Verse. 1037 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَاَنْجَيْنٰہُ وَاَہْلَہٗۗ اِلَّا امْرَاَتَہٗ۝۰ۡۖ كَانَتْ مِنَ الْغٰبِرِيْنَ۝۸۳
Faanjaynahu waahlahu illa imraatahu kanat mina alghabireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين» الباقين في العذاب.

83

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ } يحتمل أن يكون المراد من أهله أنصاره وأتباعه الذين قبلوا دينه ويحتمل أن يكون المراد المتصلين به بالنسب. قال ابن عباس: المراد ابنتاه. وقوله: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ } أي زوجته. يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته. ويقال: رجل المرأة بمعنى زوجها لأن الزوج بمنزلة المالك لها، وليست المرأة بمنزلة المالك للرجل، فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام، عرفت الزوجية. وملك النكاح، والرجل إذا أضيف إلى المرأة بالاسم العام، تعرف الزوجية. وقوله: {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } يقال: غبر الشيء يغبر غبوراً، إذا مكث وبقي. قال الهذلي:شعر : فغبرت بعدهم بعيش ناصب وإخال أني لاحق مستتبع تفسير : يعني بقيت فمعنى الآية: أنها كانت من الغابرين عن النجاة أي من الذين بقوا عنها ولم يدركوا النجاة يقال فلان غبر هذا الأمر أي لم يدركه، ويجوز أن يكون المراد أنها لم تسر مع لوط وأهله، بل تخلفت عنه وبقيت في ذلك الموضع الذي هو موضع العذاب. ثم قال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } يقال: مطرت السماء وأمطرت، والأول أفصح، وأمطرهم، مطراً وعذاباً، وكذلك أمطر عليهم، والمراد أنه تعالى أمطر عليهم حجارة من السماء بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } تفسير : [الحجر: 74]. ثم قال: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر هذا اللفظ وإن كان مخصوصاً بالرسول عليه السلام إلا أن المراد سائر المكلفين ليعتبروا بذلك فينزجروا. فإن قيل: كيف يعتبرون بذلك، وقد آمنوا من عذاب الاستئصال؟ قلنا: إن عذاب الآخرة أعظم وأدون من ذلك، فعند سماع هذه القصة يذكرون عذاب الآخرة مؤنبة على عذاب الاستئصال، ويكون ذلك زجراً وتحذيراً. المسألة الثانية: مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن اللواطة توجب الحد. وقال أبو حنيفة: لا توجبه. وللشافعي رحمه الله: أن يحتج بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه ثبت في شريعة لوط عليه السلام رجم اللوطي، والأصل في الثابت البقاء، إلا أن يظهر طريان الناسخ، ولم يظهر في شرع محمد عليه الصلاة والسلام ناسخ هذا الحكم، فوجب القول ببقائه. الثاني: قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] قد بينا في تفسير هذه الآية أنها تدل على أن شرع من قبلنا حجة علينا. والثالث: أنه تعالى قال: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } والظاهر أن المراد من هذه العاقبة ما سبق ذكره وهو إنزال الحجر عليهم ومن المجرمين، الذين يعملون عمل قوم لوط، لأن ذلك هو المذكور السابق فينصرف إليه، فصار تقدير الآية: فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فهذه الآية تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص، وإذا ظهرت العلة، وجب أن يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى فأنجينا لوطاً وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 35-36] إلا امرأته؛ فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لماأمر لوط عليه السلام ليسري بأهله، أمر أن لا يعلمها، ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب، التفتت هي، فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها لوط، بل بقيت معهم، ولهذا قال ههنا: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ} أي: الباقين، وقيل: من الهالكين، وهو تفسير باللازم، وقوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} مفسر بقوله: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود:82-83] ولهذا قال: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة من يجترىء على معاصي الله عز وجل، ويكذب رسله. وقد ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن اللائط يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة؛ كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم، سواء كان محصناً أو غير محصن، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله، والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» تفسير : وقال آخرون: هو كالزاني، فإن كان محصناً رجم، وإن لم يكن محصناً جلد مائة جلدة، وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار، فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء، إلا قولاً شاذاً لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ } الباقين في العذاب.

الماوردي

تفسير : {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} فيه وجهان: أحدها: فخلصناه. والثاني: على نجوة من الأرض، وقيل: إن أهله ابنتاه واسمهما زينا ورميا. {مِنَ الْغَابِرِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الباقين في الهلكى، والغابر الباقي، ومنه قول الراجز: شعر : فَمَا وَنَى مُحَمَّدٌ مُذْ أَنْ غَفَر لَهُ الإِلَهُ مَا مََضَى وَمَا غَبَر تفسير : والثاني: من الغابرين في النجاة، من قولهم: قد غبر عنا فلان زماناً إذا غاب، قال الشاعر: شعر : أَفَبَعْدَنَا أو بَعْدَهُمْ يُرْجَى لِغَابِرِنَا الْفَلاَحُ تفسير : والثالث: من الغابرين في الغم، لأنها لقيت هلاك قومها، قاله أبو عبيدة.

ابن عادل

تفسير : المراد بـ "أهله": أنصاره وأتباعه. وقال ابن عباس: "المراد: ابنتاه" وقوله: "إلا امْرَأتَهُ" أي: زوجتهُ، يقال: امرأةُ الرَّجل أي زوجته ويقال: رجل المرأة بمعنى زوجها؛ لأنَّ الزوج بمنزلة المالك لها، وليست المرأة بمنزلة المالك للرّجل. وقوله: "مِنَ الغَابِرِينَ" يعني الباقين في العذاب. وقيل: من الباقين المعمّرين قد أتى عليها دَهْرٌ طويل فهلكت، فهي مع من هلك. يقال: غبر الشيء يغبرغبوراً إذا مكث وبقي. وقوله: {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} جواب سؤال مقدَّر، وهذا كما تقدم في البقرة، وفي أوَّل هذه السُّورة في قصة "إبليس". والغابر: المقيم وهذا [هو] مشهور اللُّغة، وأنشدوا قول أبي ذُؤَيْبٍ الهذلي: [الكامل] شعر : 2513 - فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ نَاصِبٍ وإخَالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَعُ تفسير : ومنه غُبَّرُ اللبن لبقيته في الضَّرْع، وغُبَّرُ الحَيْض أيضاً، قال أبو كبير الهُذَلِيُّ، ويروى لتأبَّط شَرّاً: [الكامل] شعر : 2514 - ومُبَرَّأ مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُعْضِلِ تفسير : ومعنى "مِنَ الغَابِرِينَ" في الآية أي: من المقيمين في الهلاكِ. وقال بعضهم: "غبر بمعنى مضى وذهب" ومعنى الآية يساعده؛ وأنشد للأعشى: [السريع] شعر : 2515 - عَضَّ بِمَا أبْقَى المَوَاسِي لَهُ مِنْ أمِّهِ فِي الزَّمَنِ الغَابِرِ تفسير : أي: الزمان الماضي. وقال بعضهم: غَبَرَ: أي غاب، ومنه قولهم: "غَبَر عَنَّا زماناً". وقال أبُو عبيدة: "غبر: عُمِّر دَهْراً طويلاً حتّى هَرِمَ"، ويدلُّ له: {أية : إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ}تفسير : [الصافات: 135]. وقد تقدَّم. والحاصل أنَّ الغبور مشتركٌ كـ "عَسْعَسَ"، أو حقيقة ومجازٌ وهو المرجح. والغبارُ: ما يبقى من التُّراب المُثَارِ ومنه: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}تفسير : [عبس: 40]. تخييلاً لتغيرها واسودادها والغَبْراء: الأرْضُ؛ قال طرفةُ: [الطويل] شعر : 2516 - رَأيْتُ بَنِي غَبْرَاءَ لا يُنْكِرُونَنِي وَلاَ أهْلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَدَّدِ

ابو السعود

تفسير : {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ} أي المؤمنين منهم {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} استثناءٌ من أهله فإنها كانت تُسِرّ بالكفر {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ} أي الباقين في ديارهم الهالِكين فيها، والتذكيرُ للتغليب ولبـيان استحقاقِها لما يستحقه المباشِرون للفاحشة، والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن استثنائها من حكم الإنجاءِ، كأنه قيل: فماذا كان حالُها؟ فقيل: كانت من الغابرين {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} أي نوعاً من المطر عجيباً وقد بـينه قوله تعالى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } تفسير : [الحجر، الآية 74] قال أبو عبـيدة: مُطر في الرحمة وأُمطِر في العذاب. وقال الراغب: مُطر في الخير وأُمطر في العذاب، والصحيح أن أَمطَرنا بمعنى أرسلنا عليهم إرسالَ المطر. قيل: كانت المؤتَفِكةُ خمسَ مدائن، وقيل: كانوا أربعةَ آلافٍ بـين الشام والمدينة فأمطر الله عليهم الكِبريتَ والنارَ، وقيل: خَسَف بالمقيمين منهم وأُمطرت الحجارةُ على مسافريهم وشُذّاذهم، وقيل: أُمطر عليهم ثم خُسِف بهم. ورُوي أن تاجراً منهم كان في الحرَم فوقف الحجرُ له أربعين يوماً حتى قضى تجارتَه وخرج من الحرم فوقع عليه، وروي أن امرأتَه التفتت نحوَ ديارِها فأصابها حَجَرٌ فماتت {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَتْ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} خطابٌ لكل من يتأتى منه التأملُ والنظرُ تعجيباً من حالهم وتحذيراً من أعمالهم. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً} عطفٌ على قوله: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} تفسير : [الأعراف، الآية 65] وما عُطف عليه، وقد روعيَ هٰهنا ما في المعطوف عليه في تقديم المجرورِ على المنصوب، أي وأرسلنا إليهم وهم أولادُ مدينَ بنِ إبراهيمَ عليه السلام وشعيبُ بنُ ميكائيلَ بنِ يشجَر بنِ مدينَ، وقيل: شعيبُ بنُ ثويبِ بنِ مدينَ، وقيل: شعيبُ بنُ يثرونَ بنِ مدينَ، وكان يقال له: خطيبُ الأنبـياء لحسن مراجعتِه قومَه وكانوا أهلَ بخسٍ للمكايـيل والموازين مع كفرهم {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌ على سؤال نشأ عن حكاية إرسالِه إليهم كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال: { يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} مر تفسيرُه مراراً {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ} أي معجزةٌ وقوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} متعلقٌ بجاءتْكم أو بمحذوف هو صلةٌ لفاعله مؤكدةٌ لفخامته الذاتيةِ المستفادةِ من تنكيره بفخامته الإضافيةِ، أي بـينةٌ عظيمةٌ ظاهرةٌ كائنةٌ من ربكم ومالِك أمورِكم ولم يُذكرْ معجزتُه عليه السلام في القرآن العظيم كما لم يُذكر أكثرُ معجزاتِ النبـي صلى الله عليه وسلم فمنها ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التّنّينَ حين دفع إليه غنمَه ومنها ولادةُ الغنمِ الدرعَ خاصة حين وعد أن يكون له الدرعُ من أولادها، ومنها وقوعُ عصا آدمَ عليه السلام على يده في المرات السبعِ لأن كلَّ ذلك كان قبل أن يُستنبأ موسى عليه السلام. وقيل: البـينةُ مجيئُه عليه السلام كما في قوله تعالى: {أية : يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّي } تفسير : [هود: 38 ، 88] أي حجةٌ واضحةٌ وبرهانٌ نيِّرٌ، عبّر بهما عما آتاه الله من النبوة والحكمة {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} أي المكيالَ كما وقع في سورة هودٍ ويؤيده قولُه تعالى: {وَٱلْمِيزَانَ} فإن المتبادرَ منه الآلةُ وإن جاز كونُه مصدراً كالمعيار وقيل: آلةَ الكيل والوزن على الإضمار، والفاءُ لترتيب الأمرِ على مجيء البـينةِ ويجوز أن تكون عاطفةً على اعبدوا فإن عبادةَ الله تعالى موجبةٌ للاجتناب عن المناهي التي معظمُها بعد الكفرِ البخْسِ الذي كانوا يباشرونه {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ} التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أيَّ شيءٍ كان وأيَّ مقدارٍ كان، فإنهم كانوا يبخسون الجليلَ والحقيرَ والقليلَ والكثيرَ، وقيل: كانوا مكّاسين لا يدَعون شيئاً إلا مكَسوه، قال زهير: [الطويل] شعر : أفي كل أسواقِ العراقِ إِتاوةٌ وفي كل ما باع امرؤٌ مَكْسُ درهمِ تفسير : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي بالكفر والحيف {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا} بعد ما أصلح أمرَها وأهلَها الأنبـياءُ وأتابعُهم بإجراء الشرائعِ، أو أصلحوا فيها وإضافتُه إليها كإضافة مكرِ الليلِ والنهار {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} إشارةٌ إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه، ومعنى الخيريةِ إما الزيادةُ مطلقاً أو في الإنسانية وحسنِ الأُحدوثة وما يطلُبونه من التكسب والربح لأن الناسَ إذا عرفوهم بالأمانة رغِبوا في معاملتهم ومُتاجَرَتِهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مصدّقين لي في قولي هذا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فأنجيناه} اى لوطا {وأهله} ابنتيه رعوزا وريثا وسائر من آمن به فان الاهل يفسر بالازواج والاولاد وبالعبيد والاماء وبالاقارب وبالمجموع واهل الرجل خاصته الذين ينسبون اليه {الا امرأته} واهله فانه تسر الكفر وتغرى الكفار على انكار لوط وهو استثناء من اهله {كانت من الغابرين} استئناف بيانى كأنه قيل فماذا كان حالها فقيل كانت من الغابرين اى الباقين فى ديارهم الهالكين فيها من الغبور بالفارسى [باقى بماندن] والتذكير مع ان الظاهر ان يقال من الغابرات مبنى على انه بقى فى ديارهم رجال ونساء فغلب الرجال فقيل فى حقها انها كانت منهم.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى أنه أنجى لوطاً ومن معه بمعنى أنه خلصه من الهلاك {وأهله} يعني المختصين به. والأهل هو المختص بالشىء اختصاص القرابة، ولذلك قيل: أهل البلد لأنهم بلزومهم سكناه قد صاروا على مثل لزوم القرابة. وقوله {إِلا امرأته} استثنى من جملة من أنجاه مع لوط من أهله امرأته، لأن امرأته أراد به زوجته ولا يقال: مرؤها بمعنى زوجها، لأنه صار بمنزلة المالك لها. وليست بمنزلة المالكة له. وإِنما تجري هذه الاضافة التي بمعنى اللام على طريقة الملك. وقوله {كانت من الغابرين} يعني من الباقين في عذاب الله - في قول الحسن وقتادة. فان قيل: فعلى هذا يجب أن تكون امرأته ممن نجى لأنه تعالى قال {كانت من الغابرين} أي الباقين. قلنا: المعنى إِنها من الباقين في عذاب الله، على ما حكيناه عن الحسن وقتادة. وقال قوم: معناه إِنها من الباقين قبل الهلاك والمعمرين الذين قد أتى عليهم دهر طويل حتى هرمت فيمن هرم من الناس، وكانت ممن غبر الدهر عليه قبل هلاك القوم. ثم هلكت فيمن هلك من قوم لوط. وقيل: أراد بذلك من الباقين في عذاب الله، ذكر ذلك قتادة. وانما قلنا: إِنها كانت من الهالكين، لقوله في سورة هود {أية : إِنه مصيبها ما أصابهم} تفسير : ذكر ذلك البلخي والطبري، فالغابر الباقي. ويقال: غبر يغبر غبوراً وغبراً اذا بقي قال الأعشى: شعر : عض بما أبقى المواسي له من أمه في الزمن الغابر تفسير : وقال آخر: شعر : وأبي الذي فتح البلاد بسيفه فأذلها لبني أبان الغابر تفسير : وقال الزجاج {من الغابرين} عن النجاة. ومنه الغبرة بقية أثر البياض بعد الامتزاج بغيره من الألوان. وقال الرماني: هذا استثناء متصل، لأنه يجوز أن يدخل الزوجة في الأهل على التغليب في الجملة دون التفصيل كما قال {أية : يا نوح إِنه ليس من أهلك}تفسير : ومن أجل التغليب قال {من الغابرين} ولم يقل من الغابرات. ويقوي في نفسي أنه استثناء منقطع، لأن الزوجة لا تدخل تحت قولنا: الأهل حقيقة، وقد بينا ذلك في سورة البقرة مستوفاً. وقوله {وأمطرنا عليهم مطراً} وأمطرها الله إِمطاراً. وقيل: أمطر عليهم حجارة من سجيل، وهذا اخبار من الله تعالى عما أنزله الله بقوم لوط من العذاب. وقوله {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} أمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع المكلفين بأن يتفكروا في ذلك ويعلموا كيف كان عاقبة المجرمين، يعني الى ما صار اليه عاقبة هؤلاء العاصين. و (كيف) سؤال عن حال إِلا أنها تقع في التسوية، لأن فيها ادعاء. واذا قال القائل: كيف هو، معناه قد علمت ما يطلبه الطالب كيف هو من حاله. والعاقبة آخر ما تؤدي اليه التأدية، وأصله كون الشىء في أثر الشىء ومنه العقاب، لأنه يستحق عقيب الذنب، ومنه العقاب لأنه يعقب على صيده لشدته، والعَقِب، لأنه عقب به بشدة شيئاً بعد شىء. والاجرام اقتراف السيئة، أجرم إِجراماً اذا أذنب والجرم الذنب وأصله القطع فالمجرم منقطع عن الحسنة الى السيئة، وفائدة الآية الاخبار عن سوء عاقبة المجرمين بما أنزل عليهم عاجلاً من عذاب الاستئصال قبل عذاب الآخرة بالنيران.

الجنابذي

تفسير : {فَأَنجَيْنَاهُ} بعد اتمام الحجّة عليهم {وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} فانّها كانت تسرّ الكفر وتوالى اهل القرية {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} عجيباً وهو امطار الحجر {فَٱنْظُرْ} يا محمّد (ص) او يا من يمكن منه النّظر {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} فى الخبر انّ لوطاً (ع) لبث فى قومه ثلاثين سنة وكان نازلاً فيهم ولم يكن منهم يدعوهم الى الله وينهاهم عن الفواحش ويحثّهم على الطّاعة، فلم يجيبوه ولم يطيعوه وكانوا لا يتطهّرون من الجنابة بخلاء اشحّاء على الطّعام فاعقبهم البخل الدّاء الّذى لادواء له فى فروجهم، وذلك انّهم كانوا على طريق السّيّارة الى الشّام ومصر وكان ينزل بهم الضّيفان فدعاهم البخل الى ان كانوا اذا نزل بهم الضّيف فضحوه، وانّما فعلوا ذلك لينكل النّازلة عليهم من غير شهوةٍ لهم الى ذلك فأوردهم بالبخل هذا الدّاء حتّى صاروا يطلبونه من الرّجال ويعطون عليه الجعل، وكان لوط (ع) سخيّاً كريماً يقرى الضّيف اذا نزل بهم فنهوه عن ذلك، فقالوا لا تقر ضيفاناً تنزل بك فانّك ان فعلت فضحنا ضيفك فكان لوط (ع) اذا نزل به الضّيف كتم امره مخافة ان يفضحه قومه وذلك انّه لم يكن للوط (ع) عشيرة فيهم.

اطفيش

تفسير : {فأنْجيناهُ وأهْله} أى من آمن به قريبا له، أو حبيبا أو لم يؤمن به إلا من هو قريب معدود من الأهل كما مر {إلا امرأته} زوجته وأهله، وقيل: اسمها واغلة، وقيل سلفع، وكانت مشركة جهرا وقيل سرا {كانَتْ مِنَ الغَابرينَ} الباقين فى ديارهم فهلكوا، أو الماضين فى أهل العذاب غير متخلفة عنهم، يقال غير بمعنى مضى، وغفر بمعنى بقى وهو المشهور، وقال أبو عبيدة معمر: أخبرنا الله بقوله: {إلا امرأته} أنها لم تنج، وبقوله: {كانت من الغابرين} أنها ممن أسن وبقى من عصره إلى عصر غيره، حتى أدركها الهلاك، مع هؤلاء المهلكين، وإنما قال: {من الغابرين} ولم يقل من الغابرات مع أنها منهن لا منهم، لأن المراد من الناس الغابرين، أو تغليبا للرجال.

اطفيش

تفسير : {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأهْلَهُ} أَى من آمن به، وهم أَربعة عشر من سدوم. وقيل ما آمن به إِلا ابنتاه وهما ريشا وغثيا، خرج بهما وطوى الله الأَرض لهم حتى وصلوا إِبراهيم عليه السلام {إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ} الباقين فى ديارهم فهلكوا، وكانت كافرة تستر كفرها تسمى واهلة وقيل والهة، وقيل بها سفع، وكأَنه لما استثنيت قيل فما حالها فقيل كانت من الغابرين، أَعاض جنس البشر الغابرين أَو غلب الذكور فلم يقل من الغابرات، ويناسبه أَنها تشتد فى إِيقاد قومها على اللواط وأَنها تخبرهم بمن جاءَ لوطا من غير أَهل البلد، فكأَنها ذكر يباشر ذلك.

الالوسي

تفسير : {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ } أي من اختص به واتبعه من المؤمنين سواء كانوا من ذوي قرابته عليه السلام أم لا. وقيل: ابنتاه ريثا ويغوثا. وللأهل معان ولكل مقام مقال، وهو عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه في باب الوصية الزوجة للعرف ولقوله سبحانه: { أية : قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ } تفسير : [القصص: 29] { أية : وَسَارَ بِأَهْلِهِ } تفسير : [القصص: 29] فتدفع الوصية لها إن كانت كتابية أو مسلمة وأجازت الورثة. وعند الإمامين أهل الرجل كل من في عياله ونفقته غير مماليكه وورثته، وقولهما ـ كما في «شرح التكملة» ـ استحسان. وأيده ابن الكمال بهذه الآية لأنه لا يصح فيها أن يكون بمعنى الزوجة أصلاً لقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ } فإنه استثناء من أهله وحينئذ لا يصح الاستثناء، وأنت تعلم أن الكلام في المطلق على القرينة لا في الأهل مطلقاً واسم امرأته عليه السلام واهلة وقيل: والهة. {كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } أي بعضاً منهم فالتذكير للتغليب ولبيان استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة وكانت تسر الكفر وتوالي أهله فهلكت كما هلكوا. وجوز أن يكون المعنى كانت مع القوم الغابرين فلا تغليب. والغابر بمعنى الباقي ومنه قول الهذلي: شعر : فغبرت بعدهم بعيش ناصب تفسير : ويجيء بمعنى الماضي والذاهب. ومنه قوله الأعشى: شعر : في الزمن الغابر تفسير : فهو من الأضداد كما في «الصحاح» وغيره. ويكون بمعنى الهالك أيضاً. وفي بقاء امرأته مع أولئك القوم روايتان ثانيتهما أنه عليه السلام أخرجها مع أهله ونهاهم عن الالتفات فالتفتت هي فأصابها حجر فهلكت. والآية هنا محتملة للأمرين. / والحسن وقتادة يفسران الغبور هنا بالبقاء في عذاب الله تعالى. وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام. والجملة استئناف وقع جواباً نشأ عن الاستثناء كأنه قيل: فما كان حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين.

ابن عاشور

تفسير : قوله تعالى: {فأنجيناه} تعقيب لجملة: {أية : وما كان جواب قومه}تفسير : [الأعراف: 82] أو لجملة: {أية : قال لقومه}تفسير : [الأعراف: 80] وهذا التّعقيب يؤذن بأنّ لوطاً عليه السّلام أُرسل إلى قومه قبل حلول العذاب بهم بزمن قليل. و{أنجيّناه} مقدّم من تأخير. والتّقدير: فأمطرنا عليهم مطراً وأنجيناه وأهلَه، فقدم الخبر بإنجاء لوط عليه السّلام على الخبر بإمطارهم مطرَ العذاب، لقصد إظهار الاهتمام بأمر إنجاء لوط عليه السّلام، ولتعجيل المسّرة للسّامعين من المؤمنين، فتطمئنّ قلوبهم لحسن عواقب أسلافهم من مؤمني الأمم الماضية، فيعلموا أنّ تلك سنّة الله في عباده، وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : فكذّبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك} تفسير : في هذه السّورة (64). وأهل لوط عليه السّلام هم زوجه وابنتان له بكران، وكان له ابنتان متزوّجتان كما ورد في التّوراة امتنع زوجاهما من الخروج مع لوط عليه السّلام فهلكتا مع أهل القرية. وأمّا امرأة لوط عليه السّلام فقد أخبر الله عنها هنا أنّ الله لم ينجها، فهلكت مع قوم لوط، وذكر في سورة هود ما ظاهره أنّها لم تمتثل ما أمر الله لوطاً عليه السّلام أن لا يلتفت هو ولا أحد من أهله الخارجين معه إلى المدن حين يصيبها العذاب فالتفتت امرأته فأصابها العذاب، وذكر في سورة التّحريم أنّ امرأة لوط عليه السّلام كانت كافرة. وقال المفسّرون: كانت تُسِرّ الكفر وتظهر الإيمان، ولعلّ ذلك سبب التفاتها لأنّها كانت غير موقنة بنزول العذاب على قوم لوط، ويحتمل أنّها لم تخرج مع لوط عليه السّلام وإن قوله: {أية : إلاّ امرأتك} تفسير : في سورة هود (81)، استثناء من {أهلك} لا من {أحد}. لعلّ امرأة لوط عليه السّلام كانت من أهل (سَدوم) تزوّجها لوط عليه السّلام هنالك بعد هجرته، فإنّه أقام في (سدوم) سنين طويلة بعد أن هلكت أمّ بناته وقبل أن يرسل، وليست هي أمّ بنتيه فإنّ التّوراة لم تذكر امرأة لوط عليه السّلام إلاّ في آخر القصّة. ومعنى {من الغابرين} من الهالكين، والغابر يطلق على المنقضي، ويطلق على الآتي، فهو من أسماء الأضداد، وأشهر إطلاقيه هو المنقضي، ولذلك يقال: غَبر بمعنى هلك، وهو المراد هنا: أي كانت من الهالكين، أي هلكت مع من هلك من أهل (سدوم). والإمطار مشتقّ من المطر، والمطر اسم للماء النّازل من السّحاب، يقال: مطرتهم السّماء ــــ بدون همزة ــــ بمعنى نزل عليهم المطر، كما يقال: غاثتهم ووبلتهم، ويقال: مكان ممطور، أي أصابه المطر، ولا يقال: مُمْطَر، ويقال أمطروا ــــ بالهمزة ــــ بمعنى نزل عليهم من الجوّ ما يشبه المطر، وليس هو بمطر، فلا يقال: هم ممطرون، ولكن يقال: هم مُمْطَرون، كما قال تعالى: {أية : وأمطَرنا عليهم حجارة من سجّيل}تفسير : [هود: 82] ــــ وقال: {أية : فأمْطِرْ علينا حجارة من السّماء}تفسير : [الأنفال: 32]، كذا قال الزّمخشري ــــ هنا ــــ وقال، في سورة الأنفال: قد كثر الإمطار في معنى العذاب، وعن أبي عبيدة أنّ التّفرقة بين مُطِرَ وَأمْطِر؛ أن مُطر للرّحمة وأمطر للعذاب، وأمّا قوله تعالى في سورة الأحقاف (24): {أية : قالوا هذا عارض مُمْطِرنا}، تفسير : فهو يعكّر على كلتا التّفرقتين ويعين أن تكون التفرقة أغلبيّة. وكان الذي أصاب قوم لوط حجراً وكبريتاً من أعلى القُرى كما في التّوراة وكان الدّخان يظهر من الأرض مثل دخان الأتون، وقد ظنّ بعض الباحثين أنّ آبار الحُمَر التي ورد في التّوراة أنّها كانت في عمق السديم، كانت قابلة للالتهاب بسبب زلازل أو سقوط صواعق عليها. وقد ذكر في آية أخرى، في القرآن: أنّ الله جعل عَالِيَ تلك القُرى سافلاً، وذلك هو الخَسْف وهو من آثار الزلازل. ومن المستقرب أن يكون البحر الميّت هنالك قد طغى على هذه الآبار أو البراكين من آثار الزّلزال. وتنكير: {مطراً} للتعظيم والتّعجيب أي: مطراً عجيباً من شأنه أن يُهلك القرى. وتفرّع عن هذه القصّة العجيبة الأمرُ بالنّظر في عاقبتهم بقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} فالأمر للارشاد والاعتبار. والخطاب يجوز أن يكون لغير مُعَيَّن بل لكلّ من يتأتَّى منه الاعتبار، كما هو شأن إيراد التّذييل بالاعتبار عقب الموعظة، لأنّ المقصود بالخطاب كلّ من قصد بالموعظة، ويجوز أن يكون الخطاب للنّبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له على ما يلاقيه من قومه الذين كذّبوا بأنّه لا ييأس من نصر الله، وأنّ شأن الرّسل انتظار العواقب. والمجرمون فاعلوا الجريمة، وهي المعصية والسيّئة، وهذا ظاهر في أنّ الله عاقبهم بذلك العقاب على هذه الفاحشة، وأنّ لوطاً عليه السّلام أرسل لهم لنهيهم عنها، لا لأنّهم مشركون بالله، إذ لم يُتعرّض له في القرآن بخلاف ما قُصّ عن الأمم الأخرى، لكنّ تمالِئهم على فعل الفاحشة واستحلالهم إياها يدلّ على أنّهم لم يكونوا مؤمنين بالله، وبذلك يؤذن قوله تعالى في سورة التّحريم (10):{أية : ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط}، تفسير : فيكون إرسال لوط عليه السّلام بإنكار تلك الفاحشة ابتداء بتطهير نفوسهم، ثمّ يصف لهم الإيمان، إذ لا شكّ أنّ لوطاً عليه السّلام بلّغهم الرّسالة عن الله تعالى، وذلك يتضمّن أنّه دعاهم إلى الإيمان، إلاّ أنّ اهتمامه الأوّل كان بإبطال هذه الفاحشة، ولذلك وقع الاقتصار في إنكاره عليهم ومجادلتهم إياه على ما يخصّ تلك الفاحشة، وقد علم أنّ الله أصابهم بالعذاب عقوبة، على تلك الفاحشة، كما قال في سورة العنكبوت: (34): {أية : إنَّا مُنزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السّماء بما كانوا يفسقون} تفسير : وأنّهم لو أقلعوا عنها لتُرك عذابهم على الكفر إلى يوم آخَر أو إلى اليومِ الآخِر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أنه لم ينج مع لوط إلا خصوص أهله، وقد بين تعالى ذلك في "الذاريات" بقوله: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 35-36]، وقوله هنا: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أوضحه في مواضع أخر. فبين أنها خائنة، وأنها من أهل النار، وأنها واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك، قال فيها: هي وامرأة نوح {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ وَٱمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} تفسير : [التحريم: 10]، وقال فيها وحدها: أعني امرأة لوط {أية : إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ} تفسير : [هود: 81] الآية، وقوله هنا في قوم لوط: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 84]. لم يبين هنا هذا المطر ما هو، ولكنه بين في مواضع أخر أنه مطر حجارة أهلكهم الله بها كقوله: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحجر: 74] وأشار إلى أن السجيل الطين بقوله في "الذاريات": {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} تفسير : [الذاريات: 33]، وبين أن هذا المطر مطر سوء لا رحمة بقوله: {أية : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} تفسير : [الفرقان: 40]، وقوله تعالى في "الشعراء": {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ}تفسير : [الشعراء: 173]

د. أسعد حومد

تفسير : (83) - لَمْ يُؤْمِنْ لِلُوطٍ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ سِوَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَمْ تُؤْمِنِ امْرَأَتُهُ، فَدَمَّرَها اللهُ مَعَ قَوْمِها. فَقَدْ أَمَر اللهُ لُوطاً بِأَنْ يُسْرِيَ بِِأَهْلِهِ لَيْلاً دُونَ أَنْ تَعْلَمَ زَوْجَتُهُ بِخُرُوجِهِمْ، فَبَقِيَتْ مَعَ البَاقِينَ فَكَانَتْ مِنَ الهَالِكِينَ. الغَابِرِينَ - البَاقِينَ فِي القَرْيَةِ، وَالهَالِكِينَ مَعَ مَنْ هَلَكَ. غَبرَ - بَقِيَ أَوْ هَلَكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهم حين أرادو طرد لوط وأهله، إنما كانوا يجازفون. إنهم بذلك قد تعجلوا العقاب، وجاءهم العقاب وأنجى الحق سبحانه لوطاً وأهله بتدبير حكيم لا يحتاج فيه سبحانه إلى حد، وإذا تساءل أحد: ومن هم أهل لوط الذين أنجاهم الله معه؟ أهم أهل النسب أم أهل التدين والتبعية؟. إن كان أهله بالنسب فالحق يستثني منهم "إمرأته"، وهذا دليل على أن أهل البيت آمنوا بما قاله لوط وكذلك الأتباع أيضاً {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ}. إذن كان مع لوط أيضاً بعض من أهله وبعض من الأتباع، وكانوا من المتطهرين، والتطهر هو أن يترفع الإنسان عن الرجس والسوء. ولذلك نجد سيدنا شعيباً حين ينصح وقومه: {أية : فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ...} تفسير : [الأعراف: 85] ويتعجب القوم سائلين شعيباً: {أية : أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ...} تفسير : [هود: 87] إنهم يتعجبون من أن الصلاة تنهى عن ذلك، لقد أعمى ضلالهم بصيرتهم، فلم يعرفوا أن الصلاة تنهى عن كل شيء. وكذلك فعل بعض من الكافرين حين اتهموا سيدنا رسول الله بأنه مجنون: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر: 6] ومن قولهم يتأكد غباء تفكيرهم، فماداموا قد قالوا: {نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} فمن الذي نزل هذا الذكر؟، والذكر هو القرآن، والذي نزله هو الله - سبحانه وتعالى - فكيف يعترفون بالقرآن كذكر، ثم يتهمون الرسول بأنه "مجنون"؟، لأنهم ماداموا قد قالوا عن القرآن إنه ذكر، وإنه قد نزل عليه، ولم يأت به من عنده، فكيف يكون مجنوناً؟ إنهم هم الكاذبون، وقولهم يؤكد أن فكرهم نازل هابط. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق يقول سبحانه: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} [الأعراف: 83] إن إمرأة سيدنا لوط لم تدخل في الإنجاء لأنها من الغابرين، و"غبر" تأتي لمعان متعددة، فهي تعني إقامة ومكثا بالمكان، أو تعني أي شيء مضى، كما يقال: هذا الشيء غبرت أيامه؛ أي مضت أيامه، ولسائل أن يقول: كيف تأتي الكلمة الواحدة للمعنى ونقيضه؟ فغبر تعني بقي، وغبر أيضاً تعني مضى وانتهى. نقول: إن المعنى ملتق هنا في هذه الاية، فمادام الحق ينجيه من العذاب الذي نزل على قوم لوط في القرية فنجد زوجته لم تخرج معه، بل بقيت في المكان الذي نزل فيه العذاب، وبقيت في الماضي، وهكذا يكون المعنى ملتقيا. فإن قلت مع الباقين الذين آتاهم العذاب فهذا صحيح. وإن قلت إنها صارت تاريخاً مضى فهذا صحيح أيضاً: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ}. ونحن لا ندخل في تفاصل لماذا كانت امراته من الغابرين؛ لأن البعض تكلم في حقها بما لا يقال، وكأن الله يدلس على نبي من أنبيائه، لا، نحن لا نأخذ إلا ما قاله الحق بأنها كانت مخالفة لمنهجه وغير مؤمنة به. ونلحظ أيضاً أن الحق تحدث عن امرأة نوح وامرأة لوط في مسألة الكفر؛ فقال: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا...} تفسير : [التحريم: 10] ودقق النظر في كلمة {تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} وتساءل البعض عن معنى الخيانة وهل المقصود بها الزنا؟. ونقول: ربنا لا يدلس على نبي له، لكن أن تؤمن الزوجة أو تكفر، فهذه مسألة اختيارية. وكأن الله سبحانه يوضح لنا أن الرسول مع أنه رسول من الله إلا أنه لا يستطيع أن يفرض إيماناً على امرأته؛ فالمسألة هي حرية الاعتقاد. وانظر إلى التعبير القرآني: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ}. إياك أن تظن أن أيًّا منهما متكبرة على زوجها؛ لأن الحق يقول: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا} أي أن إمرة وقوامة الرجل مؤكدة عليها، يشير إلى ذلك قوله: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ} لكن الإِيمان هو مسالة اختيار، وهذا الاختيار متروك لكل إنسان، وأكد الحق ذلك في مسألة ابن سيدنا نوح: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}تفسير : [هود: 46] وحاول البعض أن يلصق تهمة الزنا بامرأة نوح وامرأة لوط، وهم في ذلك يجانبون الصدق، إنه محض افتراء، وقد نبهنا الحق إلى ذلك فقال عن امرأة نوح وامرأة لوط: {أية : كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [ التحريم: 10] ولنفهم أن الاختيار في العقيدة هو الذي جعلهما من الكافرين، وأن الرسولين نوحاً ولوطاً لم يستطيعا إدخال الإيمان في قلبي الزوجتين؛ حتى يتأكد لدينا أن العقيدة لا يقدر عليها إلا الإِنسان نفسه، ولذلك ضرب سبحانه لنا مثلاً آخر: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [التحريم: 11] فهذه زوجة فرعون المتجبر؛ الذي "ادّعى الألوهية"، لكنه لا يقدر أن يمنع امرأته من أن تؤمن بالله، وهكذا نجد نبيًّا لا يقدر أن يقنع امرأته بالإِيمان، ونجد مدّعي الألوهية عاجزاً عن أن يجعل امرأته كافرة مثله، وهذا يدل على أن العقيدة أمر اختياري محمي بكل أنواع الحماية؛ حتى لا يختار الإِنسان دينه إلا على أساس من اقتناعه لا على أساس قهره. وضرب الله مثلاً آخر: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ...} تفسير : [التحريم: 12] ونلاحظ أن الحق لم يأت بأسماء زوجتي نوح ولوط، وكذلك لم يأت باسم امرأة فرعون، لكنه أورد لنا اسم مريم واسم والدها. فلماذا كان الإِبهام أولاً؟ لنعلم أنه من الجائز جدًّا أن يحصل مثل هذا الأمر لأي امرأة، فقد تكون تحت جبار وكافر، وتكون هي مؤمنة، وقد تكون تحت عبد مؤمن ولا يلمس الإِيمان قلبها. {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ}. [الأعراف: 83] فكلمة "أنجيناه" تشير إلى أن عذاباً سيقع في المكان الذي فيه قوم لوط، ولأنه سبحانه شاء أن يعذب جماعة ولا يعذب جماعة أخرى، فلابد أن يدفع الجماعة التي كتب لها النجاة إلى الخروج. وهذا الخروج أراده لهم من يكرهونهم، فقد قالوا: {أية : ...أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تفسير : [الأعراف: 82] لكن ربنا هو الذي أخرجهم، والإِخراج كان من العذاب الذي نزل بهؤلاء المجرمين؛ إنه كان لإِنجاء لوط وأهله مما نزل بهؤلاء الفجرة. ويأتي العذاب من الحق: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فَٱنْظُرْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} معناهُ من الباقينَ. ويقالُ من الباقينَ فِي عَذابِ الله.