Verse. 1033 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَتَوَلّٰى عَنْہُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ اَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَۃَ رَبِّيْ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلٰكِنْ لَّا تُحِبُّوْنَ النّٰصِحِيْنَ۝۷۹
Fatawalla AAanhum waqala ya qawmi laqad ablaghtukum risalata rabbee wanasahtu lakum walakin la tuhibboona alnnasiheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فتولى» أعرض صالح «عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين».

79

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمٍ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} ظاهره أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين، ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر وقال:«حديث : إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً».تفسير : أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم.

ابن كثير

تفسير : هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم، تقريعاً وتوبيخاً، وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثاً، ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل، فركبها ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر، فجعل يقول: «حديث : يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً» تفسير : فقال له عمر: يا رسول الله ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: «حديث : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون» تفسير : وفي السيرة أنه عليه السلام قال لهم: «حديث : بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم»تفسير : وهكذا صالح عليه السلام قال لقومه: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ} أي: فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لا تحبون الحق، ولا تتبعون ناصحاً، ولهذا قال: {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} وقد ذكر بعض المفسرين: أن كل نبي هلكت أمته كان يذهب فيقيم في الحرم حرم مكة، والله أعلم، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج، قال: «حديث : يا أبا بكر أي واد هذا؟» تفسير : قال هذا وادي عسفان، قال: «حديث : لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات، خطمهن الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق»تفسير : هذا حديث غريب من هذاالوجه لم يخرجه أحد منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَتَوَلَّىٰ } أعرَضَ صالح {عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ * لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلـَٰكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {...إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَّهَّرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: من إتيان الأدبار. والثاني: يتطهرون بإتيان النساء في الأطهار، قال الشاعر: شعر : قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا سَدُّوا مَآزِرَهُم دَونَ النِّسَاءِ وَلَو بَانَتْ بِأَطْهَارِ

ابن عبد السلام

تفسير : {فَتَوَلَّىَ عَنْهُمْ} خرج عن أرضهم بمن آمن معه وهم مائة وعشرة، قيل خرج [إلى] فلسطين، وقيل: لم تهلك أمة ونبيهم بين أظهرهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فتولى عنهم} اثر ما شاهد ما جرى عليهم من الهلاك تولى مغتما متحسرا على ما فاتهم من الايمان متحزنا عليهم {وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربى} [بيغام برورد كار من كه باداء آن مامور ودم] {ونصحت لكم} وقت الدعوة بالترغيب والترهيب وبذلت فيكم وسعى {ولكن لا تحبون الناصحين} صيغة المضارع حكاية حال ماضية اى شانكم الاستهزاء على بعض الناصحين لان قول الناصح ثقيل والحق مرّ وهما يفيدان البغضة كما قال قائلهم شعر : وكم سقت فى آثاركم من نصيحة وقد يستفيد البغضة المتنصح تفسير : وذلك ايضا من خباثة ارض النفس الخبيثة لم تقبل بذر النصح ولم ينبت فيها "حديث : - وروى - عن جابر ابن عبد الله انه قال لما امر النبى عليه السلام بالحجر فى غزوة تبوك يعنى مواضع ثمود قال لاصحابه "لا يدخلن احد منكم هذه القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين الا ان تكونوا باكين ان يصيبكم مثل ما اصابهم" ثم قال "لا تسألوا رسولكم الآيات فان هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث اليهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم وردها واراهم مرتقى الفصيل حيث ارتقى" ثم اسرع رسول الله السير حتى جاوز الوادى" تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام انه قال لعلى "حديث : "يا على أتدرى من اشقى الاولين" قال الله ورسوله اعلم قال "عاقر الناقة" ثم قال "أتدرى من اشقى الآخرين" قال الله ورسوله اعلم قال "قاتلك" ":تفسير : وفى المثنوى شعر : ناقه صالح بصورت بد شتر بى بريدندش زجهل آن قوم مر ناقة الله آب خورد از جوى ميغ آب حق را داشتند از حق دريغ شحنه قهر خدا زيشان بجست خونبهاى اشترى شهرى درست صالح ازخلوت بسوى شهر رفت شهر ديد اندر ميان دود وتفت زاسخوانها شان شنيد اونالها اشك خون ازجان شان جون زالها صالح آن بشنيد وكريه ساز كرد نوحه بر نوحه كنان آغار كرد كفت اى قومى بباطن زيسته واز شما من بيش حق بكريسته حق بكفته صبركن برجورشان بند شان ده بس نماند از دورشان من بكفته بند شد بند از جفا شير بند از مهر جوشد وز صفا بس كه كرديد از جفا برجاى من شير بند افرسد در ركهاى من حق مرا كفته ترا لطفى دهم بر سر آن زخمها مرهم نهم صاف كرده حق دلم را جون سما روفته از خاطرم جور شما در نصيحت من شده بار دكر كفته امثال سخنها جون شكر شير تازه از شكر انكيخته شير شهدى با سخن آميخته درشما جون زهر كشته اين سخن زانكه زهرستان بديد از بيخ وبن جون شوم غمكين كه غم شدسر نكون غم شما بوديد اى قوم حرون هيج كس برمرك غم نوحه كند ريش سر جون شدكسى مو بركند تفسير : والاشارة الى ان صالح الروح ارسل بنفخة الحق الى بلد القلب وساكنيه ليدعوهم من الاوصاف الرديئة السفلية الظلمانية الحيوانية الى الاخلاق الحميدة العلوية النورانية الروحانية والنفس وصفاتها عقروا ناقة سر القلب بسكاكين مخالفات الحق والاستكبار وعتوا عن امر ربهم من التوحيد والمعرفة فصاروا الى الهلاك وبقوا فى اودية الجهل والانكار عصمنا الله واياكم من كل ما يسوء الروح ويمنع الفتوح.

الجنابذي

تفسير : {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} بعد ما ابصرهم صرعى، والاتيان بالمضارع فى قوله ولكن لا تحبّون النّاصحين لتصوير المضىّ حالاً احضاراً له واشارة الى انّ هذا كان ديدنهم كأنّه لا ينفكّ عنهم حتّى بعد الموت، او المعنى فتولّى عنهم بعد اتمام الحجّة عليهم والاتيان به مصدّراً بالفاء بعد ذكر اهلاكهم لانّه تفصيل لسبب الاهلاك ومن قبيل عطف التّفصيل على الاجمال {وَقَالَ} تحسّراً او تبرّياً {يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ} قصّة صالح وناقته وكيفيّة خروجها باقتراحهم عن الجبل ومتاركته مع قومه وكيفيّة عقر النّاقة واهلاكهم مذكورة فى المفصّلات.

الهواري

تفسير : {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} وهذا بعد ما هلكوا. قوله: {وَلُوطَاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} أي: وأرسلنا لوطاً، تبعاً للكلام الأول في قصة نوح وهود وصالح {أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ} أي إن هذا لم يكن فيما خلا من الأمم قبلكم أن ينكح الرجال بعضهم بعضاً. {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي: مشركون. قال الحسن: كانوا لا يفعلون ذلك إلا بالغرباء، ولا يفعله بعضهم ببعض. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أخوف ما أخافه على أمتى عمل قوم لوط تفسير : قال: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي يتنزهون عن إتيان الرجال في الأدبار. وقال مجاهد: يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء. وقال الحسن: يتطهرون من أعمالكم، فلا يعملون ما تعملون. وهذا وقول مجاهد واحد في إتيان الرجال في أدبارهم إلا أن مجاهداً ذكر النساء. قال: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ} أي في عذاب الهالكين. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} أي الحجارة التي رموا بها، رمى بها من كان خارجاً من المدينة في حوائجهم وأهل السفر منهم، وأصاب قريتهم الخسف. قال: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ} وهذا جرم شرك. وهو جرم فوق جرم، وجرم دون جرم. وقال بعضهم: عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار. قوله: {وإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، تبعاً للكلام الأول، هو أخوهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين. {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي النبوة التي أتاهم بها. {فَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ} وكانوا يطففون في المكيال وينقصون الميزان. {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: لا تنقصوا الناس أشياءهم {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}. قال بعضهم: هذا بعدما بعث إليكم النبي عليه السلام واستجيب له. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يقول: ولا ينفعكم أن توفوا المكيال والميزان في الآخرة إن لم تكونوا مؤمنين.

اطفيش

تفسير : {فتولَّى} أعرض {عَنْهم} عقب هلاكهم {وقَالَ يا قَوْم لَقَد أبلغتُكم رسالاتِ ربِّى ونَصحتُ لكُم ولكنْ لا تُحبُّون النَّاصحِينَ} وذلك أن كلام الناصح صعب لمضادته لشهوة المنصوح، وإنما كلم الموتى تفجعا عليهم وتحسراً على إيمانهم، أو لأنهم يسمعونه توبيخا وتقريعا، وقد اشتهر " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم موتى بدر الكفرة بعد إلقائهم فى القليب: "يا فلان يا فلان إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟" وقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أقواما موتى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم لكن لا يجيبون"" تفسير : كما يأتى إن شاء الله. وفى خطاب صالح بذلك عبرة لمن يأتى وزجر، وقيل: تولى عنهم وهم أحياء، وخاطبهم بذلك أحياء قبل نزول العذاب، والصحيح عندى الأول، وأما الثانى فترده الفاء إلا أن يقال: الترتيب الذكرى، أو بمعنى الواو العاطفة المقدم على الآخر، ولا دليل له فيما قيل إنه لم تهلك أمة ونبيها، فإن معناه ونبيها بينهم، وأما أن تهلك هو بمعزل عنهم، خارج عنهم فواقع، نعم يتعين ذلك القائل الثانى أن الأصح ما روى أنه ارتحل بمن معه حتى جاء مكة فما أقام بها حتى صيح عليهم. قال فى عرائس القرآن: عزت ثمود وكثرت بعد عاد، وجعل أحدهم يبنى المسكن من المدر فيهدم وهو حى، فاتخذوا الجبال بيوتا، وكانوا فى سعة معاش وخالفوا أمر الله، وعبدوا غيره، فبعث الله إليهم صالحا وهو شاب يدعوهم حتى كان أشمط، وما آمن إلا قليل مستضعفون قلت: وقيل: بعث إليهم وهو غلام، فكان يدعوهم حتى شمط. وقيل: بعث إليهم لأربعين عاما من عمره، وبقى فيهم عشرين عاما، ولما ألح عليهم صالح بالدعاء وأكثر التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصدقة لما يقول، ويعتبرون بها، قال: أى آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم فى يوم معلوم من السنة، فتدعو إلهك وندعوا إلهنا، فإن استجاب لك اتبعناك أو لنا اتبعنا، قال: نعم، فخرجوا بأصنامهم إلى عيدهم فدعوا أن لا يستجاب لصاللح فى شىء مما يدعو به. ثم قال جندع بن عمرو بن حواش، وروى جدع بإسقاط النون بعد ما دعوها ولم تستجب، وهو سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة، وكانت صخرة منفردة عن البلد فى ناحية البحر يقال لها الكاثبة، وقيل: قالوا من هذه الهضبة وهى أيضا الصخرة أخرج ناقة مخترجة، أى على صورة البعير جوفاء، أى لها بطن كبير، أو فى بطنها جنين وبراء، أى لها وبر، فإن فعلت ذلك صدقناك، فأخذ عليهم الميثاق على ذلك، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت الصخرة تمخض الثلوج لولدها، وتحركت فانصدعت عن ناقة مخترجة جوفاء وبراء كما قالوا عشراء أى أتى عليها عشرة أشهر منذ نتجت، لا يعلم ما بين جنبيها وعظمها إلا الله، وخرج معها سَقَبها بفتح السين والقاف، وهو ولد الناقة الذكر. وقيل: خرجت وهى حامل به ثم ولدته وهو مثلها فى العظم، وقد فسر بعضهم العشراء بالتى أتى عليها عشرة أشهر منذ حملت، فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به، فنهاهم دواب بن عمرو بن لبيد، وروى ابن لبيب والحباب صاحبا أوثانهم، وربان بن صمغر كاهنهم، وكان لجندع ابن أم له اسمه شهاب أراد أن يؤمن فنهاه هؤلاء. وقيل: خرجت الناقة وحدها غير حامل، وضاربها جمل من جمالهم فحملت بفصيلها المشهور، ولما خرجت قال لهم: {أية : هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} تفسير : فكانت ترعى هى وولدها، وإذا كان يومها وضعت رأسها فى بئر الحجر يقال لها بئر الناقة، فيرتفع الماء إليها فما ترفع رأسها حتى يفرغ الماء، ولم تبق فيها قطرة، ولعل فصيلها يشرب مما يجتمع بعد ذلك فى اليوم أو من غيره أو فى يومهم. وقيل: إن ماءهم من جبل لآخر تشربه كله فى يومها لعظمها، وإذا شربت وسعت ما بين رجليها فيحلبون ما شاء من لبن ويشربون ويملئون أوانيهم، ويدخرون، وتصدر من غير الفج الذى وردت منه لضيقه عنها بعد شربها. قال أبو موسى الأشعرى: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعا، وإذا كان الغد شربوا هم ودوابهم وادخروا ليومها، وكانوا منها فى ساعة ونصف بظهر الوادى، فتهرب أغنامهم ودوابهم كلها خوفا منها إلى بطنه فى حر وجدب، وتشتوا فى بطنه فتهرب دوابهم إلى ظهره فى برد وجدب، فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار، وكانت الناقة ترعى وادى الحجر كله، وشق ذلك عليهم وقالوا: ما نصنع باللبن، الماء أحب إلينا منه، نسقى حروثنا به، ونستقل به نحن ودوابنا، وننتفع وحدنا بالحشيش، وحملهم ذلك على عقرها. وكانت امرأة من ثمود يقال لها: عنيزة بنت غنم بن مخلد، وكانت عجوزا مسنة ولها بنات حسان ومال كثير من الإبل والبقر والغنم، وامرأة أخرى يقال لها: صدق بنت المحيا بن دهر، وقيل بنت المختار ابن دهر، وكانت غنية جميلة ذات مواش كثيرة من إبل وبقر وغنم، وكانتا شديدتى العداوة لصالح عليه السلام لماشيتهما. وكانت صدوق عند ابن خال لها يقال له: خيثم بن مراوة بن سعيد ابن الغضريف بن هليل، أسلم وحسن إسلامه، وقد وضعت مالها عنده فأنفقه على من أسلم، فعاتبته على ذلك وما بقى إلا قليل، فأظهر للها دينه ودعاها إلى الله فأبت وشنعت، فأخذت أولادها منه فغيبتهم فى بنى عبيد الذين هى منهم، فقال لها خيثم: رديهم علىَّ، فقالت: لا، وألح عليها، فقالت: حتى أنافرك إلى بنى عبيد وبنى جدع بن عبيد، فقال خيثم: أنافرك إلى بنى مرداس بن عبيد وهم مسلمون، فقالت: لا أنافرك إلا لمن دعوتك إليهم، فقال لها: بنو مرداس والله لتعطينهم له طائعة أو كارهة، فأعطته إياهم. ثم إن صدوق وعنيزة تحيلتا فى عقرها للشقاء الذى كتب الله عليهما، فدعت صدوق رجلا من ثمود يقال له الحباب لعقرها، وعرضت عليه نفسها إن فعل فأبى، فدعت ابن عم لها يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيى، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة، وكانت من أوفر الناس حالا وأكثرهم مالا وأحسنهم نسبا، فأجابها إلى ذلك. ودعت عنيزة وهى امرأة دواب بن عمرو، قدار بن سالف من أهل قرح، واسم أمه قديرة، وكان أحمر أزرق قصيرا وقالوا: إنه لزنى من رجل يقال له ضبيان، ولد على فراش سالف، فقالت له: أعطيك أى بناتى شئت على أن تعقر الناقة، وكان عزيزا فى قومه شريرا، فذهبا فاستغووا غواة ثمود فاتبعهم سبعة، فذلك تسعة رهط يفسدون فى الأرض ولا يصلحون، تأتى أسماؤهم فى النمل إن شاء الله، قيل: منهم داعر بن دواب بن أخى مصدع، واجتمعا على عقرها. قال السدى: أوحى الله إلى صالح أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم ذلك، قالوا: ما كنا لنفعل ذلك، فقال إنه سيولد لكم فى شهركم غلام يعقرها، ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد ولد فى هذا الشهر إلا قتلناه، فولد التسعة منهم فى ذلك الشهر بنون فذبحوهم، وولد للعاشر فأبى ذبحه لأنه لم يولد له قبل ذلك، وكان أحمر أزرق، نبت نباتا سريعا، وكان إذا مر بالتسعة فرأوه ندموا على ذبح أولادهم، وغضبوا على صالح لأنه السبب فى قتل أولادهم، ولم يكن قتلهم برضا منهم، فتقاسموا: لنبيتنه وأهله، نخرج فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى السفر، ونأتى الغار فنكون فيه، حتى إذا جاء الليل خرج صالح إلى مصلاه فنقتله، ثم نرجع إلى الغار فنكون فيه حتى تمضى ليال وأيام، ثم نرجع فنقول: ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقوننا. وكان صالح لا ينام فى القرية معهم، وكان يأوى إلى مسجد يقال له: مسجد صالح فيبيت فيه، فإذا أصبح توعَّدهم وذكرهم، فإذا أمسى خرج إلى المسجد، فدخلوا الغار ليخرجوا القتلة ليلا، فسقطت عليهم صخرة فقتلتهم، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك، فإذا هم قد رضخوا، فرجعوا يقولون ويصيحون: أيا عباد الله، أما قنع صالح بأن أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم، فاجتمعوا على عقر الناقة. وقال ابن إسحاق: إنما تقاسمت التسعة على قتل صالح بعد عقر الناقة وقالوا: تعالوا نقتله، فإن كان صادقا كنا قد عجلنا قتله، وإن كان كاذبا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطئوا انطلق أصحابهم إلى منزل صالح فوجدوهم مشدخين، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، وهموا بقتله، فقامت عشيرته دونه، وأخذوا السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلوه أبدا وقد وعدكم أن العذاب واقع بكم فى ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون فانصرفوا. قال السدى: كان ابن العاشر يشب فى اليوم ما يشب غيره فى جمعة، وفى الشهر ما يشب غيره فى السنة، وهو قدار، فلما كبر جلس مع أناس يشربون الخمر، فأرادوا ماء يمزجونها به، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم، فقال لهم: هل لكم أن أعقرها؟ قالوا: نعم. وقال كعب: كان سبب عقرهم الناقة، أن امرأة يقال لها ملكة، كانت قد ملكت ثمود، فلما أقبل الناس على صالح، وصارت الرياسة إليه، حسدته فقالت لامرأة يقال لها قبال، وكانت معشوقة مصدع بن مهرج، ومصدع بن دهر، وكان يجتمعان معها كل ليلة، ويشربون الخمر فقالت لها ملكة: إن أتاك الليلة قدار ومصدع فلا تطيعهما وقولى لهما: إن الملكة حزينة لأجل صالح وناقته، ولا نطيعكما حتى تعقرا الناقة، فإن عقرتماها أطعتكما، فلما أتياها قالت هذه المقالة، فقالوا: نحن نكون من وراء عقرها، فانطلقوا قدار ومصدع وأصحابهما السبعة، فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء، وقد كمن لها قدار فى أصل شجرة على طريقها، وكمن لها مصدع فى أصل شجرة أخرى، فمرت الناقة على مصدع فرماها بسهم، فانتظم فى عضلة ساقها، وخرجت لهم غنم وعنيزة، وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن النساء، فأسفرت لقدار وحرضته على عقرها، فشد عليها بالسيف، فكشف عن عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة، ثم طعنها فى لبنها فنحرها، وخرج أهل البلد فقسموا لحمها وطبخوه. فلما رأى سبقها ذلك انطلق حتى أتى جبلا منيعا يقال له ضوء، وقيل: صبور، وقيل: قاره، وروى ذلك مسندا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى صالحا آت فقال له: أدرك الناقة فقد عقرت، فأقبل صالح عليهم فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه، ويقولون: يا نبى الله إنما عقرها فلان وفلان، ولا ذنب لنا، فقال لهم صالح: انظروا اهل تدركون فصيلها؟ فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب، فخرجوا إليه يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول فى السماء حتى لا يناله الطائر، وجاء صالح إلى الجبل، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم رغا ثلاثا فانصدعت له الصخرة حتى دخلها قال صالح: لكل رغوة أجل تمنعوا فى داركم ثلاثة أيام، ثم يأتيكم العذاب. وقال محمد بن إسحاق: اتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مصدع وأخوه دواب، فرماه مصدع بسهم فأصاب قبله ثم جروه برجله وألقوا لحمه مع لحم أمه، فقال لهم صالح: انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بالعذاب، فقالوا له مستهزئين: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأحد أولا، والاثنين أهون، والثلاثاء جبار والأربعاء دبار، والخميس مؤنسا، والجمعة عروبة، والسبت شبار، قال شاعرهم: شعر : أؤمل أن أعيش وأن يومى بأول أو أهون أو جبارا أو التالى دباراً فإن ابته فمؤنس أو عروبة أو شبارا تفسير : وكان عقرها يوم الأربعاء فقال لهم حين سألوه عن وقت العذاب: إنكم تصبحون غداة مؤنس وجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم عروبة وجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شبار وجوهكم مسودَّة، ثم يصحبكم العذاب يوم أول. فأصبحوا يوم الخميس وجوههم مصفرة كأنها طيبت بالخلوق، فصلبوه ليقتلوه، فخرج هاربا إلى بطن من ثمود يقال له: بنو غنم، فنزل بسيدهم واسمه نفيل ويكنى أبا هدب وهو مشرك، فكلموه فى ذلك فقال: نعم عندى صالح وما لكم إليه سبيل، فتركوه وأعرضوا عنه، وأشغلهم ما بهم من العذاب. وقيل: إنهم عذبوا أصحاب صالح ليدلوهم عليه، فدلَّهم عليه مبتدع بن هرم ممن آمن وقال: إنه عند فلان بأمر صالح، فكلموه فأبى أن يعطيهم إياه، ثم أعرضوا واشتغلوا بما هم فيه، فجعل بعضهم يخبر بعضا ما يرون فى وجوههم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل فلما أصبحوا فى اليوم الثانى إذا وجوههم محمرة كأنهم خضبت بالدم، فصاحوا وضجوا وبكوا، وعرفوا أنه صادق، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل، فلما أصبحوا فى اليوم الثالث إذا وجوههم مسودَّة كأنها طليت بالقار، فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب. فلما كانت ليلة الأحد خرج صالح عليه السلام من بين أظهرهم، وخرج معه من أسلم حتى أتوا الشام، فنزل رملة فلسطين، ولما أصبحوا فى اليوم الرابع تكفنوا وتحنطوا، وكانت أكفانهم الأنطاع، وحنوطهم الصبر والمر، ثم ألقوا بأنفسهم فى الأرض مرة ينظرون إلى جهة، وأخرى إلى جهة، ولا يدرون من أين يأتيهم العذاب. فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شىء له صوت فى الأرض، وقيل: صوت كل شىء كمثل الصوت، فتقطعت قلوبهم فى صدورهم، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، كما قال الله تعالى: {أية : فأخذتهم الصيحة فأصبحوا فى دارهم جاثمين} تفسير : ولم ينج منهم إلا جارية مقعدة يقال لها دريعة بنت سابق، كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام، أطلق الله رجليها بعدما شهدت العذاب، وخرجت كأسرع شىء حتى أتت وادى العرى حد ما بين الحجاز والشام، وأخبرتهم بما رأت من العذاب، وما أصاب ثمود، ثم استسقت الماء فسقيت فماتت. وروى ابن الزبير، عن جابر بن عبد الله: "حديث : لما مر النبى صلى الله عليه وسلم بالحجر فى غزوة تبوك قال لأصحابه: "لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم" وأمرهم أن لا يستقوا من مائها، ولا يعجبوا، فقالوا: قد فعلنا فقال: "أريقوه واعلفوه لعجين الإبل"" تفسير : وروى: "حديث : واطرحوا العجين" تفسير : وأمرهم أن يستقوا من بئر الناقة. قال: "ولا تسألوا رسولكم" الآيات هؤلاء قوم صالح سألوها فبعث الله إليهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، وتشرب ماءهم يوم ورودها وأراهم موثقى فصليها من الغارة، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فأهلك مَن تحت أديم السماء منهم إلا رجل واحد يقال له أبو رغال، وهو أبو ثقيف، كان فى حرم الله فمنعه حرم الله من العذاب، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن معه غصن من ذهب، وأراهم قبره ونزلوا فابتدروه بأسيافهم وحفروا فاستخرجوا ذلك الغصن، ثم اعتجر صلى الله عليه وسلم بعمامته، وأسرع السير حتى جاوز الوادى. وقال قوم من أهل العلم: توفى صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، كان يعبد الله فيها بعد ما بلغ الشام بعد مهلك قومه، وقيل: خرج منهم إلى مكة، وقيل: كانت الفرقة المؤمنة من قومه أربعة آلاف، خرج بهم إلى حضرموت، ولما دخلوها مات صالح فسمى حضرموت، وبنوا مدينة سموها حضرموت، وفى خبر أبى رغال ما يبطل قولهم أنه كان دليل أصحاب الفيل إلى مكة. وذكر الطبرى: أن امرأتين من ثمود من أعداء صالح، جعلتا لقدار ومصدع أنفسهما وأموالهما على أن يعقراها، وقيل: إن قداراً شرب الخمر مع قوم فطلبوا ماء يمزجون به الخمر، فلم يجدوه لشرب الناقة إياه، وعزموا على عقرها، وكمن لها قدار خلف الصخرة، فلما دنت منه رماها بالحربة، ثم سقطت فنحرها، ثم اتبعوا الفصيل فهرب منهم حتى علا ربوة ورغا ثلاث مرات، واستغاث فلحقوه وعقروه. وروى أنهم وجدوه على رابية من الأرض، وقيل: صخرة فارتفعت الرابية أو الصخرة حتى حلفت به فى السماء، فلم يقدروا عليه فرغا ثلاثا مستغيثا بالله، وعن الحسن: أنطق الله الفصيل فنادى: أين أمى؟ وروى أن المسافة التى أهلك الله أهلها بتلك الصحيفة ثمانية عشرة ميلا، وروى أنه خرج عنهم فالتفت فرأى الدخان ساطعا فبكى، وهم ألف وخمسمائة، وروى أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم، والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {فَتَوَلَّى} ذهب {عَنْهُمْ} ظاهره أَن التولى عقب إِصباحهم جاثمين، وشهر خلاف هذا كما مر، فلعل الفاءَ بمعنى الواو أَو لما قرب جثوهم، وقد أَخذت فيهم مقدماته من الصفرة والحمرة والسواد وجعله كأَنه واقع بمجفرة، ويجوز العطف على قالوا {وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى} أَفرد الرسالة لفظاً والمراد الجنس، أَو الاستغراق العرفى أَى ما أَرسلنى به الله كله أَو أَراد كلمة التوحيد {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} هذا ظاهر فى أَن توليه عنهم قبل موتهم لأَن الخطاب يكون للأَحياء ولكن لا مانع من خطابهم موتى فيسمعون ولا يردون الجواب كما سمع أَهل القليب خطاب رسول الله، وقال يسمعونى ولا يقدرون على رد الجواب، إِذ قال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، أَو خاطبهم صالح تحسراً عليهم، لا ليردوا الجواب، وفى ذلك بعض تسلية له، ولما قتلت الناقة قالوا لصالح أَدرك الناقة فقد عقرت، واعتذروا إِليه وقالوا قتلها فلان وفلان، لا يحيا يا نبى الله، ولحق صالح عليه السلام بالفصيل فبكى حتى سالت دموعه لرؤبة صالح.

الالوسي

تفسير : {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} بعد أن جرى عليهم ما جرى على ما هو الظاهر مغتماً متحسراً على ما فاتهم من الإيمان / متحزناً عليهم {وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} بالترغيب والترهيب ولم آل جهداً فلم يجد نفعاً ولم تقبلوا مني. وصيغة المضارع في قوله سبحانه: {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } حكاية حال ماضية أي شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم، وخطابه عليه السلام لهم كخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين حين ألقوا في قليب بدر حين نادى يا فلان يا فلان بأسمائهم إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً وذلك مبني على أن الله تعالى يرد أرواحهم إليهم فيسمعون وذلك مما خص به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويحتمل أنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التحزن والتحسر كما تخاطب الديار والأطلال، وجوز عطف {فَتَوَلَّىٰ } على { أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } تفسير : [الأعراف: 78] فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك لكنه خلاف الظاهر، وأبعد من ذلك ما قيل إن الآية على التقديم والتأخير فتقديرها فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربـي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. وقصة ثمود على ما ذكر ابن إسحاق وغيره أن عاداً لما هلكوا عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض وعمروا حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً وكانوا في سعة من معاشهم فعتوا في الأرض وعبدوا غير الله تعالى فبعث الله تعالى إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وكان صالح عليه السلام من أوسطهم نسباً وبعث إليهم وهو شاب فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط وكبر ولم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألح عليهم بالدعاء والتخويف سألوه أن يريهم آية تصدق ما يقول فقال لهم: أية آية تريدون؟ فقالوا: تخرج غداً معنا إلى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم فتدعو إلٰهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا فقال لهم صالح: نعم فخرجوا وخرج معهم فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ثم قال جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذٍ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة ـ لصخرة منفردة ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ـ ناقة مخترجة أي تشاكل البخت أو مخرجة على خلقة الجمل جوفاء وبراء فإن فعلت صدقناك وآمنا بك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بـي قالوا: نعم فصلى ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى عظماً وهم ينظرون ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه وأراد أشرافهم أن يؤمنوا به فمنعهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر كاهنهم فلما خرجت الناقة {قَالَ } لهم {هَـٰذِهِ نَاقَةُ } الله { أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الشعراء: 155] فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرضهم ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترده غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال له الآن بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها ثم ترفع رأسها وتتفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا من اللبن فيشربون ويدخرون ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه لا تقدر تصدر من حيث ترد لضيقه عنها حتى إذا كان الغد يومهم فيشربون ما شاؤوا ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة ولم يزالوا في سعة ورغد وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم وتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه وتشتو في بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره في برد وجدب فأضر ذلك بمواشيهم للأمر الذي يريده الله تعالى بهم والبلاء والاختبار / فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم فأجمعوا على عقرها وكانت امرأتان من ثمود يقال لإحداهما عنيزة بنت غنم بن مجلز وتكنى بأم غنم وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزاً مسنة ذات بنات حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم ويقال للأخرى: صدوق بنت المختار وكانت جميلة غنية ذات مواش كثيرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانتا يحبان عقر الناقة لما أضرت من مواشيهما فدعت صدوق رجلاً يقال له الحباب لعقر الناقة وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبـى فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج وجعلت له نفسها إن هو فعل فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة أم غنم قدار بن سالف وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً يزعمون أنه لزنية ولم يكن لسالف لكنه ولد على فراشه فقالت: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكان عزيزاً منيعاً في قومه فرضي وانطلق هو ومصدع فاستغويا غواة ثمود فاتبعهم سبعة فكانوا تسعة رهط فانطلقوا ورصدوا الناقة حتى صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم فأمرت إحدى بناتها وكانت من أحسن الناس وجهاً فسفرت عن وجهها ليراها قدار ثم حثته على عقرها فشد على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة فتحدر سقبها من الجبل ثم طعن قدار في لبتها فنحرها فخرج أهل البلدة فاقتسموا لحمها فلما رأى سقبها ذلك انطلق هارباً حتى أتى جبلاً منيعاً يقال له قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح عليه السلام قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يدفع عنكم العذاب فخرجوا في طلبه فرأوه على الجبل وراموه فلم ينالوه وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها {فَقَالَ } لهم صالح: لكل رغوة أجل يوم { أية : تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } تفسير : [هود: 65]. وعن ابن إسٰحق أنه تبع السقب من التسعة أربعة وفيهم مصدع فرماه بسهم فاصاب قلبه ثم جر برجله فأنزله وألقوا لحمه مع لحم أمه وقال لهم صالح: انتهكتم حرمة الله تعالى فابشروا بعذابه ونقمته فكانوا يهزأون به ويقولون متى هو وما آيته؟ فقال: تصبحون غدا وكان يوم الخميس ووجوهكم مصفرة وبعد غد ووجوهكم محمرة واليوم الثالث ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب فهم أولئك الرهط بقتله فأتوه ليلاً فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطاؤا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم ثم هموا به فمنع عنه عشيرته ثم لما رأوا العلامات طلبوه ليقتلوه فهرب ولحق بحي من ثمود يقال لهم: بنو غنم فنزل على سيدهم واسمه نفيل ويكنى بأبـي هدب فطلبوه منه فقال: ليس لكم إليه سبيل فتركوه وشغلهم ما نزل بهم ثم خرج عليه السلام ومن معه إلى الشام فنزل رملة فلسطين ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وهلكوا جميعاً إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سلف وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فأطلق الله تعالى رجليها بعد أن عاينت العذاب فخرجت مسرعة حتى أتت وادي القرى فأخبرتهم الخبر ثم استسقت ماء فسقيت فلما شربت ماتت وكان رجل منهم يقال له: أبو رغال وهو أبو ثقيف في حرم الله تعالى فمنعه الحرم من عذاب الله تعالى فلما خرج أصابه ما أصابهم فدفن ومعه غصن من ذهب. وروي أن النبـي صلى الله عليه وسلم مر بقبره فأخبر بخبره فابتدره الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأسيافهم فحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن. وروي أنه عليه السلام خرج في مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا / وكانوا ألفاً وخمسمائة دار. وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم. وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إن صالحاً لما نجا هو والذين معه قال: يا قوم إن هذه دار قد سخط الله تعالى عليها وعلى أهلها فاظعنوا والحقوا بحرم الله تعالى وأمنه فأهلوا من ساعتهم بالحج وانطلقوا حتى وردوا مكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا فتلك قبورهم في غربـي الكعبة. وروى ابن الزبير عن جابر أن نبينا صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: « حديث : لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم » تفسير : وذكر محيـى السنة البغوي أن المؤمنين الذين مع صالح كانوا أربعة آلاف وأنه خرج بهم إلى حضرموت فلما دخلها مات عليه السلام فسميت لذلك حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضوراء، ثم نقل عن قوم من أهل العلم أنه توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ولعله المعول عليه، وجاء أن أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين قاتل علي كرم الله تعالى وجهه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك علياً رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه. وعندي أن أشقى الآخرين أشقى من أشقى الأولين. والفرق بينهما كالفرق بين علي كرم الله تعالى وجهه والناقة. وقد أشارت الأخبار بل نطقت بأن قاتل الأمير كان مستحلاً قتله بل معتقداً الثواب عليه وقد مدحه أصحابه على ذلك فقال عمران بن حطان غضب الله تعالى عليه: شعر : يا ضربة من تقي ما أراد بها ألا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزاناً تفسير : ولله در من قال: شعر : يا ضربة من شقي أوردته لظى فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأنه لم يرد شيئاً بضربته إلا ليصلى غدا في الحشر نيراناً إني لأذكره يوماً فألعنه كذاك ألعن عمران بن حطانا تفسير : وكون فعله كان عن شبهة تنجيه مما لا شبهة في كونه ضرباً من الهذيان ولو كان مثل تلك الشبهة منجياً من عذاب مثل هذا الذنب فليفعل الشخص ما شاء سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد ضربت بقدار عاقر الناقة الأمثال، وما ألطف قول عمارة اليمني: شعر : لا تعجبا لقدار ناقة صالح فلكل عصر ناقة وقدار تفسير : وفي هذه القصة روايات أخر تركناها اقتصاراً على ما تقدم لأنه أشهر.

ابن عاشور

تفسير : والفاء في قوله: {فتولى عنهم} عاطفة على جملة: {أية : فعقروا الناقة}تفسير : [الأعراف: 77] والتّولي الانصراف عن فراق وغضب، ويطلق مجازاً على عدم الاكتراث بالشّيء، وهو هنا يحتمل أن يكون حقيقة فيكون المراد به أنّه فارقَ ديار قومه حين علم أنّ العذاب نازل بهم، فيكون التّعقيب لقوله: {أية : فعقروا الناقة}تفسير : [الأعراف: 77] لأن ظاهر تعقيب التّوليَ عنهم وخطابه إياهم أن لا يكون بعد أن تأخذهم الرّجفة وأصبحوا جاثمين. ويحتمل أن يكون مجازاً بقرينة الخطاب أيضاً، أي فأعرض عن النّظر إلى القرية بعد اصابتها بالصّاعقة، أو فأعرض عن الحَزن عليهم واشتغل بالمؤمنين كما قال تعالى: {أية : لعلّك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين}تفسير : [الشعراء: 3]. فعلى الوجه الأول يكون قوله: {يا قوممِ لقد أبلغتكم} إلخ مستعملاً في التّوبيخ لهم والتّسجيل عليهم، وعلى الوجه الثّاني يكون مستعملاً في التحَسر أو في التّبرىء منهم، فيكون النّداء تَحسر فلا يقتضي كونَ أصحاب الاسم المنادَى ممّن يعقل النّداء حينئذ، مثل ما تنادَى الحسرة في: يا حسرة. وقوله: {لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم} تفسيره مثل تفسير قوله في قصّة نوح عليه السّلام: {أية : أبلّغكم رسالات ربي وأنصح لكم}تفسير : [الأعراف: 62] واللاّم في (لقد) لام القسم، وتقدّم نظيره عند قوله: {أية : لقد أرسلنا نوحاً}تفسير : [الأعراف: 59]. والاستدراك بــــ (لكن) ناشىء عن قوله: {لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحتُ لكم} لأنّه مستعمل في التّبرُّؤ من التقصير في معالجة كفرهم، سواء كان بحيث هم يسمعونه أم كان قاله في نفسه، فذلك التّبرُّؤُ يؤذن بدفع توهّم تقصير في الإبلاغ والنّصيحة لإنعدام ظهور فائدة الابلاغ والنّصيحة، فاستدرك بقوله: {ولكن لا تحبّون النّاصحين}، أي تكرهون النّاصحين فلا تطيعونهم في نصحهم، لأنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع، فأراد بذلك الكناية عن رفضهم النّصيحة. واستعمال المضارع في قوله: {لا تحبّون} إن كان في حال سماعهم قولَه فهو للدّلالة على التّجديد والتّكرير، أي لم يزل هذا دأبَكم فيكون ذلك آخر علاج لإقلاعهم إن كانت فيهم بقيّه للإقلاع عمّا هم فيه، وإن كان بعد انقضاء سماعهم فالمضارع لحكاية الحال الماضية مثلها في قوله تعالى: {أية : والله الذي أرسل الرّياح فتثير سحاباً}تفسير : [فاطر: 9].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} بين تعالى هذه الرسالة التي أبلغها نبيه صالح إلى قومه في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 73].

د. أسعد حومد

تفسير : {يَاقَوْمِ} {ٱلنَّاصِحِينَ} (79) - فَقَالَ صَالِحٌ، بَعْدَ أَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ، تَقْريعاً لَهُمْ وَتَوْبِيخاً: لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَلَمْ تَسْتَمِعُوا إِليَّ، وَلَمْ تَتَّبِعُونِي، لأَِنَّكُمْ لا تُحِبُّونَ مَنْ يَنْصَحُكُمْ، وَيَدْعُوكُم إِلى الحَقِّ وَالخَيْرِ. (وَقِيلَ: إِنَّ صَالِحاً قَالَ لِقَوْمِهِ هذَا القَوْلَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِم العَذَابُ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهل كان سيدنا صالح يخاطبهم وهم موتى؟. نعم يخاطبهم إنصافاً لنفسه وإبراء لذمته، مثلما يقع واحد في ورطة فيقول له صديقه: لا أملك لك شيئاً الآن: فقد نصحتك من قبل. أو أن شريراً قد قتل، فتقول له: "ياما نصحتك". وأنت تتكلم لكي تعطي لنفسك براءة العذر،حديث : أو كما فعل صلى الله عليه وسلم مع قتلى بدر وناداهم واحداً واحداً بعد أن ألقوا جثثهم في قليب بدر، وقال صلى الله عليه وسلم: يا أهل القليب، يا فلان، يا فلان، يا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال الصحابة: - أو تكلمهم يا رسول الله وقد جيَّفوا. قال: والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني . تفسير : وكأن سيدنا صالح قال ذلك ليتذكروا كيف أبلغهم رسالات الله ومنهجه ونصح لهم وتحنن عليهم أن يلتزموا بمنهج الله، لكنهم لم يستمعوا للنصح. ولم يحبوا الناصحين؛ لأن الناصح يريد أن يُخرج المنصوح عما ألفه من الشر، وعندما ينصحه أحد يغضب عليه. وبعد أن انتهى من قصة ثمود مع نبيهم يقول سبحانه: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ...}.