٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
80
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الرابعة. قال النحويون: إنما صرف لوط ونوح لخفته، فإنه مركب من ثلاثة أحرف، وهو ساكن الوسط {أتأتون الفاحشة} أتفعلون السيئة المتمادية في القبح؟ وفي قوله: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} وفيه بحثان: البحث الأول: قال صاحب «الكشاف»: {من} الأولى زائدة لتوكيد النفي، وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض. فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} مع أن الشهوة داعية إلى ذلك العمل أبداً؟ والجواب: أنا نرى كثيراً من الناس يستقذر ذلك العمل، فإذا جاز في الكثير منهم استقذاره لم يبعد أيضاً انقضاء كثير من الإعصار بحيث لا يقدم أحد من أهل تلك الأعصارعليه، وفيه وجه آخر، وهو أن يقال: لعلهم بكليتهم أقبلوا على ذلك العمل، والإقبال بالكلية على ذلك العمل مما لم يوجد في الأعصار السابقة. قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء. وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض. البحث الثاني: قوله: {ما سبقكم} يجوز أن يكون مستأنفاً في التوبيخ لهم، ويجوز أن يكون صفة الفاحشة، كقوله تعالى: {أية : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار}تفسير : [يۤس: 37] وقال الشاعر:شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} قال الفرّاء: لوط مشتق من قولهم: هذا ألْيَط بقلبي، أي ألصق. وقال النحاس: قال الزجاج زعم بعض النحويين ـ يعني الفرّاء ـ أن لوطاً يجوز أن يكون مشتقاً من لُطْتُ الحوض إذا ملسته بالطين. قال: وهذا غلط؛ لأن الأسماء الأعجمية لا تشتقّ كإسحاق، فلا يقال: إنه من السُّحق وهو البُعد. وإنما صرف لوط لخفته لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط. قال النقاش: لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية. فأما لُطْتُ الحوض، وهذا ألْيَط بقلبي من هذا، فصحيح. ولكن الاسم أعجميّ كإبراهيم وإسحاق. قال سيبويه: نُوحٌ ولُوطٌ أسماء أعجمية، إلا أنها خفيفة فلذلك صرِفت. بعثه الله تعالى إلى أمة تسمى سدوم، وكان ابن أخي إبراهيم. ونَصْبُه إما بـ«أَرْسَلْنَا» المتقدّمة فيكون معطوفاً. ويجوز أن يكون منصوباً بمعنى وٱذكر. الثانية: قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} يعني إتْيَان الذكور. ذكرها الله باسم الفاحشة ليبيِّن أنها زِنًى؛ كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}تفسير : [الإسراء: 32]. وٱختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه؛ فقال مالك: يُرْجَم؛ أحْصِن أو لم يُحصَن. وكذلك يرجم المفعول به إن كان محتلماً. وروي عنه أيضاً: يرجم إن كان مُحْصَناً، ويحبس ويؤدّب إن كان غير محصن. وهو مذهب عطاء والنخعيّ وٱبن المسيب وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يُعَزَّز المحصن وغيره؛ وروي عن مالك. وقال الشافعِيّ: يحدّ حَدّ الزِّنَى قياساً عليه. احتج مالك بقوله تعالى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}تفسير : [الحجر: 74]. فكان ذلك عقوبة لهم وجزاءً على فعلهم. فإن قيل: لا حجة فيها لوجهين؛ أحدهما ـ أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم. الثاني ـ أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها؛ فدلّ على خروجها من باب الحدود. قيل: أمّا الأوّل فغلط؛ فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على معاصي فأخذهم بها؛ منها هذه. وأمّا الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راضٍ، فعُوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه. وهي حكمة الله وسنته في عباده. وبَقِي أمرُ العقوبة على الفاعلين مستمراً. والله أعلم. وقد رَوَى أبو داود وابن ماجه والترمِذيّ والنسائِي والدَّارَقُطْنِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فٱقتلوا الفاعل والمفعول به»تفسير : . لفظ أبي داود وابن ماجه. وعند الترمذِيّ «حديث : أحْصنا أو لم يحصنا»تفسير : . وروى أبو داود والدارقطنِيّ عن ٱبن عباس في البِكر يوجد على اللُّوطِية قال: يرجم. وقد رُوي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه حرَّق رجلاً يُسمّى الفُجاءة حين عمل عمل قوم لوط بالنار. وهو رأي عليّ بن أبي طالب؛ فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وٱستشارهم فيه؛ فقال عليّ: إن هذا الذنب لم تَعْصِ به أُمّةٌ من الأُمم إلا أُمّة واحدة صنع الله بها ما علمتم، أرى أن يُحرق بالنار. فٱجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد ابن الوليد أن يحرقه بالنار فأحرقه. ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه. ثم أحرقهم هشام بن الوليد. ثم أحرقهم خالد القَسْرِي بالعراق. ورُوي أن سبعة أُخذوا في زمن ابن الزبير في لِوَاط؛ فسأل عنهم فوجد أربعة قد أُحْصِنوا فأمر بهم فخرجوا بهم من الحرم فرُجِموا بالحجارة حتى ماتوا، وحدّ الثلاثة؛ وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ينكرا عليه. وإلى هذا ذهب الشافعيّ. قال ابن العربِيّ: والذي صار إليه مالك أحقُّ، فهو أصحّ سنداً وأقوى معتَمَداً. وتعلّق الحنفيون بأن قالوا: عقوبة الزِّنَى معلومة؛ فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألاّ يشاركها في حدّها. ويأثرون في هذا حديثاً: «حديث : مَن وضع حدّاً في غير حَدٍّ فقد تعدّى وظَلَم»تفسير : . وأيضاً فإنه وطء في فرج لا يتعلّق به إحلالٌ ولا إحصان، ولا وجوبُ مهر ولا ثبوتُ نسب؛ فلم يتعلق به حدّ. الثالثة ـ فإن أتى بهيمة فقد قيل: لا يقتل هو ولا البهيمة. وقيل: يقتلان؛ حكاه ابن المنْذِر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وفي الباب حديث رواه أبو داود والدّارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من وقع على بهيمة فٱقتلوه وٱقتلوا البهيمة معه»تفسير : . فقلنا لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. قال ٱبن المنذر: إن يَكُ الحديث ثابتاً فالقول به يجب، وإن لم يثبت فليستغفر الله من فعل ذلك كثيراً، وإن عزّره الحاكم كان حسناً. والله أعلم. وقد قيل: إن قتل البهيمة لئلا تُلْقِي خَلْقاً مُشَوَّهاً؛ فيكون قتلها مصلحة لهذا المعنى مع ما جاء من السنة. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: ليس على الذي زنى بالبهيمة حد. قال أبو داود: وكذا قال عطاء. وقال الحكَم: أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحدّ. وقال الحسن: هو بمنزلة الزاني. وقال الزهرِيّ: يجلد مائة أحصِن أو لم يحصن. وقال مالك والثّوريّ وأحمد وأصحاب الرأي يعزّر. ورُوي عن عطاء والنّخعيّ والحكَم. وٱختلفت الرواية عن الشافعيّ، وهذا أشبه على مذهبه في هذا الباب. وقال جابر بن زيد: يقام عليه الحدّ، إلا أن تكون البهيمة له. الرابعة ـ قوله تعالى: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} «مِن» لاستغراق الجنس، أي لم يكن اللِّواط في أُمّة قبل قوم لوط. والملحِدون يزعمون أن ذلك كان قبلهم. والصدق ما ورد به القرآن. وحكى النقاش أن إبليس كان أصْلَ عملهم بأن دعاهم إلى نفسه لعنه الله، فكان يُنكح بعضهم بعضاً. قال الحسن: كانوا يفعلون ذلك بالغُرَبَاء، ولم يكن يفعله بعضهم ببعض. وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أخوف ما أخاف على أُمّتي عمل قوم لوط»تفسير : . وقال محمد بن سِيرين: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار.
البيضاوي
تفسير : {وَلُوطاً} أي وأرسلنا لوطاً. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} وقت قوله لهم أو واذكر لوطاً وإذ بدل منه. {أَتَأَتُونَ الفَاحِشَةَ} توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح. {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ} ما فعلها قبلكم أحد قط. والباء للتعدية ومن الأولى لتأكيد النفي والاستغراق، والثانية للتبعيض. والجملة استئناف مقرر للإِنكار كأنه وبخهم أولاً بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ. {أَنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ} بيان لقوله: {أَتَأتون الفاحشة} وهو أبلغ في الإِنكار والتوبيخ، وقرأ نافع وحفص «إنكم» على الإِخبار المستأنف، وشهوة مفعول له أو مصدر في موقع الحال وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة، وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع، لا قضاء الوطر. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} إضراب عن الإِنكار إلى الإِخبار عن حالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإِسراف في كل شيء، أو عن الإِنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف مثل لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإِسراف. {وَمَا كَانَ جَوَابُ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتكُمْ} أي ما جاؤوا بما يكون جواباً عن كلامه، ولكنهم قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه فيمن معه من المؤمنين من قريتهم والاستهزاء بهم فقالوا: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَّهِرُونَ} أي من الفواحش. {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} أي من آمن به. {إلاَّ امْرَأتَهُ} استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر. {كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ} من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا والتذكير لتغليب الذكور. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} أي نوعاً من المطر عجيباً وهو مبين بقوله: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ }تفسير : [الحجر: 74] {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} روي: أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر مع عمه إبراهيم عليه السلام إلى الشام نزل بالأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم ليدعوهم إلى الله وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها فأمطر الله عليهم الحجارة فهلكوا. وقيل خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إليهم، وهم أولاد مدين بن إبراهيم خليل الله شعيب بن ميكائيل بن بسجر بن مدين، وكان يقال له خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لحسن مراجعته قومه. {قَالَ يَـا قَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ} يريد المعجزة التي كانت له وليس في القرآن أنها ما هي، وما روي من محاربة عصا موسى عليه الصلاة والسلام التنين وولادة الغنم التي دفعها إليه الدرع خاصة وكانت الموعودة له من أولادها، ووقوع عصا آدم على يده في المرات السبع متأخرة عن هذه المقاولة، ويحتمل أن تكون كرامة لموسى عليه السلام أو إرهاصاً لنبوته. {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} أي آلة الكيل على الإِضمار، أو إطلاق الكيل على المكيال كالعيش على المعاش لقوله: {وَٱلْمِيزَانَ} كما قال في سورة «هود» {أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} أو الكيل ووزن الميزان، ويجوز أن يكون الميزان مصدراً كالميعاد. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ} ولا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال أشياءهم للتعميم تنبيهاً على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير. وقيل كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} بالكفر والحيف. {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } بعدما أصلح أمرها أو أهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع، أو أصلحوا فيها والإِضافة إليها كالإِضافة في {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} إشارة إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه، ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقاً أو في الإِنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ} بكل طريق من طرق الدين كالشيطان، وصراط الحق وإن كان واحداً لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام، وكانوا إذا رأوا أحداً يسعى فى شيء منها منعوه. وقيل كانوا يجلسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيباً إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون لمن آمن به. وقيل كانوا يقطعون الطريق. {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني الذي قعدوا عليه فوضع الظاهر موضع المضمر بياناً لكل صراط، ودلالة على عظم ما يصدون عنه وتقبيحاً لما كانوا عليه أو الإِيمان بالله. {مَنْ ءامَنَ بِهِ} أي بالله، أو بكل صراط على الأول، ومن مفعول تصدون على إعمال الأقرب ولو كان مفعول توعدون لقال وتصدونهم وتوعدون بما عطف عليه في موقع الحال من الضمير في تقعدوا. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} وتطلبون لسبيل الله عوجاً بإلقاء الشبه، أو وصفها للناس بأنها معوجة. {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً} عَدَدَكُمْ أو عُدَدَكُمْ. {فَكَثَّرَكُمْ} بالبركة في النسل أو المال. {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} من الأمم قبلكم فاعتبروا بهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَ} لقد أرسلنا {لُوطاً} أو تقديره {وَ} اذكر {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام، وكان قد آمن مع إبراهيم عليه السلام، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله عز وجل، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها، لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله. قال عمرو بن دينار في قوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط، وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي باني جامع دمشق: لولا أن الله عز وجل قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكراً يعلو ذكراً، ولهذا قال لهم لوط عليه السلام: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَـٰلَمِين إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} أي: عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم وجهل؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، ولهذا قال لهم في الآية الأخرى: {أية : هَـٰؤُلآءِ بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ} تفسير : [الحجر: 71] فأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، {أية : قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} تفسير : [هود: 79] أي: لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك، وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن قد استغنين بعضهن ببعض أيضاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر { لُوطاً } ويبدل منه {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ } أي أدبار الرجال {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَٰلَمِينَ } الإِنس والجنّ.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {وَلُوطاً } معطوف على ما سبق، أي وأرسلنا لوطاً، أو منصوب بفعل مقدّر، أي واذكر لوطاً وقت قال لقومه. قال الفراء: لوط مشتق من قولهم: هذا أليط بقلبي، أي ألصق. قال الزجاج: زعم بعض النحويين أن لوطاً يجوز أن يكون مشتقاً من لطت الحوض إذا ملسته بالطين، وهذا غلط. لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق. وقال سيبويه نوح ولوط أسماء أعجمية إلا أنها خفيفة، فلذلك صرفت. ولوط هو ابن هاران بن تارخ، فهو ابن أخي إبراهيم، بعثه الله إلى أمة تسمى سدوم. {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } أي الخصلة الفاحشة المتمادية في الفحش والقبح. قال ذلك إنكاراً عليهم وتوبيخاً لهم {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي لم يفعلها أحد قبلكم. فإن اللواط لم يكن في أمة من الأمم قبل هذه الأمة، و «من» مزيدة للتوكيد للعموم في النفي، وإنه مستغرق لما دخل عليه، والجملة مسوقة لتأكيد النكير عليهم والتوبيخ لهم. قوله: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً } قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة. وقرأ الباقون بهمزتين على الاستفهام المقتضي للتوبيخ والتقريع، واختار القراءة الأولى أبو عبيد والكسائي وغيرهما، واختار الخليل وسيبويه القراءة الثانية، فعلى القراءة الأولى تكون هذه الجملة مبينة لقوله: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } وكذلك على القراءة الثانية، مع مزيد الاستفهام وتكريره المفيد للمبالغة في التقريع والتوبيخ، وانتصاب {شهوة} على المصدرية، أي تشتهونهم شهوة، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، أي مشتهين. ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي لأجل الشهوة، وفيه أنه لا غرض لهم بإتيان هذه الفاحشة إلا مجرد قضاء الشهوة من غير أن يكون لهم في ذلك غرض يوافق العقل، فهم في هذا كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض، لما يتقاضاها من الشهوة {مّن دُونِ ٱلنّسَاء } أي متجاوزين في فعلكم هذا للنساء، اللاتي هنّ محل لقضاء الشهوة، وموضع لطلب اللذة، ثم أضرب عن الإنكار المتقدّم إلى الإخبار بما هم عليه من الإسراف الذي تسبب عنه إتيان هذه الفاحشة الفظيعة. قوله: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } الواقعين في هذه الفاحشة على ما أنكره عليهم منها {إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم } أي لوطاً وأتباعه {مّن قَرْيَتِكُمْ } أي ما كان لهم جواب إلا هذا القول المباين للإنصاف، المخالف لما طلبه منهم وأنكره عليهم، وجملة: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } تعليل لما أمروا به من الإخراج، ووصفهم بالتطهر، يمكن أن يكون على حقيقته، وأنهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه الفاحشة، فلا يساكنونا في قريتنا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق السخرية والاستهزاء، ثم أخبر الله سبحانه أنه أنجى لوطاً وأهله المؤمنين به، واستثنى امرأته من الأهل، لكونها لم تؤمن به، ومعنى: {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } أنها كانت من الباقين في عذاب الله، يقال غبر الشيء إذا مضى، وغبر إذا بقي فهو من الأضداد. وحكى ابن فارس في المجمل عن قوم أنهم قالوا: الماضي عابر بالعين المهملة، والباقي غابر بالمعجمة. وقال الزجاج: {مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } أي من الغائبين عن النجاة. وقال أبو عبيد: المعنى {مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } أي من المعمرين، وكانت قد هرمت، وأكثر أهل اللغة على أن الغابر الباقي. قوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } قيل: أمطر بمعنى إرسال المطر. وقال أبو عبيدة: مطر في الرحمة وأمطر في العذاب، والمعنى هنا: أن الله أمطر عليهم مطراً غير ما يعتادونه، وهو رميهم بالحجارة كما في قوله: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } تفسير : [الحجر: 74] {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } هذا خطاب لكل من يصلح له، أو لمحمد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في هود قصة لوط بأبين مما هنا. وقد أخرج ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر، عن ابن عباس في قوله: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } قال: أدبار الرجال. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس، قال: إنما كان بدء عمل قوم لوط: أن إبليس جاءهم في هيئة صبيّ، أجمل صبيّ رآه الناس، فدعاهم إلى نفسه، فنكحوه ثم جسروا على ذلك. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عنه، في قوله: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } قال: من أدبار الرجال، ومن أدبار النساء. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } قال: من الباقين في عذاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف.
ابن عطية
تفسير : "لوط" عليه السلام بعثه الله إلى أمة تسمى سدوم وروي أنه ابن أخي إبراهيم عليه السلام، ونصبه إما {أرسلنا} المتقدم في الأنبياء وإما بفعل مضمر تقديره واذكر {لوطَا} واستفهامه لهم هو على جهة التوقيف والتوبيخ والتشنيع، و {الفاحشة} هنا إتيان الرجال في الأدبار، وروي أنه لم تكن هذه المعصية في أمم قبلهم. قال القاضي أبو محمد: وإن كان لفظ الآية يقتضي هذا فقد كانت الآية تحتمل أن يراد بها ما سبقكم أحد إلى لزومها وتشهيرها وروي أنهم إن كانوا يأتي بعضهم بعضاً، وروي أنهم إنما كانوا "يأتون" الغرباء قاله الحسن البصري، قال عمرو بن دينار ما زنا ذكر على ذكر قبل قوم "لوط"، وحكى النقاش: أن إبليس كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه، وقال بعض العلماء عامل اللواط كالزاني، وقال مالك رحمه الله وغيره: يرجم أحصن أو لم يحصن، وحرق أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلاً يسمى الفجأة حين عمل عمل قوم "لوط". وقرأ نافع والكسائي وحفص عن عاصم "أنكم" على الخبر كأنه فسر {الفاحشة} وقرأ ابن كثير أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة: "أإنكم" باستفهام آخر، وهذا لأن الأول استفهام عن أمر مجمل والثاني عن مفسر، إلا أن حمزة وعاصماً قرءا بهمزتين، ولم يهمز أبو عمر وابن كثير إلا واحدة و {شهوة}: نصب على المصدر من قولك شهيت الشيء شهاه، والمعنى تدعون الغرض المقصود بالوطء وهو ابتغاء ما كتب الله من الوالد وتنفردون بالشهوة فقط، وقوله: {بل أنتم} إضراب عن الإخبار عنهم أو تقريرهم على المعصية وترك لذلك إلى الحكم عليهم بأنهم قوم قد تجاوزوا الحد وارتكبوا الحظر، والإسراف الزيادة المفسدة. وقرأ الجمهور "جوابَ" بالنصب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "جوابُ" بالرفع، ولم تكن مراجعة قومه باحتجاج منهم ولا بمدافعة عقلية وإنما كانت بكفر وصرامة وخذلان بحت في قولهم {أخرجوهم} وتعليلهم الإخراج بتطهير المخرجين، والضمير عائد على "لوط" وأهله وإن كان لم يجر لهم ذكر فإن المعنى يقتضيهم، وروي أنه لم يكن معه غير ابنتيه وعلى هذا عني في الضمير هو وابنتاه، و {يتطهرون} معناه يتنزهون عن حالنا وعادتنا، قال مجاهد معناه {يتطهرون} عن أدبار الرجال والنساء، قال قتادة: عابوهم بغير عيب وذموهم بغير ذم، والخلاف في أهله حسبما تقدم. واستثنى الله امرأة "لوط" عليه السلام من الناجين وأخبر أنها هلكت، والغابر الباقي هذا المشهور في اللغة، ومنه غير الحيض كما قال أبو كبير الهذلي: [الكامل] شعر : ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد من ضعة وداء مغيل تفسير : وغبر اللبن في الضرع بقيته، فقال بعض المفسرين: {كانت من الغابرين} في العذاب والعقاب أي مع الباقين ممن لم ينج، وقال أبو عبيدة معمر: ذكرها الله بأنها كانت ممن أسن وبقي من عصره إلى عصر غيره فكانت غابرة إلى أن هلكت مع قومها. قال القاضي أبو محمد: فكأن قوله: {إلا امرأته} اكتفى به في أنها لم تنج ثم ابتدأ وصفها بعد ذلك بصفة لا تتعلق بها النجاة ولا الهلكة، والأول أظهر، وقد يجيء الغابر بمعنى الماضي، وكذلك حكى أهل اللغة غبر بمعنى بقي وبمعنى مضى، وأما قوله الأعشى: [السريع] شعر : عض بما أبقى المواسي له من أمه في الزمن الغابر تفسير : فالظاهر أنه أراد الماضي وذلك بالنسبة إلى وقت الهجاء، ويحتمل أن يريد في الزمن الباقي وذلك بالنسبة إلى الحين هو غابر بعد الإبقاء، ويحتمل أن يعلق في الزمن بعض فيكون الباقي على الإطلاق والأول أظهر. وقوله تعالى: {وأمطرنا عليهم} الآية، نص على إمطار وتظاهرت الآيات في غير هذه السورة أنه بحجارة، وروي أن الله عز وجل بعث جبريل فاقتلعها بجناحه وهي ست مدن، وقيل خمس، وقيل أربع، فرفعها حتى سمع أهل السماء نهاق الحمير وصراخ الديكة ثم عكسها ورد أعلاها أسفلها وأرسلها إلى الأرض. وتبعتهم الحجارة مع هذا فأهلكت من كان منهم في سفر أو خارجاً عن البقع المرفوعة، وقالت امرأة لوط حين سمعت الرجة: واقوماه والتفتت فأصابتها صخرة فقتلتها.
الخازن
تفسير : {ولوطاً} يعني وأرسلنا لوطاً وقيل: معناه واذكر يا محمد لوطاً وهو لوط بن هاران بن تارخ وهو ابن أخي إبراهيم وإبراهيم عمه {إذ قال لقومه} يعني أهل سدوم وإليهم كان قد أرسل وذلك أن لوطاً عليه الصلاة والسلام لما هاجر مع عمه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام إلى الشام فنزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أرض فلسطين ونزل لوط الأردن أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى: {أتأتون الفاحشة} يعني أتفعلون الفعلة الخسيسة التي هي غاية في القبح وكانت فاحشتهم إتيان الذكران في أدبارهم {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} من الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض، والمعنى: ما سبقكم أيها القوم بهذه الفعلة الفاحشة أحد من العالمين قبلكم وفي هذا الكلام توبيخ لهم وتقريع على فعلهم تلك الفاحشة. قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط {أئنكم لتأتون الرجال} يعني في أدبارهم {شهوة من دون النساء} يعني في أدبار الرجال اشهى عندكم من فروج النساء {بل أنتم} يعني أيها القوم {قوم مسرفون} أي مجاوزون الحلال إلى الحرام وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث لأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا وجعل النساء محلاً للشهوة وموضع النسل فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فكأنما قد أسرف وجاوز واعتدى لانه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي خلق له لأن أدبار الرجال ليست محلاً للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان وكانت قصة قوم لوط، على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار والسير أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة ذات زروع وثمار لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم وضيقوا عليهم فعرض لهم إبليس في صورة شيخ وقال لهم إذا فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم فأبوا فلما أحل الناس عليهم قصدوهم فأصابوا غلماناً حساناً صباحاً فأخبثوا واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء، وقيل: استحكم ذلك الفعل فيهم حتى نكح بعضهم بعضاً. وقال الكلبي: إن أول من عمل به عمل قوم لوط إبليس وذلك لأن بلادهم أخصبت فقصدها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد فدعا إلى نفسه فكان أول من نكح في دبره فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم والأرض أن تخسف بهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ}. لوطٌ عليه عليه السلام بعثه اللَّه سبحانه إِلى أُمَّة تسَّمى «سَدُومَ» ورُوِيَ أَنه ابنُ أَخِي إِبراهيمَ عليه السلام ونَصْبُه: إما بـــ «أرسلنا» المتقدِّم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره: وٱذكر لوطاً، و{الفَاحِشَةَ}: إتيان الذكور في الأَدْبَارِ، ورُوِيَ أنه لم تكُنْ هذه المعصيةُ في أُمَّة قبلهم، وحُكْم هذه الفاحشة؛ عند مالك وغيره: الرجْمُ، أُحْصِنَ أم لم يُحْصن، وحرَّقُ أبو بكر الصديقُ رضي اللَّه عنه رجُلاً عَمِلَ عَمَل قومِ لوط، وقرأ نافع وغيره: «أَنَّكُمْ»؛ على الخبر؛ كأنه فَسَّر الفاحشة، والإِسرافُ: الزيادةُ الفاسدةُ، ولم تكُنْ مراجعةُ قومه بٱحتجاجٍ منهم، ولا بمدافعة عقليَّة، وإِنما كانَتْ بكُفْر وخِذْلان، و{يَتَطَهَّرُونَ}: معناه: يتنزَّهون عن حالنا وعادَتِنا. قال قتادة: عَابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذَمٍّ واستثنى اللَّه سبحانه ٱمرأَةَ لوطٍ عليه السلام من الناجينَ، وأخبر أنها هَلَكَتْ، والغابِرُ: هو الباقي؛ هذا هو المشهور في اللغة، وقد يجيء الغَابِرُ بمعنى الماضِي، وكذلك حَكَى أهل اللغةُ «غَبَرَ» بمعنى بَقِيَ، وبمعنى «مضى»، وقوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً...} الآية، أي: بحجارةٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى بعث جبريل، فٱقتلعها بجناحِهِ، وهي ستُّ مدن. وقيل خمسٌ، وقيل: أربع، فرفعها حتَّى سمع أَهْلُ السماء الدنيا صُرَاخَ الدِّيَكَة، وَنُبَاحَ الكِلاَبِ، ثم عكَسَها، وَرَدَّ أعلاها أَسْفَلَهَا، وأرسلها إِلى الأرض، وتبعتهم الحِجَارَةُ مع هذا، فأهلكَتْ مَنْ كان منهم، مَنْ كان في سَفَر، أو خارجاً من البقع المرفوعةِ، وقالت امرأَةُ لوط، حين سَمِعَتِ الوَجْبَة: وَاقَوْمَاهُ، وٱلتفتَتْ، فأصابتها صخْرَةٌ فَقَتَلَتْهَا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} القصة. في نصب "لُوطاً" وجهان: أحدهما: أنه منصوب بـ "أرْسَلْنَا" الأوَّلِ، و"إذ" ظرف الإرسال. والثاني: أنَّهُ منصوبٌ بإضمار "اذْكُرْ"، وفي العامل في الظرف حينئذ وجهان: أحدهما - وهو قول الزمخشريِّ أنَّهُ بدلٌ من "لوطاً" قال: "بمعنى: واذكر وقت إذ قال لقومه" وهذا على تسليم تصرف "إذ". والثاني: أنَّ العامل فيها مُقَدَّرٌ تقديره: "واذْكُرْ رسالةَ لُوط إذْ قَالَ" فـ "إذ" منصوب بـ "رسالة". قاله أبُو البقاء، والبدل حينئذٍ بدل اشتمال. وصرّف نوح ولوط لخفَّتِهِ، فإنَّهُ ساكنُ الوسط، مركب من ثلاثة أحرف. قال الزَّجَّاج: زعم بعض النَّحويين يعني الفرَّاء: أنَّ لوطاً يجوز أن يكون مشقاً لُطْتُ الحوض إذا ملسته بالطين، وهذا غلط؛ لأنَّ الأسماء الأعجميّة لا تشتق كإسْحَاق، فلا يقال: إنه من السُّحق وهو البعد؛ وإنَّمَا صرف لخفته؛ لأنَّه على ثلاثة أحْرُف ساكن الوسط، فأمَّا لطتُ الحوضَ، وهذا أليط فصحيح، ولكن الاسم أعجميّ كإبراهيم وإسحاق. وهو: لوطُ بْنُ هَاران بْنِ تَارِخ ابْنِ أخي إبراهيم، كان في أرض بابل مع عمه إبراهيم،، فهاجر إلى الشَّام، فنزل إبراهيمُ إلى فلسطين، وأنزل لوطاً الأردن، فأرسله اللَّهُ عز وجل إلى أهل سَدُوم. قوله: "أتأتُون الفَاحِشَة" أتفعلون السيئة المتناهية في القبح، وذكرها باسم الفاحشة ليبين أنَّها زنا لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}تفسير : [الإسراء: 32]. {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّهَا مستأنفة لا محلَّ لها من الإعرابِ، وعلى الاستئناف يحتمل أن تكون جواباً لسؤال وألا تكون جواباً. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "فإن قلت: ما موقع هذه الجملة"؟ قلت: لا مَحَلَّ لها لأنَّها مُسْتَأنفة، أنكر عليهم أوّلاً بقوله: "أتَأتُونَ الفَاحِشَةَ" ثُمَّ وبخهم عليها فقال: أنتم أوَّلُ من عملها. أو تكون جواباً لسؤال مقدَّر، كأنَّهُم قالوا: لِمَ لا تأتيها؟ فقال: "ما سبقكم بها أحَدٌ؛ فلا تفعلوا ما لم تُسْبَقُوا به" وعلى هذا فتكون صفة للفاحشة، كقوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [يس: 37] وقال الشَّاعر: [الكامل] شعر : 2511- وَلَقَدْ أمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّني .............................. تفسير : والباء في "بِهَا" فيها وجهان: أظهرهما أنها حالية، أي: ما سبقكم أحدٌ مصاحباً لها أي: ملتبساً بها. والثاني: أنَّها للتعدية. قال الزمخشريُّ: الباءُ للتعدية من قولك: "سَبَقْته بالكُرة" إذا ضربتها قبله. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ". قال أبو حيان: "والتّعدية هنا قلقة جداً؛ لأنَّ "الباء" المعدِّية في الفعل المتعدي لواحد [هي] بجعل المفعولِ الأوَّلِ يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة، وبيان ذلك أنَّك إذا قلت: "صَكَكْتُ الحجرَ بالحَجر" كان معناه: أصْكَكْت الحجرَ بالحجر أي: جَعَلْت الحجر يَصُكُّ الحجر، فكذلك: دفعت زيداً بعمرو عن خالد، معناه: أدْفَعْتُ زيداً عمراً عن خالد أي جعلت زيداً يدفع عمراً عن خالد فللمفعول الأوَّل تأثير في الثَّاني ولا يصحُّ هذا المعنى هنا؛ إذْ لا يصحُّ أن يقدَّر: أسْبَقْتُ زيداً الكرة أي: جعلت زَيْداً يسبق الكُرَةَ إلا بمجاز متكلَّف، وهو أن تجعل ضربك للكرةِ أول جَعْل ضربة قد سبقها أي: تقدَّمها في الزمان فلم يجتمعا". و "مِنْ" الأولى لتأكيد استغراق النفي والثانية للتبعيض. والوجه الثاني من وجهي الجملة: أنَّها حال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: هو الفاعل أي: أتأتون مبتدئين بها. والثاني: هو المفعول أي: أتأتونها مُبْتَدَأ بها غير مسبوقة من غيركم. قال عمرو بن دينار: "ما يراد ذكر على ذكر في الدُّنيا حتى كان قوم لوط". قوله: "أإنَّكُمْ" قرأ نافعٌ وحفصٌ عن عاصم: "إنكم" على الخبر المستأنف، وهو بيان لتلك الفاحشة، وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي للتّوبيخ، فقرأ ابنُ كثير بهمزة غير ممدودة وتليين الثَّانية، وقرأ أبُو عمرو بهمزة ممدودة للتّخفيف وتليين الثانية، والباقون بهمزتين على الأصل. قال الواحديُّ: "كان هذا استفهاماً معناه الإنكار لقوله تعالى: "أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ"، وكلُّ واحد من الاستفهامين جملة مستقلة غير محتاجة في تمامها إلى شيء آخر". قوله: {لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً} قيل: نصب "شَهْوَةً" على أنه مفعول من أجله، أي: لأجل الاشتِهَاءِ لا حامل لكم عليه إلاَّ مجرّد الشَّهوة لا غير. وقيل: إنَّها مصدر واقعٌ موقع الحال، أي: مشتهين أو باق على مصدريَّته، ناصبة "أتَأتُونَ"؛ لأنَّهُ بمعنى أتشتهون. ويقال: شَهِيَ يَشْهَى شَهْوَةً، [وشَهَا يَشْهُو شَهْوَةً] قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 2512 - وَأشْعَثَ يَشْهَى النَّوْمَ قُلْتُ لَهُ: ارْتَحِلْ إذَا مَا النُّجُومُ أعْرَضَتْ واسْبَكَرَّتِ تفسير : وقد تقدَّم ذلك في آل عمران. قوله: {مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدها: أنَّهُ متعلق بمحذوف، لأنَّهُ حال من "الرِّجالِ" أي: أتأتونهم منفردين عن النِّساء. والثاني: أنَّهُ متعلِّق بـ "شَهْوَة"، قاله الحوفيُّ. وليس بظاهر أن تقول: "اشتهيتُ من كذا"، إلاَّ بمعنى غير لائق هنا. والثالث: أن يكُون صفة لـ "شهوة" أي: شهوة كَائِنَة من دونهن. قوله: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} "بل" للإضراب، والمشهور أنهُ إضراب انتقالٍ من قصّة إلى قصّة، فقيل: عن مذكور، وهو الإخبار بتجاوزهم عن الحدِّ في هذه الفاحشة، أو عن توبيخهم وتقريرهم، والإنكار عليهم. وقيل: بل للإضراب عن شيء مَحْذُوفٍ. واختلف فيه: فقال أبُو البقاءِ: "تقديرُهُ: ما عَدَلْتُم بل أنتم". وقال الكَرْمَانيُّ: "بل" ردٌّ لجواب زعموا أن يكون لهم عذراً أي: "لا عذر لكم بل". وجاء هنا بصفة القوم اسم الفاعل وهو "مُسْرِفُونَ"؛ لأنَّهُ أدلُّ على الثُّبوت ولموافقة رءوس الآي؛ فإنَّهَا أسماء. وجاء في النمل [55] {تَجْهَلُونَ} دلالة على أنَّ جهلهم يتجدد كل وقت ولموافقة رءوس الآي فإنها أفعال. فصل في الإسراف معنى "مُسْرِفُونَ" أي: يتجاوزون الحلال إلى الحَرَامِ. قال الحسنُ: "كانوا لا ينكحون إلا الغرباء". وقال الكلبيُّ: "إنَّ أوَّل من عملَ عملَ قوم لوط إبليس؛ لأنَّ بلادهم أخْصَبَتْ فانتجعها أهلُ البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شابّ، ثم دعا إلى دُبرِهِ فنكح في دبره، فأمر الله - تعالى - السَّماءَ أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم".
البقاعي
تفسير : ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق من قصتهم، أتبعه من بعده ممن تعرفه العرب كما فعل فيما قبل فقال: {ولوطاً إذ قال} ولما كانت رسالته إلى مدن شتى، وكأنهم كانوا قبائل شتى، قيل: كانوا خمسة وهي المؤتفكات، وقيل: كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة الشريفة، قال: {لقومه} وقد جوزوا أن يكون العامل فيه {أرسلنا} و {اذكر} ولا يلزم من تقدير {أرسلنا} أن يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير سابق عليه، لأنه كما أن ذلك الزمن - المنطبق على أول قوله وآخره - وقت له فكذلك اليوم - الذي وقع فيه هذا القول - وقت له، بل وذلك الشهر وتلك السنة وذلك القرن، فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في الفعل الواحد يوماً، قالوا: يوم القادسية، وهو أربعة أيام إن اعتبرنا مدة القتال فقط، وعدة شهور إن اعتبرنا بالاجتماع له، وكذا يوم صفين، وقال تعالى في قصة بدر {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} إلى أن قال: {إذ تستغيثون ربكم} إلى أن قال: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} { أية : إذ يوحي ربك إلى الملائكة } تفسير : [الأنفال: 7] وكلها إبدال من قوله: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} ولا ريب في أن زمان الكل يكن متحداً إلا بتأويل جميع الأيام المتعلقة بالوقعة من سير وقتال وغير ذلك - والله أعلم، وعبر في قصة نوح عليه السلام بـ{أية : أرسلنا نوحاً إلى قومه } تفسير : [الأعراف: 59] ثم نسق من بعده عليه فقيل: {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً}تفسير : [الأعراف: 65] {أية : وإلى ثمود أخاهم صالحاً}تفسير : [الأعراف: 73] { أية : وإلى مدين أخاهم شعيباً } تفسير : [الأعراف: 85] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل: وإلى أهل أدوماً أخاهم لوطاً، أو إلى أهل سدوم لوطاً أو وأرسلنا لوطاً إلى قومه ونحو ذلك كما سيأتي في قصة موسىعليه السلام، لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه القصص تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، في مخالفة قومه لهوعدم استجابتهم وشدة أذاهم وإنذار قومه أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب، وقصص من عدا قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله والأذى لعباده المؤمنين، وأما قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيهاً عليه تهويلاً للامر وتبشيعاً له، ليكون في التسلية أشد، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم، وحينئذ يترجح أن يكون العامل {اذكر} لا {أرسلنا} أي واذكر لوطاً وما حصل عليه من قومه زيادة على شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعاً، فالقصة في الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم سوء المآل مع ما شاركت فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم وشرارة جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش، والدليل على أنه أشنع الشنع بعد الشرك - مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من النفرة عنه - اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في وقت من الأوقات ولا مع وصف من الأوصاف، وبقية المحرمات ليست كذلك، فأما قتل النفوس فقد حل في القصاص والجهاد وغير ذلك، والوطء في القبل لم يحرم إلا بقيد كونه زنى، ولولا الوصف لحل، وأكل المال الأصل فيه الحل، وما حرم إلا بقيد كونه بالباطل - وكذا غير ذلك؛ قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهوداً قبحه ومركوزاً في العقول فحشه، أتى معرفاً - أي في قوله بعد إنكاره عليهم وتقريعه وتوبيخه لهم: {أتأتون الفاحشة} أي أتفعلون السيئة المتمادية في القبح وإن كان بينكم وبينها مسافة بعيدة - أو تكون "أل" فيه للجنس على سبيل المبالغة، كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام، وذلك بخلاف الزنى فإنه قال فيه {أية : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة} تفسير : [الإسراء: 32]. ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا: لم تكون فعلتنا منكراً موبخاً عليها؟ قال: {ما سبقكم بها} وأغرق في النفي بقوله: {من أحد} وعظم ذلك بتعميمه في قوله: {من العالمين*} فقد اخترعتم شيئاً لا يكون مثل فحشه لتذكروا به أسوأ ذكر، كما أن ذوي الهمم العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما يبقى لهم ذكره وينفعهم أجره، وفي ذلك أعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع على فاعليها، لأن العقول لا تستقل بمعرفة المحاسن. ولما أبهم الفاحشة ليحصل التشوف إلى معرفتها، عينها في استفهام آخر كالأول في إنكاره وتوبيخه ليكون أدل على تناهي الزجر عنها فقال: {إنكم لتأتون الرجال} أي تغشونهم غشيان النساء؛ ولما أبقى للتشوف مجالاً، عين بقوله: {شهوة} أي مشتهين، أو لأجل الشهوة، لا حامل لكم على ذلك إلا الشهوة كالبهائم التي لا داعي لها من جهة العقل, وصرح بقوله: {من دون النساء} فلما لم يدع لبساً، وكان هذا ربما أوهم إقامة عذر لهم في عدم وجدان النساء أو عدم كفايتهن لهم، أضرب عنه بقوله: {بل أنتم قوم}. ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار كان الأليق به الإسراف الذي هو غاية الجهل المذكور في سورة النمل فقال {مسرفون*} أي لم يحملكم على ذلك ضرورة لشهوة تدعونها، بل اعتياد المجاوزة للحدود، ولم يسم قوم لوط في سورة من السور كما سميت عاد وثمود وغيرهم صوناً للكلام عن تسميتهم، وأما قوم نوح فإنما لم يسموا لعدم تفرق القبائل إذ ذاك، فكانوا لذلك جميع أهل الأرض ولذا عمهم الغرق - والله أعلم. ولما كان كأنه قيل: هذا التقريع يوجب غاية الاستحياء، بل إنه يذهب كل من سمعه منهم إلى مكان لا يعرف فيه ستراً لحاله، فيا ليت شعري ما كان حالهم عنده! فقيل: كان كأنهم أجابوه بوقاحة عظيمة وفجور زائد على الحد، فما كان جوابهم إلا أذى لوط عليه السلام وآله بما استحقوا منهم به شديد الإنذار الذي هو مقصود السورة، عطف عليه قوله: {وما كان جواب قومه} أي الذين هم أهل قوة شديدة وعزم عظيم وقدرة على القيام بما يحاولونه {إلا أن قالوا}. ولما كان المقصود بيان أنهم أسرعوا إجابته بما ينكيه أضمر ما لا يشكل بالإضمار، أو أنه لما كان السياق لبيان الخبيث بين أنه لا أخبث من هؤلاء الذين بلغ من رذالتهم أنهم عدوا الطاهرين المتطهرين مما يصان اللسان عن ذكره فقال تعالى مشيراً إلى ذلك في حكاية قولهم: {أخرجوهم} أي المحدث عنهم، وهم لوط ومن انضم إليه {من قريتكم} والمراد ببيان الإسراع في هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم من رد قومه لكلامه لئلا يكون في صدره حرج من إنذارهم، ثم عللوا إخراجهم بقولهم: {إنهم أناس} أي ضعفاء {يتطهرون*} وكأنهم قصدوا بالتفعل نسبتهم إلى محبة هذا الفعل القبيح، وأن تركهم له إنما هو تصنع وتكليف لنفوسهم بردها عما هي مائلة إليه، وإقبال على الطهر من غير وجهة وإظهار له رياء بما أشار إليه إظهار تاء التفعيل، وفيه مع ذلك حرف من السخرية، وحصر جوابهم في هذا المعنى المؤدي بهذا اللفظ لا ينافي آية العنكبوت القائلة{ أية : فما كان جواب قومه إلا قالوا ائتنا بعذاب الله}تفسير : [العنكبوت: 29]، لأن إطلاق الجواب على هذا يجوز، والمعنى: فما كان قولهم في جوابه إلا إتيانهم بما لا يصلح جواباً، وذلك مضمون هذا القول وغيره مما لا يتعلق بالجواب، أو أن هذا الجواب لما كان - لما فيه من التكذيب والإيذان بالإصرار والإغلاظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم - مستلزماً للعذب، كانوا كأنهم نطقوا به فقالوا {ائتنا بعذاب الله}، جعل نطقهم بالسبب نطقاً بالمسبب، أو أنهم استعملوا لكل مقام مقالاً، ويؤيده أن المعنى لما اتحد هنا وفي النمل حصر الجواب في هذا، أي فما كان جوابهم لهذا القول إلا هذا؛ ولما زادهم في العنكبوت في التقريع فقال:{أية : أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} تفسير : [العنكبوت: 29] أتوه بأبلغ من هذا تكذيباً واستهزاء فقالوا {ائتنا بعذاب الله} - الآية. ولما تسبب عن عنادهم إهلاكهم وإنجاؤه، وكان الإعلام بإنجائه - مع كونه يفهم إهلاكهم - أهم، قال: {فأنجيناه وأهله} أي من أطاعه {إلا امرأته} ولما كان كأنه قيل: ما لها؟ قال: {كانت من الغابرين*} أي الباقين الذين لحقتهم بالعذاب العبرة والتذكير إشارة إلى أنها أصابها مثل عذاب الرجال سواء، لم تنقص عنهم لأنها كانت كافرة مثلهم. ولما أفهم هذا إهلاكهم، بينه دالاً على نوعه بقوله: {وأمطرنا} أي حجارة الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم بها مسافروهم وشذابهم لأنه عذاب الاستئصال عمن لا يعجزه شيء؛ وأوضحه بقصره الفعل وتعديته بحرف الاستعلاء فقال: {عليهم} وأكد كونه من السماء لا من سطح أو جبل ونحوه بقوله: {مطراً} وأشار إلى عظمه مزيلاً للبس أصلاً بما سبب عنه من قوله: {فانظر كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المجرمين -*} وأظهر موضع الإضمار تعليقاً للحكم بوصف القطع لما حقه الوصل بوصل ما حقه القطع من فاحش المعصية دليلاً على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه، لأن الحكم يدور مع العلة، وسياتي في سورة هود عليه السلام سياق قصتهم من التوراة بعد أن مضى في البقرة عند {أية : إذ قال له ربه أسلم} تفسير : [البقرة: 131] أوائل أمرهم، وهذا كما سومت الحجارة لقريش - لما أجمعوا أن يرجعوا بعد توجههم عن غزوة أحد من الطريق - ليفزعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على زعمهم، كما قال صلى الله عليه وسلم " حديث : والذي نفسي بيده! لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب " تفسير : ولكنه صلى الله عليه وسلم لما كان رسول رحمة لم يقض الله برجوعهم فمضوا حتى أسلم بعد ذلك كثير منهم، وكما أمطر الله الحجارة على أصحاب الفيل سنة مولده صلى الله عليه وسلم حماية لبلده ببركته. ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص، أعاد النسق الأول فقال {وإلى مدين} أي أرسلنا، وهي بلد، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام {أخاهم} أي من النسب، وبينه بقوله: {شعيباً} وهوموصوف بأنه خطيب الأنبياء عليهم السلام لحسن مراجعة قومه؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق: {قال يا قوم} دالاً على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة، وبدأ بالأصل المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهم السلام فقال: {اعبدوا الله} أي الذي يستحق العبادة لذاته بما له من السماء الحسنى والصفات العلى. ولما كان المراد إفراد بالعبادة لأنه لا يقبل الشرك لأنه غني، علل ذلك بقوله: {ما لكم} وأغرق في النفي بقوله:{من إله غيره} ثم استأنف التذكير بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله: {قد جاءتكم} أي على يدي {بينة} ولما كنا عالمين من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه " حديث : ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر" تفسير : أن هذه البينة معجزة، مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها لنا، لم تعن؛ ثم زادهم ترغيباً بقوله: {من ربكم} أي الذي لم تروا إحساناً إلا منه. ولما كان إتيانه بالبينات سبباً لوجوب امتثال أمره، قال مسبباً عنه: {فأوفوا الكيل} أي و المكيال والوزن {والميزان} أي ابذلوا ما تعطون بهما وافياً، فالآية من الاحتباك، وكان المحكي عنه هنا من أوائل قوله لهم فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط. ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس، صريح به على وجه يعم غيره فقال: {ولا تبخسوا} أي تنقصوا وتفسدوا كما أفسد البخسة {الناس أشياءهم} أي شيئاً من البخس في كيل ولا وزن ولا غيرهما، والناس - قال في القاموس - يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه "أل"، وقال أبو عبد الله القزاز: الناس أصله عند البصريين أناس، ثم أدخلوا الألف واللام على ذلك وحذفوا الهمزة وبقي الناس، وكان أصله فعال من:أنست به، فكأنه قيل: أناس - يعني على القلب، قال: لأنه يؤنس إليهم - انتهى. إذا علم هذا علم أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بخس الجمع الذين فيهم قوة المدافعة نهى عن بخس الواحد من باب الأخرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية الضعيف على حقه. ولما نهى عن الفساد بالبخس، عم كل فساد فقال: {ولا تفسدوا} أي توقعوا الفساد {في الأرض} بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غير موضعه؛ ولما نهاهم عن هذه الرذائل، ذكر بنعمة الله تاكيداً للنهي بما في ذلك من التخويف وحثاً على التخلق بوصف السيد فقال: {بعد إصلاحها} أي إصلاح الله لها بنعمة الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا النظام البديع المحكم ثم بنعمة الإبقاء الأول بإنزال الكتب وإرسال الرسل ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة بإصلاح أمر المعاش والمعاد بتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله، ويجمع ذلك كله التنزه عن الإساءة. ولما تقدم إليهم بالأمر والنهي، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثاً لهم على امتثاله فقال: {ذلكم} أي الأمر العظيم العالي الرتبه مما ذكر في هذه االقصة {خير لكم} ولما كان الكافر ناقص المدارك كامل المهالك، أشارإلى ذلك بقوله: {إن كنتم مؤمنين*} أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته، وإذ عرفتم صحته عملتم به، وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح، ويجوز- وهو أحسن - أن يكون التقدير: فهو خير لكم، لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على أساس الإيمان، والكافر أعماله فاسده فلا يكون فعله لهذه الأشياء خيراً له من جهة إسعادة في الآخرة لأنه لا ثواب له.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن عساكر عن سليمان بن صرد قال: أبو لوط هو عم إبراهيم . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: أرسل لوط إلى المؤتفكات، وكانت قوى لوط أربع مدائن: سدوم، وأمورا، وعامورا، وصبوير. وكان في كل قرية مائة ألف مقاتل، وكانت أعظم مدائنهم سدوم، وكان لوط يسكنها، وهي من بلاد الشام ومن فلسطين مسيرة وليلة، وكان إبراهيم خليل الرحمن عم لوط بن هاران بن تارح، وكان إبراهيم ينصح قوم لوط، وكان الله قد أمهل قوم لوط فخرقوا حجاب الإِسلام، وانتهكوا المحارم، وأتوا الفاحشة الكبرى، فكان إبراهيم يركب على حماره حتى يأتي مدائن قوم لوط فينصحهم فيأبون أن يقبلوا، فكان بعد ذلك يجيء على حماره فينظر إلى سدوم. فيقول: يا سدوم أي يوم لك من الله سدوم، إنما أنهاكم أن لا تتعرضوا لعقوبة الله، حتى بلغ الكتاب أجله، فبعث الله جبريل في نفر من الملائكة فهبطوا في صورة الرجال حتى انتهوا إلى إبراهيم وهو في زرع له يثير الأرض، فلما بلغ الماء إلى سكته من الأرض ركز مساحته في الأرض فصلى خلفها ركعتين، فنظرت الملائكة إلى إبراهيم فقالوا: لو كان الله يبتغي أن يتخذ خليلاً لاتخذ هذا العبد خليلاً ، ولا يعلمون أن الله قد اتخذه خليلاً . وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في ذم الملاهي والشعب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله {أَتأتون الفاحشة} قال: أدبار الرجال . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن عمرو بن دينار في قوله {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط . وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي وابن عساكر عن أبي صخرة جامع بن شداد رفعه قال "كان اللواط في قوم لوط، في النساء قبل أن يكون في الرجال بأربعين سنة" . وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن طاوس. أنه سئل عن الرجل يأتي المرأة في عجيزتها؟ قال: إنما بدء قوم لوط ذاك، صنعته الرجال بالنساء ثم صنعته الرجال بالرجال . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي. أنه قال على المنبر: سلوني فقال ابن الكواء: تؤتي النساء في أعجازهن؟ فقال علي: سفلت سفل الله بك، ألم تسمع إلى قوله {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان الذي حملهم على إتيان الرجال دون النساء أنهم كانت لهم ثمار في منازلهم وحوائطهم وثمار خارجة على ظهر الطريق، وإنهم أصابهم قحط وقلة من الثمار، فقال بعضهم لبعض: إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش. قالوا: بأي شيء نمنعها؟ قالوا: اجعلوا سنتكم من أخذتم في بلادكم غريباً سننتم فيه أن تنكحوه واغرموه أربعة دراهم فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك، فذلك الذي حملهم على ما ارتبكوا من الأمر العظيم الذي لم يسبقهم إليه أحد من العالمين . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق محمد بن إسحق عن بعض رواة ابن عباس قال: إنما كان بدء عمل قوط لوط أن إبليس جاءهم عند ذكرهم ما ذكروا في هيئة صبي أجمل صبي رآه الناس، فدعاهم إلى نفسه فنكحوه، ثم جروا على ذلك . وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن حذيفة قال: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي وابن عساكر عن أبي حمزة قال: قلت لمحمد بن علي: عذب الله نساء قوم لوط بعمل رجالهم؟ قال: الله أعدل من ذلك، استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {إنهم أناس يتطهرون} قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {إنهم أناس يتطهرون} قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاء بهم . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة {إنهم أناس يتطهرون} قال: عابوهم بغير عيب، وذموهم بغير ذم . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إلا امرأته كانت من الغابرين} قال: من الباقين في عذاب الله {وأمطرنا عليهم مطراً} قال: أمطر الله على بقايا قوم لوط حجارة من السماء فأهلكتهم . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الزهري إن لوطاً لما عذب الله قومه لحق بإبراهيم، فلم يزل معه حتى قبضه الله إليه . وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب في قوله {وأمطرنا عليهم مطراً} قال: على أهل بواديهم وعلى رعاتهم وعلى مسافريهم، فلم ينفلت منهم أحد . وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب في قوله {وأمطرنا عليهم مطراً} قال: الكبريت والنار . وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف . وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله من تولى غير مواليه، ولعن الله من غير تخوم الأرض، ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من وقع على بهيمة، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاث مرات " . تفسير : وأخرج احمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من أخوف ما أخاف على أمتى عمل قوم لوط " . تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله. قيل من هم يا رسول الله؟ قال: المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الرجل " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي نضرة. أن ابن عباس سئل ما حدُّ اللوطي؟ قال: ينظر أعلى بناء في القرية فيلقي منه منكساً، ثم يتبع بالحجارة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن قبس: إن علياً رجم لوطياً. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن شهاب قال: اللوطي يرجم أحصن أم لم يحصن، سنة ماضية . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن إبراهيم قال: لو كان أحد ينبغي له أن يرجم مرتين لرجم اللوطي . وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عبد الله بن معمر قال: علة الرجم قتلة قوم لوط . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن وإبراهيم قالا: حدُّ اللوطي حد الزاني، إن كان قد أحصن فالرجم وإلا فالحد . وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول من اتهم بالأمر القبيح ــ يعني عمل قوم لوط ــ اتهم به رجل على عهد عمر رضي الله عنه، فأمر عمر بعض شباب قريش أن لا يجالسوه . وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن الوضين بن عطاء عن بعض التابعين قال: كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى وجه الغلام الجميل . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن بقية قال بعض التابعين: ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن بن ذكوان قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن النجيب بن السدي قال: كان يقال لا يبيت الرجل في بيت مع المرد. وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال: دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح فقال: أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل غلام بضعة عشر شيطاناً . وأخرج ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي والبيهقي عن ابن سيرين قال: ليس شيء من الدواب يعمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن سهل قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن مجاهد قال: لو أن الذي يعمل ذلك العمل ــ يعني عمل قوم لوط ــ اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجساً . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن جابر بن زيد قال: حرمة الدبر أشد من حرمة الفرج. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عي النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لعن الله سبعة من خلقه فوق سبع سموات، فردد لعنته على واحدة منها ثلاثاً ولعن بعد كل واحدة لعنة لعنة. قال: ملعون ملعون ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من أتى شيئاً من البهائم، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من عقَّ والديه، معلون من ذبح لغير الله، ملعون من غير حدود الأرض، ملعون من تولى غير مواليه " . تفسير : وأخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من عمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول به " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف وأبو داود عن ابن عباس. في البكر يوجد على اللوطية؟ قال: يرجم . وأخرج عبد الرزاق عن عائشة " حديث : أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً فقالت: يا رسول الله وما الذي يحزنك؟ قال: شيء تخوّفته على أمتي أن يعملوا بعدي بعمل قوم لوط " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حصين. أن عثمان أشرف على الناس يوم الدار فقال: أما علمتم أنه لا يحل دم امرىء مسلم إلا أربعة: رجل قتل فقتل، أو رجل زنى بعدما أحصن، أو رجل ارتد بعد إسلامه، أو رجل عمل عمل قوم لوط .
القشيري
تفسير : أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب - باختياره - صغره.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولوطا} اى وارسلنا لوطا وهو لوط بن هاران ابن تارخ فهو ابن اخى ابراهيم كان من ارض بابل العراق فهاجر مع عمه ابراهيم الى الشام ونزل الاردن وهو كورة بالشام فأرسله الله الى اهل سدوم بلد بحمص. قال فى التفسير الفارسى [خداى تعالى ويرا بيغمبرى داد وباهل مؤتفكات فرستاد وآن بنج شهر بوده سدوم اعظم مداين بود وديكر عامه وداود وصابورا وصفود كويند درهر شهرى جهار باهزار هزار آدمى بودند لوط عليه السلام بسدوم آمد وخلق را بخداى تعالى دعوت كرد بيست سال درميان ايشان بود وبخيرات أمر مينمود وازفواحش نهى فرمود ويكى از فواحشها لواطه بود] كما حكى الله تعالى بقوله {اذ قال لقومه} [مرقوم سدوم را كه لوط عليه السلام درميان ايشان بود] وهو ظرف لارسلنا المضمر اى ارسلنا لوطا الى قومه وقت قوله لهم. قيل الارسال قبل وقته القول لا فيه. واجيب بان هذا من قبيل قولك فى ظرف المكان زيد فى ارض الروم فهو ههنا غير حقيقى فيكفى وقوع المظروف فى بعض اجزائه {أتأتون الفاحشة} انكار وتقريع على تلك الفعلة المتمادية فى القبح اى البالغة الى غاية القبح وهى اللواطة والمعنى أتفعلونها {ما سبقكم بها} ما فعلها قبلكم على ان الباء للتعدية كما فى قوله عليه السلام "سبقك بها عكاشة" من قولك سبقته بالكرة اى ضربتها قبله {من أحد} من مزيدة لتأكيد النيفى وافادة الاستغراق {من العالمين} من للتبعيض والجملة استئناف نحوى اى مبتدأة جئ بها تأكيدا للانكار السابق كأنه وبخهم اولا باتيان الفاحشة ثم باختراعها فانه اسوأ.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {شهوة}: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} أرسلنا {لوطًا إذ قال لقومه}،؛ واعظًا لهم: {أتأتون الفاحشةَ} أي: اللواط؛ توبيخًا وتقريعًا على تلك الفعلة المتناهية في القبح، {ما سبقكُم بها من أحدٍ من العالمين} أي: ما فعلها أحد قبلكم، وبخهم على أمرين: إتيان الفاحشة، واختراعها أولاً، ثم قال لهم: {إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء}، وصفهم بالشهوة البهيمية، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة: طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر، {بل أنتم قومٌ مسرفون} أي: عادتكم السرف في كل شيء، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إيتان الذكور، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها؛ وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. قاله البيضاوي. {وما كان جواب قومه} له حين وعظهم، {إلا أن قالوا أخرجوهم} أي: لوط ومن آمن به، {من قريتكم} أي: ما أجابوه بشيء يصلح للجواب، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم، والاستهزاء بهم، حيث قالوا: {إنهم أُناس يتطهرون} من الفواحش. قال تعالى: {فأنجيناه وأهله} أي: من آمن معه، {إلا امرأته} فإنها كانت تسر الكفر؛ {كانت من الغابرين} أي: الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم. {وأمطرنا عليهم مطرًا} أي: نوعًا عجيبًا من المطر، بيَّنه بقوله: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحِجر:74] {فانظر كيف كان عاقبةُ المجرمين} . رُوِي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جيريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما أهلك اللهُ قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم الغزالي: إن الشَّره إلى الوِقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال عليه السلام: "حديث : المؤمن يأكل بشهوة أهله "تفسير : فلا يأتي ما أحلَّ اللهُ لَهُ مِن متعة النِّساء إلا قيامًا بحقِّ الغَير وطلبًا للنسلِ. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام فقال: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}.
الطوسي
تفسير : العامل في قوله {ولوطاً} يحتمل أن يكون أحد أمرين: أحدهما - أن يكون عطفاً على ما مضى، فيكون تقديره وأرسلنا لوطاً. والثاني - أن يكون على تقدير واذكر لوطاً إِذ قال لقومه - في قول الأخفش - ولا يجوز في قصة عاد وثمود إِلا (وأرسلنا)، لأن فيها ذكر الى. و (لوط) مصروف لخفته، لأنه على ثلاث أحرف ساكن الاوسط، ولا ينصرف يعقوب، لأنه أعجمي معرفة. واختلفوا في اشتقاق (لوط) فقال بعض أهل اللغة: إِنه مشتق من لطت الحوض اذا الزقت عليه الطين وملسته به، ويقال: هذا (ألوط) بقلبي أي ألصق، والليطة القشر للصوقه بما اتصل به، وقال الزجاج: هو اسم غير مشتق، لأن العجمي لا يشتق من العربي، وانما قال ذلك لأنه لم يوجد علماً إِلا في أسماء الأنبياء. وقوله {أتأتون الفاحشة}؟! فالفاحشة هي السيئة العظيمة القبح. وقوله {ما سبقكم بها من أحد} فالسبق وجود الشىء قبل غيره. وقيل: ما ذكر على ذكر قبل قوم لوط، ذكره عمرو بن دينار، فلذلك قال {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} وبه قال أكثر المفسرين، قال البلخي: يحتمل أن يكون أراد {ما سبقكم بها من أحد العالمين} يريد عالمي زمانهم، كما قال {أية : وأني فضلتكم على العالمين}تفسير : قال: ويحتمل أن يكون ما سبقكم الى ذلك أحد على وجه القهر والمجاهرة به على ما كانوا يفعلونه. وقال بعضهم: العقل كان يبيح ذلك وانما منع منه السمع. قال البلخي: هذا خطأ، لأنه يؤدي الى انقطاع النسل، ولأن الطباع مبنية على الاستنكاف من ذلك وان يكون الانسان مفعولاً به، ولو كان الفاعل لذلك غير مقبح لما لحق المفعول به من ذلك وصمة، كما أن المرأة المنكوحة بالعقد الصحيح لا يلحقها بذلك وصمة ولا عيب بلا خلاف. قال: ومن حمل نفسه على استحسان ذلك وانه يجوز أن يكون مفعولاً به كان ما جنا ملوماً عند جميع العقلاء.
الجنابذي
تفسير : {وَلُوطاً} عطف على نوحاً ولوط (ع) كان ابن خالة ابراهيم (ع) وكانت سارة زوجة ابراهيم (ع) اخت لوطٍ وخرج ابراهيم (ع) من بلاد نمرود الى الشّام ومعه لوطٌ وسارة وخلّف لوطاً بادنى الشّامات للدّعوة وذهب هو الى اعلى الشّامات {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} فى الدّعوة والمعاشرة لا فى النّسب والملّة {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} المعهودة وهى اتيان الرّجال والاعراض عن النّساء {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً} صرّح بما كنّى عنه اوّلاً تفضيحاً وتوبيخاً ولذلك اتى به مؤكّداً بتوكيداتٍ توكيداً للتّوبيخ {مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} يعنى لستم عادلين بل انتم قوم مسرفون، فهو من قبيل العطف باعتبار المعنى.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ولوطاً} أي وأرسلنا لوطاً وهو ابن أخي ابراهيم (عليه السلام)، أرسله الله تعالى إلى المؤتفكات، وهي سبع مدائن، وقيل: خمس أعظمها سدوم وكان مسكنه فيها، وفي كل قرية منها مائة ألف مقاتل، فبعث الله تعالى لوطاً إلى هذه المدائن فعصوا وفعلوا الفواحش كما قص الله تعالى عنهم {أية : إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} تفسير : [العنكبوت: 28] {إنكم لتأتون الرجال} هم أول من فعل هذه الفاحشة اتيان الذكور فبعث الله جبريل مع جماعة من الملائكة لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يبشروا إبراهيم بإسحاق، ثم خرجوا حتى أتوا لوطاً (عليه السلام) فنزلوا عليه وهم على أحسن صورة، ودلت امرأته قومه عليهم حتى طمست أعينهم، وخرج جبريل ولوط ومن آمن معه وأهلكهم الله تعالى عند الصبح، ورفع تلك المدائن حتى قربت من السماء، ثم قلبها جبريل فهلكت امرأته مع من هلك، ورمت الحجارة من كان غائباً حتى لم يبق منهم أحد، وقيل: أمطرعليهم الكبريت والنار، وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطر على مسافريهم، وقيل: مطرت عليهم ثم خسف بهم، وروي أن تاجراً منهم كان بالحرم فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج فوقع عليه، وروى الثعلبي: أن بلاد قوم لوط أخصبت فانتجعها أهل البلاد، فتمثل لهم ابليس في صورة رجل شاب ثم دعا إلى دبره فنكح، ثم عبثوا بذلك العمل، فلما كثر ذلك فيهم عجّت الأرض إلى ربها فسمعت السماء فعجّت إلى ربها، ثم كذلك العرش، فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم، وروي فيه أيضاً: أن ابليس عرض لهم في صورة شيخ فقال: ان فعلتم بهم كذا فجرتم منهم فأبوا، فلما ألحّ الناس عليهم قصدوهم، فأصابوا غلماناً صباحاً فافحشوا واستحكم ذلك فيهم، قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلاَّ الغرباء.
اطفيش
تفسير : {ولُوطاً} عطف على نوح وصالحا، فكأنه قيل: وأرسلنا لوطا {إذْ} ظرف لأرسلنا، ولوطا مفعول، وإذ بدل اشتمال، والرابط بالضمير فى المضاف إليه وهو جملة {قال لقومه} ويقوى الأول قوله: {أية : وإلى مدين أخاهم شعيباً} تفسير : {قالَ لِقَوْمهِ أتأتُون الفَاحِشَةَ} هى فالزنى فى أدبار الذكور، والفاحشة ما عظم قبحه، والاستفهام توبيخ وتقريع وإنكار لجوازها. {ما سَبقَكم بِها مِنْ} صلة مؤكدة للنفى {أحدٍ مِنَ} للتبعيض {العَالمينَ} المراد الثقلان لكن غير الثقلين من الدواب، والدواب كذلك لم تسبقهم بها أيضا، أو المراد الثقلان وغيرهم تغليبا، قال عمرو بن دينار ما نزا ذكر على ذكر فى الدنيا حتى كان قوم لوط، والجملة حال من الفاحشة زيادة فى تقبيح أمرها كما تقول: أتشتم المسلمين فى المسجد ما على استك ثوب؟ أو مستأنفة من الزيادة التقبيح أيضا، وذلك أن إتيان الأدبار أقبح، وابتداعه أقبح، وأسوأ منه، وعامل اللواط يرجم أحصن أو لم يحصن، وروى أن أبا بكر حرق رجلا يسمى الفجأة عمل عمل قوم لوط، وكتب عبد الملك بن مروان إلى شعيب قاضى حمص: كم عقوبة اللواطى؟ فقال: أن يرمى بالحجارة كما رمى قوم لوط، فإن الله تعالى قال: {أية : وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين} تفسير : وقال: {أية : وأمطرنا عليهم حجارة} تفسير : فقبل عبد الملك ذلك واستحسنه، وقيل: يجلد إن لم يحصن ويرجم إن أحصن وهو أظهر {إنَّكم} بهمزة واحدة على الإخبار تفسيرا للفاحشة عند نافع والكسائى وحفص، وعن عاصم، وقرأ غيرهم بهمزتين على الاستفهام مثل المذكور، لكن أول على مجمل، والثانى مفسر بتسهيل الهمزة الثانية، وقرىء بتحقيقها وبإدخال ألف بينهما مع تسهيل الثانية، وبالإدخال مع تحقيقها وقرأ الكسائى بهمزة واحدة فى رواية عنه. {لتأتُونَ الرِّجالَ} أى تجيئونهم أو كناية عن الجماع {شَهْوةً} أى لاشتهاء أدبارهم، فهو مفعول لأجله، ويجوز كونه حالا مبالغة، أو بتقدير مضاف، أو بالتأويل مشتهين، وكونه مفعول مطلقا تضمينا لتأتون معنى تشتهون، ويقال: يشهيه يشهاه كرضى، وفى ذلك تشبيه لهم بالبهيمة إذ لا حامل لهم ذلك إلا مجرد الشهوة، والعاقل ينبغى أن يكون داعيه إلى الجماع طلب الولد، فإن أصل الجماع إنما هو للتناسل، وعمارة الدنيا ليعمل فيها للآخرة، وإنما يكون ذلك بجماع النساء فى القبل، وهم يجامعون الرجال. {مِنْ دُونِ النِّساءِ} ذكره مع إغناء ما قبله عنه، تلويحا بأن الحق أن تأتوهن لأنهن محل النسل، أو تصريحا أو بأنهم مقتصرون على الرجال، تاركين للنساء {بَلْ أنتُم قَومٌ مُسرفُون} إضراب عما مر من التوبيخ والتقريع والإنكار، إلى الإخبار عن حالهم الداعية لهم إلى تلك الفاحشة وغيرها، وهى أن من عادتهم الإسراف فى كل شىء، حتى الذى بهم فى باب قضاء الشهوة إلى غير المعتاد، أو إضراب عما ذكر إلى ذمهم إلى مطلق الإسراف الشامل للفاحشة المذكورة وغيرها من المعايب، أو ضرب عن محذوف، أى لا أتوسط لكم فى ذلك، أو لا عذر بل أنتم قوم معتادون الإسراف.
اطفيش
تفسير : {وَلُوطًا} اذكر لوطا، وإِذ بدل اشتمال، أَى واذكر لوطاً وقت قوله أَو متعلق برسالة أَى واذكر رسالة لوطٍ إِذ قال، وفيه حذف المصدر وبقاء معموله، وفيه أَن الرسالة ليست فى وقت قوله، وإِلا قيل كنظائره، ولوط، إِلى قومه فقال، وصرح بعض بجواز نصبه بأَرسلنا ولوط ابن هارازبن تاريخ وهو آزر فلوط بن أَخى إِبراهيم وإِبراهيم عمه، كان هو وإِبراهيم عليهما الصلاة والسلام بالعراق فهاجرا إِلى الشام فنزل إِبراهيم بفلسطين ولوط بالأَردن أَرسله الله إِلى أَهل سدوم وأَقام فيهم ثلاثين سنة يعظهم، قيل هو بلد بحمص، وسمى لوط لأَن حبه لاط بقلب عمه إِبراهيم، أَى التصق به من قبل النبوة وبعدها، وكان معينا له. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأَتُونَ الْفَاحِشَةَ} الزنى بأَدبار الرجال سمى فحشًا لشدة قبحه، وبخهم عليها وقرعهم بصورة الاستفهام وزادهم توبيخاً بأَنهم أَول من فعلها إِذ قال مستأَنفاً للإِنكار عليهم {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ} وإِما أَن يقال كأَنهم قالوا لم لا نأْتى ذلك فقال لا تفعلوا لأَنه ما سبقكم بها من أَحد من العالمين فضعيف. لأَنه بصورة لو سبقكم أَحد بها لجازت لكن يجوز جعلها حالا من الفاحشة، أَو حال من الواو ومن حين يأتون كان الذكر من الحيوان يجامع الذكر منها فى الدبر لا قبل ووبخهم ثالثاً بقوله عز وجل: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} يأتون الكبار والصغار المرد وغيرهم، وقيل يأتون الغلمان والمرد، وعلى كل حال ذكر الرجال تقبيحاً لهم بإِتيان مثلهم {شَهْوَةً مِنْ دُونِ النّسَاءِ} مع زيادة التأكيد بالجملة الاسمية فى ما قالوا، وبأَن واللام ومع زيادة بيان الفاحشة بأَنها إِتيان أَدبار الرجل، وشهوة تعليل أَى للاشتهاءِ أَو حال وذوى شهوة أَو شاهين أَى مشتهين أَو مفعول مطلق لتضمن تأتى معنى الاشتهاءِ وذكر من دون النساءِ مع أَنهم يأتون النساءَ فى أَقبالهن زيادة فى التشنيع عليهم بأَنهم جاوزوا الحلال إِلى موضع حرام ليس محرثا. ومبنى الوطء كف النفس عن الحرام والتناسل لا مجرد قضاء الوطر {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} إِضراب انتقال عن الإِخبار بإِتيان الفاحشة أَو عن توبيخهم عليها إِلى الإِخبار بأَنهم أَسرفوا بتلك الفاحشة إِلى الإِخبار بأَنهم ذوو إسراف فى أُمورهم حتى أداهم الإِسراف إِلى تلك الفاحشة، أَو إِضراب انتقال عن محذوف وهو ضعيف هكذا أَما عدلتم بل أَنتم إِلخ، ولا عذر لكم بل أَنتم إِلخ، وكأَنهم قالوا عدلنا أَو نعذر. واللواطة بغيوب الحشفة توجب الرجم للفاعل والمفعول به. أَو الإِلقاءَ من شاهق، أَو القتل بالسيف ولو بلا إِحصان، أَو كان عبداً. وبلا غيوبه يعزر أَو ينكل والرجم أَحق، ويليه القتل بالسيف والالقاء من شاهق ضعيف إِذ قد لا يموت، وفيه أَيضاً عدم إِحسان القتلة. وفى الحديث: أَحسنوا القتلة، ويدل للقتل بالسيف قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول" تفسير : إِذ لم يقل ارجموهما، ووجه الرجم أَنه أَنسب برجم قوم لوط بالحجارة، ولكن لا يلزم لأَنه من الله، وقيل: يرجم المحصن كما فعل ابن الزبير بأَربعة أَحصنوا بعد إخراجهم من الحرم، ويجلد غيره كما فعل هو بثلاثة لم يحصنوا، والجملة سبعة وجدوا فى اللواط وحضره ابن عباس وابن عمر ولم ينكرا عليه، وعن أَبى بكر رضى الله عنه أَنه أَحرق بالنار رجلاً عمل عمل قوم لوط، ولعله لم يصح إذْ روى النهى عن القتل بالنار أَو لا يستمر عليه. وزعم بعض أنه إِن لم يحصن أدب وحبس وإِنما يؤدب تأديباً فقط من لم يبلغ أَو المجنون.
الالوسي
تفسير : {وَلُوطاً } نصب بفعل مضمر أي أرسلنا معطوف على ما سبق أو به من غير حاجة إلى تقدير، وإنما لم يذكر المرسل إليهم على طرز ما سبق وما لحق لأن قومه ـ على ما قيل ـ لم يعهدوا باسم معروف يقتضي الحال ذكره عليه السلام مضافاً إليهم كما في القصص من قبل ومن بعد وهو ابن هاران بن تارخ. وابن اسحٰق ذكر بدل تارخ آزر. وأكثر النسابين على أنه عليه السلام ابن أخي إبراهيم صلى الله عليه وسلم ورواه في «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن صرد أن أبا لوط عليه السلام عم إبراهيم عليه السلام، وقيل: إن لوطاً كان ابن خالة إبراهيم وكانت سارة زوجته أخت لوط وكان في أرض بابل من العراق مع إبراهيم فهاجر / إلى الشام ونزل فلسطين وأنزل لوطاً الأردن وهو كرة بالشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وهي بلدة بحمص. وأخرج إسحٰق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: أرسل لوط إلى المؤتفكات وكانت قرى لوط أربع مدائن سدوم وأمورا وعامورا وصبوير وكان في كل قرية مائة ألف مقاتل وكانت أعظم مدائنهم سدوم وكان لوط يسكنها وهي من بلاد الشام ومن فلسطين مسيرة يوم وليلة، وهذا اللفظ ـ على ما قال الزجاج ـ اسم أعجمي غير مشتق ضرورة أن العجمي لا يشتق من العربـي وإنما صرف لخفته بسكون وسطه، وقيل: إنه مشتق من لطت الحوض إذا ألزقت عليه الطين، ويقال: هذا ألوط بقلبـي من ذلك أي ألصق به ولاط الشيء أخفاه. وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } ظرف لأرسلنا كما قال غير واحد. واعترض بأن الإرسال قبل وقت القول لا فيه كما تقتضيه هذه الظرفية، ودفع بأنه يعتبر الظرف ممتداً كما يقال زيد في أرض الروم فهو ظرف غير حقيقي يعتبر وقوع المظروف في بعض أجزائه كما قرره القطب، وجوز أن يكون {لُوطاً } منصوباً باذكر محذوفاً فيكون من عطف القصة على القصة، و {إِذْ } بدل من لوط بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية، وقال أبو البقاء: إنه ظرف الرسالة محذوفاً أي واذكر رسالة لوط إذ قال: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع أي أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت أقصى القبح وغايته. {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي ما عملها أحد قبلكم في زمن من الأزمان فالباء للتعدية كما في «الكشاف» من قولك: سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله، ومنه ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : سبقك بها عكاشة » تفسير : وتعقبه أبو حيان بأن معنى التعدية هنا قلق جداً لأن الباء المعدية في الفعل المعدى إلى واحد تجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة فإذا قلت: صككت الحجر بالحجر كان معناه أصككت الحجر الحجر أي جعلت الحجر يصك الحجر وكذلك دفعت زيداً بعمرو عن خالد معناه أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي جعلت زيداً يدفع عمراً عن خالد فللمفعول الأول تأثير في الثاني ولا يصح هذا المعنى فيما ذكر إلا بتكلف فالظاهر أن الباء للمصاحبة أي ما سبقكم أحد مصاحباً وملتبساً بها، ودفع بأن المعنى على التعدية، ومعنى سبقته بالكرة أسبقت كرتي كرته لأن السبق بينهما لا بين الشخصين أو الضربين وكذا في الآية ومثله يفهم من غير تكلف، وقال القطب الرازي: إن المعنى سبقت ضربه الكرة بضربـي الكرة أي جعلت ضربـي الكرة سابقاً على ضربة الكرة. ثم استظهر جعل الباء للظرفية لعدم احتياجه إلى ما يحتاجه جعلها للتعدية أي ما سبقكم في فعل الفاحشة أحد ولعل الأمر كما قال. و {مِنْ } الأولى صلة لتأكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض، والجملة مستأنفة استئنافاً نحوياً مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع والتوبيخ، وجوز أن يكون بيانياً كأنه قيل: لم لا نأتيها؟ فقال: ما سبقكم بها أحد فلا تفعلوا ما لم تسبقوا إليه من المنكرات لأنه أشد، ولا يتوهم أن سبب إنكار الفاحشة كونها مخترعة ولولاه لما أنكرت إذ لا مجال له بعد كونها فاحشة. ووجه كون هذه الجملة مؤكدة للنكير أنها مؤذنة باختراع السوء ولا شك أن اختراعه أسوأ إذ لا مجال للاعتذار عنه كما اعتذروا عن عبادتهم الأصنام مثلاً بقولهم: { أية : إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا } تفسير : [الزخرف: 22-23]. وجوز أبو البقاء كون الجملة في موضع الحال من المفعول أو الفاعل، والنيسابوري جوز كونها صفة للفاحشة / على حد: شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني تفسير : ورد بأن الفاحشة هنا متعينة دون اللئيم، وكيفما كان فالمراد من نفي سبق أحد بها إياهم كونهم سابقين بها كل أحد ممن عداهم من العالمين لا مساواتهم الغير بها، فقد أخرج البيهقي وغيره عن عمرو بن دينار (قال ما نزا ذَكَرٌ على ذكر حتى كان قوم لوط)، والذي حملهم على ذلك ـ كما أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ أنهم كانت لهم ثمار في منازلهم وحوائطهم وثمار خارجة على ظهر الطريق وانهم أصابهم قحط وقلة من الثمار فقال بعضهم لبعض: إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش قالوا: بأي شيء نمنعها؟ قالوا: اجعلوا سنتكم أن تنكحوا من وجدتم في بلادكم غريباً وتغرموه أربعة دراهم فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك ففعلوه واستحكم فيهم. وفي بعض الطرق أن إبليس عليه اللعنة جاءهم عند ذكرهم ما ذكروا في هيئة صبـي أجمل صبـي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه فنكحوه ثم جرؤوا على ذلك. وجاء من رواية ابن أبـي الدنيا عن طاوس أن قوم لوط إنما أتوا أولاً النساء في أدبارهن ثم أتوا الرجال. وفي قول: {مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } دون من الناس مبالغة لا تخفى.
ابن عاشور
تفسير : عُطف {ولوطاً} على {نوحاً} في قوله: {أية : لقد أرسلنا نوحاً}تفسير : [الأعراف: 59] فالتّقدير: وأرسلنا لوطاً، وتغيير الأسلوب في ابتداء قصّة لوط وقومه إذ ابتُدئت بذكر (لوطاً) كما ابتدئت قصّة بذكر نوح لأنه لم يكن لقوم لوط اسم يعرفون به كما لم يكن لقوم نوح اسم يعرفون به. و(إذ) ــــ ظرف متعلّق بــــ (أرسلنا) المقدر يعني أرسلناه وقت قال لقومه وجعل وقت القول ظرفاً للإرسال لإفادة مبادرته بدعوة قومه إلى ما أرسله الله به، والمقارنة التي تقتضيها الظّرفية بين وقت الإرسال ووقت قوله، مقارنةٌ عرفية بمعنى شدّة القرب بأقصى ما يستطاع من مبادرة التّبليغ. وقوم لوط كانوا خليطاً من الكنعانيين وممّن نزل حولهم. ولذلك لم يوصف بأنّه أخوهم إذ لم يكن من قبائلهم، وإنّما نزل فيهم واستوطن ديارهم. ولوط عليه السّلام هو ابن أخِي إبراهيم عليه السّلام كما تقدّم في سورة الأنعام، وكان لوط عليه السّلام قد نزل ببلاد (سَدوم) ولم يكن بينهم وبينه قرَابة. والقوم الذين أرسل إليهم لوط عليه السّلام هم أهل قرية (سدوم) و(عمُّورة) من أرض كنعان، وربّما أطلق اسم سدوم وعمُّورة على سكّانهما. وهو أسلاف الفنيقيين وكانتا على شاطىء السديم، وهو بحر الملح، كما جاء في التّوراة وهو البحر الميّت المدعو (بحيرة لوط) بقرب أرشليم. وكانت قرب سدوم ومن معهم أحدثوا فاحشة استمتاع الرّجال بالرّجال، فأمر الله لوطاً عليه السّلام لما نزل بقريتهم سدوم في رحلته مع عمّه إبراهيم عليه السّلام أن ينهاهم ويغلظ عليهم. فالاستفهام في {أتأتون} إنكاري توبيخي، والإتيان المستفهم عنه مجاز في التّلبّس والعمل، أي أتعملون الفاحشة، وكني بالإتيان على العمل المخصوص وهي كناية مشهورة. والفاحشه: الفعل الدّنيء الذّميم، وقد تقدّم الكلام عليها عند تفسير قوله تعالى: {أية : وإذا فعلوا فاحشة}تفسير : [الأعراف: 28]: والمراد هنا فاحشة معروفة، فالتّعريف للعهد. وجملة: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} مستأنفة استينافاً ابتدائياً، فإنّه بعد أن أنكر عليهم إتيان الفاحشة، وعبّر عنها بالفاحشة، وبّخهم بأنّهم أحدثوها، ولم تكن معروفة في البشر فقد سَنُّوا سنة سيّئة للفاحشين في ذلك. ويجوز أن تكون جملة: {ما سبقكم بها من أحد} صفة للفاحشة، ويجوز أن تكون حالا من ضمير: {تأتون} أو من: {الفاحشة}. والسبق حقيقته: وصول الماشي إلى مكان مطلوب له ولغيره قبل وصول غيره، ويستعمل مجازاً في التّقدّم في الزّمان، أي الأوّلية والابتداءِ، وهو المراد هنا، والمقصود أنّهم سبقوا النّاس بهذه الفاحشة إذ لا يقصد بمثل هذا التّركيب أنّهم ابتدأوا مع غيرهم في وقت واحد. والباء لتعدية فعل (سبق) لاستعماله بمعنى (ابتدا) فالباء ترشيح للتّبعيّة. و(مِنْ) الدّاخلة على (أحدٍ) لتوكيد النّفي للدّلالة على معنى الاستغراق في النّفي. و(مِن) الداخلة على {العالمين} للتبعيض. وجملة: {إنكم لتأتون الرجال} مبيّنة لجملة {أتأتون الفاحشة}، والتّأكيد ــــ بإنّ واللاّم ــــ كناية عن التّوبيخ لأنّه مبني على تنزيلهم منزلة من ينكر ذلك لكونهم مسترسلون عليه غير سامعين لنهي النّاهي. والإتيان كناية عن عمل الفاحشة. وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر: {إنكم} ــــ بهمزة واحدة مكسورة ــــ بصيغة الخبر، فالبيان راجع إلى الشيء المنكَر بهمزة الإنكار في {أتأتون الفاحشة}، وبه يعرف بيان الإنكار، ويجوز اعتباره خبراً مستعملاً في التّوبيخ، ويجوز تقدير همزة استفهام حذفت للتّخفيف ولدلالة ما قبلها عليها. وقرأه البقيّة: {أإنّكم} ــــ بهمزتين على صِيغة الاستفهام ــــ فالبيان للإنكار، وبه يعرف بيان المنكرَ، فالقراءتان مستويتان. والشّهوة: الرّغبة في تحصيل شيء مرغوب، وهي مصدر شَهِي كرضى، جاء على صيغة الفَعْلة وليس مراداً به المرة. وانتصب {شهوة} على المفعول لأجله. والمقصود من هذا المفعول تفظيع الفاحشة وفاعِليها بأنّهم يشتهون ما هو حقيق بأن يُكره ويستفظع. وقوله: {من دون النساء} زيادة في التّفظيع وقطععِ للعذر في فعل هذه الفاحشة، وليس قيداً للإنكار، فليس إتيان الرّجال مع إتيان النّساء بأقلّ من الآخر فظاعة، ولكن المراد أنّ إتيان الرّجال كلّه واقع في حالة من حقّها إتيان النّساء، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وتذَرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم}تفسير : [الشعراء: 166]. و{بل} للاضراب الانتقالي، للانتقال من غرض الإنكار إلى غرض الذمّ والتّحقير والتّنبيه إلى حقيقة حالهم. والإسراف مجاوزة العمل مقدار أمثاله في نوعه، أي المُسرفون في الباطل والجرم، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوها إسرافاً} تفسير : في سورة النّساء (6) وعند قوله تعالى: {أية : ولا تسرفوا إنه لا يحبّ المسرفين} تفسير : في سورة الأنعام (141). ووصفُهم بالإسراف بطريق الجملة الاسميّة الدّالة على الثّبات، أي أنتم قوم تمكَّن منهم الإسراف في الشّهوات فلذلك اشتهوا شهوة غريبة لما سئموا الشهوات المعتادة. وهذه شنشنة الاسترسال في الشّهوات حتّى يصبح المرء لا يشفي شهوته شيء، ونحوه قوله عنهم في آية أخرى: {أية : بل أنتم قوم عادون}تفسير : [الشعراء: 166]. ووجه تسمية هذا الفعل الشّنيع فاحشة وإسرافاً أنّه يشتمل على مفاسد كثيرة: منها استعمال الشّهوة الحيوانية المغروزة في غير ما غرزت عليه، لأنّ الله خلق في الإنسان الشّهوة الحيوانيّة لإرادة بقاء النّوع بقانون التّناسل، حتّى يكون الدّاعي إليه قهري ينسَاق إليه الإنسان بطبعه، فقضاء تلك الشّهوة في غير الغرض الذي وضعها الله لأجله اعتداء على الفطرة وعلى النّوع، ولأنّه يغير خصوصية الرُجلة بالنّسبة إلى المفعول به إذ يصير في غير المنزلة التي وضعه الله فيها بخلقته، ولأنّ فيه امتهاناً محضاً للمفعول به إذ يُجعل آلة لقضاء شهوة غيره على خلاف ما وضع الله في نظام الذّكورة والأنوثة من قضاء الشّهوتين معاً، ولأنّه مفض إلى قطع النّسل أو تقليله، ولأنّ ذلك الفعل يجلب أضراراً للفاعل والمفعول بسبب استعمال محليّن في غير ما خلقا له. وحدثت هذه الفاحشة بين المسلمين في خلافة أبي بكر من رجل يسمّى الفجَاءة، كتب فيه خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصّدّيق أنّه عمل عمل قوم لوط وإذ لم يُحفظ عن النّبيء صلى الله عليه وسلم فيها حدّ معروف جمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستشارهم فيه، فقال عليّ: أرى أن يحرق بالنّار، فاجتمع رأي الصّحابة على ذلك فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه فأحرقه، وكذلك قضى ابن الزّبير في جماعة عملوا الفاحشة في زمانه، وهشام بن الوليد، وخالد القَسري بالعراق، ولعلّه قيَاس على أنّ الله أمْطر عليهم ناراً كما سيأتي. وقال مالك: يرجم الفاعل والمفعولُ به، إذا أطاع الفاعلَ وكانا بالغين، رَجْمَ الزّاني المحصن. سواء أُحصنا أم لم يُحصنا، وقاس عقوبتهم على عقوبة الله لقوم لوط إذ أمطر عليهم حجارة، والذي يؤخذ من مذهب مالك أنّه يجوز القياس على ما فعله الله تعالى في الدّنيا. وروي أنّه أخذ في زمان ابن الزّبير أربعةٌ عمِلوا عمل قوم لوط، وقد أُحصنوا. فأمر بهم فأخرجوا من الحرم فرجموا بالحجارة حتّى ماتوا، وعنده ابنُ عمر وابنُ عبّاس فلم ينكرا عليه. وقال أبو حنيفة: يعزّر فاعله ولا يبلغ التّعزير حدّ الزّنى، كذا عزا إليه القرطبي، والذي في كتب الحنفيّة أنّ أبا حنيفة يرى فيه التّعزير إلاّ إذا تكرّر منه فيقتل، وقال أبو يوسف ومحمّد: فيه حدّ الزّنى، فإذا اعتاد ذلك ففيه التّعزير بالإحراق، أو يهدم عليه جدار، أو ينكس من مكان مرتفع ويتبع بالأحجار، أو يسجن حتّى يموت أو يتوب. وذكر الغزنوي في «الحاوي» أنّ الأصح عن أبي يوسف ومحمّد التّعزير بالجلد (أي دون تفصيل بين الاعتياد وغيره) وسياق كلامهم التّسوية في العقوبة بين الفاعل والمفعول به. وقال الشّافعي: يحدّ حدّ الزّاني: فإن كان محصناً فحدّ المحصن، وإن كان غير محصن فحدّ غير المحصن. كذا حكاه القرطبي. وقال ابن هبيرة الحنبلي، في كتاب «اختلاف الأيمّة»: إنّ للشّافعي قولين: أحدهما هذا، والآخر أنّه يرجم بكلّ حال، ولم يذكر له ترجيحاً، وقال الغزالي، في «الوجيز»: «للواط يوجب قتل الفاعل والمفعول على قول، والرّجمَ بكلّ حال على قول، والتّعزيرَ على قول، وهو كالزّني على قول» وهذا كلام غير محرّر. وفي كتاب «اختلاف الأيمّة» لابن هبيرة الحنبلي: أن أظهر الرّوايتين عن أحمد أنّ في اللّواط الرّجم بكلّ حال، أي محصناً كان أو غير محصن، وفي رواية عنه أنّه كالزّنى، وقال ابن حزم، في «المحلى»: إنّ مذهب داود وجميعَ أصحابه أنّ اللّوطي يجلد دون الحد، ولم يصرّح، فيما نقلوا عن أبي حنيفة وصاحبيْه، ولا عن أحد، ولا الشّافعي بمساواة الفاعل والمفعول به في الحكم إلاّ عند مالك، ويؤخذ من حكاية ابن حزم في «المحلّى»: أنّ أصحاب المذاهب المختلفة في تعزير هذه الفاحشة لم يفرّقوا بين الفاعل والمفعول إلاّ قولاً شاذا لأحَدِ فقهاء الشّافعيّة رأى أنّ المفعول أغلظ عقوبة من الفاعل. وروى أبو داود والتّرمذي، عن عكرمة عن ابن عبّاس، والتّرمذيُّ عن أبي هريرة، وقال في إسناده، مَقال عن النّبيء صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حديث : مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» تفسير : وهو حديث غريب (لم يرو عن غير عكرمة عن ابن عبّاس) وقد علمت استشارة أبي بكر في هذه الجريمة، ولو كان فيها سند صحيح لظهر يومئذ.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ}. بين تعالى أن المراد بهذه الفاحشة اللواط بقوله بعده: {أية : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [الأعراف: 81] الآية، وبين ذلك أيضاً بقوله: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 165]، وقوله: {أية : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} تفسير : [العنكبوت: 29].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولوطاً: أي وأرسلنا لوطاً ولوط هو لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم عليه السلام ولد في بابل العراق. الفاحشة: هي الخصلة القبيحة وهي إتيان الرجال في أدبارهم. من العالمين: أي من الناس. من الغابرين: الباقين في العذاب. وأمطرنا: أنزلنا عليهم حجارة من السماء كالمطر فأهلكتهم. المجرمين: أي المفسدين للعقائد والأخلاق والأعراض. معنى الآيات: هذا هو القصص الرابع قصص نبي الله تعالى لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم عليه السلام فقوله تعالى {وَلُوطاً....} أي وأرسلنا لوطاً إلى قومه نم أهل سذوم، ولم يكن لوط منهم لأنه من أرض بابل العراق هاجر مع عمه إبراهيم وأرسله الله تعالى إلى أهل سذوم وعمورة قرب بحيرة لُوطٍ بالأردن. وقوله إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم منكراً عليهم فعلتهم المنكرة: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} وهي إتيان الرجال في أدبارهم {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} أي لم يسبقكم إليها أحد من الناس قاطبة، وواصل إنكاره هذا المنكر موبخاً هؤلاء الذين هبطت أخلاقهم إلى درك لم يهبط إليه أحد غيرهم فقال: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} وإلا فالشهوة من النساء هي المفطور عليها الإِنسان، لا أدبار الرجال، ولكنه الإِجرام والتوغل في الشر والفساد والإِسراف في ذلك، والإِسراف صاحبه لا يقف عند حد. وبعد هذا الوعظ والإِرشاد إلى سبيل النجاة، والخروج من هذه الورطة التي وقع فيها هؤلاء القوم المسرفون ما كان ردهم {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ} أي لوطاً والمؤمنين معه {مِّن قَرْيَتِكُمْ} أي مدينتكم سدوم، معللين الأمر بإخراجهم من البلاد بأنهم أناس يتطهرون من الخبث الذي هم منغمسون فيه قال تعالى بعد أن بلغ الوضع هذا الحد {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} من بناته وبعض نسائه {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} حيث أمرهم بالخروج من البلاد ليلاً قبل حلول العذاب بالقوم فخرجوا، وما إن غادروا المنطقة حتى جعل الله تعالى عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجين فأهلكوا أجمعين. وقوله تعالى في ختام هذا القصص {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} فإنه خطاب عام لكل من يسمع هذا القصص ليعتبر به حيث شاهد عاقبة المجرمين دماراً كاملاً وعذاباً أليماً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- شدة قبح جريمة اللواط. 2- أول من عرف هذه الجريمة القذرة هم قوم لوط عليه السلام. 3- الإسراف وعدم الاعتدال في الأقوال والأفعال يتولد عنه كل شر وفساد. 4- الكفر والإِجرام يحل رابطة الأخوة والقرابة بين أصحابه والبُرءاء منه. من أتى هذه الفاحشة من المحصنين يرجم بالحجارة حتى الموت.
القطان
تفسير : لوط: هو ابن أخ ابراهيم، هاجر مع عمه من العراق الى فلسطين ثم سكن جنوب الأردن في سدوم وعامورة من منطقة البحر الميت الآن. الفاحشة: المقصود بها هنا إتيان الذكور. مسرفون: متجاوزون حدّ الاعتدال. من الغابرين: الذاهبين الهالكين. جاء ذِكر قصّة لوطٍ بتمامها في عدة سُوَر باختلاف يسير. وتتلخّص في أن قوم لوطٍ كانوا أهل شرٍ وأذى.. كانوا يقطعون الطريق على الناس، قد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسَن، كما قال تعالى في سورة العنكبوت: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ}. وكان أشنعَ عملٍ لهم هو ما اشتُهروا به من إتيان الذكور، فأرسل الله عليهم العذاب ودمّر قراهم، وطمس معالمها فلم تعد تُعرف إلى الآن. {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ....}. ولقد أرسلنا لوطاً نبيَّ الله إلى قومه، يدعوهم إلى التوحيد وينبّههم إلى وجوب التخلّي عن أقبحِ جريمة يفعلونها، وهي اتصال الرجل منهم بالرجل أو الغلام في مباشرة جنسية شاذة. وفي ذلك خروج على الفطرة ولقد قال لهم: يا قوم، إنكم قد ابتدعتم تلك الفاحشة بشذوذكم، وفي هذا إسرافٌ ليس له مثيل في تجاوز حدود الاعتدال. {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}. فكان جواب قوم لوطٍ على هذا الاستنكار لأقبحِ الافعال ان قالوا: أخرجوا لوطاً هذا مع آله وأتباعه من بلدكم. إنهم يتعفّفون عن مشاركتنا في ما نفعل. وهكذا يتجلّى الانحرافُ في جوابهم: يخرجون لوطاً وأتباعه لأنهم مستقيمون! أما الفاسقون الفاسدون، فقد بلغ من قِحَتِهِم وفُجورهم أن يفعلوا الفاحشة ويفخَروا بها، بل أن يحتقروا من يتنزه عنها. وتأتي الخاتمة سريعا بلا تطويل ولا تفصيل: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ}. ولقد حقّت عليهم كلمةً العذاب، فأنجينا لوطاً وأهلَه، الا امرأته لقد رفضتْ ان تؤمن به، فكانت من الهالكين. ثم أمطرنا عليهم حجارةً مدمّرة، ومادَت الأرض بالزلازل من تحتِهم، فانظُر أيها المعتبِر كيف كانت عاقبة المجرمين. قال الامام ابنُ القيّم في زاد المعاد: هذا لم تكن تعرفُه العرب، ولم يُرفع إليه حديث صحيح في ذلك. لكنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: حديث : اقتُلوا الفاعل والمفعول به . تفسير : رواه اهل السنن الأربعة بإسناد صحيح وقال الترمذي: حسنٌ صحيح، وحكم به أبو بكر الصدّيق، وكتب به إلى خالد بن الوليد، بعد مشاورة الصحابة وكان عليُّ كرّم الله وجهه أشدَّهم في ذلك. وقد طعن ابن حَجَر في هذه الأحاديث وقال: إنها ضعيفة. ولذلك يجب على الحاكم ان يتحرّى جيدا، فإن عقوبة القتلِ أعظمُ الحدود، فلا يؤخَذُ فيها إلا بالصحيح القاطع من كتابٍ او سُنّة متواتِرةٍ او إجماع.
د. أسعد حومد
تفسير : (80) - وَاذْكُرْ لُوطاً إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى قَوْمِهِ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَإِلى تَرْكِ مَا هُمْ عَلَيهِ مِن ارْتِكَابِ الفَوَاحِشِ التِي لَمْ يَسْبِقْهُم، إِلى الإِتْيَانِ بِهَا، أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَبْلَهُمْ، لِمُخَالَفَتِهَا لِمُقْتَضَيَاتِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلُوطاً} يعني وأرسلنا لوطاً وقيل معناه: واذكر لوطاً. وهو لوط بن [هاران] بن تارخ أخي إبراهيم (عليه السلام) {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} وهم أهل سدوم، وذلك أنّ لوطاً شخص من أرض بابل مع عمّه إبراهيم (عليه السلام) مؤمناً به مهاجراً معه إلى الشام فنزل إبراهيم (عليه السلام) فلسطين وأنزل ابن أخيه لوطاً الأردن فأرسل الله إلى أهل سدوم فقال لهم: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} يعني إتيان الذكران {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} قال عمرو بن دينار: ما كان يزني ذكر على ذكر في الدنيا حتّى كان قوم لوط {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} [في أدبارهم] {شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} يعني أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} مشركون [تبدّلون] الحلال إلى الحرام. قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم فعرض لهم إبليس في صورة شيخ قال: إن [عضلتم] بهم كلهم أنجوتكم منهم فأبوا، فلما ألحّ الناس عليهم فعبدوهم فأصابوا غلماناً صباحاً فأخبثوا وأستحكم فيهم ذلك. وقال الحسن: كانوا لا ينكحون [إلاّ الرجال] وقال الكلبي: أوّل مَنْ عمل عمل قوم لوط إبليس الخبيث لأن بلادهم أخصبت فانتجعها أهل البلدان فتمثّل لهم إبليس في صورة شاب ثمّ دعا [في] دبره فنُكح في دبره ثمّ عتوا بذلك العمل فأكثر فيهم ذلك فعجّت الأرض إلى ربّها فسمعت السماء فعجّت إلى ربّها فسمع العرش فعجّ إلى ربّه فأمر الله السماء أن تحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} إذا قال لهم ذلك {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} قال بعضهم لبعض {أَخْرِجُوهُمْ} لوطاً وأهل دينه {مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} يتنزّهون ويتحرّجون عن أتيان أدبار الرجال وأدبار النساء {فَأَنجَيْنَاهُ} يعني لوطاً {وَأَهْلَهُ} المؤمنين به، وقيل: وأهله بنتاه: نعوذا وديثا. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} فاعلة فإنّها {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} يعني الباقين في العذاب وقيل: معناه: كانت من الباقين والمعمّرين قبل الهلاك الذين قد أتى عليهم عمرت دهراً طويلا فهرمت فيمن هرم من الناس. فهلكت مع مَنْ هلك من قوم لوط حين أتاهم العذاب. وإنّما قال: (الغابرين) ولم يقل: الغابرات لأنه أراد أنّها ممّن بقى مع الرجال فلمّا ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل: الغابرين. وقيل: له غبر يغبر غبوراً، وغبر إذا بقي. قال الشاعر: شعر : وأبي الذي فتح البلادبسيفه فأذلّها لبني أبان الغابر تفسير : يعني الباقي. وقال أبو ذؤيب: شعر : وغبرت بعدهم بعيش ناصب وإدخال أنّي لاحق مستتبع تفسير : {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} يعني حجارة من سجّيل {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} وسنذكر القصّة بتمامها في موضعها إن شاء الله. وروى أبو اليمان بن الحكم بن نافع الحمّصي عن صفوان بن عمر قال: كتب عبد الملك ابن مروان إلى ابن حبيب قاضي حمص سأله كم [عقوبة] اللوطي فكتب أن عليه أن يُرمى بالحجارة كما رجُم قوم لوط فإن الله تعالى قال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} وقال: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحجر: 74] فقبل عبد الملك ذلك منه وأستحسنه. وروى عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فأقتلوا الفاعل والمفعول به ". تفسير : وقال محمد بن المنكدر: كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر أنّه وجد رجلا في بعض قوافل العرب يُنكح كما تُنكح المرأة فشاور أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأشهدهم في ذلك عليه، فاجتمع عليهم على أن يُحرقوه فأحرقوه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكما قال الحق: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} وقال: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}، {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} فهو هنا يأتي باسم "لوط" منصوباً لأنه معطوف على من سبقه من أصحاب الرسالات. وما هو زمان الإِرسال؟ إن قوله الحق: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} يفيد أن زمن القول كان وقت الإِرسال. وهي الإِشارة القرآنية ذات الدلالة الواضحة على أن الرسول حين يبعث ويرسل إليه ويبَّلغ الرسالة لا يتوانى لحظة في أداء المهمة، فكأن تبليغ الرسالة تزامن مع قوله: {يَاقَوْمِ}. والأسلوب يريد أن يبين لك أنه بمجرد أن يقال له: "بلغ" فهو يبلغ الرسالة على الفور، وكأن الرسالة جاءت ساعة التبليغ فلا فاصل بينهما. {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [الأعراف: 80] وكلمة "قومه" تعني أنه منهم، ولماذا لم يقل: "أخاهم لوطاً"؟ وهذه لها معنى يفيد أن السابقين من الرسل كانوا من بيئة الأقوام الذين أرسلوا إليهم؛ فعاد كان "هود" من بيئتهم و"ثمود" كان صالح من بيئتهم وإذا كان الحق لم يقل "أخاهم لوطاً" فلنلحظ أنه أوضح أنه قد أرسله إلى قومه، وهذه تنبهنا إلى أن لوطاً لم يكن من هذا المكان، لأن لوطاً وإبراهيم عليهما السلام كانا من مدينة بعيدة، وجاء إلى هذا المكان فراراً من الاضطهاد هو وإبراهيم عليهما السلام، وهذا يبين لنا أن لوطاً طارئ على هذا المكان، ولم يكن أخاهم المقيم معهم في البيئة نفسها. ولكنهم "قومه" لأنه عاش معهم فترة فعرف بعضهم بعضاً، وعرفوا بعضاً من صفاته، وأنسوا به. أقول ذلك لننتبه إلى دقة أداء القرآن، فمع أن القصص واحد فسبحانه يضع لنا التمييز الدقيق، ولم يقل لهم لوط: إن ربي نهاكم عن هذه العملية القذرة وهي إتيان الرجال. بل أراد أن يستفهم منهم استفهاماً قد يردعهم عن العملية ويقبحها. وكان استفهام سيدنا لوط هو استفهام تقريع، واستفهام إنكار، فلم يقل لهم: إن ربنا يقول لكم امتنعوا عن هذا الفعل، بل يستنكر الفعل كعمل مضاد للفطرة، واستنكار فطري. {...أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80] وهذا يدل على أنه يريد أن يسألهم سؤالاً إنكاريًّا ليحرجهم، لأن العقل الفطري يأبى هذه العملية: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ}. أي أن هذه المسألة لم تحدث من قبل لأنها عملية مستقذرة؛ لأن الرجل إنما يأتي الرجل في محل القذارة، لكنهم فعلوها، وهذا الفعل يدل على أنها مسألة قد تشتهيها النفس غير السويَّة. ولكنها عملية قذرة تأباها الفطرة السليمة. وكلمة "فاحشة" تعطينا معنى التزيد في القبح؛ فهي ليست قبحاً فقط، بل تَزَيُّدٌ وإيغال وتعمق في القبح ومبالغة فيه؛ لأن الفاحشة تكون أيضاً إذا ما أتى الرجل أنثى معدة لهذه العملية لأنه لم يعقد عليها، ولم يتخذها زوجا، وعندما يتزوجها تصير حِلاًّ له، لكن إتيان الذكر للذكر هو تزيد في الفحش. وإذا كان هذا الأمر محرماً في الأنثى التي ليست حلالاً له ويعد فاحشة، فالرجل غير مخلوق لمثل هذا الفعل ولا يمكن أن يصير حلالاً، يكون إتيانه فاحشة بمعنى مركّب. {...أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80] وقلنا من قبل: إن "من" قد تأتي مرة زائدة، ويمكنك أن تقول إنها زائدة في كلام الإنسان، لكن من العيب أن تقول ذلك في كلام ربنا. وقوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ}. أي ما سبقكم أحد من العالمين، و"أحد" هي الفاعل، وجاءت "من" لتوضح لنا أنه لم يأت بها أحد ابتداءً، مثلما قلنا قديماً، حين تأتي لواحد لتقول له: "ما عندي مال". فأنت قد نفيت أن يكون عندك مال يعتد به. وقد يكون معك من بداية ما يقال له أنه مال، وقوله الحق: {...مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ}. [الأعراف: 80] يعني أنه لم يسبقكم أي أحد من بداية ما يقال له أحد، وسبحانه يريد بذلك أن ينفيها أكثر، و"من" التي في قوله: {مِّن ٱلْعَالَمِينَ} هي تبعيضية أي ما سبقكم بها أحد "من بعض" العالمين. فما هذا الأمر؟ لقد سماها فاحشة، وهي تزيد في القبح ووصفة لها بأنها لم يأتها أحد من العالمين جعلها مسألة فظيعة للغاية. لأننا حين نبحث هذه المسألة بحثاً عقلياً نجد أن الإنسان مخلوق كخليفة في الأرض وعليه استبقاء نوعه؛ لأن كل فرد له عمر محدود، ويخلف الناس بعضهم بعضاً، ولابد من بقاء النوع، وقد ضمن الله للإنسان الأقوات التي تبقيه، وحلل له الزواج وسيلة لإبقاء النوع، ومهمة الخلافة تفرض أن يخلف بعضنا بعضاً. وكل خليفة يحتاج إلى اقتيات وإلى إنجاب. و"الاقتيات" خلقه الله في الأرض التي قدر فيها أقواتها. والنوع البشري جعل منه سبحانه الذكر والأنثى ومنهما يأتي الإنجاب الخلافي؛ فهو محمول أولاً في ظهر أبيه نطفة، ثم في أمه جنيناً ثم تضعه لترعاه مع والده ويربيه الاثنان حتى يبلغ رشده. وهذه خمس مراحل، وكل مرحلة منها شاقة، فحمل الأم في الطفل تسعة شهور هو أمر شاق؛ لأن الإِنسان منا إن حمل شيئاً طوال النهار سيصاب بالتعب، لكن الأم تحمل الجنين تسعة أشهر، وأراد الله أن يكون الحمل انسيابياً بمعنى أن الجنين في نشأته الأولى لا يبلغ وزنه إلا أقل القليل، ثم يكبر بهدوء وبطء لمدة تسعة شهور حتى يكتمل نموه. وهذا الجنين كان صغيراً في بدء تكوينه، ثم صار وزنه غالباً ثلاثة كيلو جرام في يوم ولادته، وبين بدء تكوينه إلى لحظة ميلاده هناك فترة زمنية ينمو فيها هذا الجنين تدريجياً، وبشكل انسيابي، فهو لا يزيد في الوزن كل ساعة، بل ينمو في كل جزء من المليون من الثانية بمقدار يناسب هذا الجزء من الثانية، وهذا يعني أن الجنين ينمو انسيابيا بما يناسب الزمن. نلحظ ذلك أيضاً في أثناء التدريب على رياضة حمل الأثقال أنهم لا يدربون اللاعب الناشئ على حمل مائة كيلو جرام من أول مرة بل يدربونه على حمل عشرين كيلو جراماً في البداية، ثم يزاد الحمل تباعاً بما لا يجعل حامل الأثقال في عنت، ويسمون ذلك: انسياب التدريب؛ لأن حمل هذه الأثقال يحتاج إلى تعود، ولهذا لا يتم تدريبه على حمل الأثقال فجأة، بل بانسياب بحيث لا يدرك الزمن مع الحركة، كذلك النمو، فأنت إذا نظرت إلى طفلك الوليد ساعة تلده أمه، وسأقدر جدلاً أنك ظللت تنظر إليه دائماً، فهو لا يكبر في نظرك أبداً؛ لأنه ينمو بطريقة غير محسوسة لديك، لكنك لو غبت شهراً عنه وتعود لرؤيته ستدرك نموه، وهذا النمو الزائد قد تجمع في الزمن الفاصل بين آخر مرة رأيته فيها قبل غيابك وأول مرة تراه بعد عودتك. ومن لطف الله - إذن - في الحمل أن الجنين ينمو انسيابياً، ولذلك يزداد الرحم كل يوم من بدء الحمل إلى آخر يوم فيه، وترى الأم الحامل، وهي تسير بوهن وتبطئ في حركتها، ثم يأتي الميلاد مصحوباً بمتاعب الولادة وآلامها، وبعد أن يولد المولود تستقبله رعاية أمه وأبيه، ويأخذ سنوات إلى أن يبلغ الرشد. ونعلم أن أطول الأجناس طفولة هو الإنسان، ولذلك نجد الأب الذي يريد الإنجاب يتحمل مع الأم متاعب التربية، وقد قرن الله هذا الأمر بشهوة، وهي أعنف شهوة تأتي من الإِنسان، وبعد ميلاد الطفل نجد المرأة تقول: لن أحمل مرة أخرى، ولكنها تحمل بعد ذلك. إذن كأن الشهوة هي الطُعم الموضوع في المصيدة ليأتي بالصيد وهو الإِنجاب؛ لذلك قرن الحق الإِنجاب بالشهوة لنقبل عليها، وبعد أن نقبل عليها، ونتورط فيها نتوفر ونبذل الجهد لنربي الأولاد. فإذا أنت عزلت هذه الشهوة عن الإِنجاب والامتداد تكون قد أخللت وملت عن سنة الكون، لأنك ستأخذ اللذة بدون الإِنجاب، وإذا تعطل الإِنجاب تعطلت خلافة الأرض، والشيء الآخر أن الرجل في الجماع يلعب دور الفاعل، وفي الشذوذ وهو العملية المضادة التي فعلها قوم لوط ينقلب الرجل إلى منفعل بعد أن كان فاعلاً. {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80] والفاحشة هي العملية الجنسية الشاذة، ولم يحددها سبحانه من البداية كدليل على أنها أمر معلوم بالفطرة، فساعة يقول: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} يعرفون ما فعلوا. وإن افترضنا أن هناك أغبياء أو من يدعون الغباء ويرفضون الفهم، فقد جاء بعدها بالقول الواضح: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً...}
الجيلاني
تفسير : {وَ} أرسلنا {لُوطاً} اذكروا {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} المبالغين في ارتكاب الفعلة القبيحة والديدنة الشنيعة على وجه التوبيخ والتقريع: {أَتَأْتُونَ} وترتكبون {ٱلْفَاحِشَةَ} المتناهية في القباحة والفضاحة مع أنها {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80] بل أنتم اخترعتموها من خباثة نفوسكم ورداءة طباعكم. {إِنَّكُمْ} أيها المتجاوزون عن حدود الله ومقتضى حكمته {لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً} أي: حال كونكم متلذذين مشتهين لإتيانهم {مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} مع أن الحكمة تقتضي إتيانهن، وما هو من جهلكم بقبحها وخباثتها {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف: 81] في الفساد والخروج عن مقتضى الحكمة الإلهية بمتابعة أهويتكم الباطلة. {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} حين سمعوا منه ما سمعوا {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} مستكبرين مستنكرين منهمكين: {أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ} أي: لوطاً ومن آمن له {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82] يدعون التطهر عن الخبائث ويجتنبون عن الفواحش، فلا يناسبهم الإقامة فينا. ثم لما لم يمتنعوا بقوله، بل زادوا الإصرار والعداوة، أخذناهم بظلمهم وإسرافهم {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} أي: من آمن له مما أصابهم {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} لأنها تسر الكفر؛ لذلك {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} [الأعراف: 83] الهالكين بقهر الله. {وَ} بعدما أخذناهم {أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} أي: مطراً وحجارة من سجيل فاستأصلناهم به {فَٱنْظُرْ} أيها المعتبر الرائي {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 84] المصرين على الجرائم العظائم مع إرسال الرسل الهادين لهم إلى طريق الجناة، الزاجرين عما هم عليه من القبائح على أبلغ وجه وآكده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ } .إلى آخر القصة. أي: { و } اذكر عبدنا { لُوطًا } عليه الصلاة والسلام، إذ أرسلناه إلى قومه يأمرهم بعبادة اللّه وحده، وينهاهم عن الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من العالمين، فقال: { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } أي: الخصلة التي بلغت - في العظم والشناعة - إلى أن استغرقت أنواع الفحش، { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ } فكونها فاحشة من أشنع الأشياء، وكونهم ابتدعوها وابتكروها، وسنوها لمن بعدهم، من أشنع ما يكون أيضا. ثم بينها بقوله: { إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ } أي: كيف تذرون النساء اللاتي خلقهن اللّه لكم، وفيهن المستمتع الموافق للشهوة والفطرة، وتقبلون على أدبار الرجال، التي هي غاية ما يكون في الشناعة والخبث، ومحل تخرج منه الأنتان والأخباث، التي يستحيي من ذكرها فضلا عن ملامستها وقربها، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } أي: متجاوزون لما حده اللّه متجرئون على محارمه. { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } أي: يتنزهون عن فعل الفاحشة. {أية : وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } . تفسير : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } أي: الباقين المعذبين، أمره اللّه أن يسري بأهله ليلا فإن العذاب مصبح قومه فسرى بهم، إلا امرأته أصابها ما أصابهم. { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } أي: حجارة حارة شديدة، من سجيل، وجعل اللّه عاليها سافلها، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } الهلاك والخزي الدائم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):