Verse. 1042 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ الْمَلَاُ الَّذِيْنَ اسْـتَكْبَرُوْا مِنْ قَوْمِہٖ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَاۗ اَوْ لَتَعُوْدُنَّ فِيْ مِلَّتِنَا۝۰ۭ قَالَ اَوَلَوْ كُنَّا كٰرِہِيْنَ۝۸۸ۣ
Qala almalao allatheena istakbaroo min qawmihi lanukhrijannaka ya shuAAaybu waallatheena amanoo maAAaka min qaryatina aw lataAAoodunna fee millatina qala awalaw kunna kariheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال الملأ الذين استكبروا من قومه» عن الإيمان «لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودُن» ترجعن «في ملتنا» ديننا وغلبوا في الخطاب الجمع على الواحد لأن شعيبا لم يكن في ملتهم قط وعلى نحوه أجاب «قال أ» نعود فيها «ولو كنا كارهين» لها استفهام إنكار.

88

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن شعيباً لما قرر تلك الكلمات قال: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } وأنفوا من تصديقه وقبول قوله لا بد من أحد أمرين: إما أن ونخرجك ونخرج أتباعك من هذه القرية وإما أن تعود إلى ملتنا، والإشكال فيه أن يقال: إن قولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } يدل على أنه عليه السلام كان على ملتهم التي هي الكفر، فهذا يقتضي أنه عليه السلام كان كافراً قبل ذلك، وذلك في غاية الفساد، وقوله: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } يدل أيضاً على هذا المعنى. والجواب من وجوه: الأول: أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه كفاراً فخاطبوا شعيباً بخطاب أتباعه وأجروا عليه أحكامهم. الثاني: أن رؤساءهم قالوا ذلك على وجه التلبيس على العوام يوهمون أنه كان منهم، وأن شعيباً ذكر جوابه على وفق ذلك الإيهام. الثالث: أن شعيباً في أول أمره كان يخفي دينه ومذهبه، فتوهموا أنه كان على دين قومه. الرابع: لا يبعد أن يقال: إن شعيباً كان على شريعتهم، ثم إنه تعالى نسخ تلك الشريعة بالوحي الذي أوحاه إليه. الخامس: المراد من قوله: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } أي لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود بمعنى الابتداء. تقول العرب: قد عاد إلي من فلان مكروه، يريدون قد صار إلي منه المكروه ابتداء. قال الشاعر:شعر : فإن تكن الأيام أحسن مدة إلى فقد عادت لهن ذنوب تفسير : أراد فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوباً كانت لهن قبل الإحسان، ثم إنه تعالى بين أن القوم لما قالوا ذلك أجاب شعيب عليه السلام عن كلامهم بوجهين: الأول: قوله: {وَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ } الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال. تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين: الثاني: قوله: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } والجواب الأول يجري مجرى الرمز في أنه لا يعود إلى ملتهم، وهذا الجواب الثاني تصريح بأنه لا يفعل ذلك فقال: إنه إن فعلنا ذلك فقد افترينا على الله. وأصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة، والبراءة عن الكذب، فالعود في ملتكم يبطل النبوة، ويزيل الرسالة. وقوله: {إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } فيه وجوه: الأول: معنى {إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } علمنا قبحه وفساده، ونصب الأدلة على أنه باطل. الثاني: أن المراد أن الله نجى قومه من تلك الملة، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم، وإن كان بريئاً منه إجراء الكلام على حكم التغليب. والثالث: أن القوم أوهموا أنه كان على ملتهم، أو اعتقدوا أنه كان كذلك. فقوله: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } أي حسب معتقدكم وزعمكم. أما قوله: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. فاعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر، والمعتزلة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يشاء إلا الخير والصلاح. أما وجه استدلال أصحابنا بهذه، فمن وجهين: الأول: قوله: {إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } يدل على أن المنجي من الكفر هو الله تعالى، ولو كان الإيمان يحصل بخلق العبد، لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه، لا من الله تعالى، وذلك على خلاف مقتضى قوله: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } الثاني: أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى تلك الملة، ولما كانت تلك الملة كفراً، كان هذا تجويزاً من شعيب عليه السلام أن يعيدهم إلى الكفر، فكاد هذا يكون تصريحاً من شعيب بأنه تعالى قد شاء رد المسلم إلى الكفر، وذلك غير مذهبنا. قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر. ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام: {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلاْصْنَامَ } تفسير : [إبراهيم: 35] وكثيراً ما كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول: «حديث : يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك» تفسير : وقال يوسف: {أية : تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } تفسير : [يوسف: 101] أجابت المعتزلة عنه من وجوه: الأول: أن قوله ليس لنا أن نعود إلى تلك الملة إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إليها قضية شرطية، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء. والثاني: أن هذا مذكور على طريق التبعيد، كما يقال: لا أفعل ذلك إلا إذا ابيض القار، وشاب الغراب: فعلق شعيب عليه السلام عوده إلى ملتهم على مشيئته. ومن المعلوم أنه لا يكون نفياً لذلك أصلاً، فهو على طريق التبعيد، لا على وجه الشرط. الثالث: أن قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } ليس فيه بيان أن الذي شاءه الله ما هو، فنحن نحمله على أن المراد إلا أن يشاء الله ربنا بأن يظهر هذا الكفر من أنفسنا إذا أكرهتمونا عليه بالقتل، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره، وما كان جائزاً كان مراداً لله تعالى، وكون الضمير أفضل من الإظهار، لا يخرج ذلك الإظهار من أن يكون مراد الله تعالى، كما أن المسح على الخفين مراد الله تعالى وإن كان غسل الرجلين أفضل. الرابع: أن قوله: {لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ} المراد الإخراج عن القرية، فيحمل قوله: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } أي القرية، لأنه تعالى قد كان حرم عليه إذا أخرجوه عن القرية، أن يعود فيها إلا بإذن الله ومشيئته. الخامس: أن نقول يجب حمل المشيئة ههنا على الأمر، لأن قوله: {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ } معناه: أنه إذا شاء كان لنا أن نعود فيها. وقوله: {لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } أي يكون ذلك العود جائزاً، والمشيئة عند أهل السنة لا يوجب جواز الفعل، فإنه تعالى يشاء الكفر من الكافر عندهم، ولا يجوز له فعله، إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر. فثبت أن المراد من المشيئة ههنا الأمر، فكان التقدير: إلا أن يأمر الله بعودنا في ملتكم فإنا نعود إليها، والشريعة التي صارت منسوخة، لا يبعد أن يأمر الله بالعمل بها مرة أخرى، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم. والوجه السادس: للقوم في الجواب ما ذكره الجبائي، فقال: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف العبادة فيها بالأوقات، كالصلاة والصيام وغيرهما، فقال شعيب: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِي مِلَّتِكُمْ } ولما دخل في ذلك كل ما هم عليه، وكان من الجائز أن يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقياً غير منسوخ، لا جرم قال: {إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ } والمعنى: إلا أن يشاء الله إبقاء بعضها فيدلنا عليه، فحينئذ نعود إليها فهذا الاستثناء عائد إلى الأحكام التي يجوز دخول النسخ والتغيير فيها، وغير عائد إلى ما لا يقبل التغير ألبتة فهذه أسئلة القوم على هذه الطريقة وهي جيدة، وفي الآيات الدالة على صحة مذهبنا كثرة، ولا يلزم من ضعف استدلال أصحابنا بهذه الآية دخول الضعف في المذهب. وأما المعتزلة فقد تمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين: الوجه الأول: لما قالوا ظاهر قوله: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّنَا } يقتضي أنه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود إليها، وذلك يقتضي أن كل ما شاء الله وجوده، كان فعله جائزاً مأذوناً فيه، ولم يكن حراماً. قالوا: وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد الله حصوله، كان حسناً مأذوناً فيه، وما كان حراماً ممنوعاً منه لم يكن مراداً لله تعالى. والوجه الثاني: لهم أن قالوا: إن قوله: {لَنُخْرِجَنَّكَ...أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم إلى تلك الملة أيضاً بخلق الله، وإذا كان حصول القسمين بخلق الله، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة. واعلم أنه لما تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى سائر الآيات في هذا الباب. أما قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذا الكلام بالكلام الأول وجوه: قال القاضي: قد نقلنا عن أبي علي الجبائي أن قول شعيب: {إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّنَا } معناه: إلا أن يخلق المصلحة في تلك العبادات، فحينئذ يكلفنا بها، والعالم بالمصالح ليس إلا من وسع علمه كل شيء،فلذلك أتبعه بهذا القول. وقال أصحابنا: وجه تعلق هذا الكلام بما قبله، هو أن القوم لما قالوا لشعيب: إما أن تخرج من قريتنا وإما أن تعود إلى ملتنا، فقال شعيب: {وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً } فربما كان في علمه حصول قسم ثالث، وهو أن نبقى في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم بل يجعلكم مقهورين تحت أمرنا ذليلين خاضعين تحت حكمنا، وهذا الوجه أولى مما قاله القاضي، لأن قوله: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } لائق بهذا الوجه، لا بما قاله القاضي. المسألة الثانية: قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } يدل على أنه تعالى كان عالماً في الأزل بجميع الأشياء، لأن قوله: {وَسِعَ} فعل ماض، فيتناول كل ماض. وإذا ثبت أنه كان في الأزل عالماً بجميع المعلومات وثبت أن تغير معلومات الله تعالى محال، لزم أنه ثبتت الأحكام وجفت الأقلام والسعيد من سعد في علم الله، والشقي من شقي في علم الله. المسألة الثالثة: قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } يدل على أنه علم الماضي، والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف كان يكون، فهذه أقسام أربعة، ثم كل واحد من هذه الأقسام الأربعة يقع على أربعة أوجه. أما الماضي: فإنه علم أنه لما كان ماضياً، فإنه كيف كان. وعلم أنه لو لم يكن ماضياً، بل كان حاضراً، فإنه كيف يكون وعلم أنه لو كان مستقبلاً كيف يكون. وعلم أنه لو كان عدماً محضاً كيف يكون، فهذه أقسام أربعة بحسب الماضي، واعتبر هذه الأقسام الأربعة بحسب الحال، وبحسب المستقبل، وبحسب المعدوم المحض، فيكون المجموع ستة عشر، ثم اعتبر هذه الأقسام الستة عشر بحسب كل واحد من الذوات والألوان والطعوم والروائح، وكذا القول في سائر المفردات من أنواع الأعراض وأجناسها، فحينئذ يلوح لعقلك من قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } بحر لا ينتهي مجموع عقول العقلاء إلى أول خطوة من خطوات ساحله. المسألة الرابعة: قال الواحدي: قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } منصوب على التمييز. واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ختم كلامه بأمرين: الأول: بالتوكل على الله. فقال: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } فهذا يفيد الحصر، أي عليه توكلنا لا على غيره، وكأنه في هذا المقام عزل الأسباب، وارتقى عنها إلى مسبب الأسباب. والثاني: الدعاء. فقال: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} قال ابن عباس والحسن وقتادة، والسدي: احكم واقض. وقال الفراء: أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح لأنه يفتح مواضع الحق، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما كنت أدري قوله: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ } حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك. قال الزجاج: وجائز أن يكون قوله: {ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} أي أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف، والمراد منه: أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب وقومه محقين، وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتبيين. ثم قال: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ } والمراد منه الثناء على الله. واحتج أصحابنا بهذا اللفظ على أنه هو الذي يخلق الإيمان من العبد، وذلك لأن الإيمان أشرف المحدثات، ولو فسرنا لفتح بالكشف والتبيين، فلا شك أن الإيمان كذلك. إذا ثبت هذا فنقول: لو كان الموجد للإيمان هو العبد، لكان خير الفاتحين هو العبد، وذلك ينفي كونه تعالى خير الفاتحين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} تقدّم معناه. ومعنى «أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا» أي لتصِيرُنّ إلى ملتنا. وقيل: كان أتباع شعيب قبل الإيمان به على الكفر، أي لتعودُنّ إلينا كما كنتم من قبل. قال الزجاج: يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء؛ يقال: عاد إليّ من فلان مكروه، أي صار، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، أي لحقني ذلك منه. فقال لهم شعيب؛ {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي ولو كنا كارهين تجبروننا عليه، أي على الخروج من الوطن أو العود في مِلتكم. أي إن فعلتم هذا أتيتم عظيماً. {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} إياس من العود إلى مِلتهم. {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} قال أبو إسحاق الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عز وجل، قال: وهذا قول أهل السنة؛ أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلى أن يشاء الله ذلك. فالاستثناء منقطع. وقيل: الاستثناء هنا على جهة التسليم للَّه عز وجل؛ كما قال: {أية : وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [هود: 88]. والدليل على هذا أن بعده {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا}. وقيل: هو كقولك لا أُكلمك حتى يبيض الغراب، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. والغراب لا يبيض أبداً، والجمل لا يلج في سم الخياط. قوله تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي علِم ما كان وما يكون. «عِلْماً» نصب على التمييز. وقيل: المعنى «وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا» أي في القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها. «إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» ردّنا إليها. وفيه بعد؛ لأنه يقال: عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية. قوله تعالى: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي ٱعتمدنا. وقد تقدّم في غير موضع. {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} قال قتادة: بعثه الله إلى أُمتين: أهل مدين، وَأَصْحَاب الأَيْكَة. قال ٱبن عباس: وكان شعيب كثير الصلاة، فلما طال تمادي قومه في كفرهم وغيهم، ويئس من صلاحهم، دعا عليهم فقال: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 89]. فٱستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأْ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه الصلاة والسلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقاً، لكن غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله. {قَالَ أُوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ} أي كيف نعود فيها ونحن كارهون لها، أو أتعيدوننا في حال كراهتنا.

ابن كثير

تفسير : هذا خبر من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه شعيباً ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية، أو الإكراه على الرجوع في ملتهم، والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول، والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة، وقوله: {أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ} يقول: أو أنتم فاعلون ذلك، ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه؛ فإنا إن رجعنا إلى ملتكم، ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أنداداً، وهذا تعبير منه عن اتباعهم {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} وهذا رد إلى المشيئة؛ فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علماً {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي: في أمورنا؛ ما نأتي منها وما نذر {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} أي: احكم بيننا وبين قومنا، وانصرنا عليهم {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ} أي: خير الحاكمين؛ فإنك العادل الذي لا يجور أبداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ } عن الإِيمان {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ } ترجعنّ {فِى مِلَّتِنَا } ديننا وغلبوا في الخطاب الجمع على الواحد لأن شعيباً لم يكن في ملتهم قط، وعلى نحوه أجاب {قَالَ أَ } نعود فيها {وَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ } لها؟ استفهام إنكار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنْ عُدنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجّانَا اللَّهُ مِنْهَا} والفرق بين الملة والدين أن الملة ما شرعه الله، والدين ما اعتقده الناس تقرباً إلى الله، فصار كل دين ملة وليس كل ملة ديناً. فإن قيل: فالعود إلى الشيء الرجوع إليه بعد الخروج منه فهل كان شعيب على ملة قومه من الكفر حتى يقول: {إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم}. في الجواب عنه ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذه حكاية عمن اتبع شعيباً من قومه الذين كانوا قبل اتباعه على ملة الكفر. الثاني: أنه قال ذلك على التوهم أنه لو كان عليها لم يعد إليها. والثالث: أنه يطلق ذكر العَود على المبتدىء بالفعل وإن لم يسبق منه فعل مثله سن قولهم: قد عاد عليّ من فلان مكروه وإن لم يسبقه بمثله كقول الشاعر: شعر : لَئِن كَانَت الأَيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً إِلَيَّ فَقَدْ عَادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ أَتَى دَونَ حُلْوِ الْعَيْشِ شَيْءٌ أُمِرُّهُ كُرُوبٌ عَلَى آثَارِهِنّ كُرُوبُ تفسير : ثم قال: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} فيه قولان: أحدهما: أن نعود في القرية إلاّ أن يشاء الله، قاله بعض المتكلمين. والثاني: وهو قول الجمهور أن نعود في ملة الكفر وعبادة الأوثان. فإن قيل فالله تعالى لا يشاء عبادة الأوثان فما وجه هذا القول من شعيب؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قد كان في ملتهم ما يجوز التعبد به. والثاني: أنه لو شاء عبادة الوثن لكانت عبادته طاعة لأنه شاءه كتعبده بتعظيم الحجر الأسود. والثالث: أن هذا القول من شعيب علىالتعبيد والامتناع كقوله تعالى: {أية : حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40] وكقولهم: حتى يشيب الغراب. ثم قال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَومِنَا بِالْحَقِّ وََأَنتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ} فيه وجهان: أحدهما: اكشف بيننا وبين قومنا، قاله قتادة. والثاني: احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين. وذكر الفراء، أن أهل عُمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح. وقال غيره: إنه لغة مراد، قال الشاعر: شعر : أَلاَ أَبْلِغْ بَنِي عُصَمَ رَسُولاً بِأَنِّي عَنْ فَتَّاحِكُمُ غَنِي تفسير : وقد قال ابن عباس: كنت لا أدري ما قوله: {رَبَّنَا افتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ} حتى سمعت بنت ذي يزن تقول: تعالَيْ أفاتحك، يعني أقاضيك. وقيل: إنه سمي بذلك لأنه يفتح باب العلم الذي قد انغلق على غيره. فإن قيل: فما معنى قوله {بِالْحَقِّ} ومعلوم أن الله لا يحكم إلا بالحق؟. ففي الجواب عنه أربعة أوجه: أحدها: أنه قال ذلك صفة لحكمه لا طلباً له. والثاني: أنه سأل الله أن يكشف لمخالفه من قومه أنه على حق. والثالث: أن معناه احكم بيننا الذي هو الحق، قاله ابن بحر. والرابع: احكم في الدنيا بنصر الحق، قاله السدي.

النسفي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم وإما عودكم في الكفر {قَالَ } شعيب {أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ } الهمزة للاستفهام والواو للحال تقديره أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ومع كوننا كارهين قالوا: نعم. ثم قال شعيب {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } وهو قسم على تقدير حذف اللام أي والله لقد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } خلصنا الله. فإن قلت: كيف قال شعيب {إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } والكفر على الأنبياء عليهم السلام محال؟ قلت: أراد عود قومه إلا أنه يضم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب {وَمَا يَكُونُ لَنَا } وما ينبغي لنا وما يصح {أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّنَا } إلا أن يكون سبق في مشيئته أن نعود فيها إذ الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى خيرها وشرها {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } تمييز أي هو عالم بكل شيء فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } أي الحكم والفتاحة الحكومة والقضاء بالحق بفتح الأمر المغلق فلذا سمي فتحاً، ويسمي أهل عمان القاضي فتاحاً {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ } كقوله {أية : وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ }تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } مغبونون لفوات فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية. وجواب القسم الذي وطأته اللام في {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ } وجواب الشرط {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } فهو ساد مسد الجوابين {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } الزلزلة {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } ميتين {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } مبتدأ خبره {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } لم يقيموا فيها. غني بالمكان أقام {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } مبتدأ خبره {كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ } لا من قالوا لهم إنكم إذاً لخاسرون وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا كأن لم يقيموا في دارهم، لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله، الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه فهم الرابحون، وفي التكرار مبالغة واستعظام لتكذيبهم ولما جرى عليهم. {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } بعد أن نزل بهم العذاب {وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءاسَىٰ } أحزن {عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } اشتد حزنه على قومه، ثم أنكر على نفسه فقال: كيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم، أو أراد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والتحذير مما حل بكم فلم تصدقوني فكيف آسى عليكم {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } يقال لكل مدينة قرية، وفيه حذف أي فكذبوه {إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَاء } بالبؤس والفقر {وَٱلضَّرَّاء } الضر والمرض لاستكبارهم عن اتباع نبيهم، أو هما نقصان النفس والمال {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ } أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء، والمحنة: الرخاء والسعة والصحة {حَتَّىٰ عَفَواْ } كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم «عفا النباب» إذا كثر، ومنه قوله عليه السلام «حديث : واعفوا اللحى» . تفسير : وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا ٱلضَّرَّاء وَٱلسَّرَّاء } أي قالوا هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا نحو ذلك وما هو بعقوبة الذنب فكونوا على ما أنتم عليه {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً } فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بنزول العذاب. واللام في {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ } إشارة إلى أهل القرى التي دل عليها {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } كأنه قال: ولو أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا {ءامَنُواْ } بدل كفرهم {وَٱتَّقَوْاْ } الشرك مكان ارتكابه {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم } {لَفَتَحْنَا } شامي {بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } أراد المطر والنبات أو لآتيناهم بالخير من كل وجه {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ } الأنبياء {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بكفرهم وسوء كسبهم، ويجوز أن تكون اللام للجنس {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } يريد الكفار منهم {أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا } عذابنا {بَيَاتًا } ليلاً أي وقت بيات، يقال بات بياتاً {وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } نهاراً. والضحى في الأصل ضوء الشمس إذا أشرقت. والفاء والواو في {أَفَأَمِنَ } و {أَوَ أَمِنَ } حرفا عطف دخل عليهما همزة الإنكار، والمعطوف عليه {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً } وقوله {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ } إلى {يَكْسِبُونَ } اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. وإنما عطفت بالفاء لأن المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى {أَوَ أَمِنَ } شامي وحجازي على العطف بـ «أو» والمعنى إنكار الأمن من أحد هذين الوجهين من إتيان العذاب ليلاً أو ضحى، فإن قلت: كيف دخل همزة الاستفهام على حرف العطف وهو ينافي الاستفهام؟ قلت: التنافي في المفرد لا في عطف جملة على جملة لأنه على استئناف جملة بعد جملة {وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يشتغلون بما لا يجدي عليهم. {أَفَأَمِنُواْ } تكرير لقوله {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } {مَكْرَ ٱللَّهِ } أخذه العبد من حيث لا يشعر. وعن الشبلي قدس الله روحه العزيز: مكره بهم تركه إياهم على ما هم عليه. وقالت ابنة الربيع بن خيثم لأبيها: مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله {أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتاً } {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } إلا الكافرون الذين خسروا أنفسهم حتى صاروا إلى النار. {أَوَلَمْ يَهْدِ} يبين {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } {أَن لَّوْ نَشَاء } مرفوع بأنه فاعل {يَهْدِ } «وأن» مخففة من الثقيلة أي أولم يهدِ للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثونهم أرضهم هذا الشأن، وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم فأهكلنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين، وإنما عدي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين {وَنَطْبَعُ } مسأنف أي ونحن نختم {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } الوعظ {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } كقوله {أية : هَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا }تفسير : [هود: 72] في أنه مبتدأ وخبر وحال، أو تكون {ٱلْقُرَىٰ } صفة {تِلْكَ } و {نَقُصُّ } خبراً والمعنى: تلك القرى المذكورة من قوم نوح إلى قوم شعيب نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عند مجيء الرسل بالبينات {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } بما كذبوا من آيات الله من قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولاً حين جاءتهم الرسل أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين مع تتابع الآيات، واللام لتأكيد النفي. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الطبع الشديد {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } لما علم منهم أنهم يختارون الثبات على الكفر {وَمَا وَجَدْنَا لأَِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } الضمير للناس على الإطلاق يعني أن أكثر الناس نقضوا عهد الله وميثاقه في الإيمان، والآية اعتراض، أو للأمم المذكورين فإنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن ثم أنجاهم نكثوا {وإن }وإن الشأن والحديث {وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ } لخارجين عن الطاعة، والوجود بمعنى العلم بدليل دخول «إن» المخففة واللام الفارقة، ولا يجوز ذلك إلا في المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} هم الرؤساء {لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ} ونخرج أتباعك من قريتنا. وقوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عطف على الكاف، و "يا شعيبُ" اعتراض بين المتعاطفين. قوله: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} عطف على جواب القسم، إذ التقدير: والله لنخرجنَّكَ والمؤمنين أو لتعودُنَّ، فالعَوْدُ مُسند إلى ضمير النبي ومَنْ آمن معه. فإن قيل: إن شعيباً لم يكن قطّ على دينهم ولا ملتهم، فكيف يحسن أن يقال: "أو لتعودن في ملتنا"، وقوله: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم} يدل أيضاً على ذلك؟. فالجواب: أن "عاد" في لسان العرب لها استعمالان. أحدهما - وهو الأصل - أنه الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأول. والثاني: استعمالُها بمعنى "صار"، وحينئذ ترفعُ الاسم وتنصبُ الخبرَ، فلا تكتفي بمرفوع وتفتقر إلى منصوب، [وهذا عند بعضهم] ومنهم من منع أن تكون بمعنى "صار" فمن مجيئها بمعنى "صار" قوله: [الطويل] شعر : 2520 - وَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إذَا مَا تَرَكْتُهُ أخَا القَومِ واسْتَغْنَى عَنِ المَسْحِ شَارِبُهَ وَبِالْمَحْضِ حَتَّى عَادَ جَعْداً عَنَطْنَطاً إذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الفَحْلِ غَارِبُهْ تفسير : فرفع بـ "عاد" ضمير الأول ونصب بها "جَعْداً"، ومَنْ مَنَع ذلك يَجْعل المنصوب حالاً قال: [الطويل] شعر : 2521 - فَإنْ تَكُنِ الأيَّامُ أحْسَنَ مُدَّةً إليَّ فَقَدْ عَادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ تفسير : أي: صار لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوباً كانت لهن قبل الإحسان، وعلى هذا فزال الإشكال، والمعنى: لتصيرنّ في ملتنا بعد أن لم تكونوا، فـ "في ملتنا" خبر على هذا وأمّا على الأول فالجواب من وجوه: أحدها: أن هذا القول من رؤسائهم، قصدوا به التلبيس على العوام، والإيهام لهم أنه كان على دينهم وفي مِلَّتِهِمْ. الثاني: أنهم خاطبوا شعيباً بخطاب أتباعه، وأجروا عليه أحكامهم. الثالث: أن يُراد بعَوْده رجوعُه إلى حالة سكوته قبل بعثته؛ لأنه قبل أن يبعث إليهم كان يُخْفي إيمانه، وهو ساكت عنهم بريء مِنْ معبودهم غير الله. وعدَّى "عاد" بـ "في" الظرفية، كأن المِلَّة لهم بمنزلةِ الوعاءِ المحيط بهم. قوله: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} الاستفهامُ للإنكار تقديره: أيوجدُ منكم أحد هذين الشيئين: أعني الإخراج من القرية، والعَوْد في الملة على كل حال حتى في حال كراهتنا لذلك؟. وقال الزمخشري: "الهمزةُ للاستفهام، والواوُ واو الحال تقديره: أتعيدوننا في ملَّتكم في حال كراهتنا". قال أبو حيان: وليست هذه واو الحال، بل واو العطف، عطفت هذه الحال على حال محذوفة، كقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : رُدُّوا السَّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحرقٍ" تفسير : ليس المعنى: رُدُّوه حال الصدقة عليه بظلف مُحرق، بل معناه: رُدُّوه مصحوباً بالصدقة ولو مصحوباً بظلفٍ محرق، وقد تقدّمت هذه المسألة، وأنه يصح أن تُسمَّى واو الحال وواو العطف [وتحرير ذلك، ولولا تكريره لما كرَّرْته]. وقال أبو البقاء: و "لو" هنا بمعنى "إنْ" لأنها للمستقبل، ويجوز أن تكون على أصلها، ويكون المعنى: لو كنا كارهين في هذا الحال أي إن كنا كارهين لذلك فتجبروننا عليه. وقوله: "لأنها للمستقبل" ممنوع. قوله: "إنْ عُدْنَا" شرط جوابه محذوف عند الجمهور أي: فقد افترينا، حذف لدلالة ما تقدم عليه، وعند أبي زيد والمبرد والكوفيين هو قوله: "فقد افتَرْينا" وهو مردود بأنه لو كان جواباً بنفسه لوَجَبَتْ فيه الفاء. وقال أبو البقاء: "قد افترينا بمعنى المستقبل؛ لأنه لم يقع، وإنما سَدَّ مَسَدَّ جواب "إنْ عُدْنا" وساغ دخولُ "قد" هنا لأنهم نَزَّلوا الافتراء عند العود منزلة الواقع فقرنوه بـ "قد"، وكأنَّ المعنى: قد افترَيْنا الآن إن هَمَمْنا بالعود". وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها استئناف إخبار فيه معنى التعجب، قاله الزمخشري، كأنه قيل: ما أكذبنا على الله إن عُدْنا في الكفر. والثاني: أنها جواب قسم محذوف حذفت اللام منه، والتقدير: والله لقد افترينا، ذكره الزمخشري أيضاً، وجعله ابن عطية احتمالاً وأنشد: [الكامل] شعر : 2522 - بَقَّيْتُ مَالِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلَى وَلَقِيتُ أضْيَافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ تفسير : قال: "كما تقول: افتريتُ على الله إن كلَّمت فلاناً" ولم يُنْشِدْ ابن عطية البيت الذي بعد هذا، وهو محلُّ الفائدة؛ لأنه مشتمل على الشرط وهو: [الكامل] شعر : 2523 - إنْ لَمْ أشُنَّ عَلَى ابْنِ هِنْدٍ غَارَةً لَمْ تَخْلُ يَوْماً مِنْ نهابِ نُفُوسِ تفسير : قوله: {بَعْدَ إذْ نَجَّانَا} منصوب بـ "نعود" أي: ما يكون ولا يستقيم لنا عود بعد أن حصل لنا التنجيةُ منها. فصل في معنى التنجية وفي معنى {نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} وجوه: الأول: علمنا قبحه وفساده وبطلانه. الثاني: أن الله نجّى قومه من تلك الملة، وإنما نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً منهم تغليباً للأكثر. الثالث: أن القوم أوهموا المستضعفين أنه كان على ملتهم، فقوله: {بعد إذ نجّانا الله منها} أي على حسب معتقدكم. قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} في هذا الاستثناء وجهان: أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطع. ثم القائلون بالاتصال مختلفون: فمنهم من قال: هو مستنثى من الأوقات [العامة] والتقدير: وما يكونُ لنا أن نعود فيها في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله ذلك، وهذا متصور في حقِّ مَنْ عدا شعيباً، فإن الأنبياء لا يشاء الله ذلك لهم؛ لأنه عَصَمهم. ومنهم من قال: "هو مستثنى من الأحوال العامة والتقدير: ما يكون لنا أن نعود فيها في كل حال إلا في حال مشيئة الله تعالى". وقال ابن عطية: "ويُحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعَبَّد الله [به] المؤمنين ممَّا تفعلهُ الكفرةُ من القُرُبات فلمَّا قال لهم: إنا لا نعودُ في مِلَّتكم، ثم خشي أن يتعَبَّد الله بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ملحدٌ بذلك ويقول: هذه عودة إلى ملَّتنا استثنى مشيئة الله فيما يمكن أن يتعبَّدَ به". قال أبو حيان: "وهذا الاحتمال لا يَصِحُّ لأن قوله: {بعد إذ نجَّانا الله منها} إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي لا من أعمال البر". قال شهاب الدين: "قد حكى ابن الأنباري هذا القول عن المعتزلة الذين لا يؤمنون بالإرادة ثم قال: وهذا القول مُتَنَاولهُ بعيد، لأن فيه تبعيض الملّة". وقيل: هذا استثناء على سبيل التسليم والتأدُّب. قال ابن عطية: "ويقلق هذا التأويلُ من جهةِ استقبال الاستثناء، ولو كان الكلام: "إلا إنْ شاء" قوي هذا التأويل". وهذا الذي قاله سهوٌ؛ لأنَّ الماضيَ يتخلَّص للاستقبال بعد "إنْ" الشرطية، كما يتخلَّص المضارع له بـ "أنْ" المصدرية. وقيل: إن الضمير في قوله: "فيها" ليس عائداً على المِلَّة، بل عائد على الفِرْية، والتقدير: وما يكون لنا أن نعود في الفِرْية إلا أن يشاء ربنا، وهو حَسَنٌ لولا بُعْدُه. فصل في بين المشيئة استدل أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر، واستدل المعتزلة بها على أنه لا يشاء إلا الخير. فأمّا وجه استدلال أهل السنة فمن وجهين: الأول: قوله: {إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجَّانا الله منها} [يدل على أن المنجي من الكفر هو الله - تعالى -، ولو كان الإيمان يحصل بخلق العبد، لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه لا من الله تعالى وذلك على نقيض قوله {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا}]. الثاني: أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى تلك الملة، وتلك الملة كفر، فكان هذا تجويزاً من شعيب - عليه السلام - أن يعيدهم إلى الكفر. قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر؛ ألا ترى إلى قوله الخليل - عليه الصلاة والسلام -: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}تفسير : [إبراهيم: 35] وكان محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصَارِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلى دِيْنِكَ وطاعَتِكَ"تفسير : . وقال يوسف - عليه السلام -: {أية : تَوَفَّنِي مُسْلِماً}تفسير : [يوسف: 101]. وأجاب المعتزلة بوجوه: أحدها: أن قوله: ما لنا أن نعود إلى تلك الملة إلا أن يشاء [الله] أن يعيدنا إليها قضية [شرطية، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء. وثانيها: أن هذا مذكور على طريق التبعيد] كما يقال: لا أفعل ذلك إلاَّ إذا ابيضّ القَارُ وشاب الغراب، فعلّق شعيب - عليه السلام - عوده إلى ملتهم على مشيئته بما علم أنه لا يكون منه ذلك أصلاً على طريق التبعيد لا على وجه الشرط. وثالثها: قوله: {إلا أن يشاء الله} ليس فيه بيان أن الذي يشاء الله ما هو؟ فنحمله على أن المراد إلا أن يشاء الله بأن يظهر الكفر من أنفسنا إذ أكرهتمونا عليه بالقتل، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره، وما كان جائزاً كان مراداً لله - تعالى -، وكون الصبر أفضل من الإظهار لا يخرج الإظهار من أن يكون مراداً لله - تعالى - كما أن المسح على الخفين مرادٌ لله تعالى، وإن كان غسل الرجلين أفضل. ورابعها: أن المراد بقوله: {لنخرجنك يا شعيب} أي من القرية، فيكون المراد بقوله: {أن نعود فيها} أي القرية. وخامسها: أن نقول: يجب حمل المشيئة هاهنا على الأمر؛ لأن {وما كان لنا أن نعود فيها إلاَّ أن يشاء الله} معناه: فإنه إذا شاء كان لنا أن نعود فيها، فقوله: {لنا أن نعود فيها} أي يكون ذلك العود جائزاً، والمشيئة عند أهل السنة لا توجب جواز الفعل، فإنه تعالى يشاء الكفر من الكافر عنده ولا يجوز له فعله، إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر، فثبت أن المراد من المشيئة هاهنا الأمر، فكان التقدير إلاَّ أن يأمر الله [بعودنا في ملتكم فإنا نعود إليها، والشريعة المنسوخة لا يبعد أن يأمر الله] بالعمل بها مرة أخرى، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم. وسادسها: قال الجبائي: المراد من الملّة الشريعة التي يجوز اختلاف التعبد فيها بالأوقات كالصلاة والصيام وغيرهما، فقال شعيب: {وما كان لنا أن نعود في ملتكم} فلما دخل في ذلك كل ما هم عليه، وكان من الجائز أن يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقياً غير مسنوخ، لا جرم قال: {إلا أن يشاء الله} والمعنى: إلا أن يشاء الله بقاء بعضها، فيدلّنا عليه، فحينئذ نعود إليها، فهذا الاستثناء يعود إلى الأحكام التي يجوز النسخ والتغيير فيها، ولا يعود إلى ما لا يقبل التغيير ألبتة، فهذه أسئلة القوم. وتمسك المعتزلة بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين: الأول: أن ظاهر قوله {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله} يقتضي أنه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود إليها، وذلك يقتضي أن كلَّ ما شاء الله وجوده كان فعله جائزاً مأذوناً فيه، ولم يكن حراماً، قالوا: وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد حصوله كان حسناً مأذوناً فيه، وما كان حراماً ممنوعاً منه لم يكن مراداً لله تعالى. الثاني: أن قولهم: "لنخرجنّك أو لتعودُنَّ" لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم إلى تلك القرية أيضاً بخلقه، وإذا كان حصول القسمين بخلق الله، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة. واعلم أنه لمّا تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى بقية الآيات في هذا الباب. قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} نصب "عِلْماً" على التمييز وهو منقول من الفاعلية، تقديره: وَسِعَ علمُ ربِّنا كلَّ شيء كقوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً}تفسير : [مريم: 24] والمعنى: أحاط علمه بكل شيء. ثم قال: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} فيما توعدوننا به، ثم دعا شعيب بعدما أيس من فلاحهم فقال: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}. قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: "احكم واقض". وقال الفراء: "وأهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح؛ لأنه يفتح مواضع الحقِّ". وعن ابن عباس قال: "ما كنت أدري قوله {ربنا افتح بيننا وبين قومنا} حتَّى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: أفاتحك أي: أحاكمك"، وقد تقدَّم أن الفتح الحُكْم بلغة حمير. وقيل: بلغة مُرَاد وأنشد: [الوافر] شعر : 2524 - ألاَ أبْلِغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولاً بِأنِّي عَنْ فَتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ تفسير : قال الزجاج: وجائز أن يكون قوله: {افتح بيننا وبين قومنا بالحق} أي أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف والمراد منه أن ينزل عليهم عذاباً يدلُّ على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب وقومه محقين، وعلى هذا المراد بالفتح الكشف والتبيين، وكرر {بيننا وبين قومنا} بخلاف قوله: {أية : حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا}تفسير : [الأعراف: 87] زيادة في تأكيد تمييزه، ومَنْ تبعه من قومه ثم قال: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} [أي: خير الحاكمين أو خير المظهرين، وذا معنى قول من على المعنيين]، والمراد به الثناء على الله تعالى.

البقاعي

تفسير : ولما انتهى كلامه عليه السلام على هذا الوجه البديع، أخبر سبحانه بما أفهم أن قومه لم يجدوا جواباً عنه أصلاً لأنهم انتقلوا إلى الدفاع بالفعل، وهو أمارة الانقطاع، فقال مستأنفاً: {قال الملأ} أي الأشراف {الذين استكبروا} أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة، وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله: {من قومه لنخرجنك} وبين غلظتهم وحفاءهم بقولهم: {يا شعيب} من غير استعطاف ولا إجلال {والذين آمنوا} ويجوز أن يتعلق قوله: {معك} بـ"آمنوا" وبـ"نخرج" {من قريتنا} أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا {أو لتعودن} أي إلا أن تعودوا، أي ليكونن آخر الأمرين: إما الإخراج وإما العود {في ملتنا} أي بالسكوت عنا كما كنتم، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظاً قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء عليهم السلام، بل كانوا يعدون سكوته عليه السلام - قبل إرساله إليهم من دعائهم وسب آلهتهم وعيب دينهم - كوناً في ملتهم، ومرادهم الآن رجوعه عليه السلام إلى تلك الحالة والقناعة ممن اتبعه بذلك، فيكون مرادهم بالعود حقيقة في الجميع. ولما كان من الإخراج والرد مستعظماً، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله: {قال أولو} أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو {كنا كارهين*}. ولما كان العرب أبعد الناس من مطلق الكذب وأشدهم له تحامياً ومنه نفرة فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على الملوك فيكف به على ملك الملوك! علق الكذب على الله تعالى بالعود إلى ملتهم بقوله مستأنفاً الإخبار لمن تشوف إلى علم ما كان منه بعد هذا الكلام اللين وتوقع غيره: {قد افترينا} أي تعمدنا الآن بما نقوله لكم، أي من أن الله حرم الكفر والإقرار عليه {على الله} أي الذي له جميع العظمة {كذباً} ويجوز أن يكون تنوينه للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير، ولكل وجه يدعو إليه المقام لا يخفى {إن عدنا} أي ساعة من الدهر {في ملتكم} أي بسكوتنا أو بسكوتي وكفر من كان ممن تبعني كافراً {بعد إذ نجانا الله} أي الملك الأعلى خارقاً للعادة بما كنا جديرين بالانغماس فيه متابعة للآباء والأجداد والعشيرة بما له من القدرة والعظمة {منها} أي إن فعلنا ذلك فقد ارتكبنا أقبح القبائح على بصيرة منا بذلك، فهو تعليق على محال عادة، وهو من وادي قول الأشتر النخعي: شعر : بقّيت وفري وانحرفت عن العلى ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشنَّ على ابن هند غارة لم تخل يوماً من نهاب نفوس تفسير : غير أن المعلق في البيت تقديري، وفي الآية تحقيقي، لأنهم أخبروهم أن الله تعالى نهى عن الكفر وأمرهم بإنذار كل كافر، فمتى تركوا ذلك لزمهم الكذب حتماً {وما يكون لنا} أي ما يصح وما يتفق {أن نعود فيها} أي ملكتم. ولما كان الله سبحانه أن يفعل ما يشاء لا واجب عليه ولا قبيح منه، أشار إلى ذلك بقوله: {إلا أن يشاء الله} فذكر اسم الذات إشارة إلى أن له جميع الحمد لذاته؛ ثم ذكر صفه الإحسان عياذاً من أن يراد بهم الهوان فقال: {ربنا} أي خرق العادة فله ذلك، فهو من باب التذكر للمخاوف والإشراف على إمكان سوء العواقب للصدق في التضرع إلى الله تعالى والالتجاء إليه والاستعاذة من مكره، ولذلك أتى باسم الجلالة الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى وصفة الربوبية الملتمس بذكرها فعل ما يفعل لمربي الشفيق، فكأنه قال: إن عودنا في ملتكم غير ممكن عادة، والمحال عادة لا يقدر عليه إلا بقدر من الله، بل ولا توجه الهمم إليه، والله تعالى أكرام من أن يعود فيما وهبه لنا من هذا الأمر الجليل، وينزع عنا هذا اللباس الجميل، وهو صريح في أن الكفر يكون بمشيئة الله، بل ولا يكون إلا بمشيئته، وقوله: {وسع ربنا} أي المحسن إلينا {كل شيء علماً} زيادة في حث أمته على الالتجاء والتبري من الحول والقوة، أي لا علم لنا بخواتم العمال والعلم لله فهو التام العلم الكامل القدرة، فهذه الجملة كالتعليل للتعليق بالمشيئة قطعاً - لما عساه أن يحدث من طمع المخاطبين في عودهم، كأنه قيل: وإنما علقنا العود بالمشيئة لنقص علومنا، فربما كان في سعة علمه قسم ثالث، وهو أن نكون في القرية على ديننا وتكونون أنتم أو لا، أو توافقوننا على ما نحن عليه، وهكذا ينبغي للمربوب، ولا ينبغي الجزم بأمر يستقبل إلا الله ربنا لإحاطة علمه، والآية تدل على انه كان في الأزل عالماً بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن "وسع" ماض، وقد تقدم في الأنعام أن قول الخليل عليه السلام وهذا وآية الكهف من مخبر واحد - والله أعلم. ولما كان المراد من هذا ما ذكر،كان مزعجاً للقلوب مقلقاً للنفوس مزعزعاً للخواطر مزلزلاً للأفكار بتأمل هذه الأخطار المشفية على غاية الخسار، فكأن المؤمنين قالوا: ما العمل وأين المفر؟ فقال: {على الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحده لا على غيره {توكلنا} أي فوضنا جميع أمورنا إليه، وهو أكرم من أن يختار لنا غير الأرشد وقد تبرأنا من حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته، وجعلنا جميع أمورنا كلها محمولة على قدرته كما يحمل الوكيل أمر موكله عنه ويريحه من همه وقلقه منه. ولما جرت العادة بأن الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله، أتبع ذلك الدعاء بالحكم بما يقتضيه ظاهر الحال من نصر المحقّ وخذل المبطل فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {افتح} أي احكم {بيننا} ولما كان يريد استعطافهم لإسعادهم قال: {وبين قومنا} وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء بهدايتهم، وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه {بالحق} أي بالأمر الفيصل من معاملة كل من المحقّ والمبطل بما يستحقه شرعاً وعرفاً بحيث يكون لكل فريق باب يصل به إلى غاية أمره وهذا مقام الإنصاف، فقد علم من إشارة قوله العناية بقومه، ومن عبارته الإنصاف من نفسه، ولو أراد ترجيح نفسه ومتبعيه لدعا لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل، والآية معلمة بأن له تعالى أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب العاصي وإثابة الطائع وعكس ذلك، {أية : لا يسئل عما يفعل}تفسير : [الأنبياء: 23] لأنه التام المِلك العظيم المُلك الشامل القدرة الحكيم الخبير، ويجوز أن يكون المراد: لا نعود إلى ما كنا عليه من السكوت عن دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا أن يشاء الله سكوتنا بامر يحدثه إلينا في ذلك لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها علومنا، فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا، فله الخلق والأمر. ولما اشار الدعاء لقومه، أشار - بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر - إلى أن التقدير: فأنت خير الراحمين: {وأنت خير الفاتحين*} أي على من سدت عليه الأبواب ولم يجد مخلصاً.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ}. كما أن (أهل) الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم فأهل الشر لا ينصرون إلا من رأوا بأنه يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد في بابه مَنْ بايَنَ نهج أضرابه. قوله جلّ ذكره: {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}. نطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ}، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا}، ثم تبرأوا عن حولهم وقوتهم حيث قالوا: {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} يعني إِنْ يُلْبِسنا لِباسَ الخذلان نُرَدُّ إلى الصغر والهوان. ثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي به وَثِقْنَا، ومنه الخيرَ أَمَّلْنا. ثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} فتداركهم الحقُّ - سبحانه - عند ذلك بجميل العصْمة وحسن الكفاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} بعدما سمعوا هذه المواعظ من شعيب عليه السلام وهو استئناف بيانى {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا} عطف على الكاف فى لنخرجنك ويا شعيب اعتراض بين المتعاطفين ونسبة الاخراج اليه اولا والى المؤمنين ثانيا تنبيه على اصالته فى الاخراج وتبعيتهم له فيه كما ينبئ عنه قوله تعالى {معك} فانه متعلق بالاخراج لا بالايمان. والمعنى والله لنخرجنك واتباعك {من قريتنا} بغضا لكم ودفعا لفتنتكم المرتبة علىالمساكنة والجوار. وفيه اشارة الى أن من شأن المتكبرين ودأب المتجبرين الاستعلاء وان يخرج الاعز الاذل وذلك لما فيهم من بطر النعم وطغيان الاستغناء وعمه الاستبداد ولما كان حب الدنيا رأس كل خطيئة وفتنتها اعظم من كل بلية جعل الله تعالى اهلها فى البلاد سببا للهلاك والفساد كما قال الله تعالى {أية : وإذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها} تفسير : [الإسراء: 16]. الاية: قال الحافظ شعر : ايمن مشو زعشوه دنيا كه اين عجوز مكاره مى نشيند ومحتاله مى رود تفسير : {او لتعودن فى ملتنا} العود هو الرجوع الى الحالة الاولى ومن المعلوم ان شعيبا لم يكن على دينهم وملتهم قد لان الانبياء لا يجوز عليهم من الصغائر الا ماليس فيه تنفير فضلا عن الكبائر فضلا عن الكفر الا انه اسند العود اليه والى من معه من المؤمنين تغليبا لهم عليه لان العود متصور فى حقهم. والمعنى والله ليكونن احد الامرين البتة على ان المقصد الاصلى هو العود وانما ذكر النفى والاجلاء كما يفصح عنه عدم تعرضه عليه السلام لجواب الاخراج كأنهم قالوا لا ندعكم فيما بيننا حتى تدخلوا فى ملتنا وانما لم يقولوا او لنعيدك على طريق ما قبله لما ان مرادهم ان يعودوا اليها بصورة الطواعية حذر الاخراج باختيار اهون الشرين لا اعادتهم بسائر وجوه الاكراه والتعذيب. وفيه اشارة الى ام اهل الخير كما لا يميلون الا الى اشكالهم فكذلك اهل الشر لا يرضون ممن رأوا الا بان يساعدهم على ما هم عليه من احوالهم والاوحد فى بابه من باين نهج اضرابه شعر : همه مرغان كند باجنس برواز كبوتر با كبوتر باز باباز تفسير : {قال} شعيب ردا لمقالتهم الباطلة وتكذيبا لهم فى ايمانهم الفاجرة {أو لو كنا كارهين} تقديره أنعود فيها ولو كنا كارهين اى كيف نعود فيها ونحن كارهون لها على ان الهمزة لانكار الوقوع ونفيه لا لانكار الواقع واستقباحه كالتى فى قوله تعالى {أية : أولوجئتك بشيء مبين} تفسير : [الشعراء: 30].

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية عن الملأ، وهم الجماعة الأشراف والرؤساء من قوم شعيب الذين استكبروا، ومعناه امتنعوا من اتباع الحق أنفة عن الداعي اليه أن يتبعوه فيه، وتكبروا عليه جهلاً منهم بمنزلة الحق ومنزلة الداعي اليه، إِذ أنهم قالوا لشعيب وأقسموا {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} وقيل في معنى {لتعودن} قولان: أحدهما - على توهمهم أنه كان فيها على دين قومه. الثاني - أن الذين اتبعوا شعيباً قد كانوا فيها. وقال الزجاج: وجائز أن يقال: قد عاد عليَّ من فلان مكروه وإِن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك أي لحقني منه مكروه، ووجه هذا أنه قد كان قبل ذلك في قصده لي كأنه قد أتى مرة بعد مرة. وقال الشاعر: شعر : لئن كانت الأيام أحسن مرة الي فقد عادت لهن ذنوب تفسير : والعود هو الرجوع، وهو مصير الشىء الى الحال التي كان عليها قبل، ومنه إِعادة الخلق، وقوله تعالى {أية : ولو ردُّوا لعادوا لما نُهوا عنه} تفسير : وتستعمل لفظة الاعادة في الفعل مرة ثانية حقيقة، وفى فعل مثله مجازاً، وكلاهما يسمى اعادة، لكن لما كان مثله كأنه هو في أنه يقوم مقامه جرت عليه الصفة كقولك: أعدت الكتابة والقراءة ومعناه فعلت مثله. وقوله {أوَلو كنا كارهين} حكاية لما قال شعيب لأمته من أنه لا يعود في ملتهم إِلا أن يكون على وجه الاكراه منهم لذلك وأنهم يريدون أن يردوا المؤمنين الى مثل ماهم عليه من المعاصي مع كراهتهم لذلك ويقينهم لبطلانه، فبين بهذا أنا مع كراهتنا لذلك مع ما عرفناه من بطلانه لا نرجع، وتقديره أتعيدوننا في ملتكم وإِن كرهناها؟! فأدخل ألف الاستفهام على (لو).

الجنابذي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ} بعد العجز عن المحاجّة والحجّة اجابوه بالتّخويف كما هو شأن اهل الزّمان من المبادرة الى التّهديد بالقتل ونحوه عند العجز عن الحجّة {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} لمّا كان اعتقادهم انّ شعيباً كان على ملّتهم ثمّ خرج منها وادّعى النّبوّة اعزازاً لنفسه قالوا: لتعودّن، او كان (ع) قبل التّكليف مستنّاً بظاهر سننهم ثمّ خرج منها حين الرّشد او حين اظهار النّبوّة او غُلّب جانب اتباعه فى اطلاق العود، عليه او العود بمعنى الصيرورة من الافعال النّاقصة، وعلى اىّ تقديرٍ لا يلزم منه ان يكون (ع) على ملّة باطلة حتّى يرد انّ الانبياء (ع) معصومون عن الخطاء والشّرك {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} تعيدوننا فى ملّتكم يعنى انّ الدّخول فى الملّة حقيقةً لا يكون الاّ عن اعتقاد بصحّتها، ولا يقع الاعتقاد بصحّة ملّة الاّ من حجّة، ولا حجّة لكم على صحّتها بل لى الحجّة على بطلانها فكيف يتصوّر لى الدّخول فى ملّتكتم مع كراهتى للدّخول فيها.

اطفيش

تفسير : {قالَ الملأ الَّذينَ اسْتكبرُوا مِنْ قَومهِ} عَن الإيمان واتباع شعيب {لنُخرجنَّك يا شُعيبُ والَّذينَ} معطوف على الكاف {آمنوا مَعَك} وقوله: {مِنْ قَريتنَا} متعلق بنخرج، قيل: سميت القرية قرية لأنها تجمعت أو جمعت إن شاء الله {أو لتعُودنَّ} ترجعن {فى ملَّتنا} كما كنتم فيها من قبل، وهذا تغليب لمن آمن من قوم شعيب لكثرتهم وانفراده، فإنهم الذين كانوا فى ملتهم ثم آمنوا. وأما شعيب فلم يكن فيها قط، لأن النبى لا يفعل صغيرة منفردة فضلا عن كبيرة، فضلا عن شرك، أو كانوا معتقدين أن شعيبا كان مشركا مثلهم، ثم آمن بالله وادعى ما ادعى، يتوهمون ذلك من سكونه قبل أن يبعث، أو المراد بعودهم فى ملة الكفر رجوعهم إليها، وبعوده فيها عوده فى أمر يليق بها عندهم وهو سكونه كما قيل البعثة، أو شبهوا سكونه قبلها بالكون فيها، لكن هذان الوجهان ضعيفان لاستعمال الكلمة فى معنيين مجازى وحقيقى، وهذا كله إبقاء للعود على أصله، وهو الرجوع فى الشىء بعد الانصراف عنه كقوله: شعر : ألا ليت أيام الشباب جديد وعصراً تولى يابثين يعود تفسير : ويجوز أن يكون العود بمعنى الصيرورة فلا إشكال كقوله: شعر : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا تفسير : أى صارا وقوله: شعر : فإن تكن الأيام أحسن مرة إلىَّ فقد عادت لهن ذنوب تفسير : أى صارت لمن أساءت لا رجعت كما كانت قبل الإحسان، ومثل به الثعالبى لمعنى رجعت، وهو محتمل، قالوا: لكم أحد الأمرين: إما إخراجكم عن القرية، وإما العود والتمكن فى ملتنا، كما تدل فى على التمكن، ويجوز كونها بمعنى إلى. {قالَ أوَلَو كُنَّا كَارهينَ} الهمزة داخلة على محذوف، أى أنعود فيها ولو كنا كارهين، والواو للحال أو للعطف على محذوف آخر، أى أنعود فيها لو كنا غير كارهين، ولو كنا كارهين، والاستفهام تعجب أو إنكار أو تقرير، والمراد التشنيع عليهم كيف تكرهوننا على أعظم المعاصى والإزراء بأحلامهم، كيف ندين بشىء كرهناه بإكراههم، فإن أمر الديانة يكون برضا من القلب لا بالإكراه، وهب أنا اتبعناكم بألسنتنا، فهل يكون فى قلوبكم تصديق لاتباعنا لكم، فإن صدقت به فلا أقل عقلا منكم.

الالوسي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل له: فماذا قالوا له عليه السلام بعدما سمعوا منه هذه المواعظ؟ فقيل: قال أشراف قومه المستكبرون متطاولين عليه عليه السلام غير مكتفين بمجرد الاستعصاء بل بالغين من العتو مبلغاً عظيماً {لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا} بغضاً لكم ودفعاً لفتنتكم المترتبة على المساكنة والجوار، والتأكيد القسمي للمبالغة والاعتناء بالحكم و {مَعَكَ} متعلق بالإخراج لا بالإيمان، ونسبة الإخراج إليه عليه السلام أولاً وإلى المؤمنين ثانياً للتنبيه على أصالته عليه السلام في ذلك وتبعيتهم له فيه، وتوسيط النداء باسمه العلمي بين المعطوفين لزيادة التقرير والتهديد الناشئة عن غاية الوقاحة والطغيان. وقوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} عطف على جواب القسم أي والله ليكونن أحد الأمرين البتة الإخراج أو العود على أن المقصد الأهم هو العود وإنما ذكر الأول لمجرد القسر والإلجاء كما يفصح عنه عدم تعرضه عليه السلام بجواب الإخراج، والمتبادر من العود الرجوع إلى الحالة الأولى وهذا مما لا يمكن في حق شعيب عليه السلام لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عما دون الكفر بمراتب. نعم هو ممكن في حق من آمن به فإسناده إليه عليه السلام من باب التغليب، قيل: وقد غلب عليه المؤمنون هنا كما غلب هو عليهم في الخطاب فيكون في الآية حينئذ تغليبان، وقال غير واحد: أن تعود بمعنى تصير كما أثبته بعض النحاة واللغويين فلا يستدعي العود إلى حالة سابقة وعلى ذلك قوله:شعر : فإن لم تك الأيام تحسن مرة إليَّ فقد عادت لهن ذنوب تفسير : فكأنهم قالوا: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن مثلنا فحينئذ لا إشكال ولا تغليب، وكذا يقال فيما بعد وهو حسن ولا يأباه {أية : إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } تفسير : [الأعراف: 89] لاحتمال أن يقال بالتغليب فيه أو يقال إن التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه، ألا ترى إلى قوله سبحانه: {أية : فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ }تفسير : [الأعراف: 83] وأمثاله. وقال ابن المنير ((على احتمال تسليم استعمال العود بمعنى الرجوع إلى أمر سابق يجاب بأنه على نهج قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ } تفسير : [البقرة: 257] فإن الإخراج يستدعي دخولاً سابقاً فيما وقع الإخراج منه، وهو غير متحقق في المؤمن والكافر الأصليين، لكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله تعالى العبد متيسراً لكل واحد منهما متمكناً منه لو أراده عبر عن تمكن المؤمن من الكفر، ثم عدوله عنه إلى الإيمان اختياراً بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقاً من الله تعالى له ولطفاً به وبالعكس في حق الكافر، وقد مضى نظير ذلك في قوله / تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16] وهذا من المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب. وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله تعالى على عباده)). وقيل: إن هذا القول كان جارياً على ظنهم أنه عليه السلام كان في ملتهم لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم أو أنه صدر عن رؤسائهم تلبيساً على الناس وإيهاماً لأنه كان على دينهم، وما صدر عنه عليه السلام في أثناء المحاورة وقع على طريق المشاكلة، وذكر الشهاب احتمالاً آخر في الجواب وهو أن الظاهر أن العود هو المقابل للخروج إلى ما خرج منه وهو القرية، والجار والمجرور في موضع الحال أي ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العود إليها كائنين في ملتنا فينحل الإشكال من غير حاجة إلى ما تقدم، ولا يخفى بعده. وإنما لم يقولوا أو لنعيدنكم على طريقة ما قبله لما أن مرادهم أن يعودوا بصورة الطواعية حذر الإخراج عن الوطن باختيار أهون الشرين لا إعادتهم بسائر وجوه الإكراه والتعذيب، ومن الناس من زعم أن تعودن لا يصلح أن يكون جواباً للقسم لأنه ليس فعل المقسم، وجعل ما أشرنا إليه أولى في بيان المعنى مخلصاً من ذلك وهو باطل لأنه يقتضي أن القسم لا يكون على فعل الغير ولم يقل أحد به، وقد شاع نحو والله ليضربن زيد من غير نكير وعدي العود بفي إيماء إلى أن الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم. {قَالَ} استئناف كنظائره أي قال شعيب عليه السلام رداً لمقالتهم الباطلة وتكذيباً لهم في أيمانهم الفاجرة: {أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ} على أن الهمزة لإنكار الوقوع ونفيه، والواو للعطف على محذوف، وقد يقال لها في مثل هذا الموضع واو الحال أيضاً و {لَوْ} هي التي يؤتى بها لبيان ما يفيده الكلام السابق بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية، والكلام هٰهنا في تقدير أنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين غير مبالين بالإكراه، فالجملة في موضع الحال من ضمير الفعل المقدر والمآل أنعود فيها حال عدم الكراهة وحال الكراهة إنكاراً لما تفيده كلمتهم الشنيعة بإطلاقها من العود على أي حالة غير أنه اكتفى بذكر الحالة التي هي أشد الأحوال منافاة للعود وأكثرها بعداً منه تنبيهاً على أنها هي الواقعة في نفس الأمر وثقة بإغنائها عن ذكر الأولى إغناءاً واضحاً لأن العود الذي تعلق به الإنكار حين تحقق مع الكراهة على ما يوجبه كلامهم فلأن يتحقق مع عدمها أولى، وهذا بعض مما ذكره شيخ الإسلام في هذا المقام، وقد أطنب فيه الكلام وأتى بالنقض والإبرام فارجع إليه، وقد جوز أن يكون الاستفهام باقياً على حاله، وجعل بعضهم الهمزة بمعنى كيف، ووجه التعجيب إلى العود أي كيف نعود فيها ونحن كارهون لها وتقدير فعل العود لقوة دلالة الكلام عليه أولى من تقدير فعل الإعادة كما فعل الزمخشري، وفي «التيسير» تقدير فعل الإخراج أي تخرجوننا من غير ذنب ونحن كارهون لمفارقة الأوطان، وقد وجه بأن العود مفروغ عنه لا يتصور من عاقل فلا يكون إلا الإخراج، ولا يخفى ضعف هذا التقدير. وذكر أبو البقاء أن {لَوْ} هنا بمعنى أن لأنها للمستقبل، وجوز أن تكون على أصلها وما أشار إليه شيخ الإسلام في هذا المقام أبعد مغزى فليتأمل.

ابن عاشور

تفسير : كان جوابهم عن حجّة شعيب جوابَ المفحَم عن الحجّة، الصائر إلى الشدّة، المزدهي بالقوة، المتوقّععِ أن يكثر معاندوه، فلذلك عدلوا إلى إقصاء شعيب وأتباعه عن بلادهم خشية ظهور دعوته بين قومهم، وبث أتنباعه دعوته بين الناس، فلذلك قالوا: {لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا}. وتفسير صدر الآية هو كتفسير نظيره من قصّة ثمود. وإيثار وصفهم بالاستكبار هنا دون الكفر، مع أنّه لم يحك عنم هنا خطاب المستضعفين، حتّى يكون ذكر الاستكبار إشارة إلى أمّهم استضعفوا المؤمنين كما اقتضته قصة ثمود، فاختير وصف الاستكبار هنا لمناسبة مخاطبتهم شعيباً بالإخراج أو الإكراه على اتّباع دينهم، وذلك من فعل الجبّارين أصحاب القوة. وكان إخراج المغضوب عليه من ديار قبيلته عقوبة متّبعة في العرب إذا أجمعت القبيلة على ذلك ويسمّى هذا الإخراج عند العرب بالخَلْع، والمخرَج يسمّى خليعاً. قال امرؤ القيس:شعر : به الذئبُ يعوي كالخليع المعيل تفسير : وأكدوا التوعّد بلام القسم ونون التوكيد: ليوقن شعيب بأنّهم منجزو ذلك الوعيد. وخطابهم إيّاه بالنداء جار على طريقة خطاب الغضب، كما حكى الله قول آزر خطاباً لإبراهيم ــــ عليه السلام ــــ {أية : أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم}تفسير : [مريم: 46]. وقوله: {معك} متعلّق بــــ {لنخرجنّك}، ومتعلّق {آمنوا} محذوف، أي بك، لأنهم لا يصفونهم بالإيمان الحقّ في اعتقادهم. والقرية (المدينة) لأنها يجتمع بها السكان. والتقرّي: الاجتماع. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : أوْ كالذي مرّ على قرية}تفسير : [البقرة: 259]، والمراد بقريتهم هنا هي (الأيكة) وهي (تبوك) وقد رددوا أمر شعيب ومن معه بين أن يُخرجوا من القرية وبين العود إلى ملة الكفر. وقد جعلوا عود شعيب والذين معه إلى ملّة القوم مقسماً عليه فقالوا: {أو لتعودُن} ولم يقولوا: لنخرجنّكم من أرضنَا أو تعودن في ملّتنا، لأنّهم أرادوا ترديد الأمرين في حيز القسم لأنهم فاعلون أحد الأمرين لا محالة وأنّهم ملحّون في عودهم إلى ملّتهم. وكانوا يظنّون اختياره العود إلى ملّتهم، فأكدوا هذا العود بالقسم للإشارة إلى أنّه لا مَحيد عن حصوله عوضاً عن حصول الإخراج لأن أحد الأمرين مُرضضٍ للمقسمين، وأيضاً فإن التوكيد مؤذن بأنّهم إن أبوا الخروج من القرية فإنهم يكرهون على العود إلى ملّة القوم كما دل عليه قول شعيب في جوابهم: {أوَلْو كُنّا كارهين} ولما كان المقام للتوعّد والتّهديد كان ذكر الإخراج من أرضهم أهم، فلذلك قدموا القسم عليه ثم أعقبوه بالمعطوف بحرف (أوْ). والعَوْد: الرجوع إلى ما كان فيه المرء من مكان أو عمل، وجعلوا موافقة شعيب إياهم على الكفر عوداً لأنهم يحسبون شعيباً كان على دينهم، حيث لم يكونوا يعلمون منه ما يخالف ذلك، فهم يحسبونه، موافقاً لهم من قبل أن يدعو إلى ما دعا إليه. وشأن الذين أرادهم الله للنبوءة أن يكونوا غير مشاركين لأهل الضلال من قومهم ولكنّهم يكونون قبل أن يُوحى إليهم في حالة خلو عن الإيمان حتى يهديهم الله إليه تدريجاً، وقومهم لا يعلمون باطنهم فلا حيرة في تسمية قومه مُوافقته إيّاهم عوداً. وهذا بناء على أن الأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوءة، وذلك قول جميع المتكلمين من المسلمين، وقد نبّه على ذلك عياض في «الشفاء» في القسم الثالث وأورد قول شعيب: {أية : إنْ عُدنا في ملّتكُم}تفسير : [الأعراف: 89] وتأول العود بأنّه المصير، وذلك تأويل كثير من المفسرين لهذه الآية. ودليل العصمة من هذا هو كمالهم، والدليل مبني على أن خلاف الكمال قبل الوحي يُعد نقصاً، وليس في الشريعة دليل قاطع على ذلك، وإنّما الإشكال في قول شعيب {أية : إنْ عدنا في ملّتكم}تفسير : [الأعراف: 89] فوجهه أنّه أجراه على المشاكلة والتغليب. وكلاهما مصحّح لاستعمال لفظ العود في غير معناه بالنسبة إليه خاصة، وقد تولى شعيب الجواب عمّن معه من المؤمنين ليقينه بصدق إيمانهم. والملّة: الدين، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ مَنْ سَفِه نفسَه} تفسير : في سورة البقرة (130). وفصل جملة: {قال الملأ} لوقوعها في المحاورة على ما بيناه عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : في سورة البقرة (30). فصل جملة {قال..} لوقوعها في سياق المحاورة. والاستفهام مستعمل في التعجب تعجباً من قولهم: {أو لتعودن في ملّتنا} المؤذننِ ما فيه من المؤكّدات بأنّهم يُكرهونهم على المصير إلى ملّة الكفر، وذلك التعجب تمهيد لبيان تصميمه ومن معه على الإيمان، ليعلم قومه أنّه أحاط خبراً بما أرادُوا من تخييره والمؤمنين معه بين الأمرين: الإخراج أو الرجوع إلى ملّة الكفر، شأنَ الخصم اللبيب الذي يأتي في جوابه بما لا يغادر شيئاً مما أراده خصمه في حوارِه، وفي كلامه تعريض بحماقة خصومه إذ يحاولون حمله على ملّتهم بالإكراه، مع أن شأن المُحقّ أن يشرك للحق سلطانه على النفوس ولا يتوكّأ على عصا الضّغط والإكراه، ولذا قال الله تعالى: {أية : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ} تفسير : [البقرة: 256]. فإن التزام الدين عن إكراه لا يأتي بالغرض المطلوب من التّديّن وهو تزكية النفس وتكثير جند الحق والصلاح المطلوب. والكاره مشتق من كره الذي مصدره الكَرهُ ــــ بفتح الكاف وسكون الراء ــــ وهو ضد المحبة، فكاره الشيء لا يدانيه إلاّ مغصوباً ويقال للغصب إكراه، أي مُلجَئين ومغصوبين وتقدم في قوله تعالى: {أية : كتب عليكم القتال وهو كُرهٌ لكم} تفسير : في سورة البقرة (216). و(لو) وصلية تفيد أن شرطها هو أقصى الأحوال التي يحصل معها الفعل الذي في جوابها، فيكون ما بعدها أحرى بالتعجب. فالتقدير: أتعيدوننا إلى ملّتكم ولو كنا كارهين. وقد تقدم تفصيل (لو) هذه عند قوله تعالى: {أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} تفسير : في سورة آل عمران (91). وتقدم معنى الواو الداخلة عليها وأنها واو الحال. واستأنف مرتقياً في الجواب، فبيّن استحالة عودهم إلى ملّة الكفر بأن العود إليها يستلزم كذبَه فيما بلّغه عن الله تعالى من إرساله إليهم بالتوحيد فذلك كذب على الله عن عمد، لأن الذي يرسله الله لا يرجع إلى الكفر، ويستلزم كذب الذين آمنوا به على الله حيث أيقنوا بأن شعيباً مبعوث من الله بما دلهم على ذلك من الدلائل، ولذلك جاء بضمير المتكلّم المشارك في كل من قوله: افترينا} و{عدنا} و{نجانا} و{نعود} و{ربُنا} و{توكّلنا}. والربط بين الشرط وجوابه ربط التّبيّن والانكشاف. لأنه لا يصح تعليق حصول الافتراء بالعود في ملة قومه، فإن الافتراء المفروض بهذا المعنى سابق متحقق وإنّما يكشفه رجوعهم إلى ملّة قومهم، أي إنْ يَقع عودنا في ملتكم فقد تبين أننا افترينا على الله كذباً، فالماضي في قوله: {افترينا} ماض حقيقي كما يقتضيه دخول {قد} عليه، وتقديمه على الشرط لأنه في الحالتين لا تقلبه (إن) للاستقبال، أما الماضي الواقع شرطاً لــــ (إن) في قوله: {إن عدنا} فهو بمعنى المستقبل لأن (إنْ) تقلب الماضي للمستقبل عكس (لم). وقوله: {بعد إذ نجّانا الله منها} على هذا الوجه، معناه: بعد إذ هدانا الله للدين الحق الذي اتبعناه بالوحي فنجانا من الكفر، فذكر الإنجاء لدلالته على الإهداء والإعلان بأن مفارقة الكفر نجاة، فيكون في الكلام إيجاز حذف أو كناية. وهذه البعدية ليست قيداً لــــ {افترينا} ولا هي موجب كون العود في ملّتهم دالاً على كذبه في الرسالة، بل هذه البعدية متعلقة بــــ {عُدْنَا} يقصد منها تفظيع هذا العود وتأييس الكافرين من عود شعيب وأتباعه إلى ملّة الكفر، بخلاف حالهم الأولى قبلَ الإيمان فإنهم يوصفون بالكفر لا بالافتراء إذ لم يظهر لهم وجه الحق، ولذلك عقبه بقوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها} أي لأن ذلك لا يقصده العاقل فيلقي نفسه في الضلال والتعرض للعذاب. وانتصاب {كذباً} على المفعولية المطلقة تأكيداً لــــ {افترينا} بنا هو ماسو له أو أعم منه، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب}تفسير : في سورة المائدة (103). وقد رَتّب على مقدمة لزوم الافتراء نتيجةَ تأييس قومه من أن يعود المؤمنون إلى ملّة الكفر بقوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها} فنفي العود نفياً مؤكداً بلام الجحود وقد تقدم بيان تأكيد النفي بلام الجحود في قوله تعالى: {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} تفسير : الخ في سورة آل عمران (79). وقوله: {إلاّ أن يشاء الله ربّنا} تأدب مع الله وتفويضُ أمره وأمرِ المؤمنين إليه، أي: إلاّ أن يقدّر الله لنا العود في ملّتكم فإنّه لا يسأل عمّا يفعل، فأمَا عود المؤمنين إلى الكفرِ فممكن في العقل حصوله وليس في الشرععِ استحَالته، والارتداد وقع في طوائف من أمم. وأمّا ارتداد شعيب بعد النبوءَةِ فهو مستحيل شرعاً لعصمة الله للأنبياء، فلو شاء الله سلب العصمة عن أحد منهم لمَا ترتّب عليه محال عقلاً، ولكنه غير ممكن شرعاً، وقد علمتَ آنفاً عصمة الأنبياء من الشرك قبل النبوءة فعصمتهم منه بعد النبوءة بالأولى، قال تعالى: {أية : لئن أشركت ليحبطَن عملك}تفسير : [الزمر: 65] على أحد التأويلين. وفي قول شعيب: {إلاّ أنْ يشاء الله ربّنا} تقييدُ عدم العود إلى الكفر بمشيئة الله، وهو يستلزم تقييد الدوام على الإيمان بمشيئة الله، لأن عدم العود إلى الكفر مساو للثبات على الإيمان، وهو تقييد مقصود منه التأدب وتفويض العلم بالمستقبل إلى الله، والكناية عن سؤال الدوام على الإيمان من الله تعالى كقوله: {أية : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}تفسير : [آل عمران: 8]. ومن هنا يستدل لقول الأشعري وجماعةٍ على رأسهم محمد بن عبدوس الفقيه المالكي الجليل أن المسلم يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنّه لا يعلم ما يُختم له به، ويضعف قول الماتريدي وطائفةٍ من علماء القيروان على رأسهم محمد بن سحنون أن المسلم لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنّه متحقق أنه مؤمن فلا يقول كلمة تنبىء عن الشك في إيمانه. وقد تطاير شرر الخلاف بين ابن عبدوس وأصحابه من جهة، وابن سحنون وأصحابه من جهة، في القيروان زماناً طويلاً ورمى كل فريق الفريق الآخر بما لا يليق بهما، وكان أصحاب ابن سحنون يدْعون ابنَ عبدوس وأصحابَه الشكوكية وتلقفت العامة بالقيسروان هذا الخلاف على غير فهم فربما اجْتروا على ابن عبدوس وأصحابة اجتراء وافتراء، كما ذكره مفصلاً عياض في «المدارك» في ترجمة محمد بن سحنون، وترجمة ابن النبّان، والذي حقّقه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد وعياض أن الخلاف لفظي: فإن كان يقول: إن شاء الله، وسريرتُه في الإيمان مثلُ علانيته فلا بأس بذلك، وإن كان شكاً فهو شك في الإيمان، وليس ذلك ما يريده ابن عبدوس، وقد قال المحققون: أن الخلاف بين الأشعري والماتريدي في هذه المسألة من الخلاف اللفظي، كما حقّقه تاج الدين السبكي في «منظومته النونية»، وتبعه تلميذه نور الدين الشيرازي في «شرحه». ومما يجب التنبيه له أن الخلاف في المسألة إنما هو مفروض في صحّة قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله، وأن قوله ذلك هل ينبىء عن شكه في إيمانه، وليس الخلاف في أنّه يجب عليه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، عند القائلين بذلك، بدليل أنهم كثيراً ما يقابلون قول القائلين بالمشيئة بقول الآخرين: أنا مؤمن عند الله، فرجعت المسألة إلى اختلاف النظر في حالة عقد القلب مع ما هو في علم الله من خاتمته، وبذلك سهل إرجاع الخلاف إلى الخلاف اللفظي. والإتيان بوصف الرب وإضافتُه إلى ضمير المتكلم المشارَك: إظهار لحضرة الإطلاق، وتعريض بأن الله مولى الذين آمنوا. والخلاف بيننا وبين المعتزلة في جواز مشيئة الله تعالى الكفرَ والمعاصي خلاف ناشىء عن الخلاف في تحقيق معنى المشيئة والإرادة، ولكلا الفريقين اصطلاح في ذلك يخالف اصطلاح الآخر، والمسألة طفيفة وإن هوّلها الفريقان، واصطلاحنا أسعد بالشريعة وأقرب إلى اللغة، والمسألة كلها من فروع مسألة التكليف وقدرة المكلف. وقوله: {وسعَ ربنا كل شيء علْماً} تفويض لعلم الله، أي إلاّ أن يشاء ذلك فهو أعلم بمراده منا، وإعادة وصف الربوبية إظهار في مقام الإضمار لزيادة إظهار وصفه بالربوبية، وتأكيد التعريض المتقدم، حتى يصير كالتصريح. وانتصب {علماً} على التمييز المحول عن الفاعل لقصد الإجمال ثم التفصيل للاهتمام. وانتصب {كل شيء} على المفعول به لــــ {وَسعَ}، أي: وسع علم ربنا كل شيء. والسعة: مستعملة مجازاً في الإحاطة بكل شيء لأن الشيء الواسع يكون أكثر إحاطة. وفي هذه المجادلة إدماج تعليم بعض صفات الله لأتْباعه وغيرهم على عادة الخطباء في انتهاز الفرصة. ثم أخبر بأنه ومَن تبعه قد توكلوا على الله، والتوكل: تفويض مباشرة صلاح المرء إلى غيره، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكل على الله} تفسير : في آل عمران (159)، وهذا تفويض يقتضي طلب الخير، أي: رجونا أن لا يسلبنا الإيمان الحق ولا يفسد خلق عقولنا وقلوبنا فلا نفتن ونضل، ورجونا أن يكفينا شر من يُضمر لنا شراً وذلك شر الكفرة المضمر لهم، وهو الفتنة في الأهل بالإخراج، وفي الدين بالإكراه على إتباع الكفر. وتقديم الجار والمجرور على فعل {توكلنا} لإفادة الاختصاص تحقيقاً لمعنى التوحيد ونبذ غير الله، ولمَا في قوله: {على الله توكلنا} من التفويض إليه في كفايتهم أمر أعدائهم، صرح بما يزيد ذلك بقوله: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق}. وفسروا الفتح هنا بالقضاء والحكم، وقالوا: هو لغة أزد عمان من اليمن، أي احكم بيننا وبينهم، وهي مأخوذة من الفتح بمعنى النصر لأن العرب كانوا لا يتحاكمون لغير السيف، ويحسبون أن النصر حُكم الله للغالب على المغلوب. وقوله: {وأنت خير الفاتحين} هو كقوله: {أية : وهو خير الحاكمين}تفسير : [الأعراف: 87]، أي وأنت خير الناصرين، وخير الحاكمين هو أفضل أهل هذا الوصف، وهو الذي يتحقق فيه كمال هذا الوصف فيما يقصد منه وفي فائدته بحيث لا يشتبه عليه الحق بالباطل ولا تروج عليه الترهات. والحكام مراتب كثيرة، فتبين وجه التفضيل في قوله: {أية : وهو خير الحاكمين}تفسير : [الأعراف: 87] وكذلك القياس في قوله: {أية : خير الناصرين}تفسير : [آل عمران: 150] و{أية : خير الماكرين}تفسير : [آل عمران: 54] وقد تقدم في سورة آل عمران (150): {أية : بل الله مولاكم وهو خير الناصرين}.

الواحدي

تفسير : {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا او لتعودنَّ في ملتنا} معناه أنَّهم قالوا لشعيب وأصحابه: ليكوننَّ أحد الأمرين؛ إمَّا الإِخراج من القرية؛ أو عودكم في ملَّتنا، ولا نفارقكم على مخالفتنا، فقال شعيب: {أو لو كنا كارهين} أَيْ: تجبروننا على العود في ملَّتكم، وإنْ كرهنا ذلك؟ وقوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلاَّ أن يشاء الله ربنا} أَيْ: إلاَّ أن يكون قد سبق في علم الله وفي مشيئته أن نعود فيها {وَسِعَ ربنا كلَّ شيء علماً} علم ما يكون قبل أن يكون {ربنا افتح} احكم واقضِ {بيننا وبين قومنا بالحق}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الملأ: أشراف القوم الذين يملؤون المجلس إذا جلسوا، والعين إذا نظر إليهم. استكبروا: تكلفوا الكبر وهم حقيرون، حتى لا يقبلوا الحق. من قريتنا: مدينتنا. في ملتكم: في دينكم. على الله توكلنا: أي فوضنا أمرنا واعتمدنا في حمايتنا عليه. ربنا افتح بيننا: أي يا ربنا احكم بيننا. وأنت خير الفاتحين: أي وأنت خير الحاكمين. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في قصص شعيب مع قومه أهل مدين فبعد أن أمرهم ونهاهم وذكرهم ووعظهم {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} مهددين موعدين مقسمين {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}. هكذا سنة الطغاة الظلمة إذا غلبوا بالحجج والبراهين يفزعون إلى القوة فلما أفحمهم شعيب خطيب الأنبياء عليهم السلام، وقطع الطريق عليهم شهروا السلاح في وجهه، وهو النفي والإِخراج من البلاد أو العودة إلى دينهم الباطل، {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ورد شعيب على هذا التهديد بقوله: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي أنعود في ملتكم ولو كنا كارهين لها {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} ووجه الكذب على الله إن عادوا إلى ملة الباطل هو أن شعيباً أخبرهم أن الله تعالى أمرهم بعبادته وحده وترك عبادة غيره، وأنه تعالى أرسله إليهم رسولاً وأمرهم بطاعته إنقاذاً لهم من الباطل الذي هم فيه فإذا أرتد وعاد هو ومن معه من المؤمنين إلى ملة الشرك كان موقفهم موقف من كذب على الله تعالى بأنه قال كذا وكذا والله عز وجل لم يقل. هذا ثم قال شعيب {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} ليس من الممكن ولا من المتهيء لنا العودة في ملتكم أبداً، اللهم إلا أن يشاء ربنا شيئاً فإن مشيئته نافذه في خلقه، وقوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} فإذا كان قد علم أنا نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، فسوف يكون ما علمه كما علمه وهو الغالب على أمره. ثم قال عليه السلام بعد أن أعلمهم أن العودة إلى دينهم غير واردة ولا ممكنة بحال من الأحوال إلاّ في حال مشيئة الله ذلك، وهذا مما لا يشاءه الله تعالى قال: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} في الثبات على دينه الحق، والبراءة من الباطل ثم سأل ربه قائلاً: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} أي احكم بيننا وبينهم بالحق {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} أي الحاكمين، وذلك بإحقاق الحق وإبطال الباطل. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة بشرية وهي أن الظلمة والمتكبرين يجادلون بالباطل حتى إذا أعياهم الجدال وأفحموا بالحجج بدل أن يسلموا بالحق ويعترفوا به ويقبلوه، فيستريحوا ويريحوا يفزعون إلى القوة بطرد أهل الحق ونفيهم أو إكراههم على قبول الباطل بالعذاب والنكال. 2- لا يصح من أهل الحق بعد أن عرفوه ودعوا إليه أن يتنكروا ويقبلوا الباطل بدله. 3- يستحب الاستثناء في كل ما عزم عليه المؤمن مستقبلاً وإن لم يرده أو حتى يفكر فيه. 4- وجوب التوكل على الله عند تهديد العدو وتخويفه، والمضي في سبيل الحق. 5- مشروعية الدعاء وسؤال الله تعالى الحكم بين أهل الحق وأهل الباطل، لأن الله تعالى يحكم بالحق وهو خير الحاكمين.

القطان

تفسير : افتتح بيننا: احكم بيننا. الفاتحين: الحاكمين. تورد هذه الآيات تتمةَ قصص شُعيب ففيها جوابُ الملأ الزعماءِ من قومِه عما أمرهم به: من عبادة الله وحده، وإيفاء الكيل والميزان، وعدم الفساد في الأرض. وقد تَوَلَّى الردَّ عليه اشرافُ قومه وكبراؤهم كما هو الشأن في بحث كبريات المسائل ومهمّات الأمور. قال أولئك الاشراف: قَسَماً لَنُخرجّنك يا شعيب أنت ومن آمن معكم من بلادنا، او لترجعُنَّ إلى ديننا الّذي هجرتموه. فردّ عليهم شعيب قائلا: أنصيرُ في ملّتكم ونحن كارهون لها لفسادها؟. ثم بالغَ في قطع طمعهم من العود الى ملّتهم كما يطلبون، فقال: إننا نكون كاذبين مفترين على الله إنْ عُدنا الى ملتكم بعد أن هدانا الله. ولا ينبغي لنا ان نفعل ذلك بمحض اختيارنا ورغبتنا، الا أن يشاء الله وهيهات ذلك! لأنه ربُّنا، عليم بمصلحتنا وخيرنا، ولن يشاء رجوعنا إلى باطلكم. لقد وَسِع كل شيء عِلما، ومن عِلمه أنَّهُ يهدينا الى ما يحفظ علينا إيماننا. لقد سلّمنا أمرنا اليه، وتوكّلنا عليه، وهو الذي سيحكم بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰشُعَيْبُ} {آمَنُواْ} {كَارِهِينَ} (88) - تَوَعَّدَ المُسْتَكْبِرُونَ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ نَبِيَّهُمْ شُعَيْباً، وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنينَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ قَرْيَتِهِمْ إِذا لَمْ يَقْبَلُوا الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهِمِ الحَقِّ إِلى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَمِلَّةِ الشِّرْكِ، فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: أَتَأْمُرُونَنَا بِأَنْ نَعُودَ إِلى مِلَّتِكُمْ، وَتُهَدِّدُونَنَا بِالنَّفْيِ مِنْ أَوْطَانِنا، وَالإِخْراجِ مِنْ دِيَارِنا، إِنْ لَمْ نَفْعَلْ مَا تَطْلُبُونَهُ مِنّا؟ أَتُرْيدُونَ إِجْبَارَنا عَلَى الخُرُوجِ مِنْ دِيَارِنا، وَعَلَى العَوْدَةِ إِلى دِينِكُمْ حَتَّى وَلَوُ كُنَّا كَارِهِينَ لِكِلا الأَمْرَيْنِ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : علمنا من قبل أن الملأ هم السادة، والأعيان الذين يملأون العيون هيبة، ويملأون القلوب هيبة، ويملأون الأماكن تحيزاً. وقد استكبر الملأ من قوم شعيب عن الإيمان به، طغوا وهددوه بأن يخرجوه من أرضهم. وقالوا مثلما قال من سبقوهم. فقد نادى بعض من قوم لوط بأن يخرجوا لوطاً ومن آمن معه من قريتهم. قال تعالى: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تفسير : [النمل: 56] وكلمة "قرية" تأخذ في حياتنا وضعاً غير وضعها الحقيقي، فالقرية الآن هي الموقع الأقل من المدينة الصغيرة. لكنها كانت قديماً البلد الذي توجد فيه كل متطلبات الحياة، بدليل أنهم كانوا يقولوا عن مكة "أم القرى". وقد وضع شعيباً ومن آمن معه بين أمرين: إما أن يخرجوهم حتى لا يفسدوا من لم يؤمن فيؤمن، وإما أن يعودوا إلى الملة. وهنا "لفتة لفظية" أحب أن تنتبهوا إليها في قوله: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} لأن العود يقتضي وجوداً سابقاً خرج عنه، ونريد أن نعود إلى الأصل، فهل كان شعيب والذين آمنوا معه على ملتهم ثم آمنوا والمطلوب منه أنهم يعودون؟ علينا أن ننتبه إلى أن الخطاب هنا يضم شعيباً والذين معه. وقد يصدق أمر العودة إلى الملة القديمة على الذين مع شعيب، ولكنها لا تصدق على شعيب لأنه نبي مرسل، وهنا ننتبه أيضاً إلى أن الذي يتكلم هنا هم الملأ من قوم مدين، ووضعوا شعيباً والذين آمنوا معه أمام اختيارين: إما العودة إلى الملة، وإمَّا الخروج، ونسوا أن الحق قد يشاء تقسيماً آخر غير هذين القسمين. فقد يوجد ويريد سبحانه أمراً ثالثاً لا يخرج فيه شعيب والذين آمنوا معه، وأيضاً لا يعودون إلى ملة الكفر، كأن تأتي كارثة تمنع ذلك. لقد عزل الملأ من قوم شعيب أنفسهم عن المقادير العليا، لأن الله قد يشاء غير هذين الأمرين، فقد يمنعكم أمر فوق طاقتكم أن تُخْرِجوا؛ شعيباً ومن آمن معه؛ بأن يصيبكم ضعف لا تستطيعون معه أن تخرجوهم، أو أن يسلط الله عليكم أمراً يفنيكم وينجي شعيباً والذين آمنوا معه. إذن أنت أيها الإِنسان الحادث، العاجز لا تفتئت ولا تفتري وتختلق على القوة العليا في أنك تخير بين أمرين قد يكون لله أمر ثالث لا تعلمه، ويأتي الرد على لسان مَن آمنوا مع شعيب: {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 88] لقد سأل شعيب والذين معه: أيمكن أن يتم قهر أحد على أن يترك الإِيمان إلى الكفر، كأن الكافرين قد تناسوا أن التكليف مطمور في الاختيار، فالإِنسان يختار بين سبيل الإِيمان وسبيل الكفر. ويتتابع القول من شعيب والذين آمنوا معه: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً...}

الأندلسي

تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} الآية، لنخرجنك جواب قسم محذوف والقسم يكون على فعل المقسم كقوله: لتخرجنك وعلى فعل غيره، كقوله: أو لتعودن، وهذا يدل على صعوبة مفارقة الوطن إذ قرنوا ذلك بالعود إلى الكفر وفي الإِخراج والعود طباق معنوي، والعود هنا بمعنى الصيرورة. {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي أيقع منكم أحد هذين الأمرين على كل حال حتى في حال كراهيتنا لذلك. والاستفهام للتوقيف على شنعة المعصية بما أقسموا عليه من الإِخراج عن مواطنهم ظلماً، والإِقرار بالعود في ملتهم. قال الزمخشري: الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال تقديره أتعيدوننا في حال كراهيتنا وليست واو الحال التي يعبر عنها النحويون بواو الحال بل هي واو العطف عطفت على حال محذوفة كقوله عليه السلام: حديث : ردوا السائل ولو بظلف محرق تفسير : ، ليس المعنى ردوه في حال الصدقة عليه بظلف محرق بل المعنى ردوه مصحوباً بالصدقة ولو مصحوباً بظلف محرق. وتقدم لنا إشباع القول في هذا المعنى. {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} الآية هذا إخبار مقيد من حيث المعنى بالشرط، وجواب الشرط محذوف من حيث الصناعة وتقديره ان عدنا في ملتكم فقد افترينا. وليس قوله: قد افترينا على الله كذباً، هو جواب الشرط الأعلى مذهب من يجيز تقديم جواب الشرط على الشرط فيمكن أن يخرج هذا عليه ونظير هذا التركيب الفصيح قول الاشتر النخعي واسمه الحرث: شعر : بقيت وَفْدى وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشن على ابن هند غارة لم تخل يوماً من ذهاب نفوس تفسير : {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} أي ما ينبغي ولا يتهيأ لنا أن نعود في ملتكم. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} وهذا الاستثناء على سبيل عذق الأمور جميعها بمشيئة الله تعالى وإرادته. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد الله به المؤمنين مما تفعله الكفرة من القربات فلما قال لهم: إنا لا نعود في ملتكم، ثم خشي أن يتعبده الله بشىء من أفعال الكفرة فيعارض ملحد بذلك، ويقول: هذه عودة إلى ملتنا، استثنى مشيئة الله تعالى فيما يمكن أن يتعبد به. "انتهى". وهذا الاحتمال لا يصح لأن قوله: بعد إذ نجانا الله منها إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي لا من أعمال البر. وقيل: هذا الاستثناء إنما هو تسليم وتأدب. قال ابن عطية: ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ولو كان الكلام إن شاء قوي هذا التأويل. "انتهى". وليس يقوى هذا التأويل بل لا فرق بين إلا إن يشاء وبين إلا أن يشاء لأن انْ تخلّص الماضي للاستقبال كما تخلص ان المضارع للاستقبال فكلا الفعلين مستقبل. {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} الآية تقدم تفسير نظيرها في الانعام في قصة إبراهيم عليه السلام. {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} في دفع ما توعدتمونا به وفي حمايتنا من الضلال وفي ذلك استسلام لله تعالى وتمسك بلطفه. {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} أي احكم والفاتح والفتاح القاضي بلغة حمير. وقيل: بلغة مراد. وقال بعضهم: شعر : ألا أبلّغ بني عصم رسولا فإِني عن فتاحتكم غني تفسير : وقال ابن عباس: ما كنت أعرف ما معنى هذه اللفظة حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي أحاكمك. وقال الفراء: أهل عمان يسمون القاضي الفاتح. {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي قال بعضهم لبعض أي كبراؤهم لاتباعهم تثبيطاً عن الإِيمان. {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً} فيما أمركم به ونهاكم عنه. {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي مغبونون. قال الزمخشري: فإِن قلت: ما جواب القسم الذي وطأته اللام في لئن اتبعتم وجواب الشرط؟ قلت: قوله إنكم إذا لخاسرون ساد مسد الجوابين. "انتهى". والذي تقوله النحويون إن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ولذلك وجب مُضيُ فعل الشرط. فإِن عني الزمخشري بقوله: ساد مسد الجوابين، انه اجتزىء به عن ذكر جواب الشرط فهو قريب، وإن عنى به أنه من حيث الصناعة النحوية فليس كما زعم، لأن الجملة يمتنع أن تكون لا موضع لها من الإِعراب وأن يكون لها موضع من الإِعراب. وإذا هنا معناها التوكيد وهي الحرف الذي هو جواب ويكون معه الجزاء وقد لا يكون. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} تقدم تفسير هذه الجملة. قال قتادة: أرسل شعيب إلى أصحاب الايكة فأهلكوا بالظلة، وإلى أصحاب مدين فصاح بهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا جميعاً. {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} أي كان لم يقيموا ناعمي البال رخيي العيش في دارهم وفيها قوة الاخبار عن هلاكهم وحلول المكروه بهم والتنبيه على الاعتبار بهم كقوله تعالى: {أية : فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ}تفسير : [يونس: 24]. وفي كأَنْ ضمير الشأن محذوف تقديره قبل الحذف كأنه والجملة بعدها في موضع الخبر منفياً بلم وهو الكثير وقد جاء النفي بلما في قول حماد الكلبي: وكان لما يكون قط لمْ. والنفي بلما قليل. {كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} هم فصلاً بين الإِسم والخبر ويجوز أن يكون بدلاً من الاسم في كانوا، ولما كان قولهم إنكم إذاً لخاسرون قوبلوا بقوله: هم الخاسرون، وأفاد الفصل الاختصاص. {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} تقدم تفسير نظيره في قصة صالح. {فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ} أي فيكف أحزن على من لا يستحق أن يحزن عليه ونبه على العلة الموجبة لعدم الحزن عليهم وهي الكفر إذ هي أعظم ما يعادى به المؤمن.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المستكبرين وعاقبة الكافرين بقوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} [الأعراف: 88] إلى قوله: {جَاثِمِينَ} [الأعراف: 91]، الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} إلى قوله: {جَاثِمِينَ}، إشارة إلى أن من شأن المتكبرين ودأب المتحيرين استعداد على الأزل وذلك لما فيهم من نظر التنعم وطغيان الاستغناء في دعمه الاستبداد، ولمَّا كان حب الدنيا رأس كل خطيئة، وفتنتها أعظم من كل بلية جعل الله تعالى أهلها في البلاد سبباً للهلاك والفساد، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}تفسير : [الإسراء: 16]. وقوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88]، يشير إلى التأهل للخير كما لا يميلون إلى أشكالهم، فكذلك أهل الشر لا يرضون لمن رأوا، وإلا بأن يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد في بابه من باين نهج إضرابه، {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 88]؛ يعني: نعود في ملتكم ونقول لكم: قد جعلنا الله معكم فنكون من المغتربين، {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ} [الأعراف: 89] من حكم في القسمة الأزلية وتغيرها، {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} [الأعراف: 89] وأن يغيرها، {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [الأعراف: 89]؛ أي: لأن واسع علمه الأزلي يسع فيه أن يقدر شيئاً على أنه يمحوه في وقته ما ويقدر شيئاً على أنه يثبته، كما قال تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد: 39]. {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89] أي: تيقناً بالله أن تثبتنا على ما قدر لنا من الدين ولا يغتر علينا الحال، ثم انقطعوا عن الخلق قالوا: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} [الأعراف: 89]؛ أي: أحكم بيننا وبينهم بإظهار ما قدرت لنا، من أمن خاتمة السوء، {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] الحاكمين بين أهل الحق والباطل، {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} [الأعراف: 90] لغاية جهالتهم ونهاية ضلالتهم، {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} [الأعراف: 90] فمن أعماهم رأوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، والفلاح خسراناً والخسران فلاحاً، {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 91] فصارت صورتهم تبعاً لمعناهم فإنهم كانوا جاثمين الأرواح في ديار الأشباح.