Verse. 1019 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاِلٰي عَادٍ اَخَاہُمْ ہُوْدًا۝۰ۭ قَالَ يٰقَوْمِ اعْبُدُوا اللہَ مَا لَكُمْ مِّنْ اِلٰہٍ غَيْرُہٗ۝۰ۭ اَفَلَا تَتَّقُوْنَ۝۶۵
Waila AAadin akhahum hoodan qala ya qawmi oAAbudoo Allaha ma lakum min ilahin ghayruhu afala tattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أرسلنا «إلى عاد» الأولى «أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله» وحِّدوه «ما لكم من إله غيرُه أفلا تتقون» تخافونه فتؤمنون.

65

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الثانية، وهي قصة هود مع قومه. أما قوله: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } ففيه أبحاث: البحث الأول: انتصب قوله: {أَخَـٰهُمْ } بقوله: {أية : أَرْسَلْنَا } تفسير : [الأعراف: 59] في أول الكلام والتقدير {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ } وأرسلنا إِلَى عاد أخاهم هوداً. البحث الثاني: اتفقوا على أن هوداً ما كان أخاً لهم في الدين. واختلفوا في أنه. هل كان أخا قرابة قريبة أم لا؟ قال الكلبي: إنه كان واحداً من تلك القبيلة، وقال آخرون: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة فكفي هذا القدر في تسمية هذه الأخوة، والمعنى أنا بعثنا إلى عاد واحداً من جنسهم وهو البشر ليكون إلْفُهُم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل. وما بعثنا إليهم شخصاً من غير جنسهم مثل ملك أو جني. البحث الثالث: أخاهم: أي صاحبهم ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخا القوم، ومنه قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } تفسير : [الأعراف: 38] أي صاحبتها وشبيهتها. وقال عليه السلام: «حديث : إن أخا صداء قد أذن وإنما يقيم من أذن» تفسير : يريد صاحبهم. البحث الرابع: قالوا نسب هود هذا: هود بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام. بن نوح. وأما عاد فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف، قال ابن إسحق: والأحقاف، الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت. البحث الخامس: اعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة نوح عليه السلام إلا في أشياء: الأول: في قصة نوح عليه السلام: {أية : فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }تفسير : [الأعراف: 59] وفي قصة هود: {قَالَ يَـا قَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } والفرق أن نوحاً عليه السلام كان مواظباً على دعواهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة. وأما هود فما كانت مبالغته إلى هذا الحد فلا جرم جاء «فاء التعقيب» في كلام نوح دون كلام هود. والثاني: أن في قصة نوح {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } تفسير : [الأعراف: 59] وقال في هذه القصة: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } تفسير : [المؤمنون: 32] والفرق بين الصورتين أن قبل نوح عليه السلام لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم، فلا جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وأما واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة بواقعة نوح وكان عند الناس علم بتلك الواقعة قريباً، فلا جرم اكتفى هود بقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا فكان قوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المتقدمة المشهورة في الدنيا. والفرق الثالث: قال تعالى في قصة نوح: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ } تفسير : [الأعراف: 60] وقال في قصة هود: {قَالَ ٱلْمَلا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } والفرق أنه كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد، أسلم وكان يكتم إيمانه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن. والفرق الرابع: أنه تعالى حكى عن قوم نوح أنهم قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وحكى عن قوم هود أنهم قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } والفرق بين الصورتين أن نوحاً عليه السلام كان يخوف الكفار بالطوفان العام وكان أيضاً مشتغلاً بإعداد السفينة وكان يحتاج إلى أن يتعب نفسه في إعداد السفينة، فعند هذا، القوم قالوا: {أية : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأعراف: 60] ولم يظهر شيء من العلامات التي تدل على ظهور الماء في تلك المفازة أما هود عليه السلام فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف عبادة الأوثان ونسب من اشتغل بعبادتها إلى السفاهة وقلة العقل فلما ذكر هود هذا الكلام في أسلافهم قابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة ثم قالوا: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } في ادعاء الرسالة واختلفوا في تفسير هذا الظن فقال بعضهم: المراد منه القطع والجزم، وورود الظن بهذا المعنى في القرآن كثير قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] وقال الحسن والزجاج: كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين فكفروا به ظانين لا متيقنين، وهذا يدل على أن حصول الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر. والفرق الخامس: بين القصتين أن نوحاً عليه السلام قال: {أية : أُبَلّغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 62] وأما هود عليه السلام فقال: {أُبَلّغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبّى وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } فنوح عليه السلام قال: {أَنصَحَ لَكُمْ } وهو صيغة الفعل وهود عليه السلام قال: {وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ } وهو صيغة اسم الفاعل ونوح عليه السلام. قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وهود عليه السلام لم يقل ذلك، ولكنه زاد فيه كونه أميناً، والفرق بين الصورتين أن الشيخ عبد القاهر النحوي ذكر في كتاب دلائل الإعجاز أن صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة فساعة، وأما صيغة اسم الفاعل فإنها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل. وإذا ثبت هذا فنقول: إن القوم كانوا يبالغون في السفاهة على نوح عليه السلام، ثم إنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم ويدعوهم إلى الله، وقد ذكر الله تعالى عنه ذلك فقال: {أية : رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً }تفسير : [نوح: 5] فلما كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل، فقال: {وَأَنصَحُ لَكُمْ } وأما هود عليه السلام فقوله: {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ } يدل على كونه مثبتاً في تلك النصيحة مستقراً فيها. أما ليس فيها إعلام بأنه سيعود إلى ذكرها حالاً فحالاً ويوماً فيوماً، وأما الفرق الآخر في هذه الآية وهو أن نوحاً عليه السلام قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وهوداً وصف نفسه بكونه أميناً. فالفرق أن نوحاً عليه السلام كان أعلى شأناً وأعظم منصباً في النبوة من هود، فلم يبعد أن يقال: إن نوحاً كان يعلم من أسرار حكم الله وحكمته ما لم يصل إليه هود، فلهذا السبب أمسك هود لسانه عن ذكر تلك الكلمة، واقتصر على أن وصف نفسه بكونه أميناً: ومقصود منه أمور: أحدها: الرد عليهم في قولهم: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } وثانيها: أن مدار أمر الرسالة والتبليغ عن الله على الأمانة فوصف نفسه بكونه أميناً تقريراً للرسالة والنبوة. وثالثها: كأنه قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أميناً فيكم، ما وجدتم مني غدراً ولا مكراً ولا كذباً، واعترفتم لي بكوني أميناً فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟ واعلم أن الأمين هو الثقة، وهو فعيل من أمن يأمن أمنا فهو آمن وأمين بمعنى واحد. واعلم أن القوم لما قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ } فهو لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة بل قابلها بالحلم والإغضاء ولم يزد على قوله: {لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ } وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى كما قال: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً }تفسير : [الفرقان: 72]. أما قوله: {وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فهو مدح للنفس بأعظم صفات المدح. وإنما فعل ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك، وذلك يدل على أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز. والفرق السادس: بين القصتين أن نوحاً عليه السلام قال: {أية : أوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 63] وفي قصة هود أعاد هذا الكلام بعينه إلا أنه حذف منه قوله: {وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } والسبب فيه أنه لما ظهر في القصة الأولى أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة لم يكن إلى إعادته في هذه القصة حاجة، وأما بعد هذه الكلمة فكله من خواص قصة هود عليه السلام وهو قوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام: {أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } تفسير : [الأعراف: 69]. واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع، والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة، وقد ذكر هود عليه السلام ههنا نوعين من الأنعام: الأول: أنه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح. والثاني: قوله: {وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً } وفيه مباحث: البحث الأول: {ٱلْخَلْقِ } في اللغة عبارة عن التقدير، فهذا اللفظ إنما ينطلق على الشيء الذي له مقدار وجثة وحجمية، فكان المراد حصول الزيادة في أجسامهم، ومنهم من حمل هذا اللفظ على الزيادة في القوة، وذلك لأن القوى والقدر متفاوتة، فبعضها أعظم وبعضها أضعف. إذا عرفت هذا فنقول: لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك الزيادة، فليس في اللفظ ألبتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك الزيادة يجب أن تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر في معرض الإنعام فائدة. قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً، وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يدا إنسان إذا رفعهما، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر، وقال قوم يحتمل أن يكون المراد من قوله: {وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً } كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدة والجلادة، وكون بعضهم محباً للباقين ناصراً لهم وزوال العداوة والخصومة من بينهم، فإنه تعالى لما خصهم بهذه الأنواع من الفضائل والمناقب فقد قرر لهم حصولها، فصح أن يقال: {وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً } ولما ذكر هود هذين النوعين من النعمة قال: {فَٱذْكُرُواْ ءالآءَ ٱللَّهِ } وفيه بحثان: البحث الأول: لا بد في الآية من إضمار، والتقدير: واذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بتلك الإنعامات لعلكم تفلحون. وإنما أضمرنا العمل لأن الصلاح الذي هو الظفر بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر بل لا بد له من العمل، واستدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرة بهذه الآية وقالوا: إنه تعالى رتب حصول الصلاح على مجرد التذكر، فوجب أن يكون مجرد التذكر كافياً في حصول الصلاح. وجوابه ما تقدم من أن سائر الآيات ناطقة بأنه لا بد من العمل. والله أعلم. البحث الثاني: قال ابن عباس: {آلآءَ ٱللَّهِ} أي نعم الله عليكم. قال الواحدي: واحد الآلاء إلى وألو وإلى. قال الأعشى:شعر : أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحماً ولا يخون إلي تفسير : قال نظير الآلاء الآناء، واحدها: أنا وإني وإني، وزاد صاحب «الكشاف» في الأمثلة فقال: ضلع وأضلاع، وعنب وأعناب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. قال ابن عباس: أي ٱبن أبيهم. وقيل: أخاهم في القبيلة. وقيل: أي بشراً من بني أبيهم آدم. وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم. وعاد من ولد سام بن نوح. قال ابن إسحاق: وعاد هو ابن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. وهود هو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص ابن إرم بن سام بن نوح. بعثه الله إلى عاد نبياً. وكان من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً. و«عاد» من لم يصرفه جعله اسماً للقبيلة، ومن صرفه جعله اسماً للحيّ. قال أبو حاتم: وفي حرف أبيّ وابن مسعود «عاد الأولى» بغير ألف. و«هود» أعجمي، وانصرف لخفته؛ لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يكون عربياً مشتقاً من هاد يهود. والنصب على البدل. وكان بين هود ونوح فيما ذكر المفسرون سبعة آباء. وكانت عاد فيما رُوي ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمال، رمل عالج. وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط الله عليهم فجعلها مفاوز، وكانت فيما روي بنواحي حضرموت إلى اليمن، وكانوا يعبدون الأصنام. ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} أي في حمق وخفة عقل. قال:شعر : مَشَيْنَ كما اهتزّتْ رِماحٌ تسفّهتْ أعالِيهَا مَرُّ الرياح النَّواسِم تفسير : وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل: هي من رؤية البصر. وقيل: يجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن. قوله تعالى: {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} «خلفاء» جمع خليفة على التذكير والمعنى، وخلائف على اللفظ. منّ عليهم بأن جعلهم سُكَّان الأرض بعد قوم نوح. {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً} ويجوز «بصطة» بالصاد لأن بعدها طاء؛ أي طولاً في الخلق وعظم الجسم. قال ٱبن عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعاً. وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم. وقيل: على خلق قوم نوح. قال وهب: كان رأس أحدهم مثل قبة عظيمة، وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. وروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: أن كان الرجل من قوم عاد يتخذ المِصراعين من حجارة لو ٱجتمع عليها خمسمائة رجل من هذه الأمّة لم يطيقوه، وأن كان أحدهم ليغمِز برجله الأرض فتدخل فيها. {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} أي نِعم الله، واحدها إِلًى وإليٌ وإلْوٌ وأَلًى. كالآناء واحدها إِنًى وإِنْيٌ وإِنْوٌ وأَنًى. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ} عطف على نوحاً إلى قومه. {هُوداً} عطف بيان لأخاهم والمراد به الواحد منهم، كقولهم يا أخا العرب للواحد منهم، فإنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل هود بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح، ابن عم أبي عاد، وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لقوله وأعرف بحاله وأرغب في اقتفائه. {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} استأنف به ولم يعطف كأنه جواب سائل قال: فما قال لهم حين أرسل؟ وكذلك جوابهم. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} عذاب الله، وكأن قومه كانوا أقرب من قوم نوح عليه الصلاة والسلام ولذلك قال أفلا تتقون {قَال المَلأَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحاً، كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. قال محمد بن إسحاق: هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قلت: هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله، وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ} تفسير : [الفجر:6-8] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم؛ كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} تفسير : [فصلت: 15] وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل. قال محمد بن إسحاق: عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، سمعت علياً يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيباً أحمر، يخالطه مدرة حمراء ذا أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه، قال: لا، ولكني قد حدثت عنه، فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود عليه السلام. رواه ابن جرير. وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن؛ فإن هوداً عليه السلام دفن هناك، وقد كان من أشرف قومه نسباً؛ لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانوا من أشد الأمم تكذيباً للحق، ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعته وتقواه. {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} والملأ: هم الجمهور والسادة والقادة منهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أي: في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة الله وحده؛ كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد، فقالوا: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً} تفسير : [ص: 5] الآية. {قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء، ومليكه { أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبِّى وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل: البلاغ، والنصح، والأمانة {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولاً من أنفسكم؛ لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} أي: واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته، لما خالفوه وكذبوه {وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً} أي: زاد طولكم على الناس بسطة، أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم؛ كقوله في قصة طالوت: {أية : وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة: 247] {فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ} أي: نعمه ومننه عليكم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والآلاء جمع إلى وقيل: أَلى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} أرسلنا {إِلَىٰ عَادٍ } الأولى {أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يـَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوه {مَا لَكُمْ مّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } تخافونه فتؤمنون.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وإلى عاد أخاهم هوداً} أي وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم أي واحداً من قبيلتهم أو صاحبهم، أو سماه أخاً لكونه ابن آدم مثلهم. وعاد من هو ولد سام بن نوح. قيل هو عاد بن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وهود هو ابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عوص بن إرم بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح. و {هوداً} عطف بيان {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلٰه غيره}. قد تقدّم تفسير هذا قريبا. والاستفهام في {أفلا تتقون} للإنكار. وقد تقدّم أيضاً تفسير الملأ، والسفاهة الخفة والحمق، وقد تقدّم بيان ذلك في البقرة. نسبوه إلى الخفة والطيش ولم يكتفوا بذلك حتى قالوا: {إنا لنظنك من الكاذبين} مؤكدين لظنهم كذبه فيما ادعاه من الرسالة، ثم أجاب عليهم بنفي السفاهة عنه. واستدرك من ذلك بأنه رسول ربّ العالمين، وقد تقدّم بيان معنى هذا قريباً، وكذلك سبق تفسير {أبلغكم رسالات ربي} وتقدّم معنى الناصح. والأمين المعروف بالأمانة. وسبق أيضاً تفسير {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} في قصة نوح التي قبل هذه القصة. قوله: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} أذكرهم نعمة من نعم الله عليهم، وهي أنه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح أي، جعلهم سكان الأرض التي كانوا فيها، أو جعلهم ملوكاً. و"إذ" منصوب بـ {اذكر}، وجعل الذكر للوقت. والمراد ما كان فيه من الاستخلاف على الأرض لقصد المبالغة، لأن الشيء إذا كان وقته مستحقاً للذكر، فهو مستحق له بالأولى {وزادكم في الخلق بسطة} أي طولاً في الخلق وعظم جسم، زيادة على ما كان عليه آباؤهم في الأبدان. وقد ورد عن السلف حكايات عن عظم أجرام قوم عاد. قوله: {فاذكروا آلاء الله} الآلاء: جمع إِلَى ومن جملتها نعمة الاستخلاف في الأرض، والبسطة في الخلق وغير ذلك مما أنعم به عليهم، وكرر التذكير لزيادة التقرير، والآلاء النعم {لعلكم تفلحون} إن تذكرتم ذلك، لأن الذكر للنعمة سبب باعث على شكرها، ومن شكر فقد أفلح. قوله: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده} هذا استنكار منهم لدعائه إلى عبادة الله وحده، دون معبوداتهم التي جعلوها شركاء لله، وإنما كان هذا مستنكراً عندهم لأنهم وجدوا آباءهم على خلاف ما دعاهم إليه. {ونذر ما كان يعبد آباؤنا} أي نترك الذي كانوا يعبدونه، وهذا داخل في جملة ما استنكروه. قوله: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} هذا استعجال منهم للعذاب الذي كان هود يعدهم به، لشدّة تمرّدهم على الله، ونكوصهم عن طريق الحق، وبعدهم عن اتباع الصواب، فأجابهم بقوله: {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} جعل ما هو متوقع كالواقع، تنبيهاً على تحقق وقوعه، كما ذكره أئمة المعاني والبيان. وقيل معنى وقع: وجب. والرجس: العذاب. وقيل: هو هنا الرين على القلب بزيادة الكفر. ثم استنكر عليهم ما وقع منهم من المجادلة، فقال: {أتجادلونني في أسماء} يعني أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها، جعلها أسماء، لأن مسمياتها لا حقيقة لها، بل تسميتها بالآلهة باطلة، فكأنها معدومة لم توجد، بل الموجود أسماؤها فقط {سميتموها أنتم وآباؤكم} أي سميتم بها معبوداتكم من جهة أنفسكم أنتم وآباؤكم، ولا حقيقة لذلك. {وما نزل الله بها من سلطان} أي من حجة تحتجون بها على ما تدّعونه لها من الدعاوي الباطلة، ثم توعدهم بأشد وعيد فقال: {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} أي فانتظروا ما طلبتموه من العذاب، فإني معكم من المنتظرين له، وهو واقع بكم لا محالة، ونازل عليكم بلا شك. ثم أخبر الله سبحانه أنه نجى هوداً ومن معه من المؤمنين به من العذاب النازل بمن كفر به، ولم تقبل رسالته، وأنه قطع دابر القوم المكذبين، أي استأصلهم جميعاً. وقد تقدّم تحقيق معناه، وجملة: {وما كانوا مؤمنين} معطوفة على {كذبوا} أي استأصلنا هؤلاء القوم الجامعين بين التكذبين بآياتنا وعدم الإيمان. وقد أخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {وإلى عاد أخاهم هوداً} قال: ليس بأخيهم في الدين، ولكنه أخوهم في النسب؛ لأنه منهم، فلذلك جعل أخاهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن خيثم قال: كانت عاد ما بين اليمن إلى الشام مثل الذرّ. وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان الرجل من عاد ستين ذراعاً بذراعهم، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة، وكان عين الرجل لتفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عباس قال: كان الرجل منهم ثمانين باعاً، وكانت البرّة فيهم ككلية البقرة، والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه {وزادكم في الخلق بسطة} قال شدة. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة، لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {آلاء الله} قال: نعم الله، وفي قوله: {رجس} قال: سخط. وأخرج ابن عساكر قال: لما أرسل الله الريح على عاد، اعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ به الأنفس، وإنها لتمر بالعادي فتحمله بين السماء والأرض، وتدمغه بالحجارة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {وقطعنا دابر الذين كذبوا} قال: استأصلناهم. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن عساكر، عن عليّ بن أبي طالب، قال: قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر عند رأسه سدرة. وأخرج ابن عساكر، عن عثمان بن أبي العاتكة، قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة، قال: كان عمر هود أربعمائة سنة واثنتين وسبعين سنة.

ابن عطية

تفسير : {عاد} اسم الحي، و {أخاهم} نصب بـ {أية : أرسلنا} تفسير : [الأعراف:59] فهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام لقومه، وتقدم الخلاف في قراءة {غيره} وقوله {أفلا تتقون} استعطاف إلى التقى والإيمان. وقوله تعالى: {قال الملأ} الآية، تقدم القول في مثل هذه المقالة آنفاً، و "السفاهة" مصدر عبر به عن الحال المهلهلة الرقيقة التي لا ثبات لها ولا جودة، والسفه، في الثوب خفة نسجه، ومنه قول الشاعر: [الطويل] [ذي الرمة] شعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مرُّ الرياح النواسم تفسير : وقولهم: {لنظنك} هو ظن على بابه لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون وتخرص. وتقدم الخلاف في قراءة {أبلغكم} وقوله {آمين} يحتمل أن يريد: على الوحي والذكر النازل من قيل الله عز وجل، ويحتمل أن يريد: أنه أمين عليهم وعلى غيبهم وعلى إرادة الخير بهم، والعرب تقول: فلان لفلان ناصح الجيب أمين الغيب، ويحتمل أن يريد به أمين من الأمن أي جهتي ذات أمن من الكذب والغش.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ * قَالَ يَـٰقَوْمٌ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} عاد اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و«أخاهم» نصب بـــ «أرسلنا» وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام. وقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} استعطاف إلى التقوى، والإيمان. وقوله: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ}. قوله: {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ} أي في الخِلْقَةِ، والبَسْطَةُ الكمال في الطول والعَرْضِ. وقيل: زادكم على أهل عصركم. وقال الطبري: زادكم على قَوْمِ نوح. وقاله قتادة. قال * ع *: واللفظ يقتضي أن الزيادة على جَمِيع العَالم، وهو الذي يقتضيه ما يذكر عنهم. وروي أن طُولَ الرجل منهم كان مائة ذِرَاعٍ، وطول أقصرهم سِتُّون ونحوها. والآلاء جميع «إلًى» على مثل «معًى»، وهي النعمة والمنة. قال الطبري: وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إِسْحاقَ من ولد عاد بن إرم بن عوض بن سَام بن نوح، وكانت مَسَاكنهم «الشّحر» من أرض «اليمن» وما وَالى «حَضْرَمَوْتَ» إلى «عمان». قال السدي: وكانوا بالأَحْقَافِ، وهي الرمال، وكانت بلادهم أَخْصَبَ بلاد، فردها اللَّه صحارى. وقال علي بن أبي أبي طالب رضي اللَّه عنه: إن قبر هُودٍ عليه السلام هنالك في كَثِيبٍ أحمر تُخَالطه مدرة ذات أَراكٍ وسِدْر، وكانوا قد فشوا في جميع الأَرْض، وملكوا كثيراً بِقُوَّتِهِمْ وعَدَدِهِمْ، وظَلَمُوا النَّاسَ وَكَانُوا ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَبِيلَةً، وكانوا أَصْحَابَ أَوثان، فبعث اللَّه إليهم هُوداً من أفضلهم وأوسطهم نَسَباً، فدعاهم إِلى تَوْحِيدِ اللَّه سبحانه وإلى تَرْكِ الظُّلْمِ. قال ابن إسحاق: ولم يأمرهم فيما يذكر بِغَيْرِ ذلك، فكذبوه وعتوا، واستمروا على ذلك إلى أن أراد اللَّه إنفاذ أمره أمْسَكَ عنهم المَطَرَ ثلاث سنين، فشقوا بذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المسجد الحرام بـــ «مكَّة» فدعوا اللَّه فيه تَعْظِيماً له مؤمنهم وكافرهم، وأهل «مكة» يومئذٍ العَمَالِيقُ، وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بَكْرٍ، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وَفداً إلى «مكة» يَسْتَسْقُونَ اللَّه لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال، وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد، وكان هذا مؤمناً يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخبيري في سَبْعِينَ رَجُلاً من قومهم، فلما قدموا «مكة» نَزَلُوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر «مكة» خارج الحَرَمِ، فأنزلهم، وأقاموا عنده شَهْراً يشربون الخَمْرَ، وتغنيهم الجَرَادَتَانِ قَيْنَتَا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم، وقد بعثهم عَادٌ لِلْغَوْثِ أشفق على عَادٍ، وكان ابن أختهم أمه: كلهدة ابنة الخبيرى أخت جلهمة، وقال: هَلَكَ أخوالي، وشق عليه أن يأمر أَضْيَافَهُ بالانصراف عنه، فشكا ذلك إلى قَيْنَتَيْهِ، فقالتا: اصنع شِعْراً نغني به، عسى أَن نُنَبِّهَهُمْ، فقال: [الوافر] شعر : أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَاداً قَدَ ٱمْسَوْا لاَ يُبَينُونَ الكَلاَمَا مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلاَ الغُلاَمَا وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْر فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ عَيَامَىٰ وَإِن الوُحْشَ تَأْتِيهِمْ جَهَاراً وَلاَ تَخْشَىٰ لِعَادِيٍّ سِهَامَا وَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُم نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمِ وَلاَ لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَا تفسير : فغنت به الجَرَادَتَانِ، فلما سمعه القَوْمُ قال بعضهم: يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حَلَّ بهم، فادخلوا هذا الحَرَمَ، وادعوا لَعَلَّ اللَّه يغيثهم فخرجوا لذلك، فقال لهم مرثد بن سعد: إنكم واللَّه ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذٍ، فَخَالَفَهُ الوَفْدُ، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احْبِسَا عنا مرثداً، ولا يدخل معنا الحَرَم، فإنه قد اتبع هُوداً، ومَضَوْا إلى الحرم، فاستسقى قيل بن عنز، وقال: يا إلاهنا إن كان هود صادقاً، فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فأنشأ اللَّه تعالى سحائب ثَلاَثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مُنَادٍ من السماء: يَا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شِئْتَ، فقال قيل: قد اخترت السَّوداء فإنها أكثرهن مَاءً، فنودي شعر : قد اخترت رَمَاداً رَمْدداً لاَ تُبْقُي مِنْ عَادٍ أَحَدَا لا وَالِداً وَلاَ وَلَداً إِلاَّ جَعَلْتُهُمْ هَمَدَا تفسير : وساق اللَّه السَّحَابَةَ السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من وَادٍ لهم يقال له: المُغِيثُ، فلما رأوها، قالوا هذا عَارِضٌ ممطرنا، حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها: مهدر، فصاحت وصعقت، فلما أفاقت قيل لها: ما رأيت؟ قالت: رأيت ريحاً فيها كَشُهبِ النار، أمامها رجال يَقُودُونَهَا، فسخرها اللَّه عليهم سَبْعَ ليال، وثمانية أيام حُسْوماً، والحُسُوم: الدائمة، فلم تَدَعْ من عَادٍ أحداً إلا هلك، فاعتزل هود، ومن معه من المُؤْمنين في حَظِيرَةٍ ما يصيبه من رِيحٍ إلا ما يلتد به. قال * ع *: وهذا قصص وقع في «تفسير الطبري» مطولاً، وفيه اختلاف، فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز، وفي خبرهم: أن الريح كانت تَدْمَغُهُمْ بالحِجَارَةِ، وترفع الظَّعِينَةَ عليها المرأة حتى تلقيها في البحر. وفي خبرهم: أن أقوياءهم كان أحدهم يسدّ بنفسه مَهَبَّ الريح حتى تَغْلبَهُ فتلقيه في البَحْر، فيقوم آخر مكانه حتى هَلَكَ الجَمِيعُ. وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضَبُعاً رَبَّتْ أولادها في حِجَاجِ عَيْنِ رَجُلٍ منهم. وفي خبرهم: أن اللَّه سبحانه لما أهلكهم بَعَثَ طيراً، فنقلت جِيفَهُمْ حتى طرحتها في البَحْرِ، فذلك قوله سبحانه: { أية : فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ } تفسير : [الأحقاف:25] وفي بعض ما رُويَ من شأنهم أن الريح لم تُبْعَثْ قط إلا بِمِكْيَالٍ إلا يومئذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنَةِ، فغلبتهم، فذلك قوله سحبانه: { أية : فأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } تفسير : [الحاقة:6] وروي أن هوداً لما هلكت عاد نزل بمن آمَنَ معه إلى «مكة» فكانوا بها حتى مَاتُوا، فاللَّه أعلم أي ذلك كَانَ. وقولهم: {أجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ...} الآية: ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم، ويفردون العبادة للَّه مع إقرارهم بالإله الخَالِقِ المُبْدِعِ، وهذا هو الأظهر فيهم، وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية اللَّه تعالىٰ من الكَفَرَةِ إلا مَنْ أفرطت غباوته. وقولهم: {فأْتِنَا بِمَا تَعِدُنا}: تَصْمِيمٌ على التكذيب، واستعجالٌ للعقوبة.

ابن عادل

تفسير : قوله "أخَاهُمْ" نصب بـ "أرْسَلْنَا" الأولى، كأنه قيل: لقد أرسلنا نُوحاً، وأرسلنا إلى عادٍ أخاهُم، وكذلك ما يأتي من قوله: {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ}تفسير : [الأعراف: 73]، {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}تفسير : [الأعراف: 85] {أية : وَلُوطاً}تفسير : [الأعراف: 85]، ويكونُ ما بعد "أخَاهُم" بدلاً أو عطف [بيان]. وأجاز مكيٌّ أن يكون النَّصْبُ بإضمار "اذْكُرْ" وليس بشيء لأنَّ المعنى على ما ذكرنا مع عدمِ الاحْتِيَاجِ إليه. و "عاد" اسم للحيِّ، ولذلك صَرَفَه، ومنهم من جعله اسْماً للقبيلة ولذلك [منعه] قال: [الرجز] شعر : 2500- لَوْ شَهْدَ عَادَ فِي زَمَانِ عَادِ لابْتَزَّهَا مَبَارِكَ الجِلادِ تفسير : وعادٌ في الأصل اسم الأب الكبيرِ، وهو عادُ بْنُ عوصِ بْنِ إرمِ بْنِ سَامِ بن نُوحٍ فسُمِّيت به القبيلةُ، أو الحيّ. وقيل: عادُ بْنُ أرمِ بْنِ شَالِخ بْنِ أرفخشد بْنِ سَامِ بْنِ نوحٍ وهودُ بْنُ عبد الله بْنِ رَبَاحِ بْنِ الجَارُودِ ابْنِ عَادِ بْنِ عوص بن إرمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وهي عادٌ الأولى، وكذلك ما أشبهه من نحو "ثَمُود" إن جَعَلْته اسماً لمذكَّر صَرَفْتَه، وإن جعلته اسماً لمؤنث مَنَعتهُ، وقد بَوَّبَ له سيبويه باباً. وأمّا هو فاشتهر في ألْسِنَةِ النُّحَاةِ أنه عَرَبِيٌّ، وفيه نظر؛ لأن الظَّاهِرَ من كلام سيبويه لمَّا عَدَّه مع نُوح، ولوط أنَّهُ أعجمي، ولأن: أبَا البركاتِ النَّسَّابَةَ الشَّريفَ حكى: أن أهلَ اليمنِ تزعُمُ أنّ يَعْرُبَ بْنِ قحطانَ بْنِ هُود هو أوَّلُ من تكلَّمَ بالعربيَّةِ وسُمِّيت به العربُ عرباً، وعلى هذا يكون "هُودُ" أعجمياً، وإنَّمَا صُرِفَ لما ذكر في أخوته نوحٍ ولُوطٍ. وهود اسمه عابرُ بْنُ شَالِح بْنِ أرفخشد بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. فصل في نسب هود اتَّفقوا [على] أن هوداً ما كان أخاهم في الدِّين، واختلفوا في أنَّه هل كان هناك قَرَابَةٌ أم لا. قال الكَلْبِيُّ: "كان واحداً منهم". وقال آخرون: كان من غيرهم، وذكروا في تفسير هذه الأخوة وجهين: الأول: قال الزَّجَّاجُ: كان من بني آدم، ومن جِنْسِهِمْ، لا من الملائكة، ويكفي هذا القَدَرُ في تسمية الأخوة، والمعنى: أنّا بعثنا إلى عادٍ واحداً من جنسهم، لِيَكُون الفَهْمُ والأنس بكلامه وأفعاله أكْمَلُ، ولم يبعث إليهم من غير جنسهم مثل ملك أو جني. قال ابن إسحاق: وكان أوسطهم نَسَباً، وأفْضَلَهُم حُسْناً. روي أن عاداً كانت ثلاثَ عَشْرَةَ قبيلةً ينزلون الرِّمال، وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارةٍ، وكانت بلادهم أخصبَ البلاد، فسخط الله عليهم؛ فجعلهم مفاوز لأجل عبادتهم الأصْنَامَ، ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بِمَكَّةَ، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. الثاني: "أخاهم" أي صاحبهم، ورسولهم، والعرب تسمِّي صاحب القوم أخَا القَوْم، ومنه قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}تفسير : [الأعراف: 38] أي: صاحبتها، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "حديث : إن أخَا صداء قَدْ أذن"تفسير : يريدُ صَاحِبَهُمْ. فصل في مكان قوم عاد اعلم أنَّ عاداً قوماً كانوا باليمنِ بالأحقاف. قال ابن إسحاق: "والأحقافُ: الرَّمْلُ الذي بين عُمَان إلى حضرموت". واعلم أن ألفاظ هذه القصَّةِ موافقة للألْفَاظِ المذكورة في قصَّةِ نوح - عليه السَّلامُ - إلا في أشياء. [الأول]: أن في قصَّة نُوحٍ: "فقال يا قَوْم" بالفاء، وهنا قال بغير فاء، فالفرق أنَّ نُوحاً - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - كان مواظباً على دعوتهم، وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هودٌ فلم يبلغ إلى هذا الحدِّ؛ فلا جرم جاء بفاء التعقيب في كلام نُوح دون كلام هود. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قُلْتَ: لم حذف العَاطِف من قوله [قال يا قوم] ولم يقل "فقال" كما في قِصَّةِ نوح. قلت: هو على تَقْدير سُؤالِ سائلٍ قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: له: "قال يا قوم". الثاني: قال في قصة نوح: {أية : مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الأعراف: 59]. وهنا قال: "أَفَلاَ تَتَّقُونَ"، والفرقُ بينهما أنَّ قبل نوح لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعةِ العظيمةِ، وهي الطُّوفَانُ العظيم، فلا جرم أخبر نُوحٌ عن تلك الواقعة فقال: {أية : إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف:59]. وأمّا واقعة هود - عليه السَّلامُ - فقد سبقتها واقعة نوح، وكان عهد النَّاسِ بتلك الواقعة قريباً، فلا جرم قال: "أفَلاَ تَتَّقُونَ" أي: تعرفون أنَّ قوم نوح لمَّا لم يتقوا الله ولم يطيعوه أنْزل بهمْ ذلكَ العذاب الذي اشتهر خَبَرُهُ في الدُّنْيَا، فكان ذلك إشَارَةً إلى التَّخْوِيفِ بتلك الوَاقِعَةِ. الثالث: قال في قصَّة نُوحٍ {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ} تفسير : [الأعراف:60]. وقيل: في هود: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فوصف الملأ بالكُفْر، ولم يُوصَفُوا في قصَّة نوح، والفرقُ أنَّهُ كان في أشْرَاف قومِ هُودٍ مَنْ آمنَ بِهِ مِنْهُم مرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ أسْلَمَ، وكان يكتمُ إيمانَهُ بخلاف قَوْم نُوحٍ، لأنَّه لم يؤمن منهم أحَدٌ. قاله الزَّمخشريُّ وغيره، وفيه نَظَرٌ لقوله تعالى: {أية : لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}تفسير : [هود: 36] وقال: {أية : وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}تفسير : [هود: 40] ويحتمل أنَّ حال مخاطبة نُوحٍ لقومِهِ لم يُؤمِنْ منهم أحَدٌ بعدُ ثمَّ آمنوا، بخلاف قصَّةِ هود فإنَّهُ حال خطابهم كان فيهم مُؤمن ويحتملُ أنها صفة لمُجَرَّدِ الذَّمِّ من غير قَصْدِ تميزٍ بها. الرابع: حكي عن قَوْم نُوحٍ قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وحكي عن قوم هُود قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] الفرقُ أنَّ نُوحاً خوف الكُفَّارَ بالطُّوفانِ العام وكان مشتغلاً بإعْدَادِ السَّفينةِ، فلذلك قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} حيثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصلاحِ سفينة كبيرةٍ في مفازة ليس فيها قَطْرَةٌ من المَاءِ، ولم يظهر شيءٌ من العلامات تدلُّ على ظهورِ المَاءِ في تلك المَفَازة. وأمَّا هود فلم يذكر شيئاً إلا أنه زَيَّفَ عبادة الأوثان، ونسب من اشتغل بعبادتها إلى السَّفَاهَةِ وقلَّةِ العَقْل، فلَّما سفَّهَهُم قابلوه بمثله، ونسبُوهُ إلى السَّفاهةِ، ثم قالوا: {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} في ادِّعَاءِ الرِّسالة. قال ابْنُ عبَّاسٍ: في سفاهة أي تدعو إلى دينٍ لا نقر به. وقيل: في حُمْقِ، وخفَّةِ عَقْلٍ، وجهالةٍ. {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} اختلفُوا في هذا الظن فقيل: المرادُ القَطْعُ والجزم كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ}تفسير : [البقرة: 46] وهو كثير. وقال الحسنُ والزَّجَّاجُ: كان ظنّاً لا يقيناً، كفرُوا به ظانين لا متيقّنين وهذا يَدُلُّ على أنَّ حصول الشَّكِّ والتَّجويز في أصول الدِّين يوجبُ الكفر. الخامس: قال نوح - عليه السلامُ -: {أبلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ} وقال هود عليه السلام: {وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِيْنٌ}، فأتى نوح بصيغة الفعل، وهود أتى بصيغة اسم الفاعل، ونوح - عليه السلام - قال: {أية : وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف:62]، وهود لم يقل ذلك، وإنَّما زاد كونه "أمِيناً"، والفرقُ بينهما أنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القَاهِرِ النَّحْوِيَّ ذكر في كتاب "دلائِلِ الإعْجازِ" أن صيغة الفعل تدلُّ على التَّجَدُّدِ ساعةً فساعَةً. وأما صِيغَةُ اسم الفاعِلِ فهي دالَّةٌ على الثَّباتِ، والاستمرار على ذلك الفعل. وإذا ثبت هذا فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانوا مبالغين في السَّفَاهَةِ على نوح - عليه السَّلام - ثم إنَّهُ في اليوم الثَّاني كان يعودُ إليهم، ويدعوهم إلى الله كما ذكر اللَّهُ - تعالى - عنه في قوله: {أية : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}تفسير : [نوح: 5]. فلما كانت عادته - عليه السلام - العود إلى تجديد الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، لا جرم ذكره بصيغة الفعل فقال: "وأنْصَحُ لَكُمْ". وأما قول هود - عليه السلامُ -: {وَأَنَا لَكُم نَاصِحٌ أَمِينٌ} فإنَّهُ يَدُلُّ على كونه مثبتاً مستقراً في تلك النَّصِيحَةِ، وليس فيها إعلامٌ بأنه سيعود إليها حالاً فحالاً، ويوماً فيوماً. وأما قول نوح - عليه السَّلامُ - {أية : وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف:62] وهود - عليه السلام - وصف نفسه بكونه أميناً، فالفرقُ أنَّ نوحاً - عليه السَّلامُ - كان منصبه في النُّبُوَّةِ أعلى من منصب هود عليه السَّلام، فلم يبعد أن يقال: إن نُوحاً - عليه السلام - كان يعلم من أسرار حكم اللَّهِ ما لا يصلُ إليه هُودٌ، فلهذا أمْسَكَ هود لسانه عَنْ ذكر تلك الجملة، واقتصر على وَصْفِ نفسه بالأمانة ومقصود منه أمور: أحدها: الرَّدُ عليهم في قولهم: {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}. وثانيها: أن مدار الرِّسالة والتبليغ عن الله على الأمانة، فوصف نفسه بالأمانةِ تقريراً للرِّسالة والنبوة. وثالثها: كأنَّهُ قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أميناً فيكم، وما وجدتمْ منِّي غدراً ولا مكراً ولا كذباً، واعترفتم لي بِكَوْنِي أميناً، فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟ والأمين هو الثقة، وهو فعيل من أمِنَ يأمَنُ فهو آمِنٌ وأمين بمعنى واحد. واعلم أنَّ القومَ لمَّا قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} لم يقابل سفاهتهم بالسَّفاهَةِ، بل قابلها بالحلم، ولم يزد على قوله: {لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ}، وذلك يَدُلُّ على أنَّ ترك الانتقام أولى كما قال: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغْوِ مَرُّواْ كِرَاماً}تفسير : [الفرقان: 72]. وقوله: {وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} مدح نفسه بأعْظَمِ صفات المَدْحِ، وإنَّمَا فعل ذلك؛ لأنَّهُ كان يجب عليه إعلام القوم بذلك، وذلك يَدُلُّ على أنَّ مدح الإنسان لِنَفْسِه في موضع الضَّرُورةِ جائزٌ. السادس: قال نوحٌ عليه السلامُ: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} إلى قوله: {وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، [وفي قصَّةُ هود حذف قوله: {وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، والفرق أنَّهُ لمَّا ظهر في قِصَّةِ نُوح - عليه السلام - أنَّ فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة، لم يكن لإعادته في هذه القصَّة حاجة. قوله: "إذْ جَعَلَكُمْ" في "إذْ" وجهان: أحدهما: أنَّه ظرفٌ منصوبٌ بما تضمنتهُ الآلاء من معنى الفعلِ، كأنه قيل: "واذكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عليكم في هذا الوَقْتِ"، ومفعول "اذْكُرُوا" محذوفٌ لدلالة قوله بعد ذلك: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ}، ولأن قوله: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ}، وزادكم كذا هو نفس الآلاء وهذا ظاهر قول الحُوفِي. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "إذْ" مفعول "اذْكُرُوا" أي: اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسيمة، وتقدَّم الكلامُ في الخلفاء والخلائف والخليف. قوله: "فِي الخَلْقِ" يحتملُ أن يراد به المصدر بمعنى في امتداد قامتكم وحسن صوركم، وعظم أجْسَامِكُمْ، ويحتمل أنْ يراد به معنى المفعول به، أي: في المَخْلُوقين بمعنى زادكم في النَّاسِ مثلكم بسطة عليهم، فإنَّهُ لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الأجرام. قال الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: "كانت قامة الطّويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستُّون ذراعاً". وتقدم الكلامُ على "بسطة" في البقرة. قوله: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ}، أي: نعمه، وهو جمع مفرده "إلْي" بكسر الهمزة وسُكُونِ اللاَّمِ؛ كحِمْل وأحْمَال، أو "ألْيٌ" بضمِّ الهمزة وسُكُونِ اللاَّم؛ كقُفْل، وأقْفَالٍ، أو "إلى" بكسر الهمزة، وفتح اللام؛ كضِلَع وأضلاع، وعِنَب وأعْنَاب، أو "ألَى" بفتحهما كَقَفَا وأقْفَاء؛ قال الأعْشَى: [المنسرح] شعر : 2501 - أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزَالَ وَلاَ يَقْطَعُ رِحْماً ولا يَخُونُ ألَى تفسير : يُنشد بكسر الهمزة، وهو المشهورُ، وبفتحها؛ ومثلها "الآنَاء" جمع "إِنْي" أو "أُنْي" أو "إِنًى" أو "أَنًى". وقال الأخفش: "إنْوٌ". والآناء الأوقات كقوله: {أية : وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْل}تفسير : [طه: 130]، وسيأتي. ثم قال: "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فلا بُدَّ هاهنا من إضمار؛ لأنَّ الصَّلاح الذي هو الظَّفر بالثَّواب لا يحصل بمجرد التذكر، بل لا بدّ من العمل، والتقدير: فاذكروا آلاء اللَّهِ واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلّكم تفلحون. قوله: "لِنَعْبُدَ" متعلق بالمجيء الذي أنكروه عليه. واعلم أنَّ هوداً - عليه السلام - لما دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدَّلِيل القاطع، وهو أنَّهُ بيَّن أنَّ نعم الله عليهم كثيرة والأصنام لا نعمة لها؛ لأنَّهَا جمادات، والجمادُ لا قُدْرَةَ له على شَيْءٍ أصلاً - لم يكن للقوم جوابٌ عن هذه الحُجَّةِ إلا التمسك بالتَّقْليد فقالُوا: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} فأنكروا عليه أمره لهم بالتَّوحيد، وترك التقليد للآباء، وطلبوا منه وقوع العذاب المشار إليه بقوله: "أفَلاَ تَتَّقُونَ" وذلك أنَّهُم نسبوه إلى الكذب، وظنُّوا أنَّ الوعيد لا يتأخر، ثم قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} جوابه محذوف أو متقدِّم بـ "ما"، وذلك لأنَّ قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} مشعر بالتَّهْديد والتَّخويف بالوعيد، فلهذا قالوا: {فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا}. قوله: {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} جوابه محذوف أو مُتَقَدِّم، وهو فأت به. واعلم أنَّ القوم كانُوا يعتقدون كذبه لقولهم: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} فلهذا قالوا: {فَأتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وإنَّما قالُوا كذلِكَ لظنهم أن الوعيد لا يجوز أن يتأخر، فعند ذلك قال هود - عليه السلام -: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم}، أي: وجب عليكم. فصل في تفسير هذه الآية قال القَاضِي: تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر؛ لأنَّ بعد كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة، واعلمْ أنَّ هذا بَاطِلٌ؛ لأنَّ في الآية وجوهاً من التَّأويل. أحدها: أنَّهُ تعالى أخبر في ذلك الوقت بنزول العذابِ عليهم، فلمَّا حدث الإعلام في ذلك الوقت، لا جرم قال هُودٌ في ذلك الوقت: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ}. وثانيها: أنَّهُ جعل المُتَوقَّع الذي لا بُدَّ من نزوله بمنزلة الواقع، كقوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1]. وثالثها: أن يحمل قوله: "وقع" على معنى وجد وجعل، والمعنى: إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل. قوله: "مِن رَّبِّكُمْ" إمَّا متعلق بـ "وقع" و "من" للابتداء مجازاً، وإمَّا أن يتعلق بمحذوف لأنَّهَا حال، إذْ كانت في الأصل صفة لـ "رجس". والرِّجْس: العذاب والسين مبدلة من الزاي. وقال ابن الخطيب: لا يمكن أن يكون المراد لأنَّ المُرادَ من الغضب العذابُ، فلو حملنا الرِّجْسَ عليه لَزِمَ التَّكْرِيرُ، وأيضاً الرجس ضد التطهير قال تعالى: {أية : لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}تفسير : [الأحزاب: 33] والمرادُ التَّطْهِيرُ عن العقائد الباطلةِ. وإذا ثبت هذا فالمراد بالرجس أنَّهُ تعالى خصّهم بالعقائِدِ المذمُومَةِ، فيكون المعنى أنَّهُ تعالى زادهم كُفْراً ثم خصَّهم بمزيدِ الغضبِ. قوله: "أتُجَادِلُونَنِي" استفهام على سبيل الإنْكَارِ في أسماء الأصنام وذلك أنهم كانوا يسمون الأصْنَامَ بالآلهة، مع أن معنى الإلهية فيها معدومٌ، سموا واحداً منها بالعُزَّى مشتقاً من العزِّ، والله - تعالى - ما أعطاه عِزّاً أصلاً، وسمُّو آخر منها باللاَّتِ، وليس له من الإلهية شيء. قوله: "سَمَّيْتُمُوهَا" صفة لـ "أسْمَاء"، وكذلك الجملة من قوله: {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} يُدلُّ على خلوِّ مذاهبهم عن الحُجَّةِ. و "مِنْ سُلْطَانٍ" مفعول "نزَّلَ"، و "مِنْ" مزيدةٌ، ثمَّ إنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ذكر لهم وعيداً مجرَّداً فقال: فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة الأصْنَامِ إنِّي معكم من المنتظرين. فقوله: "مِنَ المُنتَظِريْنَ" خبر "إني"، و "مَعَكُمْ" فيه ما تقدَّم في قوله: {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}، ويجوزُ - وهو ضعيف - أن يكون "مَعَكُمْ" هو الخبر و "مِنَ المُنتَظِرِينَ" حال، والتقديرُ: إني مصاحبكم حال كوني من المنتظرين النّصر والفرج من الله، وليس بذلك؛ لأنَّ المقصُودَ بالكلامِ هو الانتظار، لمقابلة قوله: "فانْتَظِرُوا" فلا يُجعل فضلة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله {وإلى عاد أخاهم هوداً} قال: ليس بأخيهم في الدين ولكنه أخوهم في النسب، فلذلك جعله أخاه لأنه منهم. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الشرفي بن قطامى قال: هود اسمه عابر بن شالخ بن ارفشخد بن سام بن نوح . وأخرج ابن منذر عن ابن جريج قال: يزعمون أن هوداً من بني عبد الضخم من حضرموت. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: كان هوداً أول من تكلم بالعربيه، وولد لهود أربعة: قحطان، ومقحط، وقاحط، وفالغ، فهو أبو مظر، وقحطان أبو اليمن، والباقون ليس لهم نسل . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ومن طريق إبن اسحق عن رجال سماهم ومن طريق الكلبي قالوا جميعاً: إن عاداً كانوا أصحاب أوثان يعبدونها، اتخذوا أصناماً على مثال ودَّ، وسواع، ويغوث، ونسر، فاتخذوا صنماً يقال له: صمود، وصنماً له: الهتار، فبعث الله إليهم هوداً، وكان هود من قبيلة يقال لها الخلود، وكان أوسطهم نسباً وأصبحهم وجهاً، وكان في مثل أجسادهم أبيض بعد أبادي، العنفقة، طويل اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يوحدوه وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك، ولم يدعهم إلى شريعة ولا إلى صلاة، فأبوا ذلك وكذبوه، وقالوا: من أشد قوّة؟ فذلك قوله تعالى {وإلى عاد أخاهم هوداً} كان من قومهم ولم يكن أخاهم في الدين {قال يا قوم اعبدوا الله} يعني وحدوا الله {ولا تشركوا به شيئاً ما لكم} يقول: لكم {من إله غيره أفلا تتقون} يعني فكيف لا تتقون {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} يعني سكاناً {في الأرض من بعد قوم نوح} فكيف لا تعتبرون فتؤمنوا وقد علمتم ما نزل بقوم نوح من النقمة حين صعوه؟! {واذكروا آلاء الله} يعني هذه النعم {لعلكم تفلحون} أي كي تفلحوا، وكانت منازلهم بالأحقاف، والأحقاف: الرمل. فيما بين عمان حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا في الأرض كلها، وقهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن خثيم قال: كانت عاد ما بين اليمن إلى الشام مثل الذر . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي. إن عاداً كانوا باليمن بالأحقاف، والأحقاف: هي الرمال. وفي قوله {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} قال: ذهب بقوم نوح {واستخلفكم بعدهم وزادكم في الخلق بسطة} قال: الطول . وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان الرجل من عاد ستين ذراعاً بذراعهم، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة، وكان عين الرجل ليفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {وزادكم في الخلق بسطة} قال: ذكر لنا أنهم كانوا أثني عشر ذراعاً طوالاً . وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس قال: كان الرجل في خلقه ثمانون باعاً، وكانت البرة فيهم ككلية البقر، والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وزادكم في الخلق بسطة} قال: شدة . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن ينقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها . وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ثور بن زيد الديلمي قال: قرأت كتاباً: انا شداد بن عاد، انا الذي رفعت العماد، وانا الذي سددت بدراً عن بطن واد، وانا الذي كنزت كنزاً في البحر على تسع أذرع لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن بكار عن ثور بن زيد قال: جئت اليمن فإذا أنا برجل لم أر أطول منه قط فعجبت. قالوا: تعجب من هذا؟ قلت: والله ما رأيت أطول من ذا قط...! قالوا فوالله لقد وجدنا ساقاً أو ذراعاً فذرعناها بذراع هذا، فوجدناها ست عشرة ذراعاً. وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم قال: كان في الزمن الأول تمضي أربعمائة سنة ولم يسمع فيها بجنازة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {آلاء الله} قال: نعم الله. وفي قوله {رجس} قال: سخط . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {قد وقع عليكم من ربكم رجس} قال: جاءهم منه عذاب، والرجس: كله عذاب في القرآن . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله رجس وغضب؟ قال: الرجس: اللعنه، والغضب: العذاب. قال: وهل تعرف ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: شعر : إذا سنة كانت بنجد محيطة وكان عليهم رجسها وعذابها

ابو السعود

تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ} متعلقٌ بمضمر معطوفٍ على قوله تعالى: {أَرْسَلْنَا} في قصة نوح عليه السلام وهو الناصبُ لقوله تعالى: {أَخَـٰهُمْ} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسَب لا في الدين كقولهم: يا أخا العرب، وقيل: العاملُ فيهما الفعلُ المذكور فيما سبق وأخاهم معطوف على نوحاً والأولُ أدنى وأياً ما كان فلعل تقديمَ المجرورِ هٰهنا على المفعول الصريح للحِذار عن الإضمار قبل الذكر يرشدك إلى ذلك ما سيأتي من قوله تعالى: {وَلُوطاً} الخ، فإن قومَه لمّا لم يُعهدوا باسمٍ معروف يقتضي الحالُ ذكرَه عليه السلام مضافاً إليهم ـ كما في قصة عادٍ وثمودَ ومدينَ ـ خولف في النظم الكريم بـين قصتِه عليه السلام وبـين القصصِ الثلاثِ، وقولُه تعالى: {هُودًا} عطفُ بـيانٍ لأخاهم وهو هودُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ رباحِ بن الخلودِ بنِ عاذِ بنِ غوصٍ بنِ إرَمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ عليه السلام، وقيل: هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن عم أبـي عاد وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لكلامه وأعرفُ بحاله في صدقه وأمانتِه وأقربُ إلى اتباعه {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية إرسالِه عليه السلام إليهم كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال: {يَا قَومِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي وحده كما يُعرِب عنه قوله تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} فإنه استئنافٌ جارٍ مَجرى البـيانِ للعبادة المأمورِ بها. والتعليلُ لها أو للأمر بها كأنه قيل: خُصّوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً إذ ليس لكم إلٰهٌ سواه. وغيرُه بالرفع صفةٌ لإلٰهٍ باعتبار محلِّه، وقرىء بالجر حملاً له على لفظه {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} إنكارٌ واستبعادٌ لعدم اتقائِهم عذابَ الله تعالى بعد ما علموا ما حل بقوم نوحٍ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي ألا تتفكرون أو أتغفُلون فلا تتقون، فالتوبـيخُ على المعطوفين معاً أو أتعلمون ذلك فلا تتقون فالتوبـيخُ على المعطوف فقط وفي سورة هودٍ [51]: {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } تفسير : ولعله عليه السلام خاطبهم بكل منهما وقد اكتُفي بحكاية كلَ منهما في موطن عن حكايته في موطن آخرَ كما لم يذكر هٰهنا ما ذكر هناك من قوله تعالى: {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ }تفسير : [هود، الآية 50] وقِسْ على ذلك حالَ بقيةِ ما ذُكر وما لم يُذكر من أجزاء القصةِ بل حالَ نظائرِه في سائر القصصِ لا سيما في المحاورات الجاريةِ في الأوقات المتعددة والله أعلم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا في وهدتهم، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله، ولا رَبحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله. قوله جلّ ذكره: {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}. جعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء. قوله جلّ ذكره: {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً}. كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخُلُق، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني. قوله جلّ ذكره: {فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. النَّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح في السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.

اسماعيل حقي

تفسير : {والى عاد} اى وارسلنا الى عاد وهم قوم من اهل اليمن وكان اسم ملكهم عادا فنسبوا اليه وهو عاد بن ارم بن سام بن نوح {اخاهم} اى واحدا منهم فى النسب لا فى الدين كقولهم يا اخا العرب {هودا} عطف بيان لأخاهم وهو هود بن عبدالله بن رياح بن خلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح وانما جعل الرسول من تلك القبيلة لانهم أفهم لكلامه واعرف بحاله فى صدقه وامانته واقرب الى اتباعه {قال} استئناف. وفى التفسير الفارسى [قبيله عاد مردم تن آور وبلند بالا بودند واز ايشان درتمام روى زمين دران زمان قبيله عظيمة نبود ومردم بسيار بودند ومال فراوان داشتند وعمر در برستش بت مى كذرا نيدند حق سبحانه وتعالى هودرا بديشان فرستاد بس هود بميان قبيله آمد وايشانرا بحق دعوت كرد] قال {يا قوم} (اى قوم من) {اعبدوا الله} وحده {ما لكم من اله غيره} غيره بالرفع صفة لاله باعتبار محله وهو الابتداء ومن زائدة فى المبتدأ ولكم خبره {أفلا تتقون} الهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر اى ألا تتفكرون فلا تتقون عذاب الله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أخاهم}: عطف على نوح، و {هودًا}: عطف بيان أو بدل، وكذلك {أخاهم صالحًا} وما بعده؛ حيث وقع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} أرسلنا {إلى} قبيلة {عادٍ أخاهم} أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: {يا قوم اعبدوا الله} وحده؛ {ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} عذاب الله، {قال الملأ الذين كفروا من قومه}، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به؛ كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح؛ لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: {إنا لنراك في سفاهة} أي: متمكنًا في خفة العقل، راسخًا فيها، حيث فَارَقتَ دين قومك، {وإنا لنظنك من الكاذبين} في ادعاء الرسالة. {قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من ربّ العالمين أُبلغكم رسالاتِ ربي وأنا لكم ناصح أمين}، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: {أوَ عجبتم} من {أن جاءكم ذِكرٌ من ربكم على رجل منكم لينذركم}، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرةَ عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: {وأنا لكم ناصح أمين}: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. هـ. ثم قال لهم: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكًا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولاً من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه؛ {وزادكم في الخلق بسطة} أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعًا، وأطولهم: مائة ذراع. {فاذكروا آلاء الله} أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، {لعلكم تفلحون} أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونَذَرَ ما كان يعبد آباؤنا} من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم؛ انهماكًا في التقليد، وحبًا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب}، بعد أن قالوا: {فأْتنا بما تعدنا} من العذاب {إن كنت من الصادقين} فيه. {قال قد وقع} أي: وجب {عليكم من ربكم رجسٌ}؛ عذاب {وغضب} إرادة الانتقام، {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: {سميتموها أنتم وآباؤكم} أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: {ما نزَّل اللهُ بها من سلطان} أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم ـ على الأول ـ المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: {فانتظروا} نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، {إني معكم من المنتظرين} نزوله. قال تعالى: {فأنجيناه والذين معه برحمة منا} عليهم. قال القشيري: لا رتبةَ فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجَّى هودًا برحمته، وكذا نجَّى الذين آمنوا معه برحمته، ليُعلَم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضلٍ من الله ورحمة، فما نَجَا مَن نَجَا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. هـ. {وقطعنا دابر الذين كذَّبوا بآياتنا} أي: استأصلناهم، {وما كانوا مؤمنين}، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نَجَا وبين من هلك: هو الإيمان. رُوِي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودًا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذٍ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه "قيل بن عنز"، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة؛ أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرًا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان ـ قَينَتَانِ له ـ فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه؛ مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: شعر : ألاَ قَيلُ ويَحكَ، قُم، فَهَينِم لَعلَّ الله يسقِينَا الغَمَامَا فيسقيِ أرضَ عَادٍ، إنَّ عَادًا قَدَ امسَوا لاَ يُبِينُونَ الكَلامَا تفسير : فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يُسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمنّ معنا مكة؛ فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا؛ بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء: يا قيل؛ اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء؛ فإنها أكثرهن ماءً، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، رُوِي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام، شدخَت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعًا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث؛ وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذٍ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان؛ لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هُدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا ـ إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودًا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً}.

الطوسي

تفسير : انتصب قوله {أخاهم هوداً} بقوله {أرسلنا} في أول الكلام وإِن تطاول ما بينهما، لأن تفصيل القصص يقتضي ذلك، والتقدير وأرسلنا {وإلى عاد أخاهم هوداً} ويجوز في مثله الرفع وتقديره، والى عاد أخوهم هود مرسل. و (الأخ) أحد الولدين لواحد. وإِنما قال لهود (ع) أنه أخوهم، لأنه كان من قبيلهم، وجاز ذلك على غير الاخوة في الدين، لأنه احتج عليهم أن يكون رجلاً منهم، لأنهم عنه أفهم واليه أسكن. وصرف (هود) لخفته، كما صرفت جمل لخفتها، وهو أحق بالصرف، لأنه أكثر في الاستعمال. في هذه الآية إِخبار من الله تعالى انه أرسل الى قوم عاد هودا، وأنه قال لهم {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وقد فسرنا معنى ذلك أجمع وبينا أيضا حقيقة العبادة، وأنه لا يستحقها غير الله، لانها على أصول النعم، والشكر قد يستحقه غير الله، لانه يستحق بالنعمة وان قلت، وكذلك الطاعة قد تجب لغير الله، فعلى هذا تكون عبادة اثنين شركا، ولا يكون طاعة اثنين شركا، كما أن الشكر على النعمة لاثنين لا يكون كذلك اذا لم يكن واقعا على وجه العبادة. وقوله {أفلا تتقون} معناه، فهلا تتقون، وهو بصورة الاستفهام والمراد به حضَّهم على تقوى الله واتقاء معاصيه.

الجنابذي

تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} المراد اخوة العشيرة والقبيلة الا اخوة الدّين {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} تسفيه العقل فى الانظار اقبح من نسبة الضّلالة {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} كأنّه كان معروفاً بينهم بالامانة ولذا توسّل به.

فرات الكوفي

تفسير : {وإلى عادٍ أخاهُمْ هوداً65} [سيأتى في حديث الإمام السجاد في سورة هود الاستشهاد بها].

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وإلى عاد} يعني وارسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح {أخاهم} في النسب لا في الدين {هوداً} وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن آرم بن سام بن نوح، رواه الثعلبي {أفلا تتقون} الله فتوحدوه {إنّا لنراك} يا هود {في سفاهة} جهالة {وإنّا لنظنك من الكاذبين} إنك رسول الله إلينا وإن العذاب نازل بنا، قوله: {على رجل منكم} يعني نفسه، قوله تعالى: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} أي خلفتموهم في الأرض وجعلكم ملوكاً في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم، وروي أن عاداً كانوا ينزلون الأحقاف من حدّ اليمن إلى عمان إلى حضرموت، وكانوا ذات بسطة وقوة يعبدون الأصنام، وكان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستون ذراع، فبعث الله إليهم هوداً، وكان مؤمناً من أوسطهم نسباً، وأفضلهم ديناً وورعاً، فدعاهم إلى عدل الله تعالى وتوحيده ووعده ووعيده فكذبوه، فأمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين متواليات فجهدوا، وساق الله إليهم سحابة سوداء فاستبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى: بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها، روي أن أول من عرف أنها ريح امرأة من عاد فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت ريحاً فيها كشهب النار، أمامها رجال يرددونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً يعني دائمة فلم تدع من عاد أحداً إلا أهلكته، واعتزل هود ومن آمن معه، ومطرت على عاد وكانت تطير بالابل والرجال في الهوى فدخلوا البيوت فدخلت عليهم فأهلكتهم، واختلفوا في قبر هود فقيل: هو بمكة، وقيل: بحضرموت، وروي أن بين المقام والركن تسعة وتسعون نبياً، وقيل: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا هلك قومه أتى مكة يعبد الله تعالى حتى يموت {وزادكم في الخلق بصطة} أي طولاً وقوة وشدة {فاذكروا آلاء الله} أي نعمه عليكم {قال} هود {قد وقع عليكم من ربكم} أي نزل وحلّ، وقيل: وجب عليكم {رجس}، قيل: عذاب، وقيل: سخط {أتجادلونني في أسماء سميتموها} آلهة لا تضر ولا تنفع {أنتم وآباؤكم} من قبلكم، قوله تعالى: {ما نزل الله بها من سلطان} حجة وبيان {فانتظروا} نزول العذاب {إني معكم من المنتظرين} {فأنجيناه} يعني هوداً عند نزول العذاب {والذين} آمنوا {معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي استأصلناهم فأهلكناهم.

اطفيش

تفسير : {وإلى عَادٍ أخاهُم هُوداً} العطف على قوله: {أية : نوحا إلى قومه} تفسير : كأنه قيل: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، فهو من العطف على معمولى عامل، وقدم المجرور هنا للحصر، لأن هوداً أرسل إلى عاد، ونوحاً إلى الكافة، وكلهم قومه، وهوداً عطف بيان للأخ أو بدل، وصرف عاد مع أنه أرسل هود إلى القبيلة إما لأن المراد بعاد أبوهم على حذف مضاف، أى وإلى قوم عاد، ولأن المراد بعاد القبيلة معتبراً فيها معنى القوم أو الأولاد، وذلك أنهم سموا باسم أبيهم عاد بن عوص بن أرم ابن سام بن نوح، وأخوة هود لهم فى النسب، وهو هود بن عبد الله بن رياح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقال ابن إسحاق: هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، بن عم أبى عاد، وقيل بالقول الأول، لكن بإسقاط قولك ابن عاد، وهو كما قيل: من قبيلتهم، وقيل: لا، لكنه من بنى آدم لا من الملائكة أو الجن، فسمى أخاً، أو سمى أخاً لأنه صاحبهم، والعرب تسمى الصاحب أخا، وكونه أخا لهم أليق فى قبول الرسالات وفهمها كما مر. {قالَ} جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فما قال لهم؟ وكذا قال الملأ، ولذلك لم يقرن بالفاء كما قرن فى قصة نوح، إذ لم يستشعر فيها سؤال فهو هنا مستأنف للبيان، فناسبه عدم الفاء وقيل: قرن فى قصته لأنه أكثر دعوة لقومه، فدل بالفاء الموضوعة للتعقيب على أنه كالمغرم بالشىء المولع به، بخلاف هود فإنه دون ذلك. {يا قَوْم اعْبُدوا الله ما لَكُم من إلهٍ غيرُه} فيه جميع ما مرَّ فى قصة نوح معنى وإعرابا، وقراءات، وقال: هنالك: {أية : إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} تفسير : وهنا: {أفلا تتَّقونَ} لأن عاداً قد علموا بواقعة قوم نوح، وقريبُوا، عهد بهم فقيل لهم: أفلا تحذرون أن يقع بكم مثل ما وقع، وقوم نوح لم يتقدمهم هلاك قوم.

اطفيش

تفسير : {وَإِلَى عَادٍ} داخل فى القسم لأَنه معطوف على قوله إِلى قومه وعطف على نوحاً قوله {أَخَاهُمْ هُودًا} ولا حاجة إِلى دعوى تقدير، وكذا فيما بعد. وعاد هو بن عوص بن أَرام بن سام بن نوح، سميت به أَولاده ونسلهم، وهود عربى وظاهر سيبويه أَنه عجمى كنوح ولوط، بل هما مختلف فيهما أَيضاً، وهود هو غابر بن شالخ بن أَرفخشد ابن سام بن نوح، أَو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد ابن عوص بن إرم بن سام وقيل ابن شالخ بن أَرفخشد ابن سام عاش أَربعمائة سنة وأَربعاً وستين سنة، وقيل مائة وخمسين وصالح مائتين وثمانين. وقيل نوح ابن عم أَبى عاد، وقيل هو ابن عوص ابن إِرم بن سام بن نوح، وكان بين هود وبين نوح ثمانمائة سنة، وهو ابن أَبى عاد وجعل منهم لأَنهم أَفهم لقوله وأَعرف لحاله وأَرغب فى اتباعه. قال الكلبى: هو واحد من تلك القبيلة، وقيل ليس منها ولكنه سمى أَخا لهم لأَنه من جنسهم الآدمى لامن الجن ولا من الملائكة، وذكر أَهل اليمن أَن يعرب بن قحطان بن هود هو أَول من تكلم بالعربية، وبه سميت العرب عرباً، فهو أَعجمى صرف صرف نوح ولوط، وفى القرآن ذكر القوم المرسل إِليهم باسمهم إِن عرفوا باسم كعاد وثمود ومدين، وبلفظ القوم إِن لم يعرفوا باسم {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله} وحده، لم يكن هود فى التذكير لقومه كنوح بل دونه فى المواظبة، وكأَنه قيل فما قال لهم فلم يكن العطف، ولما كثر من نوح كان بالعطف بالفاء لأَنه لم يتأَخر تذكيره عن الإِرسال لأَنه حضرهم، وهود ذهب إِليهم من موضع ولو كان فيهم، بل قيل باشر نوح التذكير قبل الإِرسال، واحتج على وجوب عبادة الله وحده بقوله {مَا لَكُمْ مِنْ إلهٍ غَيْرِهِ} على حد ما مر {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أَتغفلون فلا تتقون عذابه، أَو أَتعرضون فلا تتقون العقاب والإِشراك وظلم العباد وعبادة الأَصنام ورمل وصمد وصدم وصمود والبهاء أَصناما لهم، وفى هود أَفلا تعقلون؟ فنقول قالهما معاً، فذكر الله عز وجل كلا فى موضع، كما ذكر فيها إِن أَنتم إِلا مفترون، وقال هنا أَفلا تتقون، لأَنهم تقدمهم عذاب قوم نوح وقد علموا به، وقيل لأَنهم أَقرب إِلى القبول من قوم نوح، وكانوا ينزلون اليمن بالأَحقاف، رمال بين عمان وحضرموت، وكانوا قد قهروا أَهل الأَرض بفضل قوتهم وعظم أَجسامهم، وقالوا: من أَشد منا قوة، وكأَنه قيل: بم أَجابوه فقال: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} كان من أَشرافهم من آمن به كمرثد بن سعيد بن عفير، ولذلك قيد الملأَ بالذين كفروا بخلاف نوح، فالقليل الذين آمنوا به ليسوا من أَشراف قومه وإِن كانوا منهم فإِنهم لم يؤمنوا عند مخاطبته لهم، بل بعد، ومثل مرثد آمن بهود عند مخاطبته، وذلك فى سورة قد أَفلح، وصف قوم نوح بما وصف به قوم هود إِلا أَن الوصف هناك للذم لا للتمييز وهنا للتمييز والفرق، كذا قيل، ولا مانع هنا أَنه للذم {إِنَّا لَنَرَاكَ فِى سَفَاهَةٍ} خفة عقل وفساد وجهالة إِذ فارقت دين قومك {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين} عن الله فيما تقول، وما أَنت برسول، خوف نوح عليه السلام قومه بالطوفان فقالوا له، إِنا لنراك فى ضلال مبين حين تدعى الوحى من الله وحين تصنع سفينة فى أَرض لا ماءَ فيها، وأَما هود فنسب عبادة الأَصنام إِلى السفه فقابلوه بإِنا نراك فى سفاهة وهم أَقل سوء بالنظر إِلى قوم نوح لسماعهم بالطوفان، ولذا قال هنا أَفلا تتقون بصورة استبعاد عدم اتقائهم بعد علمهم بما حل بقوم نوح، وفى سورة هود أَفلا تعقلون. إِما ذكراً بالمعنى مرجع كل إِلى معنى واحد، أَو خاطبهم لكل منهما، وذكر فى سورة ما لم يذكر فى الأُخرى كما ذكر هنا إِن أَنتم إِلا مفترون، وهكذا ما أَشبه ذلك فى القرآن ورد عليهم أَبلغ رد بما فى قوله: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِنَ رَبِّ العَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} فإِن من هو رسول رب العالمين فى غاية الرشد لا يخالطه سفاهة، وفى نفى السفه إِثبات الرسالة منه تعالى نفى للكذب عنه فلم يصرح به فى مقابلة قولهم إِنا نظنك من الكاذبين، وكان هود دون نوح فى تكرير الدعاء لقومه فناسبه الفعل المضارع الدال على التجدد إِذ قال أَنصح لكم، وناسب هودا الاسمية وأَمين بمعنى مأْمون على الرسالة، وقبح عجبهم الداعى إِلى كفرهم بقوله: {أَوَ عَجِبْتُمْ} استبعدتم وعبتم {أَنْ جَاءَكُمْ} من أَن جاءَكم {ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ} أَى لسان رجل {مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} على حد ما مر {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} أَى لا تعجبوا واذكروا أَو تدبروا فى أَمركم واذكروا وقت جعلكم حلفاءَ فى الأَرض أَو ساكنين فيها فى مساكنهم، وكان شداد بن عاد ممن ملك معمور الأَرض، وأَوجب ذكر الوقت ولم يذكر بالإِيجاب الحوادث فيه مع أَنها المقصودة بالذات للمبالغة فى إِيجاب ذكره بإِيجاب ذكر الوقت لاشتمال الوقت عليها واستحضاره بمثابة استحضارها بتفاصيلها معاينة. {وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ} فى الإِيجاد لكم أَو فى البدن المخلوق {بصْطةً} سعة فى القوة والعرض والطول سبعة أَذرع عرض لستين طولا، ويزيد العرض وينقص والله أَعلم، ويأْتى أَحدهم الجبل فيقطع منه قطعة عظيمة ويقطع منه ما لا يحمله خمسمائة رجل من هذه الأُمة، ويدخل أَحدهم قدمه فى الأَرض الصلبة فتدخل فيها، ويقال طويلهم مائة ذراع وقصيرهم ستون، وبه قال الكلبى، أَو طويلهم خمسمائة ذراع وقصيرهم ثلاثمائة أَو طويلهم ثمانون أَو سبعون أَو أَربعمائة، وذلك بذراعهم فيما قيل، وهو مشكل فإِن فى جسد الإِنسان أَربع أَذرع نفسه تقريباً، ورأْس أَحدهم كالقبة العظيمة تلد الضبع فى عينه أَو أَنفه، ومنهم شداد بن عاد، وقد ملك المعمور من الأَرض، وكان هود عليه السلام فى طولهم وعرضهم وقوتهم وأَحسنهم وجهاً وأَجملهم أَبيض طويل اللحية {فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ} من البسطة والأَموال، تعميم بعد تخصيص، والأَصنام لا تقدر على ذلك فكيف تعبدونها، وقد يتغذى أَحدهم بمائة كبش أَو جمل، والمفرد إِلىً بالتنوين كرضى أَو إِلىٌ كفعل أَو ضلع {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بذكرها الموصل إِلى الشكر المؤدى إِلى الفلاح، أَو الذكر الشكر وهو يؤدى إِلى الفوز بالجنة، ولا بد من العمل والتقوى، أَو هما المراد بالذكر فالفلاح بالجنة.

الالوسي

تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ } متعلق بمضمر معطوف على { أية : أَرْسَلْنَا } تفسير : [الأعراف: 59] فيما سبق وهو الناصب لقوله تعالى: {أَخَـٰهُمْ} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم، وقيل: لا إضمار والمجموع معطوف على المجموع السابق والعامل الفعل المتقدم. وغير الأسلوب لأجل ضمير {أَخَـٰهُمْ} إذ لو أتى به على سنن الأول عاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة. وعاد في الأصل اسم لأبـي القبيلة ثم سميت به القبيلة أو الحي فيجوز فيه الصرف وعدمه كما ذكره سيبويه، وقوله تعالى: {هُودًا} بدل من {أَخَـٰهُمْ} أو عطف بيان له واشتهر أنه اسم عربـي، وظاهر كلام سيبويه أنه أعجمي وأيد بما قيل: إن أول العرب يعرب وهو هود بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح وعليه محمد بن إسحاق. وبعض القائلين بهذا قالوا: إن نوحاً ابن عم أبـي عاد، وقيل: ابن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقيل: ابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام. ومعنى كونه عليه السلام أخاهم أنه منهم نسباً وهو قول الكثير من النسابين. ومن لا يقول به يقول: إن المراد صاحبهم وواحد في جملتهم وهو كما يقال يا أخا العرب. وحكمة كون النبـي يبعث إلى القوم منهم أنهم أفهم لقوله من قول غيره وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله. {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال لهم حين أرسل إليهم؟ فقيل: قال الخ. ولم يؤت بالفاء كما أتى بها في قصة نوح لأن نوحاً كان مواظباً على دعوة قومه غير مؤخر لجواب شبهتهم لحظة واحدة وهود عليه السلام لم يكن مبالغاً إلى هذا الحد فلذا جاء التعقيب في كلام نوح ولم يجىء هنا. وذكر صاحب «الفرائد» في التفرقة بين القصتين أن قصة نوح عليه السلام ابتداء كلام فالسؤال غير مقتضي الحال وأما قصة هود فكانت معطوفة على قصة نوح فيمكن أن يقع في خاطر السامع أقال هود ما قال نوح أم قال غيره؟ فكان مظنة أن يسئل ماذا قال لقومه؟ فقيل: قال الخ. وقيل: اختير الفصل هنا لإرادة استقلال كل من الجمل في معناه حيث أن كفر هؤلاء أعظم من كفر قوم نوح من حيث إنهم علموا ما فعل الله تعالى بالكافرين وأصروا وقوم نوح لم يعلموا. ويدل على علمهم بذلك ما سيأتي في ضمن الآيات وفيه نظر. / {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحده كما يدل عليه قوله تعالى: {مَالَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} فإنه استئناف جار مجرى البيان للعبادة المأمور بها والتعليل لها أو للأمر كأنه قيل: خصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً إذ ليس لكم إلٰه سواه. وقرىء {غَيْرِ} بالحركات الثلاث كالذي قبل. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} إنكار واستبعاد لعدم اتقائهم عذاب الله تعالى بعد ما علموا ما حل بقوم نوح عليه السلام، وقيل: الاستفهام للتقرير والفاء للعطف، وقد تقدم الكلام فيه آنفاً وفي سورة هود [15] { أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } تفسير : «ولعله عليه السلام ـ كما قال شيخ الإسلام ـ خاطبهم بكل منهما و [قد] اكتفى بحكاية كل منهما في موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر هٰهنا ما ذكر هناك من قوله: { أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } تفسير : [هود: 50] وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من أجزاء القصة بل حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات الجارية في الأوقات المتعددة». وقال غير واحد: إنما قيل هٰهنا: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} وفيما تقدم من مخاطبة نوح عليه السلام قومه {أية : إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 59] لأن هؤلاء قد علموا بما حل بغيرهم من نظرائهم ولم يكن قبل واقعة قوم نوح عليه السلام واقعة، وقيل: لأن هؤلاء كانوا أقرب إلى الحق وإجابة الدعوة من قوم نوح عليه السلام وهذا دون {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } الخ في التخويف، ويرشد إلى ذلك ما تقدم مع قوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ....}.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون العطف من عطف الجمل بأن يقدّر بعد واو العطف «أرسلنا» لدلالة حرف (إلى) عليه، مع دلالة سبق نظيره في الجملة المعطوف عليها، والتّقدير وأرسلنا إلى عادٍ، فتكون الواو لمجرّد الجمع اللّفظي من عطف القصّة على القصّة وليس من عطف المفردات، ويجوز أن يكون من عطف المفردات: عَطَفت الواو {هوداً} على {أية : نوحاً}تفسير : [الأعراف: 59]، فتكون الواو نائية عن العامل وهو {أية : أرسلنا}تفسير : [الأعراف: 59]، والتّقدير: «لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وهوداً أخا عاد إليهم وقدمت (إلى) فهو من العطف على معمولي عامل واحدٍ، وتقديم (إلى) اقتضاه حسن نظم الكلام في عود الضّمائر، والوجه الأوّل أحسن. وقدّم المجرور على المفعول الأصلي ليتأتى الإيجاز بالإضمار حيث أريد وصف هود بأنّه من إخوة عاد ومن صميمهم، من غير احتياج إلى إعادة لفظ عاد، ومع تجنّب عود الضّمير على متأخر لفظاً ورتبةً، فقيل وإلى عاد أخاهم هوداً و{هوداً} بدل أو بيان من {أخاهم}. وعادٌ أمّة عظيمة من العرب العاربة البائدة، وكانوا عشر قبائل، وقيل ثلاث عشرة قبيلة وهم أبناء عاد بن عُوص، وعوص هو ابن إرَمَ بن سَام بننِ نوح، كذا اصطلح المؤرّخون. وهود اختلف في نسبه، فقيل: هو من ذرّية عاد، فقال القائلون بهذا: هو ابن عبد الله بن رَبَاح بن الخلود بن عَاد، وقيل: هو من ذرّية سام جدّ عادٍ، وليس من ذرّية عاد، والقائلون بهذا قالوا هو هُود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وذكر البغوي عن عَلي: أنّ قبر هُود بحضرَمَوتَ في كثيب أحمر، وعن عبد الرّحمٰن بن سابط: أنّ قبْرَ هود بين الرّكن والمَقام وزمزم. وعَادٌ أريد به القبيلة وساغ صرفه لأنه ثلاثي ساكن الوسط، وكانت منازل عاد ببلاد العرب بالشِّحْر ــــ بكسر الشّين المعجمة وسكون الحاء المهملة ــــ من أرض اليمن وحَضر موت وعُمَان والأحقاففِ، وهي الرّمال التي بين حضر موت وعُمَان. والأخُ هنا مستعمل في مطلق القريب، على وجه المجاز المرسل ومنه قولهم يا أخَا العرب، وقد كان هود من بني عادٍ، وقيل: كان ابنَ عم إرَم، ويطلق الأخ مجازاً أيضاً على المصاحب الملازم، كقولهم: هو أخو الحَرْب، ومنه {أية : إنّ المبَذّرين كانُوا إخوانَ الشّياطين}تفسير : [الإسراء: 27] ــــ وقوله ــــ {أية : وإخوانهمُ يمدّونهم في الغي}تفسير : [الأعراف: 202]. فالمراد أنّ هوداً كان من ذوي نسب قومه عاد، وإنَّما وصف هود وغيره بذلك، ولم يُوصف نوح بأنّه أخ لقومه: لأنّ النّاس في زمن نوح لم يكونوا قد انقسموا شعوباً وقبائل، والعرب يقولون: للواحد من القبيلة: أخو بني فلان، قصداً لعزوه ونسبته تمييزاً للنّاس إذ قد يشتركون في الأعلام، ويؤخذ من هذه الآية ونظائرها أنّ نظام القبائل مَا حدث إلاّ بعد الطُّوفان. وفُصِلت جملة: {قال يا قوم} ولم تعطف بالفاء كما عطف نظيرها المتقدّم في قصّة نوح؛ لأنّ الحال اقتضى هنا أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ قصّة هود لما وردت عقب قصّة نوح المذكور فيها دعوتُه قومه صار السّامع مترقباً معرفة ما خاطب به هود قومه حيث بعثه الله إليهم، فكان ذلك مثار سؤال في نفس السّامع أن يقول: فماذا دَعا هُودٌ قومه وبماذا أجابوا؟ فيقع الجواب بأنّه قال: يا قوم اعبدوا الله إلخ مع ما في هذا الاختلاف من التّفنّن في أساليب الكلام، ولأنّ الفعل المفرع عنه القولُ بالعطف لما كان محذوفاً لم يكن التّفريع حسناً في صورة النّظم. والرّبطُ بين الجمل حاصل في الحالتين لأنّ فاء العطف رابط لفظيٌ للمعطوف بالمعطوف عليه، وجواب السؤال رابط جملة الجواب بجملة مثار السؤال ربطاً معنوياً. وجملة: {ما لكم من إله غيره} مستأنفة ابتدائيّة. وقد شابهت دعوةُ هود قومَه دعوةَ نوح قومَه في المهم من كلامها: لأنّ الرّسل مرسَلون من الله والحكمة من الإرسال واحدة، فلا جرم أن تتشابه دعواتهم، وفي الحديث: «حديث : الأنبياء أبناء عَلاّتٍ» تفسير : وقال تعالى: {أية : شَرع لكم من الدّين مَا وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى}تفسير : [الشورى: 13]. وجملة: {أفلا تتقون} استفهامية إنكارية معطوفة بفاء التّفريع على جملة: {ما لكم من إله غيره}. والمراد بالتّقوى الحذر من عقاب الله تعالى على إشراكهم غيرَه في العبادة واعتقادِ الإلهيّة. وفيه تعريض بوعيدهم إن استمروا على ذلك. وإنَّما ابتدأ بالإنكار عليهم إغلاظاً في الدّعوة وتهويلاً لفظاعة الشّرك، إن كان قال ذلك في ابتداء دعوته، ويحتمل أنّ ذلك حكاية قوللٍ من أقواله في تكرير الدّعوة بعد أن دعاهم المرّة بعد المرة ووعظهم، كما قال نوح {أية : إني دعوتُ قومي ليلا ونهاراً}تفسير : [نوح: 5] كما اقتضاه بعض توجيهات تجريد حكاية كلامه عن فاء التّفريع المذكور آنفاً. ووصْفُ الملإ بــــ {الذين كفروا} هنا، دون ما في قصّة نوح، وصْفٌ كاشِف وليس للتّقييد تَفَنُّناً في أساليب الحكاية ألا ترى أنّه قد وُصف ملأُ قوم نوح بــــ {الذين كفروا} في آية سورة هود، والتّوجيه الذي في «الكشاف» هنا غفلة عمّا في سورة هُود. والرّؤية قلبيّة، أي أنّا لنعلم أنّك في سفاهة. والسّفاهة سخافة العقل، وقد تقدّم القول في هذه المادة عند قوله تعالى: {أية : قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء}تفسير : [البقرة: 13] ــــ وقوله ــــ {أية : ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ من سفَه نفسه} تفسير : في سورة البقرة (130). جعلوا قوله: {ما لكم من إله غيره} كلاماً لا يصدر إلاّ عن مختل العقل لأنّه من قول المحال عندهم. وأطلقوا الظنّ على اليَقين في قولهم: {وإنَّا لنظنّك من الكاذبين} وهو استعمال كثير كما في قوله تعالى:{أية : الذين يظنّون أنّهم ملاقوا ربّهم} تفسير : وقد تقدّم في سورة البقرة (46)، وأرادوا تكذيبه في قوله {ما لكم من إله غيره}، وفيما يتضمّنه قولُه ذلك من كونه رسولاً إليهم من الله. وقد تشابهت أقوال قوم هود وأقوالُ قوم نوح في تكذيب الرّسول لأنّ ضلالة المكذّبين متّحدة، وشبهاتهم متّحدة، كما قال تعالى: {أية : تشابهت قلوبهم}تفسير : [البقرة: 118] فكأنّهم لَقَّن بعضُهم بعضاً كما قال تعالى: {أية : أتوَاصَوْا به بل هم قوم طاغون}تفسير : [الذاريات: 53].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإلى عاد: أي ولقد أرسلنا إلى عاد وهم قبيلة عاد، وعاد أبو القبيلة وهو عاد بن عوص ابن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. أخاهم هوداً: أخاهم في النسب لا في الدين وهود هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام ابن نوح عليه السلام. أفلا تتقون: أي أتصرّون على الشرك فلا تتَّقون عذاب الله بالإِيمان به وتوحيده، والاستفهام إنكاري أي ينكر عليهم عدم تقواهم لله عز وجل. في سفاهة: السفاهة كالسّفَه وهو خِفّة العقل، وقلّة الإِدراك والحلم. أمين: لا أخونكم ولا أغشكم ولا أكْذِبُكم، كما أني مأمون على رسالتي لا أفرط في إبلاغها. بسطة: أي طولاً في الأجسام، إذ كانوا عمالق من عظم أجسادهم وطولها. آلاء الله: نعمه واحدها أَلىً وإلىً والْيٌ وإلْوٌ والجمع آلاء. تفلحون: بالنجاة من النار في الآخرة، والهلاك في الدنيا. معنى الآيات: هذا هو القصص الثاني، قَصَصُ هود عليه السلام مع قومه عاد الأولى التي أهلكها الله تعالى بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام. قوله تعالى {وَإِلَىٰ عَادٍ} أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم من النسب هوداً فماذا قال لهم {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي وحدوه في العبادة ولا تعبدوا معه آلهة أخرى. وقوله: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي ليس لكم أي إله غير الله، إذ الله هو الإِله الحق وما عداه فآلهة باطلة، لأنه تعالى يخلق وهم لا يخلقون ويرزق وهم لا يرزقون ويدبر الحياة بكل ما فيها وهم مدبَّررون لا يملكون نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً فكيف يكونون آلهة. ثم حضهم على التقوى وأنكر عليهم تركهم لها فقال عليه السلام لهم: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي الله ربّكم فتتركوا الشرك وتوحدوه؟ فأجاب الملأ الذين كفروا من قومه، بأسوأ إجابة وذلك لكبريائهم واغترارهم فقالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} أي حمق وطيش وعدم بصيرة بالحياة وإلا كيف تخرج عن إجماع قومك، وتواجههم بعيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} فيما جئت به أي من الرسالة، ودعوت إليه من التوحيد ونبذ الآلهة غير الله تعالى، فأجاب هود عليه السلام راداً شبهتهم فقال: {يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ} أي أني لست كما تزعمون أن بي سفاهة ولكني أحمل رسالة أبلغكموها، وأنا في ذلك ناصح لكم مريد لكم الخير أمين على وحي الله تعالى إلي، أمين لا أغشكم ولا أخونكم فما أريد لكم إلا الخير. ثم واصل دعوته فقال {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي أكذبتم برسالاتي وعجبتم من مجيئكم ذكر من ربكم {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} أي عواقب كفركم وشرككم، أمن مثل هذا يتعجب العقلاء أم أنتم لا تعقلون؟. ثم ذكرهم بنعم الله تعالى عليهم لعلّها تُحدْثُ لهم ذكراً في نفوسهم فيتراجعون بعد عنادهم وإصرارهم فقال: {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} أي بعد أن أهلكهم بالطوفان لإِصرارهم على الشرك {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} أي جعل أجسامكم قوية وقاماتكم طويلة هذه نعم الله عليكم {فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لأنكم إن ذكرتموها بقلوبكم شكرتموها بأقوالكم وأعمالكم، وبذلك يتم الفلاح لكم، وهو نجاتكم من المرهوب وظفركم بالمحبوب وذلك هو الفوز المطلوب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الدعوة إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه وهو معنى لا إله إلا الله. 2- مشروعية دفع الإِتهام، وتبرئة الإِنسان نفسه مما يتهم به من الباطل. 3- من وظائف الرسل عليهم السلام البلاغ لما أمروا بإبلاغه. 4- فضيلة النصح وخُلُق الأمانة. 5- استحسان التذكير بالنعم فإن ذلك موجب للشكر والطاعة.

القطان

تفسير : أخاهم: تعني هنا أُخوة الجنس. السفاهة: خفة العقل. بسطة: سعة قوة. آلاء الله: نِعمة واحدها أَلا وإلى. رجس: عذاب. الغضب: الانتقام. المجادلة: المماراة والمخاصمة. السلطان: الحجة والدليل. الدابر: الآخِر، يعني أهلكناهم جميعا. تعرض هذه الآيات قصة هودٍ مع قومه، قومِ عاد، فقد كانوا عباد أوثانٍ، منازلُهم في الأحقاف - وهو الرمل - بين عُمان وحضرموت. وقد رزقهم الله القوة والغنى، فلمّا جاءهم هودٌ بالرسالة من عند ربه ليوحّدوه، ويكفّوا عن الإفساد في الأرض، أبوا ذلك، وكذّبوه، وأصروا على عبادة اصنامهم. ولقد قال لهم: يا قوم، اعبُدوا الله وحده، ليس لكم إله غيره، "افلا تتَّقون" أي تخشون الله، علّه ينجيكم من الشَّرِ والعذاب. {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا.....}. فأجاب ذَوُو الزعامة والصدارة من قومه: انا لَنراك في خِفّة من العقل، وضلالٍ عن الحق، كيف لا وقد تركتَ ديننا، ودعوتَنا هذه الدعوة الغريبة‍‍!! إنا لَنعتقدُ أنك من الكاذبين. قال: يا قوم، ليس بي في الدعوة أيُّ قدرٍ من السفاهة ولست بكاذبٍ، بل أنا رسول اليكم من ربّ العالمين، جئتكم بالهداية التي تخلّصكم. {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}. إنني أنقُل اليكم أوامر ربي ونواهيه، وامحضكم النصح الخالص ولست من الكاذبين. {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ؟}. هل أثار عجبكم واستغربتم ان يجيء إليكم تذكير بالحقّ من ربّكم على لسان رجلٍ منكم يخوّفكم عقابَ الله حتى تتركوا ما انتم عليه. ثم اشار الى ما أصاب المكذِّبين الذين سبقوهم، وإلى نعمه عليهم فقال: {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً...}. اذكُروا فضلَ الله عليكم إذ جعلكم وارثِين للأرض من بعد قوم نوحٍ الذين أهلكهم لتكذيبهم نبيِّهم نوحاً، وزادكم قوةً في الأبدان والسلطان وكل هذه نِعم تقتضي الإيمان، فتذكّروا هذه النِعم، واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له وتَرْك الإشراك به. لكنهم منع هذه الدعوة بالحسنى قالوا متسغربين: أجئتَنا لتدعُونَا إلى عبادة الله وحدَه، وأن نترك ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام؟ وبعد ان استنكروا التوحيد تحدَّوه وقالوا: ائتِنا بالعذابِ الّذي تهدُّونا به أن كنت صادقاً في قولك ووعيدك. فأجابهم هود على تحدّيهم هذا: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ... }. انكّم لعنادكم قد حقَّ عليكم عذابُ الله يَنزِل بكم، وغضبُه عليكم. تُجادلونني في أصنامٍ سمّيتموها أنتم وآباؤكم؟ ما جعل الله من حجّة تدلّ على ألوهّيتها، ولا لها قوةٌ خالقةٌ تجعلكم تعبدونها. وما دمتم كفرتم ولَجَجْتم هذه اللجاجة فانتظِروا نزول العذاب الذي طلبتموه، ونحن ننتظر معكم. فلما جاء أمرُنا ووقع العذابُ أنجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمةٍ منا، فيما استأصلْنا دابر الكافرين الذين جحوا بآياتنا، حتى لم نبقِ منهم أحداً. وهكذا طُويت صفحةٌ أُخرى من صحائق المكذبين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَاقَوْمِ} (65) - وَكَمَا أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ، كَذَلِكَ أَرْسَلَ هُوداً إِلَى قَوْمِهِ عَادٍ، وَهُوَ مِنْهُمْ، يَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُ لُغَتَهُمْ وَتَفْكِيرَهُمْ لِيَسْتَطِيعَ مُخَاطَبَتَهُمْ. وَكَانَ قَوْمُ عَادٍ ذَوِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وَقُوَّةٍ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ فِي الأَحْقَافِ فِي جَنُوبِّي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ تَكْذِيباً لِلْحَقِّ، اعْتِدَاداً مِنْهُمْ بِقُوَّتِهِمْ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِمْ. فَدَعَاهُمْ هُودٌ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ نِقَمِهِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى فِعْلِ مَا يُسْخِطُ اللهَ مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَهَا.

الثعلبي

تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ} يعني وأرسلنا إلى عاد فلذلك نصب {أَخَاهُمْ} وهو علاء بن عوص بن آدم ابن سام بن نوح وهو عاد الأولى {أَخَاهُمْ} في النسب لا في الدين {هُوداً} وهو هود بن عبد الله بن رياح بن الخلود بن عاد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح وقال ابن إسحاق: هود بن [شالخ] بن أرفخشد بن سام بن نوح {قَالَ} لهم {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الله فتوحدونه وتعبدونه {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} جهالة وضلالة [بتركك ديننا] {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} إنّك رسول الله إلينا وأن العذاب نازل بنا {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ} أدعوكم إلى التوبة {أَمِينٌ} قال الضحاك: أمين على الرسالة، وقال الكلبي: قد كنت فيكم قبل ذلك [اليوم أميناً] {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ} يعني نفسه {لِيُنذِرَكُمْ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} يعني أهلكهم [بشركاء منهم] {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} أي طولا وشدّة وقوّة. قال مقاتل: طول كل رجل أثنا عشر ذراعاً، ابن عباس: تمثّل ذراعاً وقال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستّين ذراعاً. أبو حمزة الثمالي سبعون ذراعاً. ابن عباس: ثمانون، وهب: كان رأس أحدهم مثل قبة عظيمة وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} نعم الله واحدها [إلْ وإلي وإلو وإلى كالآناء واحدها إنى وإني وإنو وأني] {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} وندع ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} يعني العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} قال: قد وقع وجب ونزل {عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ} أي عذاب [والسين مبدأ من الزاي] وغضب {أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ} وضعتموها على الأصنام [.....] يعبد ناراً {أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ} قبلكم {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} حجّة وبيان وبرهان فانتظروا نزول العذاب. {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ} يعني هوداً عند نزول العذاب. {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} وكانت قصّة عاد وهلاكهم على ماذكره محمد بن إسحاق والسدي وغيرهما من الرواة والمفسّرين: إن عاداً كانوا ينزلون اليمن وكان مساكنهم منها بالشجرة والأحقاف، وهي رمال يقال لها رمل عالج (ودمما وبيرين) ما بين عمان إلى حضرموت، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض فكلّها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله عزّ وجلّ وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله صنم يقال له: صنا، وصنم يقال له: صمود، وصنم يقال لها: الهبار. فبعث الله عزّ وجلّ إليهم هوداً نبيّاً وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً وأمرهم أن يوحدوا الله ولا يشركوا معه إلهاً غيره، وأن يكفّوا عن ظلم الناس [ولم] يأمرهم فيما تذكر بغير ذلك. فأبوا عليه وكذّبوه وقالوا: مَنْ أشد منّا قوّة، وبنوا المصانع وبطشوا بطشة الجبارين كما ذكر الله تعالى فلما فعلوا ذلك أمسك الله المطر عنهم ثلاث سنين حتّى جهدهم ذلك. وكانت الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو حرب دعوا إلى الله الفرج وطلبتهم إلى الله عند البيت الحرام بمكّة مسلمهم ومشركهم فتجتمع بمكّة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم وكلّهم معظّم لمكّة عارف بحرمتها ومكانها من الله عزّ وجلّ. وأهل مكّة يومئذ العماليق وإنّما سُمّوا العماليق لأن أباهم عمليق بن لاود بن سام بن نوح وكان سيّد العماليق إذ ذاك بمكة رجل يقال له: معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت [الخبيري] رجل من عاد الأكبر فلمّا قحط المطر عن عاد [وجمدوا] قال: جهزوا وفداً إلى [أن يستسقوا] لكم فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عقير. وكان مسلماً يكتم إسلامه وجهلمة بن الخيبري، قال معاوية بن بكرة: ثمّ بعثوا لقمان ابن عاد بن صد بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم ومعه رهط من قومه حتّى بلغ [عدّة فعدّهم] سبعين رجلاً فلمّا قدموا مكّة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكّة خارجاً من الحرم. فأنزلهم وأكرمهم وكانوا إخوانه وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهراً ومقامهم شهراً، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوّثون من البلاء الذي أصابهم أشفق ذلك عليه وقال: هلك إخواني وأصهاري وهؤلاء يقيمون عندي وهم ضيفي والله ما أدري كيف أصنع بهم إنّي لأستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنون أنّه ضِيق منّي ببقائهم عندي، وقد هلك من ورائهم من قومهم [جدباً] وعطشاً، فشكى ذلك من أمرهم إلى قينيتيه الجرادتين فقالتا: اصنع شعراً نغني به لا يدرون من قاله لعلّ ذلك [يحرّكهم]. فقال معاوية بن بكر: شعر : لعل الله يسقينا غماماً ألا يا قيل ويحك قم فهينم قد أمسوا لا يبينون كلاما فيسقي أرض عاد ان عاداً به الشيخ الكبير ولا الغلاما من العطش الشديد فليس نرجو فقد أمست نساؤهم عيامىً وقد كانت نسائهم بخير ولا يخشى لعادي سهاماً وإن الوحش يأتيهم جهاراً نهاركم وليلكم إلتماما وأنتم ههنا فيما أشتهيتم قوم ولا لقوا التحيّة والسلاما فقبح وفدكم من وفد تفسير : فلما قال الشعر غنتهم به الجرادتان فلما سمع القوم قال بعضهم لبعض: إنّما بعثكم قومكم يتغوّثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم وقد أطلتم عليهم فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم، وقال مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله ما تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيّكم وأنبتم إليه سقيتم، فأظهر إسلامة عند ذلك فقال جلهمة بن [الخيبري] خال معاوية حين سمع قوله وعرف أنّه اتبع دين هود (عليه السلام): شعر : ذوي كرم وأُمك من ثمود أبا سعد فإنّك من قبيل ولسنا فاعلين لما تريد. فإنا لا نطيعك ما بقينا ورمل والصداء مع الصمود. أتأمرنا لنترك دين رفد ذوي رأي ونتبع دين هود ونترك دين آباء كرام تفسير : ثم قال لمعاوية بن بكر وأبيه بكر وكان شيخاً كبيراً: [احبسا] عنّا مرثداً بن سعد فلا يدخل معنا مكّة فإنّه اتبع دين هود وترك ديننا. ثمّ خرجوا إلى مكّة يستسقون بها لعاد فلمّا ولّوا إلى مكّة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتّى أدركهم بها فقال: لا أدعو الله عزّ وجلّ بشيء مما خرجوا له، فلما أنتهى إليهم قام يدعو الله وهم قد اجتمعوا يدعون الله ويقول: اللهم أعطني سؤلي وحدي ولاتدخلني في شيء مما يدعونك، وكان قيل بن عنز على رأس وفد عاد، وقال وفد عاد: اللّهمّ أعطه ما سألك واجعل سؤالنا مع سؤاله، وكان [قد تخلف] عن وفد عاد حين دعا لقمان بن عاد وكان سيّد عاد حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال: اللّهمّ إنّي جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي وسأل الله عزّ وجلّ طول العمر. فعمّر عمر سبعة أنسر. وقال: قيل بن عنز: [يا إلهنا] إن كان هود صادقاً فاسقنا فإنّا قد هلكنا. وقال: اللّهمّ إنّي لم [أجىء] لمريض فأُداويه ولا لأسير فأُناديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه فأنشأ الله عزّ وجلّ له [سحائب] ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثمّ نادى مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب ما شئت، فقال قيل: اخترتُ السحابة السوداء فإنّها أكبر السحب، فناداه مناد قد اخترت رماداً رمدداً، لا تبقى من عاد أحداً، لا والداً ولا ولدا، إلا جعلتهم همداً، إلا بني اللوذية المهدا. وبنو اللوذية هم بنو لقيم بن هزال بن هزيلة بن بكر فكانوا سكان بمكّة مع أخوالهم ولم يكونوا مع عاد بأرضهم وعاد الآخر كان من نسل الذي بقوا من عاد. ونادى الله عزّ وجلّ السحابة السوداء التي اختارها قيل: [فيها من النقمة] من عاد حتّى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا بها وقالوا {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} تفسير : [الأحقاف: 24] يقول الله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} تفسير : [الأحقاف: 24-25]. وكان أول من أبصر ما فيها وعرف إنّها ريح امرأة من عاد يقال لها: مهدر، فلمّا أتت عليهم صاحت وصعقت. فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت ريحها فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها {أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} تفسير : [الحاقة: 7] أي دائمة فلم يدع من عاد أحداً إلاّ هلك. فاعتزل هود (عليه السلام) ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبها ومن ريح إلاّ ما تلين عليه الجلود وتلتذ الأنفس. وإنها لترتفع بعاد والظعن إلى ما بين السماء والأرض وتدفعهم بالحجارة. وخرج وفد عاد من مكّة حتّى مرّوا بمعاوية بن بكر فنزلوا عليه فبينما هم عنده إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر. فقالوا له: فأين فارقت هود وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر وكأنّهم شكوا فيما حدّثهم به فقالت هذيلة بنت بكر: صدق ورب مكّة. وذكروا أنّ مراد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل: بن عنز حين دعوا بمكّة قيل لهم قد أعطيتهم مناكم فاختاروا لأنفسكم إلاّ أنّه لا سبيل إلى الخلود ولابد من الموت فقال مهد: اللهم أعطني [برّاً وصدقاً] فأعطي ذلك. وقال لقمان: أعطني يارب عمراً، فقيل له: اختر لنفسك بقاء سبع بعراتسمر من أظب عفر في جبل وَعَر لا يمسها القطر، أو بقاء سبعة أنسر إذا مضى نسر خلف بعده نسر واختار سبعة أنسر فعمر لقمان عمر سبعة أنسر يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضة ويأخذ الذكر منها لقوته حتّى إذا مات أخذ غيره، ولم يزل يفعل ذلك حتّى على السابع، وكان كل نسر يعيش مئتي سنة وكان آخرها لبد، فلما مات لبد مات لقمان معه. وأما قيل: فإنّه اختار أن يصيبه ما أصاب قومه فقيل له: أنّه الهلاك فقال: لا أُبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم فأصابه الذي أصاب عاداً من العذاب فهلك. عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أوحى الله إلى الريح العقيم أن تخرج على قوم عاد فتنتقم له منهم، فخرجت بغير كيل على قدر منخر ثور حتّى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب فقال [الخزان] يارب لن نطيقها، ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ومغاربها فأوحى الله إليها أن ارجعي فاخرجي على قدر خرق الخاتم [فرجعت] فخرجت على قدر خرق الخاتم وهي الخلقة. عن عاصم بن عمرو والبجلي عن أبي أُمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبيت قوم من هذه الأُمّة على طعام وشراب ولهو فيصبحون قردةً وخنازير وليصيبنّهم خسف وقذف فيقولون: لقد خسف الليلة [ببنيّ] فلان وخسف الليلة بدار فلان وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً بشربهم الخمور وأكلهم الربا وإتخاذهم القينات ولبسهم الحرير وقطعهم الأرحام ". تفسير : وفي الخبر: أنّه أُرسل عليهم من الريح قدر ما تجري في خاتم، قال السدي: بعث الله إلى عاد الريح العقيم فلمّا دنت منهم نظروا إلى [الإبل] والرجال تطير بهم الريح من السماء والأرض فلمّا رأوها [بادروا] إلى البيوت فلمّا دخلوا البيوت دخلت عليهم وأهلكتهم فيها ثمّ أخرجتهم من البيوت، فلمّا أهلكهم الله أرسل عليهم طيراً سوداً فلقطتهم إلى البحر وألقتهم فيه ولم تخرج ريح قط إلاّ مكيال إلاّ يومئذ فإنّها عتت على الخزنة فقلبتهم فلم يعلموا كم مكيالها. وقال أبو الطفيل عامر بن واثلة: سمعت عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثباً أحمر يخالطه مدرة حمراء وسدر كثير بناحية كذا وكذا من حضرموت، قال: نعم يا أمير المؤمنين، والله إنّك لتنعته نعت رجل قد رآه، وقال: ولكنّي قد حُدّثت عنه، فقال الحضرمي: [وما شأنه] يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود صلوات الله عليه. عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن سابط أنّه قال: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيّاً وإن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل في تلك البقعة. وفي رواية أُخرى: وكان النبيّ من الأنبياء إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون معه إلى مكّة بمن معه فيعبدون الله فيها حتّى يموتوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة ما تسمع: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، و"أخاهم" موقعها الإِعرابي "مفعول به" ويدلنا على ذلك قوله في الآية السابقة: {أَرْسَلْنَا نُوحاً}، وكذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. وكلمة "أخاهم" تُشْعرُ بأشياء كثيرة؛ إنه من جنسهم، ولغته لغتهم، وأنسهم به، ويعرفون كل شيء وكل تاريخ عنه، وكل ذلك إشارات تعطى الأنس بالرسول؛ فلم يأت لهم برسول أجنبي عاش بعيداً عنهم حتى لا يقولوا: لقد جاء ليصنع لنفسه سيادة علينا, بل جاء لهم بواحد منهم وأرسل إليهم "أخاهم" وهذا الكلام عن "هود". إذن كان هود من قوم عاد، ولكن هناك رأي يقول: إن هودا لم يكن من قوم عاد، ولأنَّ الأخوة نوعان: أخوَّة في الأب القريب، أو أخوّة في الأب البعيد، أي من جنسكم، من آدم؛ فهو إما أخ من الأب القريب، وإمّا أخ من الأب البعيد. وقد قلنا من قبل: إن سيدنا معاوية كان يجلس ثم دخل عليه الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، رجل بالباب يقول إنه أخوك، فتساءلت ملامح معاوية وتعجب وكأنه يقول لحاجبه: ألا تعرف إخوة أمير المؤمنين؟ وقال له: أدخله، فأدخله. قال معاوية للرجل: أي إخوتي أنت؟! قال له: أخوك من آدم. فقال معاوية: رحم مقطوعة - أي أن الناس لا تتنبه إلى هذه الأخوة - والله لأكونن أول من وصلها. {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] ونلحظ أن الحق قال على لسان سيدنا نوح لقومه: {أية : ...فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 59] وأرسل الحق هوداً إلى عاد، لكن قول هود لقوم عاد يأتي: {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. وهنا "قال" فقط من غير الفاء؛ وجاء في قول نوح: "فقال". وهذه دقة في الأداء لننتبه؛ لأن الذي يتكلم إله ورب، فتأتي مرة بـ"فاء" وتأتي مرة بغير "فاء" رغم أن السياق واحد، والمعنى واحد والرسول رسول، والجماعة هم قوم الرسول. ونعلم أن "الفاء" تقتضي التعقيب، وتفيد الإِلحاح عليهم، وهذا توضحه سورة نوح؛ لأن الحق يقول فيها: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} تفسير : [نوح: 5-10] إذن فالفاء مناسبة هنا، لكن في مسألة قوم هود نجد أن سيدنا هوداً قال لهم مرة أو اثنتين أو ثلاث مرات، لكن بلا استمرار وإلحاح، وهذا يوضح لنا أن إلحاح نوح على قومه يقتضي أن يأتي في سياق الحديث عنه بـ: "فقال" وألا تأتي في الحديث عن دعوة سيدنا هود. وقد يتعجب الإِنسان لأن مدة هود مع عاد لا تساوي مدة نوح مع قومه، وقد جاء الإِيضاح بزمن رسالة سيدنا نوح في قوله الحق: {أية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً...} تفسير : [العنكبوت: 14] ظل سيدنا نوح قُرابة ألف سنة يدعو قومه ليلاً ونهاراً سرًّا وعلانية، لكنهم كانوا يفرون من الإِيمان، لذلك يأتي الحق في أمر دعوة نوح بالفاء التي تدل على المتابعة. أما قوم عاد فلم يأت لهم "بالفاء". بل جاء بـ"قال": {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ...} [الأعراف: 65] وقال نوح من قبل: {أية : ...يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 59] وفي مسألة قوم عاد قال: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. ومع أن الأسلوب واحد والمعاني واحدة، وكان ذلك يقتضي الإِنذار، لكن لم يقل الحق ذلك؛ لأن نوحاً عنده علم بالعذاب الذي سوف ينزل؛ لأنها كانت أول تجربة، لكن سيدنا هود لم يكن عنده علم بالعذاب. العملية التي حدثت لنوح مع قومه وإهلاكهم بالغرق كانت أولية بالنسبة له؛ فالله سبق أن أعلمه بها، وحين ذهب هود إلى قوم عاد كانت هناك سابقة أمامه، وأخذ ربنا المكذبين لنوح بالعذاب، لذلك ألمح سيدنا هود فقط إلى احتمال العذاب حين قال: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. أي أن العذاب قد ينتظركم وينالكم مثل قوم نوح. ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ...}

الجيلاني

تفسير : {وَ} أرسلنا أيضاً {إِلَىٰ} قوم {عَادٍ} حين خرجوا عن ربقة الإيمان وعرى التقوى {أَخَاهُمْ هُوداً} أضافه إليهم بالأخوة؛ لكمال الشفقة ووفور الأعطاف {قَالَ} منادياً لهم مضيفاً لهم إلى نفسه؛ ليقبلوا قوله ويمتثلوا بما جاء به من ربه: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} المظهر الموجد لكم من كتم العدم ورباكم بأنواع اللطف والكرم، واعتقدوا يقيناً أنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} موجد مرب {غَيْرُهُ} فعليكم أن تعبدون إيماناً به وعملاً بما جاء عنده لأنبيائه حتى يتحققوا بمقر التوحيد، أتنكرون وحدة الحق وتعبدون غيره من الآلهة الباطلة {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] عن بشطه وأخذه؟! فلما سمعوا منه ما سمعوا {قَالَ} الأشراف {ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} - إذ بعض الأشراف آمن به كمرثد بن سعد -: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} عظيمة في دعوة الإرشاد والتكميل {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ} في ادعاء الرسالة والنبوة {مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66]. {قَالَ يَٰقَوْمِ} لا ستفهوني؛ إذ {لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ} أُرسل إ ليكم لإهدائكم {مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ} [الأعراف: 67]. جئتكم {أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68] فعليكم أن تتعظوا بنصحي وتتصفوا بما نصحت لكم بإلهام الله ووحيه لتكونوا من زمرة المؤمنين الموقنين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن قوم هود عليه السلام بقوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [الأعراف: 65]، القصة الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} إلى قوله {ٱلْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66]، إشارة إلى أن قلوب قوم هود أيضاً نسخة خبيثة كما كانت لقوم نوح لم يخرج منها الأنكد، فلما أراد هود عليه السلام أن يبذر فيها بذر التوحيد والمعرفة لم تكن صالحة، فما خرج منها إلا نبت التشقية والتكذيب سلكوا طريق سلفهم وإخوانهم وسنوا بمثل حالهم، {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65]. قال: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ * قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ} [الأعراف: 66-67]؛ أي: بكم السفاهة، {وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ} [الأعراف: 67] وأنتم مكذبي لسفاهتكم، {أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68] فيما أدعوكم إلى الله، وإن من أسقطته القسمة لم تنفعه النصيحة: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} [الأعراف: 69]؛ أي: يوقظكم من نوم الغفلة، ويخبر عن يوم الحسرة من قوت الدولة، فمن فرط الجهالة وغاية العنادة عجبوا من كون رجل سأل سؤلاً، ولم يتعجبوا من كونهم جعلوا الصنم شريكاً له!! {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69] جعل الله الخلق بعضهم خلفاً عن بعض، وجعل الكل خلفاء في الأرض ولا يفني جنساً منهم إلا أقام فوجاً منهم في ذلك الجنس، فأهل الغفلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوماً، وأهل الوصلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوماً، {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} الأعراف: 69] كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخلق، وكما وقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المعاني أوقع التفاوت بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني. {فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ} [الأعراف: 69]؛ أي: إذا لم تستحقوا لذكر الله فاذكروا نعمة الله عليكم، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69] بذكر الله على الحقيقة، فلما لم يعرفوا قدر نعم الله، {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الأعراف: 70] جعلوا الآلهة من فرط جهالتهم وغاية ضلالتهم عدلاً لله وشريكاً له. ثم قالوا من عكوفهم على التفرقة: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70] فشتان بين من لا يخرج من عنق التفرقة، ومن لا يجد لحظة عن ستر التوحيد فلا يعبد إلا واحداً، وكما لا يعبد إلا واحداً لا يشهد إلا واحداً، كما قال قائلهم: لا يهتدي قلبي إلى غيركم؛ لأنه سد عليه الطريق، قال: يعني هود في جوابهم، {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: 71]؛ أي: مقالتكم تدل على حالتكم أنه أحيا بكم سطوات غضب الله وسخطه، فإن من علامات الغضب: الإعراض، ومن إمارات الإعراض والبعد إلى شهد الأغيار وتفريقه إياه في بحار الظنون؛ إذ لا تحصل للأغيار في معنى الإثبات، {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71]. {أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ} [الأعراف: 71] الآلهة، {أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ} [الأعراف: 71] من غير أن يكون معكم من الله في ذلك حجة وبرهان، فانتظروا معاملتكم مع الله من الله، {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: 71]؛ يعني: جزاء معاملتكم وجزاء معاملتي، {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} [الأعراف: 72]؛ يعني: جازيناهم على معاملتهم، {وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72]؛ يعني: وجازيناهم على معاملتهم بإهلاكهم، {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}، وفيه إشارة إلى أن هود عليه السلام مع رتبته في النبوة ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمة الله هو والذين آمنوا معه؛ ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الحق سبحانه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } .إلى آخر القصة. أي: { و } أرسلنا { إِلَى عَادٍ } الأولى، الذين كانوا في أرض اليمن { أَخَاهُمْ } في النسب { هُودًا } عليه السلام، يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك والطغيان في الأرض. فـ { قَالَ } لهم: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ } سخطه وعذابه، إن أقمتم على ما أنتم عليه، فلم يستجيبوا ولا انقادوا. فـ { قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } رادين لدعوته، قادحين في رأيه: { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } أي: ما نراك إلا سفيها غير رشيد، ويغلب على ظننا أنك من جملة الكاذبين، وقد انقلبت عليهم الحقيقة، واستحكم عماهم حيث رموا نبيهم عليه السلام بما هم متصفون به، وهو أبعد الناس عنه، فإنهم السفهاء حقا الكاذبون. وأي سفه أعظم ممن قابل أحق الحق بالرد والإنكار، وتكبر عن الانقياد للمرشدين والنصحاء، وانقاد قلبه وقالبه لكل شيطان مريد، ووضع العبادة في غير موضعها، فعبد من لا يغني عنه شيئا من الأشجار والأحجار؟!! وأي كذب أبلغ من كذب من نسب هذه الأمور إلى اللّه تعالى؟!! { قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ } بوجه من الوجوه، بل هو الرسول المرشد الرشيد، { وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } . فالواجب عليكم أن تتلقوا ذلك بالقبول والانقياد وطاعة رب العباد. { أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ } أي: كيف تعجبون من أمر لا يتعجب منه، وهو أن اللّه أرسل إليكم رجلا منكم تعرفون أمره، يذكركم بما فيه مصالحكم، ويحثكم على ما فيه النفع لكم، فتعجبتم من ذلك تعجب المنكرين. { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي: واحمدوا ربكم واشكروه، إذ مكن لكم في الأرض، وجعلكم تخلفون الأمم الهالكة الذين كذبوا الرسل، فأهلكهم اللّه وأبقاكم، لينظر كيف تعملون، واحذروا أن تقيموا على التكذيب كما أقاموا، فيصيبكم ما أصابهم، { و } اذكروا نعمة اللّه عليكم التي خصكم بها، وهي أن { زَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً } في القوة وكبر الأجسام، وشدة البطش، { فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ } أي: نعمه الواسعة، وأياديه المتكررة { لَعَلَّكُمْ } إذا ذكرتموها بشكرها وأداء حقها { تُفْلِحُونَ } أي: تفوزون بالمطلوب، وتنجون من المرهوب، فوعظهم وذكرهم، وأمرهم بالتوحيد، وذكر لهم وصف نفسه، وأنه ناصح أمين، وحذرهم أن يأخذهم اللّه كما أخذ من قبلهم، وذكرهم نعم اللّه عليهم وإدرار الأرزاق إليهم، فلم ينقادوا ولا استجابوا. فـ { قَالُوا } متعجبين من دعوته، ومخبرين له أنهم من المحال أن يطيعوه: { أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } قبحهم اللّه، جعلوا الأمر الذي هو أوجب الواجبات وأكمل الأمور، من الأمور التي لا يعارضون بها ما وجدوا عليه آباءهم، فقدموا ما عليه الآباء الضالون من الشرك وعبادة الأصنام، على ما دعت إليه الرسل من توحيد اللّه وحده لا شريك له، وكذبوا نبيهم، وقالوا: { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } وهذا استفتاح منهم على أنفسهم. فقَالَ لهم هود عليه السلام: { قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } أي: لا بد من وقوعه، فإنه قد انعقدت أسبابه، وحان وقت الهلاك. { أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } أي: كيف تجادلون على أمور، لا حقائق لها، وعلى أصنام سميتموها آلهة، وهي لا شيء من الآلهة فيها، ولا مثقال ذرة و { مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } فإنها لو كانت صحيحة لأنزل اللّه بها سلطانا، فعدم إنزاله له دليل على بطلانها، فإنه ما من مطلوب ومقصود - وخصوصا الأمور الكبار - إلا وقد بين اللّه فيها من الحجج، ما يدل عليها، ومن السلطان، ما لا تخفى معه. { فَانْتَظِرُوا } ما يقع بكم من العقاب، الذي وعدتكم به { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } وفرق بين الانتظارين، انتظار من يخشى وقوع العقاب، ومن يرجو من اللّه النصر والثواب، ولهذا فتح اللّه بين الفريقين فقال: { فَأَنْجَيْنَاهُ } أي: هودا { وَالَّذِينَ } آمنوا { مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا } فإنه الذي هداهم للإيمان، وجعل إيمانهم سببا ينالون به رحمته فأنجاهم برحمته، { وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي: استأصلناهم بالعذاب الشديد الذي لم يبق منهم أحدا، وسلط اللّه عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، فأهلكوا فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين الذين أقيمت عليهم الحجج، فلم ينقادوا لها، وأمروا بالإيمان فلم يؤمنوا فكان عاقبتهم الهلاك، والخزي والفضيحة. {أية : وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ }. تفسير : وقال هنا { وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ } بوجه من الوجوه، بل وصفهم التكذيب والعناد، ونعتهم الكبر والفساد.