٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحفص عن عاصم {إنكم} بكسر الألف ومذهب نافع أن يكتفي بالاستفهام بالأولى من الثاني في كل القرآن. وقرأ ابن كثير {أئنكم} بهمزة غير ممدودة وبين الثانية، وقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة بالتخفيف، وبين الثانية. والباقون بهمزتين على الأصل. قال الواحدي: من استفهم كان هذا استفهاماً معناه الإنكار لقوله: {أية : أتأتون الفاحشة} تفسير : [الأعراف: 80] وكل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء. المسألة الثانية: قوله: {شهوة} مصدر. قال أبو زيد شهي يشهي شهوة وانتصابها على المصدر، لأن قوله: {أتأتون الرجال} معناه أتشتهون شهوة؟ وإن شئت قلت إنها مصدر وقع موقع الحال. المسألة الثالثة: في بيان الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل. اعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع، فلا حاجة فيه إلى تعديد الوجوه على التفصيل ثم نقول موجبات القبح فيه كثيرة: أولها: أن أكثر الناس يحترزون عن حصول الولد، لأن حصوله يحمل الإنسان على طلب المال وإتعاب النفس في الكسب، إلا أنه تعالى جعل الوقاع سبباً لحصول اللذة العظيمة، حتى أن الإنسان بطلب تلك اللذة يقدم على الوقاع، وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع، فوضع اللذة في الوقاع، كشبه الإنسان الذي وضع الفخ لبعض الحيوانات، فإنه لا بد وأن يضع في ذلك الفخ شيئاً يشتهيه ذلك الحيوان حتى يصير سبباً لوقوعه في ذلك الفخ، فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ، والمقصود منه إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع. إذا ثبت هذا فنقول: لو تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي إلى الولد، لم تحصل الحكمة المطلوبة، ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل، وذلك على خلاف حكم الله، فوجب الحكم بتحريمه قطعاً، حتى تحصل تلك اللذة بالطريق المفضي إلى الولد. والوجه الثاني: وهو أن الذكورة مظنة الفعل، والأنوثة مظنة الانفعال، فإذا صار الذكر منفعلاً، والأنثى فاعلاً، كان ذلك على خلاف مقتضى الطبيعة، وعلى عكس الحكمة الإلهية. والوجه الثالث: الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهيمة، وإذا كان الاشتغال بالشهوة يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة، فليكن قضاء الشهوة من المرأة يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة، وهو حصول الولد وإبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع فأما قضاء الشهوة من الذكر فإنه لا يفيد إلا مجرد قضاء الشهوة، فكان ذلك تشبهاً بالبهائم، وخروجاً عن الغريزة الإنسانية، فكان في غاية القبح. والوجه الرابع: هب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل، إلا أنه يبقى في إيجاب العار العظيم، والعيب الكامل بالمفعول على وجه لا يزول ذلك العيب عنه أبداً لدهر، والعاقل لا يرضى لأجل لذة خسيسة منقضية في الحال، إيجاب العيب الدائم الباقي بالغير. والوجه الخامس: أنه عمل يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول، وربما يؤدي ذلك إلى إقدام المفعول على قتل الفاعل لأجل أنه ينفر طبعه عند رؤيته، أو على إيجاب إنكائه بكل طريق يقدر عليه. أما حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة، فإنه يوجب استحكام الألفة والمودة وحصول المصالح الكبيرة، كما قال تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } تفسير : [الروم: 21]. والوجه السادس: أنه تعالى أودع في الرحم قوة شديدة الجذب للمني فإذا واقع الرجل المرأة قوي الجذب، فلم يبق شيء من المني في المجاري إلا وينفصل. أما إذا واقع الرجل فلم يحصل في ذلك العضو المعين من المفعول قوة جاذبة للمني، وحينئذ لا يكمل الجذب، فيبقى شيء من أجزاء المني في تلك المجاري، ولا ينفصل، ويعفن ويفسد ويتولد منه الأورام الشديدة والأسقام العظيمة وهذه فائدة لا يمكن معرفتها إلا بالقوانين الطبية، فهذه هي الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل ورأيت بعض من كان ضعيفاً في الدين يقول: إنه تعالى قال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 5 المعارج: 29] وذلك يقتضي حل وطء المملوك مطلقاً سواء كان ذكراً أو أنثى قال: ولا يمكن أن يقال أنا نخصص هذا العموم بقوله تعالى: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 165] وقوله: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأعراف: 80] قال لأن هاتين الآيتين كل واحد منهما أعم من الأخرى من وجه، وأخص من وجه، وذلك لأن المملوك قد يكون ذكراً، وقد يكون أنثى، وأيضاً الذكر قد يكون مملوكاً، وقد لا يكون مملوكاً، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تخصيص إحداهما بالأخرى أولى من العكس، والترجيح من هذا الجانب، لأن قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } شرع محمد، وقصة لوط، شرع سائر الأنبياء، وشرع محمد عليه الصلاة والسلام أولى من شرع من تقدمه من الأنبياء، وأيضاً الأصل في المنافع والملاذ الحل، وأيضاً الملك مطلق للتصرف. فقل له الاستدلال إنما يقبل في موضع الاحتمال، وقد ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد حرمة هذا العمل، والمبالغة في المنع منه، والاستدلال إذا وقع في مقابلة النقل المتواتر، كان باطلاً. ثم قال تعالى حكاية عن لوط أنه قال لهم: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } والمعنى كأنه قال لهم: أنتم مسرفون في كل الأعمال، فلا يبعد منكم أيضاً إقدامكم على هذا الإسراف.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكُمْ} قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، تفسيراً للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده مما قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ، وحسُن ذلك لأن ما قبله وبعده كلام مستقل. واختار الأوّل أبو عبيد والكِسائي وغيرهما؛ وٱحتجوا بقوله عز وجل: {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 34] ولم يقل أفهم. وقال: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ}تفسير : [آل عمران: 144] ولم يقل أنقلبتم. وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبَّها شيئين بما لا يشتبهان؛ لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد كالمبتدأ والخبر؛ فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإن مِت أفهم، كما لا يجوز أزيد أمنطلق. وقصة لوط عليه السلام فيها جملتان، فلك أن تستفهم عن كل واحدة منهما. هذا قول الخليل وسيبويه، واختاره النحاس ومكِّي وغيرهما {شَهْوَةً} نصب على المصدر، أي تشتهونهم شهوة. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} نظيره {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} تفسير : [الشعراء: 166] في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّكُمْ} وفي قراءة {أَئِنَّكُمْ } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال الألف بينهما على الوجهين {لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } متجاوزون الحلال إلى الحرام.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ} خبرٌ مستأنفٌ لبـيان تلك الفاحشةِ وقرىء بهمزتين صريحتين وبتليـين الثانيةِ بغير مدَ وبمد أيضاً على أنه تأكيدٌ للإنكار السابقِ وتشديدٍ للتوبـيخ، وفي زيادة إنّ واللامِ مزيدُ توبـيخٍ وتقريعٍ، وكان ذلك أمرٌ لا يتحقق صدورُه عن أحد فيؤكد تأكيداً قوياً، وفي إيراد لفظِ الرجالِ دون الغِلمان والمُرْدان ونحوِهما مبالغةً في التوبـيخ وقوله تعالى: {شَهْوَةً} مفعول له أو مصدرٌ في موقع الحالِ، وفي التقيـيد بها وصفُهم بالبهيمية الصِّرْفة وتنبـيهٌ على أنّ العاقلَ ينبغي له أن يكون الداعيَ له المباشرَ طلبُ الولد وبقاءُ النوعِ لا قضاءُ الشهوةِ. ويجوز أن يكون المرادُ الإنكارَ عليهم وتقريعَهم على اشتهائهم تلك الفعلةَ الخبـيثةَ المكروهة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {مّن دُونِ ٱلنّسَاء} أي متجاوزين النساءَ اللاتي هن محلُّ الاشتهاء كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } تفسير : [هود، الآية 78] {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} إضرابٌ عن الإنكار المذكورِ إلى الإخبار بحالهم التي أفضَتْهم إلى ارتكاب أمثالِها وهي اعتيادُ الإسرافِ في كل شيءٍ أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبِهم، أو عن محذوف أي لا عذرَ لكم فيه بل أنتم قومٌ عادتُكم الإسراف. {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} أي المستكبرين منهم المتولين للأمر والنهي المتصدِّين للعقد والحل وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن قَالُواْ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي ما كان جواباً من جهة قومِه شيءٌ من الأشياء إلا قولُهم أي لبعضهم الآخرين المباشِرين للأمور معرضين عن مخاطبته عليه السلام {أَخْرِجُوهُم} أي لوطاً ومن معه من أهله المؤمنين {مّن قَرْيَتِكُمْ} أي إلا هذا القولُ الذي يستحيل أن يكون جواباً لكلام لوطٍ عليه السلام. وقرىء برفع جواب على أنه اسمُ كان و(إلا أن قالوا) الخ، خبرُها وهو أظهرُ وإن كان الأولُ أقوى في الصناعة لأن الأعرفَ أحقُّ بالاسمية. وأياً ما كان فليس المرادُ أنه لم يصدُرْ عنهم بصدد الجوابِ عن مقالات لوطٍ عليه السلام ومَواعظِه إلا هذه المقالةُ الباطلةُ كما هو المتسارعُ إلى الإفهام بل أنه لم يصدُرْ عنهم في المرة الأخيرة من مرات المحاورات الجارية بـينهم وبـينه عليه السلام إلا هذه الكلمةُ الشنيعةُ، وإلا فقد صدر عنهم قبل ذلك كثيرٌ من التُرَّهات حسبما حُكي عنهم في سائر السورِ الكريمة وهذا هو الوجهُ في نظائره الواردةِ بطريق القصر، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تعليلٌ للأمر بالإخراج، ووصفُهم بالتطهر للاستهزاء والسخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش والخبائث والافتخارِ بما هم فيه من القذارة كما هو ديدنُ الشُطّار والدُعّار.
اسماعيل حقي
تفسير : {انكم لتأتون الرجال} بيان لتلك الفاحشة. قرأ نافع وحفص انكم بطريق الخبر والباقون ائنكم بطريق الاستفهام يقال اتى المرأة اذا غشيها وفى اياد لفظ الرجال دون الغلمان والمردان ونحوهما مببالغة فى التوبيخ {شهوة} مفعول له وفى التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة وتنبيه على ان العاقل ينبغى ان يكون الداعى له الى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لاقضاء الشهوة {من دون النساء} اى متجاوزين النساء اللاتى اباح الله لكم {بل انتم قوم مسرفون} اضراب عن الانكار المذكور الى الاخبار بحالهم التى ادت بهم الى ارتكاب امثالها وهى اعتياد الاسراف فى كل شيء يعنى انهم قوم عادتهم الاسراف وتجاوز الحد فى كل شيء فمن ثمة اسرفوا فى باب قضاء الشهوة وتجاوزوا عما عين لها الى غيره.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل المدينة وحفص ها هنا {إِنكم} على الخبر، وكذلك مذهبه في قراءته ان يكتفي بالاستفهام الأول من الثاني في كل القرآن، وهو مذهب الكسائي إِلا في قصة لوط. الباقون بهمزتين الثانية مكسورة، وخففها ابن عامر وأهل الكوفة إِلا حفصاً، والحلواني عن هشام يفصل بينهما بالألف، وابن كثير وأبو عمرو وورش تحقق الأولى وتلين الثانية، وفصل بينهما بألف أبو عمرو. وقال أبو علي: قوله {أتأتون الفاحشة... إِنكم لتأتون الرجال} كل واحد من الاستفهامين كلام مستقل بنفسه لا حاجة لو احد منهما الى الآخر، فاذا كان كذلك، فمن قرأ (أإِنكم) على الاستفهام جعل ذلك تفسيراً للفاحشة، كما أن قوله {أية : للذكر مثل حظ الأنثيين}تفسير : تفسير للوصية. ومن قرأ على الخبر استأنف، ومن أراد أن يلين همزة (إِنكم) فانه يجعلها بين بين، لأن ألف الاستفهام بمنزلة المنفصل، ولولا ذلك لوجب أن يقلب الثانية على ما قبله ثم يحذف لالتقاء الساكنين. ومعنى قوله {إِنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} قال الحسن: إِن قوم لوط كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم ولا ينكحون إِلا الغرباء ولا ينكح بعضهم بعضاً. وقوله {شهوة من دون النساء} فالشهوة مطالبة النفس بفعل ما فيه اللذة، وليست كالارادة، لأنها قد تدعو الى الفعل من جهة الحكمة. والشهوة من فعل الله ضرورة فينا، والارادة من فعلنا، تقول شهيت أشهي شهوة، قال الشاعر: شعر : واشعث يشهى النوم قلت له ارتحل اذا ما النجوم اعرضت واسبكرَّت فقام يجرُّ البرد لو أن نفسه يقال له خذها بكفيك خرت تفسير : وقوله {بل أنتم قوم مسرفون} معناه الاضراب عن الأول الى جميع المعايب من عبادة الاوثان وإِتيان الذكران وترك ما قام به البرهان، وتقديره إِنكم مستوفون لجميع المعائب إِتيان الذكران وغيره، ويحتمل أن يكون بل لاسرافكم لا تفلحون. والاسراف الخروج عن حدِّ الحق الى الفساد.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ } يحتمل الاستئناف البياني والنحوي وهو مبين لتلك الفاحشة، والاتيان هنا بمعنى الجماع، وقرأ ابن عامر وجماعة {أَئِنَّكُمْ} بهمزتين صريحتين، ومنهم من قرأ بتليين الثانية بغير مد، ومنهم من مد وهو حينئذ تأكيد للإنكار السابق وتشديد للتوبيخ، وفي الاتيان بإن واللام مزيد (تقبيح) وتقريع كأن ذلك أمر لا يتحقق صدوره عن أحد فيؤكد تأكيداً قوياً، وفي إيراد لفظ {ٱلرّجَالِ} دون الغلمان والمردان ونحوهما ـ كما قال شيخ الإسلام ـ مبالغة في التوبيخ كأنه قال: لتأتون أمثالكم {شَهْوَةً} نصب على أنه مفعول له أي لأجل الاشتهاء لا غير أو على الحالية بتأويل مشتهين، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية وناصبه (تَأْتون) لأنه بمعنى تشتهون، وفي تقييد الجماع الذي لا ينفك عن الشهوة بها إيذان بوصفهم بالبهيمية الصرفة وأن ليس غرضهم إلا قضاء الشهوة، وفيه تنبيه على أنه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي [له] إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الشهوة، وجوز أن يكون المراد الإنكار عليهم وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة القذرة الخبيثة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {مّن دُونِ ٱلنّسَاء} أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل الاشتهاء عند ذوي الطباع السليمة كما يؤذن به قوله سبحانه: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } فالجار والمجرور في موضع الحال من ضمير (تأتون)، وجوز أن يكون حالا من الرجال ـ على ما قاله أبو البقاء ـ أي تأتونهم منفردين عن النساء، وأن يكون في موضع الصفة لشهوة ـ على ما قيل ـ واستبعد تعلقه به، و {بَلِ } للإضراب وهو إضراب انتقالي عن الإنكار المذكور إلى الإخبار بما أدى إلى ذلك وهو اعتياد الإسراف في كل شيء أو إلى بيان استجماعهم للعيوب كلها. ويحتمل أن يكون إضراباً عن غير مذكور وهو ما توهموه من العذر في ذلك أي لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإسراف والخروج عن الحدود، وهذا في معنى ذمهم بالجهل كما في سورة النمل [55] إلا أنه عبر بالاسم هنا وبالفعل هناك لموافقة رؤوس الآي المتقدمة في كل والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.
د. أسعد حومد
تفسير : (81) - فَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ عَدَلْتُمْ عَنِ الاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ، الذِي جَعَلَهُ اللهُ وَسِيلَةً لاسْتِمْرَارِ النَّسْلِ، وَحِفْظِ النَّوْعِ، إِلى الاسْتِمْتَاعِ بِالذُّكُورِ لاَ تَبْتَغُونَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إِلاَّ قَضَاءَ الوَطَرِ وَالشَّهْوَةِ، وَالمُتْعَةِ الآثِمَةِ، وَهَذا إِسْرَافٌ مِنْكُمْ وَجَهْلٌ، وَتَجَاوُزٌ لِلْحُدُودِ، لأِنَّهُ وَضْعٌ لِلشَّيءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ الطَّبِيعِيِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والإِسراف هو تجاوز الحد، والله قد جعل للشهوة لديك مصرفاً طبيعياً منجبا، وحيث تأخذ أكثر من ذلك تكون قد تجاوزت الحد، ولقد جعل الله للرجل امرأة من جنس البشر وجعلها وعاء للإِنجاب، وتعطيك الشهوة وتعطيها أنت الشهوة، وتعطيك الإِنجاب، وتشتركان من بعد ذلك في رعاية الأولاد. وأي خروج عما حدده الله يكون الدافع إليه هو الشهوة فحسب لكي ينبغي أن يكون الدافع إلى هذه العملية مع الأنثى هو الشهوة والإنجاب معا؛ لبقاء النوع، ولذلك وصف الحق فعل قوم لوط: {...بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}. ويأتي الحق سبحانه بما أجابوا به عن سؤال سيدنا لوط: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ...}
الأندلسي
تفسير : {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} هذا بيان لقوله: أتأتون الفاحشة، وأتى هنا من قولهم: أتى المرأة، إذا غشيها، وهو استفهام على جهة الإِنكار والتوبيخ. وشهوة مصدر في موضع الحال أي مشتهين وإن كانت حالاً من الضمير في تأتون أو مشتهين ان كان حالاً من الرجال. ويجوز أن ينتصب مفعولاً من أجله أي للشهوة. وبل هنا للخروج من قصة إلى قصة تنبىءُ بأنهم متجاوزوا الحد في الاعتداء، وجاء هنا مسرفون باسم الفاعل ليدل على الثبوت ولموافقتها ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأسماء. وجاء في النمل تجهلون بالمضارع لتجدد الجهل فيهم ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأفعال. {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} الآية الضمير المنصوب في أخرجوهم عائد على لوط ومن آمن به ولما تأخر نزول هذه السورة عن سورة النمل أضمر ما فسره الظاهر في النمل من قوله: {أية : أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ} تفسير : [النمل: 56]، الآية، ويتطهرون قال ابن عباس ومجاهد: يتقذرون عن إتيان أدبار الرجال والنساء. {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} أي من العذاب الذي جعل بقومه وأهله وهم المؤمنون معه. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} فلم تنج واسمها واهلة كانت منافقة تسر الكفر موالية لأهل سدوم. ومعنى: {مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا. والجملة من قوله: كانت، تأكيد لما تضمنه الاستثناء من عدم نجاة امرأته. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} ضمّن أمطرنا معنى أرسلنا فلذلك عداه بعلى كقوله: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32]. والمطر هنا هي الحجارة وقد ذكرت في غير آية. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} هذا خطاب للسامع قصتهم كيف كان مآل من أجرم، وفيه اتعاظ وازدجار أن تسلك هذه الأمة مسلكهم. والمجرمين عام في قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم. ومن نظر التفكر أو من نظر البصر فيمن بقيت له آثار منازل ومساكن كثمود وقوم لوط كما قال تعالى: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ}تفسير : [الفرقان: 38]، وقد تبين لكم من مساكنهم وكيف خبر كان وعاقبة اسم كان، والجملة في موضع نصب لأن أنظر معلقة عنها. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} قال الفراء: مدين، اسم بلد وقطر. والجمهور على أن مدين اسم أعجمي، فإِن كان عربياً احتمل أن يكون فيْعلاً من مَدَن بالمكان أقام به وهو بناء نادر أو مفعلاً من دان فتصحيحه شاذ وكان قياسه مدان. وشعيب اسم عربي هو تصغير شِعْب أو شعب واختلف في نسب شعيب اختلافاً كثيراً ذكر ذلك في البحر المحيط. وشعيب قيل: هو ابن بنت لوط، وقيل: زوج بنته. {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} هذا دليل على أنه قد جاء بالمعجزة إذ كل نبي لا بد له من معجزة تدل على صدقه ولكنه لم يعين هنا ما المعجزة ولا من أي نوع هي. {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} أمرهم أولاً بشىء خاص وهو إيفاء الكيل والميزان، ثم نهاهم عن شىء عام وهو قوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} والكيل مصدر كني به عن الآلة التي يكال بها. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تقدم تفسير هذه الجملة قريباً. {ذٰلِكُمْ} الإِشارة بذلكم إلى إيفاء الكيل والميزان وترك البخس والإِفساد، وخير أفعل التفضيل، أو خير من الخيور. {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} ظاهرة العموم قال الزمخشري: ولا تقعدوا بكل صراط ولا تقتدوا بالشيطان. في قوله: لأقعدن لهم صراط المستقيم فتقعدوا بكل صراط أي بكل منهاج من مناهج الدين. والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} فإن قلت: صراط الحق واحد وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق به عن سبيله. فكيف قيل: بكل صراط؟ قلت: صراط الحق واحد ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة فكانوا إذا رأوا واحد يشرع في شىء منها أوعدوه وصدوه عنها. انتهى جمل القعود والصراط على المجاز وقد تقدم أن الظاهر أنه حقيقة وأنهم كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون انه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت قريش تفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا تظهر الدلالة على أن الصراط سبيل الحق من قوله: وتصدون عن سبيل الله، كما ذكر بل الظاهر التغاير لعموم كل صراط وخصوص سبيل الله، فيكون بكل صراط حقيقة في الطرق وسبيل الله مجاز عن دين الله. والباء في بكل صراط ظرفية نحو: زيد بالبصرة أي في كل صراط وفي البصرة. {تُوعِدُونَ} جملة حالية أي من جاء للإِيمان بشعيب. {وَتَصُدُّونَ} معطوف على توعدون. قال الزمخشري: فإِن قلت: إلى م يرجع الضمير في من آمن به؟ قلت: إلى كل صراط تقديره وتوعدون من آمن به وتصدون عنه، فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم دلالة على عظم ما يصدون عنه. هذا تعسف في الإِعراب لا يليق أن يحمل عليه القرآن لما في التقديم والتأخير ووضع الظاهر موضع المضمر من غير حاجة إلى ذلك، وعود الضمير على ابعد مذكور مع إمكان عوده على أقرب مذكور الإِمكان. السائغ الحسن الراجح. وجعل من آمن منصوباً بتوعدون فيصير من أعمال الأول وهو قليل. وقد قال النحاة: انه لم يرد في القران لقلته. ولو كان من أعمال الأول للزم ذكر الضمير في الفعل الثاني وكان يكون التركيب وتصدونه أو تصدونهم إذ هذا الضمير لا يجوز حذفه على قول الأكثرين إلا ضرورة: وعلى قول بعض النحاة: يحذف في قليل من الكلام. ويدل على أن من آمن منصوب بتصدون الآية الأخرى وهي: قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن فنصبه بتوعدون بعيد هذا مع التكلفات المضافة إلى ذلك فكان جديراً بالمنع لما في ذلك من التعقيد البعيد عن الفصاحة. قال ابن عطية: يجوز أن يعود على شعيب في قوله من رأى القعود على الطرف تفرد عن شعيب. "انتهى". وهذا بعيد لأن القائل ولا تقعدوا هو شعيب فكان يكون التركيب من آمن بي ولا يسوغ هنا أن يكون التفاتاً، لو قلت: يا هند أنا أقول لا تهيني من أكرمه، تريد أكرمني لم يصح، وتبغونها الضمير عائد على سبيل الله والسبيل تذكر وتؤنث وهي جملة حالية أي باغيها والتقدير تبغون لها عوجاً. {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} روي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله تعالى في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا. {وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} هذا تهّديد لهم وتذكير بعاقبة من أفسد قبلهم وتمثيل لهم بمن حل به العذاب من قوم نوح وهود وصالح ولوط وكانوا قريبيْ عهد بما أصاب المؤتفكة وإعراب هذه الجملة كإِعراب الجمل الواقعة أثر قصة قوم لوط، قال الزمخشري: إذ مفعول به غير ظرف أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم فكثركم الله ووفى عددكم. "انتهى". وذكر غيره أنه منصوب على الظرف فلا يمكن أن يعمل فيه واذكروا لاستقبال واذكروا وكون إذ ظرفاً لما مضى والقلة والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص أو إلى الفقر والغنى، أو إلى قصر الأعمار وطولها، أقوال ثلاثة أظهرها الأول. وقال الزمخشري: إذ كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد. "انتهى". ولا ضرورة تدعو إلى حذق صفعة وهي أذلة، ولا إلى تحميل قوله: فكثركم معنى بالعدد. ألا ترى أن القلة لا تستلزم الذلة ولا الكثرة تستلزم العزة. قال الشاعر: شعر : تعيّرنا انا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل وما ضرنا أنا قليل وجارُنا عزيز وجار الأكثرين ذليل تفسير : وقيل: المراد مجموع الأقوال الأربعة كثر عددهم وارزاقهم وطول أعمارهم وأعزهم بعد أن كانوا على مقابلاتها. {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ} هذا الكلام من أحسن ما تلطف به في المجاورة إذ أبرز المتحقق في صورة المشكوك فيه وذلك أنه قد آمن به طائفة بدليل قول المستكبرين عن الإِيمان: {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ}، وهو أيضاً من بارع التقسيم إذ لا يخلوا قومه من القسمين. والذي أرسل به هنا ما أمرهم به من افراد الله تعالى بالعبادة وإيفاء الكيل والميزان، ونهاهم عنه من البخس والإِفساد والقعود المذكور. ومتعلق لم يؤمنوا محذوف دل عليه ما قبله وتقديره لم يؤمنوا به. والخطاب بقوله: منكم، لقومه وينبغي أن يكون قوله: فاصبروا، خطاباً لفريقي قومه من آمن ومن لم يؤمن. و{بَيْنَنَا} أي بين الجميع فيكون ذلك وعد للمؤمنين بالنصر الذي هو نتيجة الصبر فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا، ووعيداً للكفار بالعقوبة والخسار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):