Verse. 1048 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَمَاۗ اَرْسَلْنَا فِيْ قَرْيَۃٍ مِّنْ نَّبِيٍّ اِلَّاۗ اَخَذْنَاۗ اَہْلَہَا بِالْبَاْسَاۗءِ وَالضَّرَّاۗءِ لَعَلَّہُمْ يَضَّرَّعُوْنَ۝۹۴
Wama arsalna fee qaryatin min nabiyyin illa akhathna ahlaha bialbasai waalddarrai laAAallahum yaddarraAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أرسلنا في قرية من نبي» فكذبوا «إلا أخذنا» عاقبنا «أهلها بالبأساء» شدة الفقر «والضرَّاء» المرض «لعلهم يضَّرَّعون» يتذللون فيؤمنون.

94

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء، وأحوال ما جرى على أممهم، كان من الجائز أن يظن أنه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال، إلا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط، فبين في هذه الآية أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم، وبين العلة التي بها يفعل ذلك: قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَاءِ وَٱلضَّرَّاءِ} وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين إليهم يبعث الرسل، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة، لأنها مجتمع الأقوام وقوله: {مّن نَّبِىٍّ } فيه حذف وإضمار، والتقدير: من نبي فكذب أو كذبه أهلها، إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء. قال الزجاج: البأساء كل ما نالهم من الشدة في أحوالهم، والضراء ما نالهم من الأمراض. وقيل على العكس، ثم بين تعالى أنه يفعل ذلك لكي يضرعوا، معناه: يتضرعوا، والتضرع هو الخضوع والانقياد لله تعالى، ولما علمت أن قوله: {لَعَلَّهُمْ } لا يمكن حمله على الشك في حق الله تعالى، وجب حمله على أن المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا. قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الإيمان والطاعة. وقال أصحابنا: لما ثبت بالدليل أن تعليل أفعال الله وأحكامه محال وجب حمل الآية على أنه تعالى فعل، ما لو فعله غيره لكان ذلك شبيهاً بالعلة والغرض، ثم بين تعالى أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد، وإنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب فقال: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ } لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء، يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر، ومعنى الحسنة والسيئة ههنا الشدة والرخاء. قال أهل اللغة: (ٱلسَّيّئَةُ) كل ما يسوء صاحبه، و (ٱلْحَسَنَةَ) ما يستحسنه الطبع والعقل، والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة، وبالرخاء أخرى. وقوله: {حَتَّىٰ عَفَواْ } قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره، إذا كثر، يعفو فهو عاف ومنه قوله تعالى: {حَتَّىٰ عَفَواْ } يعني كثروا ومنه ما ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام، أمر أن تحف الشوارب، وتعفى اللحى يعني توفر وتكثر وقوله: {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّاءُ} فالمعنى: أنهم متى نالهم شدة قالوا: ليس هذا بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم الله عليه من رخاء بعد شدة، وأمن بعد خوف، بل عدلوا إلى أن هذه عادة الزمان في أهله، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة، فبين تعالى أنه أزال عذرهم وأزاح علتهم، فلم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الإمهال، وقوله: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً } والمعنى: أنهم لما تمردوا على التقديرين، أخذهم الله بغتة أينما كانوا، ليكون ذلك أعظم في الحسرة. وقوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي يرون العذاب والحكمة في حكاية هذا المعنى أن يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة وعرفها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} فيه إضمار، وهو فكذب أهلها إلا أخذناهم. {بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} تقدّم القول فيه. {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} أي أبدلناهم بالجدب خِصباً. {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} أي كثروا؛ عن ٱبن عباس. وقال ابن زيد: كثرت أموالهم وأولادهم. وعفا: من الأضداد. عفا: كثر. وعفا: درس. أعلم الله تعالى أنّه أخذهم بالشدّة والرخاء فلم يزدجِروا ولم يشكروا. {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} فنحن مثلهم. {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة ليكون أكثر حسرة.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء} بالبؤس والضر. {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} حتى يتضرعوا ويتذللوا.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني: بالبأساء ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء: ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}، أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم، وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، فما فعلوا شيئاً من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه، ولهذا قال: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} أي: حولنا الحالة من شدة إلى رخاء ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى؛ ليشكروا على ذلك، فما فعلوا، وقوله: {حَتَّىٰ عَفَواْ} أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء إذا كثر. {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} يقول تعالى: ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا، وينيبوا إلى الله، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء، ثم بعده من الرخاء، مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم، و لا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء؛ كما ثبت في الصحيحين: «حديث : عجباً للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له» تفسير : فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقياً من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله، ولا فيم أرسلوه» تفسير : أو كما قال، ولهذا عقب هذه الصفة بقوله: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي: على بغتة، وعدم شعور منهم، أي: أخذناهم فجأة؛ كما في الحديث: «حديث : موت الفجأة رحمة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ } فكذبوه {إِلآ أَخَذْنَآ } عاقبنا {أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ } شدّة الفقر {وَٱلضَّرّآءِ } المرض {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } يتذللون فيؤمنون.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } لما فصل الله سبحانه أحوال بعض الأنبياء مع أممهم، وهم المذكورون سابقاً، أجمل حال سائر الأمم المرسل إليها، أي وما أرسلنا في قرية من القرى من نبيّ من الأنبياء. وفي الكلام محذوف، أي فكذب أهلها {إلا أخذناهم}، والاستثناء مفرّغ، أي ما أرسلنا في حال من الأحوال، إلا في حال أخذنا أهلها، فمحل أخذنا النصب. والبأساء: البؤس والفقر. والضراء: الضرّ. وقد تقدم تحقيق معنى البأساء والضراء {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } أي لكي يتضرعوا ويتذللوا، فيدعوا ما هم عليه من الاستكبار وتكذيب الأنبياء. قوله: {ثُمَّ بَدَّلْنَا } معطوف على {أخذنا} أي ثم بعد الأخذ لأهل القرى بدّلناهم {مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ } التي أصبناهم بها من البلاء والامتحان {ٱلْحَسَنَةَ } أي الخصلة الحسنة، فصاروا في خير وسعة وأمن {حَتَّىٰ عَفَواْ } يقال عفا كثر، وعفا درس، فهو من أسماء الأضداد، والمراد هنا: أنهم كثروا في أنفسهم وفي أموالهم، أي أعطيناهم الحسنة مكان السيئة، حتى كثروا {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا ٱلضَّرَّاء وَٱلسَّرَّاء } أي قالوا هذه المقالة عند أن صاروا في الحسنة بعد السيئة، أي أن هذا الذي مسنا من البأساء والضراء، ثم من الرخاء والخصب من بعد، هو أمر وقع لآبائنا قبلنا مثله. فمسهم من البأساء والضراء ما مسنا، ومن النعمة والخير ما نلناه، ومعناهم: أن هذه العادة الجارية في السلف والخلف، وأن ذلك ليس من الله سبحانه ابتلاء لهم، واختبار لما عندهم، وفي هذا من شدة عنادهم وقوة تمردهم وعتوّهم ما لا يخفى، ولهذا عاجلهم الله بالعقوبة ولم يمهلهم فقال: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً } أي فجأة عقب أن قالوا هذه المقالة من دون تراخ ولا إمهال "و" الحال أن {هُمْ لا يَشْعُرُونَ } بذلك ولا يترقبونه. واللام في {ٱلْقُرَىٰ } للعهد، أي: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ } التي أرسلنا إليها رسلنا {ءامَنُواْ } بالرسل المرسلين إليهم {وَٱتَّقَوْاْ } ما صمموا عليه من الكفر، ولم يصرّوا على ما فعلوا من القبائح {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } أي يسرنا لهم خير السماء والأرض، كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها. قيل المراد بخير السماء: المطر، وخير: الأرض النبات، والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعمّ من ذلك. ويجوز أن تكون اللام في {القرى} للجنس. والمراد: لو أن أهل القرى أين كانوا، وفي أيّ بلاد سكنوا {آمنوا واتقوا} إلى آخر الآية. {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ } بالآيات والأنبياء ولم يؤمنوا ولا اتقوا {فَأَخَذْنَـٰهُمْ } بالعذاب بـسبب {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الذنوب الموجبة لعذابهم. والاستفهام في {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } للتقريع والتوبيخ، وأهل القرى هم أهل القرى: المذكورة قبله، والفاء للعطف، وهو مثل: {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } تفسير : [المائدة: 50]. وقيل: المراد بالقرى مكة وما حولها، لتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والحمل على العموم أولى. قوله: {أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتاً } أي: وقت بيات، وهو الليل، على أنه منصوب على الظرفية، ويجوز أن يكون مصدراً، بمعنى تبيتاً، أو مصدراً في موضع الحال، أي مبيتين، وجملة: {وَهُمْ نَائِمُونَ } في محل نصب على الحال، والاستفهام في {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } كالاستفهام الذي قبله. والضحى ضحوة النهار، وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. قرأ ابن عامر والحرميان "أوْ أمن" بإسكان الواو، وقرأ الباقون بفتحها. وجملة {وَهُمْ يَلْعَبُونَ } في محل نصب على الحال، أي يشتغلون بما لا يعود عليهم بفائدة. والاستفهام في {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ } للتقريع والتوبيخ، وإنكار ما هم عليه من أمان مالا يؤمن من مكر الله بهم وعقوبته لهم، وفي تكرير هذا الاستفهام زيادة تقرير، لإنكار ما أنكره عليهم، ثم بين حال من أمن مكر الله، فقال: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي الذين أفرطوا في الخسران، ووقعوا في وعيده الشديد. وقيل: مكر الله هنا هو استدراجه بالنعمة والصحة. والأولى حمله على ما هو أعمّ من ذلك. قوله: {أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } قرىء «نهد» بالنون وبالتحتية. فعلى القراءة بالنون يكون فاعل الفعل هو الله سبحانه، ومفعول الفعل {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } أي أن الشأن هو هذا، وعلى القراءة بالتحتية يكون فاعل يهد هو {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } أي أخذناهم بكفرهم وتكذيبهم. والهداية هنا بمعنى التبيين، ولهذا عديت باللام. قوله: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } أي ونحن نطبع على قلوبهم على الاستئناف، ولا يصح عطفه على {أصبنا} لأنهم ممن طبع الله على قلبه، لعدم قبولهم للإيمان. وقيل: هو معطوف على فعل مقدّر دلّ عليه الكلام. كأنه قيل يغفلون عن الهداية ونطبع. وقيل معطوف على {يرثون} قوله: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } جواب "لو" أي صاروا بسبب إصابتنا لهم بذنوبهم، والطبع على قلوبهم، لا يسمعون ما يتلوه عليهم من أرسله الله إليهم من الوعظ، والإعذار، والإنذار. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ } قال: مكان الشدة الرخاء {حَتَّىٰ عَفَواْ } قال: كثروا، وكثرت أموالهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ عَفَواْ } قال: جَمُّوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا ٱلضَّرَّاء وَٱلسَّرَّاء } قال: قالوا قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئاً {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ } قال: بما أنزل الله {وَٱتَّقَوْاْ } قال: ما حرّمه الله {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ } يقول: أعطتهم السماء بركتها والأرض نباتها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة، عن موسى الطائفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكرموا الخبز، فإن الله أنزله من بركات السماء، وأخرجه من بركات الأرض»تفسير : . وأخرج البزار والطبراني، قال السيوطي، بسند ضعيف، عن عبد الله ابن أمّ حرام قال: صليت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أكرموا الخبز، فإن الله أنزله من بركات السماء، وسخر له بركات الأرض، ومن تتبع ما يسقط من السفرة، غفر له»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان أهل قريةِ أوسع الله عليهم، حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث الله عليهم الجوع. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {أَوَ لَمْ يَهْدِ} قال: أو لم نبين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله: {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } قال: المشركون.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية خبر من الله عز وجل أنه ما بعث نبياً في مدينة وهي "القرية" إلا أخذ أهلها المكذبين له {بالباساء} وهي المصائب في الأموال والهموم وعوارض الزمن، {الضراء} وهي المصاب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة، وحكي عن السدي ما يقتضي أن اللفظتين ينقادون إلى الإيمان، وهكذا قولهم الحمى أضرعتني لك. ثم قال تعالى أنه بعد إنفاذ الحكم في الأولين بدل للخلق مكان السيئة وهي "الباساء" و "الضراء" الحسنة وهي "السراء" والنعمة، وهذا بحسب ما عند الناس، وإلا فقد يجيء الأمر كما قال الشاعر: [البسيط] شعر : قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما يصح مع النظر إلى الدار الآخرة والجزاء فيها، والنعمة المطلقة هي التي لا عقوبة فيها: والبلوى المطلقة هي التي لا ثواب عليها، و {حتى عفواً} معناه: حتى كثروا يقال عفا النبات والريش "يعفو" إذا كثر نباته، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [الوافر] شعر : ولكنها يعضُّ السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم تفسير : وعليه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحفوا الشوارب واعفوا اللحى" تفسير : وعفا أيضاً في اللغة بمعنى درس وبلى فقال بعض الناس هي من الألفاظ التي تستعمل للضدين، أما قول زهير: شعر : على آثار من ذهب العفاء تفسير : فيحتمل ثلاثة معانٍ الدعاء بالدرس، والإخبار به، والدعاء بنمو والنبات، كما يقال جادته الديم وسقته العهاد ولما بدل الله حالهم بالخير لطفاً بهم فنموا رأى الخلق بعد ذلك للكفر الذي هم فيه أن إصابة {الضراء والسراء} إنما هي بالاتفاق، وليست بقصد كما يخبر النبي، واعتقدوا أن ما أصابهم من ذلك إنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم فجعلوه مثالاً، أي قد أصاب هذا آباءنا فلا ينبغي لنا أن ننكره، فأخبر الله تعالى أنه أخذ هذه الطوائف التي هذا معتقدها، وقوله {بغتة} أي فجأة وأخذة أسف وبطشاً للشقاء السابق لهم في قديم علمه، و {السراء} السرور والحبرة، {وهم لا يشعرون} معناه وهم مكذبون بالعذاب لا يتحسسون لشيء منه ولا يستشعرونه باستذلال وغيره. وقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا} الآية المعنى في هذه الآية أنهم لو كانوا ممن سبق في علم الله أن يكتسبوا الإيمان والطاعات ويتصفوا بالتقى لتبع ذلك من فضل الله ورحمته وإنعامه ما ذكر من بركات المطر والنبات ولكنهم لما كانوا ممن سبق كفرهم وتكذيبهم تبع ذلك أخذ الله لهم بسوء ما اجترموه، وكل مقدور، والثواب والعقاب متعلق بكسب البشر، وبسببه استندت الأفعال إليهم في قوله: {آمنوا واتقوا} وفي {كذبوا} وقرأ الستة من القراء السبعة "لفتحَنا" بخفيف التاء وهي قراءة الناس، وقرأ ابن عامر وحده وعيسى الثقفي وأبو عبد الرحمن: "لفتّحنا" بتشديد التاء، وفتح البركات إنزالها على الناس ومنه قوله تعالى: {أية : ما يفتح الله للناس من رحمة} تفسير : [فاطر: 1] ومنه قالت الصوفية: الفتوح والبركات النمو والزيادات، ومن السماء لجهة المطر والريح والشمس، ومن الأرض لجهة الإنبات والحفظ لما ينبت، هذا هو الذي يدركه نظر البشر ولله خدام غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْبَأْسَآءِ} بالقحط {وَالضَّرَّآءِ} الأمراض والشدائد، أو البأساء: الجوع، والضراء: الفقر، أو البأساء: البلاء، والضراء: الزمانة، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو البأساء: الشدائد في أنفسهم، والضراء: الشدائد في أموالهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لفتحنا} بالتشديد: ابن عامر ويزيد {أو أمن} بسكون الواو: أو جعفر ونافع غير ورش، وابن عامر وابن كثير غير ابن فليح، وقرأ ورش بنقل حركتها إلى الساكن قبلها {أولم نهد} النون حيث كان: زيد عن يعقوب. الباقون: بالياء التحتانية {رسلهم} بسكون السين حيث كان: أبو عمرو. الوقوف: {يضرعون} ه {لا يشعرون} ه {يكسبون} ه {نائمون} ه لمن قرأ {أو أمن} بفتح الواو على أن الهمز للاستفهام، ومن سكن الواو فلا وقف لأن "أو" للعطف {يلعبون} ه {مكر الله} ج للفصل بين الإخبار والاستخبار مع أن الفاء للتعقيب. {الخاسرون} ه {بذنوبهم} ج للفصل بين الماضي والمستقبل والتقدير: نحن نطبع مع اتحاد القصة. {لا يسمعون} ه {من أنبائها} ج لعطف المختلفتين {بالبينات} ط لأن ضمير {فما كانوا ليؤمنوا} لأهل مكة وضمير. {جاءهم} للأمم الماضية مع أن الفاء توجب الاتصال {من قبل} ط {الكافرين} ه {من عهد} ج لعطف الجملتين المختلفين {لفاسقين} ه. التفسير: إنه سبحانه لما عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصوراً عليهم، وبيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل. والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضاً وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء. قال الزجاج: البأساء الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان. وقيل بالعكس {لعلهم يضرعون} أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم. ثم بيّن أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال {ثم بدلنا مكان السيئة} وهي كل ما يسوء صاحبه {الحسنة} وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الفقر والضر السعة والصحة {حتى عفوا} كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وأعفوا اللحى" تفسير : {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة. والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله تعالى فيهم من رجاء بعد شدّة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء {فأخذناهم بغتة} آمن ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة {وهم لا يشعرون} بنزول العذاب. والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال {ولو أن أهل القرى} أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية {آمنوا} بما يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد {واتقوا} كل ما نهى الله عنه {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات. والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح كقولهم: فتحت على القارىء إذا يسرت القراءة عليه بالتلقين {ولكن كذبوا الرسل فأخذناهم} بالجذب والمحل وهو ضد البركة والخير {بما كانوا يكسبون} أي بشؤم كسبهم وهو الكفر والمعاصي. ثم خوف المكلفين نزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على المرء في التشاغل باللذات والمهمات فقال {أفأمن} قال في الكشاف: الهمزة للإنكار والفاء للعطف على قوله {فأخذناهم بغتة} والآية بينهما اعتراض والتقدير: أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟ فلهذا عطف الثانية بالواو. وأما قوله {أفأمنوا مكر الله} فتكرير لقوله {أفأمن أهل القرى} فلهذا رجع فعطف بالفاء. قلت: يجوز أن يقدّر المعطوف عليه بعد الهمزة والمعنى: أفعلوا ما فعلوا فأمن وأما من قرأ "أو" ساكنة فمعناه إما أحد الشيئين ويرجع المعنى إلى قولنا فأمنوا إحدى هذه العقوبات، وإما للإضراب كما تقول: أنا أخرج ثم تقول أو أقيم. على أن المراد هو الإضراب عن الخروج وإثبات للإقامة أي لا بل أقيم. ومعنى {بياتاً} قد تقدم في أوّل السورة. و {ضحى} نصب على الظرف قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهو حين تشرق الشمس مقصورة، وتذكر على أنه مفرد كصرد وتؤنث على أنها جمع ضحوة. ثم بعده الضحاء ممدوداً مذكراً وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. في قوله {وهم يلعبون} يحتمل التشاغل بما لا يجدي عليهم من أمور الدنيا فهي لهو ولعب، ويحتمل خوضهم في كفرهم لأن ذلك كاللعب في أنه يضر ولا ينفع. ومكر الله كما تقدم في آل عمران عذاب بعد الاستدراج أو سمي جزاء المكر مكراً. وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات يعني المذكور في الآية. اللهم اجعلنا من الخائفين العاقلين لا من الآمنين الغافلين. ثم لما بيّن حال المهلكين مفصلاً ومحلاً ذكر أن الغرض من القصص حصول العبرة للباقين فقال {أولم يهد} من قرأ بالياء ففاعله {أن لو نشاء} والمعنى: أو لم يهد الذين يخلفون أولئك المتقدمين فيرثون أرضهم وديارهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي بعقابها كما أصبنا من قبلهم. ومن قرأ بالنون فقوله {أن لو نشاء} منصوب والهداية بمعنى التبيين على القراءتين ولهذا عُدّي فعلها باللام، والمفعول على القراءة الأولى محذوف والتقدير: أولم يكشف لهم الحال والشأن المذكور. وأما قوله {ونطبع على قلوبهم} فإما أن يكون منقطعاً عما قبله بمعنى ونحن نطبع كما مر في الوقوف، وإما أن يكون متصلاً بما قبله. قال الكشاف: وذلك هو يرثون أو ما دلّ عليه معنى {أولم يهد} كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع. ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على {أصبناهم} و {طبعنا} لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم فيجري مجرى تحصيل الحاصل ولقائل أن يقول: لا يلزم من المذكور وهو كونهم مذنبين أن يكونوا مطبوعين، فاقتراف الذنوب غير الطبع لأن يذنب أوّلاً أو يكفر ثم يستمر على ذلك فيصير مطبوعاً على قلبه. وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا لزدنا في طبعهم أو لأدمناه والله سبحانه أعلم بمراده. ثم أخبر عن الأقوام المذكورين تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال {تلك القرى} وهي مبتدأ وخبر. وقوله {يقص} حال والعامل معنى اسم الإشارة، أو خبر بعد خبر، أو {القرى} صفة لـ {تلك} و {نقص} خبر. وفائدة الإخبار على هذا التقدير ظاهرة. وأما على الأوّلين فترجع الفائدة إلى الحال أو الخبر الثاني كما ترجع إلى الصفة في قولك: هو الرجل الكريم. الحاصل أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وأيضاً خصصنا تلك القرى بقصص بعض أنبائها لأنهم اغتروا بطول الأمهال مع كثرة النعم وكانوا أقرب الأمم إلى العرب فذكرنا أحوالهم تنبيهاً على الاحتراز عن مثل أعمالهم. ثم عزى رسوله بقوله {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا} من قبل اللام لتأكيد النفي وأن الإيمان كان منافياً لحالهم. قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بسبب تكذيبهم يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم أقروا باللسان كرهاً وأضمروا التكذيب. وقال الزجاج: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به من قبل رؤية تلك المعجزات. وعن مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد الإهلاك ورددناهم إلى دار التكليف بما كذبوا من قبل كقوله{أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}تفسير : [الأنعام: 28] وقيل: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما كذبوا من قبل مجيئهم. وقيل: ما كانوا ليؤمنوا في الزمان المستقبل بما كذبوا به في الزمان الماضي أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إلى أن ماتوا مصرين لم ينجع فيهم تكرير المواعظ وتتابع الآيات {كذلك} أي مثل ذلك الطبع الشديد {يطبع الله على قلوب الكافرين} الذي كتب أن لا يؤمنوا أبداً. والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد كما سلف. وقال الجبائي: هو أن يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن صاحبها لا يؤمن. وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى{أية : فلم يزدهم دعائي إلا فراراً}تفسير : [نوح: 6] ثم شرح حال المكلفين فقال {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} والضمير للناس على الإطلاق. قال ابن عباس: يعني بالعهد قوله للذر {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] أقروا به ثم خالفوا. عن ابن مسعود هو الإيمان كقوله {أية : إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} تفسير : [مريم: 87] يعني من قال لا إله إلا الله. وقيل: العهد عبارة عن الأدلة على التوحيد والنبوّة والمراد الوفاء بالعهد {وإن وجدنا} هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة في قوله {لفاسقين} وقد عملت في ضمير شأن مقدر والتقدير: وإن الشأن والحديث علمنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والآية اعتراض. ويحتمل أن يعود الضمير على الأمم المذكورين كانوا إذا عاهدوا الله في ضرر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن نكثوه بعد كشف الضر. التأويل: {إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} الوفي يتضرع إليه عند البلاء ويتوكل عليه والعدوّ يذهل عن الحق ولا يرجع إليه {ولو أن أهل القرى} يعني صفات النفس {آمنوا} بما يرد إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق {واتقوا} مشتبهات النفس {لفتحنا عليهم} أسباب العواطف من سماء الروح وأرض القلب {فأخذناهم} عاقبناهم بعذاب البعد {بما كسبوا} من مخالفات الحق وموافقات الطبع {بياتاً} في صور القهر {ضحى} في صورة اللطف بسطوات الجذبات {وهم يلعبون} يشتغلون بالدنيا. {إلا القوم الخاسرون} من أهل القهر هم الذين خسروا سعادة الدارين من أهل اللطف هم الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَاءِ وَٱلضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } أخبر سبحانه أنَّه ما بعث نبيًّا في قرية، وهي المدينةُ إِلاَّ أخذ أهلها المكذِّبين له {بِٱلْبَأْسَاءِ}؛ وهي المصائبُ في المال، وعوارضُ الزَّمَن {والضَّرَّاءِ} وهي المصائبُ في البدن؛ كالأمراض ونحوها، {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }، أي: ينقادون إلى الإِيمان، وهكذا قولهم: الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ، {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ }، وهي البأساءُ والضرَّاءُ {ٱلْحَسَنَةَ }، وهي السرَّاء والنِّعمة {حَتَّىٰ عَفَواْ }: معناه: حتىٰ كَثُرُوا، يقال: عَفَا النباتُ والرِّيشُ؛ إِذا كَثُر نباتُهُ؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأعْفُوا اللِّحَىٰ » تفسير : ولما بدَّل اللَّه حالهم بالخَيْر؛ لُطْفاً بهم فَنَمْوا، رأوا أن إِصابة الضَّرَّاء والسَّرَّاء إنما هي بالاتِفاق، وليستْ بقَصْد؛ كما يخبر به النبيُّ، واعتقدوا أنَّ ما أصابهم مِنْ ذلك إِنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم، فجعلوه مثالاً، أي: قد أصاب هذا آباءنا، فلا ينبغي لنا أنْ نُنْكَره، ثم أخبر سبحانه؛ أنه أخذ هذه الطوائفَ الَّتي هذا معتَقَدُها، وقوله: {بَغْتَةً } أي: فجأَةً وأخْذَةَ أَسَفٍ، وبَطْشاً؛ للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه. وقوله تعالىٰ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ }، أي: مِنْ بركاتِ المطرِ والنباتِ، وتسخير الرياحِ والشمْسِ والقمر في مصالح العبادِ؛ وهذا بحَسَب ما يدركُه نَظَر البشر، وللَّه سبحانه خُدَّامٌ غير ذلك لا يُحْصَىٰ عددهم، وما في عِلْم اللَّه أكْثَرُ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} قال: مكان الشدة الرخاء {حتى عفوا} قال: كثروا وكثرت أموالهم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ثم بدلنا مكان السيئة} قال: الشر {الحسنة} قال: الرخاء والعدل والولد {حتى عفوا} يقول: حتى كثرت أموالهم وأولاهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {حتى عفوا} قال: جمعوا . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} قال: قالوا قد آتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئاً {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} قال: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكوتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون .

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ}[94] قال: يعني فقد قلوبهم بالجهل عن العلم والشدة في دنياهم حتى اشتغلوا بها عن آخرتهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} [الآية: 94]. قال بعضهم: دعاك إلى بابه بالشفقة، فلمَّا لم تجبه ولم ترجع إليه صبَّ عليك أنواع البلاء لترجع إليه كرهًا، إذا أبيت الرجوع إليه طوعًا، قال الله عز وعلا: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} الآية.

القشيري

تفسير : حرَّكهم بالبلاء الأَهْوَنِ تحذيراً من البلاء الأصعب، فإذا تمادوا في غيهم، ولم ينتبهوا من غفلتهم مَدَّ عليهم ظلالَ الاستدراجِ، ووسّعَ عليهم أسبابَ التفرقة مكراً بهم في الحال، فإذا وَطَّنُوا - على مساعدة الدنيا - قلوبهم، وركنوا إلى ما سوَّلت لهم من امتدادها، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نَغَّصَ عليهم طيبَ الحياة، واندق بغتةً عُنُقُ السرور، وشَرِقُوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى، فتبدّل ضياءُ نهارهم بِسُدفَةِ الوحشة، وتكدّر صافي مشربهم بيد النوائب، كما سبقت به القسمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما أرسلنا فى قرية} [در شهرى وديهمى] {من} مزيدة {نبى} كذبه اهلها {إلا} قد اخذنا اهلها} استثناء مفرغ من اعم الاحوال. والمعنى وما ارسلنا فى قرية من القرى المهلكة نبيا من الانبياء المكذبين فى حال من الاحوال الا فى حال كوننا آخذين اهلها {بالبأساء} بالبؤس والفقر {والضراء} بالضر والمرض لكن لا على معنى ان ابتداء الارسال مقارن للاخذ المذكور بل على انه مستتبع له غير منفك عنه بالآخرة لاستكبارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه {لعلهم يضرعون} كى يتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة عن اكتافهم فان الشدة خصوصا الجوع يؤدى الى التواضع والانقياد فى حق اكثر العباد. ومن بلاغات الزمخشرى المرص والحاجة خطبان امرّ من نقيع الخطبان وهم بضم الخاء نوع من ورق الحنظل اصفر وهو ابلغ فى المرارة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أرسلنا في قرية من نبي} أي: رسول {إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، {لعلهم يضَّرَّعون} أي: يتضرعون ويتذللون، {ثم بدَّلنا مكانَ} الحالة {السيئةِ} الحالة {الحسنةَ} أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، {حتى عَفَوا}: كثروا عَددًا وعُددًا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: "حديث : اعفُو اللِّحى " تفسير : . {وقالوا قد مسَّ آباءنا الضراءُ والسراءُ}؛ كُفرًا لنعمة الله عليهم، ونسيانًا لذكره، واعتقادًا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، {فأخذناهم بَغتةً}: فجأة {وهم لا يشعرون} بنزول العذاب. {ولو أن أهل القرى} المتقدمة في قوله: {وما أرسلنا في قرية من نبي} وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقًا، {آمنوا واتقَوا} مكان كفرهم وعصيانهم، {لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض}؛ لوَسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. {ولكن كذبوا} بالرسل، وكفروا النعم، {فأخذناهم بما كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. {أفأمِن أهل القرى} أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى {أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون}؟ أي: ليلاً، في حال نومهم. {أوَ أمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا} أيضًا {ضُحىً}؛ ضحوة النهار {وهم يلعبون} من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، {أفأمِنُوا مكرَ الله} وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ {فلا يأمنُ مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون} الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذٍ الندم. الإشارة: إظهار المِحَن والمِنَن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدًا عليه في الحالتين، مغترفًا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان؛ يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: {أية : أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ أَضَلُّ أُوْلِئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ }تفسير : [الأعرَاف:179]. وقال القشيري في قوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا...} الآية: أي: لو آمنوا بالله واتَّقُوا الشرك {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} بأسباب العطاء، فإن سَبَقَ بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة؛ العِبرة بالبركة في النعمة. هـ. قوله تعالى: {ولكن كذَّبوا} أي: شكُّوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا...} الآية، وقد تقدم عند قوله: {أية : الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } تفسير : [الأنعَام:82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله. ولما ذكر هلال الأمم الماضية، خوَّف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يرسل رسولا الى اهل قرية الا واخذ أهلها بالباساء والضراء تغليظا في المحنة وتشديدا للتكليف ليليِّن قلوبهم، ولكي يتضرعوا الى ربهم في كشف ما نزل بهم في ذلك، وانما يفعل بهم ذلك لعلمه بما لهم فيه من الصلاح لكي يتضرعوا. والقرية أصلها الجمع من قولهم: قريت الماء أقريه قريا اذا جمعته، فالقرية مجتمع الناس في المنازل المتجاورة مما هو دون المدينة، وكذلك تسمى المدينة أيضا قرية. والنبي هو الذي يؤدي عن الله تعالى بلا واسطة من البشر، وقيل: هو من كان ينبىء بالوحي عن الله تعالى مما أنزله عليه. وقيل: في معنى {بالبأساء والضراء} ثلاثة أقوال: احدها - ان البأساء ما نالهم من الشدة في أنفسم، والضراء ما نالهم في أموالهم. والثاني - ما قال الحسن: ان البأساء الجوع، والضراء الآلام من الامراض والشدائد التي تصيبهم. الثالث - قال السدي: ان البأساء الجوع والضراء الفقر. وقيل في معنى {لعلهم} قولان: احدهما - انما عاملناهم معاملة الشاك في ايراد أسباب التضرع مظاهرة عليهم في الحجة. الثاني - ان يكون (لعل) بمعنى اللام وتقديره ليضرعوا. واصل {يضَّرعون} يتضرعون فادغمت التاء في الضاد ولا يدغم الضاد في التاء، لأن في التاء استطالة، وانما يدغم الناقص في الزائد، ولا يدغم الزائد في الناقص لما في ذلك من الاخلال.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ} البأساء الشّدّة والفقر والشدّة فى الحرب {وَٱلضَّرَّآءِ} فى الاموال والانفس {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} اعلم، انّ المانع من قبول النّبوّة والانقياد تحت احكام القالب وكذا من قبول الولاية والانقياد تحت احكام القلب هو استبداد الانسان بالرّأى واستقلاله فى الأمر وظنّ عدم احتياجه الى غيره، وكلّ ذلك من صفات النّفس والخيال، وهذه هى المانعة من ظهور حقّيّة المحقّ وبطلان المبطل، ولمّا كان تماميّة الدّعوة بوجود الدّاعى ودعوته واستعداد القابل واستحقاقه وانتفاء المانع ومنعه فاذا اراد الله تعالى هداية قومٍ ودعوتهم الى الحقّ، سواء كان ذلك فى العالم الكبير او الصّغير بعث اليهم من يدعوهم اليه ليتحقّق الدّعوة واخذ المدعوّين بالبأساء والضّراء، ليستعدّوا بذلك ويرتفع المانع من قبول دعوة الدّاعى والحاجب من ظهور حقّيّته وليتضرّعوا ويلتجؤا بترك الاستبداد والانانيّة حتّى يستحقّوا بذلك رحمة الله وقبول دعوت الدّاعى.

الأعقم

تفسير : {وما أرسلنا في قرية من نبي} فيه اضمار واختصار يعني فكذبوه {إلا أخذنا أهلها} حين لم يؤمنوا {بالبأساء} يعني البؤس والشدة وضيق العيش والفقر {والضراء} الضرّاء والمرض لاستكبارهم عن اتباع نبيهم {لعلهم يضرّعون} يتذللون ويحطّون رداء الكبر {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والسعة والصحة {حتى عفوا} كثروا وسمنوا ونموا في أنفسهم وأموالهم {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} وقالوا هذه عادة الدهر تعاقب في الناس من الضراء والسراء وقد مسّ آباءنا نحو ذلك. {فأخذناهم بغتة} أي فجأة أمن ما كانوا {وهم لا يشعرون} نزول العذاب {ولو أن أهل القرى} يعني أهل تلك القرى الذين كذبوا {آمنوا واتقوا} المعاصي {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} يعني لآتيناهم الخير من كل وجه، وقيل: من السماء المطر، ومن الأرض النبات والخصب، ورفعنا عنهم القحط {ولكن كذبوا فأخذناهم} بالعقوبة {بما كانوا يكسبون} من المعاصي والأعمال الخبيثة {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا} عذابنا {بياتاً} ليلاً {وهم نائمون} غافلون عن ذلك {أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً} عند ارتفاع النهار {وهم يلعبون} ساهون لاهون أراد ألاَّ يأمنوا الليل والنهار، قوله تعالى: {أفأمنوا مكر الله} عذابه وأخذه من حيث لا يشعرون {فلا يأمن مكر الله إلاَّ القوم الخاسرون} من خسر في الدنيا دينه وفي الآخرة وجب له العذاب {أو لم يهد للذين يرثون الأرض} يعني للذين يخلفون من خلا من قبلهم في ديارهم ويرثونهم أرضهم {أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم} كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين {ونطبع} نختم {على قلوبهم فهم لا يسمعون} الهدى ولا يقبلون الموعظة {تلك القرى} يعني التي أهلكنا وقد تقدم ذكرها {نقص عليك} أي نتلو عليك {من أنبائها} أخبارها ليعتبروا بأحوالهم ولا يغتروا كاغترارهم {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} بالحجج المزيلة للأشكال القاطعة للعذر {فما كانوا ليؤمنوا} فيه تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعظة للخلق، قال الثعلبي: فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد هلاكهم كقوله تعالى: {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام: 28] وقيل: معناه أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل}، أوائلهم من الأمم الخالية بل كذبوا كما كذب أولهم {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين}، قيل: هي السمة والعلامة التي تحصل في قلوبهم علامة الكفر {وما وجدنا لأكثرهم} أي أكثر من تقدم ذكرهم، وقيل: هو على الاطلاق أي ما وجدنا لأكثر الناس {من عهد} بل أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} خارجين عن الطاعة والعهد وهو ما أمر الله به وأوصى به الأنبياء ألاَّ تعبدوا إلاَّ الله ولا تشركوا به شيئاً.

اطفيش

تفسير : {وما أرسَلْنا فى قَريةٍ مِنْ نَبىٍّ} فكذبه أهلها {إلا أخَذْنا أهْلها} لتكذيبهم {بالبأساءِ} قال ابن مسعود: المصائب فى المال، والهموم وعوارض الزمان {والضَرَّاء} قال المصاب فى البدن كالأمراض ونحوها، وكذا قال كثير من اللغويين، وعن ابن مسعود: الباساء الفقر، والضراء المرض، وليس فى معنى قول الزجاج إن الباساء كل منالهم من الشدة فى أموالهم، والضراء ما نالهم من الأمراض، فإن الإنسان قد تناله الشدة فى ماله ولا يسمى فقيرا، مثل أن تقل عروضه، أو تذهب، وله أصول، وقيل: البأساء الشدة وضيق العيش، والضراء الضر وسوء الحال، يعنى ناله ضر البدن وهو قريب من قول ابن مسعود الأول، وحكى السدى ما يقتضى ترادف البأساء والضراء، ويقال: كل واحد من اللفظين على المعنيين. {لعلَّهم يضَّرَّعونَ} ينقادون للإيمان ويخضعوا، ولعل الترجى بحسب اعتقاد البشر، وللتعليل، وأصل يضرعون يتضرعون، أبدلت التاء ضادا وسكنت، وأدغمت، وفى ذلك وما بعده تخويف لكفرة قريش وغيرهم.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ} المراد مجتمع القوم ولو فى البدو، لكن نبى البدو يكون من قرية، أَو المراد خلاف البدو لأَنه لا يكون إِلا من أَهل القرى، وقرية نكرة عامة فى سياق السلب للسلب، ولذلك عبر عنها بالجمع فى قوله تعالى: "أية : ولو أَن أَهل القرى" تفسير : [الأَعراف: 96] بأَل العهدية {مِنْ نَبِىٍّ} فكذبوه أَو من نبى كذب {إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ} شدة الفقر {وَالضَرَّاءِ} المرض وغيره من المضرات. قاله الزجاج، وقيل: البأْساء فى البدن والضراء فى المال {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} يتذللون، والأَصل يتضرعون.

الالوسي

تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم المذكورة تفصيلاً، وفيه تخويف لقريش وتحذير، و {مِّن} سيف خطيب جيء بها لتأكيد النفي، وفي الكلام حذف صفة نبـي أي كذب أو كذبه أهلها {إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا} استثناء مفرغ من أعم الأحوال {وَأَخَذْنَا} في موضع نصب على الحال من فاعل {أَرْسَلْنَا} وفي الرضى أن الماضي الواقع حالاً إلا إذا كان بعد إلا فاكتفاؤه بالضمير من دون الواو، وقد كثر نحو ما لقيته إلا أكرمني لأن دخول إلا في الأغلب الأكثر على الاسم فهو بتأويل الأمكر ما لي فصار كالمضارع المثبت وما في هذه الآية من هذا القبيل، وقد يجيء مع الواو وقد نحو ما لقيته إلا وقد أكرمني، ومع الواو وحدها / نحو ما لقيته إلا أكرمني لأن الواو مع إلا تدخل في خبر المبتدأ فكيف بالحال ولم يسمع فيه قد من دون الواو، وقال المرادي في «شرح الألفية» إن الحال المصدرة بالماضي المثبت إذا كان تالياً لئلا يلزمها الضمير والخلو من الواو ويمتنع دخول قد وقولشعر : متى يأت هذا الموت لم تلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها تفسير : نادر، وقد نصَّ على ذلك الأشموني وغيره أيضاً، والظاهر أن امتناع قد بعد إلا فيما ذكر إذا كان الماضي حالاً لا مطلقاً، وإلا فقد ذكر الشهاب أن الفعل الماضي لا يقع بعد إلا إلا بأحد شرطين إما تقدم فعل كما هنا وإما مع قد نحو ما زيد إلا قد قام، ولا يجوز ما زيد إلا ضرب، ويعلم مما ذكرنا أن ما وقع في غالب نسخ «تفسير مولانا شيخ الإسلام» من أن الفعل الماضي لا يقع بعد إلا إلا بأحد شرطين إما تقدير قد كما في هذه الآية أو مقارنة قد كما في قولك: ما زيد إلا قد قام ليس على ما ينبغي بل هو غلط ظاهر كما لا يخفى، والمعنى فيما نحن فيه وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبياً من الأنبياء عليهم السلام في حال من الأحوال الإَّ حال كوننا آخذين أهلها. {بِٱلْبَأْسَاءِ} أي بالبؤس والفقر {وَٱلضَّرَّاءِ} بالضر والمرض، وبذلك فسرهما ابن مسعود وهو معنى قول من قال: البأساء في المال والضراء في النفس وليس المراد أن ابتداء الإرسال مقارن للأخذ المذكور بل إنه مستتبع له غير منفك عنه {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} أي كي يتضرعوا ويخضعوا ويتوبوا من ذنوبهم وينقادوا لأمر الله تعالى.

سيد قطب

تفسير : هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير: {وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء}! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار.. ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون. وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {تلك القرى نقص عليك من أنبائها...} لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}.. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها.. {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون. ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء. فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض؛ ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.. إن السياق القرآني هنا لا يروي حادثة، إنما يكشف عن سنة. ولا يعرض سيرة قوم إنما يعلن عن خطوات قدر.. ومن ثم يتكشف أن هناك ناموساً تجري عليه الأمور؛ وتتم وفقه الأحداث؛ ويتحرك به تاريخ "الإنسان" في هذه الأرض. وأن الرسالة ذاتها - على عظم قدرها - هي وسيلة من وسائل تحقيق الناموس - وهو أكبر من الرسالة وأشمل - وأن الأمور لا تمضي جزافاً؛ وأن الإنسان لا يقوم وحده في هذه الأرض - كما يزعم الملحدون بالله في هذا الزمان! - وأن كل ما يقع في هذا الكون إنما يقع عن تدبير، ويصدر عن حكمة، ويتجه إلى غاية. وأن هنالك في النهاية سنة ماضية وفق المشيئة الطليقة؛ التي وضعت السنة، وارتضت الناموس.. ووفقاً لسنة الله الجارية وفق مشيئته الطليقة كان من أمر تلك القرى ما كان، مما حكاه السياق. ويكون من أمر غيرها ما يكون! إن إرادة الإنسان وحركته - في التصور الإسلامي - عامل مهم في حركة تاريخه وفي تفسير هذا التاريخ أيضاً. ولكن إرادة الإنسان وحركته إنما يقعان في إطار من مشيئة الله الطليقة وقدره الفاعل.. والله بكل شيء محيط.. وإرادة الإنسان وحركته - في إطار المشيئة الطليقة والقدر الفاعل - يتعاملان مع الوجود كله؛ ويتأثران ويؤثران في هذا الوجود أيضاً.. فهناك زحمة من العوامل والعوالم المحركة للتاريخ الإنساني؛ وهناك سعة وعمق في مجال هذه الحركة؛ مما يبدو إلى جانبه "التفسير الاقتصادي للتاريخ"، و"التفسير البيولوجي للتاريخ"، و"التفسير الجغرافي للتاريخ"... بقعاً صغيرة في الرقعة الكبيرة. وعبثاً صغيراً من عبث الإنسان الصغير!. {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون}.. فليس للعبث - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - يأخذ الله عباده بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم. وليس لإرواء غلة ولا شفاء إحنة - كما كانت أساطير الوثنيات تقول عن آلهتها العابثة الحاقدة! إنما يأخذ الله المكذبين برسله بالبأساء والضراء، لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى؛ وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد متى كانت فيها بقية؛ وأن يتجه بالبشر الضعاف إلى خالقهم القهار؛ يتضرعون إليه؛ ويطلبون رحمته وعفوه؛ ويعلنون بهذا التضرع عن عبوديتهم له - والعبودية لله غاية الوجود الإنساني - وما بالله سبحانه من حاجة إلى تضرع العباد وإعلان العبودية:{أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}تفسير : ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على طاعة الله ما زاد هذا في ملكه شيئاً. ولو اجتمع الإنس والجن - على قلب رجل واحد - على معصيته - سبحانه - ما نقصوا في ملكه شيئاً (كما جاء في الحديث القدسي).. ولكن تضرع العباد وإعلان عبوديتهم لله إنما يصلحهم هم؛ ويصلح حياتهم ومعاشهم كذلك.. فمتى أعلن الناس عبوديتهم لله تحرروا من العبودية لسواه.. تحرروا من العبودية للشيطان الذي يريد ليغويهم - كما جاء في أوائل السورة - وتحرروا من شهواتهم وأهوائهم. وتحرروا من العبودية للعبيد من أمثالهم؛ واستحيوا أن يتبعوا خطوات الشيطان؛ واستحيوا أن يغضبوا الله بعمل أو نية يتجهون إليه في الشدة ويتضرعون، واستقاموا على الطريقة التي تحررهم وتطهرهم وتزكيهم، وترفعهم من العبودية للهوى والعبودية للعبيد! لذلك اقتضت مشيئة الله أن يأخذ أهل كل قرية يرسل إليها نبياً فتكذبه، بالبأساء في أنفسهم وأرواحهم، وبالضراء في أبدانهم وأموالهم. استحياء لقلوبهم بالألم. والألم خير مهذب، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة، وخير مرهف للحساسية في الضمائر الحية، وخير موجه إلى ظلال الرحمة التي تنسم على الضعاف المكروبين نسمات الراحة والعافية في ساعات العسرة والضيق.. {لعلهم يضرعون}.. {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة}.. فإذا الرخاء مكان الشدة، واليسر مكان العسر، والنعمة مكان الشظف، والعافية مكان الضر، والذرية مكان العقر، والكثرة مكان القلة، والأمن مكان الخوف. وإذا هو متاع ورخاء، وهينة ونعماء، وكثرة وامتلاء.. وإنما هو في الحقيقة اختبار وابتلاء.. والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، ويحتمل مشقاته الكثيرون. فالشدة تستثير عناصر المقاومة. وقد تذكر صاحبها بالله - إن كان فيه خير - فيتجه إليه ويتضرع بين يديه، ويجد في ظله طمأنينة، وفي رحابه فسحه، وفي فرَجه أملاً، وفي وعده بشرى.. فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون. فالرخاء ينسي، والمتاع يلهي، والثراء يطغي. فلا يصبر عليه إلا الأقلون من عباد الله. {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء}.. أي حتى كثروا وانتشروا، واستسهلوا العيش، واستيسروا الحياة: ولم يعودوا يجدون في أنفسهم تحرجاً من شيء يعملونه، ولا تخوفاً من أمر يصنعونه.. والتعبير: {عفوا} - إلى جانب دلالته على الكثرة - يوحي بحالة نفسية خاصة: حالة قلة المبالاة. حالة الاستخفاف والاستهتار. حالة استسهال كل أمر، واتباع عفو الخاطر في الشعور والسلوك سواء.. وهي حالة مشاهدة في أهل الرخاء واليسار والنعمة، حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة والرخاء - أفراداً وأمماً - كأن حساسية نفوسهم قد ترهلت فلم تعد تحفل شيئاً، أو تحسب حساباً لشيء. فهم ينفقون في يسر ويلتذون في يسر، ويلهون في يسر، ويبطشون كذلك في استهتار! ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان ويرتعش لها الوجدان، في يسر واطمئنان! وهم لا يتقون غضب الله، ولا لوم الناس، فكل شيء يصدر منهم عفواً بلا تحرج ولا مبالاة. وهم لا يفطنون لسنة الله في الكون، ولا يتدبرون اختباراته وابتلاءاته للناس. ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافاً، بلا سبب معلوم، وبلا قصد مرسوم: {وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء}.. وقد أخذ دورنا في الضراء وجاء دورنا في السراء! وها هي ذي ماضية بلا عاقبة، فهي تمضي هكذا خبط عشواء! عندئذ.. وفي ساعة الغفلة السادرة، وثمرة للنسيان واللهو والطغيان، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية: {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون}.. جزاء بما نسوا واغتروا وبعدوا عن الله؛ وأطلقوا لشهواتهم العنان، فما عادوا يتحرجون من فعل، وما عادت التقوى تخطر لهم ببال! هكذا تمضي سنة الله أبداً. وفق مشيئته في عباده. وهكذا يتحرك التاريخ الإنساني بإرادة الإنسان وعمله - في إطار سنة الله ومشيئته - وها هو ذا القرآن الكريم يكشف للناس عن السنة؛ ويحذرهم الفتنة.. فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء.. وينبه فيهم دواعي الحرص واليقظة، واتقاء العاقبة التي لا تتخلف، جزاء وفاقاً على اتجاههم وكسبهم. فمن لم يتيقظ، ومن لم يتحرج، ومن لم يتق، فهو الذي يظلم نفسه، ويعرضها لبأس الله الذي لا يرد. ولن تظلم نفس شيئاً. {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.. فذلك هو الطرف الآخر لسنة الله الجارية. فلو أن أهل القرى آمنوا بدل التكذيب، واتقوا بدل الاستهتار؛ لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض.. هكذا.. {بركات من السماء والأرض} مفتوحة بلا حساب. من فوقهم ومن تحت أرجلهم. والتعبير القرآني بعمومه وشموله يلقي ظلال الفيض الغامر، الذي لا يتخصص بما يعهده البشر من الأرزاق والأقوات.. وأمام هذا النص - والنص الذي قبله - نقف أمام حقيقة من حقائق العقيدة وحقائق الحياة البشرية والكونية سواء. وأمام عامل من العوامل المؤثرة في تاريخ الإنسان، تغفل عنه المذاهب الوضعية وتغفله كل الإغفال. بل تنكره كل الإنكار!.. إن العقيدة الإيمانية في الله، وتقواه، ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة، وعن خط تاريخ الإنسان. إن الإيمان بالله، وتقواه، ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض. وعدا من الله. ومن أوفى بعهده من الله؟ ونحن - المؤمنين بالله - نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن، فنصدقه ابتداء، لا نسأل عن علله وأسبابه؛ ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله.. نحن نؤمن بالله - بالغيب - ونصدق بوعده بمقتضى هذا الإيمان.. ثم ننظر إلى وعد الله نظرة التدبر - كما يأمرنا إيماننا كذلك - فنجد علته وسببه! إن الإيمان بالله دليل على حيوية في الفطرة؛ وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطرية؛ وصدق في الإدراك الإنساني، وحيوية في البنية البشرية، ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود.. وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية. والإيمان بالله قوة دافعة دافقة، تجمع جوانب الكينونة البشرية كلها، وتتجه بها إلى وجهة واحدة، وتطلقها تستمد من قوة الله، وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها، وفي دفع الفساد والفتنة عنها، وفي ترقية الحياة ونمائها.. وهذه كذلك من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية. والإيمان بالله تحرر من العبودية للهوى ومن العبودية للعبيد. وما من شك أن الإنسان المتحرر بالعبودية لله، أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صاعدة. من العبيد للهوى ولبعضهم بعضاً! وتقوى الله يقظة واعية تصون من الاندفاع والتهور والشطط والغرور، في دفعة الحركة ودفعة الحياة.. وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرج، فلا يعتدي، ولا يتهور، ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح. وحين تسير الحياة متناسقة بين الدوافع والكوابح، عاملة في الأرض، متطلعة إلى السماء، متحررة من الهوى والطغيان البشري، عابدة خاشعة لله.. تسير سيرة صالحة منتجة تستحق مدد الله بعد رضاه، فلا جرم تحفها البركة، ويعمها الخير، ويظلها الفلاح.. والمسألة - من هذا الجانب - مسألة واقع منظور - إلى جانب لطف الله المستور - واقع له علله وأسبابه الظاهرة، إلى جانب قدر الله الغيبي الموعود.. والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون، في توكيد ويقين، ألوان شتى لا يفصلها النص ولا يحددها وإيحاء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان، النابع من كل مكان، بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان. فهي البركات بكل أنواعها وألوانها، وبكل صورها وأشكالها، ما يعهده الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في واقع ولا خيال! والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة! وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله - سبحانه - وكفى بالله شهيداً. ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها الناس: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.. ولقد ينظر بعض الناس فيرى أمماً - يقولون: إنهم مسلمون - مضيقاً عليهم في الرزق، لا يجدون إلا الجدب والمحق!.. ويرى أمماً لا يؤمنون ولا يتقون، مفتوحاً عليهم في الرزق والقوة والنفوذ.. فيتساءل: وأين إذن هي السنة التي لا تتخلف؟ ولكن هذا وذلك وهم تخيله ظواهر الأحوال! إن أولئك الذين يقولون: إنهم مسلمون.. لا مؤمنون ولا متقون! إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله! إنهم يسلمون رقابهم لعبيد منهم، يتألهون عليهم، ويشرعون لهم - سواء القوانين أو القيم والتقاليد - وما أولئك بالمؤمنين. فالمؤمن لا يدع عبداً من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبداً من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره.. ويوم كان أسلاف هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقاً. دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض، وتحقق لهم وعد الله. فأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق.. فهذه هي السنة: {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء}! فهو الابتلاء بالنعمة الذي مر ذكره. وهو أخطر من الابتلاء بالشدة.. وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون. فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضى والارتياح.. وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة، مهددة في أمنها، مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال. فهي قوة بلا أمن. وهو متاع بلا رضى. وهي وفرة بلا صلاح. وهو حاضر زاهٍ يترقبه مستقبل نكد. وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال.. إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في النفوس، وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة.. بركات تنمي الحياة وترفعها في آن. وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال. وبعد أن يقرر السياق القرآني تلك السنة الجارية. التي يشهد بها تاريخ القرى الخالية. وفي اللحظة التي تنتفض فيها المشاعر، ويرتعش فيها الوجدان، على مصارع المكذبين الذين لم يؤمنوا ولم يتقوا؛ وغرهم ما كانوا فيه من رخاء ونعماء، فغفلوا عن حكمة الله في الابتلاء.. في هذه اللحظة يتجه إلى الغافلين السادرين، يوقظ فيهم مشاعر الترقب أن يأتيهم بأس الله في أية لحظة من ليل أو نهار، وهم سادرون في النوم واللهو والمتاع: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون؟ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون؟ أفأمنوا مكر الله؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون}.. أفأمن أهل القرى - وتلك سنة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، والبأساء والنعماء، وتلك مصارع المكذبين السادرين، الذين كانوا قبلهم يعمرون هذه القرى ثم تركوها فخلفوهم فيها - أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله في غفلة من غفلاتهم، وغرة من غراتهم؟ أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله بالهلاك والدمار.. بياتاً وهم نائمون.. والإنسان في نومه مسلوب الإرادة، مسلوب القوة، لا يملك أن يحتاط ولا يملك أن يدفع عادية من حشرة صغيرة.. فكيف ببأس الله الجبار؟ الذي لا يقف له الإنسان في أشد ساعات صحوه واحتياطه وقوته؟ أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله.. ضحى وهم يلعبون.. واللعب يستغرق اليقظة والتحفز، ويلهي عن الأهبة والاحتياط. فلا يملك الإنسان، وهو غارٌّ في لعبه، أن يدفع عن نفسه مغيراً. فكيف بغارة الله التي لا يقف لها الإنسان وهو في أشد ساعات جده وتأهبه للدفاع؟ وإن بأس الله لأشد من أن يقفوا له نائمين أم صاحين. لاعبين أم جادين. ولكن السياق القرآني يعرض لحظات الضعف الإنساني، ليلمس الوجدان البشري بقوة، ويثير حذره وانتباهه، حين يترقب الغارة الطامة الغامرة، في لحظة من لحظات الضعف والغرة والفجاءة. وما هو بناج في يقظة أو غرة. فهذه كتلك أمام بأس الله سواء! {أفأمنوا مكر الله؟}. وتدبيره الخفي المغيب على البشر.. ليتقوه ويحذروه. {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}.. فما وراء الأمن والغفلة والاستهتار إلا الخسار. وما يغفل عن مكر الله هكذا إلا الذين يستحقون هذا الخسار! أفأمنوا مكر الله؛ وهم يرثون الأرض من بعد أهلها الذاهبين، الذين هلكوا بذنوبهم، وجنت عليهم غفلتهم؟ أما كانت مصارع الغابرين تهديهم وتنير لهم طريقهم؟ {أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون}.. إن سنة الله لا تتخلف؛ ومشيئة الله لا تتوقف. فما الذي يؤمنهم أن يأخذهم الله بذنوبهم كما أخذ من قبلهم؟ وأن يطبع على قلوبهم فلا يهتدوا بعد ذلك، بل لا يستمعوا إلى دلائل الهدى، ثم ينالهم جزاء الضلال في الدنيا والآخرة.. ألا إن مصارع الخالين قبلهم، ووراثتهم لهم، وسنة الله الجارية.. كل أولئك كان نذيراً لهم أن يتقوا ويحذروا؛ وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب، والاستهتار السادر، والغفلة المردية؛ وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم. عسى ألا يكون فيهم. لو كانوا يسمعون! وما يريد الله للناس بهذا التحذير في القرآن أن يعيشوا مفزعين قلقين؛ يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار. فالفزع الدائم من المجهول، والقلق الدائم من المستقبل، وتوقع الدمار في كل لحظة.. قد تشل طاقة البشر وتشتتها؛ وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج وتنمية الحياة وعمارة الأرض.. إنما يريد الله منهم اليقظة والحساسية والتقوى، ومراقبة النفس، والعظة بتجارب البشر، ورؤية محركات التاريخ الإنساني، وإدامة الاتصال بالله، وعدم الاغترار بطراءة العيش ورخاء الحياة. والله يعد الناس الأمن والطمأنينة والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة، إذا هم أرهفوا حساسيتهم به، وإذا هم أخلصوا العبودية له؛ وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الحياة. فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار الله لا في جوار النعيم المادي المغري. وإلى الثقة بقوة الله لا بقوتهم المادية الزائلة. وإلى الركون إلى ما عند الله لا إلى ما يملكون من عرض الحياة. ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين لله سلف ما كان يأمن مكر الله. وما كان يركن إلى سواه. وكان بهذا وذاك عامر القلب بالإيمان، مطمئناً بذكر الله، قوياً على الشيطان وعلى هواه، مصلحاً في الأرض بهدى الله، لا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه. وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك. لندرك أنه لا يدعو إلى القلق إنما يدعو إلى اليقظة، ولا يؤدي إلى الفزع إنما يؤدي إلى الحساسية، ولا يعطل الحياة إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان. والمنهج القرآني - مع ذلك - إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم. فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة. ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس الله، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة. وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.. والآن - وقد انتهى السياق من بيان السنة الجارية، ولمس بها الوجدان البشري تلك اللمسات الموحية - يتجه بالخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلعه على العاقبة الشاملة لابتلاء تلك القرى، وما تكشف عنه من حقائق عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان، ثم عن طبيعة البشر الغالبة كما تجلت في هذه الأقوام: {تلك القرى نقص عليك من أنبائها، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل. كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}.. فهو قصص من عند الله، ما كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - به من علم، إنما هو وحي الله وتعليمه. {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات}.. فلم تنفعهم البينات. وظلوا يكذبون بعدها، كما كذبوا قبلها. ولم يؤمنوا بما كانوا قد كذبوا به من قبل أن تأتيهم البينة عليه. فالبينات لا تؤدي بالمكذبين إلى الإيمان. وليست البينة هي ما كان ينقصهم ليؤمنوا. إنما كان ينقصهم القلب المفتوح، والحس المرهف والتوجه إلى الهدى. كان ينقصهم الفطرة الحية التي تستقبل وتنفعل وتستجيب. فلما لم يوجهوا قلوبهم إلى موحيات الهدى ودلائل الإيمان طبع الله على قلوبهم وأغلقها. فما عادت تتلقى ولا تنفعل ولا تستجيب: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين}.. ولقد تكشفت تلك التجارب عن طبيعة غالبة: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}.. والعهد الذي يشار إليه هنا قد يكون هو عهد الله على فطرة البشر، الذي ورد ذكره في أواخر السورة: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا}.. وقد يكون هو عهد الإيمان الذي أعطاه أسلافهم الذين آمنوا بالرسل. ثم انحرفت الخلائف. كما يقع في كل جاهلية. إذا تظل الأجيال تنحرف شيئاً فشيئاً حتى تخرج من عهد الإيمان، وترتد إلى الجاهلية. وإياً كان العهد فقد تبين أن أهل هذه القرى لا عهد لأكثرهم يستمسكون به، ويثبتون عليه. إنما هو الهوى المتقلب، والطبيعة التي لا تصبر على تكاليف العهد ولا تستقيم. {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}.. منحرفين عن دين الله وعهده القديم.. وهذه ثمرة التقلب، ونقض العهد، واتباع الهوى.. ومن لم يمسك نفسه على عهده مع الله، مستقيماً على طريقته، مسترشداً بهداه. فلا بد أن تتفرق به السبل، ولا بد أن ينحرف، ولا بد أن يفسق.. وكذلك كان أهل تلك القرى. وكذلك انتهى بهم المطاف..

ابن عاشور

تفسير : عطفت الواو جملة {ما أرسلنا} على جملة {أية : وإلى مدين أخاهم شعيباً} تفسير : [الأعراف: 85]، عطف الأعم على الأخص. لأن ما ذكر من القصص ابتداء من قوله تعالى: {أية : لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه}تفسير : [الأعراف: 59] كله، القصد منه العبرة بالأمم الخالية موعظة لكفّار العرب فلما تلا عليهم قصص خمس أمم جاء الآن بحكم كلي يعم سائر الأمم المكذبة على طريقة قياس التمثيل، أو قياس الاستقراء الناقص، وهو أشهر قياس يسلك في المقامات الخطابية، وهذه الجمل إلى قوله: {أية : ثم بعثنا من بعدهم موسى} تفسير : [يونس: 75] كالمعترضة بين القَصَص، للتنبيه على موقع الموعظة، وذلك هو المقصود من تلك القصص، فهو اعتراض ببيان المقصود من الكلام وهذا كثير الوقوع في اعتراض الكلام. وعُدّيَ {أرسلنا} بــــ (في) دون (إلى) لأن المراد بالقرية حقيقتها، وهي لا يرسل إليها وإنما يرسل فيها إلى أهلها، فالتقدير: وما أرسلنا في قرية من نبيء إلى أهلها إلاّ أخذنا أهلها فهو كقوله تعالى: {أية : وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً}تفسير : [القصص: 59] ولا يجري في هذا من المعنى ما يجري في قوله تعالى الآتي قريباً: {أية : وأرسل في المدائن حاشرين}تفسير : [الأعراف: 111] إذ لا داعي إليه هنا. و{منْ} مزيد للتنصيص على العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، وتخصيص القرى بإرسال الرسل فيها دون البوادي كما أشارت إليه هذه الآية وغيرها من آي القرآن، وشهد به تاريخ الأديان، ينبىء أن مراد الله تعالى من إرسال الرسل هو بث الصلاح لأصحاب الحضارة التي يتطرق إليها الخلل بسبب اجتماع الأصناف المختلفة، وإن أهل البوادي لا يخلون عن الإنحياز إلى القرى والإيواء في حاجاتهم المدنية إلى القرى القريبة، فأما مجيء نبيء غير رسول لأهل البوادي فقد جاء خالد بن سنان نبياً في بني عبس، وأما حنظلة بن صفوان نبيء أهل الرسّ فالأظهر أنه رسول لأن الله ذكر أهل الرسل في عداد الأمم المكذبة، وقد قيل: إنه ظهر بقرية الرس التي تسمى أيضاً (فتح) بالمهملة أو (فتَخ) بالمعجمة أو (فيْج) بتحتية وجيم، أو فلْج (بلام وجيم) من اليمامة. والاستثناء مفرغ من أحوال، أي ما أرسلنا نبيّاً في قرية في حال من الأحوال إلاّ في حال أنّنا أخذنا أهلها بالبأساء، وقد وقع في الكلام إيجاز حذف دل عليه قوله: {لعلهم يضرّعون} فإنه يدل على أنهم لم يضرّعُوا قبل الأخذ بالبأساء والضراء، فالتقدير: وما أرسلنا في قرية من نبيء إلاّ كذبه أهل القرية فخوفناهم لعلّهم يذلون لله ويتركون العناد الخ... والأخذ: هنا مجاز في التناول والإصابة بالمكروه الذي لا يستطاع دفعه، وهو معنى الغلبة، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخدناهم بالبأساء والضراء} تفسير : في سورة الأنعام (42). وقوله: {بالبأساء والضراء لعلهم يضرّعون} تقدم ما يُفسّرها في قوله: {أية : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلّهم يتضرعون} تفسير : في سورة الأنعام (42). ويُفسر بعضها أيضاً في قوله: {أية : والصابرين في البأساء والضراء} تفسير : في سورة البقرة (177). واستغنت جملة الحال الماضوية على الواو و(قد) بحرف الاستثناء، فلا يجتمع مع (قد) إلاَّ نادراً، أي: ابتدأناهم بالتخويف والمصائب لتَفُل من حدتهم وتصرف تأملهم إلى تطلب أسباب المصائب فيعلموا أنها من غضب الله عليهم فيتوبوا. والتبديل: التعويض، فحقه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء المفيدة معنى البدلية ويكون ذلك المفعول الثاني المدخول للباء هو المتروك، والمفعول الأول هو المأخوذ، كما في قوله تعالى: {أية : قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} تفسير : في سورة البقرة (61)، وقوله: {أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}تفسير : في سورة النساء (2)، لذلك انتصب {الحسنة} هنا لأنها المأخوذة لهم بعد السيّئة فهي المفعول الأول والسيّئة هي المتروكة، وعدل عن جر السيئة بالباء إلى لفظ يؤدي مُؤَدى باء البدلية وهو لفظ (مكان) المستعمل ظرفاً مجازاً عن الخلَفية، يقال خذ هذا مكانَ ذلك، أي: خذه خلفاً عن ذلك لأن الخلَف يحل في مكان المخلوف عنه، ومن هذا القبيل قول امرىء القيس:شعر : وبُدلْتُ قُرحاً دامياً بعد نعمة تفسير : فجعل (بعدَ) عوضاً عن باء البدلية. فقوله: {مكانَ} مَنصوب على الظرفية مجازاً، أي: بَدلناهم حسنة في مكان السيّئة، والحسنة اسم اعتبر مؤنثاً لتأويله بالحالة والحادثة وكذلك السيئة فهما في الأصل صفتان لموصوف محذوف، ثم كثر حذف الموصوف لقلة جدوى ذكره فصارت الصفتان كالاسمين، ولذلك عبر عن الحسنة في بعض الآيات بما يُتَلَمّح منه معنى وصفيّتها نحو قوله تعالى: {أية : ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتي هي أحسنُ}تفسير : [فصلت: 34] أي: ادفع السيّئة بالحسنة، فلما جاء بطريقة الموصولية والصلة بأفعل التفضيل تُلمح معنى الوصفية فيهما، وكذلك قوله تعالى: {أية : ادفع بالتي هي أحسن السيّئة}تفسير : [فصلت: 34]. ومثلهما في هذا المصيبة، كما في قوله تعالى في سورة براءة (50): {أية : إن تُصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل} تفسير : أي: بدّلناهم حالة حسنة بحالتهم السيّئة وهي حالة البأساء والضراء. فالتعريف تعريف الجنس، وهو مشعر بأنهم أعطوا حالة حسنة بطيئة النفع لا تبلغ مبلغ البركة. و{حتى} غاية لما يتضمنه {بدّلنا} من استمرار ذلك وهي ابتدائية، والجملة التي بعدها لا محل لها. و{عَفْوا} كثُروا. يقال: عفا النبات، إذا كثر ونما، وعطف {وقالوا} على {عفوا} فهو من بقية الغاية. والسّرّاء: النعمة ورَخاء العيش، وهي ضد الضراء. والمعنى أنا نأخذهم بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء وصحة عسى أن يعلموا أن سلب النعمة عنهم أمارة على غضب الله عليهم من جرّاء تكذيبهم رسولهم فلا يهتدون، ثم نردهم إلى حالتهم الأولى إمهالاً لهم واستدراجاً فيزدادون ضلالاً، فإذا رأوا ذلك تعللوا لما أصابهم من البؤس والضر بأن ذلك التغيير إنما هو عارض من عوارض الزمان وأنه قد أصاب أسلافهم من قبلهم ولم يَجئهم رسُل. وهذه عادة الله تعالى في تنبيه عباده، فإنه يحب منهم التوسم في الأشياء والاستدلال بالعقل والنظر بالمسببات على الأسباب، كما قال تعالى: {أية : أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون}تفسير : [التوبة: 126] لأن الله لما وهب الإنسان العقل فقد أحب منه أن يستعمله فيما يبلغ به الكمال ويقيه الضلال. وظاهر الآية: أن هذا القول صادر بألسنتهم وهو يكون دائراً فيما بين بعضهم وبعض في مجادلتهم لرسُلهم حينما يعظونهم بما حلّ بهم ويدْعونهم إلى التوبة والإيمان ليكشف عنهم الضر. ويجوز أن يكون هذا القول أيضاً: يجيش في نفوسهم ليدفعوا بذلك ما يخطر ببالهم من توقع أن يكون ذلك الضر عقاباً من الله تعالى، وإذ قد كان محكياً عن أمم كثيرة كانت له أحوال متعددة بتعدد ميادين النفوس والأحوال. وحاصل ما دفعوا به دلالة الضراء على غضب الله أن مثل ذلك قد حل بآبائهم الذين لم يدْعُهم رسول إلى توحيد الله، وهذا من خطأ القياس وفساد الاستدلال، وذلك بحصر الشيء ذي الأسباب المتعددة في سبب واحد، والغفلة عن كون الأسباب يخلف بعضها بعضاً، مع الغفلة عن الفارق في قياس حالهم على حال آبائهم بأن آباءهم لم يأتهم رسُل من الله، وأما أقوام الرسل فإن الرسل تحذرهم الغضب والبأساء والضراء فتحيق بهم، أفلا يَدلُهم ذلك على أن ما حصل لهم هو من غضب الله عليهم، على أن غضب الله ليس منحصر الترتب على معصية الرسول بل يكون أيضاً عن الانغماس في الضلال المبين، مع وضوح أدلة الهدى للعقول، فإن الإشراك ضلال، وأدلة التوحيد واضحة للعقول، فإذا تأيدت الدلالة بإرسال الرسل المنذرين قويت الضلالة باستمرارها، وانقطاع أعذارها، ومثل هذا الخطأ يعرض للناس بداعي الهوى وإلف حال الضلال. والفَاء في قوله: {فأخذناهم} للتعقيب عن قوله: {عَفَوْا}، و{قالوا}، باعتبار كونهما غاية لإبدال الحسنة مكان السيئة، ولا إشعار فيه بأن قولهم ذلك هو سبب أخذهم بغتة ولكنه دل على إصرارهم، أي: فحصل أخذنا إياهم عقب تحسن حالهم وبَطرهم النعمة. والتعقيب عرفي فيصدق بالمدة التي لا تعد طولاً في العادة لحصول مثل هذه الحوادث العظيمة. والأخذ هنا بمعنى الإهلاك كما في قوله تعالى: {أية : أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون} تفسير : في سورة الأنعام (44). والبغتة: الفجْأة، وتقدمت عند قوله تعالى: {أية : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} تفسير : [الأنعام: 31]، وفي قوله: {أية : حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة} تفسير : في سورة الأنعام (44)، وتقدم هنالك وجه نصبها. وجملة: {وهم لا يشعرون} حال مؤكدة لمعنى {بغتة}.

الواحدي

تفسير : {وما أرسلنا من قرية} في مدينةٍ {من نبي} فكذَّبه أهلها {إلاَّ أخذنا} هم {بالبأساء والضراء} بالفقر والجوع {لعلهم يضَّرَّعون} كي يستكينوا ويرجعوا. {ثمَّ بدلنا مكان السيئة الحسنة} بدل البؤسِ والمرضِ الغنى والصحَّة {حتى عفوا} كثروا وسمنوا، وسمنت أموالهم {وقالوا} من غِرَّتهم وجهلهم: {قد مسَّ آباءنا الضراء والسراء} قد أصاب آباءنا في الدَّهر مثل ما أصابنا، وتلك عادة الدَّهر، ولم يكن ما مسَّنا عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه، فلمَّا فسدوا على الأمرين جميعاً أخذهم الله بغتة {وهم لا يشعرون} بنزول العذاب، وهذا تخويفٌ لمشركي قريش. {ولو أنَّ أهل القرى آمنوا} وحَّدوا الله {واتقوا} الشِّرك {لفتحنا عليهم بركات من السماء} بالمطر {و} من {الأرض} بالنَّبات والثِّمار {ولكن كذبوا} الرُّسل {فأخذناهم} بالجدوبة والقحط {بما كانوا يكسبون} من الكفر والمعصية. {أفأمن أهل القرى} يعني: أهل مكَّة وما حولها، ومعنى هذه الآية وما بعدها: أنَّه لا يجوز لهم أن يأمنوا ليلاً ولا نهاراً بعد تكذيب محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وقوله: {وهم يلعبون} أَيْ: وهم في غير ما يُجدي عليهم. {أفأمنوا مكر الله} عذاب الله أن يأتيهم بغتةً. {أَوَلَمْ يهد} يتبيَّن {للذين يرثون الأرض من بعد أهلها} كفار مكَّة ومَنْ حولهم {أن لو نشاء أصبناهم} عذَّبناهم {بذنوبهم} ثمَّ {نطبع على قلوبهم} حتى يموتوا على الكفر، فيدخلوا النَّار، والمعنى: ألم يعلموا أنَّا لو نشاء فعلنا ذلك. {تلك القرى} التي أهلكتُ أهلها {نقص عليك من أنبائها} نتلو عليك من أخبارها، كيف أُهلكت {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} يعني: الذين أُرسلوا إليهم {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} فما كان أولئك الكفَّار ليؤمنوا عند إرسال الرُّسل بما كذَّبوا يوم أخذ ميثاقهم، فأقرُّوا بلسانهم وأضمروا التَّكذيب {كذلك} أَيْ: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفَّار الأمم {يطبع الله على قلوب الكافرين} الذين كتب عليهم ألاَّ يؤمنوا أبداً. {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} يعني: الوفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق. {ثم بعثنا من بعدهم} الأنبياء الذين جرى ذكرهم {موسى بآياتنا إلى فرعون ومَلَئِهِ فظلموا بها} فجحدوا بها وكذَّبوا {فانظر} بعين قلبك {كيف كان} عاقبتهم، وكيف فعلنا بهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: في قرية: القرية: المدينة الجامعة لأعيان البلاد ورؤسائها وهي المدينة. بالبأساء: بالشدة كالقحط والجوع والحروب. والضراء: الحالة المضرة كالأمراض والغلاء وشدة المؤونة. يضرعون: يدعون الله تعالى ويتضرعون إليه ليكشف عنهم السوء. مكان السيئة الحسنة: أي بدل الغلاء الرخاء، وبدل الخوف الأمن، وبدل المرض الصحة. حتى عفوا: كثرت خيراتهم ونمت أموالهم، وأصبحت حالهم كلها حسنة. أخذناهم بغتة: أنزلنا بهم العقوبة فجأة. معنى الآيتين: على إثر بيان قصص خمسة أنبياء ذكر تعالى سنته في الأمم السابقة ليكون ذلك عظة لكفار قريش، وذكرى للمؤمنين فقال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ} أي في أهل قرية والمراد بالقرية الحاضرة والعاصمة من كبريات المدن حيث الكبراء والرؤساء من نبي من الأنبياء والمرسلين فكذبوه قومه وردوا دعوته مصرين على الشرك والضلال إلا أخذ الله تعالى أهل تلك المدينة بألوان من العذاب التأديبي كالقحط والجوع وشظف العيش، والأمراض والحروب المعبر عنه بالبأساء والضراء. رجاء أن يرجعوا إلى الحق بعد النفور منه، وقبوله بعد الإِعراض عنه ثم يغير تعالى ما بهم من بأساء وضراء إلى يسر ورخاء، وعافية وهناء فتكثر أموالهم وأولادهم ويعظهم سلطانهم، ويقولون عندما يوعظون ويذكرون ليتوبوا فيؤمنوا ويتقوا: {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} أي الخير والشر وما هناك ما تخوفوننا به إنما هي الأيام هكذا دول يوم عسر وآخر يسر وبذلك يحق عليهم العذاب فيأخذهم الجبار عز وجل فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} فيتم هلاكهم ويمسون حديث عبرة لمن بعدهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة وعذاب الآخرة أشد وأبقى. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان سنة الله تعالى في الأمم السابقة. 2- تخويف كفار قريش بما دلت عليه هذه السنة من أخذ الله تعالى المصرين على الكفر المتمردين على الحق. 3- التذكير والوعظ بتاريخ الأمم السابقة المنبىء عن أسباب هلاكهم وخسرانهم ليتجنبها العقلاء، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [يوسف: 111].

القطان

تفسير : القرية: المدينة. البأساء: الشدة والمشقة كالحرب والجذب وشدة الفقر. الضراء: ما يضر الانسان في بدنه او نفسه. التضرع: اظهار الخضوع والضعف. عَفَواْ: كثروا ونموا. بغتة: فجأة. اشار الله تعالى هنا الى سُنته في الأمم التي تكذّب رسلَها، فهو يُنزل بها البؤسَ وشظَف العيش وسوء الحال في دنياهم ليتضرّعوا الى ربهم ويُنيبوا إليه بالتوبة. ثم ذكرَ أنه بدّل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكروا، لكنهم لم يفعلوا، فاخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدر. وما بعثنا نبيّاً من الأنبياء في مدينةٍ من المدن، يدعو أهلَها الى الدين القويم، ثم أعرضوا عن قبول تلك الدعوة - إلا أصبناهم بالفقر والمرض، كي يتذللوا ويخضعوا ويبتهلوا إلى الله راجين كشفَ ما نزل بهم. ثم إنهم لمّا لمْ يفعلوا ذلك، بل تابعوا كفرهم وعنادهم، امتحنهم الله بالعافية مكان البلاء، فوهبهم رخاءً وسعة وصحةً وعافية، حتى كثُروا ونَموا في أموالهم وأنفسهم، وقالوا جهلاً منهم: إن ما أصاب آباءنا من المحَن والبلايا كان شأنَ الدهر، يداول الضرّاءَ والسّراءَ بين الناس. لم ينتبهوا أنَّ ذلك كان جزاءَ كفرهم فيرتدعوا، فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم اللهُ بالعذاب المدمّر فجأة وهم غافلون عما سيحلُّ بهم. فلنعتبر نحن المسلمين، فإننا قد تركنا ديننا والعمل به، وأهملنا قرآننا وتعاليمه فسلّط الله علينا شرّ خلقه وأخسَّ الناس، يسلبوننا مقدّساتِنا وأرضينا، ويُذلّوننا شرَّ إذلال. كل هذا ونحن لا ينقصُنا المال ولا الرجال، ولكن ينقصُنا الإيمان بالله والحزم والثقة بأنفسنا، وهدايةُ الحكّام فينا كي يبتعدوا عمّا هم فيه من انصراف عن الله وتناحر بينهم وفرقة.

د. أسعد حومد

تفسير : (94) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ نَبِيّاً إِلَى قَوْمٍ لِيَدْعُوَهُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ أَعْرَضُوا عَنْ قُبُولِ مَا يَدْعُوهُمْ إِليهِ نَبِيُّهُمْ، إِلاَّ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِإِصَابَتِهِمْ بِأَبْدَانِهِمْ بِالأَمْرَاضِ وَالأَسْقَامِ، وَبِإِنْزَالِ الفَقْرِ وَالحَاجَةِ بِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا إِليهِ تَعَالَى لِيَكْشِفَ عَنْهُمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ ضَرّاء وَبَأْسَاء. البَأْسَاءُ - الفَقْرُ وَالبُؤْسُ. الضَّرَّاءِ - السُّقْمِ وَالمَرَضِ وَالأَلَمِ. يَضَّرَّعُونَ - يَتَذَلَّلُونَ وَيَخْضَعُونَ.

الثعلبي

تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} فيه اضمار واختصار يعني فكذبّوه {إِلاَّ أَخَذْنَا} عاقبنا {أَهْلَهَا} حين لم يُؤمنوا {بِٱلْبَأْسَآءِ} يعني بالبؤس الشدّة وضيق العيش {وَٱلضَّرَّآءِ} تعني أضر وهو الحال. وقيل: المرض والزمناء قال: السدي البأساء يعني الفقر والجوع {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} لكي يتضرعوا [فينيبوا] ويتوبوا {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ} وهي البأساء والجواب والجوع {ٱلْحَسَنَةَ} يعني النعمة والسعة والرخاء والخصب {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} أي كثروا وأثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، قال ابن عباس: (عفوا) يعني [جهدوا]، وقال ابن زيد: يعني كثروا كما يكثر النبات والريش. قال قتادة: (حتّى عفوا): سروا بذلك، وقال مقاتل بن حيان: (عفوا) حتى كثروا وتركوا ولم يستكثروا وأصله من الكثرة. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى ". تفسير : وقال الشاعر: شعر : يقول من بعد أُولاك أولات أتوا زماناً ليس عندهم بعيد تفسير : وقال آخر: شعر : ولكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم تفسير : {وَّقَالُواْ} من جهلهم وغفلتهم { قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} فنحن مثلنا فقال الله تعالى {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [فجأة عِبرة لمن بعدهم]. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بنزول العذاب {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ} يعني وحدوا الله وأطاعوه {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} يعني المطر {وَٱلأَرْضِ} يعني النبات، وأصل البركة المواضبة على الشيء تقول: برك فلان على فلان إذا [أجابه، وبركات الأرض أي] تابعنا عليهم بالمطر والنبات والخصب ورفعنا الحرث والقحط {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ} فجعلنا لهم العقوبات {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الكفر والمعصية والأعمال الخبيثة. {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} الذين كفروا وكذّبوا {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ} آمنون. {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} نهاراً {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} لاهون. {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} ومعني (مكر) استدراج القوم بما أراهم في دنياهم. قال قتادة: مكر الله استدراجه بطول الصحة وتظاهر النعم، وقال عطيّة: يعني أخذه وعذابه، وحكى [الشبلي] أنه سئل عن مكر الله فأجاب بقول: شعر : محبتك لا ببعضي بل بكلي وإن لم يبقَ حبك لي حراكاً ومقبح من موالد ليفع ل سنتي ويفعله فيحسن تفسير : فقال السائل: اسأله عن آية من كتاب الله ويجيبني من الشعر فعلم الشبلي أنه لم يفطن لما قال، فقال: يا هذا [....] إياهم على ما هم فيه. {أَوَلَمْ يَهْدِ} قرأ أبو عبد الرحمن وقتادة ويعقوب في رواية زيد (نهد) بالنون على التعظيم والباقون بالياء على [التفريد] {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ} يستخلفون في {ٱلأَرْضَ} بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا بسيرتهم [....] ربّهم {أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ} أهلكناهم {بِذُنُوبِهِمْ} بما أهلكنا من قبلهم {وَنَطْبَعُ} نختم {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} الهدى ولا يقبلون الموعظة {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} هذه القرى التي ذكرت لك وأهلكناهم وهي قرى نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} نخبرك أخبارها {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} [بالآيات والعلامات والدلالات] {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} اختلف في تأويله. قال أُبي بن كعب: معناه فما كانوا ليؤمنوا عند مجئ الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يكذّبون به يوم أقرّوا له بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم. وقال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حتّى أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهاً وأقروا باللسان وأظهروا التكذيب. وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ورددناهم إلى الدنيا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم كقوله {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28] وقال يمان بن رئاب: هذا معنى أنّ كلّ نبي أخذ قومه بالعذاب ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأُمم الكفار بل كذّبوا كما كذب نظير قوله {أية : كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} تفسير : [الذاريات: 52-53]. وقيل: معناه: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعني بالمعجزات والعجائب التي سألوهم فما كانوا ليؤمنوا بعد ما رأوا الآيات والعجائب بما كذبوا به من قبل رؤيتهم تلك العجائب نظيره قوله {أية : قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 102] {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59]. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ} الذين كتب عليهم أن لا يؤمنون من قومك {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} يعني وفاء بالعهد، والعهد الوصية {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} أي ما وجدنا أكثرهم إلاّ فاسقين ناقضين العهد.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعرفنا من قبل أن القرية هي البلد الجامع لكل مصالح سكانها في دنياهم. والمقصود هنا أن القرية التي يرسل إليها الحق رسولاً ثم تُكَذِّب فسبحانه يأخذ أهلها بالبأساء والضراء. والبأساء هي المصيبة تصيب الإنسان في أمر خارج عن ذاته؛ من مال يضيع، أو تجارة تبور وتهلك، أو بيت يهدم، والضراء هي المصيبة التي تصيب الإنسان في ذاته ونفسه كالمرض، ويصيبهم الحق بالبأساء والضراء لأنهم نسوا الله في الرخاء فأصابهم بالبأساء والضراء لعلهم يرجعون إلى ربهم ويتعرفون إليه، ليكون معهم في السراء والضراء. والحق يقول: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ...} تفسير : [يونس: 12] وكان من الواجب على الإنسان أنه ساعة ما تمسه الضراء أن يتجه إلى خالقه، ولقد جعل الله الضراء وسيلة تنبيه يتذكر بها الإنسان أن له ربا، وفي هذه اللحظة يجيب الحق الإنسان المضطر، ويغيثه مصداقاً لقوله الحق: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النمل: 62] وإذا صنع الله مع المضطر هذا فقد يثوب إلى رشده ويقول: إن الإله الذي لم أجد لي مفزعاً إلا هو، لا يصح أن أنساه وكأن الحق سبحانه وتعالى يذكرنا بطلاقة قدرته حين يقول: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ...} تفسير : [الأنعام: 43] وكأنه سبحانه يطلب منا حين تجيء البأساء أن نفزع إليه ولا نعتقد أننا نعيش الحياة وحدنا، بل نعيش في الحياة بالأسباب المخلوقة لله وبالمسبب وهو الله، فالذي عزت عليه الأسباب وأتعبته يروح للمسبب، ولذلك يأخذ سبحانه أية قرية لا تصدق الرسل بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون وذلك رحمة بهم. ويقول: {أية : وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ...} تفسير : [الأنعام: 43] فهل يتركهم الله في السراء والضراء دائماً؟ لا، فهو سبحانه يجيئهم ويبتليهم بالبأساء والضراء ليلفتهم إليه، فإذا لم يلتفتوا إلى الله، فسبحانه يبدل مكان السيئة الحسنة، لذلك يقول: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ...}

الصابوني

تفسير : المنَاسََبََة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء (نوح، هود، صالح، لوط، شعيب) وما حلّ بأقوامهم من العذاب والنكال حين لم تُُجْد فيهم الموعظة، ذكر تعالى هنا سنته الإِلهية في الانتقام ممن كذّب أنبياءه وذلك بالتدرج معهم بالبأساء والضراء، ثم بالنعمة والرخاء، ثم بالبطش بهم إن لم يؤمنوا ثم أعقب ذلك بقصة موسى مع الطاغية فرعون وفيها كثير من العبر والعظات. اللغَة: {ٱلْبَأْسَآءِ} شدة الفقر {ٱلضَّرَّآءِ} الضرُّ والمرض {عَفَوْاْ} كثروا ونموا {بَغْتَةً} فجأة {مَلَئِهِ} أشراف قومه {أَرْجِهْ} أخّرْ {صَاغِرِينَ} أذلاء {تَلْقَفُ} تبتلع وتلتقم {يَأْفِكُونَ} الإِفك: الكذب {أَفْرِغْ} الإِفراغ: الصبُّ أي اصببه علينا. التفسِير: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} في الكلام حذفٌ أي وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه أهلها {إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} أي عاقبناهم بالبؤس والفقر، والمرض وسوء الحال {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} أي كي يتضرعوا ويخضعوا ويتوبوا من ذنوبهم {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} أي ثم أبدلناهم بالفقر والمرض، الغنى والصحة {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} أي حتى كثروا ونموا {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} أي أبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا كفراناً لها: هذه عادة الدهر وقد مسّ آباءنا مثل ذلك من المصائب ومن الرخاء وليست بعقوبة من الله فلنبق على ديننا، والغرضُ أن الله ابتلاهم بالسيئة لينيبوا إليه فما فعلوا، ثم بالحسنة ليشكروا فما فعلوا، فلم يبق إلا أن يأخذهم بالعذاب ولهذا قال تعالى {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي أخذناهم بالهلاك والعذاب فجأةً من حيث لا يدرون {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ} أي ولو أن أهل تلك القرى الذين كَذَّبوا وأُهلكوا آمنوا بالله ورسله واتقوا الكفر والمعاصي {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي لوسّعنا عليهم الخير من كل جانب وقيل: بركاتُ السماء المطرُ، وبركات الأرض الثمارُ، قال السدي: فتحنا عليهم أبواب السماء والأرض بالرزق {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي ولكنْ كذّبوا الرسل فعاقبناهم بالهلاك بسوء كسبهم {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ} الهمزة للإِنكار أي هل أمن هؤلاء المكذبون أن يأتيهم عذابنا ليلاً وهم نائمون غافلون عنه؟ {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}؟ أم هل أمنوا أن يأتيهم عذابنا ونكالنا نهاراً جهاراً وهم يلهون ويشتغلون بما لا يُجدي كأنهم يلعبون؟ {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي أفأمنوا استدراجه إياهم بالنعمة حتى يهلكوا في غفلتهم؟ فإنه لا يأمن ذلك إلا القوم الذين خسروا عقولهم وإنسانيتهم فصاروا أخسَّ من البهائم قال الحسن البصري: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفقٌ خائفٌ وجلٌ، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو مطمئن آمن {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ} أي أولم يتضح ويتبيّن للذين يخلفون الأرض بعد هلاك أهلها الذين كانوا يعمرونها قبلهم، والمراد بها كفار مكة ومن حولهم {أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي لو أردنا لأهلكناهم بسبب ذنوبهم كما أهلكنا من قبلهم قال في البحر: أي قد علمتم ما حلّ بهم أفما تحذرون أن يحل بكم ما حلّ بهم فذلك ليس بممتنع علينا لو شئنا {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي ونختم على قلوبهم فلا يقبلون موعظةً ولا تذكيراً سماع منتفع بهما {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} أي تلك القرى المذكورة نقصُّ عليك يا محمد بعض أخبارها وما حصل لأهلها من الخسف والرجفة والرجم بالحجارة ليعتبر بذلك من يسمع وما حدث أهولُ وأفظع {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي جاءتهم بالمعجزات والحجج القاطعات {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} أي ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل لتكذيبهم إياهم قبل مجيئهم بالمعجزات وبعد مجيئهم بها فحالهم واحد في العتو والضلال قال الزمخشري: أي استمروا على التكذيب من لدنْ مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرّين لا يرعوون مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ} أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم نطبع على قلوب الكافرين فلا يكاد يؤثر فيهم النُّذر والآيات، وفيه تحذير للسامعين {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} أي ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء للعهد بل وجدناهم خارجين عن الطاعة والامتثال قال ابن كثير: والعهد الذي أخذه هو ما فطرهم عليه وأخذه عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم فخالفوه وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} أي ثم بعثنا من بعد الرسل المتقدم ذكرهم موسى بن عمران بالمعجزات الباهرات والحجج الساطعات {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي أرسلناه إلى فرعون - ملك مصر في زمن موسى - وقومه {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي كفروا وجحدوا بها ظلماً وعناداً {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي انظر أيها السامع ما آل إليه أمر المفسدين الظالمين كيف أغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغُ في النكال لأعداء الله، وأشفى لقلوب أولياء الله {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي إني رسولٌ إليك من الخالق العظيم رب كل شيء وخالقه ومليكه {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} أي جديرٌ بي وحقٌ عليَّ أن لا أخبر عن الله إلا بما هو حقٌ وصدق لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي جئتكم بحجة قاطعة من الله تشهد على صدقي فخلِّ واترك سبيل بني إسرائيل حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطنُ آبائهم قال أبو حيان: ولما كان فرعون قد ادعى الربوبية فاتحه موسى بقوله {إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} لينبهه على الوصف الذي ادعاه وأنه فيه مبطلٌ لا محقٌ، ولما كان قوله {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} أردفها بما يدل على صحتها وهو قوله {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} ولما قرّر رسالته فرَّع عليها تبليغ الحكم وهو قوله {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي قال فرعون لموسى: إن كنت جئت بآية من ربك كما تدّعي فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك، قال ذلك على سبيل التعجيز لموسى {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي فإذا بها حية ضخمة طويلة قال ابن عباس: تحولت إلى حية عظيمة فاغرة فاها مسرعةً نحو فرعون و {مُّبِينٌ} أي ظاهر لا متخيَّل {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} أي أخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً عجيباً يغلب نورها نور الشمس قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} أي قال الأشراف منهم وهم أصحاب مشورته إن هذا عالمٌ بالسحر ماهرٌ فيه، وقولهم {عَلِيمٌ} أي بالغٌ الغاية في علم السحر وخدعه وفنونه {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} أي يخرجكم من أرض مصر بسحره {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي بأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره؟ وبأي شيء تشيرون فيه؟ قال القرطبي: قال فرعون: فماذا تأمرون وقيل: هو من قول الملأ أي قالوا لفرعون وحده {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} كما يُخاطب الجبارون والرؤساء: ما ترون في كذا، {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} أي أخِّر أمرهما حتى ترى رأيك فيهما وأرسلْ في أنحاء البلاد من يجمع لك السحرة {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} أي يأتوك بكل ساحرٍ مثله ماهر في السحر، وكان رؤساء السحرة بأقصى صعيد مصر {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ} في الكلام محذوفٌ يدل عليه السياق وهو أنه بعث إلى السحرة وطلب أن يُجمعوا له فلما جاءوا فرعون قالوا: إنَّ لنا لأجراً عظيماً إن نحن غلبنا موسى وهزمناه وأبطلنا سحره؟ {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي قال فرعون: نعم لكم الأجر وأزيدكم على ذلك بأن أجعلكم من المقربين أي من أعزّ خاصتي وأهل مشورتي قال القرطبي: زادهم على ما طلبوا {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} أي قال السحرة لموسى: اختر إمّا أن تُلقي عصاك أو نلقي نحن عصيّنا قال الزمخشري: تخييرهم إيّاه أدبٌ حسن كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يخوضوا في الجدال هذا ما قاله الزمخشري، والأظهر أنهم قالوا ذلك من باب الاعتزاز بالنفس وتوهم الغلبة وعدم الاكتراث بأمر موسى كما يقول المعتد بنفسه: أبدأ أو تبدأ {قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} أي قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا العصيّ والحبال سحروا أعين الناس أي خيلوا إليهم ما لا حقيقة له كما قال تعالى {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66] {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} أي أفزعوهم وأرهبوهم إرهاباً شديداً حيث خيلوها حياتٍ تسعى وجاءوا بسحر عظيم يهابه من رآه قال ابن اسحاق: صُفَّ خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحرٍ حبالُه وعصيُّه وفرعون في مجلسه مع أشراف مملكته فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى رجل منهم ما في يده من العصيّ والحبال فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} أي أوحينا إليه بأن ألق عصاك فألقاها فإِذا هي تبتلع بسرعة ما يزوّرونه من الكذب قال ابن عباس {تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} لا تمر بشيء من حبالهم وخشبهم التي ألقوها إلا التقمته {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ثبت وظهر الحق لمن شهده وحضره، وبطل إفك السحر وكذبه ومخايله {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ} أي غُلب فرعونُ وقومهُ في ذلك المجمع العظيم وصاروا ذليلين {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} أي خرّوا ساجدين معلنين إيمانهم بربّ العالمين لأن الحق بهرهم قال قتادة: كانوا أول النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} أي قال فرعون الجبار للسحرة آمنتم بموسى قبل أن تستأذنوني؟ والمقصود بالجملة التوبيخ {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} أي صنيعكم هذا حيلةٌ احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد لتخرجوا منها القبط وتسكنوا بني اسرائيل، قال هذا تمويهاً على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإِيمان {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي فسوف تعلمون ما يحلُّ بكم، وهذا وعيد وتهديد ساقه بطريق الإِجمال للتهويل ثم عقّبه بالتفصيل فقال {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} أي لأقطعنَّ من كل واحد منكم يده ورجله من خلاف قال الطبري: ومعنى {مِّنْ خِلاَفٍ} هو أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى فيخالف بين العضوين في القطع {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} أي ثم أصلبكم جميعاً تنكيلاً لكم ولأمثالكم، والصلب التعليق على الخشب حتى الموت {قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} إنّا راجعون إلى الله بالموت لا محالة فلا نخاف مما تتوعدنا به ولا نبالي بالموت وحبذا الموت في سبيل الله {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا} أي ما تكره منا ولا تعيب علينا إلا إيماننا بالله وآياته!! كقوله {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج: 8] قال الزمخشري: أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإِيمان {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} أي أفضْ علينا صبراً يغمرنا عند تعذيب فرعون إيانا وتوفنا على ملة الإِسلام غير مفتونين {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} أي قال الأشراف لفرعون: أتترك موسى وجماعته ليفسدوا في الأرض بالخروج عن دينك وترك عبادة آلهتك!! وفي هذا إغراءٌ لفرعون بموسى وقومه وتحريضٌ له على قتلهم وتعذيبهم {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} أي قال فرعون مجيباً لهم: سنقتل أبناءهم الذكور ونستبقي نساءهم للاستخدام كما كنا نفعل بهم ذلك وإنّا عالون فوقهم بالقهر والسلطان {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ} أي قال موسى لقومه تسليةً لهم حين تضجروا مما سمعوا: استعينوا بالله على فرعون وقومه فيما ينالكم من أذاهم واصبروا على حكم الله {إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي الأرض كلها لله يعطيها من أراد من عباده، أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي النتيجة المحمودة لمن اتقى الله {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} أي أوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعدما جئتنا بها يعنون أن المحنة لم تفارقهم فهم في العذاب والبلاء قبل بعثة موسى وبعد بعثته {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي لعل ربكم أن يهلك فرعون وقومه ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم وينظر كيف تعملون بعد استخلافكم من الإِصلاح والإِفساد، والغرضُ تحريضهم على طاعة الله، وقد حقق الله رجاء موسى فأغرق فرعون وملّك بن إسرائيل أرض مصر قال في البحر: سلك موسى طريق الأدب مع الله وساق الكلام مساق الرجاء. البَلاَغَة: 1- {بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} بين لفظ الحسنة والسيئة طباقٌ وكذلك بين لفظ {ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ}. 2- {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} شبّه تيسير البركات عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول فهو من باب الاستعارة أي وسعنا عليهم الخير من جميع الأطراف. 3- {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} تكررت الجملة والغرض منها الإِنذار ويسمى هذا في علم البلاغة الإِطناب ومثلها {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ} قال ابو السعود: تكريرٌ للنكير لزيادة التقرير، ومكرُ الله استعارةٌ لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب. 4- {وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أكد الجملة بإن واللام لإِزالة الشك من نفوس السحرة ويسمى هذا النوع من أضرب الخبر إنكارياً. 5- {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ} فيه استعارة استعير الوقع للثبوت والحصول والله أعلم. تنبيه: لما عجز فرعون عن دفع الحجة بالبرهان عدل إلى البطش والفتك بالسنان، وهكذا حال كل ضال مبتدع إذا أعيته الحجة مال إلى التهديد والوعيد.

الأندلسي

تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} الآية لما ذكر تعالى ما حل بالأمم السالفة من بأسه وسطوته عليهم آخر أمرهم حين لا تجدي فيهم موعظة ذكر تعالى أن تلك عادته في اتباع الأنبياء إذا أصروا على تكذيبهم. وجاء بعد إلاّ فعل ماضي وهو أخذنا، ولا يليها فعل ماض إلا أن تقدم فعل أو أُصحب بقد فمثال ما تقدمه فعل هذه الآية ومثال ما أصحب قد، قولك: ما نريد إلا قد قام. قال الشاعر: شعر : متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها تفسير : والجملة من قوله: أخذنا، حالية أي الآخذين أهلها، وهو استثناء مفرّغ من الأحوال. وتقدم تفسير نظير قوله: إلا أخذنا إلى آخرها. {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} أي مكان الحالة السيئة من البأساء والضراء الحالة الحسنة من السراء والنعمة. ومكان هو محل الباء أي بمكان السيئة. وفي لفظ مكان اشعار يتمكن البأساء منهم كأنه صار عندهم للشدة مكان. {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} أي كثروا وتناسلوا. {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} أبطرتهم النعمة وأسروا فقالوا هذه عادة الدهر ضراء وسراء. وقد أصاب آباءنا مثل ذلك وليس ذلك بابتلاء وقصد، بل ذلك بالاتفاق لا على ما تخبر الأنبياء جعلوا أسلافهم وما أصابهم مثلاً لهم ولما يصيبهم فلا ينبغي أن تنكر هذه العادة من أفعال الدهر. {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} تقدم الكلام على مثل هذا لما فسدوا على التقديرين أخذوا هذا الأخذ. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ} الآية، أي لو كانوا ممن سبق في علم الله تعالى أن يتلبسوا بالإِيمان بما جاءت به الأنبياء وبالطاعات التي هي ثمرة الإِيمان لتيسر لهم من بركات السماء ولكن كانوا ممن سبق في علمه أنهم يكذبون الأنبياء فيؤخذون باجترامهم وكل من الإِيمان والتكذيب والثواب والعقاب سيق به القدر. وأضيف الإِيمان والتكذيب إلى العبد كسباً، والموجد لهما هو الله تعالى، لا يسأل عما يفعل. والظاهر أن قوله: بركات من السماء والأرض، لا يراد بها معين، ولذلك جاءت نكرة. وقيل: بركات السماء: المطر، وبركات الأرض: الثمار. {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} الهمزة دخلت على أمِنَ للاستفهام على جهة التوقيف والتوبيخ والإِنكار والوعيد للكافرين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك. والفاء لعطف هذه الجملة على ما قبلها. قال الزمخشري: فإِن قلت: ما المعطوف عليه ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلت: المعطوف عليه قوله: فأخذناهم بغتة. وقوله: ولو أن أهل القرى، إلى قوله: يكسبون. وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه وإنما عطفت بالفاء لأن المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى. "انتهى". وهذا الذي ذكره الزمخشري من أن حرف العطف الذي بعد همزة الاستفهام هو عاطف ما بعدها على ما قبل الهمزة من الجمل رجوع عن مذهبه إلى مذهب الجماعة في ذلك. وتخريج لهذه الآية على خلاف ما قرر هو من مذهبه في غير آية أنه يقدر محذوف بين الهمزة وحرف العطف يصح بتقديره عطف ما بعد الحرف عليه، وان الهمزة وحرف العطف واقعان في موضعهما من غير اعتبار تقديم حرف العطف على الهمزة في التقدير وأنه قدم الاستفهام اعتناء لأن له صدر الكلام. {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} الآية أي في حال الغفلة والإِعراض والاشتغال بما لا يجدي كأنهم يلعبون وضحى منصوب على الظرف أي ضحوة ويقيد كل ظرف بما يناسبه من الحال فيقيد البيات بالنوم وتقيدت الضحى باللعب وجاء نائمون باسم الفاعل لأنها حالة ثبوت واستقرار للبائتين وجاء يلعبون بالمضارع لأنهم مشتغلون بأفعال متجددة شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت. {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} جاء العطف بالفاء وإسناد الفعل إلى الضمير لأن الجملة المعطوفة تكرير لقوله: أفأمن أهل القرى، أو أمن تأكيد لمضمون ذلك فناسب إعادة الجملة مصحوبة بالفاء ومكر الله مصدر أضيف إلى الفاعل وهو استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر وكرر المكر مضافاً إلى الله تعالى تحقيقاً لوقوع جزاء المكر بهم.

الجيلاني

تفسير : ثم لما ذكر سبحانه من أحوال الأمم الماضية الهالكة وقبح صنيعهم مع الله وتكذيبهم كتبه ورسله، سجل عليهم بأن ما لحقهم إنما هو من يسوء صنيعهم وشؤم نفوسهم، فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ} من القرى الهالكة {مِّن نَّبِيٍّ} من الأنبياء {إِلاَّ أَخَذْنَا} أولاً {أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} إزالة لقساوتهم وتلييناً لقلوبهم {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف: 94] رجاء أن يتضرعوا إلينا ويتوجهوا نحونا. {ثُمَّ} بعدما ضيقنا عليهم كشفنا عنهم بأن {بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ} المضرة المؤلمة {ٱلْحَسَنَةَ} النافعة المسرة {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} إلى أن كثروا وتكاثروا عَداداً وعدُداً {وَّقَالُواْ} بعدما صاروا مترفهين في سعة ورخاء مكان شكر وإظهار المنة منَّا: {قَدْ مَسَّ} ولحق {آبَاءَنَا} كما لحقنا {ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} ومن عادة الزمان وديدنة الدهر تعاقب السراء بالضراء والجدب بالرخاء، ومتى ظهر منهم كفكران النعم وعدم الرجوع إلينا بالشكر {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} فجأة بلا سبق مقدمة وتقديم أمارة {وَهُمْ} حينئذ من غاية عمههم وسكرتهم {لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 95] نزول العذاب والنكال. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} الهالكة العاصية {ءَامَنُواْ} بالله وبأنبيائه المبعوثين إليهم {وَٱتَّقَواْ} عن محارم الله بمقتضى أوامره التي جاءت الأنبياء به {لَفَتَحْنَا} ووسعنا {عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ} نازلة {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَ} نابتة من {ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن} ومن خبث طينتهم ورداءة فطرتهم {كَذَّبُواْ} بالله وبأنبيائه وكتبه {فَأَخَذْنَٰهُمْ} بعدما أظهروا التكذيب والإنكار {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] بأيديهم لأنفسهم، وبالجملة: ما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمونز {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} من انتقامنا وبطشنا إياهم ولم يخافوا {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} عذابنا وعقابنا {بَيَٰتاً} في أثناء الليل ويحيط بهم {وَهُمْ نَآئِمُونَ} [الأعراف: 97] في مضاجعهم. {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} ولم يترقبوا {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} في كمال إضاءة اليوم {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأعراف: 98] بأمور دنياهم على مقتضى مخايلهم ومناهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ } يدعوهم إلى عبادة اللّه، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر، فلم ينقادوا له: إلا ابتلاهم الله { بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ } أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا { لَعَلَّهُمْ } إذا أصابتهم، أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله واستكانوا للحق. { ثُمَّ } إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد طغيانهم. { بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ } فَأدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء { حَتَّى عَفَوْا } أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة اللّه وفضله، ونسوا ما مر عليهم من البلاء. { وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ } أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح، ومرة في ترح، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا للاستدراج والنكير حتى إذا اغتبطوا، وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا، أسر ما كانت إليهم، أخذناهم بالعذاب { بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي: لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.