٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن شعيباً عليه السلام ضم إلى ما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة أشياء. الأول: أنه منعهم من أن يقعدوا على طرق الدين ومناهج الحق، لأجل أن يمنعوا الناس عن قبوله وفي قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرٰطٍ } قولان: الأول: يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس. روي أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من آمن بشعيب عليه السلام. والثاني: أن يحمل الصراط على مناهج الدين، قال صاحب «الكشاف»: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرٰطٍ } أي ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: {أية : لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16] قال والمراد بالصراط كل ما كان من مناهج الدين، والدليل على أن المراد بالصراط ذلك قوله: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وقوله: {بِكُلِّ صِرٰطٍ } يقال قعد له بمكان كذا وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، وهذه الحروف تتعاقب في هذه المواضع لتقارب معانيها، فإنك إذا قلت قعد بمكان كذا، فالباء للإلصاق، وهو قد التصق بذلك المكان. وأما قوله: {تُوعِدُونَ } فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال، والتقدير: ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله ولا أن تبغوا عوجاً في سبيل الله، والحاصل: أنه نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة. واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض. وجب حصول المغايرة بينها فقوله: {تُوعِدُونَ } يحصل بذلك إنزال المضار بهم وأما الصد، فقد يكون بالإيعاد بالمضار، وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو تركه، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه. أما قوله: {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات والمراد من الآية أن شعيباً منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة. وإذا تأملت علمت أن أحداً لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة. ثم قال: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } والمقصود منه أنهم إذا تذكروا كثرة إنعام الله عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية، قال الزجاج: وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه، كثر عددكم بعد القلة، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالقدرة بعد الضعف، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل، في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوكة. فأما تكثير عددهم بعد القلة؛ فهو أن مدين بن إبراهيم تزوج رئيا بنت لوط، فولدت حتى كثر عددهم. ثم قال بعده: {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } والمعنى تذكروا عاقبة المفسدين وما لحقهم من الخزي والنكال، ليصير ذلك زاجراً لكم عن العصيان والفساد، فقوله: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } المقصود منه أنهم إذا تذكروا نعم الله عليهم انقادوا وأطاعوا، وقوله: {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزي والنكال، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا، فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولاً والترهيب ثانياً. ثم قال: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ } والمقصود منه تسلية قلوب المؤمنين وزجر من لم يؤمن، لأن قوله: {فَٱصْبِرُواْ } تهديد، وكذلك قوله: {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا } والمراد إعلاء درجات المؤمنين، وإظهار هوان الكافرين، وهذه الحالة قد تظهر في الدنيا فإن لم تظهر في الدنيا فلا بد من ظهورها في الآخرة. ثم قال: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } يعني أنه حاكم منزه عن الجور والميل والحيف، فلا بد وأن يخص المؤمن التقي بالدرجات العالية، والكافر الشقي بأنواع العقوبات، ونظيره قوله: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [صۤ: 28].
ابن كثير
تفسير : ينهاهم شعيب عليه السلام عن قطع الطريق الحسي والمعنوي بقوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ} أي: تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. قال السدي وغيره: كانوا عشارين، وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ} أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إِلى شعيب ليتبعوه، والأول أظهر؛ لأنه قال: {بِكُلِّ صِرَٰطٍ} وهو الطريق، وهذا الثاني هو قوله: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: وتودون أن تكون سبيل الله عوجاً مائلة {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} أي: كنتم مستضعفين لقلتكم، فصرتم أعزة لكثرة عددكم، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك، {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله. وقوله: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِىۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ} أي: قد اختلفتم علي، {فَٱصْبِرُواْ} أي: انتظروا {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا} وبينكم، أي: يفصل {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرٰطٍ } طريق {تُوعِدُونَ } تخوّفون الناس بأخذ ثيابهم أو المكس منهم {وَتَصُدُّونَ } تصرفون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {مَنْ ءَامَنَ بِهِ } بتوعدكم إياه بالقتل {وَتَبْغُونَهَا } تطلبون الطريق {عِوَجَاً } معوَّجة {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } قبلكم بتكذيبهم رسلهم: أي آخر أمرهم من الهلاك.
الخازن
تفسير : {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} يعني أن شعيباً قال لقومه الكفار ولا تقعدوا على كل طريق من الدين والحق تمنعون الناس من الدخول فيه وتهددونهم على ذلك ذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من يريد الإيمان بالله وبرسوله شعيب وهو قوله تعالى: {وتصدون عن سبيل الله من آمن به} يعني وتمنعون من يريد الإيمان بالله وتقولون إن شعيباً كذاب وتخوفونه بالقتل. قال ابن عباس: كانوا يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيباً الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم {وتبغونها عوجاً} يعني: وتريدون اعوجاج الطريق عن الحق وعدولها عن القصد. وقيل معناه تلتمسون لها الزيغ والضلال ولا تستقيمون على طريق الهدى والرشاد {واذكروا إذا كنتم قليلاً فكثركم} يعني: أن شعيباً عليه الصلاة والسلام ذكرهم نعمة الله عليهم. قال الزجاج: يحتمل ذلك ثلاثة أوجه كثر عددكم وكثركم بالغنى بعد الفقر وكثركم بالقوة بعد الضعف ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء ضعفاء فهم بمنزلة القليل والمعنى إنه كثركم بعد القلة وأعزكم بعد الذلة فاشكروا نعمة الله تعالى عليكم وآمنوا به {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} يعني وانظروا نظر اعتبار ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم السالفة والقرون الخالية حين عتوا على ربهم وعصوا رسله من العذاب والهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسله {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا} يعني وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي وصدقت برسالتي وفرقة كذبت وجحدت رسالتي {فاصبروا} فيه وعيد وتهديد {حتى يحكم الله بيننا} يعني حتى يقضي الله ويفصل بيننا فيعجز المؤمنين المصدقين وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ويعذبهم {وهو خير الحاكمين} يعني أنه حاكم عادل منزه عن الجور والميل والحيف في حكمه وإنما قال خير الحاكمين لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكماً على سبيل المجاز والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة فلهذا قال وهو خير الحاكمين {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} يعني قال الجماعة من أشراف قومه الذين تكبروا عن الإيمان بالله وبرسوله وتعظموا عن اتباع شعيب {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا} عين أن قوم شعيب أجابوه بأن قالوا لا بد من أحد أمرين إما إخراجك ومن تبعك على دينك من بلدنا او لترجعن إلى ديننا وملتنا وما نحن عليه وهذا فيه إشكال وهو أن شعيباً عليه الصلاة والسلام لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه فما معنى قوله أو لتعودن في ملتنا وأجيب عن هذا الإشكال بأن اتباع شعيب كانوا قبل الإيمان به على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيبا وأتباعه جميعاً فدخل هو في الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط. وقيل: معناه لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود على معنى الابتداء كما تقول قد عاد عليّ من فلان مكروه بمعنى قد لحقني منه ذلك وإن لم يكن قد سبق منه مكروه فهو كما قال الشاعر: شعر : فإن تكن الأيام أحسن مدة إلي فقد عادت لهن ذنوب تفسير : أراد فقد صارت لهن ذنوب ولم يرد أن ذنوباً كانت لهن قبل الإحسان. وقوله تعالى: {قال أولو كنا كارهين} أي لا نعود في ملتكم وإن أكرهتمونا وأجبرتمونا على الدخول فيها فلا نقبل ولا ندخل {قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها} يعني أن شعيباً أجاب قومه إذ دعوه ومن آمن به إلى العود إلى ملتهم والدخول فيها فقال قد افترينا يعني قد اختلقنا على الله كذباً وتخرصنا عليه من القول باطلاً إن نحن رجعنا إلى ملتكم وقد علمنا فساد ما أنتم عليه من الملة والدين وقد أنقذنا الله وخلصنا منها وبصرنا خطأها وهذا أيضاً فيه من الإشكال مثل ما في الأول وهو أن شعيباً عليه الصلاة والسلام ما كان في ملتهم قط حتى يقول إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها والجواب عنه مثل ما أجيب عن الإشكال الأول وهو أن نقول إن الله نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة، إلا أن شعيباً نظم نفسه في جملتهم وإن كانا بريئاً مما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب. وقيل: معنى نجانا الله منها علمنا قبح ملتكم وفسادها فكأنه خلصنا منها وقوله تعالى إخباراً عنه {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} يعني وما يكون لنا أن نرجع إلى ملتكم ونترك الحق الذي نحن عليه إلا أن يشاء الله ربنا يعني إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله أن نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله وقدره فينا وينفذ سابق مشيئته علينا وقال الواحدي: ومعنى العود هنا الابتداء والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية أن شعيباً وأصحابه قالوا ما كنا لنرجع إلى ملتكم بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا فأمورنا راجعة إلى الله غير خارجة عن قبضته يسعد من يشاء بالطاعة ويشقي من يشاء بالمعصية وهذا من شعيب وقومه استسلام لمشيئة الله ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام {أية : واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام} تفسير : [إبراهيم: 35] وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"تفسير : قال الزجاج رحمه الله تعالى المعنى وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها وتصديق ذلك قوله {وسع ربنا كل شيء علماً} يعني أنه تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون وما سيكون وأنه تعالى كان عالماً في الأزل بجميع الأشياء فالسعيد من سعد في علم الله تعالى والشقي من شقي في علم الله تعالى {على الله توكلنا} على الله نعتمد وإليه نستند في أمورنا كلها فإنه الكافي لمن توكل عليه والمعنى: على الله توكلنا لا على غيره فكأنه ترك الأسباب ونظر إلى مسبب الأسباب {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} لما أيس شعيب من إيمان قومه دعا بهذا الدعاء فقال ربنا افتح أي اقض وافصل واحكم بيننا وبين قومنا بالحق يعني بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف {وأنت خير الفاتحين} يعني خير الحاكمين قال الفراء إن أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح وقال غيره من أهل اللغة هي لغة مراد وأنشد لبعضهم في ذلك: شعر : ألا أبلغ بني عصم رسولاً فإني عن فتى حكم غني تفسير : أراد أنه غني عن حاكمهم وقاضيهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت أدري ما معنى قوله ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول تعال أفاتحك يعني أقاضيك. وهذا قول قتادة والسدي وابن جريج وجمهور المفسرين أن الفاتح هو القاضي والحاكم سمي بذلك لأنه يفتح أغلاق الإشكال بين الخصوم ويفصلها. وقال الزجاج: وجائز أن يكون معناه ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف والمراد منه أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتمييز.
ابن عادل
تفسير : يجوز أن تكون "الباء" على حالها من الإلصاق أو المصاحبة، أو تكون بمعنى "في" يقال: قَعَدَ لَهُ بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، فتتعاقب هذه الحروف في هذا الموضع لتقارب معانيها، فقعد بمكان: الباء للإلصاق، وقد التصق بذلك المكان، و "على" للاستعلاء، وقد علا ذلك المكان، و "في" للحلول، وقد حلّ ذلك المكان. و "تُوعَدُونَ"، و "تَصُدُّون"، و "تَبْغُونَ" هذه الجمل أحوال [أي]: لا تَقْعُدُوا مُوْعدين وصادِّين وباغين. ولم يذكر الموعد له لِتَذْهَبَ النَّفسُ كلَّ مذهبٍ: ومفعول "تصدُّون" "مَنْ آمَن". قال أبُو البقاء: "مَنْ آمَنَ" مفعول "تَصُدُّونَ" لا مفعول "تُوعدُونَ"، إذْ لو كان مفعولاً للأوَّل لقال: "تَصُدُّونَهُم"، يعني أنَّه لو كان كذلك لكانت المسألة من التَّنازع، وإذا كانت من التنازع وأعْمَلْتَ الأولَ لأضْمَرْتَ في الثاني فكنت تقول: "تَصُدُّونهم" لكنه ليس القرآن كذا، فدل على أن "تُوعَدُونَ" ليس عاملاً فيه، وكلامُه يحتمل أنْ تكون المسألة من التَّنازع - ويكون ذلك على إعمال الثاني، وهو مختار البصريين وحذف من الأوَّل - وألاَّ تكون وهو الظَّاهر. وظاهرُ كلام الزمخشري: أنَّهَا من التَّنَازُع، وأنَّهُ من إعمال الأوَّل، فإنَّهُ قال: فإن قلت: إلاَمَ يَرْجِعُ الضَّميرُ في "من آمَنَ بِهِ"؟ قلتُ: إلى كلِّ صراطٍ، تقديره: تُوْعِدون من آمن به وتَصُدُّون عنه، فوضعَ الظَّاهر الذي هو "سبيل الله" موضع المضمر زيادة في تقبيح أمرهم. قال أبو حيَّان: وهذا تعسُّف وتكلُّفٌ مع عدم الاحتياج إلى تقديم وتأخير، ووضع ظاهر موضع مضمر، إذ الأصل خلاف ذلك كُلِّهِ، ولا ضرورة تَدْعُو إليه، وأيضاً فإنَّهُ من إعمال الأوَّل وهو مذهب مَرْجُوحٌ، ولو كان من إعمال الأوَّلِ لأضمر في الثاني وُجُوباً، ولا يجوز حذفهُ إلا في ضرورة شعرٍ عند بعضهم [كقوله]: [مجزوء الكامل] شعر : 2519 - بِعُكَاظَ يُعْشِي النَّاظِريـ ـنَ إذَا هُمُ لَمَحُوا شُعَاعَهْ تفسير : فأعمل "يُغشي" ورفع به "شُعَاعه" وحذفَ الضمير من "لَمَحُوا" تقديره: لمحوه، وأجازه بعضهم بقلةٍ في غير الشِّعْرِ. والضَّمير في "به": إمَّا لكل صراط كما تقدَّم عن الزمخشريِّ، وإمَّا على الله للعلم به، وإمَّا على سبيل الله، وجاز ذلك؛ لأنَّهُ يذكَّر ويُؤنَّثُ، وعلى هذا فقد جمع بين الاستعمالين هنا حيث قال: "به" فذكَّر، وقال: "وتَبْغُونها عِوَجاً" فأنَّث، ومثله: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ}تفسير : [يوسف: 108] [وقد تقدَّم] نحو قوله: {أية : تَبْغُونَهَا عِوَجاً}تفسير : [آل عمران: 99] في آل عمران. ومعنى الآية أنَّهُم كانوا يجلسون على الطَّريق فيقولون لمن يريدُ الإيمانَ بشُعَيْبٍ: إنَّ شُعَيْباً كذاب فلا يفتننَّك عن دينك، ويتوعدون المؤمنين بالقَتْل، ويخوفونهم. قال الزمخشريُّ: قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} أي: ولا تقتدوا بالشَّيْطان في قوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16] قال: والمرادُ من قوله: "صِرَاطٍ" كلُّ ما كان من مناهج الدِّين ويدلُّ عليه قوله: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. قوله: "وَاذْكُرُوا" إمَّا أن يكون مفعوله محذوفاً، فيكون هذا الظَّرف معمولاً لذلك المفعول أي: اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عليكم في ذلك الوقت، وإمَّا أن يجعل نفس الظرف مفعولاً به. قاله الزمخشريُّ. وقال ابن عطية: إنّ "الهاء" في "به" يجوز أن تعود على شعيب عند مَنْ يرى أنَّ القُعُودَ على الطرق للردِّ عن شعيب، وهو بعيد؛ لأن القائل: "ولا تقعدوا" هو شعيب، وحينئذ كان التركيب "مَنْ آمَنَ بِي"، والادِّعَاءُ بأنَّهُ من باب الالتفات بعيد جداً؛ إذ لا يَحْسُن أن يُقال: "[يا] هذا أنا أقول لك لا تُهِنْ مَنْ أكرَمَه" أي: مَنْ أكرمني. قوله: {إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}. قل الزَّجَّاج: "هذا الكلام يحتمل ثلاث أوجه: كثر عددكم بعد القلّة، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالقوة بعد الضعف" قال السدي: "كانوا عشارين". [قوله]: {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}. "كيف" وما في حيِّزها معلِّقة للنظر عن العمل، فهي وما بعدها في محل نصب على إسقاط الخافض. والنظرُ هنا التفكُّرُ، و "كيف" خبر كان، واجب التقديم. والمعنى: انظر كيف كان عاقبة المفسدين أي: جزاء قوم لوط من الخزي والنكال وعذاب الاستئصال.
البقاعي
تفسير : ولما كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس ما لا يخفى، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات لأنه ينهى عن كل فساد، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة المراد بعد التعميم فقال: {ولا تقعدوا} أي تفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته {بكل صراط} أي طريق من طرق الدنيا والدين من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والمحكم والمتشابه والأمثال {توعدون} أي تتهددون من يسلكه بكل شر إن لم يوافقكم على ما تريدون. ولما كان طريق الدين أهم، خصه بالذكر فقال: {وتصدون} أي توقعون الصد على سبيل الاستمرار {عن سبيل الله} أي طريق من له الأمر كله؛ ولما ذكر الصدود عنه، ذكر المصدود فقال: {من آمن به} آي بالله فسلك سبيله التي لا أقوم منها؛ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونحوه، بل يبدون للمصدود شبهاً توهمه أنه على ضلال، قال عاطفاً: {وتبغونها عوجاً} أي وتطلبون السبيل حال كونها ذات عوج، أي تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات والشكوك كما تقول: أريد فلاناً ملكاً، أي أريد ملكه، وقد تقدم في آل عمران أن نصبه على الحال أرجح، وأن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح "حديث : ابغني أحجاراً أستنفض بها " تفسير : يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم. ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان والنصرة بالصد، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد القلة في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلاً عن تقليلهم ونقصهم، فقال عطفاً على قوله {اعبدوا الله} وما بعده من الأوامر والنواهي: {واذكروا إذ} أي حين {كنتم قليلاً} أي في العدد والمدد {فكثركم} أي كثر عددكم وأموالكم وكل شيء ينسب إليكم، فلا تقابلوا النعمة بضدها، فإن ذكر النعمة مرغب في الشكر. ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة، حذرهم بالتذكير بأهل النقمة فقال: {وانظروا كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المفسدين*} أي في عموم الإهلاك بأنواع العذاب لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في سورة هود لكون الحال هناك مقتضياً للبسط كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولما حذرهم وخامة الفساد الذي نهاهم عنه، وعلق انتهاءهم عنه بوصف الإيمان، رجع إلى قسم ما شرط به الانتهاء عن الإفساد فقال: {وإن كان طائفة منكم} أي جماعة فيهم كثرة بحيث يتحلقون بمن يريدون {آمنوا بالذي أرسلت به} وبناه للمفعول إشارة إلى أن الفاعل معروف بما تقدم من السياق، وأنه صار بحيث لا يتطرق إليه شك لما نصب من الدلالات {وطائفة} أي منكم {لم يؤمنوا} أي بالذي أرسلني به من أيدني بما عملتم من البينات، وحذرهم سطوته بقوله: {فاصبروا} أي أيها الفريقان {حتى يحكم الله} أي الذي له جميع العظمة {بيننا} أي بين فريقنا بإعزاز المصلح وإهلاك المفسد كما أجرى بذلك عادته {وهو} أي الحال أنه {خير الحاكمين*} لأنه يفصل النزاع على أتم وجه وأحكمه.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ} أي بكل طريقٍ من طرق الدِّين كالشيطان. وصراطُ الحقِّ وإن كان واحداً لكنه يتشعب إلى معارفَ وحدودٍ وأحكامٍ وكانوا إذا رأَوْا أحداً يشرَع في شيء منها منعوه. وقيل: كانوا يجلِسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيباً إنه كذابٌ لا يفتنَنَّك عن دينك ويتوعّدون لمن آمن به وقيل: يقطعون الطريق {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي السبـيلِ الذي قعَدوا عليه فوقع المُظهرُ موقعَ المضمرِ بـياناً لكل صراطٍ ودلالةً على عِظم ما يصدون عنه وتقبـيحاً لما كانوا عليه، أو الإيمانِ بالله أو بكل صراط على أنه عبارة عن طرق الدين وقوله تعالى: {مَنْ ءامَنَ بِهِ} مفعول تصدون على إعمال الأقربِ، ولو كان مفعولَ توعِدون لقيل: وتصُدونهم، وتوعِدون حالٌ من الضمير في تقعدوا {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي وتطلبون لسبـيل الله عوجاً بإلقاء الشُبَهِ أو بوصفها للناس بأنها مُعْوجةٌ وهي أبعدُ شيءٍ من شائبة الاعوجاج. {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} بالبركة في النسل والماء {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} من الأمم الماضيةِ كقوم نوحٍ ومَنْ بعدهم من عاد وثمودَ وأضرابِهم واعتبِروا بهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً}. من المعاصي ما لا يكون لازماً لصاحبه وحدَه بل يكون متعدِّياً عنه إلى غيره. ثم بِقَدْرِ الأثر في التعدِّي يحصل الضر للمبتدئ. قوله جلّ ذكره: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}. مَنَّ عليهم بتكثير العدد لأن بالتناصر والتعاون تمشي الأمور ويحصل المراد. ويقال كما أن كل أمرٍ بالأعوان والأنصار خيراً أو شراً، فلا نعمة فوق اتفاق الأنصار في الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان في الشر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تقعدوا بكل صراط} الباء للالصاق او المصاحبة لان القعود ملصق بالمكان وان القاعد ملابسه ويحتمل ان تكون بمعنى فى لان القاعد يحل بمكان قعوده وان تكون بمعنى على الاستيلاء القاعد على المكان {توعدون} حال من فاعل لا تقعدوا ولم يذكر الموعد به ليذهب الذهن كل مذهب. والمعنى ولا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين موعودين اى مخوفين كالشيطان حيث قال لاقعدن لهم صراطك المستقيم وصراط الله وان كان واحدا لكنه يتشعب الى معارف وحدود احكام وكانوا اذا رأوا احدا يسعى فى شيء منها منعوه وقيل كانوا يجلسون على المرصد فيقولون لمن يريد شعيبا انه كذاب لا يفتننك عن دينك ويتوعدون من آمن به وقيل يقطعون الطريق {وتضلون} عطف على توعدون اى تمنعون وتصرفون {عن سبيل الله} اى السبيل الذى قعدوا عليه {من آمن به} اى بكل صراط وهو مفعول تصدون {وتبغونها} من باب الحذف والايصال والتقدير وتبغون لها انت ضمير السبيل لانه يذكر ويؤنث. والمعنى وتطلبون لسبيل الله {عوجاً} زيغا وعدولا عن الحق بالقاء الشبه او بوصفها للناس بانها معوجة وهى ابعد شيء من شائبة الاعوجاج. وفيه اشارة الى الذين قطعوا طريق الوصول الى الله على الطالبين بانواع الحيل بالمكايد وطلبوا الاعوجاج فيه باظهار الباطل كما قطعوا على انفسهم فإن شر المعاصى ما لا يكون لازما لصاحبه بل يكون متعديا عنه الى غيره لان ضرر التعدية عائد الى المبتدئ بقدر الاثر فى التعدى {واذكروا اذ كنتم قليلا فكثركم} بالبركة فى النسل والمال فصار ضعفكم قوة وفقركم غنى {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} من الامم الماضية كقوم نوح ومن بعدهم من عاد وثمود واضرابهم واعتبروا بهم واحذروا من سلوك مسالكهم.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى قوله {ولا تقعدوا} بكل صراط توعدون قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: إِنهم كانوا يقعدون على طريق من قصد شعيباً للايمان به فيخوفونه بالقتل. وقال أبو هريرة: إِنما نهاهم عن قطع الطريق. وقوله {بكل صراط توعدون} يجوز فيه تعاقب حروف الاضافة بأن يقول: على كل صراط، وفي كل صراط، لأن معاني هذه الحروف اجتمعت فيه - ها هنا - كما تقول: قعد له بكل مكان، وعلى كل مكان، وفى كل مكان، لأن الباء للالصاق وهو قد لاصق المكان، و (على) للاستعلاء، وهو قد علا المكان، و (في) للمحل وهو قد حلَّ المكان. ويقال: قعد عن الأمر بمعنى ترك العمل به كائناً ما كان، وقام به إذا عمل به كالقعود عن الواجب ونحوه. ومعنى الايعاد الاخبار بالعذاب على صفة من الصفات، وهو الوعيد والتهديد، فاذا ذكر المتعلق من الخير أو الشر قلت: وعدته كذا، كما قال تعالى {أية : النار وعدها الله الذين كفروا}تفسير : واذا لم يذكر قيل في الخير وعدته، وفى الشر أوعدته. وتقول: وعدته خيراً بلا باء وأوعدته بالشر باثبات الباء. وقوله {وتصدون عن سبيل الله} فالصد هو الصرف عن الفعل بالاغواء فيه، كما يصد الشيطان عن ذكر الله وعن الصلاة. تقول: صده عن الأمر يصده صداً، وهو كالمنع. وقوله {من آمن به} (من) في موضع نصب، لأنه مفعول به، وتقديره وتصدون المؤمنين بالله عن اتباع دينه، وهو سبيل الله. وقوله {وتبغونها عوجاً} فالهاء راجعة الى السبيل، ومعنى "تبغون" تطلبون، والبغية الطلبة: بغاه يبغيه بغية. والمعنى - ها هنا - وتبغون السبيل عوجاً عن الحق، وهو أن يقولوا: هذا كذب وباطل وما أشبه ذلك، وهو قول قتادة. والعوج - بكسر العين - في الدين وكل ما لا يرى - وبفتح العين - في العود وكل ما يرى كالحائط وغيره. وقوله {واذكروا إِذ كنتم قليلاً فكثركم} قال الزجاج: يحتمل أشياء: أحدها - اذكروا نعمة الله عليكم إِذ كثر عددكم. وثانيها - انه كثركم بالغنى بعد الفقر. وثالثها - كثركم بالقدرة بعد الضعف، ووجهه أنهم كانوا فقراء وضعفاء، فهم بمنزلة القليل في قلة الغناء. وقوله {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} معناه فكروا فيما مضى من إِهلاك من تقدم بأنواع العذاب وانزال العقوبات بهم واستئصال شأفتهم وما فعل الله بالمفسدين، وكيف كان عاقبتهم في ذلك وما حلَّ - بهم من البوار.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} اخّره عن قوله: ذلكم خير لكم اشارةً الى عدم تسويته مع ما سبق فى القبح وانّه لا يتصوّر فيه خير نفسانىّ ايضاً وانّه اقبح الاشياء للمؤمنين وغيره، وقيل فى نزوله: انّهم كانوا يقعدون فى الطّريق يتوعّدون من اراد شعيباً ومن آمن به ويلقون الشّبهات على الخلق باظهار اعوجاج دينه واختلال طريقه كما كان ديدن الخلق كذلك قديماً وجديداً خصوصاً فى زماننا هذا، او المقصود نهيهم من القعود فى طرق النّفوس كالشّيطان وصدّ سبيلهم الى الله والى خلفائه {وَتَصُدُّونَ} عطف على توعدون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} اى بالله يعنى تصدّون من أيقن بالله عن سبيل الله الّتى هى قبول النّبوّة بالبيعة العامّة او تصدّون من آمن بالله بقبول الدّعوة العامّة وبالبيعة النّبويّة عن سبيل الله الّتى هى قبول الولاية بالبيعة الخاصّة {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} تطلبون لسبيل الله اعوجاجاً حتّى تظهروه على الخلق وتصدّونهم عنها او تبغونها من حيث عوجها او تبغونها حال كونها معوجّة يعنى ان كانت معوجّة تطلبونها بخلاف ما اذا كانت مستقيمةً لاعوجاجكم {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} بعد ما امرهم ونهاهم بضدّ فعلهم ذكّرهم نعمة الله الّتى هم فيها من البركة فى النّسل او فى المال ليكسر به سورة غضبهم حتّى يستعدّوا لقبول نصحه بتذكّر النّعمة وشكرها {وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} ذكّرهم النّعمة الّتى هى اثر رحمته تعالى والنّقمة الّلاحقة لامثالهم بسبب الافساد الّتى هى اثر غضبه جمعاً بين اللّطف والقهر والتّبشير والانذار كما هو وظيفة الدّعوة والنّصح.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ} قال: توعدون من أتى شعيباً وغشيه وأراد الإسلام. من آمن به: أي تصدون المؤمنين عن سبيل الله. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي تبغون طريق الهدى عوجاً؛ وهو قعودهم على الطريق يتهددون المؤمنين الذين يأتون شعيباً بالقتل، ويصدونهم عنه. وقال مجاهد: وتبغونها عوجاً. أي تلتمسون لها الزيغ. قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} يذكرهم نعمته. {وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} يعني من أهلك من الأمم السالفة حين كذّبوا رسلهم؛ كانت عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار. قال: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ}. كقول هود: (أية : فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ) تفسير : [الأعراف:71]، وكقول الله للنبي عليه السلام: (أية : فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ) تفسير : [الدخان:59]. قوله: {قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ} أي: عن عبادة الله {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَكَ} أي الذين صدقوا معك {مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي: في دِينِنَا حتى تعبدوا ما نعبد {قَالَ} شعيب {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي لدينكم. وهذا على الاستفهام.
اطفيش
تفسير : {ولا تقْعُدوا بكلِّ} فى كل أو على كل {صِراطٍ} طرق فى الأرض {تُوعِدُونَ} حال من واو تقعدوا، وهو من أوعد المستعمل فى الشر، كانوا يقعدون بمراصد يقولون لمن جاء لشعيب: إنه كاذب لا تؤمن به، ويخوفونه بالقتل أو الضرب أو السلب أو بذلك كله على الإيمان، قاله السدى فى رواية، وابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، وقال السدى فى رواية أخرى، وأبو روق: كانوا يقعدون فى الطرق معشرين ويخوفون صاحب المال بالقتل، أو بأخذ ماله إن لم يذعن للعشر. وقال أبو هريرة: كانوا يقعدون للسلب وقطع الطرق، مخوفين من تعاصى، وفى الحديث: "حديث : رأيت ليلة أسرى بى خشبة على الطريق لا يمر بها أحد إلا خدشته أو شقت ثوبه، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فينقطعون ثم تلا: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}"" تفسير : ويحتمل أن يريد بالصراط صراط الله، وهو ولو كان واحدا لكنه منقسم إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة، وكانوا إذا رأوا إنسانا شرع فى شىء منها أو قصده منعوه وأوعدوه عليه، فلذلك قيل: {بكل صراط} والنهى هنا لعموم السلب لا لسلب العموم، ولو تأخر عنه كل فهو كالنفى فى قوله تعالى: {أية : لا يحب كل مختال فخور} تفسير : ونحوه. {وتصدُّون} تمنعون {عَن سَبيلِ اللهِ مَنْ آمن بهِ} بالله أو بسبيل الله، فإن أريد قبله، والسلب أو قطع الطريق فلا تنازع ولا وضع ظاهر موضع المضمر، وإن أريد المنع عن الإيمان فسبيل الله ظاهر وضع موضع الضمير، أى لا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين، موعدين وصادين عنها مَنْ آمن به، وفى مرجع الضمير ما مر، يزيد هنا عوده لكل صراط، والطريق والسبيل يذكران ويؤنثان، ولا ضمير بتأنيث بعد تذكير، ولا فى عكس ذلك، وفائدة وضع الظاهر موضع المضمر هنا بيان المراد بكل صراط، وزيادة فى تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدون، عنه، وذلك لإضافة السبيل إلى الله، ومن تنازع فيه توعدون وتصدون، وأعمل الثانى فيقدر ضميره لتوعدون، ولو أعمل توعدون لظهر الضمير فى تصدون عند الجمهور، وأجاز السيرافى حذف الضمير من الثانى إذا أعمل الأول، وكان الضمير فضله، وعليه فيجوز أن تقول بإعمال توعدون. {وتبْغُونها} أى السبيل {عِوجاً} جعلتم العوج عوضا عنها، أو تطلبون لها عوجا بإلقاء الشبه فيها، وبوصفها للناس بالعوج لئلا يدخلوها {واذْكُروا إذْ كنْتُم قَليلا} فى ذلك {فَكثَّركُم} فى عز، ويدل على هذا أن الكلام فى ذكر النعمة والتكثير فى ذلك ليس بنعمة، فإن الكثير فى ذلك بمنزلة القليل، ويجوز أن يكون المعنى واذكروا إذ كنتم ملقين أى فقراء، فجعلكم مكثرين أى موسرين، فالمراد قلة المال وكثرته، قيل: تزوج مدين بن إبراهيم بنت لوط، فرمى الله نسلها بالبركة والنماء، ويجوز أن يراد القلة فى العدد والمال، والكثرة فيهما مع العز. {وانْظُروا كَيفَ كانَ عاقِبةُ المفْسِدِين} كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وكانوا أقرب عهدا بقوم لوط، كانت عاقبة المفسدين التدمير والمصير إلى النار.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ} فى طريق من طرق الأَرض. وكانوا يعقدون فى كل طريق أَمكنهم، والمراد عموم السلب. (تُوعِدُونَ) حال، أَى تخوفون الناس بأَخذ متاعهم وثيابهم والمكس منهم، وكل ما أَمكنهم من السوءِ، كما دل عليه خلاف المعمول للعموم، فهذا أَولى من أَن ينازع تصد فى من آمن على إِعمال تصدون من قوله {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} أَى من آمن بالله أَو بسبيل الله تطالبونه بالارتداد، وتصدون من أَراد الإِيمان وتقولون إِن لم ترتد عن الإِيمان به، أَو إِن آمنت قتلناك {وَتَبْغُونَهَا} أَى الصراط المعنوية التى هى الديانة، والمذكور قيل هى الصراط المحسة، فذلك استخدام، وإِن رجعنا الضمير لسبيل بحسب الظاهر ففيه استخدام أَيضا، لأَن السبيل المذكورة سبيل الله وها لغيرها، إِلا أَن يقال: تبغون مضمن معنى تجعلون، أَى تجعلون سبيل الله {عِوَجًا} ذات عوج، أَو معوجة، أَى تنسبونها بالعوج، وتصفون للناس أَنها عوج، أَو تجعلون بدلها عوجاً، ومن عوجهم أَنهم يأخذون دراهم من دخل بلادهم غريبا ويقولون أَنها زيوف، فيقطعونها فيأخذونها بنقصان، أَو أَعطوه بها زيوفا، ويجوز أَن يراد بكل صراط طرق عين الحق، وعليه فسبيل الله ظاهر موضع المضمر، وأَن كل مسأَلة منه طريق للحق، فهم مجتهدون فى المنع عن دين الله كل اجتهاد، كلما علموا بجرى أَحد على مسأَلة من مسائل دين الله منعوه عنها، وكلما رأَوا أَحدا يريد الإِيمان بشعيب منعوه وخوفوه بالقتل أَو غيره، وقالوا: احذر أَن يفتنك عن دينك، فإِنه أَفضل من دينه، ولا ضعف فى ذلك كما توهم بعض أَن المتعارف اكتفاؤهم بمنعهم عن الإِيمان، وذلك عن طريق التمثيل، كقوله تعالى "أية : لأقعدن لهم صراطك المستقيم" تفسير : [الأَعراف: 16] {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً} اذكروا ذلك الوقت لتتذكروا الواقع فيه من القلة المعقبة بالكثرة، أَو اذكروا الواقع إِذ كنتم قليلا فى عددكم وعدتكم {فَكَثَّرَكُمْ} فيها، إِلا أَن ظاهر الخطاب لا يلائم ذكر العدة، أَى الأَسلحة والخيل كل الملاءَمة، والاقتصار على العدد أَولى فى التفسير، فإِن ذكر تكثير العدد فى مقام الامتنان يشعر بأَنه كثر بحال من قوة البدن والمال وما يحتاج إِليه، ويروى أَن مدين تزوج بنت لوط فرمى الله البركة فى نسلها، وقيل: قليلا فى المال كثيرين فيه، أَى موسرين، وقيل: قليلا أَذلة فكثركم بالعدد والعدة {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} قبلكم، ولا سيما من قرب منكم كقوم لوط إِذ رجموا بالحجارة، وقلوا أَرضا وبدنا ومالا بتكذيبهم لرسولهم، لم لا تخافون أَن تهلكوا مثلهم بتكذيبكم لرسولكم.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ } أي طريق من الطرق الحسية {تُوعَدُونَ } أي تخوفون من آمن بالقتل كما نقل عن الحسن وقتادة ومجاهد وروي عن ابن عباس أن بلادهم كانت يسيرة وكان الناس يمتارون منهم فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيباً ويقولون لهم: إنه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم. ويجوز أن يكون القعود على الصراط خارجاً مخرج التمثيل كما فيما حكي عن قول الشيطان: { أية : لأَقعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16] أي ولا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين كالشيطان، وإليه يشير ما روي عن مجاهد أيضاً. والكلية مع أن دين الله الحق واحد باعتبار تشعبه إلى معارف وحدود وأحكام وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها منعوه بكل ما يمكن من الحيل. وقيل: كانوا يقطعون الطريق فنهوا عن ذلك. وروي ذلك عن أبـي هريرة وعبد الرحمن بن زيد، ولعل المراد به ما يرجع إلى أحد القولين الأولين وإلا ففيه خفاء وإن قيل: إن في الآية عليه مبالغة في الوعيد وتغليظ ما كانوا يرومونه من قطع السبيل. {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي الطريق الموصلة إليه وهي الإيمان أو السبيل الذي قعدوا عليه فوضع المظهر موضع المضمر بياناً لكل صراط [و] دلالة على عظم ما (تصدق عليه) وتقبيحاً لما كانوا عليه، وقوله سبحانه: {مَنْ ءامَنَ بِهِ } مفعول {تَصُدُّونَ } على إعمال الأقرب لا {تُوعَدُونَ } خلافاً لما يوهمه كلام الزمخشري إذ يجب عند الجمهور في مثل ذلك حينئذٍ إظهار ضمير الثاني. ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر فيلزم أن يقال: تصدونهم وإذا جعل {تَصُدُّونَ } بمعنى تعرضون يصير لازماً ولا يكون مما نحن فيه. وضمير {بِهِ } لله تعالى أو لكل صراط أو سبيل الله تعالى لأن السبيل يذكر ويؤنث كما قيل، وجملة {تُوعَدُونَ} وما عطف عليه في موضع الحال من ضمير {تَقْعُدُواْ} أي موعدين وصادين: وقيل: هي على التفسير الأول استئناف بياني، والأظهر ما ذكرنا. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي وتطلبون لسبيل الله تعالى عوجاً بإلقاء الشبه أو بوصفها للناس بما ينقصها وهي أبعد من شائبة الإعوجاج: وهذا إخبار فيه معنى التوبيخ وقد يكون تهكماً بهم حيث طلبوا ما هو محال إذ طريق الحق لا يعوج. وفي الكلام ترق كأنه قيل: ما كفاكم أنكم توعدون الناس على متابعة الحق وتصدونهم عن سبيل الله تعالى حتى تصفونه بالاعوجاج ليكون الصد بالبرهان والدليل. وعلى ما روي عن أبـي هريرة وابن زيد جاز أن يراد بتبغونها عوجاً عيشهم في الأرض واعوجاج الطريق عبارة عن فوات أمنها. وذكر الطيبـي أن معنى هذا الطلب حينئذٍ معنى اللام في قوله سبحانه: { أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوَّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] وعلى / سائر الأوجه في الكلام الحذف والإيصال. {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } عددكم {فَكَثَّرَكُمْ } فوفر عددكم بالبركة في النسل كما روي عن ابن عباس. وحكي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله تعالى في نسلها البركة والنماء فكثروا وفشوا. وجوز الزجاج أن يكون المعنى إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين موسرين، أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد. و {إِذْ } مفعول {ٱذْكُرُواْ } أو ظرف لمقدر كالحادث أو النعم أي اذكروا ذلك الوقت أو ما فيه {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود واعتبروا بهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً}. الضمير في قوله: {وَتَبْغُونَهَا} راجع إلى السبيل وهو نص قرآني على أن السبيل مؤنثة، ولكنه جاء في موضع آخر ما يدل على تذكير السبيل أيضاً. وهو قوله تعالى: في هذه السورة الكريمة {أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} تفسير : [الأعراف: 146].
د. أسعد حومد
تفسير : {صِرَاطٍ} {آمَنَ} {عَاقِبَةُ} (86) - وَنَهَاهُمُ شُعَيبٌ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ (الصِّرَاطِ)، وَعَنْ تَوَعُّدِ النَّاسِ بِالقَتْلِ وَالإِيذَاءِ إِذَا لَمْ يُعْطُوهُمْ مَا مَعَهُمْ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ، كَمَا نَهَاهُمْ عَنِ التَّعَدِّي عَلَى المُؤْمِنينَ الذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيباً، وَعَنِ التَّصَدِّي لِلنَّاسِ الذِين كَانُوا يَأْتُونَ إِلَى شُعَيبٍ لِلاسْتِمَاعِ مِنْهُ إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ، لِصَرْفِهِمْ عَنْهُ بِالتَّخْوِيفِ وَالإِيذَاءِ، وَبِالقَوْلِ: إِنَّهُ كَذَّابٌ يُرِيدُ فِتْنَةَ النَّاسِ، ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبلاً مِنْ قِلّةٍ فَكَثَّرَهُمُ اللهُ، وَذِلَّةٍ فَأَعَزَّهُمُ اللهُ، وَذلِكَ لِيَتَّعِظُوا وَيَرْتَدِعُوا عَمَّا يَقُومُونَ بِهِ مِنْ فَسَادٍ. ثُمَّ لَفَتَ نَظَرَهُمْ إِلى النِّهَايَةِ التِي صَارَ إِلَيها المُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ مِنْ خِزْيٍ وَدَمَارٍ. صِرَاطٍ - طَريقٍ. تَبْغُونَها عِوَجاً - تَطْلُبُونَها مُعْوَجَّةً أَيْ ذَاتَ اعْوِجَاجٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} أي لا تقعدوا على كل طريق، لأن من يقعد على الطريق قد يمنع من يحاول الذهاب ناحية الرسول. والشيطان قد قال: {أية : ...لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] فحين تقعدون على كل صراط يصير كل منكم شيطاناً والعياذ بالله؛ لأن الشيطان قال لربنا: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}، وهنا ينهى الحق عن القعود بكل صراط؛ لأن الصراط سبيل، وحين يجمع الحق السبل لينهي عنها، إنما ليذكرنا أن له صراطاً مستقيماً واحداً، وسبيلاً واحداً يجب علينا أن نتبعه. ولذلك يقول: {أية : فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ...} تفسير : [الأنعام: 153] إذن فللشيطان سبل متعددة وسبيل الاستقامة واحد، لأن للطرق المتعددة غوايات منوعة، فهذا طريق يغوي بالمال، وذلك يغوي بالمرأة، وذاك يغوي بالجاه. إذن فالغوايات متعددة. أو أن الهداية التي يدعو إليها كل رسول شائعة في كل ما حوله؛ فمن يأتي ناحية أي هداية يجد من يصده. ومن يطلب هداية الرسول يلقى التهديد والوعيد، والمنع عن سبيل الحق. ولماذا يفعلون ذلك؟ تأتي إجابة الحق: {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً}. إنهم يبغون ويودون شريعة الله معوجة ومائلة عن الاستقامة، أو تصفونها بأنها غير مستقيمة لتصدوا الناس عن الدخول فيها، ولتنفروا منها، مثال ذلك السخرية من تحريم الخمر والادعاء بأنها تعطي النفس السرور والانسجام. إن الواحد من هؤلاء إنما ينفر من شريعة الله، ويدعي أنها شريعة معوجة، فنجد من يحلل الربا؛ لأن تحريم الربا في رأيهم السقيم المنحرف يضيق على الناس فرصهم. إنهم يبغون شريعة الله معوجة ليستفيدوا هم من اعوجاجها، وينفروا الناس منها. {...وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}. [الأعراف: 86] نعلم أن كل ردع، وكل توجيه يهدف إلى أمرين اثنين: ترغيب وترهيب، وعلى سبيل المثال نجد المدرس يقول للتلاميذ: من يجتهد فسنعطيه جائزة، وهذا ترغيب، ويضيف الأستاذ للتلاميذ: ومن يقصر في دروسه فسنفصله من المدرسة؛ وهذا ترهيب. وما دام الناس صالحين لعمل الخير ولعمل الشر بحكم الاختيار المخلوق فيهم لله فلا بد من مواجهتهم بالأمرين بالترغيب في الخير والترهيب من الشر. والحق هنا يقول في الترغيب: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}. وكأنه يطالبهم بأن يكونوا أصحاب ذوق وأدب، فنحن نعلم أن مدين تزوج وأنجب عدداً من الذرية وكانوا قلة في العدد فكثرهم حتى صاروا قبيلة، وكانوا ضعافاً فقواهم، وكانوا فقراء فأغناهم، فمن صنع فيكم ولكم كل هذه المسائل ألا يصح أن تطيعوا أوامره. كان عليكم أن تطيعوا أوامره. وهذا ترغيب وتحنين. ونعلم أن شعيباً هو خامس نبي جاء بعد نوح، وهود، وصالح، ولوط. لذلك يذكرهم الحق بما حدث لمن كذبوا الأنبياء الأربعة السابقين. وقد يكون قوم نوح معذورين لأنهم كانوا البداية، فلم يسبقهم من أخذ بالعذاب لتكذيب رسلهم، ثم صارت من بعد ذلك قاعدة هي أن من يكذب الرسل يلقى العذاب، مصداقا لقوله الحق: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ...} تفسير : [العنكبوت: 40] فإذا كان شعيب ينذرهم بأن ينظروا كيف كان عاقبة المفسدين ممن سبقوهم فهذا تذكير بمن أغرقهم ومن أخذتهم الصيحة، ومن كفأ وقلب ودمر ديارهم، ومن جاء لهم بمطر من سجيل، فإن لم يعرفوا واجبهم نحو الله الذي أنعم عليهم بأن كانوا قليلاً فكثرهم، فعليهم أن يخافوا عاقبة المفسدين. إذن فقد جمع لهم بين الترغيب والترهيب. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} وهو الاعوِجَاجُ فِي الدِّينِ. والعَوَجُ: المَيْلُ.
همام الصنعاني
تفسير : 920- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً}: [الآية: 86]، يقول: تبغون السبيل عوجاً عن الحقِّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):