم لم يرد الألوهية ورد فكرة النبوة على الإِنسان. وطالب أن يكون الرسول من الملائكة؛ لأن الملائكة لم تعص ولها هيبة ولا يُعرف عنها الكذب, لكن كيف يصبح الرسول ملكاً؟ وهل أنت ترى الملك؟ إن البلاغ عن الله يقتضي المواجهة، ولابد أن يراه القوم ويكلموه، والملك أنت لن تراه. إذن فلسوف يتشكل على هيئة رجل كما تشكل جبريل بهيئة رجل. إذن أنتم تستعجبون من شيء كان المنطق يقتضي ألاّ يكون. {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94] وقولهم هذا في قمة الغباء. فقد كان عليهم أن يتهافتوا ويقبلوا على الإِيمان؛ لأن الرسول منهم. وقد عرفوا ماضيه من قبل، وكذلك أنسوا به، ولو كانت له انحرافات قبل أن يكون رسولاً لخزي واستحيا أن يقول لهم: استقيموا. وما دام هو منكم وتعرفون تاريخه وسلوكه حين دعاكم للاستقامة كان من الواجب أن تقولوا لأنفسكم: إنه لم يكذب في أمور الدنيا فكيف في أمور الآخرة، ولم يسبق له أن كذب على خلق الله فكيف يكذب على الله؟ ولأنه منكم فلابد أن يكون إنساناً ولذلك قال الحق: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9] وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق: {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. إذن فمهمته أن ينذر، والأنذار لقصد التقوى، والتقوى غايتها الرحمة، وبذلك نجد هنا مراحل: الإنذار وهو إخبار بما يسؤوك ولم يأت زمنه بعد وذلك لتستعد له، وتكف لأنه سيتبعك ويضايقك. والبشارة ضد الإنذار، لأنها تخبر بشيء سار زمنه لم يأت، وفائدة ذلك أن يجند الإنسان كل قوته ليستقبل الخير القادم. وأن يبتعد عن الشيء المخيف. وهكذا يكون التبشير والإنذار لتتقي الشرور وتأخذ الخير، وبذلك يحيا الإنسان في التقوى التي تؤدي إلى الرحمة. إذن فمواطن تعجبهم من أن يجيئهم رسول مردودة؛ لأن مواطن التعجب هذه كان يجب أن يلح عليها فطرياً، وأن تنعطف النفس إليها لا أن يتعجب أحد لأنها جاءت، فقد جاءت الرسالة موافقة للمقدمات، وقد جاء الرسول ولم يأت ملكاً ليكون قدوة. وكذلك لم يرسله الله من أهل الجاه من الأعيان ومن صاحب الأتباع؛ حتى لا يقال إن الرسالة قد انتشرت بقهر العزوة، إن الأتباع كانوا موافقين على الباطل بتسلط الكبراء والسادة، فمخافة أن يقال: إن كل تشريع من الله آزره المبطلون بأتباعهم جاءت الدعوة على أيدي الذين ليس لهم أتباع ولا هم من أصحاب الجاه والسلطان. ولقد تمنى أهل الشرك ذلك ويقول القرآن على لسانهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] ولقد كان تمنيهم أن ينزل القرآن على رجل عظيم بمعاييرهم، وهذه شهادة منهم بان القرآن في ذاته منهج ومعجزة. ولم يتساءلوا: وهل القرآن يشرف بمحمد أو محمد هو الذي يشرف بالقرآن؟ إن محمداً يشرف بالقرآن؛ لذلك يقول الحق: {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ...} تفسير : [هود: 27] وهذه هي العظمة؛ لأن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يكونوا من الذين يفرض عليهم الواقع أن يحافظوا على جاههم ويعملوا بسطوتهم وبطشهم وبقوتهم، ويفرضوا الدين بقوة سلطانهم، لا، بل يمر على أتباع رسول الله فترة ضعاف مضطهدون، ويؤذوْن ويهاجرون، فالمهمة في البلاغ عن الله تأتي لينذر الرسول، ويتقى الأتباع لتنالهم الرحمة نتيجة التقوى، والتقوى جاءت نتيجة الإنذار. ويقول الحق بعد ذلك: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ...}

الأندلسي

تفسير : {أَوَ عَجِبْتُمْ} الآية، تضمن قولهم: {أية : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأعراف: 60]، استبعادهم واستمحالهم وأخبرهم به من خوف العذاب عليهم وأنه بعثه الله تعالى إليهم بعبادته وحده ورفض آلهتهم وتعجبوا من ذلك. والهمزة للإِنكار والتوبيخ أي هذا مما لا يتعجب منه إذ له تعالى التصرف التام بإِرسال من يشاء لمن يشاء. قال الزمخشري: الواو للعطف والمعطوف محذوف كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم أن جاءكم. "انتهى". وهذا كلام مخالف لكلام سيبويه والنحاة لأنهم يقولون ان الواو تعطف ما بعدها على ما قبلها من الكلام ولا حذف هناك وكان الأصل وأعجبتم لكنى أعتني بهمزة الاستفهام فقدمت على حرف العطف لأن الاستفهام له صدر الكلام. {ذِكْرٌ} أي كتاب. {مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} هو على حذف مضاف تقديره على لسان رجل منكم، إن جاءكم على إسقاط حرف الجر تقديره لأنْ جاءكم وهو تعليل لعجبتم. {لِيُنذِرَكُمْ} به أي فجاءكم الذكر للإِنذار بالمخوف والإِنذار بالمخوف لأجل وجود التقوى منهم ووجود التقوى لرجاء الرحمة وحصولها، فعلل المجيء بجميع هذه العلل المترتبة لأن المرتب على السبب سبب. وفي قوله: {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} إعلام بعلة الغرق وهو التكذيب. و{بِآيَاتِنَآ} يقتضي أن نوحاً عليه السلام كانت له آيات ومعجزات تدل على إرساله والفلك يذكر ويفرد كقوله تعالى: {أية : فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}تفسير : [يس: 41]. ويجمع كقوله تعالى: {أية : وَجَرَيْنَ بِهِم}تفسير : [يونس: 22]، ويتعلق في الفلك بما تعلق به الظرف الواقع صلة أي والذين استقروا معه في الفلك. ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه أي أنجيناهم في السفينة من الطوفان. و{عَمِينَ} من عمى القلب، أي غير مستبصرين. ويدل على ثبوت هذا الوصف كونه جاء على وزن فعل ولو قصد الحدوث لجاء على فاعل. وقال معاذ النحوي: رجل عم في أمره لا يبصره، وأعمى في البصر. قال زهير الشاعر: شعر : ولكنني عن علم ما في غد عمي تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ} إلى متعلق بمحذوف تقديره وأرسلنا إلى عاد وعاد اسم الحي ولذلك صرفه. وبعضهم جعله اسماً للقبيلة فمنعه الصرف. قال الشاعر: شعر : لو شهد عاد في زمان عادِ لابتزها مبارك الجلاد تفسير : سميت القبيلة باسم أبيهم وهو عاد بن عوض بن أرم بن نوح وهود. وقال شيخنا الأستاذ الحافظ أبو الحسن الأُبَّدي النحوي المعروف: أن هوداً عربي. والذي يظهر من كلام سيبويه لما عدّه مع نوح ولوط وهما عجميان أنه عجمي عنده. "انتهى". وهود هو غابر بن شالخ بن أرمخشد بن سام بن نوح ونزل أرض اليمن فهو أب لليمن كلها. و{أَخَاهُمْ} مفعول بأرسلنا المحذوفة وأخاهم ليس من عاد بل هو مجاز كما تقول: يا أخا العرب، للواحد منهم. وقيل: هو من عاد وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوض بن أرم بن سام بن نوح، فعلى هذا يكون من عاد. {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تقدم الكلام على هذا. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} استعطاف وتحضيض على تحصيل التقوى مخافة أن تحل بهم واقعة قوم نوح. {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أتى بوصف الملأ بالذين كفروا ولم يأت بهذا الوصف في قوم نوح لأن قوم هود كان في أشرافهم من كان آمن به منهم مَرثَد بن سعد بن عفير ولم يكن في اشراف قوم نوح مؤمن، فلذلك قالوا: واتبعك الأرذلون. {فِي سَفَاهَةٍ} أي في خفة حلم وسخافة عقل وسفاهة يقتضي أنه فيها قد احتوت عليه كالظرف المحتوي على الشىء. واتبعوا ذلك بقولهم: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} فدل ذلك على أنه أخبرهم بما يحل بهم من العذاب من أن لم يتقوا الله تعالى. {قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ} تقدمت كيفية هذا النفي في قوله: {أية : لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ} تفسير : [الأعراف: 61]، وهناك جاء: وأنصح لكم، وهنا جاء: وأنا لكم ناصح أمين، لما كان أخرجوا بهم جملة إسمية جاء قوله كذلك، فقالوا هم: وإنا لنظنك من الكاذبين. قال هود: وأنا لكم ناصح أمين. وجاء بوصف الأمانة وهي الوصف العظيم الذي تحمّله الإِنسان ولا أمانة أعظم من أمانة الرسالة وإيصال أعبائها إلى المكلفين. {أَوَ عَجِبْتُمْ} تقدم الكلام عليه. {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ} إذ ظرف لما مضى وناصبه محذوف تقديره واذكروا انعامه عليكم وقت جعلكم خلفاء فإِنعامه مفعول اذكروا. قال الزمخشري: إذ مفعول به وهو منصوب باذكروا أي اذكروا وقت جعلكم. وهذا ليس بجيد لأن إذ من الظروف التي لا تتصرف فلا تكون مبتدأة ولا فاعلة ولا مفعولة. ومعنى خلفاء: أي ملوكاً في الأرض استخلفكم فيها. {مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} هذا يدل على قرب زمانهم من زمن نوح. {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} ظاهر بعض التواريخ أن البسطة الامتداد والطول والجمال في الصور والأشكال. ويحتمل أن يكون المعنى وزادكم بسطة أي اقتداراً في المخلوقين وتسليطاً عليهم واستيلاءً. {فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ} الآلاء: النعم واحدها إلى نحو: معي وأمعاء. ذكرهم أولاً نعماً مخصوصة من جعلهم خلفاء وزيادة البسطة وذكرهم ثانياً نعمه مطلقاً وناط بذكر نعمه رجاء فلاحهم. {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ} الظاهر أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم ويفردوا الله تعالى بالعبادة مع اعترافهم بالله تعالى حباً لما نشأوا عليه وتألفاً لما وجدوا آباءهم عليه. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} دليل على أنه كان يعدهم بعذاب الله إن داموا على الكفر. وقولهم ذلك يدل على تصميمهم على تكذيبه واحتقارهم لأمر النبوة واستعجال العقوبة إذ هي عندهم لا تقع أصلاً. {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} قال ابن عباس: الرجس السخط أي حل بكم وتحتم عليكم. {أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ} هذا إنكار منه لمخاصمتهم له فيما لا ينبغي فيه الخصام وهو ذكر ألفاظ ليس تحتها مدلول تستحق العبادة فصارت المنازعة باطلة بذلك. ومعنى سميتموها. أي أحدثتموها قريباً أنتم وأباؤكم، وهي صمود وصداء والهباء وقد ذكر ذلك مرثد بن سعد في شعره فقال: شعر : عصمت عاد رسولهم فأضحوا عطاشا ما تبلهم السماء لهم صنم يقال له صمود يقابله صداء والهباء فبصّرنا الرسول سبيل رشد فأبصرنا الهدى وجلى العماء وإن إله هود هو إلهي على الله التوكل والرجاء تفسير : {فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} وهذا غاية في التهديد والوعيد أي فانتظروا عاقبة أمركم في عبادة غير الله تعالى وفي تكذيب رسوله عليه السلام وهذا غاية في الوثوق بما يحل بهم وأنه كائن لا محالة. {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} يعني من آمن معه برحمة سابقة لهم من الله وفضل عليهم حيث جعلوا منهم. فكان ذلك سبباً لنجاتهم مما أصاب قومه من العذاب. {وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} كناية عن استئصالهم بالهلاك وبالعذاب. وتقدم الكلام في دابر في قوله: {أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأنعام: 45]. وفي قوله: الذين كذبوا، تنبيه على علة قطع دابرهم. وفي قوله: بآياتنا، دليل على أنه كانت لهود عليه السلام معجزات ولكن لم تذكر لنا بتعينيها. {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} جملة مؤكدة لقوله: كذبوا بآياتنا، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله تعالى أنهم ممن علم الله تعالى أنهم لو بقوا لم يؤمنوا أي ما كانوا ممن يقبل إيماناً البتة.