٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
85
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الخامسة، وقد ذكرنا أن التقدير: {وَأَرْسَلْنَا إِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } وذكرنا أن هذه الأخوة كانت في النسب لا في الدين، وذكرنا الوجوه فيه، واختلفوا في مدين فقيل: إنه اسم البلد، وقيل: إنه اسم القبيلة بسبب أنهم أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام، ومدين صار اسماً للقبيلة، كما يقال: بكر وتميم وشعيب من أولاده، وهو: شعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن. واعلم أنه تعالى حكى عن شعيب أنه أمر قومه في هذه الآية بأشياء: الأول: أنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير الله، وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء. فقال: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَالَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } والثاني: أنه ادعى النبوة فقال: {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } ويجب أن يكون المراد من البينة ههنا المعجزة، لأنه لا بد لمدعي النبوة منها، وإلا لكان متنبئاً لا نبياً، فهذه الآية دلت على أنه حصلت له معجزة دالة على صدقه. فأما أن تلك المعجزة من أي الأنواع كانت فليس في القرآن دلالة عليه، كما لم يحصل في القرآن الدلالة على كثير من معجزات رسولنا. قال صاحب «الكشاف»: ومن معجزات شعيب أنه دفع إلى موسى عصاه، وتلك العصا حاربت التنين، وأيضاً قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولاداً فيها سواد وبياض، وقد وهبتها منك، فكان الأمر كما أخبر عنه. ثم قال: وهذه الأحوال كانت معجزات لشعيب عليه السلام، لأن موسى في ذلك الوقت ما ادعى الرسالة. واعلم أن هذا الكلام بناء على أصل مختلف بين أصحابنا، وبين المعتزلة وذلك لأن عندنا أن الذي يصير نبياً ورسولاً بعد ذلك، يجوز أن يظهر الله عليه أنواع المعجزات قبل إيصال الوحي، ويسمى ذلك إرهاصاً للنبوة، فهذا الإرهاص عندنا جائز، وعند المعتزلة غير جائز، فالأحوال التي حكاها صاحب «الكشاف» هي عندنا إرهاصات لموسى عليه السلام، وعند المعتزلة معجزات لشعيب لما أن الإرهاص عندهم غير جائز، والثالث: أنه قال: {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ }. واعلم أن عادة الأنبياء عليهم السلام إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالاً أكثر من إقبالهم على سائر أنواع المفاسد بدأوا يمنعهم عن ذلك النوع، وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف، فلهذا السبب بدأ بذكر هذه الواقعة فقال: {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ } وههنا سؤالان: السؤال الأول: الفاء في قوله: {فَأَوْفُواْ } توجب أن تكون للأمر بإيفاء الكيل كالمعلول والنتيجة عما سبق ذكره وهو قوله: {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } فكيف الوجه فيه؟ والجواب: كأنه يقول البخس والتطفيف عبارة عن الخيانة بالشيء القليل. وهو أمر مستقبح في العقول، ومع ذلك قد جاءت البينة والشريعة الموجبة للحرمة، فلم يبق لكم فيه عذر {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ }. السؤال الثاني: كيف قال{الكيل والميزان}، ولم يقل {أية : المكيال والميزان}تفسير : [هود: 84] كما في سورة هود؟ والجواب: أراد بالكيل آلة الكيل، وهو المكيال، أو يسمى ما يكال به بالكيل، كما يقال العيش لما يعاش. والرابع: قوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } والمراد أنه لما منع قومه من البخس في الكيل والوزن منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه، ويدخل فيه المنع من الغصب والسرقة، وأخذ الرشوة، وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل. والخامس: قوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } وذلك لأنه لما كان أخذ أموال الناس بغير رضاها يوجب المنازعة والخصومة، وهما يوجبان الفساد، لا جرم قال بعده: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } وقد سبق تفسير هذه الكلمة، وذكروا فيه وجوهاً فقيل: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } بأن تقدموا على البخس في الكيل والوزن، لأن ذلك يتبعه الفساد. وقيل: أراد به المنع من كل ما كان فساداً حملاً للفظ على عمومه. وقيل: قوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } منع من مفاسد الدنيا وقوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } منع من مفاسد الدين حتى تكون الآية جامعة للنهي عن مفاسد الدنيا والدين، واختلفوا في معنى {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } قيل: بعد أن صلحت الأرض بمجيء النبي بعد أن كانت فاسدة بخلوها منه، فنهاهم عن الفساد، وقد صارت صالحة. وقيل: المراد أن لا تفسدوا بعد أن أصلحها الله بتكثير النعم فيهم، وحاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى أصلين التعظيم لأمر الله، ويدخل فيه الإقرار بالتوحيد والنبوة، والشفقة على خلق الله، ويدخل فيه ترك البخس، وترك الإفساد، وحاصلها يرجع إلى ترك الإيذاء، كأنه تعالى يقول: إيصال النفع إلى الكل متعذر. وأما كف الشر عن الكل فممكن، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الخمسة. قال: {ذٰلِكُمْ } وهو إشارة إلى هذه الخمسة، والمعنى: خير لكم في الآخرة إن كنتم مؤمنين بالآخرة، والمراد: أترك البخس وترك الإفساد خير لكم في طلب المال في المعنى لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة، رغبوا في المعاملات معكم، فكثرت أموالكم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي إن كنتم مصدقين لي في قولي.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ} قيل في مَدْين: ٱسم بلد وقُطْر. وقيل: اسم قبيلة كما يقال: بَكْر وتَمِيم. وقيل: هم من ولد مَدْيَن بن إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أن مدين ٱسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجميّ. ومن رآه اسماً للقبيلة أو الأرض فهو أحْرَى بألاّ يصرفه. قال المهدويّ: ويروى أنه كان ابن بنت لوط. وقال مكيّ: كان زوج بنت لوط. وٱختلف في نسبه؛ فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما: وشعيب هو ٱبن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وكان ٱسمه بالسريانية بَيْرُوت. وأُمه ميكائيل بنت لوط. وزعم الشرقِيّ بن القُطَامِيّ أن شعيباً بن عَيْفَاء بن يَوْبَبَ بن مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سَمْعَان أن شعيباً بن جزي بن يشجر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وشُعَيْب تصغير شَعْب أو شِعْب. وقال قتادة: هو شعيب بن يَوْبَبَ. وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. والله أعلم. وكان أعمى؛ ولذلك قال قومه: {أية : وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً}تفسير : [هود: 91]. وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وكان قومه أهل كفر بالله وبخسٍ للمكيال والميزان. {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بيان، وهو مجيء شعيب بالرسالة. ولم يذكر له معجزة في القرآن. وقيل: معجزته فيما ذكر الكسائي في قصص الأنبياء. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} البخس النقص. وهو يكون في السِّلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيّد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك مَنْهِيٌّ عنه في الأُمم المتقدّمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم وحسبنا الله ونعم الوكيل. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} عطف على «وَلاَ تَبْخَسُوا». وهو لفظ يعمّ دقيق الفساد وجليله. قال ابن عباس: كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيباً رسولاً يُعمل فيها بالمعاصي وتُسْتَحَلُّ فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء. قال: فذلك فسادها. فلما بعث الله شعيباً ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكل نبيّ بعث إلى قومه فهو صلاحهم. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} نهاهم عن القعود بالطرق والصَّدِّ عن الطريق الذي يؤدّي إلى طاعة الله، وكانوا يوعِدون العذاب من آمن. واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان؛ قال ٱبن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: كانوا يقعدون على الطرقات المفِضية إلى شعيب فيتوَعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه؛ كما كانت قريش تفعله مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا ظاهر الآية. وقال أبو هريرة: هذا نهي عن قطع الطريق، وأخذ السَّلْب؛ وكان ذلك من فعلهم. وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : رأيت ليلة أسرِي بي خشبة على الطريق لا يمرّ بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا مَثَلٌ لقوم من أُمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ـ ثم تلا ـ {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} الآيةتفسير : . وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين، والحمد لله. وقال السدي أيضاً: كانوا عَشّارين متقبلين. ومثلهم اليوم هؤلاء المكّاسون الذين يأخذون من الناس ما لا يلزمهم شرعاً من الوظائف المالية بالقهر والجَبْر؛ فضمَّنوا مالاً يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي. والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد. وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها؛ فإنه غَصْب وظُلْم وعَسْفٌ على الناس وإذَاعَةٌ للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء، فإنا لله وإنا إليه راجعون! لم يبق من الإسلام إلا رَسْمه، ولا من الدين إلا ٱسمه. يَعْضُد هذا التأويل ما تقدّم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس. قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِهِ} الضمير في «به» يحتمل أن يعود على ٱسم الله تعالى، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصدّ، وأن يعود على السبيل. {عِوَجاً} قال أبو عبيدة والزجاج: كسر العين في المعاني. وفتحها في الأجرام. قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} أي كثّر عددكم، أو كثركم بالغنى بعد الفقر. أي كنتم فقراء فأغناكم. «فَاصْبرُوا» ليس هذا أمراً بالمقام على الكفر، ولكنه وعيد وتهديد. وقال: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مَّنكُمْ} فذكّر على المعنى، ولو راعى اللفظ قال: كانت.
ابن كثير
تفسير : قال محمد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن إبراهيم، وشعيب وهو ابن ميكيل بن يشجر، قال: واسمه بالسريانية يثرون (قلت): مدين تطلق على القبيلة، وعلى المدينة، وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز، قال الله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} تفسير : [القصص: 23] وهم أصحاب الأيكة؛ كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} هذه دعوة الرسل كلهم {قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان، ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي: لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان، وتدليساً؛ كما قال تعالى: {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} تفسير : إلى قوله {أية : لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المطففين: 1-6] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، نسأل الله العافية منه، ثم قال تعالى إخباراً عن شعيب الذي يقال له: خطيب الأنبياء؛ لفصاحة عبارته، وجزالة موعظته:
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} أرسلنا {إِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جآءَتْكُم بَيِّنَةٌ } معجزة {مِّن رَّبِّكُمْ } على صدقي {فَأَوْفُواْ } أتموا {ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ } تنقصوا {ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } بالكفر والمعاصي {بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا } ببعث الرسل {ذٰلِكُمْ } المذكور {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } مريدي الإِيمان فبادروا إليه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } معطوف على ما تقدّم، أي وأرسلنا. ومدين: اسم قبيلة، وقيل: اسم بلد والأوّل أولى. وسميت القبيلة باسم أبيهم، وهو مدين بن إبراهيم كما يقال بكر وتميم. قوله: {أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } شعيب عطف بيان، وهو شعيب بن ميكائيل بن يشجب بن مدين بن إبراهيم، قاله عطاء وابن إسحاق وغيرهما. وقال الشرقي بن القطامي: إنه شعيب بن عيفاء بن ثويب بن مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سمعان أنه شعيب بن حرّة بن يشجب بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وقال قتادة: هو شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. قوله: {قَالَ يٰقَوْمِ } إلى قوله: {بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } قد سبق شرحه في قصة نوح. قوله: {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ } أمرهم بإيفاء الكيل والميزان، لأنهم كانوا أهل معاملة بالكيل والوزن، وكانوا لا يوفونهما، وذكر الكيل الذي هو المصدر، وعطف عليه الميزان الذي هو اسم للآلة. واختلف في توجيه ذلك، فقيل المراد بالكيل: المكيال، فتناسب عطف الميزان عليه. وقيل المراد بالميزان: الوزن فيناسب الكيل، والفاء في {فأوفوا} للعطف على اعبدوا. قوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } البخس النقص، وهو يكون بالتعييب للسلعة أو التزهيد فيها، أو المخادعة لصاحبها والاحتيال عليه، وكل ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وظاهر قوله: {أَشْيَاءهُمْ } أنهم كانوا يبخسون الناس في كل الأشياء. وقيل: كانوا مكاسين، يمكسون كل ما دخل إلى أسواقهم، ومنه قول زهير:شعر : أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم تفسير : قوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } قد تقدّم تفسيره قريباً، ويدخل تحته قليل الفساد وكثيره، ودقيقه وجليله، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى العمل بما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه، والمراد بالخيرية هنا: الزيادة المطلقة، لأنه لا خير في عدم إيفاء الكيل والوزن، وفي بخس الناس، وفي الفساد في الأرض أصلاً. قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } الصراط: الطريق، أي لا تقعدوا بكل طريق توعدون الناس بالعذاب. قيل: كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب، فيتوعدون من أراد المجيء إليه، ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسديّ، وغيرهم. وقيل المراد: القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها. وليس المراد به القعود على الطرق حقيقة. ويؤيده: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِهِ } وقيل: المراد بالآية النهي عن قطع الطريق، وأخذ السلب، وكان ذلك من فعلهم. وقيل: إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في الطرق من أموال الناس، فنهوا عن ذلك. والقول الأوّل: أقربها إلى الصواب، مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع هذه الأقوال المذكورة. وجملة {توعدون} في محل نصب على الحال، وكذلك ما عطف عليها، أي لا تقعدوا بكل طريق موعدين لأهله، صادّين عن سبيل الله، باغين لها عوجاً، والمراد بالصدّ {عن سبيل الله}: صدّ الناس عن الطريق الذي قعدوا عليه، ومنعهم من الوصول إلى شعيب، فإن سلوك الناس في ذلك السبيل للوصول إلى نبيّ الله هو سلوك سبيل الله، و{مَنْ ءامَنَ بِهِ } مفعول {تصدّون}، والضمير في {آمن به} يرجع إلى الله، أو إلى سبيل الله، أو إلى كل صراط أو إلى شعيب، و{تَبْغُونَهَا عِوَجاً } أي تطلبون سبيل الله أن تكون معوجة غير مستقيمة، وقد سبق الكلام على العوج. قال الزجاج: كسر العين في المعاني وفتحها في الأجرام {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ } أي وقت كنتم {قَلِيلاً } عددكم {فَكَثَّرَكُمْ } بالنسل. وقيل: كنتم فقراء فأغناكم. {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } من الأمم الماضية، فإن الله أهلكهم، وأنزل بهم من العقوبات ما ذهب بهم ومحا أثرهم. {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ } إليكم من الأحكام التي شرعها الله لكم {وَطَائِفَةٌ } منكم {لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } هذا من باب التهديد والوعيد الشديد لهم. وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر. وحكم الله بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين، ومثله قوله تعالى: {أية : فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ } تفسير : [التوبة: 52] أو هو أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحلّ بهم من أذى الكفار، حتى ينصرهم الله عليهم. {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ } أي قال الأشراف المستكبرون {لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ } لم يكتفوا بترك الإيمان والتمرّد عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه، بل جاوزوا ذلك بغياً وبطراً وأشرا إلى توعد نبيهم، ومن آمن به، بالإخراج من قريتهم، أو عوده هو ومن معه في ملتهم الكفرية، أي لا بدّ من أحد الأمرين: إما الإخراج، أو العود. قال الزجاج: يجوز أن يكون العود بمعنى الإبتداء. يقال عاد إليّ من فلان مكروه، أي صار وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، فلا يرد ما يقال: كيف يكون شعيب على ملتهم الكفرية من قبل أن يبعثه الله رسولاً؟ ويحتاج إلى الجواب بتغليب قومه المتبعين له عليه في الخطاب، بالعود إلى ملتهم. وجملة {قَالَ أُو لَو كُنَّا كَـٰرِهِينَ } مستأنفة جواب عن سؤال مقدّر. والهمزة لإنكار وقوع ما طلبوه من الإخراج أو العود، والواو للحال، أي أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا للعود إليها، أو أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهتنا للخروج منها، أو في حال كراهتنا للأمرين جميعاً، والمعنى: إنه ليس لكم أن تكرهونا على أحد الأمرين، ولا يصح لكم ذلك، فإن المكره لا اختيار له، ولا تعدّ موافقته مكرها موافقة، ولا عوده إلى ملتكم مكرهاً عوداً، وبهذا التقرير يندفع ما استشكله كثير من المفسرين في هذا المقام، حتى تسبب عن ذلك تطويل ذيول الكلام. {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } التي هي الشرك {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } بالإيمان، فلا يكون منا عود إليها أصلاً {وَمَا يَكُونُ لَنَا } أي ما يصح لنا ولا يستقيم {أَن نَّعُودَ فِيهَا } بحال من الأحوال {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أي إلا حال مشيئته سبحانه، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قال الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عزّ وجلّ، قال: وهذا قول أهل السنة. والمعنى: أنه لا يكون منا العود إلى الكفر، إلا أن يشاء الله ذلك، فالاستثناء منقطع. وقيل: إن الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عزّ وجلّ، كما في قوله: {أية : وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ } تفسير : [هود: 88] وقيل: هو كقولهم لا أكلمك حتى يبيضّ الغراب، وحتى يلج الجمل في سمّ الخياط، والغراب لا يبيض، والجمل لا يلج، فهو من باب التعليق بالمحال. {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } أي أحاط علمه بكل المعلومات، فلا يخرج عنه منها شيء، و{علماً} منصوب على التمييز. وقيل المعنى: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } أي القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا لهم {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } عودنا إليها {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } أي عليه اعتمدنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويحول بيننا وبين الكفر وأهله، ويتمّ علينا نعمته، ويعصمنا من نقمته. قوله: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ } الفتاحة الحكومة، أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين. دعوا الله سبحانه أن يحكم بينهم، ولا يكون حكمه سبحانه إلا بنصر المحقين على المبطلين، كما أخبرنا به في غير موضع من كتابه فكأنهم طلبوا نزول العذاب بالكافرين، وحلول نقمة الله بهم {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } معطوف على {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } يحتمل أن يكون هؤلاء هم أولئك، ويحتمل أن يكونوا غيرهم من طوائف الكفار الذين أرسل إليهم شعيب، واللام في {لئن اتبعتم شعيبا} موطئة لجواب قسم محذوف، أي دخلتم في دينه، وتركتم دينكم {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } جواب القسم ساد مسدّ جواب الشرط. وخسرانهم: هلاكهم، أو ما يخسرونه بسبب إيفاء الكيل والوزن، وترك التطفيف الذي كانوا يعاملون الناس به {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } أي: الزلزلة. وقيل: الصيحة كما في قوله: {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } [هود: 94] قد تقدم تفسيره في قصة صالح. قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } هذه الجملة مستأنفة مبينة لما حلّ بهم من النعمة، والموصول مبتدأ، و{كأن لم يغنوا} خبره يقال غنيت بالمكان إذا أقمت به، وغنى القوم في دارهم، أي طال مقامهم فيها، والمغني: المنزل، والجمع المغاني. قال حاتم الطائي:شعر : غنينا زماناً بالتصعلك والغنى وكلا سقاناه بكاسيهما الدهر فما زادنا بغياً على ذي قرابة غنانا ولا أزرى باحساننا الفقر تفسير : ومعنى الآية: الذين كذبوا شعيباً كأن لم يقيموا في دارهم، لأن الله سبحانه استأصلهم بالعذاب، والموصول {في الذين كذبوا} شعيباً مبتدأ خبره {كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ }، وهذه الجملة مستأنفة كالأولى، متضمنة لبيان خسران القوم المكذبين {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } أي شعيب لما شاهد نزول العذاب بهم {وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّى } التي أرسلني بها إليكم {وَنَصَحْتُ لَكُمْ } ببيان ما فيه سلامة دينكم ودنياكم {فَكَيْفَ ءاسَىٰ } أي أحزن {عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } بالله، مصرّين على كفرهم، متمردين عن الإجابة، أو الأسى شدة الحزن، آسى على ذلك فهو آس. قال شعيب هذه المقالة تحسراً على عدم إيمان قومه، ثم سلا نفسه بأنه كيف يقع منه الأسى على قوم ليس بأهل للحزن عليهم لكفرهم بالله، وعدم قبولهم لما جاء به رسوله. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن عساكر، عن عكرمة، والسدي قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً: مرة إلى مدين فأخذتهم الصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة {أية : فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ} تفسير : [الشعراء: 189]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } قال: لا تظلموا الناس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } قال: لا تظلموهم {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } قال: كانوا يوعدون من أتى شعيباً وغشيه وأراد الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } قال: كانوا يجلسون في الطريق، فيخبرون من أتى عليهم أن شعيباً كذاب، فلا يفتننكم عن دينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد {بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } قال: بكل سبيل حق {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: تصدّون أهلها {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } قال: تلتمسون لها الزيغ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } قال: هو العاشر {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: تصدّون عن الإسلام {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } قال: هلاكاً. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد، قال: هم العُشَّار. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره، شك أبو العالية قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به على خشبة على الطريق لا يمرّ بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، قال: "حديث : ما هذا يا جبريل؟"تفسير : قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } قال: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله {إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّنَا } والله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئاً، فإنه قد وسع كل شيء علماً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس قال: ما ما كنت أدري ما قوله: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } حتى سمعت ابنته ذي يزن تقول: تعال أفاتحك، تعني أقاضيك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ } يقول: اقض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، قال: الفتح القضاء لغة يمانية إذا قال أحدهم تعال أقاضيك القضاء قال: تعال أفاتحك. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } قال: لم يعيشوا فيها. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {فَكَيْفَ ءاسَىٰ } قال: أحزن. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل، وقبر شعيب، فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه أن شعيباً مات بمكة، ومن معه من المؤمنين، فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وبين باب بني سهم. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، عن ابن إسحاق قال: ذكر لي يعقوب بن أبي مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيباً قال: "حديث : ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يريدهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلادهم وعتوا على الله أخذهم عذاب يوم الظلة ».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوِعَدُونَ} الصراط: الطريق، قال الشاعر: شعر : شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ تفسير : وفي المراد به ثلاثة أقاويل: أحدهما: أنهم كانوا يقعدون على الطريق إلى شعيب يؤذون من قصده للإيمان به ويخوفونه بالقتل، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنه نهاهم عن قطع الطريق، قاله أبو هريرة. والثالث: أنهم العشارون نهاهم عن تعشير أموال الناس. {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ} ويحتمل وجهين: أحدهما: تصدون المؤمنين عن طاعة الله وعبادته. والثاني: تصدون من أراد الإيمان بإغوائه ومخادعته. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} قال قتادة: يعني تبغون السبيل عوجاً عن الحق. والفرق بين العوج بالكسر وبالفتح أن العوج بكسر العين ما كان في الدين، ولا يُرَى، والعوج بفتح العين ما كان في العود، وما يرى. {وَاذْكُرواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} حكى الزجاج فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كثر عددكم بعد القلة قال ابن عباس: وذلك أن مدين بن إبراهيم تزوج زينا بنت لوط وولد آل مدين منها. والثاني: كثركم بالغنى بعد الفقر. والثالث: كثركم بالقوة بعد الضعف. وذكر بعض المفسرين وجهاً رابعاً: أنه كثرهم بطول الأعمار بعد قصرها من قبل.
ابن عطية
تفسير : قيل في {مدين} إنه اسم بلد وقطر، وقيل اسم قبيلة، وقيل هم من ولد "مدين" بن إبراهيم الخليل، وروي أن لوط عليه السلام هو جد شعيب لأمه، وقال مكي كان زوج بنت لوط، ومن رأى {مدين} اسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي، ومن رآه اسماً للقبيلة أو الأرض فهو أحرى ألا يصرف، وقوله: {أخاهم} منصوب بقوله {أية : أرسلنا} تفسير : [الأعراف:59] في أول القصص، وهذا يؤيد أن {أية : لوطاً} تفسير : [الأعراف:80] به انتصب، وأن اللفظ مستمر، وهذه الأخوة في القرابة، وقد تقدم القول في {غيره} وغيره، والبينة إشارة إلى معجزته وإن كنا نحن لم ينص لنا عليها، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "قد جاءتكم آية من ربكم" مكان {بينة} وقوله: {فأوفوا الكيل} أمر لهم بالاستقامة في الإعطاء وهو بالمعنى في الأخذ والإعطاء، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمن وفحشت مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه و {تبخسوا} معناه تظلموا. ومنه قولهم: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة خادعة، و {أشياءهم} يريد أموالهم وأمتعتهم مما يكال أو يوزن، وقوله: {ولا تفسدوا} لفظ عام دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام والمفسرون نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح، وقوله: {ذلك خير لكم} أي نافع عند الله مكسب فوزه ورضوانه بشرط الإيمان والتوحيد وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان. وقوله: {ولا تقعدوا بكل صراط} الآية، قال السدي هذا نهي عن العشارين والمتقبلين ونحوه من أخذ أموال الناس بالباطل، والصراط: الطريق وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل: خسهم ونقصهم الكيل والوزن، وقال أبو هريرة رضي الله عنه، وهو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم روي في ذلك حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وما تقدم قبل من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والنحس يؤيد هذين القولين ويشبههما، وفي هذا كله توعد للناس إن لم يتركوا أموالهم وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي أيضاً، قوله: {ولا تقعدوا} نهي لهم عما كانوا يفعلونه من رد الناس عن شعيب، وذلك أنهم كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت قريش تفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وما بعد هذا من ألفاظ الآية يشبه هذا القول، وقوله تعالى: {وتصدون عن سبيل الله من آمن} الآية المعنى وتفتنون من آمن وتصدونه عن طريق الهدى و {سبيل الله} المفضية إلى رحمته، والضمير في {به} يحتمل أن يعود على اسم الله وأن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطرق للرد عن شعيب، وأن يعود على السبيل في لغة من يذكر "السبيل" وتقدم القول في مثل قوله: {وتبغونها عوجاً} في صدر السورة، وقال أبو عبيدة والزجاج كسر العين في المعاني وفتحها في الأجرام، ثم عدد عليهم نعم الله تعالى وأنه كثرهم بعد قلة عدد، وقيل: أغناهم بعد فقر، فالمعنى على هذا: إذ كنتم قليلاً قدركم، ثم حذرهم ومثل لهم بمن امتحن من الأمم السابقة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءة كما مر. الوقوف: {شعيباً} ط {غيره} ط {إصلاحها} ط {مؤمنين} ج ه لعطف المتفقتين أو وقوع العارض أو رأس الآية {عوجاً} ج لاتفاق الجملتين مع طول الكلام {فكثركم} ج لعطف المتفقتين {المفسدين} ه {بيننا} ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف {الحاكمين} ه {ملتنا} ط {كارهين} ه وقيل لا وقف لأن الابتداء بقوله {وقد افترينا} قبيح قلنا إذا كان محكياً عن شعيب كان أقبح ولكن الكلام معلق بشرط يعقبه. {منها} ط {الله} ط {ربنا} ط {علماً} ط {توكلنا} وللعدول {الفاتحين} ه {الخاسرون} ه {جاثمين} ه ج إن وصل وقف على {كأن لم يغنوا فيها} على جعل {الذين} بدلاً من الضمير في {أصبحوا} و {كأن لم يغنوا} حال لمعنى في الجاثمين. وإن جعل {الذين} مبتدأ خبره {كأن لم يغنوا} وقف على {جاثمين} وعلى {فيها} ومن لم يقف على {فيها} وجعل {الذين} بدلاً من {الذين} الأول وقف على {شعيب} ويستأنف بـ {كانوا} ولا يخلو من تعسف. {الخاسرين} ه {ونصحت لكم} ط لأن {كيف} للتعجب فيصلح للابتداء مع أنه فيه فاء التعقيب. {كافرين} ه والله أعلم. التفسير: القصة السادسة قصة شعيب ومدين اسم البلد. وقيل: اسم القبيلة لأنه شعيب بن توبب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وذلك أنه أمرهم بأشياء: الأوّل: عبادة الله، أمرهم بها ونهاهم عن عبادة غير الله وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء. الثاني: تصديق ما ادعاه من النبوّة وأشار إليه بقوله {قد جاءتكم بينة} أي معجزة دالة على نبوّتي. ففي الآية دلالة مجملة على أن لشعيب معجزة ظاهرة كما ينبغي لكل مدعي نبوّة وإلا كان متنبئاً، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم يذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وآله فيه. يحكى أنه دفع إلى موسى عصاه وتلك العصا ربت التنين وأيضاً قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولاداً عنقها أسود وسائرها أبيض وقد وهبتها منك وكان الأمر كما أخبر. وكل ذلك قبل أن يستنبأ موسى. فقال أهل السنة: إن هذه الأمور علامات نبوّة موسى ويسمى إرهاصاً. وقالت المعتزلة: إنها معجزات شعيب بناء على أن الإرهاص عندهم غير جائز. الثالث قوله {فأوفوا الكيل} الآية. واعلم أن للأنبياء عليهم السلام أن يبدأوا في الموعظة بما يكون قومهم مقبلين عليه. وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف فكأنه يقول: البخس عبارة عن الخيانة بالشيء القليل وهو أمر مستقبح في العقول ومع ذلك فقد جاءت البينة والشريعة الموجبة لتحريمه فلم يبق لكم فيه عذر فأوفوا الكيل والميزان. قال في الكشاف: لم يقل المكيال والميزان كما في سورة هود لأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو سمى ما يكال به بالكيل كما قيل العيش لما يعاش به، أو أريد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو الميزان مصدر كالميعاد والميلاد. الرابع {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} يقال: بخسته حقه إذا نقصته إياه ومنه قيل للمكس البخس. وفي المثل تحسبها حمقاء وهي باخس. قال ثعلب: وإن شئت قلت باخسة وذلك بتأويل الإنسان أن النسمة يضرب لمن لا يعبأ به وفيه دهاء وجربزة. خص أولاً ثم عمم ليشمل جميع أنواع الظلم كالغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بوجوه الاحتيال. يروى أنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه، وكانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطعاً ثم أخذوها بنقصان ظاهر وأعطوه بدلها زيوفاً. الخامس {ولا تفسدوا في الأرض} وهذا أعم من البخس لشموله الأموال والأعراض والنفوس وكل ما يوجب مفسدة دنيوية أو دينية. والمعنى بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف أو هو كقوله {أية : بل مكر الليل والنهار} تفسير : [سبأ: 33] أي بعد الإصلاح فيها يعني إصلاح الصالحين من الأنبياء ومتابعيهم العالمين بشرائعهم {ذلكم} الذي ذكر من الأمور الخمسة {خيرٌ لكم} في الإنسانية وحسن الأحدوثة وزيادة البركة لرغبة الناس في متاجرتكم عند اشتهاركم بالأمانة والديانة. ولا يخفى أن حاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله {إن كنتم مؤمنين} مصدقين لي في قولي. ثم فصل بعض ما أجمل فقال {ولا تقعدوا بكل صراط} قيل: الصراط حقيقة وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرق والمراصد كما كانت تفعل قريش بمكة يخوّفون من آمن بشعيب ويقولون إنه كذاب لا يفتنكم عن دينكم، أو كانوا يقطعون الطرق أو كانوا عشارين. وقيل: إنه مجاز عن الدين أي لا تقعدوا على طريق الدين ومنهاج الحق لأجل أن تمنعوا الناس عن قبوله اقتداء بالشيطان حيث قال{أية : لأقعدن لهم صراطك المستقيم}تفسير : [الأعراف: 16] ودليل هذا المجاز قوله {وتصدون عن سبيل الله} يقال: قعد بمكان كذا أي التصق به، وعلى مكان كذا أي علا ذلك المكان وفيه إذا حل، فحروف الجر تتعاقب في مثل هذا الموضع لتقارب معانيها. ومحل {توعدون} وما عطف عليه نصب على الحال، نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأفعال. وإنما قال {بكل صراط} مع أن صراط الحق واحد لأنه يتشعب إلى معالم وحدود وأحكام كثيرة كل منها في نفسه سبيل، وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع فيها أوعدوه وصدوه. والضمير في {به} راجع إلى كل صراط والتقدير: توعدون من آمن به وتصدون عنه فوضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التقبيح والتفظيع. ومعنى {وتبغونها} تطلبون لسبيل الله {عوجاً} أي تصفونها للناس بأنها معوجة وذلك بإلقاء الشكوك والشبهات. قال في الكشاف: أو يكون تهكماً بهم وأنهم يطلبون لها ما هو محال لأن طريق الحق لا تعوج. ثم ذكرهم نعم الله تعالى لأن ذكر النعم مما يحمل على الطاعة ويبعد عن المعصية فقال {واذكروا إذ كنتم} أي وقت كونكم {قليلاً فكثركم} قال الزجاج يحتمل كثرة العدد بعد القلة وكثرة الغنى بعد الفقر وكثرة القدرة والشدة بعد الضعف والذلة. قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء وصاروا كثيراً في العدة والعدة والشدّة. ثم حذرهم سوء عاقبة من أفسد قبلهم من الأمم وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة فقال {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} رغبهم أولاً ثم رهبهم ثانياً وأكد الترهيب بقوله {وإن كان طائفة} الآية. وفيه وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين وحث لهم على الصبر على ما يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم بمقتضى العدل والحكمة خير الحاكمين. ثم حكى جواب قومه المحجوجين المستكبرين وذلك قولهم {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} أي أحد الأمرين كائن لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى الكفر. وههنا سؤال وهو أن الكفر على الأنبياء محال فكيف يتصور عوده إليه؟ وهب أن قول الكفار ليس حجة أليس قول شعيب حجة حيث قال {إن عدنا في ملتكم}؟ وأجيب بأن الكلام بني على التغليب، وأن شعيباً أراد عود قومه إلا أنه نظم نفسه في جملتهم لما ذكرنا، أو لعل رؤساءهم قالوا ذلك تلبيساً على القوم وشعيب أجرى كلامه على وفق ذلك، أو أنه كان في أوّل أمره يخفي مذهبه فتوهموا أنه على دينهم، أو أريد بالملة الشريعة التي صارت منسوخة بشرعه، أو يطلق العود على الابتداء كقوله: شعر : وإن تكن الأيام أحسنّ مرّة إليّ فقد عادت لهن ذنوب. تفسير : قال شعيب في جوابهم {أوَلو كنا كارهين} الهمزة للاستفهام والواو للحال والتقدير: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهيتنا؟. ثم صرح بأنه لا يفعل ذلك فقال {قد افترينا على الله كذباً} إن فعلنا ذلك وذلك أن أصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة والبراءة عن الكذب والعود في ملتكم ينافي ذلك. ومعنى قوله {بعد إذ نجانا الله منها} بعد أن علمنا قبحه وفساده ونصب الأدلة على بطلانه، أو المراد نجى قومه فغلب، أو المراد على حسب زعمكم ومعتقدكم كما مر. قال في الكشاف: وقوله {قد افترينا} إخبار مقيد بالشرط وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام لأن الارتداد أعظم من الكفر حيث إن المرتد يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل وكفره أزيد. والثاني أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام معناه والله لقد افترينا على الله كذباً {وما يكون لنا} أي ما ينبغي لنا وما يصح {أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} قال أهل السنة: في الآية دلالة على أن المنجي من الكفر هو الله تعالى وكذا المعيد إليه قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام{أية : واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام}تفسير : [إبراهيم: 35] وكثيراً ما كان يقول نبينا صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك"تفسير : وقال يوسف {أية : توفني مسلماً}تفسير : [يوسف: 101] أجابت المعتزلة بوجوه: الأوّل: أن قوله {إلا أن يشاء} قضية شرطية أي إن شاء يعد وليس فيه بيان أنه شاء أم أبى. الثاني: أن هذا على طريق التبعيد والإحالة. كما يقال لا يفعل ذلك إلا إذا ابيض القار وشاب الغراب. الثالث: لعل المراد ما لو أكرهوا على العود فإن إظهار الكفر عند الإكراه جائز وإن كان الصبر أفضل وما كان جائزاً صح أن يكون مراد الله تعالى كما أن المسح على الخفين مراد الله وإن كان غسل الرجلين أفضل. الرابع: يحتمل أن يعود الضمير في {فيها} إلى قرية. كأنه قال: إن أخرجتمونا من القرية حرم علينا العود فيها إلا بإذن الله تعالى. الخامس: المشيئة عند أهل السنة لا توجب جواز الفعل فإنه تعالى يريد الكفر من الكافر ولا يجوز فعله إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر فيحتمل أن يراد بالمشيئة ههنا الأمر فيكون التقدير: إلا أن يأمر الله أن نعود إلى شريعتكم المنسوخة، فإن الشرع المنسوخ لا يبعد أن يأمر الله تعالى بالعمل به مرة أخرى. السادس: قال الجبائيّ: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف التعبد فيها بالأوقات كالصوم والصلاة، فمن الجائز أن يكون بعض أحكام الشريعة المنسوخة باقياً فيكون المعنى إلا أن يشاء الله إبقاء بعض تلك الملة فيدلنا عليها. ثم إن المعتزلة تمسكوا بالآية على صحة قولهم من وجهين: أحدهما: أن قوله {وما يكون لنا} معناه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود وذلك يقتضي أن كل ما شاء تعالى وجوده كان فعلاً جائزاً مأذوناً فيه، وما كان حراماً ممنوعاً منه لم يكن مراد الله تعالى. وثانيهما: أن قوله {لنخرجنك} أو {لتعودن} لا وجه للفصل بينهما فإن كان العود بخلق الله كان الإخراج أيضاً بخلقه. قلت: للسني أن يلتزم ذلك. أما قوله {وسع ربنا كل شيء} فوجه تعلقه بما تقدمه على قول الجبائيّ هو أن التكليف بحسب المصالح فيكون معنى قول شعيب إلا أن يشاء الله إلا أن تختلف المصلحة في تلك العبادات فحينئذ يكلفنا بها والعلم بالمصالح لا يكون إلا بأن وسع كل شيء علماً. وقالت الأشاعرة: وجه التعلق هو أن القوم لمّا قالوا لنخرجنك أو لتعودن قال شعيب {وسع ربنا كل شيء علماً} فربما كان في علمه قسم ثالث: وهو أن يبقينا في القرية مؤمنين ويجعلكم مقهورين خاسرين ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك {على الله توكلنا} أي لا على غيره وانتصاب {علماً} على التمييز. وفي قوله {وسع} بلفظ الماضي دلالة على أنه تعالى كان في الأزل عالماً بجميع المعلومات فلا يخرج عن شيء عن مقتضى علمه وهو معنى جفاف الأقلام وطي الصحف ولزوم الأحكام وسعادة السعيد وشقاوة الشقي ويعلم من عموم كل شيء أنه علم الماضي والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف يكون. فهذه أقسام أربعة يقع كل منها على أربعة أوجه لأنه علم الماضي كيف كان، وعلم أنه لو لم يكن ماضياً بل كان حالاً أو مستقبلاً أو معدوماً محضاً فإنه كيف يكون، وكذا الكلام في الأقسام الأخر فيكون المجموع ستة عشر. وإذا اعتبر كل منها بحسب كل جنس أو نوع أو صنف أو شخص من الجواهر أو الأعراض صار مبلغاً تتحير فيه عقول العقلاء بل تقف دون أوّل قطرة من قطرات بحاره. ثم إن شعيباً لما أعرض عن الأسباب وارتقى بطريق التوكل إلى مسببها ختم كلامه بالدعاء قائلاً {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: احكم واقض. وعن ابن عباس: ما أدري ما معناه حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعالى أفاتحك أي أحاكمك. وجوز الزجاج أن يكون معنى الآية أظهر أمرنا حتى يتضح وينكشف ما بيننا وبين قومنا. والمراد أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين. ثم أثنى على الله بقوله {وأنت خير الفاتحين} كما قال {وهو خير الحاكمين} قالت الأشاعرة: الإيمان فتح باب الخيرات وهو أشرف صفات المحدثات، فلو كان موجد الإيمان هو العبد كان خير الفاتحين هو العبد. وللمعتزلة أن يقولوا: لولا ألطافه المرجحة الداعية لم يوجد الإيمان من العبد فصح أن الله هو خير الفاتحين. ثم بيّن أن رؤساء قوم شعيب لمن يقتصروا على الضلال بل بادروا إلى الإضلال قائلين لمن دونهم {لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون} أي في الدين أو في الدنيا لأنه يمنعكم من ازدياد الأموال بطريق البخس والتطفيف {فأخذتهم الرجفة} قد سبق تفسيرها {الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها} يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها. والمغاني المنازل إذا كان فيها أهلها. وقال الزجاج: أي كأن لم يعيشوا فيها مستغنين من الغنى الذي هو ضد الفقر. وعلى التفسيرين شبه حال المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار كقوله: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر. قال في الكشاف {الذين كذبوا} مبتدأ خبره {كأن لم يغنوا} وكذلك {كانوا هم الخاسرين} وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في ديارهم لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله {الذين كذبوا شعيباً} هم المختصون بالخسران العظيم دون أتباعه فإنهم الرابحون، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم. قلت: والعرب قد تكرر للتفخيم والتعظيم فتقول: أخوك الذي ظلمنا أخوك الذي أخذ أموالنا أخوك الذي هتك أعراضنا. وأيضاً إن القوم لما قالوا {لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون} بيّن الله تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه وهم الخاسرون. وفي الآية فوائد أخرى منها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة وإلا حصل في أتباع شعيب كما حصل في حق الكفار. ومنها أن ذلك الفاعل عليم بالجزئيات حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي. ومنها أن يكون معجزة لشعيب حيث وقع ذلك العذاب على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلد واحد {فتولى عنهم} قد تقدم أن هذا التولي جائز أن يكون قبل نزول العذاب وجائز أن يكون بعده. قال الكلبي: خرج من بينهم ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بين أظهرهم. ولما اشتد حزنه على قومه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الإلفة لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابه للإيمان عزّى نفسه وقال {فكيف آسى على قوم كافرين} لأنهم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر. والأسى شدة الحزن. وقيل: المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصيحتي فكيف آسى عليكم لأنكم لستم مستحقين لذلك؟. التأويل: {ولا تبخسوا} فيه أن البخاسة والدناءة والحرص والظلم من الصفات التي يجب تزكية النفس عنها فإن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها.{ولا تفسدوا في الأرض} أرض الطبيعة التي جبل الإنسان عليها {ولا تقعدوا بكل صراط} لا تقطعوا الطريق على الطالبين بأنواع الحيل والمكايد. {إذ كنتم قليلاً فكثركم} بالتناصر والتعاون في الأمور وبكثرة العدد والعدد نعمة تامة يجب أن تصرف في إعلاء كلمة الدين {وإن كان طائفة منكم} أي الروح والقلب {وطائفة لم يؤمنوا} وهم النفس وصفاتها {وهو خير الحاكمين} لا يجعل الروح والقلب المؤمنين تبعاً للنفس الكافرة في العذاب وإذاقة ألم الهجران {أو لتعودن في ملتنا} إشارة إلى أن كل جنس لا يميل إلا إلى أشكاله وإلا وجد في إيابه من يأمن نهج أضرابه {بعد إذ نجانا الله منها} في القسمة الأزلية {افتح بيننا} احكم بيننا وبينهم بإظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير وإظهار ما قدرت لهم من خاتمة السوء {فأخذتهم الرجفة} فصارت صورتهم نبعاً لمعناهم فإنهم كانوا جاثمي الأرواح في ديار الأشباح {كأن لم يغنوا فيها} لأن الباطل زاهق لا محالة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا...} الآية: قيل في {مَدْيَنَ} إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل: اسم قبيلةٍ، وقيل: هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه. وقال مكِّيّ: كان زوجَ بنْتِ لُوطٍ، و{أَخَاهُمْ}: منصوبٌ بـــ «أرسلنا» في أول القصص، و«البيِّنة»: إشارة إِلى معجزته، {وَلاَ تَبْخَسُواْ} معناه ولا تظلموا؛ ومنْه قولهم: تَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي: ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود»: البَخْس: النَّقْصَ. * ت *: ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما ٱعتَاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع؛ ليتوصَّلوا بذلك إِلَىٰ رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه. قال أبو حَيانَ: ولا تَبْخَسُوا: متعدٍّ إلى مفعولين، تقول: بَخَسْتُ زَيْداً حَقَّهُ، أي: نقصته إياه. انتهى. و{أَشْيَاءَهُمْ}: يريد أمتعتهم وأموالهم، {وَلاَ تُفْسِدُواْ}: لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله؛ وكذلك الإصلاح عامٌّ، {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، أيْ: عند اللَّه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، أي: بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ، {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ...} الآية: قال السديُّ: هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل، و«الصِّرَاطُ»: الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا؛ لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة رضي اللَّه عنه: هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ، وكان ذلك مِنْ فعلهم، وروي في ذلك حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره: قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ} نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إِلَىٰ شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في «به» يحتمل أنّ يعود على ٱسْم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداووديُّ: وعن مجاهد {تَبْغُونَهَا عِوَجاً}: يلتمسون لها الزيْغَ. انتهى. ثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ. وقيل: أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ، وقوله: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ...} الاية: قوله: {فَٱصْبِرُواْ } تهديدٌ للطائفة الكافرة، وقولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } معناه: أو لتَصِيرُنّ، و«عَادَ» في كلام العرب على وجهين: أحدُهُمَا: عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي عَلىٰ هذا الوجه لا تتعدَّىٰ، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : أَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابَ جَدِيدُ وَعُمْرَاً تَوَلَّىٰ يا بُثَيْنُ يَعُودُ تفسير : ومنْه قوله تعالى: { أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام:28]. والوجه الثاني: أنْ تكون بمعنى «صَارَ»، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : تِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيباً بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ تفسير : ومنه قول الآخر شعر : وَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ... تفسير : ومنه قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ } تفسير : [يس:39]، عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية: {أَوْ لَتَعُودُنَّ}، وشعيبٌ عليه السلام لَمْ يَكُ قطُّ كافراً، فيقتضي أنها بمعنى «صار»، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخُرُج عنه شعيبٌ، وقوله: {أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ} توقيفٌ منه لهم علىٰ شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْماً وغشماً. قال * ص *: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا }: هو بمعنى المستقبل؛ لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو: {إِنْ عُدْنَا } أو هو جوابه، على قول. انتهى. وقوله: {إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا } يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ. قال * ع *: والمُؤمنون هم ٱلمَجوِّزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوَّة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد ٱستثناءَ ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ مِنَ القربات. وقيل: إِنَّ هذا ٱلاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا }: معناه: وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء؛ كما تقول: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً أَيْ: تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَوَسِعَ بمعنى «أحاط»، وقوله: {ٱفْتَحْ } معناه: ٱحْكُمْ، وقوله: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا }: ٱستسلامٌ للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه؛ وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} وقوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا...} الآية: أي: قال الملأُ لتباعهم ومُقَلِّديهم، و{ٱلرَّجْفَةُ }: الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها ٱهتزازٌ وٱرتعادٌ وٱضطرابٌ، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ. * ت *: والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد؛ وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه: { أية : وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ... } تفسير : الآية[هود:94] وقوله سبحانه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } الضميرْ في قوله «فيها» عائدٌ على دارِهِمْ، وَيَغْنُوا: معناه: يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة وَٱلاتِّعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ تفسير : قال * ع *: فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنةٌ بتنعُّم وعيشٍ مرضيٍّ، وقوله: {يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ}: كلامٌ يقتضي حزناً وإِشفاقاً؛ لَمَّا رأَىٰ هلاكَ قومه، إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك، طَلَب أنْ يثير في نفسه سَبَبَ التسلِّي عنهم، فجعل يعدِّد معاصيهم وإِعراضهم، ثم قال لنفسه لمَّا نظر وفكَّر: {فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ }، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم لأَهْل قليب بَدْرٍ، وأسىٰ معناه: أحزن. قال مَكِّيٌّ: وسار شعيبٌ بمن معه حتَّى سكن مَكَّة إِلَى أنْ ماتوا بها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} القصة. اختلف في "مَدْيَنَ": فقيل: أعجميٌّ، فمنعه للعُجْمَةِ والعلمية، وهو مدين بن إبراهيم - عليه السلام - فسُمِّيت به القبيلة. وقيل: هو عربيٌّ اسم بلد، قاله الفرَّاءُ، وأنشد: [الكامل] شعر : 2518 - رُهْبَانُ مَدْيَنَ والَّذينَ عَهِدْتُهُمْ يَبْكُونَ مِنْ حَذَرِ العَذَابِ قُعُودَا لَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْتُ كَلامَهَا خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجُودَا تفسير : فمنعهُ للعَلِميَّة والتَّأنيث. ولا بدّ حينئذ من حذف مضاف، أي: وإلى أهل مدين، ولذلك أعاد الضَّمير في قوله: "أخَاهُم" على الأهل، ويجوز أن يراد بالمكان سَاكِنُوه، فروعي ذلك بالنِّسْبَةِ إلى عود الضمير عليه وعلى تقدير كونه عربياً قالوا: فهو شاذ، إذ كان من حقِّه الإعلال كمتاع ومقام، ولكنهم شذُّوا فيه كما شذوا في مَرْيم ومَكْوذَة، وليس بشاذٍّ عند المبرِّد، لعدم جَرَيَانِهِ على الفعل، وهو حقٌّ وإن كان الجمهور على خلافه. قوله: "شُعَيْباً" يجوز أن يكون تصغير شَعْب أو شِعْب هكذا قالوا، والأدبُ ألاَّ يقالَ ذلك، بل هذا موضوعٌ على هذه الزِّنَةِ، وأمَّا أسماءُ الأنْبِيَاءِ فلا يدخلُ فيها تصغيرٌ ألْبَتَّةَ، إلا ما نطق به القرآن على صيغة تشبهه كشُعَيْب عليه السلام، وهو عربي لا أعجمي. فصل قال عطاء: "هو شعيبُ بْنُ نويب بنِ مَدْينَ بنِ إبراهيمَ". وقال ابْنُ إسحاقَ: "هو شُعَيْبُ بْنُ ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم، وأم ميكائيل بنت لوط". وقيل: هو شُعَيْبُ بنُ ميرون بن مدْينَ، وكان شعيب أعمى، ويقال له: "خَطِيبُ الأنْبِيَاء" لحسن مراجعته قومه وكان أهل كفر وبخس للكَيْلِ والميزان، وهم أصحاب الأيكة. {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء. {قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} واعلم أنَّ المراد من البيِّنَةِ هنا المعجزة، ولم تذكر في القرآن. كما لم يذكر في القرآن كثير من مُعْجِزاتِ رسُولِنَا. قال الزمخشريُّ: "ومن معجزات شعيب أنَّهُ دفع إلى موسى عصاه وصارت ثعباناً، وأيضاً قال لموسى - عليه [الصلاة] والسلام -: هذه الأغنام تلد أوْلاداً فيها سواد وبياض، وقد وهبتها لك، فكان الأمر كذلك". قوله: {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ}. اعلم أنَّ قوم شُعَيْبٍ كانوا مشغوفين بالبَخْسِ والتَّطْفيف. فإن قيل: "الفاء" في قوله: "فأوفوا" توجب أن يكون الأمر بإيفاء الكيل كالتعليل لما سبق ذكره، وهو قوله: {قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} فكيف وجهه؟ فالجوابُ: كأنَّهُ يقول لهم: البخس والتطفيف عبارة عن الخيانة بالشَّيءِ القليل، وهو مستقبح في العقل، ومع ذلك فقد جاءت البينة والشريعة بتحريمه فلم يبق فيه عذر "فَأوْفُوا الكَيْلَ". وقال هنا: "الكَيْلَ" ولم يقل: "المِكْيَالَ" كما في سورة هود [84]؛ لأنَّهُ أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو يسمى ما يكال به الكيل كما يقال: "العيش" لما يعاش به. قوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} قد تقدّم معنى هذه اللفظة في قوله: {أية : وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}تفسير : [البقرة: 282]، وهو يتعدّى لاثنين، وهما "النَّاس" و "أشياءهم"، أي: لا ينقصوهم أشياءهم ولا يظلموهم، ويدخلُ فيه المَنْعُ من الغَصْبِ، والسرقة والرشوة، وقطع الطريق، وانتزاع الأموال بطريق الحيل. قوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}. وذلك أنَّهُ لما كان أخذُ أموال النَّاس بغير رضاهم يوجب المُنازَعَة والخصومة، وهما يوجبان الفَسَادَ، لا جَرَمَ قال بعده: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}. وقيل: أراد المَنْعَ من كلِّ فسادٍ. وقيل: أراد بقوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} المنع من فساد الدُّنيا، وبقوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} المنع من فساد الدِّين. واختلفوا في معنى "بَعْدَ إصلاحِهَا": فقيل: بعد أن صلحت ببعثة الرسل. وقيل: بعد أن أصلحها بتكثير النّعَمِ. ثم قال: "ذَلِكُمْ" وهو إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الأمر والنهي "خَيْرٌ لَّكُمْ" في الآخرة {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} مصدِّقين بما أقول.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن عساكر من طريق إسحق بن بشر قال: أخبرني عبيد الله بن زياد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب قال: إن أهل التوراة يزعمون أن شعيباً اسمه في التوراة ميكائيل، واسمه بالسريانية جزى بن بشخر، وبالعبرانية شعيب بن بشخر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام . وأخرج ابن عساكر من طريق إسحق بن بشر عن الشرقي ابن القطامي وكان نسابة عالماً بالأنساب قال: هو ثيروب بالعبرانية، وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يوبب بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام. يوبب بوزن جعفر أوله مثناة تحتية وبعد الواو موحدتان . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان شعيب نبياً ورسولاً من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فكانوا مع ما كان فيهم من الشرك أهل بخس في مكايلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم ، وكانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أوّل من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشرونها منه بالبخس يعني بالنقصان، فذلك قوله {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب يقولون: لا تسمعوا منه فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} الناس أن اتبعتم شعيباً فتنكم، ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك {أية : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت} تفسير : [هود: 88] وهو الذي يعصمني {أية : وإليه أنيب } تفسير : [هود: 88] يقول: إليه ارجع . ثم قال {أولو كنا كارهين} يقول: إلى الرجعة إلى دينكم إن رجعنا إلى دينكم {فقد افترينا على الله كذباً... وما يكون لنا} يقول: وما ينبغي لنا أن نعود فيها بعد إذ نجانا الله منها {إلا أن يشاء الله ربنا} فخاف العاقبة فرد المشيئة إلى الله تعالى فقال {إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما} ما ندري ما سبق لنا {عليه توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} يعني الفاصلين قال ابن عباس: كان حليماً صادقاً وقوراً، وكان رسول الله صلى عليه وسلم إذا ذكر شعيباً يقول " حديث : ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما دعاهم إليه، وفيما ردوا عليه وكذبوه وتواعدوه بالرجم والنفي من بلادهم " تفسير : وتواعد كبراؤهم ضعفاءهم قالوا {لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون} فلم ينته شعيب أن دعاهم، فلما عتوا على الله {أخذتهم الرجفة} وذلك أن جبريل نزل فوقف عليهم، فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله {فأخذتهم الرجفة} وذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قياماً وفزعوا لها، فرجفت بهم الأرض فرمتهم ميتين . وأخرج إسحق وابن عساكر عن عكرمة والسدي قالا : ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً. مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} قال: لا تظلموا الناس . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} قال: لا تظلموهم {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: كانوا يوعدون من أتى شعيباً وغشيه وأراد الإِسلام . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: كانوا يجلسون في الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيباً كذاب، فلا يفتننَّكم عن دينكم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا تقعدوا بكل صراط} قال: طريق {توعدون} قال: تخوّفون الناس أن يأتوا شعيباً . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: بكل سبيل حق {وتصدون عن سبيل الله} قال: تصدون أهلها {وتبغونها عوجا} قال: تلتمسون لها الزيغ . وأخرج ابن جرير وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: العاشر {وتصدون عن سبيل الله} قال: تصدون عن الإِسلام {وتبغونها عوجاً} قال: هلاكاً . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وتبغونها} قال: تبغون السبيل عوجا قال: عن الحق . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: هم العشار . وأخرج ابن جرير عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره شك أبو عالية قال: حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته. قال "ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا مثل أقوام من أمتك يعقدون على الطريق فيقطعونه، ثم تلا {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وما يكون لنا أن نعود فيها} قال: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم {بعد إذ نجانا الله إلا أن يشاء الله ربنا} والله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئاً فإنه قد وسع كل شيء علماً . وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم: أنه قال في القدرية والله ما قالوا كما قال الله ولا كما قال النبيون ولا كما قال أصحاب الجنة ولا كما قال أصحاب النار ولا كما قال أخوهم إبليس. قال الله {أية : وما تشاؤون إلا أن يشاء} تفسير : [الإِنسان: 30] وقال شعيب {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله} وقال أصحاب الجنة {أية : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}تفسير : [الأعراف: 43] وقال أصحاب النار {أية : ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} تفسير : [الزمر: 71] وقال إبليس {أية : رب بما أغويتني} تفسير : [الحجر: 39] . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} حتى سمعت ابنة ذي يزي تقول: تعال أفاتحك: يعني أقاضيك . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ربنا افتح} يقول: اقض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الفتح: القضاء. لغة يمانية إذا قال أحدهم: تعال أقاضيك القضاء قال: تعال أفاتحك . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {كأن لم يغنوا فيها} قال: كأن لم يعمروا فيها . وأخرج ابي جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كأن لم يغنوا فيها} قال: كأن لم يعيشوا فيها . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {كأن لم يغنوا فيها} يقول: كأن لم يعيشوا فيها . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} قال: ذكر لنا أن نبي الله شعيباً أسمع قومه، وأن نبي الله صالحاً أسمع قومه كما أسمع ــ والله ــ نبيكم محمد قومه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فكيف آسى} قال: أحزن. وأخرج ابن عساكر عن مبلة بن عبد الله قال: بعث الله جبريل إلى أهل مدين شطر الليل ليأفكهم بمغانيهم، فألفى رجلاَ قائماً يتلو كتاب الله ، فهاله أن يهلكه فيمن يهلك، فرجع إلى المعراج فقال: اللهمَّ أنت سبوح قدوس بعثتني إلى مدين لإِفك مدائنهم فأصبت رجلاً قائماً يتلو كتاب الله، فأوحى الله: ما أعرفني به هو فلان بن فلان، فابدأ به فإنه لم يدفع عن محارمي إلا موادعاً. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس. أن شعيباً كان يقرأ من الكتب التي كان الله أنزلها على إبراهيم عليه السلام . وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسمعيل وشعيب. فقبر إسمعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود . وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه. أن شعيباً مات بمكة ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي الكعبة، بين دار الندوة وبين باب بني سهم . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس قال: كان شعيب خطيب الأنبياء . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحق قال: ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيباً قال: ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة، فبلغني أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن حلها فما رآها قال: شعر : يا قوم إن شعيباً مرسل فذروا عنكم سميراً وعمران بن شداد إني أرى عينة يا قوم قد طلعت تدعو بصوت على ضمانة الواد وإنه لا يروي فيه ضحى غد إلا الرقيم يحشى بين أنجاد حديث : وسمير وعمران كاهناهم، والرقيم كلبهم " .
التستري
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}[85] قال: أن لا تفسدوا الطاعة بالمعصية، وذلك أن من كان مقيماً على المعصية على أدنى منهيّ فجميع حسناته ممزوجة بتلك المعصية، ولا تخلص له حسناته البتة وهو مقيم على سيئة واحدة حتى يتوب وينخلع عن ذلك المنهي، ويصفيها عن كدورات المعاصي في السر والعلانية.
القشيري
تفسير : خسَّت هِممُ قومِ شعيبٍ فقنعوا بالتطفيف في المكيال والميزان عند معاملاتهم، ثم إنّ الحقَ - سبحانه - لم يُساهِلْهم في ذلك ليُعْلَم أَنَّ الأقدار ليست من حيث الأخطار.
اسماعيل حقي
تفسير : {والى مدين} اى وارسلنا الى قبيلة مدين وهم اولاد مدين بن ابراهيم خليل عليه السلام {اخاهم} فى النسب اى واحدا منهم {شعيبا} عطف بيان لاخاهم وهو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين الذى تزوج ريثا بنت لوط فولدت له وكثر نسله فصار مدين قبيلتهم. قال الضحاك بكى شعيب من خشية الله حتى ذهب عيناه وصار اعمى وكان يقال له خطيب الانبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا اهل بخس للمكاييل والموازين مع كفرهم {قال} استئناف بيانى {يا قوم اعبدوا الله} وحده {ما لكم من اله غيره} مر تفسيره {وقد جاءتكم بينة} معجزة {من ربكم} متعلق بجاءتكم او بمحذوف هو صفة لفاعله مؤكدة لفخامة الذاتية المستفادة من تنكيره بفخامته الاضافية اى بينة عظيمة كائنة من مالك اموركم ولم يذكر معجزته فى القرآن كما لم يذكر اكثر معجزات نبينا عليه السلام. قال فى التفسير الفارسى [در قران معجزه شعيب مذكور نيست ودر احاديث نيز بنظر فقير نرسيده اما در آيات باهرات كه ذكر معجزات انبيا ميكنند ميكويدكه معجزه شعيب آن بودكه جون بكوه بلند برآمدى كوه سرفرود آوردى تا شعيب بآسانى بروى صعود كردى] وذكر بعض معجزاته فى الكشاف فارجع اليه {فاوفوا الكيل} الكيل مصدر قولك كلت الطعام كيلا والمعنى المصدرى لا يمكن ايفاؤه لان النقص والا تمام من خواص الاعيان فحمله القاضى على حذف المضاف اى آلة الكيل وفسره أبو السعود بالمكيال ويؤيده قوله {والميزان} فان المتبادر منه الآلة وان جاز كونه مصدرا كالميعاد فحمل الكيل على ما يكال به كما يطلق العيش على ما يعاش به وكان لهم مكيالان وميزانان احدهما اكبر من الآخر فإذا اكتالوا على الناس يستوفون بالاكبر واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون بالاصغر والمعنى ادوا حقوق الناس بالمكيال والميزان على التمام {ولا تبخسوا الناس} اى لا انقصوا {اشياءهم} التى يشترونها بهما متعمدين على تمامها أى شىء كان وأى مقدار كان فانهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير فالتعبير بالاشياء دون الحقوق للتعميم فان مفهوم الشيء اعم بالنسبة الى مفهوم الحق. واعلم ان بخس الناس اشياءهم فى المكيل والموزون من خساسة النفس ودناءة الهمة وغلبة الحرص ومتابعة الهوى والظلم وهذه الصفات الذميمة من شيم النفوس وقد ورد الشرع بتبديل هذه الصفات وتزكية النفس فان الله تعالى يحب معالى الامور ويبغض سفاسفها وفى الحديث "حديث : ما ذئبان جائعان ارسلا فى غنم بافسد لها من حرص المرء على المال والشرف " . تفسير : وفى الحديث "حديث : الصلاة امانة والوضوء امانة والوزن امانة والكيل امانة " . تفسير : - روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه "حديث : الكيل والوزن انتم قد وليتم امرا فيه هلكت الامم السالفة قبلكم " . تفسير : {ولا تفسدوا فى الارض} اى بالكفر والحيف {بعد اصلاحها} بعدما اصلح امرها واهلها الانبياء واتباعهم باجراء الشرائع {ذلكم} اشارة الى العمل بما امرهم به ونهاهم عنه {خير لكم} من التطفيف والبخس والافساد وقيل خير ههنا ليس على بابه من التفضيل بل بمعنى نافع عند الله {ان كنتم مؤمنين} اى مصدقين بى فى قولى هذا.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} أرسلنا {إلى مدين أخاهم شعيبًا}، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته قومه. {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهِ غيره قد جاءتكم بينةٌ من ربكم} يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما رُوِي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. هـ. وفيه نظر؛ لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: "حديث : مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إلاَّ وآتاهُ مَا مِثلُه آمَنِ عليه البشرُ، وإنما كَان الذي أُوتِيتُه وحيًا، وأرجوُ أن أكون أكَثَرهُم تابعًا يومَ القيامَةِ "تفسير : . وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها؛ لظاهر الحديث. ثم قال لهم: {فأوفوا الكيلَ والميزانَ}، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها؛ بدليل قوله: {والميزان} الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. {ولا تَبخسوا الناس أشياءهم} أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: {أشياءَهم}، للتعميم تنبيهًا على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكَّاسين لا يدعون شيئًا إلا مكسوه. {ولا تُفسدوا في الأرض} بالكفر والظلم، {بعد إصلاحها} بإقامة الشرائع وظهور العدل، {ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين} أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقًا؛ إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. {ولا تقعُدُوا بكل صِراطٍ} أي: طريق {تُوعِدُون} من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبًا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك؛ ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. {وتَصُدُّون عن سبيل الله} أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: {من آمن به}؛ من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة؛ كانوا يصدونه عن العمل، {وتبغونها عِوَجًا} أي: وتطلبون لطريق الله عوجًا بإلقاء الشُّبَه فيها، أو بوصفها للناس بأنها مُعوَجَّة. {واذكروا إذ كنتم قليلاً} عَددكم وعُدَدِكم {فكثَّرَكُم} بالبركة في النسل والمال، {وانظروا كيف كان عاقبةِ المفسدين} من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. {وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلتُ به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا} أي: تربصوا {حتى يحكم اللهُ بيننا} أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، {وهو خير الحاكمين}؛ إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} في جوابه عن وعظه: {لنُخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتُعودنَّ في ملتنا} أي: ليكونن أحد الأمرين؛ إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، لكنهم غلّبوا الجماعة على الواحد؛ فخُوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: {قال أوَ لو كنا كارهين}. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجَهنميين: " حديث : قد عادوا حممًا "تفسير : أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: {قد افترينا على الله كذبًا إن عُدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها} أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربُّنا} خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبًا مع الربوبية، واستسلامًا لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم "حديث : يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي عَلَى دِينِكَ "تفسير : . {وَسِع ربُّنا كلَّ شيءٍ علمًا} أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، {على الله توكلنا} في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. {ربنا افتح بيننا} أي: احكم بيننا {وبين قومنا بالحق} بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، {وأنت خير الفاتحين} أي الفاصلين. {وقال الملأُ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتُم شعيبًا} وتركتم دينكم {إنكم إذًا} أي: إذا اتبعتموه {لخاسرون}؛ لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. {فأخذتهم الرجفةُ} أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. {الصيحة}، ولعلها كانت من مبادئها، {فأصبحوا في دارهم} أي: في مدينتهم {جاثمين} باركين ميتين. {الذين كذَّبوا شعيبًا كأن لم يَغنَوا فيها} أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. {الذين كذَّبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين} دينًا ودُنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا؛ فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتُكم رسالات ربي ونصحتُ لكم}، قاله بعد هلاكهم، تأسفًا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: {فكيف آسى على قومٍ كافرين} ليسوا أهلاً للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: {ولا تقعدوا بكل صراط...} الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله} أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علَّق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " حديث : يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمَّنتك، فعلمي لا يحيط به محيط "تفسير : . والله تعالى أعلم. ولما سَرَد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ}.
الطوسي
تفسير : هذه الآية عطف على ما تقدم والتقدير فيها فأرسلنا {إلى مدين} وهي قبيلة، قال أبو اسحاق: أصله (مديان) وهو مديان بن ابراهيم وهؤلاء ولده. و {مدين} لا ينصرف، لأنه معرب في حال تعريفه. والعلة المانعة من الصرف هي العجمة والتعريف وقال الزجاج: لأنه اسم قبيلة وهو معرفة وجائز أن يكون أعجمياً. وقوله {أخاهم شعيباً} نسب اليهم بالاخوة في النسب دون غيره. وقال لهم {قد جاءتكم بينة من ربكم} يعني أتتكم حجة من الله تعالى ومعجزة دالة على صدق قولي، وأخبر انه أمرهم بأن يوفوا الكيل والميزان. والايفاء إِتمام الشيء الى حِّد الحق فيه، ومنه إِيفاء العهد وهو اتمامه بالعمل به. والكيل تقدير الشىء بالمكيال حتى يظهر مقداره منه. والوزن تقدير الشىء بالميزان، والمساحة تقدير الشىء بالذراع أو ما زاد عليه أو نقص. {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} نهي من شعيب إِياهم عن بخس الحقوق وتنقيصها في الكيل والميزان وغيرهما، والبخس النقص عن الحد الذي يوجبه الحق تقول: بخس يبخس بخساً فهو باخس. والبخص بالصاد فقأ العين. وقال قتادة والسدي: البخس الظلم، ومنه المثل (تحسبها حمقاء وهي باخسة). وقوله {ولا تفسدوا في الأرض بعد إِصلاحها} يعني بعد أن أصلحها الله بالأمر والنهي وبعثة الأنبياء وتعريف الخلق مصالحهم. والافساد اخراج الشىء الى حد لاينتفع به بدلاً عن حال ينتفع بها، وضده الاصلاح، والمعنى لا تخرجوا الى العمل في الأرض بالقبائح بعد أن أصلحها الله بالمحاسن. وقوله {ذلكم} إِشارة لقومه الى ما أمرهم به ونهاهم عنه بأن امتثاله والانتهاء اليه خير لهم وأعود عليهم إِن كانوا مؤمنين مصدقين بالله، وانما علق خيريته بالايمان وإِن كان هو خيراً على كل حال من حيث أن من لا يكون مؤمناً بالله، وعارفاً بنبيه لم يمكنه أن يعلم أن ذلك خير له، وكأنه قال لهم: كونوا مؤمنين لتعلموا أن ذلك خير لكم. ويحتمل أن يكون المراد لا ينفعكم ايفاء الكيل والميزان إِلا بعد أن تكوا مؤمنين. قال الفراء: لم يكن لشعيب آية على النبوة. قال الزجاج وغيره: هذا غلط، لأنه قال {قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا} فجاء بالفاء جواباً للجزاء، فكيف يقول {قد جاءتكم بينة} ولم يكن له آية على النبوة، فان كان مع النبوة آية فقد جاءهم بها لأنه لو ادعى النبوة من غير آية لم يقبل منه. وآيات شعيب وإِن لم يذكرها الله في القرآن لا يجب أن يقال: لا آية له، لأن نبينا (صلى الله عليه وسلم) لم يذكر الله آياته كلها في القرآن ولا أكثرها وإِن كانت له آيات كثيرة، ولم يوجب ذلك نفيها.
الجنابذي
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} نقل انّهم كانوا اولاد مدين بن ابراهيم (ع) وشعيبٌ كان منهم وسمّوا باسم جدّهم وسمّيت قريتهم به ايضاً وهى لا تكمل اربعين بيتاً {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} والبيّنة هى محاجّته الواضحة الّتى لا يمكنهم ردّها لانّها كانت ممّا يرتضيها كلّ ذى شعورٍ خال عن اللّجاج، فانّ معرفة الرّسول برسالته اولى من معرفته بالمعجزة او معجزة كانت له مثل معجزة صالح ولكن لم تذكر لنا {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} يعنى بعد اتيان البيّنة لا عذر لكم فى عدم قبول قولى فتقبّلوه واوفوا الكيل والميزان والايفاء اداء تمام ما حقّه ان يؤدّى والمراد ايفاء ما يتقدّر بالكيل والوزن نسب اليهما لاستلزام نقصان المكيل نقصان الكيل وكذا الموزون وما يوزن به كما نسب النّقص اليهما فى محلّ اخر، ولا يخفى عليك تعميم الكيل والميزان للمحسوس منها وغيره من الانبياء والاولياء واخلاقهما وسننهما وآدابهما ومن الكتب السّماويّة والشّرائع الآلهيّة، وهكذا التّعميم فى العالم الكبير والصّغير {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} امّا تأكيد لايفاء الكيل والميزان على ان يكون المراد بالاشياء هى المكيلات والموزونات او يكون المراد بالمكيل والموزون هو مطلق الاشياء بناء على تعميم الكيل والميزان، فانّه ما من شيءٍ جسمانىٍّ او غير جسمانىٍّ الاّ يمكن فيه تحديد او تعميم بعد تخصيص على ان يكون المراد بالمكيل والموزون المتقدّرين بالآلة المخصوصة، او تأسيس وتفصيل مع سابقة لكيفيّة المعاشرة على ان يكون المراد ببخس النّاس اشياءهم اخذ الزّيادة عن الحقّ منهم، او تخصيص بعد تعميم بناءً على تعميم الكيل والوزن حتّى يكون اعمّ من المعاملة مع النّاس ومن المعاملة مع الله ويكون شاملاً لجميع الاشياء وتخصيص البخس بالنّاس او بينهما عموم من وجه بناءً على تخصيص الكيل والميزان بما يتقدّر بهما سواء كان المعاملة مع الله او مع النّاس وتعميم الاشياء وتخصيص البخس بالنّاس {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تعميمٌ بعد تخصيص كسابقه او تأسيس على ان يكون المراد بالافساد اهراق الدّماء والقاء العداوة بين العباد والاسر والنّهب والتّعدّى عليهم ومنع جميع الحقوق من اهلها واعطائها لغير اهلها، او على ان يكون المراد بالافساد هو منع العباد من طريق الآخرة وهو طريق الولاية فيكون قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} تفسيراً له، والمراد بالارض اعمّ من ارض العالم الصّغير والعالم الكبير {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بالعقل فى الصّغير وبالانبياء واوصيائهم فى الكبير، والمراد بهذا القيد بيان انّ الواقع هكذا والاشعار بغاية قبح الافساد لا التّقييد به {ذٰلِكُمْ} المذكور من الايفاء وترك البخس والافساد {خَيْرٌ لَّكُمْ} ممّا تزعمونه خيراً من جلب النّفع بالتّطفيف والافساد، او المراد مطلق الفضل لا التّفضيل فانّه كثيراً ما يستعمل من غير ارادة التّفضيل {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} معتقدين بالله والآخرة شرط تهييج بناءً على كون ايمانهم بالله مقطوعاً به للمتكلّم والمخاطب بحسب اقرارهم، او شرط تقييد بناءً على كونه مشكوكاً فيه او منزّلاً منزلة المشكوك سواء قدّر الجزاء موافقاً لاوفوا (الى آخره) او موافقاً لقوله: ذلكم خيرٌ لكم وعلى التّقييد يكون بمفهومه تهديداً لهم يعنى ان لم تكونوا مؤمنين فافعلوا ما شئتم او فليس ذلكم خيراً لكم بل لم يكن حينئذٍ فرق بينه وبين ضدّه لكم.
فرات الكوفي
تفسير : {وإلى مَدْيَن أخاهُمْ شُعَيْباً85} [سيأتى في حديث الإمام السجاد في سورة هود الاستشهاد بها].
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وإلى مدين} أي وأرسلنا إلى مدين وهو مدين بن ابراهيم خليل الرحمن، وقيل: مدين اسم موضع، وقيل: اسم جد شعيب ( عليه السلام)، وقيل: هم أصحاب الأيكة، وقال عطاء: هو شعيب بن ثوبة بن ابراهيم (عليه السلام)، وقال ابن اسحاق: هو شعيب بن ثوبة بن إبراهيم فقال لهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} حجة وبرهان، وهو المعجزة الذي أظهرها الله عليه {فأوفوا الكيل والميزان} يعني ما يكيلون على الناس وما يزنون عليهم بالميزان {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} يعني لا تنقصوا حقوقهم، وقيل: البخس الظلم {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، قيل: لا تفسدوا فيها بالعصيان من سفك الدماء، واستحلال المحارم بعد إصلاحها ببيان الدين وإرسال شعيب {ذلكم} الذي ذكرت {خير لكم إن كنتم مؤمنين} مصدقين بما أقول لكم، قوله تعالى: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} الناس، وقيل: كانوا يقعدون على طريق من قصد شعيباً للايمان فيخوفونه بالقتل وكانوا يقطعون الطريق {وتصدون عن سبيل الله} عن دين الله {وتبغونها عوجاً} وذلك أنهم كانوا يقعدون على الطريق يخبرون من قصد شعيباً للايمان به ويقولون: إن شعيباً كذاب فلا يفتنك عن دينك، و{واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم}، قيل: كثر عددكم بالغنى بعد الفقر {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}. قوله تعالى: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه}، يعني الرؤساء الذين تعظموا عن الإِيمان به {أو لتعودن في ملتنا} أي شريعتنا أي تدعون دينكم وتصيرون إلى ديننا، فإن قيل: كيف؟ قال: تعودون في ملتنا ولم يكونوا فيها، قيل: لأن الذين اتبعوا شعيباً كانوا في دينهم وإلاَّ فشعيب (عليه السلام) لم يكن على ملتهم، وقيل: قالوا هذا القول على وجه التلبيس والايهام على العوام يوهمون عليهم كانوا منهم، وقيل: أن شعيباً وقومه في بدْءِ أمرهم كانوا يخفون أمرهم فكانوا يظنون أنهم على دينهم، قوله تعالى: {بعد إذ نجانا الله منها} أي خلصنا بلطفه وبيانه {وما يكون لنا أن نعود فيها} اختلفوا في قوله فيها الكناية إلى ماذا ترجع؟ قيل: إلى الملة عن أكثر المفسرين، وقيل: إلى القرية وقد تقدم ذكرها في قوله تعالى: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا}، ومن قال الكناية راجعة إلى الملة اختلفوا في معنى الآية على أقوال: الأول أن المراد بالملة الشريعة وفي شريعتهم ما يجوز التعبّد به كأنه قيل: ليس لنا أن ندخل فيها إلاَّ أن يتعبّدنا الله بها وينقلنا إليها وينسخ ما نحن فيه من الشريعة، وقيل: {إلا أن يشاء} متعبدنا بما يجوز، وقيل: هنا على وجه البعد كما يقال لا أفعل هذا حتى يبيض الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط {وسع ربنا كل شيء علماً} أحاط علمه بكل شيء فلا يخفى عليه شيء {على الله توكلنا}، فيما يوعدنا به {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} أي اقض بيننا، وقيل: افصل {وأنت خير الفاتحين} أي الحاكمين {وقال الملأ الذين كفروا من قومه}، قيل: الجماعات، وقيل: الأشراف {لئن اتبعتم شعيباً} يعني في دينه وتركتم دينكم، قيل: خسرتم بما يلحقكم من جهتنا من الأداء، وقيل: خسرتم في الآخرة إذا تركتم دينكم ودين آبائكم {فأخذتهم الرجفة} قيل: الزلزلة، وقيل: أهلكوا بالنار يعني نزلت عليهم نار من السماء فأهلكتهم، وقيل: تزلزلت أرضهم وسقطت ديارهم، وقيل: زلزلوا فأحاطت بهم النار فهلكوا، وقيل: جاءهم حرّ شديد فدخلوا البيوت فدخل عليهم ثم جاءت سحابة فيها ريح طيب فخرجوا إلى البرية حتى اجتمعوا تحت السحابة رجالُهم ونساؤهم وصبيانهم فألهبها الله تعالى ناراً، وزلزلت الأرض، فاحترقوا وصاروا رماداً، وهو قوله تعالى: {أية : فأخذهم عذاب يوم الظلة}تفسير : [الشعراء: 189]، قوله تعالى: {كأن لم يغنوا فيها} كأن لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا، وقال: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي}، قيل: قاله قبل نزول العذاب، وقيل: قاله لمن بقي معه من المؤمنين، قوله تعالى: {فكيف آسى} أي أحزن.
اطفيش
تفسير : {وإلَى مَدينَ} اسم قبيلة سميت باسم أبيها، ومنع الصرف للعلمية والتأنيث، وفيه العجمة أيضا، وكذلك على القول بأنه اسم مدينة على حذف مضاف، أى أهل مدين، ويجوز أن يراد به أبوهم على حذف مضاف، أى إلى أولاد مدين فمانعه من الصرف العلمية والعجمة، وهو مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وقيل: مدين اسم لعين ماء كانوا عليها على حذف مضاف، أى أهل مدين، فالمنع للعملية والعجمة، مع أن العين يؤنث. {أخاهُم} فى نسب على حد ما مر فى أمثاله {شُعيباً} هو شعيب بن ميكيل بن يشخر بن مدين بن إبراهيم، وأم ميكيل بن إسحاق، فلوط جد شعيب لأمه، وقال مكى: كان زوج بنت لوط، وقيل: هو شعيب بن صفوان بن عنقاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، ونسب هذا لأهل الكتاب، وقيل: هو شعيب بن ثوبة بن مدين بن إبراهيم، وقيل: هو شعيب بن يترون بن ثويب بن مدين بن إبراهيم، واسمه بالسريانية يقرون، وكان أعمى حدث له العمى بعد تبليغ الرسالة والاجتهاد فيها، ومضى مدة، قال جار الله: يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وروى عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه كان إذا ذكر شعيبا قال: "ذلك خطيب الأنبياء" لقوله لقومه: {ما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنْهاكم إنْ أريدُ إلا الإصْلاح ما اسْتطعتُ وما توفيقى إلا باللهِ عَليه توكلتُ وإليه أنيب} تفسير : يريد لحسن مراجعته وجمال تلطيفه. {قالَ يا قوم اعْبُدوا الله ما لَكُم مِنْ إلهٍ غَيرهُ قدْ جاءتْكُم بيِّنةٌ مِنْ ربِّكُم} تدل على صدقى فيما أقول من توحيد الله وعبادته ورسالتى، وقرأ الحسن: قد جاءتكم آية من ربكم، ولم يذكر الله سبحانه فى القرآن هذه الآية البينة التى هى معجزة لشعيب، كما لما يذكر معجزات أكثر الرسل، ولا معجزات أفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، ولا رسول إلا بمعجزة، وقيل: أراد بالبينة مجىء شعيب بالرسالة إليهم، كما قال بعض فى البينة فى قصة صالح، وعليه فالمعنى: أنى جئتكم بما هو بين واضح لا ينكره العقل، وإلا فالرسالة نفسها تحتاج إلى برهان معجز. وقيل أراد بالبينة الموعظة كالأمر بالإيفاء، والنهى عن الإفساد، وعن المنع عن سبيل الله، وكتذكيره إياهم النعم، وتنظيرهم فى عاقبة المفسدين، كما ذكر عقب ذلك، وقيل: بينة محاربة عصى موسى التنين حين أعطاها إياه يرعى بها غنمه، ويرتفق بها، وولادة غنمه الأدرع وهو أسود رأسه وأبيض سائره حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع تلك العصى وهى عصى آدم فى يده سبع مرات من جملة العصى، فتركه يأخذها وهو مرادى بإعطائه إياها، وغير ذلك من آياتها الواقعة قبل استنباء موسى، ورد بأن ذلك كله متأخر عن مقاولة شعيب لقومه، وهو بعد كونه شيخا كبيراً، فهو كرامة لموسى، وتمهيد لرسالته، وقد يجاب بأنه قال: {قد جاءتكم بينة من ربكم} بعد وقوع ذلك أو بعضه، ولا تشترطوا المعجزة أول الدعوة، وقد تكون أول وقد تتأخر. {فأوْفُوا} أتموا {الكَيْل} والميزان أى الوزن فهو مصدر لآلة كالمعياد والميلاد بمعنى الوعد والولادة، أى كيلوا كيلا تاما، وزنوا وزنا تاما، أو الكيل أطلق على آلة الكيل كما يطلق العيش على ما به الحياة، أو يقدر مضاف أى آلة الكيل، وعليهما يكون الميزان آلة، وهما أنسب بظاهر قوله: "أوفوا المكيال والميزان" ويجوز أن يقدر المضاف هكذا فأوفوا الكيل ووزن الميزان، فالكيل مصدر، والميزان آلة، وكانوا أهل كفر بالله وتطفيف للمكيال والميزان، وقد وسع الله لهم فى العيش والخصب استدراجا. {ولا تَبْخسُوا النَّاسَ أشْياءهُم} لا تنقصوهم حقوقهم بتطفيف الكيل والوزن، فهو تأكيد لما قبله، أو لا تنقصوهم أموالهم بالمكس، وكانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوم جليلا أو حقيراً، قليلا أو كثيرا فقوله: {أشياءهم} تعميم، أو لا تنقصوهم أموالهم فى المبايعة، أو المراد ذلك كله، وقد قيل: إنه دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هى زيوف فقطعوها قطعا، وأخذوها بنقصان ظاهر، وأعطوه بدلها زيفا. {لا تُفْسِدوا فى الأرْض بَعْد إصْلاحِها} لا تفسدوا فيها بالكفر والظلم والحيف وغير ذلك، بعد إصلاحها بالإيمان والعدل والعبادة بواسطة الرسل وأتباعهم، والإضافة بمعنى فى، أى بعد الإصلاح فيها، أو على تقدير مضاف، أى بعد إصلاح أهلها، أو الإصلاح مصدر مضاف لفاعله على الإسناد المجازى، بأن جعل الأرض مصلحة، كما جعل الليل والنهار ماكرين. {ذلكُم} أى ما ذكر من الإيفاء وعدم النحس والإفساد {خَيرٌ} نفع أو أفضل مما أنتم فيه {لكُم} تنموا به أموالكم، ويكثر عددكم. وتكونون فى أمان وعافية، وتنجون من عذاب الآخرة، فإن من عرف منه الأمانة رغب الناس فى متاجرته، ومن عرفت منه الخيانة أو الجور تباعد الناس عنه، وإن قلت: كيف جاز أن يكون خير اسم تفضيل؟ قلت: من حيث إنهم يظهر لهم ربح فى التطفيف والبخس والإفساد فقيل لهم: إن ترك ذلك أربح وأولى. {إنْ كُنتُم مُؤمنِينَ} مصدقين لى، وإلا فلا يكون عندكم خيراً، بل تعتقدونه نقصانا لكم، أو إن كنتم موحدين لله عاملين، وإلا فلا ينفع عمل بلا قول، كما لا ينفع قول بلا عمل، وهذا على أن المراد بالإفساد غير الكفر، وبالخير النفع الأخروى.
اطفيش
تفسير : {وَإِلَى مَدْيَنَ} قبيلة سميت باسم جدها مدين بن إِبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم، لا كما قيل اسم قرية، وإِن التقدير وإِلى أَهل مدين لعدم الداعى إِلى الحذف مع صحة الاستغناءِ عنه كما فى سائر القصص، وأَيضًا سميت بلدته باسمه، وسميت أَولاده به فليحمل على أَولاده لأَنهم أَنسب، وقيل اسم ماء كانوا عليه {أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} هو ابن ميكيل بن يشجر ابن مدين بن إِبراهيم وقيل: شعيب بن ثويب ابن مدين، وقيل شعيب بن شيرون بن مدين وبعض يقول ميكائيل، وقيل هو ابن يشجر من لاوى بن يعقوب، وهو تصغير شَعْب بفتح فإِسكان اسم جبل أَو بكسر فإِسكان وهو الطريق فى الجبل، والصحيح أَنه مرتجل، وأَسماء الأَنبياء لا تصغر بعد الوضع، وأَما قبله هكذا فجائز، ويقال ميكائيل هى بنت لوط عليه السلام وقيل إِسحاق. هو يثروب بن عيفاءَ ابن ثويب بباءَين موحدتين بن جعفر ويقال هو أَعمى بلا عكاز، فإِن صح فعماه بعد النبوءَة والرسالة لأَن كل نبى سالم من منفر، ومرض أَيوب بعد النبوة، وشعيب بعث إِلى أمتين إِلى مدين فأَخذوا بالصيحة وإِلى الأَيكة فأُخذوا بعذاب يوم الظلة، وهو حديث موقوف، وقيل مرفوع، وكلتا الأُمتين وعظت بوفاء الكيل، وقيل أَرسل إِلى أَصحاب الرسل فهو إِلى ثلاثة ولا رسول إِلى قوم فأَهلكوا ثم إِلى آخرين فأُهلكوا إِلاَّ شعيباً، ويقال له خطيب الأَنبياءِ لحسن مراجعته قومه، كما فى رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشكل على التسمية أَن غيره أَيضاً حسن المراجعة لقومه لأَن النكت لا تتزاحم، ووجه التسمية لا يوجبها، ولعل له فى حسن المراجعة زيادة على غيره، ولا يبعد أَن يكون فى المفضول شئ ليس فى الفاضل. {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِهِ} يتضمن هذا أَمرهم بالتوحيد لأَنه لا وجه لعبادته إِلا بعد التوحيد، ولأَنه قال ما لكم من إِله غيره، وكأَنه قال: قولوا لا إِله إِلا الله، وكأَنهم قالوا: ما دليلك؟ فقال {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أَى ستجيئُكم ولا بد، فكأَنها قد جاءَت ولم يذكرها الله عز وجل فى القرآن كما لم يذكر أَكثر معجزات رسول الله، أَو هى عصا موسى إِذ قال له شعيب خذ إِحدى هؤلاءِ العصيان فأَخذها فقال له شعيب ردها، وخذ غيرها فردها فتناول الأَخذ فما تناول إِلا إِياها سبع مرات، فقال شعيب: خذها، فمضى بها للرعى فأَكلت تنينا فى مرعاهم كان يمنعهم، وهى عصا آدم وإِخباره موسى أَن غنم رعيك تلد كل واحدة ولدا أَسود الرأس أَبيض باقى الجسد، فكان كذلك كافيا ذلك كله وما أَشبهه. وقوم شعيب عالمون به، وذلك قبل هلاكهم فذلك معجزة له وإِرهاص أَى تمهيد لرسالة موسى، وإِن كان موسى اتصل بشعيب بعد هلاك قوم شعيب فهى إِرهاص فقط لموسى عليهما السلام، وتعنى المعتزلة الإِرهاص باطل محجوج، وقيل بينته هو قوله أَوفوا الكيل إِلخ، كأَنه لما قال ما لم يقله أَحد لزم أَن يعلموا أَن ذلك من جنس ما يأتى من الله، أَو قوله ما لكم من إِله غيره {فَأَوْفُوا} العطف على اعبدوا أَوْ على جاءَتكم إِلخ، والتفريع بالفاء صالح فى كل، والمعجزة لا يلزم ذكرها فى القرآن وهى موجودة، وقيل هى نفس شعيب، وهو خطأ وقيل عصا موسى إِذ أَعطاه إِياها شعيب وقتلت ثعبانا فى مرعى مهجور لأَجله وولادة غنمه الدرع خاصة، ووقوع العصا فى يد موسى سبع مرات مريداً لغيرها فى ست، قلت: هذا تمهيد لرسالة موسى عليه السلام، إِذ نبوءَته بعد ذلك، لا معجزة لشعيب إِذ لا معارض له حينئذ يستظهر بذلك عليه، إِلا أَنه لا مانع من وقوع معجزة فى غير محل المعارضة، على أَنه تذكر لمن عارض قبل أَو بعد، ولا يصح ما قيل: إِن المعجزة أَوفوا إِلخ.. ولا أَنها الموعظة، ولا أَنه تصح الرسالة بلا معجزة، ولا يظهر ما قيل أَن كلام الملائكة لمريم تمهيد لرسالة عيسى، ولا معجزة لزكريا بل تفريع لها وتسهيل للأَمر عليها {الكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} أَتموهما، وكانوا ينقصونهما، دخل الشيخ يوسف بن إِبراهيم فى حجة مدين فوقف على بائع ينقص فضربه فى فقاه، وقرأَ له الآية، فالتفت إِليه فقال: نزلت فينا والله يا مغربى، والميزان مصدر ميمى، أَى الكيل والوزن، وصح الكلام بلا حذف، ولا حاجة إِلى جعل الميزان اسم آلة ورد الكيل إِليه بتقدير مضاف، أَى آلة الكيل، أَو بجعله بمعنى آلة الكيل، ثم تذكرت أَن فى هود المكيال والميزان فناسب الآلة، لكن المتعارف الأَمر بإِيفاء الكيل والوزن، لا بإِيفاءِ آلة الكيل والوزن، فالمكيال والميزان فى سورة هود المعنى المصدرى، فنقول: الكيل هنا على معنى المصدر، وكذا الميزان كالميعاد بمعنى الوعد {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} ولا تنقصوا أَموالهم بتحقيرها، وبالأَخذ من كل ما يباع، أَو من بعضه، وبالاحتيال لها والرشا، وبالغضب أَو القهر على البيع بما أَرادوا {وَلاَ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ} بالشرك والمعاصى فى حق الله و حق غيره {بِعْدَ إِصْلاَحِهَا} بعد إِصلاح أَمرها، أَو بعد إِصلاح فيها بإِزالة المفاسد بالأَنبياءِ والشرائع. {ذَلِكُمْ} أَى ما ذكر من عبادة الله، ومن الإِيفاءِ والإِتمام وترك البخس والإِفساد {خَيْرٌ لَكُمْ} أَى نفع لكم فى الدنيا بنماءِ الأَموال، وأَن تعرفوا بالوفاءِ فيكثر معاملوكم وقاصدوكم. وفى الآخرة بالثواب، أَو أَفضل لكم من غيره على اعتبار أَن فيما يفعلون مما يخالف الشرع فضلا دنيويا {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بما جئت به ظهر لكم الخيرية. وهذا أَولى من تقدير إِن كنتم مريدين للإِيمان فبادروا إِليه. وقيل: الإِيمان لغوى، أَى إِن كنتم مصدقين لى فيما قلت.
الالوسي
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } عطف على ما مر. والمراد أرسلنا إلى مدين الخ. ومدين وسمع مديان في الأصل علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمة ثم سميت به القبيلة، وقيل: هو عربـي اسم لماء كانوا عليه، وقيل: اسم بلد ومنع صرفه للعلمية والتأنيث فلا بد من تقدير مضاف حينئذٍ أي أهل مدين مثلاً أو المجاز. والياء على هذا عند بعض زائدة. وعن ابن بري الميم زائدة إذ ليس في كلامهم فعيل وفيه مفعل. وقال آخرون: إنه شاذ كمريم إذ القياس إعلاله كمقام. وعند المبرد ليس بشاذ قيل وهو الحق لجريانه على الفعل. وشعيب قيل تصغير شعب بفتح فسكون اسم جبل أو شعب بكسر فسكون الطريق في الجبل. واختير أنه وضع مرتجلاً هكذا. والقول بأن القول بالتصغير باطل لأن أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز تصغيرها فيه نظر لأن الممنوع التصغير بعد الوضع لا المقارن له ومدعي ذلك قد يدعي هذا وهو على ما وجد بخط النووي في «تهذيبه» «ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام»، وقيل: ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب، وبعضهم يقول: ميكائيل بدل ميكيل، ونقل ذلك عن خط الذهبـي في «اختصار المستدرك». وآخر يقول ملكاني بدله. وذكر أن أم ميكيل بنت لوط عليه السلام. وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي بن القطامي ـ وكان نسابة ـ أن شعيباً هو يثروب بالعبرانية وهو ابن عيفاء بن يوبب ـ بمثناة تحتية أوله وواو وموحدتين بوزن جعفر ـ بن إبراهيم عليه السلام، وقيل: في نسبه غير ذاك، وكان النبـي صلى الله عليه وسلم كما أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا ذكر شعيب يقول: «ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه» أي محاورته لهم، وكأنه ـ كما قيل ـ عنى عليه الصلاة والسلام ما ذكر في هذه السورة كما يعلم بالتأمل فيه. وبعث رسولاً إلى أمتين مدين وأصحاب الأيكة، قال السدي وعكرمة رضي الله تعالى عنهما: ما بعث الله تعالى نبياً مرتين إلا شعيباً مرة إلى مدين فأخذهم الله تعالى بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة. وأخرج ابن عساكر في «تاريخه» من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً أن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله تعالى إليهما شعيباً. وهو ـ كما قال ابن كثير ـ غريب وفي رفعه نظر واختار أنهما أمة واحدة، / واحتج له بأن كلاً منهما وعظ بوفاء الميزان والمكيال وهو يدل على أنهما واحدة وفيه ما لا يخفى. ومن الناس من زعم أنه عليه السلام بعث إلى ثلاث أمم، والثالثة أصحاب الرس. والقول بأنه عليه السلام كان أعمى لا عكاز له يعتمد عليه بل قد نص العلماء ذوو البصيرة على أن الرسول لا بد أن يكون سليماً من منفر ومثلوه بالعمى والبرص والجذام، ولا يرد بلاء أيوب وعمى يعقوب بناء على أنه حقيقي لطروه بعد الإنباء والكلام فيما قارنه، والفرق أن هذا منفر بخلافه فيمن استقرت نبوته. وقد يقال: إن صح ذلك فهو من هذا القبيل. {قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية إرساله إليهم كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل قال: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } مر تفسيره {قَدْ جَاءَتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبِّكُمْ} أي معجزة عظيمة ظاهرة من مالك أموركم. ولم تذكر معجزته عليه السلام في القرآن العظيم كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام فيه. والقول بأنه لم يكن له عليه السلام معجزة غلط لأن الفاء في قوله سبحانه: {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} لترتيب الأمر على مجىء البينة، واحتمال كونها عاطفة على {ٱعْبُدُواْ } بعيد، وإن كانت عبادة الله تعالى موجبة للاجتناب عن المناهي التي معظمها بعد الكفر البخس فكأنه قيل: قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتي أوجبت عليكم الإيمان بها والأخذ بما أمرتكم به فأوفوا الخ؛ ولو ادعى مدع النبوة بغير معجزة لم تقبل منه لأنها دعوى أمر غير ظاهر وفيه إلزام للغير ومثل ذلك لا يقبل من غير بينة. ومن الناس من زعم أن البينة نفس شعيب. ومنهم من زعم أن المراد بالبينة الموعظة وأنها نفس {فَأَوْفُواْ} الخ وليس بشيء كما لا يخفى. وقال الزمخشري: «إن من معجزاته عليه السلام ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه غنمه وولادة الغنم الدرع خاصة حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده في المرات السبع وغير ذلك من الآيات لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام فكانت معجزات لشعيب» اهـ. وفيه نظر لأن ذلك متأخر عن المقاولة فلا يصح تفريع الأمر عليه، ولأنه يحتمل أن يكون كرامة لموسى عليه السلام أو إرهاصاً لنبوته بل في «الكشف» أن هذا متعين لأن موسى أدرك شعيباً عليه السلام بعد هلاك قومه ولأن ذلك لم يكن معرض التحدي. وزعم الإمام أن الإرهاص غير جائز عند المعتزلة، ولهذا جعل ذلك معجزة لشعيب عليه السلام نظر فيه الطيبـي بأن الزمخشري قال في آل عمران [54] في تكليم الملائكة عليهم السلام لمريم: إنه معجزة لزكريا أو إرهاص لنبوة عيسى عليهما السلام، والمراد بالكيل ما يكال به مجازاً كالعيش بمعنى ما يعاش به. ويؤيده أنه قد وقع في سورة هود [58] { أية : ٱلْمِكْيَالَ } تفسير : ، وكذا عطف {ٱلْمِيزَانَ } عليه هنا، فإن المتبادر منه الآلة وإن جاز كونه مصدراً بمعنى الوزن كالميعاد بمعنى الوعد، وقيل: إن الكيل وما عطف عليه مصدران والكلام على الإضمار أي أوفوا آلة الكيل والوزن. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ} أي لا تنقصوهم يقال بخسه حقه إذا نقصه إياه ومنه قيل للمكس البخس. وفي أمثالهم تحسبها حمقاء وهي باخس أي ذات بخس. وتعدى إلى مفعولين أولهما {ٱلنَّاسَ} والثاني {أَشْيَاءهُمْ} أي الكائنة في المبايعات من الثمن والمبيع، وفائدة التصريح بالنهي عن النقص بعد الأمر بالإيفاء تأكيد ذلك الأمر / وبيان قبح ضده، وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقاً فإنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه الجياد ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس. وروي أنهم يعطونه أيضاً بدلها زيوفاً فكأنه لما نهوا عن البخس في الكيل والوزن نهوا عن البخس والمكس في كل شيء. قيل: ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه. وكثير ممن انتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا البخس وليتهم قنعوا به بل جمعوا حشفاً وسوء كيلة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبدأ عليه السلام بذكر هذه الواقعة ـ على ما قال الإمام ـ «لأن عادة الأنبياء عليهم السلام أنهم إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالاً أكثر من إقبالهم على سائر الأنواع بدأوا بمنعهم عن ذلك النوع، وكان قومه عليه السلام مشغوفين بالبخس والتطفيف» أكثر من غيره، والمراد من الناس ما يعمهم وغيرهم أي لا تبخسوا غيركم ولا يبخس بعضكم بعضاً. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} بالجور أو به وبالكفر {بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا} أي إصلاح أمرها أو أهلها بالشرائع، فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله بحذف المضاف، والفاعل الأنبياء وأتباعهم. وجوز أن لا يقدر مضاف ويعتبر التجوز في النسبة الإيقاعية لأن إصلاح من في الأرض إصلاح لها، وأن تكون الإضافة من إضافة المصدر إلى الفاعل على الإسناد المجازي للمكان، وأن تكون على معنى في أي بعد إصلاح الأنبياء فيها. ويأبـى الحمل على الظاهر لأن الإصلاح يتعلق بالأرض نفسها كتعميرها وإصلاح طرقها لا تفسدوا في الأرض. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه، وأياً ما كان فإفراد اسم الإشارة وتذكيره ظاهر. ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقاً أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وما يطلبونه من التكسب والتربح لأن الناس إذا عرفوهم بالأمانة رغبوا في معاملتهم ومتاجرتهم، وقيل: ليس المراد من {خَيْرٌ } هنا معنى الزيادة لأنه ليس للتفضيل بل المعنى ذلكم نافع لكم. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قيل: المراد بالإيمان معناه اللغوي، وتخص الخيرية بأمر الدنيا أي إن كنتم مصدقين لي في قولي، ومثل هذا الشرط ـ على ما قال الطيبـي ـ إنما يجاء به في آخر الكلام للتأكيد، ويعلم من هذا أن شعيباً عليه السلام كان مشهوراً عندهم بالصدق والأمانة كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم مشهوراً عند قومه بالأمين. وقال بعض الذاهبين إلى ما ذكر: إن تعليق الخيرية على هذا التصديق بتأويل العلم بها وإلا فهو خير مطلقاً. وقال القطب الرازي: إن ذلك ليس شرطاً للخيرية نفسها بل لفعلهم كأنه قيل: فاتوا به إن كنتم مصدقين بـي فلا يرد أنه لا توقف للخيرية في الإنسانية على تصديقهم به. وقيل: المراد به مقابل الكفر وبالخيرية ما يشمل أمر الدنيا والآخرة أي ذلكم خير لكم في الدارين بشرط أن تؤمنوا، وشرط الإيمان لأن / الفائدة من حصول الثواب مع النجاة من العقاب ظاهرة مع الإيمان خفية مع فقده للانغماس في غمرات الكفر، وبنى بعضهم نفع ترك البخس ونحوه في الآخرة على أن الكفار يعذبون على المعاصي كما يعذبون على الكفر فيكون الترك خيراً لهم بلا شبهة لكن لا يخفى أنه إذا فسر الإفساد في الأرض بالإفساد فيها بالكفر لا يكون لهذا التعليق على الإيمان معنى كما لا يخفى، وإخراجه من حيز الإشارة بعيد جداً. وزعم الخيالي أن الأظهر أن {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } معترضة والشرط متعلق بما سبق من الأوامر والنواهي، وكأنه التزم ذلك لخفاء أمر الشرطية عليه. وقد فر من هرة ووقع في أسد وهرب من القطر ووقف تحت الميزاب فاعتبروا يا أولي الألباب.
ابن عاشور
تفسير : تفسير صدر هذه الآية هو كتفسير نظيرها في قصّة ثمود، سوى أنّ تجريد فعل {قال يا قوم} من الفاء ــــ هنا ــــ يترجّح أنّه للدّلالة على أنّ كلامه هذا ليس هو الذي فاتحهم به في ابتداء رسالته بل هو مِمّا خاطبهم به بعدَ أن دعاهم مِراراً، وبعدَ أن آمنَ به مَن آمن منهم كما يأتي. ومَدْيَن أمّة سُمّيت باسم جَدّها مَدْيَنَ بننِ إبراهيم الخليللِ عليه السّلام، من زوجه الثّالثة التي تزوّجها في آخر عُمره وهي سرية اسمُها قَطُورَا. وتزوّج مَدْيَنُ ابنةَ لوط عليه السّلام وولد له أبناء: هم (عيفة) و(عفر) و(حنوك) و(أبيداع) و(ألْدَعة) وقد أسكنهم إبراهيم عليه السّلام في ديارهم، وسطاً بين مسكن ابنه إسماعيل عليه السّلام ومسكن ابنه إسحاق عليه السّلام، ومن ذرّيتهم تفرّعت بطون مَدْين، وكانوا يعدّون نحو خمسة وعشرين ألفاً، ومواطنهم بين الحجاز وخليج العقبة بقرب ساحل البحر الأحمر، وقاعدة بلادهم (وَجّ) على البحر الأحمر وتنتهي أرضهم من الشّمال إلى حدود مَعان من بلاد الشّام، وإلى نحو تبوك من الحجاز، وتسمّى بلادهم (الأيْكَة). ويقال: إنّ الأيكة هي (تبوك) فعلى هذا هي من بلاد مَدين، وكانت بلادهم قرى وبوادي، وكان شعيب عليه السّلام من القرية وهي (الأيْكَة)، وقد تَعرّبوا بمجاورة الأمم العربيّة وكانوا في مدّة شعيب عليه السّلام تحت ملوك مصر، وقد اكتسبوا بمجاورة قبائل العرب ومخالطتهم لكونهم في طريق مصر، عربيّة فأصبحوا في عداد العرب المستعربة، مثل بني إسماعيل عليه السّلام، وقد كان شاعر في الجاهلية يعرف بأبي الهَمَيْسَع هو من شعراء مَدْيَن وهو القائل:شعر : إن تَمْنَعِي صَوْبَكِ صوب المدمع يجْري على الخدّ كضئب الثَّغْثَع من طَمْحَةٍ صبيرُها جَحْلَنْجَعِ تفسير : ويقال: إنّ الخطّ العربي أوّل ما ظهر في مدْين. وشعيب عليه السّلام هو رسولٌ لأهل مدين، وهو من أنفسهم، اسمُه في العربيّه شُعيب عليه السّلام واسمه في التّوراة: (يَثْرُون) ويسمّى أيضاً (رَعْوَئِيلَ) وهو ابن (نويلى أو نويب) بن (رَعْويل) بن (عيفا) بن(مدين). وكان موسى عليه السّلام لمّا خرج من مصر نزل بلاد مديَن وزوّجَه شعيبٌ ابنتَه المسمّاة (صَفورَه) وأقام موسى عليه السّلام عنده عشر سنين أجيراً. وقد خبط في نسب مدين ونسب شُعيب عليه السّلام جمع عظيم من المفسّرين والمؤرّخين، فما وجدتَ ممّا يخالف هذا فانبذه. وعَدّ الصفدي شعيباً في العِميان، ولم أقف على ذلك في الكتب المعتمدة. وقد ابتدأ الدّعوة بالإيمان لأنّ به صلاح الاعتقاد والقلب، وإزالة الزّيف من العقل. وبيِّنة شعيب عليه السّلام التي جاءت في كلامه: يجوز أن تكون أطلقت على الآية لمعجزة أظهرها لقومه عَرفوها ولم يذكرها القرآن، كما قال ذلك المفسّرون، والأظهر عندي أن يكون المراد بالبيّنة حجّة أقامها على بطلان ما هم عليه من الشّرك وسوء الفعل، وعجزوا عن مجادلته فيها، فقامت عليهم الحجّة مثل المجادلة التي حكيت في سورة هود فتكون البيّنة أطلقت على ما يُبيّن صدق الدّعوى، لا على خصوص خارق العادة، أو أن يكون أراد بالبيّنة ما أشار إليه بقوله: {فاصبروا حتى يحكم الله بيننا} أي يكون أنذرهم بعذاب يحلّ بهم إن لم يؤمنوا، كما قال في الآية الأخرى {أية : فأسقط علينا كِسْفا من السّماء إن كنت من الصّادقين}تفسير : [الشعراء: 187] فيكون التّعبير بالماضي في قوله: {قد جاءتكم} مراداً به المستقبل القريب، تنبيهاً على تحقيق وقوعه، أو أن يكون عَرض عليهم أن يظهر لهم آية، أي معجزة ليؤمنوا، فلم يسألوها وبادروا بالتّكذيب، فيكون المعنى مثلَ ما حكاه الله تعالى عن موسى عليه السّلام: {أية : قد جئتكم ببينة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنتَ جئتَ بآية فأتِ بها}تفسير : [الأعراف: 105، 106] الآية، فيكون معنى: {قد جاءتكم} قد أعِدّت لأنّ تجيئكم إذا كنتم تؤمنون عند مجيئها. والفاء في قوله: {فأوفوا الكيل والميزان} للتّفريع على مضمون معنى {بينة} لأنّ البيّنة تدلّ على صدقه، فلمّا قام الدّليل على صدقه وكان قد أمرهم بالتّوحيد بادىء بدء، لما فيه من صلاح القلب، شرع يأمرهم بالشّرائع من الأعمال بعد الإيمان، كما دلّ عليه قوله الآتي: {إن كنتم مؤمنين} فتلك دعوة لمن آمن من قومه بأن يكملوا إيمانهم بالتزام الشّرائع الفرعيّة، وإبلاغٌ لمن لم يؤمن بما يلزمهم بعد الإيمان بالله وحده. وفي دعوة شعيب عليه السّلام قومه إلى الأعمال الفرعيّة بعد أن استقرت الدّعوة إلى التّوحيد ما يؤذن بأنّ البشر في ذلك العصر قد تطوّرت نفوسهم تطوّراً هيّأهم لقبول الشّرائع الفرعيّة، فإنّ دعوة شعيب عليه السّلام كانت أوسع من دعوة الرّسل من قبله هودٍ وصالححٍ عليهم السّلام إذ كان فيها تشريع أحكام فرعيّة وقد كان عصر شعيب عليه السّلام قد أظَلّ عَصْرَ موسى عليه السّلام الذي جاء بشريعة عظيمة ماسّةٍ نواحيَ الحياة كُلَّها. والبخس فسّروه بالنّقص، وزاد الرّاغب في «المفردات» قيداً، فقال: نقص الشّيء على سبيل الظلم، وأحسن ما رأيت في تفسيره قول أبي بكر بن العربي في «أحكام القرآن»: «البخس في لسان العرب هو النّقص بالتعييب والتّزهيد أو المخادعة عن القيمة أو الاحتيال في التزيد في الكيل والنّقصان منه» فلنبن على أساس كلامه فنقول: البخس هو إنقاص شيء من صفة أو مقدار هو حقيق بكماللٍ في نوعه. ففيه معنى الظلم والتّحيّل، وقد ذكر ابن سيدة في «المخصص» البَخس في باب الذهاب بحقّ الإنسان، ولكنّه عندما ذكره وقع فيما وقع فيه غيره من مدوّني اللّغة، فالبَخس حدث يتّصف به فاعل وليس صفة للشّيء المبْخوس في ذاته، إلاّ بمعنى الوصف بالمصدر، كما قال تعالى: {أية : وشَرَوه بثمنٍ بَخس}تفسير : [يوسف: 20] أي دون قيمة أمثاله، (أي تساهل بائعوه في ثمنه لأنّهم حصّلوه بغير عوض ولا كلفة). وأعلم أنّه قد يكون البَخس متعلّقاً بالكمّية كما يقول المشتري: هذا النِّحْي لا يزن أكثر من عشرة أرطال، وهو يعلم أنّ مثله يزن اثني عشر رطلاً، أوْ يقولُ: ليس على هذا النّخل أكثر من عشرة قناطير تمراً في حين أنّه يعلم أنّه يبلغ عشرين قنطاراً، وقد يكون متعلّقاً بالصّفة كما يقول: هذا البعير شَرود وهو من الرّواحل، ويكون طريق البَخس قولاً، كما مثَّلنا، وفعلاً كما يكون من بذل ثمننٍ رخيصصٍ في شيء من شأنه أن يباع غالياً، والمقصود من البَخس أن ينتفع البَاخس الرّاغب في السّلعة المبْخوسة بأنْ يصرف النَّاس عن الرّغبة فيها فتبقى كَلاَّ على جالبها فيضطرّ إلى بيعها بثمن زهيد، وقد يقصد منه إلقاء الشكّ في نفس جالب السّلعة بأنّ سلعته هي دون ما هو رائج بين النّاس، فيدخله اليأس من فوائد نتاجه فتكسل الهِمَم. وما وقع في «اللّسان» من معاني البَخس: أنّه الخسيس فلعلّ ذلك على ضرب من المجاز أو التّوسّع، وبهذا تعلم أنّ البَخس هو بمعنى النّقص الذي هو فعل الفاعل بالمفعول، لا النّقص الذي هو صفة الشّيء النّاقص، فهو أخص من النّقص في الاستعمال، وهو أخص منه في المعنى أيضاً. ثمّ إنّ حقّ فعله أن يتعدّى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: {أية : ولا يبْخس منه شيئاً}تفسير : [البقرة: 282] فإذا عُدّي إلى مفعولين كما في قوله هنا: {ولا تبْخسوا النّاس أشياءهم} فذلك على معنى التّحويل لتحصيل الإجمال ثمّ التّفصيل، وأصل الكلام: «ولا تبْخسوا أشياءَ النّاس» فيكون قوله: {أشياءهم} بدل اشتمال من قوله: {الناس} وعلى هذا فلو بني فعل {بخس} للمجهول لقلت بُخِس فلان شيئُه ــــ برفع فلان ورفع شيئه ــــ. وقد جعله أبو البقاء مفعولاً ثانياً، فعلى إعرابه لو بني الفعل للمجهول لبَقي (أشياءهم) منصوباً. وعلى إعرابنا لو بني الفعل للمجهول لصار أشياؤُهم مرفوعاً على البدليّة من النّاس، وبهذا تَعلم أنّ بيْن البَخس والتَّطفيف فرقاً قد خفي على كثير. وحاصل ما أمر به شعيب عليه السّلام قومَه، بعد الأمر بالتّوحيد ينحصر في ثلاثة أصول: هي حفظ حقوق المعاملة الماليّة، وحفظ نظام الأمّة ومصالحها، وحفظُ حقوق حرّية الاستهداء. فالأوّل قوله: {فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم} فإيفاء الكيل والميزان يرجع إلى حفظ حقوق المشترين، لأنّ الكائل أو الوازن هو البائع، وهو الذي يحمله حبّ الاستفضال على تطْفيف الكيل أو الوزن، ليكون باع الشّيءَ النّاقص بثمن الشّيء الوافي، كما يحسبه المشتري. وأمّا النَّهي عن بخس النّاس أشياءهم فيرجع إلى حفظ حقوق البائع لأنّ المشتري هو الذي يبْخس شيء البائع ليهيّئه لقبول الغبن في ثمن شيئه، وكلا هذين الأمرين حيلة وخداع لتحصيل ربح من المال. والكيل مصدر، ويطلق على ما يكال به، وهو المِكيال كقوله تعالى: {أية : ونزداد كيل بعير}تفسير : [يوسف: 65] وهو المراد هنا: لمقابلته بالميزان، ولقوله في الآية الأخرى: {أية : ولا تنقصوا المكيال والميزان}تفسير : [هود: 84] ومعنى. إيفاء المكيال والميزان أن تكون آلة الكيل وآلة الوزن بمقدار ما يقدّر بها من الأشياء المقدّرة. وإنَّما خَصّ هذين التحيلين بالأمر والنّهي المذكورين: لأنَّهما كانا شائعين عند مَدْيَن، ولأنّ التّحيلات في المعاملة الماليّة تنحصر فيهما إذ كان التّعامل بين أهل البوادي منحصراً في المبادلات بأعيان الأشياءِ: عرْضاً وطَلَباً. وبهذا يَظهر أنّ النّهي في قوله: {ولا تبخسوا النّاس أشياءَهم} أفاد معنى غير الذي أفاده الأمر في قوله: {فأوفوا الكيل والميزان}. وليس ذلك النّهي جارياً مجرى العلّة للأمر، أو التّأكيد لمضمونه، كما فسّر به بعض المفسّرين. وما جاء في هذا التّشريع هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمّة لأنّ المعاملات تعتمد الثّقة المتبادَلة بين الأمّة، وإنَّما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط النّاس للتّعامل فالمُنتج يزداد إنتاجاً وعَرْضاً في الأسواق، والطَّالبُ من تاجر أو مُستهلك يُقبِل على الأسواق آمِناً لا يخشى غبناً ولا خديعة ولا خِلابة، فتتوفّر السّلع في الأمّة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نَماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويَعيش النّاس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختلّ حال الأمّة بمقدار تفشي ضدّ ذلك. وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} هذا الأصل الثّاني من أصول دعوة شعيب عليه السّلام للنّهي عن كلّ ما يفضي إلى إفساد ما هو على حالة الصّلاح في الأرض. وقد تقدّم القول في نظير هذا التّركيب عند قوله تعالى: {أية : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً} تفسير : في أوائل هذه السّورة (56). والإشارة بـ {ذلكم} إلى مجموع ما تضمّنه كلامه، أي ذلك المذكورُ، ولذا أفرد اسم الإشارة. والمذكور: هو عبادة الله وحده، وإيفاءُ الكيل والميزان، وتجنب بخس أشياء النّاس، وتجنبُ الفساد في الأرض. وقد أخبر عنه بأنّه خير لَهم، أي نفع وصلاح تنتظم به أمورهم كقوله تعالى: {أية : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير}تفسير : [الحج: 36]. وإنّما كان ما ذُكر خيراً: لأنّه يوجب هناء العيش واستقرار الأمن وصفاءَ الودّ بين الأمّة وزوال الإحَن المفضية إلى الخصومات والمقاتلات، فإذا تمّ ذلك كثرت الأمّة وعزّت وهابها أعداؤُها وحسنت أحدوثتها وكثر مالها بسبب رغبة النّاس في التّجارة والزّراعة لأمْن صاحب المال من ابتزاز ماله. وفيه خير الآخرة لأنّ ذلك إنْ فعلوه امتثالاً لأمر الله تعالى بواسطة رسوله أكسبهم رضى الله، فنجَوْا من العذاب، وسكنوا دار الثّواب، فالتّنكير في قوله: {خير} للتعظيم والكمال لأنّه جامعُ خيري الدّنيا والآخرة. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} شرط مُقَيِّد لقوله: {ذلكم خير لكم} والمؤمنون لقب للمتّصفين بالإيمان بالله وحده، كما هو مصطلح الشّرائع وحملُ المؤمنين على المصدّقين لقوله، ونصحه، وأمانته: حملٌ على ما يأبَاه السّياق، بل المعنى، أنّه يكون خيراً إن كنتم مؤمنين بالله وحدَه، فهو رجوع إلى الدّعوة للتّوحيد بمنزلة ردّ العجز على الصّدر في كلامه، ومعناه أنّ حصول الخير من الأشياء المشارِ إليها لا يكون إلاّ مع الإيمان، لأنّهم إذا فعلوها وهم مشركون لم يحصل منها الخير لأنّ مفاسد الشّرك تُفسد ما في الأفعال من الخَير، أمّا في الآخرة فظاهر، وأمَّا في الدّنيا فإنّ الشّرك يدعو إلى أضداد تلك الفضائل كما قال الله تعالى: {أية : وما زَادوهم غَيْر تَتَبيب}تفسير : [هود: 101] أو يدعو إلى مفاسد لا يَظهر معها نفع تلك المصالح. والحاصل أنّ المراد بالتّقييد نفي الخير الكامل عن تلك الأعمال الصّالحة إن لم يكن فاعلوها مؤمنين بالله حقّ الإيمان، وهذا كقوله تعالى: {أية : فَكّ رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مَقْرَبة أو مسكيناً ذا مَتْرَبة ثمّ كَان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 13 ـــ 17] وتأويل الآية بغير هذا عدول بها عَن مهيع الوضوح. وقوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراط توعدون} هذا الأصل الثّالث من دعوته وهو النّهي عن التّعرّض للنّاس دون الإيمان، فإنّه بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وما يتطلّبه من الأعمال الصّالحة، وفي ذلك صلاح أنفسهم، أي أصلحوا أنفسكم ولا تمنعوا من يَرغب في إصلاح نفسه ذلك أنّهم كانوا يصدّون وفودَ النّاس عن الدّخول إلى المدينة التي كان بها شعيب عليه السّلام لئلا يؤمنوا به. فالمراد بالصّراط الطريق الموصلة إلى لقاء شعيب عليه السّلام. والقعود مستعمل كناية عن لازمه وهو الملازمة والاستقرار، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : لأقْعُدَنّ لهم صراطك المستقيم}تفسير : في هذه السّورة (16). و(كُلّ) للعموم وهو عموم عُرفي، أي كلّ صراط مبلغ إلى القرية أو إلى منزل شعيب عليه السّلام، ويجوز أن تكون كلمة (كلّ) مستعملة في الكثرة كما تقدّم. والباء للإلصاق، أو هي بمعنى (في) كشأنها إذا دخلت على أسماء المنازل. كقول امرىء القيس:شعر : بـسِـقْــــط الـلِّــــوَى تفسير : البيت. وجملة: {توعدون} حال من ضمير {تقعدوا} والإيعاد: الوعد بالشرّ. والمقصود من الإيعاد الصدّ، فيكون عطف جملة {وتصدون} عطفَ علّة على معلول، أو أريد توعدون المصمّمين على اتِّباع الإيمان، وتصدّون الذين لم يصمّموا فهو عطف عام على خاص. و{من آمن} يتنازعه كلٌ من {توعدون} وتصدّون. والتّعبير بالماضي في قوله: {مَن آمن به} عوضاً عن المضارع، حيث المراد بمن آمن قاصدُ الإيمان، فالتعبير عنه بالماضي لتحقيق عزم القاصد على الإيمان فهو لولا أنّهم يصدّونه لكان قد آمن. و{سبيل الله} الدّين لأنّه مِثل الطريق الموصل إلى الله، أي إلى القرب من مرضاته. ومعنى {تبغونها عوجا} تبغون لسبيل الله عوجاً إذ كانوا يزعمون أن ما يدعو إليه شعيب باطل، يقال: بغاه بمعنى طلب له، فأصله بغى له فحذفوا حرف الجر لكثرة الاستعمال أو لتضمين بغى معنى أعطى. والعِوَج ــــ بكسر العين ــــ عدم الاستقامة في المعاني، وبفتح العين: عدم استقامة الذات، والمعنى: تحاولون أن تصفوا دعوة شعيب المستقيمة بأنها باطل وضلال، كمن يحاول اعوجاج عود مستقيم. وتقدم نظير هذا في هذه السورة في ذكر نداء أصحاب الجنة أصحاب النار. وإنما أَخَّر النهي عن الصد عن سبيل الله، بعد جملة {ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} ولم يجعله في نسق الأوامر والنواهي الماضية ثم يعقبه بقوله: {ذلكم خير لكم} لأنه رتّب الكلام على الابتداء بالدعوة إلى التوحيد، ثم إلى الأعمال الصالحة لمناسبة أن الجميع فيه صلاح المخاطبين، فاعقبها ببيان أنها خير لهم إن كانوا مؤمنين فاعاد تنبيههم إلى الإيمان وإلى أنه شرط في صلاح الأعمال، وبمناسبة ذكر الإيمان عاد إلى النهي عن صد الراغبين فيه، فهذا مثل الترتيب في قول امرىء القيس:شعر : كأنّيَ لم اركَبْ جواداً للذّةٍ ولم أتبطّنْ كاعباً ذات خلْخالٍ ولم أسْبَأ الراحَ الكُميتَ ولم أقل لخَيْلِي كُري كَرّةً بعد إجفال تفسير : روى الواحدي في «شرح ديوان المتنبي» أن المتنبي لما أنشد سيف الدولة قوله فيه:شعر : وقَفْتَ وما في الموْت شكّ لوَاقِفٍ كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم تَمُر بك الأبطال كَلْمَي حزينة ووجهك وضَّاح وثَغْرُك باسم تفسير : أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عَجُزي البيتين على صدريهما، وقال له كان ينبغي أن تجعل العجز الثاني عَجُزاً اللأول والعكس وأنت في هذا مِثْل امرىء القيس في قوله:شعر : كأنّـي لـم أركـب جـواداً للـذة تفسير : البيتين، ووجه الكلام على ما قاله العلماء بالشّعر: أن يكون عجز البيت الأوّل للثّاني وعجز البيت الثّاني للأوّل؛ ليكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكَر، ويكون سباء الخمر مع تبطّن الكاعب، فقال أبو الطّيّب: «إن صحّ أن الذي استدرك على امرىء القيس هذا أعلَمُ منه بالشّعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأتُ أنا، ومولانا الأميرُ يعلم أنّ الثّوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك، لأنّ البزّاز لا يعرف إلاّ جملته، والحائكَ يعرف جملتَه وتفصيله، لأنّه أخرجه من الغَزْليَّة إلى الثَّوْبيَّة، وإنَّما قَرن امرؤ القيس لذة النّساء بلذّة الرّكوب للصّيد وقرن السّماحة في شراء الخمر للأضياف بالشّجاعة في منازلة الأعداء، وأنا لمّا ذكرت الموت في أوّل البيت أتبعتُه بذكر الردَى لتجانسه، ولمّا كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً وعينُه من أن تكون باكية قلتُ: «ووجهك وضّاح وثَغرك باسم» لأجمع بين الأضداد في المعنى. وهو يعني بهذا أن وجوه المناسبة في نظم الكلام تختلف وتتعدّد، وإنّ بعضاً يكون أرجح من بعض. وذَكَّرَهُم شُعيبٌ عليه السّلام عقب ذلك بتكثير الله إياهم بعد أن كانوا قليلاً، وهي نعمة عليهم، إذ صاروا أمّة بعد أن كانوا معشراً. ومعنى تكثير الله إياهم تيسيره أسباب الكثرة لهم بأن قوّى فيهم قوّة التّناسل، وحفظهم من أسباب المَوتَان، ويَسَّر لنسلهم اليفاعة حتّى كثُرت مواليدهم وقلّت وفياتُهم، فصاروا عدداً كثيراً في زمن لا يعهد في مثله مصير أمّة إلى عددهم، فيُعد منعهم النّاس من الدّخول في دين الله سعياً في تقليل حزب الله، وذلك كفران لنعمة الله عليهم بأنّ كثَّرهم، وليقابلوا اعتبار هذه النّعمة باعتبار نقمته تعالى من الذين غضب عليهم، إذْ استأصلهم بعد أن كانوا كثيراً فذلك من تمايز الأشياء بأضدادها. فلذلك أعقبه بقوله: {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}. وفي هذا الكلام جمع بين طريقي التّرغيب والتّرهيب. وقليل وصْف يلزم الإفرادَ والتّذكير، مثل كثير، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى:{أية : وكأيِّن من نبي قاتل معه ربّيون كثير}تفسير : في سورة آل عمران (146). والمراد بـ{المفسدين} الذين أفسدوا أنفسهم بعقيدة الشّرك وبأعمال الضّلال، وأفسدوا المجتمع بخالفة الشّرائع، وأفسدوا النّاس بإمدادهم بالضّلال وصدّهم عن الهدى، ولذلك لم يؤت: لـ {المفسدين} بمتعلِّق لأنّه اعتبر صفة، وقطع عن مشابهة الفعل، أي الذين عرفوا بالإفساد. وهذا الخطاب مقصود منه الكافرون من قومه ابتداء، وفيه تذكير للمؤمنين منهم بنعمة الله، فإنّها تشملهم وبالاعتبار بمن مضَوا فإنّه ينفعهم، وفي هذا الكلام تعريض بالوعد للمسلمين وبالتّسلية لهم على ما يلاقونه من مفسدي أهل الشّرك لانطباق حال الفريقين على حال الفريقين من قوم شُعيب عليه السّلام. و(إذ) في قوله: {إذْ كنتم قليلاً} اسم زمان، غيرُ ظرف فهو في محل المفعول به أي اذكروا زمانَ كنتم قليلاً فأعقبه بأن كثّركم في مدّة قريبة. و{الطائفة} الجماعة ذاتُ العدد الكثير وتقدّمت عند قوله تعالى: {أية : فلتقُم طائفة منهم معك} تفسير : في سورة النّساء (102). والشّرط في قوله: {وإن كان طائفة} أفاد تعليق حصول مضمون الجزاء في المستقبل، أعني ما تضمّنه الوعيد للكافرين به والوعدُ للمؤمنين، على تحقّق حصول مضمون فعل الشّرط، لا على ترقّب حصول مضمونه، لأنّه معلوم الحصول، فالماضي الواقع فعلاً للشّرط هنا ماض حقيقي وليس مؤولاً بالمستقبل، كما هو الغالب في وقوع الماضي في سياق الشّرط بقرينة كونه معلوم الحصول، وبقرينة النّفي بلم المعطوف على الشّرط فإنّ (لَمْ) صَريحة في المضيّ، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : إنْ كنتُ قلتُه فقد علمتَهُ}تفسير : [المائدة: 116] بقرينة. (قد) إذ الماضي المدخول لقد لا يقلب إلى معنى المستقبل. فالمعنى: إن تبيَّن أن طائفة آمنوا وطائفة كفروا فسيحكم الله بيننا فاصبروا حتّى يحكم ويَؤول المعنى: إن اختلفتم في تصديقي فسيظهر الحكم بأنّي صادق. وليست (إنْ) بمفيدة الشكّ في وقوع الشّرط كما هو الشان، بل اجْتلبت هنا لأنّها أصل أدوات الشّرط، وإنَّما يفيد معنى الشكّ أو ما يَقرب منه إذا وقع العدول عن اجتلاب (إذَا) حين يصحّ اجتلابها، فأمّا إذا لم يصحّ اجتلاب (إذا) فلا تدلّ (إنْ) على شكّ وكيفَ تفيد الشكّ مع تحقّق المضي، ونظيره قول النّابغة:شعر : لَئِنْ كنتَ قد بُلِّغْتَ عنّي وشَايَةً لَمُبْلغكَ الواشي أغَشّ وأكذب تفسير : والصّبر: حبس النّفس في حال التّرقب، سواء كان ترقب محبوب أم ترقب مكروه، وأشهر استعماله أن يطلق على حبس النّفس في حال فِقدان الأمر المحبوب، وقد جاء في هذه الآية مستعملاً في القدْر المشترك لأنّه خوطب به الفريقان: المؤمنون والكافرون، وصبر كلّ بما يناسبه، ولعلّه رجح فيه حال المؤمنين، ففيه إيذان بأنّ الحكم المترقّب هو في منفعة المؤمنين، وقد قال بعض المفسّرين: إنّه خطاب للمؤمنين خاصة. و{حتّى} تفيد غاية للصّبر، وهي مؤذنة بأن التّقدير: وإن كان طائفة منكم آمنوا وطائفة لم يؤمنوا فسيحكم الله بيْننا فاصبروا حتّى يحكم. وحكم الله أريد به حكم في الدّنيا بإظهار أثر غضبه على أحد الفريقين ورضاه على الذين خالفوهم، فيظهر المحقّ من المبطل، وهذا صدر عن ثقة شّعيب عليه السّلام بأنّ الله سيحكم بينه وبين قومه استناداً لوعد الله إياه بالنَّصْر على قومه، أو لعلمه بسنّة الله في رسله ومَن كذّبهم بإخبار الله تعالى إياه بذلك، ولولا ذلك لجاز أن يتأخر الحكم بين الفريقين إلى يوم الحساب، وليس هو المراد من كلامه لأنّه لا يناسب قوله: {فاصبروا} إذا كان خطاباً للفريقين، فإن كان خطابا للمؤمنين خاصة صحّ إرادة الحُكمين جميعاً. وأدْخَل نفسه في المحكوم بينهم بضمير المشاركة لأنّ الحكم المتعلّق بالفريق الذين آمنوا به يعتبر شاملاً له لأنّه مؤمن برسالة نفسه. وجملة: {وهو خير الحاكمين} تذييل بالثّناء على الله بأنّ حكمه عَدْل محض لا يحتمل الظلم عَمداً ولا خطأ، وغيره من الحاكمين يقع منه أحد الأمرين أو كلاهما. و{خير}: اسم تفضيل أصله أخْيَر فخفّفوه لكثرة الاستعمال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإلى مدين آخاهم شعيباً: مدين أبو القبيلة وهو مدين بن إبراهيم الخليل وشعيب من أبناء القبيلة فهو أخوهم في النسب حقيقة إذ هو شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين. ولا تبخسوا الناس أشياءهم: أي لا تنقصوا الناس قيم سلعهم وبضائعهم، إذ كانوا يفعلون ذلك. صراط توعدون: طريق وتوعدون تخيفون المارة وتأخذون عليهم المكوس أو تسلبونهم أمتعتهم. وتبغونها عوجاً: أي تريدون سبيل الله - وهي شريعته - معوجةً حتى توافق ميولكم. المفسدين: هم الذين يعملون بالمعاصي في البلاد. يحكم بيننا: يفصل بيننا فينجي المؤمنين ويهلك الكافرين. معنى الآيات: هذا هو القصص الخامس في سورة الأعراف وهو قصص نبي الله شعيب مع قومه أهل مدين، فقوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيباً. فماذا قال لهم لما أرسل إليهم؟ {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي قولوا لا إله إلا الله، ولازم ذلك أن يصدقوا برسول الله شعيب حتى يمكنهم أن يعبدوا الله بما يحب أن يعبد به وبما من شأنه أن يكملهم ويسعدهم في الدارين وقوله {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي آية واضحة تشهد لي بالرسالة وبما أن آمركم به وأنهاكم عنه هو من عند الله تعالى إذاً {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} أي بالقسط الذي هو العدل، {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} بل أعطوهم ما تستحقه بضائعهم من الثمن بحسب جودتها ورداءتها {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} أي في البلاد بعد إصلاحها، وذلك بترك الشرك والذنوب ومن ذلك ترك التلصص وقطع الطرق، وترك التطفيف في الكيل والوزن وعدم بخس سلع الناس وبضائعهم ذلكم الذي دعوتكم إليه من الطاعة وترك المعصية خير لكم حالاً ومآلاً إن كنتم مؤمنين وقوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} ينهاهم عليه السلام عن أبشع الإِجرام وهو أنهم يجلسون في مداخل البلاد، وعلى أفواه السكك، ويتوعدون المارة بالعذاب إن هم اتصلوا بالنبي شعيب وجلسوا إليه صرفاً للناس عن الإِيمان والاستقامة، كما أنهم يقطعون الطرق ويسلبون الناس ثيابهم وأمتعتهم أو يدفعون إليهم ضريبة خاصة. وقوله {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} يذكرهم عليه السلام بنعمة الله تعالى عليهم وهي أنهم أصبحوا شعباً كبيراً بعدما كانوا شعباً صغيراً لا قيمة له ولا وزن بين الشعوب وقوله: {وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} يعظهم ببيان مصير الظلمة المفسدين من الأمم المجاورة والشعوب حيث حلت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه فهلكوا يعظهم لعلهم يذكرون فيتركوا الشرك والمعاصي، ويعملوا بالتوحيد والطاعة. وأخيراً يخوفهم بالله تعالى ويهددهم بأن حكماً عدلاً هو الله سيحكم بينهم وعندها يعلمون من هو المحق ومن هو المبطل فقال: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ} أي جماعة {آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ} من التوحيد والطاعة وترك الشرك والمعاصي، {وَطَآئِفَةٌ} أخرى {لَّمْ يْؤْمِنُواْ} وبهذا كنا متخاصمين نحتاج إلى من يحكم بيننا إذاً {فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- دعو الرسل واحدة في باب العقيدة إذ كلها تقوم على أساس التوحيد والطاعة. 2- حرمة التطفيف في الكيل والميزان، وبخس الناس أشياءهم، ويدخل في ذلك الصناعات وحرف المهن وما إلى ذلك. 3- حرمة الفساد في الأرض بالمعاصي لا سيما البلاد التي طهرها الله بالإسلام وأصلحها بشرائعه. 4- حرمة التلصص وقطع الطرق وتخويف المارة. 5- حرمة الصد عن سبيل الله بمنع الناس من التدين والإلتزام بالشريعة ظاهراً وباطناً.
القطان
تفسير : لا تبخسوا الناس: لا تنقصوهم حقوقهم. ولا تفسدوا: الافساد شامل لجميع الجرائم، والاصلاح: ضده بكل صراط: بكل طريق. توعِدون: تخوفون وتهددون. تصدون: تمنعون. شُعيب نبيُّ من أنبياء العرب، واسمه في التوراة رعوئيل، ومعناه: صديقُ الله وقد ذُكر شعيب في القرآن الكريم عشر مرات: في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة العنكبوت. أما قومُه فهم شعب مَدْيَن بنِ إبراهيم عليه السلام، وكانت منازلهم في شمال الحجاز على الساحل. وكان اهل مَدْيَن في عيشٍ رغيد لأنهم أهلُ تجارة. وكانوا يعبدون غير الله تعالى، ويفعلون الشرور، من ذلك أنهم كانوا يطفّفون المكيالَ والميزان، ويماكسون الناس في سِلعهم ليشتروها بأبخس الأسعار وكان شعيب ينهاهم عن كل ذلك ويحذّرهم بأسَ الله تعالى، فأنكروا عليه ما جاء به ولم يستمعوا اليه. ويسمّيه المفسرون خطيبَ الأنبياء، لحُسن مراجعته لِقومه، وبراعته في اقامة الحجة عليهم. ومع ذلك فقد مضَوا في غَيّهم، وتمادَوا في صدّ الناس عنه. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}. ولقد أَرسلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم شعيباً قال: يا قوم، اعبُدوا الله وحده، قد جاءتكم الحججُ المبينةُ للحقِّ من ربكم مثْبِتَةً رسالتي إليكم. (ولم تذكر الآية ما هي معجزته ولم يأتِ لها ذِكر في بقية السُوَر التي ذُكرت فيها قصةُ شعيب) غير أنه كانت هناك بينّة جاءهم بها، ودعاهم الى توحيد الله كما أمَرَهم بالإصلاح بينهم بالمعاملة العادلة. {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ..}. لقد أمرهم بإيفاء الكيلِ والميزان إذا باعوا، ونهاهم عن ان يُنقِصوا حقوق الناس اذا اشتروا منهم. وطلب إليهم ألا يفسِدوا في الأرض الصالحة، كإفساد الزرع وقطْع الأرحام والمودّة. {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ..}. لا تعترضوا كل طريقٍ من طرق الحق والهداية، تهدّدون سالكه، وتمنعون طالبي الخير من الوصول. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} تريدون سلوك الطريق المعوَجّ. تذكَّروا اذ كنتم قليلا فكثّركم الله بما بارك في نَسِلكم، واشكُروا له ذلك بعبادته وحدَه، واعتبِروا بعاقبة المفسِدين قبلكم، وإلا أصابكم مثلُ ما أصابهم. {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مَّنكُمْ آمَنُواْ....}. واذا كانت طائفة منكم قد آمنت بالحق الذي ارسلتُ به فيما لم تؤمن طائفة ثانية فانتظروا حتى يحكُم الله بين الفريقين. إنه خير من يفصل، وأَعدلُ من يقضي وهو خير الحاكمين. انتهى الجزء الثامن، نسأل الله تعالى ان يوفقنا إلى ما فيه رضاه، وإلى أن يُتِمّ هذا التفسير على أحسن حال، الهَّم اجعلنا ممن يستمعونَ القولَ فيتبعون أحسنَه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَاقَوْمِ} {إِصْلاَحِهَا} (85) - مَدْيَنُ كَلِمَةٌ تُطْلَقُ عََلَى القَوْمِ وَعَلَى القَرْيَةِ، وَمَدْيَنُ قَرْيَةٌ تَقَعُ فِي جَنُوبِيِّ الأُرْدُنِّ قُرْبَ العَقَبَةِ، وَهُمْ أَيْضاً أَصْحَابُ الأَيْكَةِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ، وَيَرْتَكِبُونَ المَعَاصِيَ، وَأَظْهَرُهَا بَخْسُ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَالتَّعَرُّضُ لِعَابِرِي السَّبِيلِ، لِسَلْبِهِمْ وَالاعْتِدَاءِ عَلَيهِمْ. وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِمْ شُعَيباً عَلَيْهِ السَّلاًمُ، لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَتَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَالإِقْلاعِ عَنْ تَطْفِيفِ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلسَّابِلَةِ بِالإِخَافَةِ وَالسَّلْبِ .. فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: يَا قَوْم اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلهٌ غَيْرُهُ، وَقَدْ أَقَامَ لَكُمُ الحُجَجَ وَالبَرَاهِينَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ، ثُمَّ نَصَحَهُمْ بِمُعَامَلَةِ النَّاسِ بِالعَدْلِ، وَبِإِيفَاءِ النَّاسِ، حُقُوقَهُمْ فِي الكَيْلِ وَالمِيزَانِ، وَبِأَلاَّ يَخُونُوا النَّاسَ، وَلاَ يُخْسِرُوا المِيزَانَ، وَلاَ يَبْخَسُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ (أَشْيَاءَهُمْ)، وَأَنْ يَتْرُكُوا إِخَافَةَ السَّابِلَةِ. وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ اتِّبَاعَ أَمْرِ اللهِ فِيهِ الخَيْرُ لَهُمْ، إِنْ كَانُوا مُؤْمِنينَ بِوحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَبِمَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُهُ. البَخْسُ - إِنْقَاصُ الحَقِّ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ} يعني وأرسلنا إلى بني مدين بن إبراهيم خليل الله وهم أصحاب الأيكة. وقال قتادة: أرسل مرّتين إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} قال قتادة: هو شعيب بن [نويب] وقال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم، وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكيل بن إسحاق بن مدين بن إبراهيم واسمه بالسريانية يثروب وأُمّه ميكيل بنت لوط وكان شعيب أعمى. ويقال: إنّه خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكان قومه أهل كفر يكفرون بالله وبخس المكيال والميزان فقال لهم {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [يعني يجي] شعيب {فَأَوْفُواْ} فأتمّوا {ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوها [إياهم] {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} كانت الأرض قبل أن يُبعث إليها شعيباً رسولا يُعمل فيها بالمعاصي ويُستحلّ فيها المحارم ويُسفك فيها الدماء بغير حقّها فذلك فسادها، فلمّا بُعث إليها شعيباً ودعاهم إلى الله صلحت الأرض وكلّ نبيّ بُعث إلى قومه فهو يدعوهم لإصلاحهم الذي ذكرت لكم وأمرتكم به. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} مصدّقين بما أقول {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} [يعني] في هذا الطريق كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14]. {تُوعِدُونَ} تُهددون {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} دين الله {مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} زيغاً وذلك أنّهم كانوا يجلسون على الطرق فيُخبرون مَنْ قصد شعيباً ليُؤمن به إنّ شعيباً كذّاب. فلا يفتنّنك عن [ذلك] وكانوا يتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوّفونهم. قال السدي وأبو روق: كانوا [جبّارين]. قال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يقطعون الطريق. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أُسري بي خشبة على الطريق لا يمرّ بها ثوب إلاّ شقّته ولا شيء إلاّ خرقته فقلت ما هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا مثل أقوام من أُمّتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثمّ تلا: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} . تفسير : {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [فكثّر بينكم] {وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} يعني آخر قوم لوط {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ} إلى قوله تعالى {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} يعني الروءساء الذين تعالوا عن الإيمان به {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه وتدعون دينكم. قال شعيب: {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} لذلك يعني ولو كنّا كارهين لذلك تجبروننا عليه فأُدخلت الف الاستفهام على ولو {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} نرجع إليها بعد إذ أنقذنا الله منها {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} تقول إلاّ أن يكون سبق لنا في علم الله ومشيئته أن نعود فيها فيمضي حينئذ قضاء الله فينا [وينفذ] حكمه وعلمه علينا {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أحاط علمه بكل شيء فلا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} فيما تتوعدوننا به. واختلف العلماء في معنى قوله {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وقوله {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} فقال بعضهم: معناه أو لتدخلن فيها ولن تدخل [إلاّ] إن يشاء الله ربّنا فيضلنا بعد إذ هدانا. وسمعت أبا القاسم الحسين بن محمد الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري بها يقول: إنّ عدنا في ملّتكم أي صرنا، لا أن نعود، يكون ابتداء ورجوعاً. قال أُميّة بن أبي الصلت: شعر : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيباً بماء فعادا بعد أبوالا تفسير : أي صار الآن اللبن، كأن لم تكن قط بولا. وسمعت [الحسين بن الحبيبي] قال: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه: إذ نجّانا الله منها في سابق علمه وعند اللوح والقلم. وقال بعضهم: كان شعيب ومَنْ آمن معه في بدء أمرهم مستخفين ثمّ أظهروا أمرهم وإنما قال لهم قومهم {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} حسبوا أنّهم على ملّتهم [قيل: من هو معه] على أصحاب شعيب دون شعيب لأنّهم كانوا كفّاراً ثمّ آمنوا بالخطاب لهم وجواب شعيب عنهم لا عن نفسه، لأن شعيباً لم يكن كافراً قط وإنّما ناوله الخطاب في أصناف مَنْ فارق دينهم إليه. ورأيت في بعض التفاسير أن الملّة هاهنا الشريعة وكان عليه قبل نبوّته فلمّا [نُبّئ] فارقهم. ثمّ دعا شعيب على قومه إذ لمس ما فيهم فقال {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} أي اقض. وقال [المؤرخ]: افصل. وقال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك. أي أقاضيك. وقال الفراء: أهل عمان يسمّون القاضي الفاتح والفتّاح. وذكر غيره أنّه لغة مهاد. فأنشد لبعضهم: شعر : ألا أبلغ بني عصُم رسولا بأنّي عن فتاحتكم غنيّ تفسير : أي حكمكم. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} يعني الحاكمين {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً} وتركتم دينكم {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} قال ابن عباس: مغبونون. قال عطاء: جاهلون. قال الضحاك: فجرة. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} قال الكلبي: الزلزلة. قال ابن عباس: وغيره من المفسّرين: فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم فأرسل عليهم ريحاً وحرّاً شديداً، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر فبعث الله عزّ وجلّ سحابة فيها ريح طيّبة فوجدوا برد الريح بطيبها وظل السحابة فتنادوا عليكم بها فخرجوا إلى البريّة فلمّا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجرّاد المعلّى وصاروا رماداً وهو عذاب يوم الظلّة، وذلك قوله: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} ميّتين قال أبو العالية: ديارهم منازلهم، وقال محمد بن مروان: كل شيء في القرآن (دارهم) فهو [مرغمهم] وكلّ شيء (درياهم) فهو عساكرهم. قال ابن إسحاق: بلغني أن رجلاً من أهل مدين يُقال له عمر بن [جلهاء] لمّا رأى الظلّة فيها الغضب. قال: يا قوم إن شُعيباً مُرسلٌ فذروا عنكم سُميراً أو عمران بن شداد إني أرى غيمة ياقوم طلعت دعو بصوت على صمانة الوادي، فإنّكم إن تروا فيها ضحاة غد إلاّ الرقيم يمشي بين أنجاد وسُميراً وعمران: كاهناهم راعيين، والرقيم كلباً لهما. قال أبو عبد الله البجلي: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت: أسماء ملوك وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب. فقالت أخت كلمون تبكيه: شعر : كلمون هدَّ ركني هلكه وسط المحله سيّد القوم أتاه الحتف ناراً وسط ظلة. جعلت نار عليهم دارهم كالمضمحلة. تفسير : {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} أي لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا ولم ينعموا، وأصله من قولهم غنيّة بالمكان إذا أقمت به والمغاني المنازل وأحدها مغنى قال لبيد: شعر : وغنيت ستاً قبل مجرى داهس لو كان للنفس اللجوج خلود تفسير : وقال حاتم: شعر : غنينا زماناً للتصعلك والغنى فكلا سقانا بكأسيهما الدهر تفسير : {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} لا المؤمنون كما زعموا {فَتَوَلَّىٰ} أعرض {عَنْهُمْ} شعيب [بن شامخ] من أظهرهم حين أتاهم العذاب {وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ } [أحزن] {عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ} حين يُعذّبون، يقال: آسيتم آسي أسىً. قال الشاعر: شعر : آسيت على زيد ولم أدر ما فعل تفسير : والأسى الحزن [والأسى] الصبر.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"مدين" هو ابن من أبناء سيدنا إبراهيم جاء واستقر في هذا المكان، فهو علم على شخصه، وعلم على المكان الذي أقام فيه وسمي المكان باسمه، فلما تكاثر أبناؤه وصاروا قبيلة أخذت القبيلة اسمه. إذن فـ"مدين" اسم عَلَمٌ على ابن إبراهيم، وأطلق على المكان الذي استقر فيه من طور سيناء إلى الفرات، وأطلق على القبيلة: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}. الحق سبحانه وتعالى هنا يكرر "أخ" ليبين لك؛ أنه إن قسا عليهم مرة فسيحنو عليهم مرة أخرى؛ لأنهم إخوة له ومأنوس بهم، وفيهم عاش ويعرفون عنه كل شيء، وكان مدين قد تزوج من رقبة ابنة سيدنا لوط، وحين تكاثر الاثنان صاروا قبيلة، ويبلغهم سيدنا شعيب بالقضية العقدية التي يبلغها كل رسول: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}. والعبادة هي الطاعة للأمر والطاعة للنهي، وأنت لا تطيع أمر آمر ولا نهي ناه إلا إذا كان أعلى منك، لأنه إن كان مساويا لك، فبعد أن يقول لك: "افعل كذا" ستسأله أنت: لماذا؟، وبعد أن ينهاك عن شيء ستسأله أيضاً: لماذا؟. لكن الأب حينما يقول لطفله: أنت لا تفعل الشيء الفلاني، فالابن لا يناقش؛ لأنه يعرف أن أباه هو من يطعمه ويشربه ويكسوه، وحين يكبر الطفل فهو يناقش؛ لأن ذاتيته تتكون، ويريد أن يعرف الأمر الذي سيقدم عليه. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ...} [الأعراف: 85] ومادام قد قال لهم: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} فهو رسول قادم ومرسل من الله، ولا بد أن تكون معجزة يثبتها، إلا أن شعيباً لم يأت لنا بالمعجزة، إنما جاء بالبينة. {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ...} [الأعراف: 85] لأن كل المعاصي والكفر تدفع إلى الإخلال في الكيل والميزان، وإذا كان شعيب قد قال ذلك لقومه فلابد أن الإخلال في الكيل والميزان كان هو الأمر الشائع فيهم. فيأتي ليعالج الأمر الشائع. وهم كانوا يبخسون الكيل والميزان. ويظن الناس في ظاهر الأمر أنها عملية سهلة، وأن القبح فيها قليل، والاختلاس فيها هين يسير، فحين يبخس في الميزان ولو بجزء قليل، إنما يأخذ لنفسه في آخر الأمر جزءاً كبيراً. وأنت ساعة تكيل وتزن وتطفف فأنت تفعل ذلك في من يشتري. وستذهب أنت بعد ذلك لتشتري من أناس كثيرين سيفعلون مثلما فعلت، فإذا ما وفيت الكيل والميزان، فأنت تفعل ما هو في مصلحتك، لأنك تنشر العدل السلوكي بين الناس بادئاً بنفسك، ومصالحك كلها مع الآخرين. إنك حين تبيع أي سلعة ولو كانت بلحاً وتنقص في الميزان، وستحقق لنفسك ربحاً ليس فيه حق، وإن كنت تكيل قمحاً لتبيعه وأنقصت الكيل، فأنت تأخذ ما ليس لك، والقمح والبلح هما بعض من مقومات حياتك؛ لأنك تحتاج إلى سلع كثيرة عند من يزن، وعند من يكيل، فإن أنقصت الميزان أو الكيل فلسوف يفعلون مثلما فعلت فيما يملكون لك، وبذلك تخسر أنت ويصبح الخسران عاماً. {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ...} [الأعراف: 85] وإذا كانت الخسارة في الكيل والميزان طفيفة ومحتملة، فمن باب أولى ألا نبخس الناس أشياءهم فلا نظلمهم بأخذ أموالهم والاستيلاء على حقوقهم، فلا نسرف لأن السارق يأخذ ما تصل إليه يده، ولا نغتصب، ولا نختلس، ولا نرتشي، لأنه إذا كان وفاء الكيل هو أول مطلوب الله منكم مع أن الخسارة فيه طفيفة، إذن فبخس الناس أشياءهم يكون من باب أولى. ويتابع سبحانه: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا...} [الأعراف: 85] وبذلك نكون أمام أكثر من أمر جاء بها نبي الله شعيب: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} وهذه العبادة لتربي فيهم مهابة وتزيدهم حباً واحترامً للآمر الأعلى، وكذلك ليخافوا من جبروته سبحانه. وبعد ذلك ضرورة يكون الأمر بالوفاء بالكيل والميزان، والزجر عن أن يبخسوا الناس أشياءهم، ثم النهي والتحذير من الإِفساد في الأرض {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}، والإِصلاح الذي يطلبه الله منا أن نستديمه أو نرقيه إنما يتأتى بإيجاد مقومات الحياة على وجه جميل. مثال ذلك الهواء وهو العنصر الأول في الحياة المسخرة لك؛ يصرّفه سبحانه حتى لا يفسد. والنعيم الثاني في الحياة وهو الشراب؛ إنه سبحانه ينزل لك الماء من السماء، ثم القوت الذي يخرجه لك من الأرض. والمواشي التي تأخذ منها اللبن، والأوبار، والأصواف، والجلود، كل ذلك سخره الله لك، وهذا إصلاح في الأرض، لكن هل هذه كل المقومات الأساسية؟ لا؛ لأنه إن وجدت كل هذه المقومات الأساسية ثم وجد الغصب، والسرقة، والرشوة، والاختلاس، فسيفسد كل شيء، ولا يعدل كل ذلك ويقيمه ويجعله سويا إلا الدين؛ لأنه كمنهج يمنع الإِفساد في الأرض. {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا...} [الأعراف: 85] إذن فهذه الأشياء التي هي إيفاء الكيل والميزان يأتي الأمر بها، ثم يتبعها بما ينهى عنه وهو ألا نبخس الناس أشياءهم وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها، كل ذلك يجمع المنهج. أوامر ونواهي، وقد يبدو في ظاهر الأمر أنها مسائل تقيد حرية الإنسان، فنقول: لا تنظر إلى نفسك أيها الإِنسان وأنت بمعزل عن المجتمع الواسع، فأنت لا تملك من مصالحك إلا أمراً واحداً، وهذا الأمر الذي تملكه أنت من مصالحك يكون أقل الأشياء عندك، ولكن الأمور الأخرى التي تحتاج إليها هي بيد غيرك، فإن أنت وفيت الكيل والميزان. فذلك خير لك؛ فالذي يقيس لك القماش لا يغشك، والذي يزن لك ما ليس عندك لا يغشك، والذي يكيل لك الذي ليس عندك لا يغشك، إذن فأنت واحد منهي عن أن تفعل ذلك، وجميع الناس منهيون أن يفعلوا ذلك معك، وبذلك تكون أن الكاسب. وإذا جئت إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}، فأنت مأمور ألا تبخس الناس أشياءهم، وكل الناس مأمورون ألا يبخسوك شيئاً، وإذا أفسدت في الأرض بعد إصلاحها فالناس مأمورون أيضاً ألا يفسدوا هذه الأرض وبذلك تكون احظ منهم في كل شيء. ولذلك يجب على كل مكلف حين يستقبل تكليفاً قد يكون شاقاً على نفسه أن يتأمل هذا التكليف وأن يقول لنفسه: إياك أن تنظر إلى مشقة التكليف على نفسك، ولكن انظر إلى ما يؤديه لنفسه: إياك أن تنظر إلى التكليف لك: لاتنظر إلى محارم غيرك، فقد أمر غيرك ألا ننظر محارمك، وفي هذا عزة لك. وإذا أمرك التكليف ألا تضع يدك في جيب غيرك وتسرق، فقد أمر كل الناس ألا يضعوا أيديهم في جيوبك ليسرقوك، وبهذا نعيش في أمان. وإذا طلب التكليف منك وأنت غني أن تخرج زكاة مالك إياك أن تقول: مالي وتعبي وعرقي؛ لأن المال مال الله، وأنت كإنسان مخلوق ليس لك إلا توجيه الحركة، والحركة تكون بطاقة مخلوقة لله، والعقل الذي خطط مخلوق لله، والانفعال الذي انفعل لك في الأرض من خلق الله، ولكن الحق احترم عملك وناتجه وفرض عليك أن تخرج منه زكاة مقدرة. فإياك أن تقول: أنه يأخذ مني، لماذا؟ لأن عالم الأغيار باد وظاهر أمامك، وكم رأيت من قوي ضعف، ومن غني افتقر، فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تعطي الفقير وتقويه، فإن افتقرت فسيفعل لك ذلك، وفي ذلك تأمين حياتك؛ لأنك تعيش في مجتمع فلا تأس على نفسك إن مرت بك الأغيار لأن مجتمعك الإيماني لن يتركك، أنت أو أولادك، ويقول الحق: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9] فإن أردت أن تطمئن على أولادك الصغار بعد موتك فانظر للأيتام في مجتمعك وكن أبا لهم، وحين تصير أنت أباً لهم، وهذا أب لهم، وذلك أب لهم، سيشعر اليتيم أنه فقد أبا واحداً، لكنه يحيا في مجتمع إيماني أوجد له من كل المؤمنين آباء، فلا يحزن، وكذلك لن تخاف على أولادك إن صاروا أيتاماً بعد أن غادرتهم إلى لقاء ربك؛ لأنك رعيت اليتامى وعشت في مجتمع يرعاهم. ولكنك تحزن عندما ترى يتيماً مضيعاً في مجتمع لا يقوم على شأنه وتقول لنفسك: أنا إن مت سيضيع أبنائي هكذا. وهكذا تكون تكاليف الإيمان هي تأميناً للحياة. ومثال ذلك حين نقول للمرأة: تحجبي، ولا تبدي زينتك لغير محارمك، قد تظن المرأة في ظاهر الأمر أننا ضيقنا على حريتها، لأنها تنسى أن المنهج يؤمن لها قبح الشيخوخة، لأنها حين تتزوج صغيرة، ثم يصل عمرها فوق الأربعين ويتغير شكلها من متاعب الحمل وتربية الأبناء، ثم يرى زوجها فتاة في العشرين وغير محتشمة قد تفتنه وتصرفه عن زوجته، وينظر إلى زوجته نظر غير المكترث بها، وغير الراغب فيها. فالشرع قد أمر بالحجاب للمرأة وهي صغيرة؛ ليصون لها زوجها إن صارت كبيرة غير مرغوب فيها. فإن منعها وهي صغيرة فقد منع عنها وهي كبيرة؛ كل ذلك إذن من تأمينات المنهج للحياة. إذن فإيفاء الكيل، وعدم إبخاس الناس أشياءهم وعدم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها خير للجميع في الدنيا، بالإضافة إلى خير الآخرة، ولذلك يذيل الحق الآية الكريمة بقوله: {...ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}. [الأعراف: 85] و"ذلكم" إشارة إلى ما سبق من الأمر بعبادة الله فلا إله غيره وإلى الآمر باستيفاء الكيل والميزان، وألا نبخس الناس أشياءهم، وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها، ووضع الحق ذلك في إطار {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} على الرغم من أن الخير سيأتي أيضاً لغير المؤمن، وهكذا تكون كلمة "خير" تشمل خيراً في الدنيا، وخيراً في الآخرة للمؤمن فقط. أما الكافر فسيأخذ الخير في الدنيا فقط، ولا خير له في الآخرة، فإن كنتم مؤمنين فسيضاعف الخير لكم ليصير خيراً دائماً في الدنيا والآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} معناه لا تَنقُصُوهُم ولا تَظْلِمُوهُمْ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} أيضاً أرسلنا {إِلَىٰ} قوم {مَدْيَنَ} وهم قرية شعيب عليه السلام {أَخَاهُمْ} وابن عمهم {شُعَيْباً} عليه السلام حين أفرطوا في التطفيف والتخسير {قَالَ} لهم منادياً على وجه الشفقة والنصيحة: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} المتوحد المستقل في الألوهية، واعلموا أنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} يعبد بالحق {غَيْرُهُ} وأنه {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} عظيمة {مِّن رَّبِّكُمْ} الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم دالة على القسط العدالة في المعاملات الصورية؛ ليفوزوا بها إلى الاعتدال المعنوي والقسط الإلهي {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ} أي: وفوا حقه {وَ} أقيموا {ٱلْمِيزَانَ وَ} بالجملة: {لاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: لا تنقصوا من حقوقهم شيئاً {وَ} عليكم أن {لاَ تُفْسِدُواْ} مطلقاً {فِي ٱلأَرْضِ} التي وضعت للعدالة والصلاح سيما {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} أي: بعد إصلاحنا أمرها بإرسال الرسل وإنزال الكتب {ذٰلِكُمْ} أي: العدل والصلاح وامتثال الأوامر {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] موقنين بعدل الله وصراطه المستقيم. وعليكم أن تتوجهوا نحو طريق الحق بالعزيمة الصحيحة {وَلاَ تَقْعُدُواْ} أي: لا تترصدوا {بِكُلِّ صِرَاطٍ} طريق ومذهب من الطرق الباطلة حال كونكم {تُوعِدُونَ} وتخوفون الناس عن سلوك طريق الحق {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ضعفاء {مَنْ آمَنَ بِهِ} بإلقاء الشبه والرخص في قلوبهم {وَ} بالجلمة: {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: تطلبون أن تنسبوا عوجاً وانحرافاً إلى سبيل الحق والطريق المستقيم؛ لينصرف الناس عنه، وعليكم ألاَّ تميلوا عن مخالفة أمر الله ونهيه {وَٱذْكُرُوۤاْ} نعمه عليكم {إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً} عَدداً وعُدداً {فَكَثَّرَكُمْ} قؤاكم وأظهركم، واشكروا نعمه عليكم؛ ليدوم وزيد ولا تكفروها {وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 86] المكفرين لنعم الحق من الأمم الهالكة واعتبروا من حالهم ومآلهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن قوم شعيب عليه السلام بقوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف: 85] إلى قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87]، {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} [الأعراف: 85]، الإشارة: أن في قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} إلى قوله: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ} [الأعراف: 85] دلالة على الأنبياء - عليهم السلام - كلهم دعوا عباد الله إلى عبادة الله وتوحيده بالبينات الظاهرات، والحجج الواضحات، والمعجزات الباهرات، وفيه أن بخس الناس، {أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 85] في المكيال والموزون من خساسة النفس، ودناءة الهمة، وغلبة الحرص، ومتابعة الهوى، وهذه الصفات الذميمة من شيم النفوس، وقد ورد الشرع بتبديل هذه الصفات وتزكية النفس، فإن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 85]؛ أي: في الأرض الطيبة التي جبلت على حسن الاستعداد وخلقت في أحسن تقويم، {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الأعراف: 85]؛ يعني: إبقاء الكيل والميزان تزكية النفوس، وصرف الاستعداد في طلب معالي الأمور تحلية القلوب، {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] بنيل الدرجات وتحصيل الكمالات، {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} [الأعراف: 86]؛ يعني: لا تقطعوا الطريق على الطالبين بأنواع الحيل والمكائد. {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأعراف: 86]؛ يعني، تمنعون أرباب الطلب عن الحق، {مَنْ آمَنَ بِهِ} [الأعراف: 86] بالطلب، {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} [الأعراف: 86] يعني: تطلبون الاعوجاج في طريق الحق بإظهار الباطل؛ لكي تقطعوا عليهم الطريق كما قطعتم على أنفسكم، كما أن شر المعاصي ما لا يكون لازماً لصاحبة ويكون متعدياً عنه إلى غيره؛ لأن ضر التعدية عائد إلى المبتدئ بقدر الأثر في التعدي، {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] من عليهم بتكثير العدد؛ لأن التناصر والتعاون في الأمور بكثرة العدد نعمة تامة في تصرفاتها في إعلاء كلمة الدين فهي السعادة العظمى، ومن صرفها في إعلاء كلمة الكفر فهي الشقاوة الكبرى. {وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 86] الذين أفسدوا حسن الاستعداد الفطري، وصرفوا أنعم الله في غير مصرفها، {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] يشير إلى القلب والروح، {آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ} [الأعراف: 87] وهي النفس وصفاتها، فإن أكثر المؤمنين من آمن قلبه وروحه ولم تؤمن نفسه، {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53]؛ يعني: من نفوس الأنبياء - عليهم السلام - والأولياء {فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا} [الأعراف: 87]؛ يعني: بين الروح والقلب والنفس، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] لا تجعلوا الروح والقلب المؤمنين تبعاً للنفس الكافرة في العذاب، وإذاقة ألم الهجران وتجوروا عليهما بجرمهما {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الإسراء: 15].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا } . إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا إلى القبيلة المعروفة بمدين { أَخَاهُمْ } في النسب { شُعَيْبًا } يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، ويأمرهم بإيفاء المكيال والميزان، وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم، وأن لا يعثوا في الأرض مفسدين، بالإكثار من عمل المعاصي، ولهذا قال: { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فإن ترك المعاصي امتثالا لأمر اللّه وتقربا إليه خير، وأنفع للعبد من ارتكابها الموجب لسخط الجبار، وعذاب النار. { وَلا تَقْعُدُوا } للناس { بِكُلِّ صِرَاطٍ } أي: طريق من الطرق التي يكثر سلوكها، تحذرون الناس منها و { تُوعِدُونَ } من سلكها { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } من أراد الاهتداء به { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي: تبغون سبيل اللّه تكون معوجة، وتميلونها اتباعا لأهوائكم، وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم الاحترام والتعظيم للسبيل التي نصبها اللّه لعباده ليسلكوها إلى مرضاته ودار كرامته، ورحمهم بها أعظم رحمة، وتصدون لنصرتها والدعوة إليها والذب عنها، لا أن تكونوا أنتم قطاع طريقها، الصادين الناس عنها، فإن هذا كفر لنعمة اللّه ومحادة للّه، وجعل أقوم الطرق وأعدلها مائلة، وتشنعون على من سلكها. { وَاذْكُرُوا } نعمة اللّه عليكم { إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ } أي: نماكم بما أنعم عليكم من الزوجات والنسل، والصحة، وأنه ما ابتلاكم بوباء أو أمراض من الأمراض المقللة لكم، ولا سلط عليكم عدوا يجتاحكم ولا فرقكم في الأرض، بل أنعم عليكم باجتماعكم، وإدرار الأرزاق وكثرة النسل. { وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } فإنكم لا تجدون في جموعهم إلا الشتات، ولا في ربوعهم إلا الوحشة والانبتات ولم يورثوا ذكرا حسنا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة أشد خزيا وفضيحة. { وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا } وهم الجمهور منهم. { فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } فينصر المحق، ويوقع العقوبة على المبطل. { قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } وهم الأشراف والكبراء منهم الذين اتبعوا أهواءهم ولهوا بلذاتهم، فلما أتاهم الحق ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة، ردوه واستكبروا عنه، فقالوا لنبيهم شعيب ومن معه من المؤمنين المستضعفين: { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } استعملوا قوتهم السبعية، في مقابلة الحق، ولم يراعوا دينا ولا ذمة ولا حقا، وإنما راعوا واتبعوا أهواءهم وعقولهم السفيهة التي دلتهم على هذا القول الفاسد، فقالوا: إما أن ترجع أنت ومن معك إلى ديننا أو لنخرجنكم من قريتنا. فـ { شعيب } عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم طامعا في إيمانهم، والآن لم يسلم من شرهم، حتى توعدوه إن لم يتابعهم - بالجلاء عن وطنه، الذي هو ومن معه أحق به منهم. فـ { قَالَ } لهم شعيب عليه الصلاة والسلام متعجبا من قولهم: { أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } أي: أنتابعكم على دينكم وملتكم الباطلة، ولو كنا كارهين لها لعلمنا ببطلانها، فإنما يدعى إليها من له نوع رغبة فيها، أما من يعلن بالنهي عنها، والتشنيع على من اتبعها فكيف [ ص 297 ] يدعى إليها؟!! { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا } أي: اشهدوا علينا أننا إن عدنا إليها بعد ما نجانا اللّه منها وأنقذنا من شرها، أننا كاذبون مفترون على اللّه الكذب، فإننا نعلم أنه لا أعظم افتراء ممن جعل للّه شريكا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ ولدا ولا صاحبة، ولا شريكا في الملك. { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا } أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها، فإن هذا من المحال، فآيسهم عليه الصلاة والسلام من كونه يوافقهم من وجوه متعددة، من جهة أنهم كارهون لها مبغضون لما هم عليه من الشرك. ومن جهة أنه جعل ما هم عليه كذبا، وأشهدهم أنه إن اتبعهم ومن معه فإنهم كاذبون. ومنها: اعترافهم بمنة اللّه عليهم إذ أنقذهم اللّه منها. ومنها: أن عودهم فيها - بعد ما هداهم اللّه - من المحالات، بالنظر إلى حالتهم الراهنة، وما في قلوبهم من تعظيم اللّه تعالى والاعتراف له بالعبودية، وأنه الإله وحده الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، وأن آلهة المشركين أبطل الباطل، وأمحل المحال. وحيث إن اللّه منَّ عليهم بعقول يعرفون بها الحق والباطل، والهدى والضلال. وأما من حيث النظر إلى مشيئة اللّه وإرادته النافذة في خلقه، التي لا خروج لأحد عنها، ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئا أو يتركونه، ولهذا استثنى { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } أي: فلا يمكننا ولا غيرنا، الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته، وقد { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه. { عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا } أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا على الصراط المستقيم، وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم، فإن من توكل على اللّه، كفاه، ويسر له أمر دينه ودنياه. { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ } أي: انصر المظلوم، وصاحب الحق، على الظالم المعاند للحق { وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } وفتحه تعالى لعباده نوعان: فتح العلم، بتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ومن هو من المستقيمين على الصراط، ممن هو منحرف عنه. والنوع الثاني: فتحه بالجزاء وإيقاع العقوبة على الظالمين، والنجاة والإكرام للصالحين، فسألوا اللّه أن يفتح بينهم وبين قومهم بالحق والعدل، وأن يريهم من آياته وعبره ما يكون فاصلا بين الفريقين. { وَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } محذرين عن اتباع شعيب، { لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } هذا ما سولت لهم أنفسهم أن الخسارة والشقاء في اتباع الرشد والهدى، ولم يدروا أن الخسارة كل الخسارة في لزوم ما هم عليه من الضلال والإضلال، وقد علموا ذلك حين وقع بهم النكال. { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } أي: الزلزلة الشديدة { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } أي: صرعى ميتين هامدين. قال تعالى ناعيا حالهم { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، وكأنهم ما تمتعوا في عرصاتها، ولا تفيئوا في ظلالها، ولا غنوا في مسارح أنهارها، ولا أكلوا من ثمار أشجارها، حين فاجأهم (1) العذاب، فنقلهم من مورد اللهو واللعب واللذات، إلى مستقر الحزن والشقاء والعقاب والدركات ولهذا قال: { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ } أي: الخسار محصور فيهم، لأنهم خسروا دينهم وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، لا من قالوا لهم: { لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } . فحين هلكوا تولى عنهم نبيهم شعيب عليه الصلاة والسلام { وَقَالَ } معاتبا وموبخا ومخاطبا بعد موتهم: { يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي } أي: أوصلتها إليكم، وبينتها حتى بلغت منكم أقصى ما يمكن أن تصل إليه، وخالطت أفئدتكم { وَنَصَحْتُ لَكُمْ } فلم تقبلوا نصحي، ولا انقدتم لإرشادي، بل فسقتم وطغيتم. { فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ } أي: فكيف أحزن على قوم لا خير فيهم، أتاهم الخير فردوه ولم يقبلوه ولا يليق بهم إلا الشر، فهؤلاء غير حقيقين أن يحزن عليهم، بل يفرح بإهلاكهم ومحقهم. فعياذا بك اللهم من الخزي والفضيحة، وأي: شقاء وعقوبة أبلغ من أن يصلوا إلى حالة يتبرأ منهم أنصح الخلق لهم؟".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):