Verse. 1041 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاِنْ كَانَ طَاۗىِٕفَۃٌ مِّنْكُمْ اٰمَنُوْا بِالَّذِيْۗ اُرْسِلْتُ بِہٖ وَطَاۗىِٕفَۃٌ لَّمْ يُؤْمِنُوْا فَاصْبِرُوْا حَتّٰي يَحْكُمَ اللہُ بَيْنَنَا۝۰ۚ وَہُوَخَيْرُ الْحٰكِمِيْنَ۝۸۷
Wain kana taifatun minkum amanoo biallathee orsiltu bihi wataifatun lam yuminoo faisbiroo hatta yahkuma Allahu baynana wahuwa khayru alhakimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن كان طائفةٌ منكم آمنوا بالذي أُرسلت به وطائفة لم يؤمنوا» به «فاصبروا» انتظروا «حتى يحكم الله بيننا» وبينكم بإنجاء المحق وإهلاك المبطل «وهو خير الحاكمين» أعدلهم.

87

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ} فتربصوا. {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا} أي بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ } به {فَٱصْبِرُواْ } انتظروا {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا } وبينكم بإنجاء المحق وإهلاك المبطل {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ } أعدلهم.

ابن عطية

تفسير : المعنى: وإن كنتم يا قوم قد اختلفتم عليَّ وشعبتم بكفركم أمري فآمنت طائفة وكفرت طائفة فاصبروا أيها الكفرة حتى يأتي حكم الله بيني وبينكم، وفي قوله: {فاصبروا} قوة التهديد والوعيد، هذا ظاهر الكلام وأن المخاطبة بجميع الآية للكفار، وحكى منذر بن سعيد عن ابن عباس أن الخطاب بقوله: {فاصبروا} للمؤمنين على معنى الوعد لهم، وقاله مقاتل بن حيان، قال النقاش وقال مقاتل بن سليمان المعنى " فاصبروا" يا معشر الكفار. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول الجماعة. وتقدم القول في معنى {الملأ} ومعنى الاستكبار، وقولهم: {لنخرجنك يا شعيب} تهديد بالنفي، والقرية المدينة الجامعة للناس لأنها تقرت أي اجتمعت، وقولهم أو {لتعودن في ملتنا} معناه أو لتصيرن، وعاد: تجيء في كلام العرب على وجهين. أحدهما عاد الشيء إلى حال قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذه الجهة لا تتعدى فإن عديت فبحرف، ومنه قول الشاعر: [السريع] شعر : إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : ألا ليت أيام الشباب جديدُ وعصراً تولّى يا بثين يعودُ تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا} تفسير : [الأنعام:28] ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فإن تكن الأيام أحسن مرة إليّ فقد عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ تفسير : والوجه الثاني أن تكون بمعنى صار وعاملة عملها ولا تتضمن أن الحال قد كانت متقدمة. ومن هذه قول الشاعر: [البسيط] شعر : تلك المكارم لاقعبان من لبن شيباً بماء فعادا بعد أبوالا تفسير : ومنه قول الآخر: [الرجز] شعر : وعاد رأسي كالثغامة تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : حتى عاد كالعرجون القديم} تفسير : [يس:39] على أن هذه محتملة، فقوله في الآية أو {لتعودن} و {شعيب} عليه السلام لم يكن قط كافراً يقتضي أنها بمعنى صار، وأما في جهة المؤمنين بعد كفرهم فيترتب المعنى الآخر ويخرج عنه "شعيب" إلا أن يريدوا عودته إلى حال سكوته قبل أن يبعث، وقوله {أو لو كنا كارهين} توقيف منه لهم على شنعة المعصية وطلب أن يقروا بألسنتهم بإكراه المؤمنين بالله على الإخراج ظلماً وغشماً. والظاهر في قوله: {قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم} أنه خبر منه أي لقد كنا نواقع عظيماً ونفتري على الله الكذب في الرجوع إلى الكفر، ويحتمل أن يكون على جهة القسم الذي هو في صيغة الدعاء، مثل قول الشاعر: بقيت وفري. وكما تقول "افتريت على الله" إن كلمت فلاناً، و {افترينا} معناه شققنا بالقول واختلفنا. ومنه قول عائشة: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ونجاة "شعيب" من ملتهم كانت منذ أول أمره، ونجاة من آمن معه كانت بعد مواقعة الكفر، وقوله: {إلا أن يشاء الله} يحتمل أن يريد إلا أن يسبق علينا من الله في ذلك سابق وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد. قال القاضي أبو محمد: والمؤمنون هم المجوزون لذلك وشعيب قد عصمته النبوة، وهذا أظهر ما يحتمل القول، ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد الله به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات، فلما قال لهم: إنا لا نعود في ملتكم ثم خشي أن يتعبد الله بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ملحد بذلك ويقول: هذه عودة إلى ملتنا استثنى مشيئة الله تعالى فيما يمكن أن يتعبد به ويحتمل أن يريد بذلك معنى الاستبعاد كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط، وقد علم امتناع ذلك فهو إحالة على مستحيل. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أن الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله تعالى فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه، وقيل: إن هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدُّب. قال القاضي أبو محمد: ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ولو كان في الكلام إن شاء الله قوى هذا التأويل، وقوله: {وسع ربنا كل شيء علماً} معناه: وسع علم ربنا كل شيء كما تقول: تصبب زيد عرقاً أي تصبب عرق زيد، و {وسع} بمعنى أحاط، وقوله {افتح} معناه أحكم والفاتح الفتاح القاضي بلغة حمير، وقيل بلغة مراد، وقال بعضهم: [الوافر] شعر : ألا أبلغْ بني عصم رسولاً فإني عن فتاحتكم غنيُّ تفسير : وقال الحسن بن أبي الحسن: إن كل نبي أراد الله هلاك قومه أمره بالدعاء عليهم ثم استجاب له فأهلكهم، وقال ابن عباس ما كنت أعرف معنى هذه اللفظة حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك، وقوله {على الله توكلنا} استسلام لله وتمسك بلفظه وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: {إلا أن يشاء الله}.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ} أي: اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنين ومكذبين، و "طائفة" الثانية عطف على "طائفة" الأولى فهي اسم كان و "لم يؤمنوا" معطوف على "آمنوا" الذي هو خبر كان، عَطَفَتْ اسماً على اسم، وخبراً على خبر، ومثله لو قلت: "كان عبد الله ذاهباً وبكر خارجاً"، عطفْتَ المرفوع على مثله، وكذلك المنصوب، وقد حذف وصف طائفة الثانية لدلالة وصف الأولى عليه، إذ التقدير: "طائفة منكم لم يؤمنوا"، وحذف أيضاً متعلق الإيمان في الثانية، لدلالة الأولى عليه، إذ التقدير: لم يؤمنوا بالذي أُرسلت به، والوصف بقوله: منكم الظاهر أو المقدّر هو الذي سَوّغ وقوع "طائفة" اسماً لـ "كان" من حيث أن الاسم في هذا الباب كالمتبدأ، والمبتدأ لا يكون نكرة إلا بمسوّغٍ تقدم التنبيه عليه. قوله "فَاصْبِرُوا" يجوز أن يكون الضمير للمؤمنين من قومه، وأن يكون للكافرين منهم، وأن يكون للفريقين، وهذا هو الظاهر أَمَرَ المؤمنين بالصبر ليحصُل لهم الظفر والغلبة، والكافرون مأمورون به ليَنْصُرَ الله عليهم المؤمنين لقوله: {أية : قُلْ تَرَبَّصُواْ}تفسير : [الطور: 31]، أو على سبيل التنازل معهم أي: اصبروا فستعلمونَ مَنْ ينتصر ومن يَغْلب مع علمه بأن الغلبة له و "حتى" بمعنى "إلى" فقط. وقوله "بيننا" غَلَّب ضمير المتكلم على المخاطب، إذ المرادُ بيننا جميعاً من مؤمن وكافر، ولا حاجة إلى ادِّعاء حذف معطوف تقديره: بيننا وبينكم. ثم قال: {وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ} أي: أنه حاكم منزه عن الجور والميل والحيف.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ} من الشرائع والأحكام {وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ} أي به أو لم يفعلوا الإيمان {فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا} أي بـين الفريقين بنصر المُحقّين على المبطلين فهو وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} إذ لا معقِّبَ لحكمه ولا حَيْفَ فيه. {قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} استئنافٌ مبنيٌ على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل: فماذا قالوا بعد ما سمعوا هذه المواعظَ من شعيبٍ عليه السلام؟ فقل: قال أشرافُ قومِه المستكبرون متطاولين عليه عليه السلام غيرَ مكتفِين بمجرد الاستعصاءِ عليه والامتناعِ من الطاعة له بل بالغين من العُتوّ والاستكبارِ إلى أن قصَدوا استتباعَه عليه السلام فيما هم فيه وأتباعَه المؤمنين واجترأوا على إكراههم عليه بوعيد النفي وخاطبوه بذلك على طريقة التوكيدِ القسمي: {لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بنسبة الإخراجِ إليه عليه السلام أولاً وإلى المؤمنين ثانياً بعطفهم عليه تنبـيهاً على أصالته عليه السلام في الإخراج وتبعيتِهم له فيه كما ينبىء عنه قوله تعالى: {مَعَكَ} فإنه متعلقٌ بالإخراج لا بالإيمان وتوسيطُ النداءِ باسمه العَلَميِّ بـين المعطوفَين لزيادة التقريرِ والتهديدِ الناشئةِ من غاية الوقاحةِ والطغيان، أي والله لنُخرجنّك وأتباعَك {مِن قَرْيَتِنَا} بغضاً لكم ودفعاً لفتنتكم المترتبةِ على المساكنة والجِوارِ، وقوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} عطفٌ على جواب القسم، أي والله ليكونن أحدُ الأمرين ألبتة، على أن المقصِدَ الأصليَّ هو العَوْدُ، وإنما ذُكر النفيُ والإجلاءُ لمحض القسر والإلجاءِ كما يُفصِحُ عنه عدمُ تعرُّضِه عليه السلام لجواب الإخراجِ كأنهم قالوا: لا ندعكم فيما بـيننا حتى تدخُلوا في ملتنا، وإدخالُهم له عليه السلام في خطاب العَوْدِ مع استحالة كونِه عليه السلام في ملتهم قبل ذلك إنما هو بطريق تغليبِ الجماعةِ على الواحد وإنما لم يقولوا: أو لنُعيدنّكم على طريقة ما قبله لِما أن مُرادَهم أن يعودوا إليها بصورة الطواعيةِ حِذارَ الإخراجِ باختيار أهونِ الشرَّين لا إعادتُهم بسائر وجوهِ الإكراهِ والتعذيب. {قَالَ} استئنافٌ كما سبق أي قال عليه السلام رداً لمقالتهم الباطلةِ وتكذيباً لهم في أَيْمانهم الفاجرة: {أَوْ لَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ} على أن الهمزةَ لإنكار الوقوعِ ونفيِه لا لإنكار الواقعِ واستقباحِه كالتي في قوله تعالى: {أية : أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ } تفسير : [الشعراء: 30] ويجوز أن يكون الاستفهامُ فيه باقياً على حاله وقد مر مراراً أن كلمةَ لو في مثل هذا المقامِ ليست لبـيان انتفاءِ الشيءِ في الزمن الماضي لانتفاء غيرِه فيه فلا يلاحظ لها جوابٌ قد حذف تعويلاً على دِلالة ما قبلها عليه ملاحظةً قصديةً إلا عند القصدِ إلى بـيان الإعرابِ على القواعد الصناعيةِ بل هي لبـيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السابقُ بالذات أو بالواسطة من الحُكم الموجَب أو المنفي على كل حال مفروضٍ من الأحوال المقارنةِ له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهر بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولويةِ لِما أن الشيءَ متى تحقق مع المنافي القويِّ فلأَن يتحققَ مع غيره أولى ولذلك لا يُذكرُ معه شيءٌ من سائر الأحوال ويُكتفى عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلةِ لها الشاملةِ لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدّدِها، وهذا معنى قولِهم: إنها لاستقصاء الأحوالِ على سبـيل الإجمالِ، وهذا المعنى ظاهرٌ في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ والأمرِ والنهي كما في قولك: فلانٌ جوادٌ يعطي ولو كان فقيراً أو بخيلٌ لا يعطي ولو كان غنياً، وكقولك: أحسنْ إليه ولو أساء إليك ولا تُهِنْه ولو أهانك لبقائه على حاله سالماً عما يغيّره، وأما فيما نحنُ فيه ففيه نوعُ خفاءٍ لتغيّره بورود الإنكارِ عليه، لكن الأصلَ في الكل واحدٌ إلا أن كلمةَ لو في الصور المذكورةِ متعلقةٌ بنفس الفعل المذكورِ قبلها وأن ما يُقصد بـيانُ تحققِه على كل حال هو نفسُ مدلولِه وأن الجملةَ حالٌ من ضميره أو مما يتعلق به وأن ما في حيز لو مقرّرٌ على ما هو عليه من الاستبعاد، بخلاف ما نحن فيه، لما أن كلمةَ لو متعلقةٌ فيه بفعل مقدرٍ يقتضيه المذكورُ وأن ما يُقصد بـيانُ تحققِه على كل حال هو مدلولُه لا مدلولُ المذكورِ وأن الجملةَ حالٌ من ضميره لا من ضمير المذكورِ كما سيأتي أو المقصودُ الأصلي إنكارُ مدلولِه من حيث مقارنتُه للحالة المذكورةِ، وأما تقديرُ مقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرةِ وأن ما في حيز (لو) لا يقصد استبعادُه في نفسه بل يقصد الإشعارُ بأنه أمرٌ مقرّرٌ إلا أنه أُخرج مُخرَجَ الاستبعادِ مبالغةً في الإنكار من جهة أن العودَ مما يُنكر عند كونِ الكراهةِ أمراً مستعداً فكيف به عند كونِها أمراً محققاً ومعاملةً مع المخاطَبـين على معتقدِهم لاستنزالهم من رتبة العِناد؟ وليس المرادُ بالكراهة مجردَ كراهةِ المؤمنين للعود في ملة الكفرِ ابتداءً حتى يقال إنها معلومةٌ لهم فكيف تكون مستبعدةً عندهم بل إنما هي كراهتُهم له بعد وعيدِ الإخراجِ الذي جُعل قريناً للقتل في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا }تفسير : [النساء: 66] الآية، فإنهم كانوا يستبعدونها ويطمَعون في أنهم حينئذ يختارون العَوْدَ خشيةَ الإخراجِ، إذ رُب مكروهٍ يُختار عند حلولِ ما هو أشدُّ منه وأفظعُ، والتقديرُ: أنعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين غيرَ مبالين بالإكراه؟ فالجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير الفعل المقدرِ حسبما أُشير إليه، إذ مآلُه: أنعود فيها حالَ عدمِ الكراهةِ، وحالُ الكراهةِ إنكارٌ لما تفيده كلمتُهم الشنيعةُ بإطلاقها من العَوْد على أي حالة كانت، غيرَ أنه اكتُفِيَ بذكر الحالة الثانيةِ التي هي أشدُّ الأحوالِ منافاةً للعود وأكثرُها بُعداً منه تنبـيهاً على أنها هي الواقعةُ في نفس الأمر، وثقةً بإغنائها عن ذكر الأولى إغناءً واضحاً لأن العودَ الذي تعلق به الإنكارُ حين تحققَ مع الكراهة على ما يوجبه كلامُهم فلأن يتحققَ مع عدمها أولى. إن قلتَ: النفيُ المستفادُ من الاستفهام الإنكاريّ فيما نحن فيه بمنزلة صريحِ النفي ولا ريب في أن الأولويةَ هناك معتبرةٌ بالنسبة إلى النفي، ألا يُرى أن الأولى بالتحقق فيما ذُكر من مثال النفي عند الحالةِ المسكوتِ عنها أعني عدمَ الغِنى هو عدمُ الإعطاءِ لا نفسُه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتحقيق فيما نحن فيه عند عدمِ الكراهةِ عدمُ العَوْدِ لا نفسُه، إذ هو الذي يدل عليه قولُنا: أنعود؟ لأنه في معنى لا نعود، فلمَ اختلف الحالُ بـينهما؟ قلتُ: لِما أن مناطَ الأولويةِ هو الحكمُ الذي أريد بـيانُ تحققِه على كل حالٍ وذلك في مثال النفي عدمُ الإعطاءِ المستفادِ من الفعل المنفي المذكور، وأما فيما نحن فيه فهو نفسُ العودِ المستفادِ من الفعل المقدرِ إذ هو الذي يقتضيه الكلامُ السابقُ أعني قولَهم: (لتعودُن) وأما الاستفهامُ فخارجٌ عنه واردٌ عليه لإبطال ما يفيده ونفيِ ما يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي، وتوضيحُه أن بـين النفيـين فرقاً معنوياً تختلف به أحكامُهما التي من جملتها ما ذُكر من اعتبار الأولوية في أحدهما بالنسبة إلى نفسه، وفي الآخر بالنسبة إلى متعلَّقه ولذلك لا تستقيم إقامةُ أحدِهما مُقامَ الآخَر على وجه الكلية، ألا يُرى أنك لو قلت مكانَ أنعود فيها الخ، لا نعود فيها ولو كنا كارهين لاختلَّ المعنى اختلالاً فاحشاً، لأن مدلولَ الأولِ نفيُ العَوْد المقيدِ بحال الكراهة ومدلولَ الثاني تقيـيدُ العودِ المنفيِّ بها وذلك لأن حرفَ النفي يباشر نفسَ الفعلِ وينفيه، وما يُذكر بعده يرجِعُ إليه من حيث هو منفيٌّ. وأما همزةُ الاستفهامِ فإنها تباشر الفعلَ بعد تقيُّدِه بما بعده، لما أن دِلالتَها على الإنكار والنفي ليست بدلالة وضعيةٍ كدِلالة حرفِ النفي حتى يتعلقَ معناها بنفس الفعلِ الذي يليها، ويكونَ ما بعده راجعاً إليه من حيث هو منفيٌّ، بل هي دِلالةٌ عقليةٌ مستفادةٌ من سياق الكلامِ فلا بد أن يكون ما يُذكر بعد الفعلِ من موانعه ودواعي إنكارِه ونفيِه حتماً ليكون قرينةً صارفةً للهمزة عن حقيقتها إلى معنى الإنكارِ والنفي، ثم لما كان المقصودُ نفيَ الحُكم على كل حال مع الاقتصار على ذكر بعضٍ منها مغنٍ عن ذكر ما عداها لاستلزام تحقّقِه معه تحققه مع غيره بطريق الأولوية وكانت حالُ الكراهةِ عند كونها قيداً لنفس العَوْدِ كذلك أي مغنياً عن ذكر سائرِ الأحوالِ ضرورة أن تحققَ العَوْدِ في حال الكراهةِ مستلزِمٌ لتحققه في حال عدمِها ألبتةَ، وعند كونِها قيداً لنفيه بخلاف ذلك أي غيرُ مغنٍ عن ذكر غيرِها ضرورة أن نفيَ العودِ في حال الكراهةِ لا يستلزم بقية في غيرها بل الأمرُ بالعكس فإن نفيَه في حال الإرادةِ مستلزمٌ لنفيه في حال الكراهةِ قطعاً. استقام الأول لإفادته نفيَ العودِ في الحالتين مع الاقتصار على ذِكْر ما هو مغنٍ عن ذكر الآخر، ولم يستقم الثاني لعدم إفادتِه إياه على الوجه المذكور. إن قيل: فما وجهُ استقامتِهما جميعاً عند ذكرِ المعطوفَيْن معاً حيث يصِحّ أن يقال: لا نعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين كما يصح أن يقال: أنعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين مع أن المقدّر في حكم الملفوظِ قلنا: وجهُها أن كلاًّ منهما يفيد معنىً صحيحاً في نفسه لا أن معنى أحدِهما عينُ معنى الآخر أو متلازمان متفقانِ في جميع الأحكام، كيف لا ومدلولُ الأولِ أن العودَ منتفٍ في الحالتين ومدلولُ الثاني أن العودَ في الحالتين منتفٍ وكلا المعنيـين صحيحٌ في نفسه مصحِّحٌ لنفي العَوْدِ في الحالتين مع الاقتصار على ذكر حالة الكراهة على عكس المعنى الأول فإنه مصحِّحٌ لنفيه فيهما مع الاقتصار على ذكر حالةِ الإرادة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان كان من طائفة منكم آمنوا بالذى ارسلت به} من الشرائع والاحكام {وان طائفة لم يؤمنوا} اى به. قال فى التفسير الفارسى [قومى از مدين بشعيب عليه السلام ايمان آوردند جمعة ديكر انكار كردند وكفتند قوت وثروت ما راست نه مؤمنارا بس حق باما باشد واكر حق با ايشان بودى بايستى كه توانكرى ووسعت معاش ايشانرا بودى شعيب عليه السلام فرمودكه اكرجه شما دوكره شده ايد] {فاصبروا} فتربصوا {حتى يحكم الله بيننا} اى الفريقين بنصر المحقين على المبطلين فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين {وهو خير الحاكمين} اذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه وهو اعدل القاضين.

الطوسي

تفسير : الطائفة الجماعة من الناس، وهو من الطوف صفة غالبة أقيمت مقام الموصوف مأخوذة من أنها تجتمع على الطواف، وقد يكون جماعة الكتب والدور ونحو ذلك. وقوله {وطائفة لم يؤمنوا} إِنما جاز أن يخبر عمن لم يؤمن بأنهم طائفة وإِن كانوا هم الأكثر لتقابل قوله {طائفة منكم آمنوا} ولأن من حق الضد أن يأتي على حد ضده، كما تقول: ضربت زيداً وما ضربت زيداً، وإِنما ذكر طائفة، لأنه راجع الى الرجال، وان كان اللفظ مؤنثاً فغلب فيه المعنى في هذا الموضع ليدل على معنى التذكير، والمعنى إِن شعيباً قال لقومه: وإِن انقسمتم قسمين، ففرقة آمنت وفرقة كفرت، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، على وجه التهديد لهم والانكار على من خالف منهم، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه من الجزع وأصله الحبس، ومنه قوله (ع): (اقتلوا القاتل واصبروا الصابر) ومنه قيل للسيء: صبر، لانه يحبس النفس عن لفظه ليداويه. والحكم المنع من الخروج عن الحق بدعاء الحكمة اليه من جهة معروفة أو حجة، وأصله المنع قال الشاعر: شعر : أبني حنيفة احكموا سفهاءكم إِني أخاف عليكم أن أغضبا تفسير : وقوله {وهو خير الحاكمين} لانه لا يجوز عليه الجور، ولا المحاباة في الحكم، وإِنما علق جواب الجزاء بالصبر، وهو لازم على كل حال، لأن المعنى فسيقع جزاء كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب، كأنه قال: فأنتم مصبورون على حكم الله بذلك. قال البلخي: أمرهم في هذه الآية بالكف عما كانوا يفعلون من الصد عن الدين والتوعد عليه، والكف عن ذلك خير ورشد، ولم يأمرهم بالمقام على كفرهم والصبر. وفي ذلك دلالة على أنه ليس كل أفعال الكافرين كفراً ومعصية، كما يذهب اليه بعض أهل النظر.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مَّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ} الاتيان باداة الشّكّ امّا للتّجاهل او لشكّ المخاطب {فَٱصْبِرُواْ} فانتظروا؛ الخطاب لمجموع الطّائفتين وعداً للمؤمنين ووعيداً للكافرين {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} امّا فى الدّنيا بنصرة المحقّ على المبطل او فى الآخرة بانعام المحقّ والانتقام من المبطل.

اطفيش

تفسير : {وإن كان طائفةٌ} جاز التذكير لأن المرفوع ظاهر مجازى التأنيث، ولأنه بمعنى فريق أو قوم {منْكُم آمنُوا} فيه دليل على جواز خبر كان ماضويا مجردا من قد مثبتا، ومن منع ذلك قدر هنا وهو خلاف الأصل {بالَّذى أرسلْتُ بهِ وطائفةٌ} معطوف على طائفة {لَم يؤمنُوا} معطوف على آمنوا {فاصْبِروا} تربصوا يا أيها الكفرة وانتظروا {حَتَّى يحْكُم اللهُ} يقضى ويفصل {بيْنَنا} بين من آمن ومن كفر، ينصر الله من آمن ويهلك من كفر، ويميز المحق من المبطل، فهذا وعيد عظيم للكفرة، يتضمن وعدا للمؤمنين وتسلية لهم عما يصيبهم من الكفرة هذا هو الأظهر والأكثر، وبه قال مقاتل بن سليمان، ويجوز أن يكون الخطاب بالصبر للمؤمنين، فيكون وعدا لهم، وأى وعد وتسلية عما يصيبهم، وحثا على الصبر يتضمن وعيدا عظيما للكفرة، وبه قال ابن عباس، وأن يكون الخطاب للمؤمنين بأن يتحملوا الأذى، وللكفرة بالتربص، أو بتحمل ما يسوءكم من المؤمنين. {وهُو خَيرُ الحَاكمِينَ} لأنه لا يجوز، ولا يحيف، ولا راد لحكمه، بخلاف سائر الحكَّام، فقد يجورون ويحيفون، وقد يعدلون، وقد ترد أحكامهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ كَانَ طَائِفَة مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَة} منكم {لَّمْ يُؤْمِنُوا} به {فَاصْبِرُوا} انتظروا أَيها الكفار، والخطاب لهم فالمراد بالصبر لازمة وهو الانتظار، {حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا} نا واقعة على المؤمنين والكافرين فلا حاجة إِلى تقدير وبيتكم، وفى ذلك تغليب التكلم على الخطاب بالنسبة إِلى الكفار، وتغليب التكلم على الغيبة بالنسبة للمؤمنين، والآية وعد للمؤمنين وإِيعاد للكافرين لأَنها تتضمن نصر المؤمنين عليهم، ويجوز تفسير الصبر بظاهره والخطاب به للمؤمنين والكفار، أَى ليصبر المؤمنون على أَذى الكفار، والكفار على ما يسوؤهم من إِيمان من آمن منهم، وما تقدم أَولى لأَن مساق الآية للتربص إِلى حكم الله عليهم بالهلاك، ويجوز أَن يكون للمؤمنين لينالوا فضل الصبر ويظفروا بهلاك عدوهم {وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ} أَشدهم عدلا، وكأَنه قيل: بم أَجابوا شعيبا إِذ قال ذلك فقال: {قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} عن الإِيمان {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} بالله ووحدانيته {مَعَكَ} متعلق بآمنوا لا بنخرج {مِنْ قَرْيَتِنَا} مدين، وبينها وبين مصر ثمانية مراحل، ومر أَنها سميت باسم مدين بن إِبراهيم، أُرسل شعيب إِلى أَهل مدين وإِلى أَهل الأَيكة، وهى قرب مدين {أَوْ لَتَعُودُنَّ} لم يقولوا أَو لنعيدنكم كما هو الموافق لقوله: لنخرجنك لأَن مرادهم أَن يعودوا اختيارا ولو بكره لا أَن يعودوا بالإِجبار {فِى مِلَّتِنَا} ملة الإِشراك بالله والمنكرات التى يفعلونها، أَى أَو لتصيرن، والصيرورة إِلى الشئِ شاملة لأَن لا يكون الصائر إِليه فيه قبل ذلك كما هو شأن شعيب؛ فإِن الأَنبياء لا يعصون قبل النبوة ولا بعدها إِلا ما يعد عصيانا فى حقهم، وشاملة لأَن يكونوا فيه قبل الانصراف عنه ثم يرجعوا إِليه كما هو شأن من آمن به من قومه، ويبعد أَن يكون الخطاب فى تعودون لقومه فقط، فيكون العود على ظاهره، إِلا أَن فى هذا خطابين لفريقين كل على حدة، ولا بأس بذلك فهو كقوله تعالى: "أية : يوسف أَعرض عن هذا واستغفرى لذنبك" تفسير : [يوسف: 29] وإِلا أَنه لا يناسبه كل المناسبة قوله {قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} إِذ لم يقل على هذا الوجه أَولو كانوا كارهين، والجواب أَنه مناسب جداً، أَى المؤمنون معه كيد واحدة يهمه ما يهمهم، ويهمهم ما يهمه، فهذه نكتة أَو لو كنا بإِدخال نفسه معهم، وأَما إِذا قلنا: الخطاب فى تعودون له ولهم، فلا خفاءَ فى دخوله أَيضا فى قوله: "أَو لو كنا كارهين" ويجوز أَن يكونوا توهموا من حاله قبل الإِرسال إِليهم أَنه على دينهم ولو كان قد يأمرهم وينهاهم، فقالوا: لتعودن أَنت وقومك كما كنتم من قبل، أَو أَدرجوه مع قومه تغليبا لهم عليه مع علمهم بأَنه لم يكن قط على دينهم، أَو أَوهموا العامة أَنه كان على دينهم قبل، وفى بمعنى إِلى، أَو للظرفية، وفيها مبالغة بأَن تكون ملتهم كظرف لشعيب ومن آمن به فى التمكن فيها، والتقدير: أَنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين بالعطف على محذوف كما رأَيت، وهذا أَولى من تقدير تعيدوننا فيها، وتقدير العود أَو الإِعادة ِما مجازاة منه لهم كأَنه كان فيها مع علمهم أَنه لم يكن فيها إِذ خاطبوه خطاب الكائن فيها، وإِما مجاراة لتوهمهم أَنه كان فيها، أَو مجاراة لإيهامهم العامة، وإِما تفسير له بمطلق الصيرورة، وليس يحل له إِيهامهم أَو إِيهام العامة أَنه كان عليه فليس موهما، ولكن مجاراة لفظية، والاستفهام تعجب، ويجوز أَن يعتبروا على ما عندهم أَنه لو شاءَ لكفر فحكموا بحكم من كان قبل فى الكفر، كما أَن من الجائز أَن يكون الكفر فى الإِسلام فى زمانهم بعد بلوغهم، فقال الله عز وجل "أية : يخرجونهم من النور إِلى الظلمات"تفسير : [البقرة: 257] فى أَحد أَوجه، أَو عبر بالعود لمشاكلة الخروج من القرية، أَى ليكن منكم الخروج من قريتنا أَو عودكم إِليها كائنين فى ملتنا.

الالوسي

تفسير : {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ } من الشرائع والأحكام {وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ } به أو لم يفعلوا الإيمان {فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا } خطاب للكفار ووعيد لهم أي تربصوا لتروا حكم الله تعالى بيننا وبينكم فإنه سبحانه سينصر المحق على المبطل ويظهره عليه، أو هو خطاب للمؤمنين وموعظة لهم وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله تعالى بينهم وينتقم لهم منهم. ويجوز أن يكون خطاباً للفريقين أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار وليصبر الكفار على ما يسوؤهم من إيمان من آمن منهم حتى يحكم فيميز الخبيث من الطيب، والظاهر الاحتمال الأول. وكان المقصود أن إيمان البعض لا ينفعكم في دفع بلاء الله تعالى وعذابه {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه فهو في غاية السداد.

الشنقيطي

تفسير : بين تعالى حكمه الذي حكم به بينهم بقوله: {أية : وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} تفسير : [هود: 94]: وقوله {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 78]، وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 92]، وقوله: {أية : فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ} تفسير : [الشعراء: 189] الآية. فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيب ذكر تعالى في الأعراف أنه رجفة، وذكر في هود أنه صيحة، وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم الظلة. فالجواب: ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابه عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم. ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم. فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام اهـ. منه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 87- وإذا كانت طائفة منكم آمنوا بالحق الذى أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا، فانتظروا حتى يحكم الله بين الفريقين وهو خير الحاكمين. 88- هذا شأن شعيب فى دعوته قومه، أما القوم فقد تمالأوا على الباطل، وتولى أكابرهم الذين استكبروا عن الدعوة، واستنكفوا أن يتبعوا الحق، وواجهوا شعيباً بما يضمرون، فقالوا له: إنا لا محالة سنخرجك ومن آمن معك من قريتنا، ونطردكم، ولا ننجيكم من هذا العذاب إلا أن تصيروا فى ديننا الذى هجرتموه. فرد عليهم شعيب - عليه السلام - قائلا: أنصير فى ملتكم ونحن كارهون لها لفسادها؟ لا يكون ذلك أبداً. 89- وبالغ فى قطع طمعهم من العودة إلى ملتهم كما يطلبون، فقال: نكون كاذبين على الله إن صرنا فى ملتكم بعد أن هدانا الله إلى الصراط المستقيم، ولا ينبغى لنا أن نصير فى ملتكم بمحض اختيارنا ورغبتنا. إلا أن يشاء الله عودتنا إلى ملتكم، وهيهات ذلك. لأنه ربنا العليم بنا، فلا يشاء رجوعنا إلى باطلكم، فهو - جل شأنه - وسع كل شئ علماً، يهدينا بلطفه وحكمته إلى ما يحفظ علينا إيماننا إليه - وحده - سلمنا أمرنا مع قيامنا بما أوجبه علينا. ربنا افصل بيننا وبين قومنا بالحق الذى مضت به سنتك فى الفصل بين المحقين المصلحين والمبطلين المفسدين، وأنت - لإحاطة علمك وقدرتك - أعدل الحاكمين وأقدرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَآئِفَةٌ} {آمَنُواْ} {ٱلْحَاكِمِينَ} (87) - وَيُتَابِعُ شُعَيْبٌ، عَلَيهِ السَّلاَمُ، نُصْحَ قَوْمِهِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّكُمْ إِنِ اخْتَلَفْتُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَآمَنَ فَرِيقٌ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، وَدَعَوْتُكُمْ إِلَيهِ، وَكَفَرَ فَرِيقٌ بِمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ رَبِّي، فَلا تَتَعَجَّلُوا الحُكْمَ عَلَى المُؤْمِنينَ، وَانْتَظِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَيَفْصِلَ فِيمَا اخْتَلَفْنا فِيهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَيْرُ مَنْ يُحْكُمُ، وَأَعْدَلُ مَنْ يَقْضي، وَلاَ شَكَّ فِى أَنَّهُ سَيَجْعَلُ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَسَيَجْعَلُ الدَّمَار عَلَى الكَافِرِينَ، لأَنَّ سُنَّتَهُ تَعَالَى قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ، فَلْيَعْتَبِرِ الكَافِرُونَ بِعَاقِبَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، مِنَ الكُفَّارِ المُكَذِّبِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا القول يوضح لنا أن طائفة آمنت، وطائفة لم تؤمن، ثم جاء الأمر للطائفتين، فأمر المؤمنين بالصبر تأنيس لهم، وأمر الكافرين بالصبر تهديد لهم. وهذه دقة القرآن في الأداء وعظمة البيان والبلاغة. إذن، فكلمة: فاصبروا نفعت في التعبير عن الأمر بالصبر للذين آمنوا، ونفعت في كشف المصير الذي ينتظر الذين لم يؤمنوا، فصبر الكافرين مآله وعاقبته، إما أن يخجلوا من أنفسهم فيؤمنوا، وإما أن يجدوا العذاب، وصبر المؤمنين يقودهم إلى الجنة، وأن الذي يحكم هو الله وهو خير الحاكمين؛ لأن المحكوم عليهم بالنسبة له سواء، فلا أحد منهم له أفضلية على أحد، ولا أحد منهم قريبه، وإلا قرابة القربى والزلفى إليه، وسبحانه هو العادل بمطلق العدل، ولا يظلم أحداً. ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ...}

الجيلاني

تفسير : {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ} من العدالة الصورية والمعنوية {وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ} عناداً واستكباراً {فَٱصْبِرُواْ} وانتظروا {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} يمقتضى عدله {بَيْنَنَا} أي: بين الفريقين بالنصر على من آمن والقهر على من كفر واستكبر {وَهُوَ} سبحانه في ذاته {خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] يحكم بمقتضى حكمته المتقنة المتفرعة على العدالة الحقيقية. وبعدما سمعوا منه ما سمعوا {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} على وجه المبالغة والتأكيد وعدم المبالاة: {لَنُخْرِجَنَّكَ} البتة {يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ} وصدقوا قولك {مِن قَرْيَتِنَآ} كرهاً وإجلاً {أَوْ لَتَعُودُنَّ} أنت ومن معك {فِي مِلَّتِنَا} التي كنتم عليها من قبل {قَالَ} عليه لسلام مستبعداً مستنكراً: {أَوَلَوْ كُنَّا} في الأيام السالفة أيضاً {كَارِهِينَ} [الأعراف: 88] منكرين ملتكم التي أنتم عليها، فتعيدوننا إليها، وكيف نعود؟! {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا} البتة {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا} وصرنا {فِي مِلَّتِكُمْ} سيما {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ} المنجي لعباده عن ظلمة الكفر {مِنْهَا} وألهمنا بطلان ما أنتم عليه {وَ} بالجملة: {مَا يَكُونُ} يجوز ويصح {لَنَآ أَن نَّعُودَ} ونرجع {فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} عودنا ومصيرنا إليه؛ إذ هو {رَبُّنَا} يربينا بلطفه بما هو خير لنا، وإن كان فيها خيراً بعيدنا إليها؛ إذ {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} تحققاً وحضوراً لذلك {عَلَى ٱللَّهِ} لا على غيره من الأسباب {تَوَكَّلْنَا} في جميع ما جرى علينا، واتخذناه، وكيلاً لجميع أمورنا {رَبَّنَا} يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم {ٱفْتَحْ} واقض على ما جرى عليه حكمك وقضاؤك {بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع والموافق لما ثبت في لوح القضاء {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] الحاكمين بين ذوي الخصومات.