٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} قد اختلفنا عليه. {إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} شرط جوابه محذوف دليله: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا} وهو بمعنى المستقبل لأنه لم يقع لكنه جعل كالواقع للمبالغة، وأدخل عليه قد لتقريبه من الحال أي قد افتربنا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها حيث نزعم أن لله تعالى نداً، وأنه قد تبين لنا أن ما كنا عليه باطل وما أنتم عليه حق. وقيل إنه جواب قسم وتقديره: والله لقد افترينا. {وَمَا يَكُونُ لَنَا} وما يصح لنا. {أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّنَا} خذلاننا وارتدادنا، وفيه دليل على أن الكفر بمشيئة الله. وقيل أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون. {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا} أي أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم. {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} في أن يثبتنا على الإِيمان ويخلصنا من الأشرار. {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ} احكم بيننا وبينهم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة. أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ} على المعنيين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ } ينبغي {لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلآ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا } ذلك فيخذلنا {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } أي وسع علمه كل شيء، ومنه حالي وحالكم {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ } احكم {بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ } الحاكمين.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَّعُودَ فِيهَآ} حكاية عن أتباع شعيب الذين كانوا قبل اتباعه على الكفر، أو قاله تنزُّلاً لو كان عليها لم يعد إليها، أو يطلق لفظ العود على منشىء الفعل وإن لم يسبق منه فعل مثله {فِيهَآ} في القرية، أو ملّة الكفر عند الجمهور. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} علّق العود على المشيئة تبعيداً كقوله: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ}تفسير : [الأعراف: 40]، أو لو شاء الله ـ تعالى ـ عبادة الوثن كانت طاعة لأنه شاءها كتعظيم الحجر الأسود. {افْتَحْ} اكشف؛ أو احكم، وأهل عُمان يسمون الحاكم، "الفاتح" و"الفتاح" ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: "كنت لا أدري ما معنى قوله: {رَبَّنَا افْتَحْ} حتى سمعت بنت ذي يزن تقول: تعالَ أفاتحك ـ تعني أقاضيك ـ وسمي بذلك، لأنه يفتح باب العلم المنغلق على غيره، وحكم الله ـ تعالىـ لا يكون إلا بالحق، فقوله بالحق أخرجه مخرج الصفة لا أنه طلبه، أو طلب أن يكشف الله ـ تعالى ـ لمخالفه أنه على الحق، أو طلب الحكم في الدنيا بنصر المحق.
ابو السعود
تفسير : {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} أي كذباً عظيماً لا يُقادَر قدرُه {إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ} التي هي الشركُ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدِلالة ما قبله عليه أي إن عدنا في ملتكم {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} فقد افترينا على الله كذباً عظيماً حيث نزعُم حينئذ أن لله تعالى نِداً وليس كمثله شيءٌ وأنه قد تبـين لنا أن ما كنا عليه من الإسلام باطلٌ وأن ما كنتم عليه من الكفر حقٌّ وأيُّ افتراءٍ أعظمُ من ذلك؟ وقيل: إنه جوابُ قسمٍ حذف عنه اللامُ تقديره والله لقد افترينا الخ {وَمَا يَكُونُ لَنَا} أي وما يصِحّ وما يستقيم لنا {أَن نَّعُودَ فِيهَا} في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} أي إلا حالَ مشيئةِ الله تعالى أي وقتَ مشيئتِه تعالى لعَوْدنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبىء عنه قوله تعالى: {رَبَّنَا} فإن التعرضَ لعنوان ربوبـيتِه تعالى لهم مما ينبىء عن استحالة مشيئتِه تعالى لارتدادهم قطعاً وكذا قوله تعالى: {أية : بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} تفسير : فإن تنجيتَه تعالى لهم منها من دلائل عدمِ مشيئتِه لعَودِهم فيها وقيل: معناه إلا أن يشاء الله خِذلانَنا. وقيل: فيه دليلٌ على أن الكفرَ بمشيئته تعالى وأياً ما كان فليس المرادُ بذلك بـيانَ أن العودَ فيها في حيز الإمكانِ وخطرِ الوقوعِ بناءً على كون مشيئتِه تعالى كذلك بل بـيانُ استحالةِ وقوعِها كأنه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربُّنا وهيهاتَ ذلك بدليل ما ذُكر من موجبات عدم مشيئتِه تعالى له {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا} فهو محيطٌ بكل ما كان وما سيكون من الأشياء التي من جملتها أحوالُ عبادِه وعزائمُهم ونياتُهم وما هو اللائقُ بكل واحدٍ منهم فمُحالٌ من لطفه أن يشاء عَودَنا فيها بعد ما نجانا منها مع اعتصامنا به خاصةً حسبما ينطِق به قوله تعالى: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي في أن يثبتَنا على ما نحن عليه من الإيمان ويُتمَّ علينا نعمتَه بإنجائنا من الإشراك بالكلية، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ للمبالغة في التضرع والجُؤار، وقوله تعالى: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ} إعراضٌ عن مقاولتهم إثرَ ما ظهر له عليه الصلاة والسلام أنهم من العتو والعِناد بحيث لا يُتصور منهم الإيمانُ أصلاً، وإقبالٌ على الله تعالى بالدعاء لفصل ما بـينه وبـينهم بما يليق بحال كلَ من الفريقين أي احكم بـيننا بالحق، والفَتاحَةُ الحكومة، أو أظهرْ أمرنا حتى ينكشِفَ ما بـيننا وبـينهم ويتميز المُحقُّ من المبطِل من فتَحَ المُشكلَ إذا بـيّنه {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ} تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على المعنيـين.
اسماعيل حقي
تفسير : {قد افترينا على الله كذبا} عظيما {وان عدنا فى ملتكم} التى هى الشرك وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان عدنا فى ملتكم {بعد اذ نجينا الله منها} فقد افترينا على الله كذبا عظيما حيث نزعم حينئذ ان الله تعالى ندا وليس كمثله شيء وانه قد تبين لنا ان ما كان عليه من الاسلام باطل وان ما كنتم عليه من الكفر حق وأى افتراء اعظم من ذلك {وما يكون لنا} اى وما يصح وما يستقيم لنا {ان نعوذ فيها} فى حال من الاحوال او فى وقت من الاوقات {إلا أن يشاء الله} اى الاحالة مشيئة الله تعالى لعودنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبئ عنه قوله {ربنا} فان التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا وكذا قوله تعالى {بعد اذ نجينا الله منها} فان تنجيته تعالى لهم منها من دلائل عدم مشيئته تعالى لعودهم فيها. وقيل معناه الا ان يشاء الله خذلاننا وفيه دليل على ان الكفر بمشيئة الله تعالى واياما كان فليس المراد بذلك بيان ان العود فيها فى حيز الامكان وخطر الوقوع بناء على كونه مشيئته تعالى كذلك بل بيان استحالة وقوعها كأنه قيل وما كان لنا ان نعود فيها الا ان يشاء الله ربنا وهيهات ذلك بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له {وسع ربنا كل شيء علما} علما نصب على التمييز منقول عن الفاعلية تقديره وسع علم ربنا كل شيء كقوله {واشتعل الرأس شيبا} والمعنى احاطة علمه بكل ما كان وما سيكون من الاشياء التى من جملتها احوال عباده وعزائمهم ونياتهم وما هو اللائق بكل واحد منهم فمحال من لطفه ان يشاء عودنا فيها بعدما نجانا منها مع اعتصامنا به خاص حسبما ينطق به قوله تعالى {على الله توكلنا} فى ان يثبتنا على الايمان ويخلصنا من الاشرار ثم اعرض عن المعاندين وتوجه الى مناجاة رب العالمين فقال {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} احكم بيننا وبينهم واقض بما يدل على انا الحق وهم على الباطل وافصل بما يليق بحال كل من الفريقين {وانت خير الفاتحين} والفاتح هو الحاكم بلغة اهل عمان سمى فاتحا لانه يفتح المشكلات ويفصل الامور ويجوز ان يكون من فتح المشكل اذا بينه. والمعنى اظهر امرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل. وفى التأويلات النجمية: "احكم بيننا وبينهم" باظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير واظهار ما قدرت لهم من خاتمة السوء.
الطوسي
تفسير : في هذه الأية اخبار من الله عما قال شعيب لقومه من أنه قد افترى هو ومن آمن به على الله كذباً إِن عاد في ملتهم بأن يحللوا ما يحللونه ويحرموا ما يحرمونه وينسبونه الى الله بعد إِذ نجاهم الله منها. والافتراء الكذب، ومنه الافتعال، والاختلاق وهو القطع بخبر مخبره لا على ما هو به، مشتقاً من فري الأديم تقول فريت الأديم أفريه فرياً. والملة الديانة التي تجتمع على العمل بها فرقة عظيمة. والأصل فيه تكرر الامر من قولهم طريق مليل اذا تكرر سلوكه حتى توطأ، ومنه الملل وهو تكرر الشىء على النفس حتى تضجر. والملة الرماد الحار يدفن فيه الخبز حتى ينضج لتكرر الحمي عليها، ومنه المليلة من الحمى. والملة لتكرر العمل فيها على ما تأتي به الشريعة. وقوله {بعد إِذ نجانا الله منها} باقامة الدليل والحجج على بطلانها، وعلمنا بذلك وانتهائنا عنها. وقوله {ربنا افتح} قال ابن عباس: ما كنت أدري معنى قوله {ربنا افتح} حتى سعمت بنت سيف بن ذي يزن تقول: تعال حتى أفاتحك يعني أقاضيك. وقوله {وما يكون لنا أن نعوذ فيها إِلا أن يشاء الله ربنا} إِخبارعن قول شعيب لهم أنه ليس له أن يعود في ملتهم، ويرجع فيها إِلا بعد مشيئة الله ذلك. وقيل في معنى هذه المشيئة مع حصول العلم بأنه لا يشاء تعالى عبادة الاصنام والأوثان ثلاثة أقوال: أحدها - أن في ملتهم أشياء كان يجوز أن يتعبد الله بها، فلو شاءها منهم لوجب عليهم الرجوع فيها. الثاني - أنه اذا فعل ما شاء الله كان ذلك طاعة لله تعالى. الثالث - أنه علق ما لا يكون بما علم أنه لا يكون على وجه التبعيد كما قال الشاعر: شعر : إِذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب تفسير : وكما قال تعالى {أية : حتى يلج الجمل في سم الخياط}تفسير : وجه ذلك - ها هنا - أنه كما لا يشاء الله عبادة الأصنام والقبائح - لأن ذلك لا يليق بحكمته - فكذلك لا أعود في ملتكم. وقال قوم: فيه وجه رابع، وهو أن الهاء في قوله {فيها} راجعة الى القرية، وكأنه قال: وما يكون لنا أن نعود في قريتكم غانمين لكم ظاهرين عليكم بعد اذ نجانا الله منها بخروجنا منها سالمين إِلا أن يشاء الله أن ينصرنا عليكم ويشاء منا الرجوع فيها. وقوله {وسع ربنا كل شيء علماً} نصب (علماً) على التمييز. وقيل في وجه اتصال ذلك بما قبله قولان: أحدهما - أن الملة إِنما يتعبد بها على حسب ما في معلومه من مصلحة العباد بها، فهو تعالى لا يخفى عليه ذلك. والثاني - أنه عالم بما يكون منا من عود أو ترك دوننا. ثم حكى عن شعيب أنه قال لهم {على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} سؤال من شعيب ورغبة منه اليه تعالى أن يحكم بينه وبين قومه بالحق، والفتح القضاء. ومعنى افتح إِقض - في قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي - والحاكم الفاتح والفتاح، وفاتحته في كذا قاضيته. وإِنما قيل ذلك، لأنه يفتح باب العلم الذي انغلق على غيره. وقوله {بالحق} فيه وجهان: أحدهما - سؤال الله ما يجوز عليه، كما قال في موضع آخر {أية : رب احكم بالحق}. تفسير : والآخر - ما ينكشف به لمخالفينا أنَّا على الحق من انزال العذاب عليهم، وقال الفراء: اهل عمان يسمون الحاكم الفتاح، قال الشاعر: شعر : ألا أبلغ بني عصم رسولا فأني عن فتاحتكم غنيُّ تفسير : أي قضائكم وحكمكم، وقال الجبائي: معنى {افتح بيننا وبين قومنا} انزل بهم ما يستحقون من العقوبة لكفرهم بالله وظلمهم المؤمنين. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانه قال {وما يكون لنا أن نعود فيها إِلا أن يشاء الله} فعلم أن لهم الرجوع فيها اذا شاء الله، فاذا لم يشأ لم يكن ذلك، فيجب على هذا إِن كان الله يريد الكفر أن يكون للكافر الرجوع في الكفر، وهذا لا يقوله أحد، فبطل ما قالوه. على أن الظاهر من معنى الملة هو ما يعلم بالشرع، وذلك يجوز أن ينسخه الله فيريد منهم الرجوع فيه، وليس لأحد أن يقول إِن قوله {بعد إِذ نجانا الله منها} لا يليق بما قلتم وانما يليق بما قالوه، وذلك أن قوله {بعد إِذ نجانا الله منها} معناه على هذا القول أزاله عنا ونسخه عنا، فان شاء أن يعيدنا ثانياً جاز لنا الرجوع فيها.
الجنابذي
تفسير : {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} مصدرٌ تأكيدىٌّ او الكلام مبتنٍ على تجريد الافتراء من مفهوم الكذب {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} يعنى ان عدنا فى ملّتكم يلزمنا الافتراء على الله وهو الّذى افرّ منه واذمّكم عليه، ولزوم الافتراء امّا باعتبار ادّعاء النّبوّة من الله، او باعتبار تصحيح ملّتهم مع انّها عند الله باطلة، او باعتبار ابطال ملّتهم قبل العود فانّه يلزم عند العود فيها افتراء ابطالها، او باعتبار ابطال ملّته بعد الدّخول او باعتبار الكلّ {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} وفى اتيان نجّينا دون اخرجنا دلالة على انّه (ع) لم يكن على ملّتهم، ولمّا كان المفهوم من قولهم او لتعودن فى ملّتنا بحسب المقام تهديدهم باجبار العود لم يكتف فى الجواب بقوله اولو كنّا كارهين واتى بما يدّل على انّهم لا يقدرون على الاجبار الاّ اذا شاء الله ليكون ردّاً عليهم واظهاراً لدعوى التّوحيد بوجهٍ آخر فقال {وَمَا يَكُونُ لَنَآ} يعنى ما يمكن لنا فلا يمكن لكم اجبارنا ايضاً {أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} التّوصيف للاشارة الى انّ له التّصرّف والتّعريض بعدم جواز تصرّف الكفّار فى وجودهم ليصير كالعلّة لتعلّق العود على المشيّة {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} كرّر ربّنا لازدياد تمكّن ربوبيّته والجملة امّا حال من الله او مستأنفة جواباً لسؤال محتمل او للمدح {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} وضع الظّاهر موضع المضمر تمكيناً له بالآلهيّة فى النّفوس واشعاراً بعلّة الحكم {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} التجأ الى الله واستغاث منه بعد ما حاجّ قومه وأجابهم بما أجابهم ولم ينجع فيهم، والفتح بمعنى القضاء او بمعنى الفصل او من الفتح الّذى يستعمل فى الامور الصّعبة {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} فى الدّنيا بعدم عزّتكم فى الخلق وعدم حسن معاشرتهم معكم، وفى الآخرة باستحقاقكم العذاب لضلالتكم وعدم شفيعٍ لكم لانحرافكم عن الاصنام وامثالها، وعن السّيرة الّتى شاهدناها من آبائنا وكنّا عليها واعتدناها وما تضرّرنا بها.
الهواري
تفسير : قوله: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} قال بعضهم: ملأ ربنا كل شيء علماً {عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} أي اقضِ بيننا وبين قومنا {بِالحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ} أي خير القاضين. وقال في الآية الأخرى: (أية : وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ) تفسير : [الأعراف:87]. وهذا واحد؛ احكم بيننا، وافتح بيننا، واقضِ بيننا واحد. وإذا دعا النبي ربه أن يحكم بينه وبين قومه جاءهم العذاب، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: إن النبي إذا جاءهم الوقت الذي يهلك الله فيه القوم أمره الله بالدعاء عليهم، ثم استجاب له فأهلكهم. قوله: {وَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ} يقوله بعضهم لبعض {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} قال الله: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} أي الصيحة. قال: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي قد هلكوا. قال: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: كَأَن لَّمْ يَعِيشُوا فِيهَا {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ}.
اطفيش
تفسير : {قَدِ افْتريْنا عَلى اللهِ كَذباً} أو وجدنا كذبا، أو كذبنا كذبا، والماضى للاستقبال، لأنه دليل جواب الشرط بعده، وقد للتحقيق أو الفعل على أصله من المضى مبالغة يجعل غير الواقع واقعا، فقد لتقريب ما مضى من الحال، أو لتقريب المستقبل من الحال، كأنه قيل: افترينا الآن على الله كذبا. {إنْ عُدنا فى مِلَّتكُم} فى المستقبل، كقولك فى المبالغة إنى ظالم من الآن إن كلمتك غدا، والمراد افترينا على الله كذبا الآن إن همهنا بالعود فيها. {بَعْد إذ نجَّانا الله مِنها} والمراد بالتنجية منها عدم الإيقاع فيها مطلقا، سواء من أول الأمر وهو حال شعيب، أو بعد الوقوع وهو حال المؤمنين به، تقول: نجاه الله من هوة، أى لم يوقعه فيها، أو أخرجه منها بعد الوقوع، وتضمن ذلك تعجبا، فإن الارتداد أقبح من الكفر لشموله إياه وزيادة، دلالته على أن الحق قد تبين لصاحبه فى الكفر، فكيف نرتد، وعبر بعدنا مع أنه لم يكن فيها أصلا لتغليب من آمن به، أو لجعله العود بمعنى الصيرورة، أو تبعا لمعتقدهم أنه قد كان فيها، أو لأن سكوته عنهم قبل البعثة مشابه لكونه فيها من حيث عدم النهى، وأجاز بعضهم أن يكون ذلك جواب قسم مقدر، أى والله لقد افترينا وهو ضعيف لعدم ما يدل عليه. {وما يَكُون لَنا} أى ما يصح لنا {أنْ نعُودَ} حجية ما مر {فِيها إلا أنْ يشاءَ اللهُ} عودنا فيها، فإن الإيمان والكفر كليهما بمشيئة الله عند أهل الحق، وبه قالت الشافعية، فإن سبق فى علم الله خذلاننا وارتدادنا بالعود فيها وقع ذلك لا محالة، ومشيئة الله الكفر بمعنى ترك التوفيق لا محبته حاشاه، وذلك بالنظر إلى شعيب مثل قول إبراهيم: {أية : واجنبنى وبنىَّ أن نعبد الأصنام} تفسير : وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك ". تفسير : وقال: {ربنا} تلويحا بأنه المالك لنا، المتصرف فينا بما يشاء من إيمان وكفر وغيرهما، ويجوز أن يريد بقوله: {إلا أن يشاء الله ربنا} قطع طمعهم فى العود بأن علق العود بمشيئة الله للعود، ومشيئته للعود غير واقعة، وذلك يكون بإخبار الله له أن لا يرتد أحد ممن آمن به، وأنه لم يسبق فى علمى أن يرتد أحد منهم، أو أراد قطع طمعهم فى العود بتعليق العود على مشيئة الله له، أى على حبه له، وأمره به، وهذا محال، فالعود محال. هذا ما ظهر لى وهو صحيح على مذهبنا ومذهب الشافعية وغيرهم، وعن عياض: أن ذلك تأويل للمعتزلة الذين من مذهبهم أن الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله، وهب أنه تأويل لهم فما المانع من القول به مع ترك مذهبهم الذى ذكره؟ قيل: ويحتمل أن يكون الاستثناء استثناء لما يمكن أن يتعبد الله به المؤمنين مما يفعل الكفار من القربات، فلا يعارضهم ملحد به إن وقع، وأن يكون تسننا وتادبا للخلق، قيل: يضعف هذا أنه لم يقل إن شاء الله. {وَسِعَ ربُّنا كلَّ} مفعول به {شَىء عِلماً} تمييز عن الفاعل، أى شمل علمه ما كان وما يكون من سعادة وشقاوة، وكفر وإيمان، وقسوة قلب ورقته، ومرضه وصحته، وثباته وتردده وارتداده، وغير ذلك شمولا أزليا {عَلى اللهِ توكَّلْنا} لا على غيره أى استندنا فى أمورنا من الثبوت على الإيمان والنجاة وغيرهما، وليس التوكل منافيا للتسبب، فإن محله القلب، ومحل التسبب الجوارح كما توهم بعض أنه مناف له. {ربَّنا افْتَح} أى اقض أو احكم أو افصل، وذلك لغة عمان، وقيل: حمير، وقيل: مراد، قال ابن عباس: ما كنت أدرى ما معنى {ربنا افتح} {بيْنَنا وبيْنَ قَومنا بالحقِّ وأنْتَ خيرُ الفاتِحينَ} بين الناس بالحق، حتى سمعت بنت ذى يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أى أحاكمك وأقاضيك، قال الشاعر: شعر : ألا بلغ بنى غضم رسولا بأنى عن فاتحتكم غنى تفسير : أى عن حكومتكم، وروى عن فتى حكم عنى، أى الفتى الحكم، أى الفتى الحاكم جدا، ووجه ذلك أنه بحكم الحاكم، أو قضاء القاضى، أو فصلهما ينفتح الأمر أى ينكشف الحق والباطل، ولذا قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ربنا أظهر أمرنا حتى يتميز ما بيننا وبين قومنا، والمراد طلب نزول العذاب الدال على بطلانهم، قال الحسن: كل نبى أراد الله إهلاك قومه أمره بالدعاء عليهم، وقيل: إذ أيس دعا، وإنما قال: {بالحق} تأكيدا واشتياقا إليه، وتلذذا به، وإلا فالله لا يحكم إلا بالحق.
اطفيش
تفسير : {قَدِ افْتَرَيْنَا} قطعنا من عند أَنفسنا {عَلَى اللهِ كَذِبًا} مفعول به، وإِن قلنا افترينا افتراء فجعل كذبا مكان افتراء فمفعول مطلق، لما كان على معنى جواب الشرط كان فى معنى الاستقبال، فإِن الافتراءَ لم يكن، وإِنما يكون بعد ذلك إِن عادوا فى ملتهم كما قال {إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ} وقد لتقريب الماضى من الحال، أَو للتحقيق، أَى قد افترينا الآن بعد أَن هممنا بالعود، أَو تحقق العود {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا} بعدم الكون فيها قط كما هو حال شعيب ومن آمن قبل البلوغ أَو معه، أَو بالخروج منها بعد الكون فيها كما هو شأن من آمن من قومه بعد الكفر، مقتضى الظاهر بعد إِذ خرجنا منها على طريق التعجب من ذلك، ووجهه زيادة قبح الردة على قبح الإِشراك الأَول، لأَن المرتد قد بان له تمييز الحق تحقيقا أَو حكما فكيف يكذب نفسه {وَمَا يَكُونُ لَنَا} ما ينبغى لنا، أَو ما يصح لنا {أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا} أَن نعود فيها، أَو إِلا أَن يشاءَ الله خذلاننا، فالله عز وجل أَراد كفر الكافر، وشاءَ كفره، والآية دليل على ذلك، ولا يقع فى ملكه إِلا ما يريده، لأَن ذلك عجز وخروج عن الملك، ولما منعت المعتزلة إِرادة الله الكفر قالوا: أَراد الله حسم طمعهم فى العود بتعليقه بما هو غير ممكن هو إِرادة الله كفر الكافر، وذلك تعسف، أَلا ترى إِلى قول إِبراهيم عليه السلام {أية : واجنبنى وبنِىَّ أَن نعبد الأَصنام}تفسير : [إبراهيم: 35] وقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك" تفسير : وقول يوسف عليه السلام {أية : توفنى مسلما}تفسير : [يوسف: 101] وأَيضا إِذا كان الله هو المنجى منها تبين أَنه هو المريد لعدم التنجية منها، فذلك مشيئة وإِرادة لها منه فى حق من كان عليها، ومصدر يشاء ظرف، أَى إِلا وقت مشيئة الله، أَو شبه الظرف، أَى فى حال من الأَحوال إِلا فى حال أَن يشاءَ الله، أَو مقدر بالباء أَى إِلا بمشيئة الله {وَسِعَ ربُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا} تمييز عن الفاعل، أَى وسع علمه كل شئ، فهو عالم بأَحوالنا وأَحوالكم، فيجازى كلا بما يستحقه {عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا} فى أَن يثبتنا على التوحيد والعمل الصالح، أَو ينجينا من القوم الظالمين {رَبَّنَا افْتَحْ} احكم {بَيْنَنَا} معشر المؤمنين {وَبَيْنَ قَوْمِنَا} وهم المشركون، بأَن تنصرنا عليهم وتهلكهم، أَو ربنا أَظهر للناس أَن الحق معنا لا معهم، وعلى كل حال يكون هذا إِعراضا منه عنهم إِذ أَيس من إِيمانهم، وكل من ذلك عدل من الله، كما قال {بِالحقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ} أَى أَعظم أَو أَشد {الفَاتِحِينَ} الحاكمين أَو المظهرين. قيل: الفتح بمعنى الحكم والقضاء لغة حمير، وقيل لغة مراد، ووجه ذلك أَن الحاكم يفتح مواضع الحق ويظهرها. وعن ابن عباس: ما كنت أَدرى ما قوله ربنا افتح حتى سمعت ابنة ذى يزن وقد جرى بينى وبينها كلام، فقالت: أَفاتحك، أَى أُقاضيك. أَجاب الله دعاءَه فنصره وأَهلكهم فمضى هو والمؤمنون إِلى مكة فسكنوها، وقبورهم غربى الكعبة بين دار الندوة وباب سهم، وعن ابن عباس: فى المسجد الحرام قبران فقط، قبر إِسماعيل فى الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأَسود.
الالوسي
تفسير : {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} عظيماً لا يقادر قدره. / {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} التي هي الشرك وزعمنا كما زعمتم أن لله سبحانه نداً تعالى عن ذلك علواً كبيراً. {بَعْدَ إِذْ نَجَّٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا} وعلمنا بطلانها وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي إن عدنا في ملتكم فقد افترينا، واستشكل ذلك بأن الظاهر فيما إذا كان الجواب مثل ما ذكر أن يتعلق ظهوره والعلم به بالشرط نحو {أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ }تفسير : [يوسف: 77] و {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 40] وإن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، والمقصود هنا تقييد نفس الافتراء بالعود، ولفظ {قَدْ} وصيغة الماضي يمنعانه، والجواب ما أشار إليه الزمخشري من أنه من باب الإخراج لا على مقتضى الظاهر وإيثار قد والماضي الدالين على التأكيد إما لأنه جواب قسم مقدر أو لأنه تعجب على معنى ما أكذبنا أن عدنا الخ. ووجه التعجب أن المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر لأن الكافر مفتر على الله تعالى الكذب حيث يزعم أن لله سبحانه نداً ولا ند له والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل والحمل على التعجب على ما في «الكشف» أولى لأن حذف اللام ضعيف، وجوز أبو حيان تبعاً لابن عطية أن يكون الفعل المذكور قسماً كما يقال برئت من الله تعالى إن فعلت كذا وكقول مالك بن الأشتر النخعي:شعر : أبقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشن على ابن هند غارة لم تخل يوماً من ذهاب نفوس تفسير : وهذا نوع من أنواع البديع وقد ذكره غير واحد من أصحاب «البديعيات»، ومثله عز الدين الموصلي بقوله:شعر : برئت من سلفي والشم من هممي إن لم أدن بتقى مبرورة القسم تفسير : والباعونية بقولها:شعر : لامكنتني المعالي من سيادتها إن لم أكن لهم من جملة الخدم تفسير : {وَمَا يَكُونُ لَنَا} أي ما يصح لنا وما يقع فيكون تامة، وقد يأتي ذلك بمعنى ما ينبغي وما يليق. {أَن نَّعُودَ فِيهَا} في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات {إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّنَا} أي إلا حال أو وقت مشيئة الله لعودنا، والتعرض لعنوان الربوبية للتصريح بأنه المالك الذي لا يسأل عما يفعل. {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا} فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئته على موجب الحكمة فكل ما يقع مشتمل عليها، وهذا إشارة إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون، وفيه من الانقطاع إلى الله تعالى ما لا يخفى، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} فإن التوكل عليه سبحانه إظهار العجز والاعتماد عليه جل شأنه، وإظهار الاسم الجليل للمبالغة، وتقديم المعمول لإفادة الحصر. وفي الآية دلالة على أن لله تعالى أن يشاء الكفر. وادعى شيخ الإسلام أن المراد استحالة وقوع ذلك كأنه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله تعالى العود وهيهات ذلك، ولا يكاد يكون كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية، وقولهم: {بَعْدَ إِذْ نَجَّٰنَا ٱللَّهُ} فإن تنجيته تعالى إياهم منها من دلائل عدم مشيئته سبحانه لعودهم فيها، وفرع على قوله تعالى: {وَسِعَ} الخ بعد أن فسره بما فسره محالية مشيئته العود لكن لطفاً وهو وجه في الآية، ولعل ما ذهبت إليه فيها أولى، ولا يرد على تقدير العود مفعولاً للمشيئة أنه ليس لذكر سعة العلم بعد حينئذ كبير معنى، بل كان المناسب ذكر شمول / الإرادة وأن الحوادث كلها بمشيئة الله تعالى لما لا يخفى، ولا يحتاج إلى القول بأن ذلك منه عليه السلام رد لدعوى الحصر باحتمال قسم ثالث، والزمخشري بنى «تفسيره» على عقيدته الفاسدة من وجوب رعاية الصلاح والأصلح وأن الله تعالى لا يمكن أن يشاء الكفر بوجه لخروجه عن الحكمة، واستدل بقوله سبحانه: {وَسِعَ} الخ، ورده ابن المنير بأن موقع ما ذكر الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة والاطلاع على الأمور الغائبة. ونظير ذلك قول إبراهيم عليه السلام: {أية : وَلآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآء رَبّي شَيْئاً وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيء عِلْماً } تفسير : [الأنعام: 80] فإنه عليه السلام لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة مجد الله تعالى بالانفراد بعلم الغائبات انتهى، وإلى كون المراد من الاستثناء التأبيد ذهب جعفر بن الحرث والزجاج أيضاً وجعلوا ذلك كقول الشاعر:شعر : إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب تفسير : وأنت خبير بأن ذلك مخالف للنصوص النقلية والعقلية وللعبارة والإشارة، وقال الجبائي والقاضي: المراد بالملة الشريعة وفيها ما لا يرجع إلى الاعتقاد، ويجوز أن يتعبد الله تعالى عباده به ومفعول المشيئة العود إلى ذلك أي ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله تعالى عودنا بأن يتعبدنا بها وينقلنا إليها وينسخ ما نحن فيه من الشريعة، وقيل: المراد إلا أن يشاء الله تعالى أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود إلى إظهار ملتكم مكرهين، وقوى بسبق {أية : أَوْ لَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ } تفسير : [الأعراف: 88]. وقيل: إن الهاء في قوله سبحانه {فِيهَا} يعود إلى القرية لا الملة فيكون المعنى أنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم والظفر بكم فنعود فيها؛ وقيل: إن التقدير إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعاً على ملة واحدة، ولا يخفى أن كل ذلك مما يضحك الثكلى، وبالجملة الآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة وسبحانه من سد باب الرشد عن المعتزلة. {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} إعراض عن مفاوضتهم إثر ما ظهر من عتوهم وعنادهم وإقبال على الله تعالى بالدعاء. والفتح بمعنى الحكم والقضاء لغة لحمير أو لمراد. والفتاح عندهم القاضي والفتاحة بالضم الحكومة. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال: الفتح القضاء لغة يمانية. وأخرج البيهقي وجماعة عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله {رَبَّنَا ٱفْتَحْ} حتى سمعت ابنة ذي يزن وقد جرى بيني وبينها كلام فقالت أفاتحك تريد أقاضيك و {بَيْنِنَا} منصوب على الظرفية والتقييد {بِٱلْحَقِّ} لإظهار النصفة، وجوز أن يكون مجازاً عن البيان والإظهار وإليه ذهب الزجاج، ومنه فتح المشكل لبيانه وحله تشبيهاً له بفتح الباب وإزالة الإغلاق حتى يوصل إلى ما خلفها و{بَيْنِنَا} على ما قيل مفعول به بتقدير ما بيننا {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ} أي الحاكمين لخلو حكمك عن الجور والحيف أو المظهرين لمزيد علمك وسعة قدرتك والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَجَّانَا} {ٱلْفَاتِحِينَ} (89) - وَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: إِنَّهُ وَالمُؤْمِنينَ مَعَهُ إِذَا عَادُوا إِلَى مِلَّةِ الكُفْرِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ افْتَرَوْا عَلَى اللهِ أَعْظَمَ الافْتِرَاءِ، لأَِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ وَأَنْدَاداً وَلاَ يَليقُ بِالمُؤْمِنِ، وَلاَ يَخْلُقُ بِهِ (وَمَا يَكُونُ لَنَا)، أَنْ يَعُودَ إِلى مِلَّةِ الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْجَاهُ اللهُ مِنْهَا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ لَهُ ذلِكَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَمْراً فَعَلَهُ، وَلاَ رَادَّ لِحُكْمِهِ، وَلاَ مُعْتَرِضَ عَلَى قَضَائِهِ، وَقَدْ أَحَاطَ اللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْماً، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لاَ يَرْضَى الكُفْرَ لِعِبَادِهِ. ثُمَّ قَالَ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ: إِنَّهُ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ هُوَ وَالمُؤْمِنُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. ثُمَّ دَعَا شُعَيْبٌ رَبَّهُ قَائِلاً: رَبَّنا احْكُمْ وَاقْضِ (افْتَحْ) بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مَعَهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ العَدْلُ الذِي لاَ يَجُوزُ فِي حُكْمِهِ أَبَداً. افْتَحْ بَيْنَنا - اقْضِ بَيْنَنَا وَاحْكُمْ. الفِتَاحَةُ - القَضَاءُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقولهم: {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} أي أنهم يعلمون أن العودة إلى مثل هذه الملة لون من الكذب المتعمد على الله. لأن الكذب أن تقول كلاماً غير واقع، وتعلن قضية غير حقيقية ثم قلت على مقتضى علمك فهذا مطلق كذب. لكن إن كنت عارفاً بالحقيقة ثم قلت غيرها فهذا افتراء واختلاق وكذب. والذين آمنوا مع شعيب عليه السلام يعلمون أن الملة القديمة ملة باطلة، وهم قد شهدوا مع شعيب حلاوة الإِيمان بالله؛ لذلك رفضوا الكذب المتعمد على الله. ويقولون بعد ذلك: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ...} [الأعراف: 89] قد عرفوا أن التكليف اختيار وهم قد اختاروا الإِيمان، وأقروا وأكدوا إيمانهم بأنه سبحانه له طلاقة القدرة، فقالوا: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. فمشيئته سبحانه فوق كل مشيئة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن قلوب بني آدم كلَّها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقَلْبٍ واحدٍ يصرفُه حيث شاء ". تفسير : وألم يقل سيدنا إبراهيم وهو أبو الأنبياء والرسل: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ...} تفسير : [إبراهيم: 35] لم يقل: واجنبنا. بل قالها واضحة ودعا ربًّه أن يبعده وينأى به وببنيه أن يعبدوا الأصنام، لأنه يعلم طلاقة قدرته سبحانه. إذن فمن آمنوا مع شعيب احترموا طلاقة القدرة في الحق؛ لذلك قالوا: {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا...} [الأعراف: 89] ولكن الله لا يشاء لمعصوم أن يعود، وسبحانه يهدي من آمن بهداية الدلالة ويمده بالمزيد من هداية المعونة إلى الطريق المستقيم. ويتابع أهل الإيمان مع شعيب. {...وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] جاء قولهم: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} لأن خصومهم من الملأ بقوتهم وبجبروتهم قالوا لهم: انتم بين أمرين اثنين: إما أن تخرجوا من القرية، وإما أن تعودوا في ملتنا. وأعلن المؤمنون برسولهم شعيب: أن العود في الملة لا يكون إلا بالاختيار وقد اخترنا ألا نعود. إذن فليس أمامهم إلا الإخراج بالإجبار؛ لذلك توكل المؤمنون على الله ليتولاهم، ويمنع عنهم تسلط هؤلاء الكافرين. {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] وساعة نسمع كلمة "افتح" أو "فتَح" أو "فَتْح" نفهم أن هناك شيئاً مغلقاً أو مشكلاً، فإن كان من المُحسّات يكون الشيء مغلقاً والفتح يكون بإزالة الأغلاق وهي الأقفال، وإن كان في المعنويات فيكون الفتح هو إزالة الإشكال، والفتح الحسي له نظير في القرآن، وحين نقرأ سورة يوسف نجد قوله الحق: {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا...} تفسير : [يوسف: 65] وكلمة {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ} تعني أن المتاع الذي معهم كان مغلقاً واحتاج إلى فتح حسي ليجدوا بضاعتهم كما هي. وأيضاً يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا...} تفسير : [الزمر: 73] ومادام هناك أبواب تفتح فهذا فتح حسي، وقد يكون الفتح فتح علم مثلما نقول: ربنا فتح علينا بالإيمان والعلم، ويقول الحق: {أية : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ...} تفسير : [البقرة: 76] فما دام ربنا قد علمهم من الكتاب الكثير فهذا فتح علمي. ويكون الفتح بسوق الخير والإمداد به. والمثال على ذلك قوله الحق: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا...} تفسير : [فاطر: 2] وكذلك قوله سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...} تفسير : [الأعراف: 96] والبركات من السماء كالمطر وهو يأتي من أعلى، وهو سبب فيما يأتي من الأسفل أي من الأرض. والفتح أيضاً بمعنى إزالة إشكال في قضية بين خصمين، ففي اليمن حتى الآن، يسمون القاضي الذي يحكم في قضايا الناس "الفاتح" لأنه يزيل الإشكالات بين الناس. وقد يكون "الفتح" بمعنى "النصر"، مثل قوله الحق: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} تفسير : [البقرة: 89] لقد كانوا ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم لينتصروا به على الذين كفروا، ومن الفتح أيضاً الفصل في الأمر من قوله الحق هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ...} [الأعراف: 89]. وهذا القول هو دعاء للحق: احكم يا رب بيننا وبين قومنا بالحق بنصر الإِيمان وهزيمة الكفر، وأنت خير الفاتحين فليس لك هوى ضد أحد أو مع أحدٍ من مخلوقاتك. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} معناهُ احكِمْ بَينَنَا وبينَهُمْ. والفَتَّاحُ: القَاضِي. وسُؤالُ الحُكمِ بِالحَقِّ إِنَّما هُوَ سُؤالُ الانتِقَامِ فِي عَاجِلِ الدّنيا. وسُؤالُ الحُكمِ بالحَقِ فِي الآخِرةِ لاَ وجهَ لِسُؤالِهِ.
همام الصنعاني
تفسير : 921- عبد الرزاق عن عمر، عن قتادة في قوله تعالى {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} [الآية: 89] قال: ربنا اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):