Verse. 1044 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَقَالَ الْمَلَاُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ قَوْمِہٖ لَىِٕنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا اِنَّكُمْ اِذًا لَّـخٰسِرُوْنَ۝۹۰
Waqala almalao allatheena kafaroo min qawmihi laini ittabaAAtum shuAAayban innakum ithan lakhasiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الملأ الذين كفروا من قومه» أي قال بعضهم لبعض «لئن» لام قسم «اتبعتم شعيبا إنكم إذًا الخاسرون».

90

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى بين عظم ضلالتهم بتكذيب شعيب ثم بين أنهم لم يقتصروا على ذلك، حتى أضلوا غيرهم، ولاموهم على متابعته فقالوا: {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } واختلفوا فقال بعضهم: خاسرون في الدين وقال آخرون: خاسرون في الدنيا، لأنه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس، وعند هذا المقال كمل حالهم في الضلال أولاً وفي الإضلال ثانياً، فاستحقوا الإهلاك فلهذا قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } وهي الزلزلة الشديدة المهلكة، فإذا انضاف إليها الجزاء الشديد المخوف على ما ذكره الله تعالى من قصة الظلمة، كان الهلاك أعظم، لأنه أحاط بهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } أي في مساكنهم {جَـٰثِمِينَ } أي خامدين ساكنين بلا حياة وقد سبق الاستقصاء في تفسير هذه الألفاظ. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } وفيه بحثان: البحث الأول: في قوله: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } قولان: أحدهما: يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها. والثاني: المنازل التي كان بها أهلوها واحدها مغني. قال الشاعر:شعر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد تفسير : أراد أقاموا فيها، وعلى هذا الوجه كان قوله: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كأن لم يقيموا بها ولم ينزلوا فيها. والقول الثاني: قال الزجاج: كأن لم يغنوا فيها، كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، يقال غني الرجل يغنى إذا استغنى، وهو من الغني الذي هو ضد الفقر. وإذا عرفت هذا فنقول: على التفسيرين شبه الله حال هؤلاء المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار. قال الشاعر:شعر : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر تفسير : البحث الثاني: قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيهَا} الذين يدل على أن ذلك العذاب كان مختصاً بأولئك المكذبين، وذلك يدل على أشياء: أحدها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار، وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة، وإلا لحصل في أتباع شعيب، كما حصل في حق الكفار. والثاني: يدل على أن ذلك الفاعل المختار، عالم بجميع الجزئيات، حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي. وثالثها: يدل على المعجز العظيم في حق شعيب، لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلدة واحدة، كان ذلك من أعظم المعجزات. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وإنما كرر قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل لغيره: أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي هتك أعراضنا، وأيضاً أن القوم لما قالوا: {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } بين تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون. ثم قال تعالى: {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } واختلفوا في أنه تولى بعد نزول العذاب بهم أو قبل ذلك، وقد سبق ذكر هذه المسألة. قال الكلبي: خرج من بين أظهرهم، ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم. ثم قال: {فَكَيْفَ ءاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } الأسى شدة الحزن. قال العجاج:شعر : وانحلبت عيناه من فرط الأسى تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: في الآية قولان: القول الأول: أنه اشتد حزنه على قومه، لأنهم كانوا كثيرين، وكان يتوقع منهم الاستجابة للإيمان، فلما أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم، حصل في قلبه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الألفة. ثم عزى نفسه وقال: {فَكَيْفَ ءاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر. والقول الثاني: أن المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم، فلم تسمعوا قولي، ولم تقبلوا نصيحتي {فَكَيْفَ ءَاسَىٰ على قَومٍ كَٰفِرين} يعني أنهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم. قال صاحب «الكشاف»: وقرأ يحيى بن وثاب {فَكَيْفَ إِسىٰ} بكسر الهمزة.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي قالوا لِمن دونهم. {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي هالكون. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي الزلزلة. وقيل: الصيحة. وأصحاب الأَيْكَة أهلِكوا بالظُّلّة، على ما يأتي. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} قال الجرجانِيّ: قيل هذا كلام مستأنف؛ أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى. و «يَغْنَوْا» يقيموا؛ يقال: غَنِيت بالمكان إذا أقمت به. وغنِي القوم في دارهم أي طال مُقامهم فيها. والمَغْنَى: المنزل؛ والجمع المَغَاني. قال لَبِيد:شعر : وغَنِيت سِتاً قبلَ مَجْرَى دَاحِسٍ لو كان للنفس اللَّجُوجِ خُلود تفسير : وقال حاتم طيّ:شعر : غنِينا زمانا بالتَّصَعْلُكِ والغِنَى كما الدّهرُ في أيامه العسرُ واليسرُ كسبنا صُروفَ الدَّهْر لِيناً وغِلظة وكلاًّ سقاناه بكأْسِهما الدهرُ فما زادنا بَغْياً على ذِي قرابة غِنَانَا ولا أَزْرَى بأحسابنا الفَقْرُ تفسير : {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} ابتداء خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأمر وتفخيمه. ولما قالوا: من ٱتبع شعيباً خاسِر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول. {فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ } أي أحزن. أسيت على الشيء آسَى أسىً، وأنا آسٍ.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} وتركتم دينكم. {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ} لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف وهو ساد مسد جواب الشرط والقسم الموطأ باللام.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا: {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ} فلهذا عقبه بقوله: { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، وذلك كما أرجفوا شعيباً وأصحابه، وتوعدهم بالجلاء؛ كما أخبر عنهم في سورة هود فقال: {أية : وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ} تفسير : [هود: 94] والمناسبة هناك، والله أعلم، أنهم لما تهكموا به في قولهم: {أَصَلَوَٰتُكَ تَأْمُرُكَ} الآية، فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخباراً عنهم في سورة الشعراء: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 189] وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الشعراء: 187] الآية. فأخبرأنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله؛ أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} ثم قال تعالى: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة، لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها. ثم قال تعالى مقابلاً لقيلهم: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } أي قال بعضهم لبعض {لَئِنْ } لام قسم {ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَٰسِرُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيبَاً كَأنَ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} فيه أربعة تأويلات: أحدها: كأنك لم يقيموا فيها، قاله ابن قتيبة. والثاني: كأن لم يعيشوا فيها، قاله الأخفش. والثالث: كأن لم ينعموا فيها، قاله قتادة. والرابع: كأن لم يعمروا فيها، قاله ابن عباس. {الَّذِينَ كَذَّبُوْا شُعَيْباً كَانُواْ هَمُ الخَاسِرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: بالكفر. والثاني: بالهلاك، قاله ابن عباس.

ابن عطية

تفسير : هذه المقالة قالها الملأ لتبّاعهم وسائر الناس الذي يقلدونهم، و {الرجفة} الزلزلة الشديدة التي ينال معها الإنسان اهتزاز وارتعاد واضطراب. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت بـ {الرجفة} وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة و {الرجفة} كانتا في حين واحد، وروي أن الله تعالى بعث {شعيباً} إلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل واحدة وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه المقاولة المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم المدة فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما اجتمعوا تحت الظلة وهي تلك السحابة انطبقت عليهم فأهلكتهم، قال الطبري: فبلغني أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء قال لما رأها: [البسيط] شعر : يا قوم إن شعيباً مرسل فذروا عنكم سميراً وعمران بن شداد إني أرى غيمة يا قوم قد طلعت تدعو بصوت على ضمّانة الواد وإنه لن تروا فيها ضحاء غد إلا الرقيم يمشّي بين أنجاد تفسير : وسمير وعمران كاهناهم والرقيم كلبهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر "شعيباً" قال: ذلك خطيب الأنبياء لقوله لقومه: {أية : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} تفسير : [هود:88]. قال القاضي أبو محمد: يريد لحسن مراجعته وجميل تلطفه. وحكى الطبري عن أبي عبد الله البجلي أنه قال: أبو جاد وهو زوحطي وكلمن وصعفض وقرست أسماء ملوك مدين، وكان الملك يوم الظلة كلمن، فقالت أخته ترثيه: [مجزوء الرمل] شعر : كلمن قد هد ركني هلكه وسط المحله سيد القوم اتساه حتف نار وسط ظله جعلت نار عليهم دارهم كالمضمحله تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذه حكاية مظنون بها والله علم، وقد تقدم معنى {جاثمين}. وقوله: {كأن لم يغنوا فيها} لفظ فيه للإخبار عن قوة هلاكهم ونزول النقمة بهم والتنبيه على العبرة بهم، ونحو هذا قول الشاعر: شعر : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا تفسير : و {يغنوا} معناه يقيموا ويسكنوا. قال القاضي أبو محمد: وغنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضٍ، هذا الذي استقريت من الأشعار التي ذكرت العرب فيها هذه اللفظة فمن ذلك قول الشاعر: [الوافر] شعر : وقد نغنى بها ونرى عصوراً بها يقتدننا الخرد الخذالا تفسير : ومنه قول الآخر: [الرمل] شعر : ولقد يغني بها جيرانك المسـ ـتمسكو منكم بعهد ووصال تفسير : أنشده الطبري، ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : ألا حيّ من أجلِ الحبيبِ المغانيا تفسير : ومنه قول مهلهل: [الخفيف] شعر : غنيت دارنا تهامة في الدهر وفيها بنو معد حَلُّوا تفسير : ويشبه أن تكون اللفظة من الاستغناء، وأما قوله: كأن لم تغن بالأمس ففيه هذا المعنى لأن المراد كأن لم تكن ناعمة نضرة مستقلة، ولا توجد فيما علمت إلا مقترنة بهذا المعنى وأما قول الشاعر: [الطويل] شعر : غنينا زماناً بالتصعلك والغنا وكلاً سقاناه بكأسيهما الدهرُ تفسير : فمعناه استغنينا بذلك ورضيناه مع أن هذه اللفظة ليست مقترنة بمكان. وقوله: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي} إلى آخر الآية كلام يقتضي أن {شعيباً} عليه السلام وجد في نفسه لما رأى هلاك قومه حزناً وإشفاقاً إذ كان أمله فيهم غير ذلك، فلما وجد ذلك طلب أن يثير في نفسه سبب التسلي عنهم والقسوة عليهم فجعل يعدد معاصيهم وإعراضهم الذي استوجبوا به أن لا يتأسف عليهم، فذكر أنه بلغ الرسالة ونصح، والمعنى فأعرضوا وكذبوا، ثم قال لنفسه لما نظرت في هذا وفكرت فيه {فكيف آسى} على هؤلاء الكفرة، ويحتمل أن يقول هذه المقالة على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر، وقال مكي: وسار شعيب بمن معه حتى سكن مكة إلى أن ماتوا بها، و {آسى}: أحزن، وقرأ بن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش: "إيسى" بكسر الهمزة وهي لغة كما يقال أخال وأيمن، قال عبد الله ابن عمر لا أخاله، وقال ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر في كتاب الحج لا أيمن وجميع ذلك في البخاري، وهذه اللغة تطرد في العلامات الثلاث، همزة التكلم ونون الجماعة وتاء المخاطبة، ولا يجوز ذلك في ياء الغائب كذا قال سيبويه، وأما قولهم من وجل ييجل فلعله من غير هذا الباب.

الخازن

تفسير : {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً} يعني وقال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم لئن اتبعتم شعيبا على دينه وتركتم دينكم وملتكم وما أنتم عليه {إنكم إذاً لخاسرون} يعني إنكم لمغبونون في فعلكم {فأخذتهم الرجفة} يعني الزلزلة الشديدة {فأصبحوا في دارهم جاثمين} قال ابن عباس وغيره: فتح الله عليهم باباً من جهنم فأرسل عليهم حراً شديداً من جهنم فأخذ بأنفاسهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء فدخلوا في الأسراب ليبردوا فيها فوجدوها أشد حراً من الظاهر فخرجوا هرباً إلى البرية فبعث الله عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض من تحتهم فاحترقوا كاحتراق الجراد في المقلاة وصاروا رماداً، وروي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر حتى هلكوا بها. وقال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأما أهل مدين فأخذتهم الرجفة صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة هلكوا جميعاً. قال أبو عبد الله البجلي: كان أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة اسمه كلمن فلما هلك قالت ابنته شعراً تبكيه وترثيه به: شعر : كلمن هدم ركني هلكه وسط المحلهْ سيد القوم أتاه هلك نار تحت ظلهْ جعلت ناراً عليهم دارهم كالمضمحلهْ تفسير : وقوله تعالى: {الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها} يعني كأن لم يقيموا فيها ولم ينزلوها يوماً من الدهر يقال: غنيت بالمكان أي أقمت به. والمغاني: المنازل التي بها أهلها واحدها مغنى قال الشاعر: شعر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد تفسير : أراد أقاموا فيها وقيل في معنى الآية كأن لم يعيشوا فيها متنعمين مستغنين يقال: غني الرجل إذا انغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر {الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين} يعني خسروا أنفسهم بهلاكهم.

ابن عادل

تفسير : لمّا بيَّن عظيم ضلالهم بتكذيب شعيب بيَّن أنهم لم يقتصروا على التكذيب حتى أضلّوا غيرهم ولاموهم على متابعة شعيب بقولهم: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً [إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}. قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} "إذن" حرفُ جواب وجزاء، وقد تقدّم الكلام عليها مُشْبعاً] وهي هنا معترضة بين الاسم والخبر، وقد توهمَّ بعضهم فجعل "إذن" هذه "إذا" الظرفية في الاستقبال نحو [قولك]: "ألْزِمُك إذا جئتني" أي وقت مجيئك. قال: "ثم حُذِفَت الجملة المضافةُ هي إليها، والأصل: إنكم إذا اتبعتموه لخاسرون، فـ "إذا" ظرف والعاملُ فيه "لخاسرون"، ثم حذفت الجملة المضافة إليها وهي "اتبعتموه"، وعُوِّضَ منها التنوين، فلما جيء بالتنوين وهو ساكن التقى بمجيئه ساكنان، هو والألفُ قبله، فحُذِفَت الألفُ لالتقاء الساكنين، فبقي اللفظ "إذن" كما ترى". وزعم هذا القائل أن ذلك جائز بالحَمْل على "إذا" التي للمضيّ في قولهم: "حينئذٍ" و "يومئذٍ" فكما أن التنوين هنا عوض عن جملة عند الجمهور كذلك هنا. وردّ أبو حيان هذا بأنه لم يَثْبُتْ هذا الحكم لـ "إذا" الاستقبالية في غير هذا الموضع فيحمل هذا عليه. قال شهاب الدين: وهذا ليس بلازم إذ لذلك القائل أن يقول: قَد وَجَدْتُ موضعاً غير هذا وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ}تفسير : [يوسف: 79]. وقد رأيت كلام القرافي في قوله صلى الله عليه وسلم لمّا سألوه عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرُّطبُ إذا جفَّ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذن: أن "إذن" هذه هي "إذا" الظرفية، قال: كالتي في قوله تعالى: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ}تفسير : [الزلزلة: 1] فحذفت الجملة، وذكره إلى آخره. وكنت لمّا رأيته تعجبت غاية العجب كيف يَصْدرُ هذا منه حتى رأيته في كتاب الشيخ في هذا الموضع عن بعضهم ولم يُسَمِّه، فذهب تعجبي منه، فإن لم يكن ذلك القائلُ القرافيَّ فقد صار له في هذه المسألة سَلَفٌ، وإلاَّ فقد اتحد الأصل، والظاهر أنه غيره. وقوله: "إنكم" هو جواب والقسم الموطَّأ له باللاَّم. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما جواب القسم الذي وطَّأتْه اللام في قوله: {لئن اتبعتم شعيباً} وجوابُ الشرط؟. قلت: قوله: {إنكم إذاً لخاسرون} سادٌّ مسد الجوابين. قال أبو حيان: "فالذي قاله النحويون: إن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، ولذلك وجب مُضِيُّ فعل الشرط فإن عَنَى بأنه سادٌّ مَسَدَّهما أنه اجْتُزِىء بذكره عن ذكر جواب الشرط فهو قريب، وإن عنى من حيث الصناعة النحوية فليس كما زعم، لأن الجملة يمتنع ألا يكون لها محل من الإعراب وأن يكون لها محلٌّ من الإعراب". وهذه المسألة قد تقدَّمَتْ مِراراً واعتراض الشيخ عليه، وتقدَّم جوابه ويعني الشيخ بقوله: لأنَّ الجملة يمتنع أن يكون لها محلٌّ من الإعراب إلى آخره؛ لأنها من حيث كونها جواباً للشرط تستدعي ألا يكون لها محل إذ الجملة [الابتدائية] لا محل لها. فصل في معنى الخسران قوله: "لخاسرون" أي في الدين، وقال بعضهم: "في الدنيا أي مغبونون". وقال عطاء: "جاهدون". وقال الضحاك: "عجزة".

البقاعي

تفسير : ولما انقضى جواب الفصل المبني على إبطال الفضل وإظهار العدل، ذكر سبحانه قولهم بعده عاطفاً له على ما مضى من قولهم أو قوله، كان الأصل أن يقال: وقالوا، ولكنه أظهر الوصف بالشرف إشارة إلى أنه الذي حملهم على نتيجة الاستكبار وهي الكفر، ثم لم يرضوا به حتى أضافوا إليه تكفير غيرهم فقال: {وقال الملأ} أي الأكابر {الذين} يملؤون العيون مرأى والقلوب مهابة، فحلمهم التكبر على أنهم {كفروا}. ولما كان من المستبعد أن يكون أقاربه يتنكبون عما أتاهم به من الخير لحسد أو اتهام أو غيرها، فكان ربما ظن أن هؤلاء الذين يعاملونه بهذه الغلطة أجانب عنه، قال: {من قومه} بياناً لأن الفضل بيد الله فقد يؤتيه البغيض البعيد ويمنعه الحبيب القريب {أية : إنك لا تهدي من أحببت} تفسير : [القصص: 56]، ووطؤوا للقسم بقولهم: {لئن اتبعتم} أي أيها الأتباع ممن لم يؤمن بعد {شعيباً} أو تركتم ما أنتم عليه مما أورثه لكم آباؤكم؛ واجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقوله: {إنكم إذاً} أي وقت اتباعه {لخاسرون*} أي لأنكم استبدلتم بدين الآباء غيره وحرمتم فوائد البخس والتطفيف وقط السبل. ولما كمل إثمهم بالضلال والإضلال، استحقوا الأخذ فقال: {فأخذتهم} أي فتسبب عن أقوالهم هذه وأفعالهم أنه أخذتهم {الرجفة} أي الزلزلة العظيمة في القلوب أو الديار التي كانت سبباً للصيحة أو مسببة عنها {فأصبحوا في دارهم} أي مساكنهم، وتقدم سر توحيدها {جاثمين*} أي باركين على الركب أو لازمين أمكنتهم لا حراك بهم، وهذا دون ما كان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت الملائكة بحنين، فكان الكفار يسمعون في أجوافهم مثل وقع الحصاة في الطست، ودون ما كان يجد مخالفه من الرعب من مسيرة شهر من ورائه وشهر من أمامه، ولكونه كان نبي الرحمة ما اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة. ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وأفعالهم، وكان للتخليص من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للأذهان ما لا يخفى، لخص ذلك ذاكراً لأنه حل بهم بالخصوص - ما نسبوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال: {الذين كذبوا شعيباً} أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وأيدناه فيه بالبينات {كأن} أي هم المخصصون بالهلاك حتى كأنهم {لم يغنوا} أي ينزلوا ويقيموا، وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء والاستغناء من المغاني وهي المنازل والاستغناء {فيها} أي الدار بسبب تكذيبهم. ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة، كرره إشارة إلى ذلك وإعلاماً بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الأشباح ضد ما سبب التصديق للمؤمنين فقال: {الذين كذبوا شعيباً} أي تكذيبه سبباً لهلاكهم {كانوا} أي بسبب التكذيب أيضاً {هم} أي خاصة {الخاسرين*} أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم فهم لما سوى ذلك أخسر، وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسار، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم. ولما صارت تلك الدار محل الغضب، سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من قبله من الأنبياء عليهم السلام، فقال: {فتولىعنهم} بعد نزول العذاب وقبله عند رؤية مخايله ذاهباً إلى مكان غيره، يعبد ربه فيه {وقال} متأسفاً على ما فاته من هدايتهم {يا قوم} أي يا عشيرتي وأقرب الناس إليّ {لقد أبلغتكم} ولعله جمع لأجل كثرة ما أتاهم به من المعجزات فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إليّ بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا إلى ما يرضيه {ونصحت} أي وأوقعت النصح {لكم} أي خاصة. ولما كان هذا مفهماً لما طبع البشر من الأسف أهله وعشيرته، سبب عنه منكراً على نفسه قوله: {فكيف آسى} أي أحزن حزناً شديداً {على قوم كافرين*} أي عريقين في الكفر، فعرف أنه أسف عليهم من أجل قربهم وفوات الإيمان لهم غير آسف عليهم من أجل كفرهم، وتخصيص تكرير هذه القصص الخمس على هذا الترتيب في كثير من سور القرآن- دون قصة إبراهيم عليه السلام وهو أعظمهم - لانتظامهم في أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من خالفهم، وأما إبراهيم عليه السلام فإنه وقع النص في قوله{أية : إني ذاهب إلى ربي سيهدين}تفسير : [الصافات: 99] بأنه خرج من بين قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم في إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته، وهو أفضلهم لأن الكائن في قصته أعظم في الأفضلية،وهو طبق ما اتفق لولده أفضل البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى قوله تعالى{أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}تفسير : [الأنفال: 33] تعرف ما في هذا المقام من الإكرام، وأن الأمر كما قيل: لعين تجازى ألف عين وتكرم. ولما قدم سبحانه إجمال الإنذار بما اشتركت فيه الأمم من الإهلاك بقوله تعالى:{أية : وكم من قرية أهلكناها}تفسير : [الأعراف: 4] الآية، ثم أتبعه - بعد تقديم ما يحتاج إليه على النظم الذي سبق التنبيه عليه - تفصيل ما انفردت به كل أمه من العذاب الحاث على سبيل الصواب، أتبع ذلك إجمالاً آخر أبسط من الأول على نمط غريب دال على عادته المستمرة وسنته المستقرة في شرح حال هؤلاء الأمم الذين ذكرهم وغيرهم، لئلا يظن أن غيرهم كان حاله غير حالهم، فبين أن الكل على نهج واحد وأن السبب في استئصالهم واحد، وهو التكذيب والاستكبار على الحق، ليكون الإجمال كالضوابط والقواعد الكلية لتنطبق على الجزيئات. وذلك الاستبصار بما يكون من نافع أو ضار وعدم الاغترار بأحوال المستدرجين الأشرار متكفل بالتسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم والتأسية، متقدم على قصة موسى وهارون عليهما السلام لطولها وتعجيلاً بما في ذلك من مصارع الإنذار بقوله تعالى: {وما} أي أرسلنا فلاناً فكان كذا وفلاناً فكان كذا، وما {أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {في قرية} أي من قرى أولئك وغيرهم {من نبيٍّ} أي من الأنبياء الذين تقدموك {إلا} كان ما نخبر به من ترهيبهم من سطواتنا وهو أنا {أخذنا} أي بعظمتنا {أهلها} أي أخذ قهر وسطوة، أي لأجل استكبارهم عن الحق {بالبأساء} أي قهر الرجال {والضراء} أي المرض والفقر {لعلهم يضرعون*} أي ليكون حالهم عند المساءة حال من يرجى تضرعه وتذللـه وتخضعه لمن لا يكشف ذلك عنه غيره ولو كان التضرع في أدنى المراتب - على ما أشار إليه الإدغام، لأن ذلك كاف في الإنقاذ من عذاب الإنذار الذي هذه سورته بخلاف ما مضى في الأنعام. ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له، استدراجهم بإدرار النعم، فقال مشيراً إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم لكشف ذلك البلاء: {ثم بدلنا} ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني {مكان} أي جعلنا {السيئة} أي النقمة {الحسنة} أي النعمة، وبين أنه مد النعمة بقوله: {حتى عفوا} أي بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا {وقالوا} مسندين الأمر إلى غير أهله {قد مس آباءنا الضراء} أي الشدة {والسراء} أي الرخاء والنعمة، معتقدين أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل المختار. ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن جنابه، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان، واستمروا على فسادهم في حال الشدة والرخاء، سبب عنه قوله: {فأخذناهم} أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه في الظاهر والباطن {بغتة} أي فجأة حتى لا ينفعهم التوبة، وأكد معنى البغت تحقيقاً لأمره بقوله: {وهم لا يشعرون*} فحق من سمع هذا أن يبادر إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفاً من الأخذ بغتة. ولما بين تعالى ما كان قولهم مسبباً له من الأخذ بغتة، بين ما كان يكون ضد قولهم مسبباً له من البركات لو وقع بقوله: {ولو أن أهل القرى} أي هذه التي قصصنا أخبارها {آمنوا} أي بما أتاهم به رسلهم {واتقوا} أي خافوا أمر الله وجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية من طاعاته فاستمروا على إيمانهم {لفتحنا عليهم بركات} أي خيرات ثابته لا يقدر أحد على إزالتها {من السماء} أي بالمطر الذي يكون كأفواه القرب وما شابهه {والأرض} بالنبت الغليظ وما قاربه، وقراءة ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك البركات، وأصل البركة الموظبة على الخير. ولما كان الكلام بما أفهمته {لو} في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله: {ولكن كذبوا} أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم، فلذلك لم يصدقوا رسلنا في شيء، ولما كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في الدليل، سبب عنه العذاب فقال: {فأخذناهم} أي بما لنا من العظمة {بما} أي بسبب ما {كانوا يكسبون*} أي بجبلاتهم الخبيثة من الأعمال المناسبة لها.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} عطفٌ على قال الملأ الذين الخ، ولعل هؤلاء غيرُ المستكبرين ودونهم في الرتبة شأنُهم الوساطةُ بـينهم وبـين العامةِ والقيامُ بأمورهم حسبما يراه المستكبرون، ويجوز أن يكون عينَ الأولين، وتغيـيرُ الصلةِ لما أن مدارَ قولِهم هذا هو الكفرُ كما أن مناطَ قولِهم السابقِ هو الاستكبارُ أي قال أشرافُهم الذين أصروا على الكفر لأعقابهم بعد ما شاهدوا صلابةَ شعيبٍ عليه السلام ومن معه من المؤمنين في الإيمان وخافوا أن يستتبعوا قومَهم تثبـيطاً لهم عن الإيمان به وتنفيراً لهم عنه على طريقة التوكيدِ القسَمي والله {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} ودخلتم في دينه وتركتم دينَ آبائِكم {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ} أي في الدين لاشترائكم الضلالةَ بهداكم أو في الدنيا لفوات ما يحصُل لكم بالبخْس والتطفيف، وإذن حرفُ جوابٍ وجزاء معترِضٌ بـين اسم إن وخبرِها والجملةُ سادةٌ مسدَّ جوابـي الشرطِ والقسمِ الذي وطَّأَتْه اللام.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. تواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيِّهم، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته، وكانوا مخطئين في حكمهم، مبطلين في ظنهم، فعُلِمَ أنَّ كل نصيحة لا يجب قبولها، وكل إشارة لا يَحْسُنُ اتباعُها. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} كانت لهم غلبتهم في وقتهم، ولكن لما اندرست أيامُهم سَقَطَ صِيتُهم، و (خمد) ذكرهم، وانقشع سحابُ مَنْ تَوَهَّم أنَّ منهم شيئاً. قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ}. الحقُّ غالِبٌ في كل أمر، والباطل زاهق بكل وصف، وإذا كانت العِزَّةُ نعتَ مَنْ هو أزليُّ الوجود، وكان الجلال حقَّ مَنْ هو المَلِك فأي أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي خطر للعلل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا في قريبٍ من هذا: شعر : استقبلني وسيفه مسلول وقال لي واحدنا معذول

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الملأ الذين كفروا من قومه} عطف على قوله {أية : قال الملأ الذين استكبروا} تفسير : [الأعراف: 75]. اى قال اشرافهم الذين اصروا على الكفر لاعقابهم بعد ما شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين فى الايمان وخافوا ان يستتبعوا قومهم تثبيطا لهم عن الايمان وتنفيرا لهم منه على طريقة التوكيد القسمى والله {لئن اتبعتم شعيبا} ودخلتم فى دينه وتركتم دين آبائكم {انكم إذاً لخاسرون} اى فى الدين لاشترائكم الضلالة بهداكم او فى الدنيا لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حكاية ما قالت الجماعة الكافرة الجاحدة بآيات الله ولنبوة شعيب للباقين منهم وأقسموا عليهم {لئن اتبعتم شعيباً} وانقدتم له ورجعتم الى أمره ونهيه لأن الاتباع هو طلب الثاني موافقة الأول فيما دعا اليه تقول: اتبَّعه اتباعاً وتبعه تبعاً، وهو متبع وتابع {إِنكم إِذا لخاسرون} وقوله {إِنكم} جواب القسم واللام في {لخاسرون} لام التأكيد في خبر (إِن) و (الخسران) ذهاب رأس المال، فكأنهم قالوا: لئن تبعتموه كنتم بمنزلة من ذهب رأس ماله أو أعظم من ماله، لأنكم لا تنتفعون باتباعه فتخسرون في اشتغالكم بما لا تنتفعون به وبانقضاء عمركم إِذ لم تكسبوا فيه نفعاً لأنفسكم. وقيل: معناه لهالكون، وقيل: لمفتونون. و (إِذا) من عوامل الأفعال، وانما دخلت - ها هنا - على الاسم، لأنها ملغاة، واذا ألغيت من العمل صلح ذلك فيها، لأنها حينئذ تجري مجرى الف الاستفهام في أنها لا تختص، لأنها لا تعمل. وقوله {إِنكم إِذا لخاسرون} جواب القسم وقد سد مسد جواب الشرط من قوله {لئن} ولا يجوز قياساً على ذلك إِن أتاك زيد إِنه لكريم، لأن جواب الشرط انما هو بالفعل أو الفاء لترتب الثاني بعد الأول بلا فصل.

اطفيش

تفسير : {وقالَ الملأ الَّذينَ كَفرُوا من قَوْمه} لأتباعهم وسائر الناس، مثبطين لهم عن الإيمان {لئنِ اتَّبعتم شُعيبا إنكم إذاً لخاسِرُونَ} باستبدال ضلالته بهداكم، أو بترك فوائد البخس والتطفيف، قولان، وإن وما بعدها جواب قسم وجواب الشرط محذوف دل عليه، وقيل: سد ذلك مسد الجوابين.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} كان هذا بالواو للعطف على قال الملأُ الأَول، أَو على قال أَولو إِلخ، وهؤلاءِ الملأ هم المذكورون لأَن ذلك معرفة أُعيدت معرفة، ولا دليل على غيرها، ولو احتمل أَنهم آخرون دون الأَولين فى المرتبة واسطة بينهم وبين العامة ذكرهم أَولا فى الضلال وثانيا فى إِضلالهم غيرهم، لأَن الإِضلال بعد الضلال، وأَظهر لبعد الأَول لمكان اللبس {لَئِنْ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} فى دينه؛ وتركتم دينكم، ومعلوم أَن اتباع دينه ترك لدينهم لتضادهما، فلو اتبعوه إِلا فى قليل كانوا غير تابعين له، إِلا إِن كان مما يجوز تركه، فذلك من شرعه، إِلا إِن كان تركهم إِياه تحليلا لما حرم، أَو تحريما لما أَحل، فليسوا بتابعين {إِنَّكُمْ إِذًا} هى إِذ الساكنة المعوض بتنوينها عن جملة فتحت، أَو هى إِذ التى هى حرف جواب، أَو إِذا الشرطية بالأَلف بعد الذال، حذفت الجملة المضافة هى إِليها، وعوضت التنوين، والمراد إِذا تبعتم، أَو إِذا اتبعتم {لخَاسِرُونَ} فيما كان لكم من التطفيف وأَخذ الأَموال من الناس بالبخس والمكس وقطع الطريق، أَو لخاسرون فى دينكم من عبادة غير الله، وزعم بعض أَن المعنى خاسرون فى الدين أَو فى الدنيا، وفيه أَنهم لا يرجون الآخرة.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} عطف على {أية : قَالَ ٱلْمَلأ } تفسير : [الأعراف: 88] الخ والمراد من هؤلاء الملأ يحتمل أن يكون أولئك المستكبرين وتغيير الصلة لما أن مناط قولهم السابق هو الاستكبار ويكون هذا حكاية لإضلالهم بعد حكاية ضلالهم على ما قيل، ويحتمل أن يكون غيرهم ودونهم في الرتبة شأنهم الوساطة بينهم وبين العامة والقيام بأمورهم حسبما يراه المستكبرون، أي قالوا لأهل ملتهم تنفيراً لهم وتثبيطاً عن الإيمان بعد أن شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين فيه وخافوا أن يفارقوهم {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} / ودخلتم في ملته وفارقتم ملة آبائكم {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ} أي مغبونون لاستبدالكم الضلالة بالهدى ولفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف فالخسران على الأول استعارة وعلى الثاني حقيقة وإلى تفسير الخاسرين بالمغبونين ذهب ابن عباس، وعن عطاء تفسيره بالجاهلين، وعن الضحاك تفسيره بالفجرة؛ و {إِذاً} حرف جواب وجزاء معترض كما قال غير واحد بين اسم إن وخبرها. وقيل: هي إذاً الظرفية الاستقبالية وحذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين، ورده أبو حيان بأنه لم يقله أحد من النحاة، والجملة جواب للقسم الذي وطأته اللام بدليل عدم الاقتران بالفاء وسادة مسد جواب الشرط وليست جواباً لهما معاً كما يوهمه كلام بعضهم لأنه كما قيل مع مخالفته للقواعد النحوية يلزم فيه أن يكون جملة واحدة لها محل من الإعراب ولا محل لها وإن جاز باعتبارين.

ابن عاشور

تفسير : عُطفت جملة: {وقال الملأ} ولم تفصل كما فصلت التي قبلها لانتهاء المحاورة المقتضية فصل الجمل في حكاية المحاورة، وهذا قول أنف وجه فيه الملأ خطابهم إلى عامة قومهم الباقين على الكفر تحذيراً لهم من اتباع شعيب خشية عليهم من أن تحيك في نفوسهم دعوة شعيب وصدْق مجادلته، فلما رأوا حجته ساطعة ولم يستطيعوا الفلج عليه في المجادلة، وصمموا على كفرهم، أقبلوا على خطاب الحاضرين من قومهم ليحذروهم من متابعة شعيب ويهددوهم بالخسارة. وذِكْرُ {المَلأ} إظهار في مقام الإضمار لبعد المعاد. وإنّما وصف الملأ بالموصول وصلته دون أن يكتفي بحرف التعريف المقتضي أن الملأ الثاني هو الملأ المذكور قبله، لقصد زيادة ذم الملأ بوصف الكفر، كما ذم فيما سبق بوصف الاستكبار. ووصف {الملأ} هنا بالكفر لمناسبة الكلام المحكي عنهم، الدال على تصلبّهم في كفرهم، كما وصفوا في الآية السابقة بالاستكبار لمناسبة حال مجادلتهم شعيباً، كما تقدم، فحصل من الآيتين أنّهم مُستكبرون كافرون. والمخاطب في قوله: {لئن اتّبعتم شعيباً} هم الحاضرون حين الخطاب لدى الملإِ، فحُكي كلام الملأ كما صدر منهم، والسياق يفسر المعنيين بالخطاب، أعني عامّة قوم شعيب الباقين على الكفر. (واللام) موطّئة للقسم. و{إنكم إذا لخاسرون} جواب القسم وهو دليل على جواب الشرط محذوف، كما هو الشأن في مثل هذا التركيب. والخُسران تقدم عند قوله تعالى: {أية : قد خسر الذين قتلوا أولادهم} تفسير : في سورة الأنعام (140). وهو مستعار لحصول الضر من حيث أريد النفع، والمراد به هنا التحذير من أضرار تحصل لهم في الدنيا من جراء غضب آلهتهم عليهم، لأن الظاهر أنّهم لا يعتقدون البعث، فإن كانوا يعتقدونه، فالمراد الخسران الأعم، ولكن الأهم عندهم هو الدنيوي. (والفاء) في: {فأخذتهم الرجفة} للتعقيب، أي: كان أخذ الرجفة إياهم عقب قولهم لقومهم ما قالوا. وتقدم تفسير: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} في نظيرها من قصة ثمود. والرجفة التي أصابت أهل مدين هي صواعق خرجت من ظُلة، وهي السحابة، قال تعالى في سورة الشعراء (189). {أية : فأخَذَهم عذابُ يوم الظلة}، تفسير : وقد عبر عن الرجفة في سورة هود بالصيحة فتعين أن تكون من نوع الأصوات المنشقة عن قالع ومقلوع لا عن قارع ومقروع وهو الزلزال، والأظهر أن يكون أصابهم زلزال وصواعق فتكون الرجفة الزلزال والصيحة الصاعقة كما يدل عليه قوله: {كأن لم يَغْنَوا فيها}. وجملة: {الذين كذبوا شعيباً} مستأنفة ابتدائية، والتعريف بالموصولية للإيماء إلى وجه بناء الخبر، وهو أن اضمحلالهم وانقطاع دابرهم كان جزاء لهم على تكذيبهم شعيباً. ومعنى: {كأن لم يَغنَوا فيها} تشبيه حالة استيصالهم وعفاء آثارهم بحال من لم تسبق لهم حياة، يقال: غَنَى بالمكان كرَضي أقام، ولذلك سمي مكان القوم مغنى. قال ابن عطية: «الذي استقريتُ من أشعار العرب أن غَنى معناه: أقام إقامة مقترنة بتنعم عيش ويشبه أن تكون مأخوذة من الاستغناء» أي كأن لم تكن لهم إقامة، وهذا إنما يُعنى به انمحاء آثارهم كما قال: {أية : فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس}تفسير : [يونس: 24]، وهو يرجح أن يكون أصابهم زلزال مع الصواعق بحيث احترقت أجسادهم وخُسف لهم في الأرض وانقلبت ديارهم في باطن الأرض ولم يبق شيء أو بقي شيء قليل. فهذا هو وجه التشبيه، وليس وجه التشبيه حالة موتهم لأن ذلك حاصل في كل ميت ولا يختص بأمثال مدين، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : فهل ترى لهم من باقية}تفسير : [الحاقة: 8]. وتقديم المسند إليه في قوله: {الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين} إذا اعتُبرت {كانوا} فعلاً، واعتبر المسند فعلياً فهو تقديم لإفادة تقوي الحكم، وإن اعتبرت (كان) بمنزلة الرابطة، وهو الظاهر، فالتقوي حاصل من معنى الثبوت الذي تفيده الجملة الاسمية. والتكرير لقوله: {الذين كذبوا شعيباً} للتعديد وإيقاظ السامعين، وهم مشركو العرب، ليتقوا عاقبة أمثالهم في الشرك والتكذيب على طريقة التعريض، كما وقع التصريح بذلك في قوله تعالى: {أية : وللكافرين أمثالها}تفسير : [محمد: 10]. وضمير الفصل في قوله: {كانوا هم الخاسرين} يفيد القصر وهو قصر إضافي، أي دون الذين اتبعوا شعيباً، وذلك لإظهار سَفه قول الملإ للعامة {لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذن لخاسرون} توقيفاً للمعتبرين بهم على تهافت أقوالهم وسفاهة رأيهم، وتحذيراً لأمثالهم من الوقوع في ذلك الضلال.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 90- هنا يئس القوم من مطاوعة شعيب ومن معه لهم، وعلموا أنهم ثابتون على دينهم، كذلك خافوا أن يكثر المهتدون مع شعيب بظهور قوته وثباته على دعوته، فاتجه كبراؤهم الكافرون إلى متبوعيهم، يهددونهم قائلين: والله إن طاوعتم شعيباً فى قبول دعوته، إنكم لخاسرون شرفكم وثروتكم فى اتباعكم ديناً باطلاً لم يكن عليه سلفكم. 91- هنا حقَّت عليهم كلمة العذاب، فأصابهم الله بزلزلة اضطربت لها قلوبهم، فصاروا فى دارهم منكبين على وجوههم لا حياة فيهم. 92- هذا شأن الله مع الذين كذَّبوا شعيباً، وهددوه وأنذروه بالإخراج من قريتهم، وعملوا على رد دعوته، قد هلكوا وهلكت قريتهم كأن لم يعش فيها الذين كذَّبوا شعيباً، وزعموا أن من يتبعه يكون خاسراً، وأكدوا هذا الزعم وكانوا هم الخاسرين لسعادتهم فى الدنيا والآخرة. 93- فلما رأى شعيب ما نزل بهم من الهلاك المدمر، أعرض عنهم، وقال مبرئاً نفسه من التقصير معهم: لقد أبلغتكم رسالات ربكم المفضية إلى الإحسان إليكم لو عملتم بها، وبالغت فى إسداء النصح لكم، والعظة بما به تنجون من عقوبة الله، فكيف أحزن الحزن الشديد على قوم كافرين؟ لا يكون ذلك بعدما أعذرت إليهم، وبذلت جهدى فى سبيل هدايتهم ونجاتهم، فاختاروا ما فيه هلاكهم. 94- وما بعثنا نبياً من الأنبياء فى قرية من القرى، يدعو أهلها إلى دين الله القويم، وأعرضوا عن قبول تلك الدعوة، إلا أصبناهم بالفقر والمرض، كى يتذللوا ويبتهلوا إلى الله مخلصين له فى كشف ما نزل بهم، ويستجيبوا لرسوله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لئن اتبعتم شعيباً: أي على ما جاء به من الدين والهدى. الرجفة: الحركة العنيفة كالزلزلة. جاثمين: باركين على ركبهم ميتين. كأن لم يغنوا فيها: أي كأن لم يعمروها ويقيموا فيها زمناً طويلاً. الخاسرين: إذ هلكوا في الدنيا وادخلوا النار في الآخرة. آسى: أي أحزن أو آسف شديد الأسف. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص شعيب مع أهل مدين فإنه بعد أن هدد الظالمون شعيباً بالإِبعاد من مدينتهم هو والمؤمنون معه أو أن يعودوا إلى ملتهم فرد شعيب على التهديد بما أيأسهم من العودة إلى دينهم، وفزع إلى الله يعلن توكله عليه ويطلب حكمه العادل بينه وبين قومه المشركين الظالمين كأن الناس اضطربوا وأن بعضاً قال اتركوا الرجل وما هو عليه، ولا تتعرضوا لما لا تطيقونه من البلاء. هنا قال الملأ الذين استكبروا من قومه مقسمين بآلهة الباطل: {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً} أي على دينه وما جاء به وما يدعو إليه من التوحيد والعدل ورفع الظلم {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} استجابة لدعوة شعيب فأصبحوا هلكى جاثمين على الركب. قال تعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} أي كأن لم يعمروا الديار ويقيموا بها زمناً طويلاً، وأكد هذا الخبر وهو حكم في المكذبين الظالمين فقال: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} أما الذين صدقوا شعيباً فهم المفلحون الفائزون وودعهم شعيب كما ودع صالح قومه قال تعالى: {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} وهم جاثمون هلكى فقال {يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} فأبيتم إلا تكذيبي ورد قولي والإِصرار على الشرك والفساد حتى هلكتم {فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ} أي لا معنى للحزن والأسف على مثلكم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ثمرة الصبر والثبات النصر العاجل أو الآجل. 2- نهاية الظلم والطغيان والدمار والخسران. 3- لا أسىً ولا حزناً على من أهلكه الله تعالى بظلمه وفساده في الأرض. 4- مشروعية توبيخ الظالمين بعد هلاكهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل القليب وكما فعل صالح وشعيب عليهما السلام.

القطان

تفسير : الرجفة: الحركة والاضطراب، والمراد بها الزلزلة غَنِي بالمكان: نزل به واقام فيه الأسى: شدة الحزن. بعد أن يئس القوم من مطاوعة شعيب وأصحابه لهم، وعلموا انهم ثابتون على دينهم، خافوا ان يكثُر المهتدون بظهور قوة شعيبٍ وثباته على دعوته، فاتّجه زعماؤهم الى أتباعهم يهددونهم قائلين: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}. وقال زعماء قوم شعيبٍ الكافرون: واللّهِ إن طاوعتُم شعيباً في قَبول دعوته وآمنتم به، لتخسَرون شرفَكم وثروتكم، كما تكونون قد تخلّيتم عن ملّتكم التي مات عليها آباؤكم من قبل. بعد هذا ذكر الله تعالى عاقبةَ أمرِهم وما أصابهم من نكالٍ فقال: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. أي دهمْتُهم الزلزلة فأهلكمتهم في ديارهم وظلّوا منكّبين على وجوههم لا حياة فيهم. {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ}. هذا شأن الله مع الذين كذّبوا شعيبا، وهدّدوه وأنذروه بالإخراج من قريتهم.. لقد هلكوا وهلكت قريتهم فحُرِموها كأن لم يعيشوا فيها بحال، وهكذا فان الذين كذّبوا شعيبا وزعموا ان من يتّبعه هو الخاسر - قد باتوا هم الخاسرين. فلما رأى شعيب ما نزل بهم من الهلاك المدمِّر، أعرض عنهم، وقال مبرّئاً نفسه من التقصير معهم: لقد أبلغتُكم رسالاتِ ربي، وأديتُ إليكم ما بعثني به ربي، كما بالغتُ في إسداءِ النصح لكم، فكيف أحزنُ على قومٍ كافرين؟

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِنِ} {لَّخَاسِرُونَ} (90) - فَقَالَ الكُبَرَاءُ الكَافِرُونَ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ، لِمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيباً فِيمَا يَقُولُ، وَفِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ، وَأَقْرَرْتُمْ بِنُبُوَّتِهِ، وَآمَنْتُمْ بِمَا آمَنَ بِهِ، وَكَفَرْتُمْ بَأَصْنَامِكُمْ .. وَبِمَا كَانَ عَليهِ آبَاؤُكُمْ مِنْ دِينٍ وَعَادَاتٍ، كُنْتُمْ خَاسِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يقول الملأ من قوم مدين لمن آمنوا ولمن كان لديهم الاستعداد والتهيؤ للإِِيمان محذرين لهم من اتباع شعيب حتى لا يظل الملأ والكبراء وحدهم في الضلال: وساعة نرى "اللام" في "لئن" نعلم أن هنا قَسَماً دلّت عليه هذه "اللام". وهنا أيضاً "إن" الشرطية، والقسم يحتاج إلى جواب، والشرط يحتاج كذلك إلى جواب، فإذا اجتمع شرط وقسم اكتفينا بالإِتيان بجواب المتقدم والسابق منهما، مثل قولنا: "والله إن فعلت كذا ليكونن كذا": {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}. وماذا سيخسرون؟ سيخسرون لأنهم كانوا سيأخذون أكثر من حقهم حين يطففون الكيل ويخسرون الميزان، والقوي يأخذ من الضعيف؛ فإذا ما ارتبطوا بالمنهج واتبعوه خسروا ما كانوا يأخذونه من تطفيف الكيل وبخس وخسران الميزان بمنهج. وهذه هي الخسارة في نظر المنحرف.

الجيلاني

تفسير : ومن حسن محاورة شعيب عليه السلام مع أمته ومجاملته معه لقب بالخطيب بين الأنبياء. {وَ} بعدما سمعوا منه ما سمعوا {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} لمتابعيهم ترهيباً وتهديداً على وجه المبالغة والتأكيد: والله {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً} عليه السلام وآمنتم له وسمعتم قوله في ترك البخس والتطفيف {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} [الأعراف: 90] في بضاعتكم ومعاملتكم، ثم لما بالغوا في الضلال والإضلال استحقوا الانتقام والنكال. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} والزلزلة الشديدة فخر عليهم سقوف بيوتهمه {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ} التي يستقرون فيها {جَاثِمِينَ} [الأعراف: 91] جامدين ميتين. وبالجملة: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} أي: استؤصلوا وانقرضوا إلى حيث صاروا كأن لم يسكنوا ولم يكونوا في تلك الديار أصلاً، بل الحق إن {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 92] المقصورين على الخسران في النشأة الأولى والأخرى. {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} شعيب عليه السلام بعدما شاهد حالتهم واستحقاقهم للعذاب {وَقَالَ} متأسفاً متحزناً على مقتضى شفقته، مضيفاً لهم إلى نفسه: {يٰقَوْمِ} المنهمكين في الغفلة المبالغين في الإصرار والاستكبار {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي} حتى لا يلحق بكم ما لحق {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} بإذنه سبحانه وبالغت في نصحي، فلم تقبلوا مني نصحي ولم تصدقوا قولي، ثم كذب هواجس نفسه وأنكر عليها؛ خوفاً من غضب الله، فقال: {فَكَيْفَ ءَاسَىٰ} أتحزن {عَلَىٰ قَوْمٍ} كانوا {كَٰفِرِينَ} [الأعراف: 93] لنعم الحق مكذبين لأوامره مستحقين لما نزل عليها بسوء معاملتهم مع الله بعد ورود ما ورد من الوعد والوعيد؟.