٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ} وهم من آمن به وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة. وقيل تسعة بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به. {فِي الفُلْكِ} متعلق بمعه أو بأنجيناه، أو حال من الموصول أو من الضمير في معه. {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بالطوفان. {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ} عمي القلوب غير مستبصرين، وأصله عميين فخفف وقرىء «عامين» والأول أبلغ لدلالته على الثبات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } من الغرق {فِى ٱلْفُلْكِ } السفينة {وَأَغْرَقْنَاٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايـَٰتِنَا } بالطوفان {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ } عن الحق.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [الآية: 64]. قال ابن عطاء: ضالين عن طريق الحق. وقال بعضهم: عميت أبصارهم عن النظر إلى الكون برؤية الاعتبار، ونظرهم نظر مراد وشهوة. وقال بعضهم: متثاقلين فى القيام إلى الطاعات.
القشيري
تفسير : تسربلوا غِبَّ التكذيب لمَّا ذاقوا طعم العقوبة، فلم يسعدوا بما حملوه ولم يصلوا إلى ما أملَّوه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} اى محجوبين عن مشاهدة الله ومبعدين عن ذوق محبة الله غير مبصرين ببصائر الاسرار انوار صفات الله وذاته التى يظهر من كل ذرة سطوعها قال ابن عطا ضالين عن طريق الحق وقال بعضهم متثاقلين فى القيام الا الطاعات وقال بعضهم عميت ابصارهم عن النظر الى الكون برؤية الاعتبار ونظرهم نظر مراد وشهوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فكذبوه} واستمروا على ذلك فى هذه المدة المتطاولة اذ هو الذى يعقبه الانجاء والاغراق لا مجرد التكذيب ـ روى ـ ان نوحا عليه السلام دعا بهلاك قومه فامره الله تعالى بصنع الفلك فلما تم دخل فيه مع المؤمنين فارسل الله الطوفان واغرق الكفار وانجى نوحا من المؤمنين فذلك قوله تعالى {فانجيناه والذين معه} من المؤمنين وكانوا اربعين رجلا واربعين امرأة {فى الفلك} متعلق بالاستقرار الذى تعلق به الظرف اى والذين استقروا معه فى الفلك {واغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} اى استمروا على تكذيبها وليس المراد بهم الملأ المتصدين للجواب فقط بل كل من اصر على التكذيب منهم ومن اعقابهم. وتقديم ذكر الانجاء على الاغراق للايذان بسبق الرحمة التى هى مقتضى الذات وتقدمها على الغضب الذى يظهر اثره بمقتضى جرائمهم {انهم كانوا قوما عمين} اصله عميين جمع عم اصله عمى على وزن خضر فأعل كاعلال قاض. قال اهل اللغة يقال رجل عم فى البصيرة واعمى فى البصر والمعنى عمين قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد غير مستبصرين وهذا العمى مانع عن رؤية الآيات ومشاهدة البينات قال الحافظ: شعر : جمال يار ندارد نقاب وبرده ولى غبار ره بنشان تا نظر توانى كرد تفسير : بخلاف اعمى البصر اذا كان مستعدا للنظر فانه كم من اعمى قادر على الرؤية من حيث الحقيقة قال الصائب: شعر : دل جو بيناست جه غم ديده اكرنا بيناست خانه آيينه را روشنى از روزن نيست تفسير : وفى الآية اشارة الى نوح الروح الذى ارسله الله الى قومه ببلاد القالب وهو القلب وصفاته والنفس وصفاتها ومن صفة الروح العبودية والطاعة ودعوة القلب والنفس وصفاتهما الى الله وعبوديته ومن صفات النفس وشأنها تكذيب الروح ومخالفته والاباء عن قبول نصحه والروح يحذر قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا يحرموا من مساعدة الرحمة فكذبه قومه من النفس وصفاتها فانجينا الروح من ظلمات النفس وتمردها والذين معه وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الرسول وركبوا معه فى الفلك وهو فلك الشريعة والدين فاغرقنا الذين كذبوا بآياتنا اى النفس وصفاتها فى بحر الدنيا وشهواتها انهم كانوا قوما عمين عن رؤية الله والوصول اليه هذه حال الانفس والآفاق واهليهما ولو اصغوا الى داعى الحق واجتنبوا عما ارتكبوا لنجوا كما حكى ان الشيخ بقا رضى الله عنه كان يوما جالسا على شط نهر الملك فمرت به سفينة فيها جند ومعهم خمر وفواكه ونساء متبرجات وصبيان ومغنى وهم فى غاية من اللهو والطغيان فقال الشيخ بقا للملاح اتق الله وقدم الى الله فلم يلتفتوا الى كلامه فقال ايها النهر المسخر خذ الفجرة فنما الماء عليهم حتى طلع الى السفينة فاشرفوا على الغرق فصاحوا بالشيخ واعلنوا بالتوبة فعاد الماء الى حاله وحسنت توبتهم وكانوا بعد ذلك يكثرون من زيارته: قال الحافظ شعر : امروز قدر بند عزيز ان شناختم يارب روان ناصح ما ازتوشاد باد تفسير : فعلى العاقل ان يقبل النصيحة ممن فوقه ودونه فان النصيحة سهلة والمشكل قبولها ونعم ما قال السعدى قدس سره شعر : مردبايدكه كيرد اندر كوش ورنوشت است بند برديوار تفسير : اللهم اجعلنا ممن قبل دعوتك ودخل جنتك.
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله تعالى عن قوم نوح أنه لم ينفع فيهم ذلك التخويف ولا الوعظ والزجر، وأنهم كذبوه يعني نوحاً. ومعناه أنهم نسبوا خبره الى الكذب، لأن التكذيب نسبة الخبر الى الكذب، والتصديق نسبة الخبر الى الصدق، وهذا مما يختلف فيه معنى (فعَّل، وفَعَل). وقوله {فأنجيناه} إِخبار من الله تعالى انه أنجا نوحاً، والانجاء هو التخليص من الهلكة، والاهلاك الايقاع فيها وهي المضرة الفادحة. {ومن معه} يعني وأنجا من معه من المؤمنين به {في الفلك} وهي السفن ويقع على الواحد والجمع بلفظ واحد، وأصله الدور مشتق من قولهم: فلك ثدي الجارية، إِذا استدار، ومنه الفلكة والفلك من هذا، لأنه يدور على الماء كيف أداره صاحبه. وقوله {وأغرقنا الذين كذبوا} والاغراق هو الغوص المتلف في الماء، وأصله الغوص في الشىء، فمنه اغرق في النزع، ولا تغرق في هذا الأمر. وقوله {إِنهم كانوا قوماً عمين} فيه بيان أنه إِنما أغرقهم وأهلكهم، لأنهم كانوا عمين. والعمى الضلال عن طريق الهدى، فهم كالعمي في أنهم لا يبصرون طريق الرشد، فهم عمي عن الحق.
الجنابذي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ} مع انّه لم يبق لهم عذر فى تكذيبهم {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} من المؤمنين {فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} ولم يبق لهم بصيرة حتّى نترقّب استبصارهم ولا نؤاخذهم.
اطفيش
تفسير : {فكذَّبوهُ فأنْجيناهُ} من الغرق {والَّذين مَعه} فى الإيمان أو فى السكنى والاتصال والموالاة، أو فى السفينة وهم آمنوا أيضا، والأول أولى، وهم أربعون رجلا وأربعون امرأة عند ابن عباس، قال: وحمل معه آدم ميتا معرضا بين الرجال والنساء، وقيل: تسعة بنوه: سام وحام ويافث وستة آمنوا به، وقال إسحاق: عشرة رجال التسعة المذكورة ونوح وأزواجهم جميعا بناء على أن لنوح زوجة مؤمنة غير الملعونة، وقال الأعمش: سبعة بنوح، والمؤمنون به سوى بنيه ثلاثة، فذلك سبعة، وقال مقاتل: اثنان وسبعون رجلا وامرأته وبنوه الثلاثة ونساؤهم، فذلك ثمانية وسبعون. وقال قتادة: لم يكن فى السفينة إلا نوح وامرأته وبنوه الثلاثة ونساؤهم فذلك ثمانية، وامر أن لا يقرب ذكر أنثى وأصحاب حام امرأته فى السفينة، فدعا نوح ربه أن يغير نطفته فجاء بالسودان، وعن الكلبى: وثب الكلب على الكلبة فدعا عليه فجعله الله عسرا، وقيل: من كان معه أربعون رجلا، وقيل ثمانون، وعن ابن عباس: ثمانون أحدهم جرهم، وعن مقاتل اثنان وسبعون رجلا وامرأة، وليس فى ذلك خبر صحيح معتمد، فالحق أن يقتصر على أن معه قليلا كما فى آية: {فى الفُلكِ} السفينة متعلق بأنجينا، وإذا فسرنا المعية بالمعية فى السفينة علقناه بالاستقرار الذى تعلق به مع أو بمع لنيابته عنه، أو بمحذوف حال من الموصول، أو ضمير الاستقرار، وإن قلت: كيف يعلق بالإنجاء؟ قلت على معنى أن الإنجاء وقع فيها، أو على أن فى بمعنى الباء. {وأغْرقنَا الَّذينَ كذَّبُوا بآياتِنا إنَّهم} تعليل جملى أى لأنهم {كانُوا قَوماً عَمينَ} والمراد عمى القلب عن الحق من الإيمان والعمل، وقال الزجاج: عن نزول العذاب، قيل: يقال فى عمى القلب: وهى عَمِىَ بوزن فرح، ولكنه ناقص، وفى عمى أعمى، والأصل عمين، ثقلت الكسرة على الياء فحذفت هى ثم الياء للساكن بعدها، وقرىء عامين كقاضين، والأول أولى، لأن عمًى صفة مشبهة تدل على الثبات، وعاميا اسم فاعل لا يدل عليه، والأولى صفة مبالغة كذا قيل، والصواب أنها صفة مشبهة، لأنه يقال فى مطلق العمى: هو عم فلا تجىء منه صفة المبالغة على تلك الصيغة، لئلا تلتبس بغير المبالغة، وقد يقال فى الثانية: إنها صفة مشبهة كطاهر القلب.
اطفيش
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ} أَولا واستمروا على التكذيب ثانياً، والتكذيب شامل لذلك {فَأَنْجَيْنَاهُ} من الغرق آخر مدد طويلة فى الاستمرار على التكذيب، والفاء لمجرد الترتيب والاتصال بآخر المدد للانجاء وللتسبب والترتيب المذكور باعتبار قوله وأَغرقنا بالعطف بالواو على مدخول الفاء والإنجاء من شؤم أَعدائه {والَّذِينَ مَعَهُ} أَربعين رجلا وأَربعين امرأَة أَو ستة رجال وأَبناؤه ساما أَبا العرب وحاما أَبا السودان ويافثا أَبا الترك والبربر، أَو أَبناءه الثلاثة وأَزواجهم أَو سبعين وأَبناءَه الثلاثة وزوجه، وستة وأَزواجهم فهم ثمانية وسبعون نصف رجال ونصف نساء، أَو ثمانون بنوح عليه السلام {فِى الفُلْكِ} السفينة حال من الذين أَو من المستتر فى معه أَو متعلق بأَنجيناه أَو باستقرار معه أَو بمعه لنيابته عنه، ويجوز كون فى للسببية إِذا علقت بأَنجينا، وطولها فى الأَرض أَلف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع أَو طولها ستمائة ذراع وستون ذراعاً وعرضها ثلاثمائة وثلاثون ذراعاً، أَو طولها فى السماء ثلاث وثلاثون ذراعا أَو طولها فى الأَرض ثمانون، أَو فى السماء ثلاثون وعرضها خمسون، والذراع من المنكب، وهذا من الإِسرائيليات، وفى بعض ذلك بعد، أَو طولها ثلاثمائة فى الأَرض وثلاثون فى السماء وعرضها خمسون، صنعها فى سنتين {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا} بالطوفان {إِنّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} عن فهم الحق، وهو وصف بوزن فرح حذفت لامه كلام قاض للساكن، وقيل عن نزول العذاب.
الالوسي
تفسير : {فَكَذَّبُوهُ} أي استمروا على تكذيبه وأصروا بعد أن قال لهم ما قال ودعاهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً {فأَنْجَيْنـٰهُ} من الغرق، والإنجاء في الشعراء من قصد أعداء الله تعالى وشؤم ما أضمروه له عليه السلام {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } من المؤمنين. وكانوا على ما قيل: أربعين رجلاً وأربعين امرأة. وقيل: كانوا (عشرة) أبناؤه الثلاثة وستة ممن آمن به عليه السلام، والفاء للسببية باعتبار الإغراق لا فصيحة. وقوله سبحانه / وتعالى: {فِى ٱلْفُلْكِ} أي السفينة متعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة أي استقروا معه في الفلك. وجوز أن يكون هو الصلة و {مَعَهُ} متعلق بما تعلق به وأن يكون متعلقاً بأنجينا و {فِى} ظرفية أو سببية وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من {ٱلَّذِينَ} نفسه أو من ضميره. {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} أي استمروا على تكذيبها، والمراد به ما يعم أولئك الملأ وغيرهم من المكذبين المصرين. وتقديم الإنجاء على الإغراق للمسارعة إلى الإخبار به والإيذان بسبق الرحمة على الغضب {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ } أي عمى القلوب عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد كما روي عن ابن عباس أو عن نزول العذاب بهم كما نقل عن مقاتل. وقرىء {عامين } والأول أبلغ لأنه صفة مشبهة فتدل على الثبوت وأصله عميين فخفف، وفرق بعضهم بين عم وعام بأن الأول لعمى البصيرة والثاني لعمى البصر. وأنشدوا قول زهير: شعر : وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي تفسير : وقيل: هما سواء فيهما.
ابن عاشور
تفسير : وقع التّكذيب من جميع قومه: من قادتهم، ودهمائهم، عدا بعضَ أهل بيته ومن آمَن به عقب سماع قول نوح، فعُطف على كلامه بالفاء أي صدر منهم قول يقتضي تكذيب دعوى أنّه رسول من ربّ العالمين يبلِّغ وينصَح ويعلَم ما لا يعلمون، فصار تكذيباً أعم من التّكذيب الأوّل، فهو بالنّسبة للملأ يَؤول إلى معنى الاستمرار على التّكذيب، وبالنّسبة للعامة تكذيب أنُف، بعد سماع قول قَادتهم وانتهاء المجادلة بينهم وبين نوح، فليس الفعل مستعملاً في الاستِمرار كما في قوله تعالى:{أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله}تفسير : [النساء: 136] إذ لا داعي إليه هنا، وضمير الجمع عائد إلى القوم، والفاء في قوله: {فأنجيناه} للتّعقيب، وهو تعقيب عُرفي: لأنّ التّكذيب حصل بعده الوَحْيُ إلى نوح بأنّه لن يؤمن من قومه إلاّ مَن قد آمن، ولا يُرجى زيادة مؤمن آخر، وأمرُه بأن يدخل الفلك ويحملَ معه مَن آمن إلى آخر ما قصّه الله في سورة هود. وقدم الإخبار بالإنجاء على الإخبار بالإغراق، مع أنّ مقتضى مقام العبرة تقديم الإخبار بإغراق المنكرين، فقدم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلاً لمسرة السّامعين من المؤمنين بأنّ عادة الله إذا أهلك المشركين أن ينجي الرّسول والمؤمنين، فذلك التّقديم يفيد التّعريض بالنّذارة، وإلاّ فإنّ الإغراق وقع قبل الإنجاء، إذ لا يظهر تحقّق إنجاء نوح ومن معه إلاّ بعد حصول العذاب لمن لم يؤمنوا به، فالمعقّب به التّكذيب ابتداءً هو الإغراق، والإنجاء واقع بعده، وليتأتى هذا التّقديم عطف فعل الإنجاء بالواو المفيدة لمطلق الجمع، دون الفاء. وقوله: {في الفلك} متعلّق بمعنى قوله: {معه} لأنّ تقديره: استقرّوا معه في الفلك، وبهذا التّعليق عُلم أنّ الله أمره أن يحمل في الفلك معشراً، وأنّهم كانوا مصدّقين له، فكان هذا التّعليق إيجازاً بديعاً. والفُلك تقدّم في قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض} تفسير : في سورة البقرة (164). {والذين معه} هم الذين آمنوا به، وسنذكر تعيينهم عند الكلام على قصّته في سورة هود. والإتيان بالموصول في قوله: {وأغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا} دون أن يقال: وأغرقنا سائرهم، أو بقيتهم، لما تؤذن به الصّلة من وجه تعليل الخبر في قوله: {وأغرقنا} أي أغرقناهم لأجل تكذيبهم. وجملة: {إنهم كانوا قوماً عمين} تتنزل منزلة العلّة لجملة {أغرقنا} كما دلّ عليه حرف (إن) لأنّ حرف (إن) هنا لا يقصد به ردّ الشكّ والتَّرَدّد، إذ لا شكّ فيه، وإنّما المقصود من الحرف الدّلالة على الاهتمام بالخبر، ومن شأن (إن) إذا جاءت للاهتمام أن تقوم مقام فَاء التّفريع، وتفيدَ التّعليل وربط الجملة بالتي قبلها. ففصل هذه الجملة كَلاَ فَصْل. و{عَمِين} جمع عَممٍ جمع سلامة بواو ونون. وهو صفة على وزن فَعِل مثل أشِر، مشتق من العمَى، وأصله فقدان البصر، ويطلق مجازاً على فقدان الرأي النّافع، ويقال: عَمَى القَلْببِ، وقد غلب في الكلام تخصيص الموصوف بالمعنى المجازي بالصّفة المشبَّهة لدلالتها على ثبوت الصّفة، وتمكّنها بأن تكون سجية وإنّما يصدّق ذلك في فقد الرّأي، لأنّ المرء يخلق عليه غالباً، بخلاف فقد البصر، ولذلك قال تعالى هنا {عَمِين} ولم يقل عُمْياً كما قال في الآية الأخرى {أية : عُمْياً وبكماً وصُمّاً}تفسير : [الإسراء: 97] ومثله قول زهير:شعر : ولكنّني عن عِلْمِ مَا فِي غدٍ عَمِ تفسير : والذين كذّبوا كانوا عمين لأنّ قادتهم دَاعون إلى الضّلالة مؤيّدونها، ودهماؤهم متقبّلون تلك الدّعوة سمَّاعون لها. وقد دلّت هذه القصّة على معنى عظيم في إرادة الله تعالى تطوّرَ الخلق الإنساني: فإنّ الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق له الحسّ الظاهر والحِسّ الباطن، فانتفع باستعمال بعض قواه الحسيَّة في إدراك أوائل العلوم، ولكنّه استعمل بعض ذلك فيما جلَب إليه الضرّ والضّلال، وذلك باستعمال القواعد الحِسّية فيما غاب عن حسِّه وإعانتها بالقوى الوهميّة والمخيَّلة، ففكّر في خالقه وصفاته فتوهّم له أنداداً وأعواناً وعشيرة وأبناء وشركاءَ في مُلكه، وتفاقم ذلك في الإنسان مع مرور الأزمان حتّى عاد عليه بنسيان خالقه، إذ لم يَدخل العلمُ به تحت حواسه الظّاهرة، وأقبل على عبادة الآلهة الموهومة حيث اتّخذ لها صُوراً محسوسة، فأراد الله إصلاح البشر وتهذيبَ إدراكهم، فأرسل إليهم نوحاً فآمن به قليل من قومه وكفر به جمهورهم، فأراد الله انتخاب الصّالحين من البشر الذين قبلت عقولهم الهدى، وهم نوح ومن آمن به، واستيصال الذين تمكّنت الضّلالة من عقولهم ليُنشىء من الصّالحين ذرّية صالحة ويَكْفِيَ الإنسانيّة فساد الضّالين، كما قال نوح: {أية : إنَّك إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلوا عبادَك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفَّارا}تفسير : [نوح: 27]، فكانت بعثة نوح وما طرأ عليها تجديداً لصلاح البشر وانتخاباً للأصْلَح.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ}. لم يبين هنا كيفية إغراقهم، ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} تفسير : [القمر: 11] الآية، وقوله: {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 14].
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَنجَيْنَاهُ} {بِآيَاتِنَآ} (64) - فَكَذَّبَهُ جُمْهُورُهُمْ، وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ وَخَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، وَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ، وَلَمْ يُؤْمِنْ مَعَهُ، إِلاَّ قَليلٌ مِنْهُمْ، فَأَنْجَى اللهُ نُوحاً وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ (الفُلْكِ)، وَأَغْرَقَ بِالطُّوفَانِ الذِينَ كَذَّبُوا نُوحاً بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَبَرَاهِينِهِ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ، فَقَدْ كَانَ الذِينَ أَغْرَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالطُّوَفَانِ، قَوْماً عَمِينَ عَنِ الحَقِّ، لا يُبْصِرُونَهُ، وَلا يَهْتَدُونَ إِليهِ، فَنَصَرَ اللهُ رَسُولَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ. قَوْماً عَمِينَ - عُمْيَ القُلُوبِ عَنِ الحَقِّ وَالإِيمَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يتكلم الحق عن حكاية الإنجاء، ونعلم المقدمة الطويلة التي سبقت إعداد سيدنا نوح عليه السلام للرسالة، فقد أراد الله أن يتعلم النجارة، وأن يصنع السفينة. {أية : وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ...} تفسير : [هود: 38] ولم يجيءالحق هنا بسيرة الطوفان التي قال فيها في موضع آخر من القرآن: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} تفسير : [القمر: 11] وجاء الحق هنا بالنتيجة وهي أنهم كذبوه. {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ...} [الأعراف: 64] وكانت هذه أول حدث عقابي في تاريخ الديانات؛ لأن رسالة نوح عليه السلام هي أول رسالة تعرضت إلى مثل هذا التكذيب ومثل هذا العناد, وكان الرسل السابقون لنوح عليهم البلاغ فقط، ولم يكن عليهم أن يدخلوا في حرب أو صراع، والسماء هي التي تؤدب، فحينما علم الحق سبحانه وتعالى أنه بإرسال رسوله صلى الله عليه وسلم ستبلغ الإِنسانية رشدها صار أتباع محمد مأمونين على أن يؤدبوا الكافرين. وفي تكذيب نوح عليه السلام يأتينا الحق هنا بالنتيجة. {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} ولم يقل الحق: كيف أنجاه ولم يأت بسيرة الفلك، بل أخبر بمصير من كذبوه، ويأتي بالعقاب من جنس الطوفان. {...وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [الأعراف: 64] هناك "أعمى" لمن ذهب بصره كله من عينيه كلتيهما، وهناك أيضا عَمِه وأَعْمَهُ، والعَمَهُ في البصيرة كالعمى في البصر.. أي ذهبت بصيرته ولم يهتد إلى خير. ثم انتقل الحق إلى رسول آخر. ليعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة فيه أيضاً. فبعد أن جاء بنوح يأتي بهود.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):