٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
95
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة السلامة والسعة ابتلاء لهم بالأمرين. {حَتَّىٰ عَفَواْ} كثروا عَدَداً وعُدَداً يقال عفا النبات إذا كثر ومنه إعفاء اللحى. {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا ٱلضَّرَّاء وَٱلسَّرَّاء} كفراناً لنعمة الله ونسياناً لذكره واعتقاداً بأنه من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا منه مثل ما مسنا. {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً} فجأة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بنزول العذاب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ بَدَّلْنَا } أعطيناهم {مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ } العذاب {ٱلْحَسَنَةَ } الغِنَى والصحة {حَتَّىٰ عَفَواْ } كثروا {وَقَالُواْ } كفراً للنعمة {قَدْ مَسَّ ءَابَاءنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ } كما مسنا وهذه عادة الدهر وليست بعقوبة من الله فكونوا على ما أنتم عليه. قال تعالى {فَأَخَذْنَٰهُمْ } بالعذاب {بَغْتَةً } فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بوقت مجيئه قبله.
ابن عبد السلام
تفسير : {السَّيِّئَةِ} الشدة و {الْحَسَنَةَ} الرخاء، أو السيئة: الشر، والحسنة: الخير. {عَفَواْ} كثروا، أو أعرضوا، أو سمنوا، أو سُرُّوا. {مَسَّ ءَابَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ} يريدون ليس عقوبة على التكذيب بل ذلك عادة الله ـ تعالى ـ في خلقه.
ابن عادل
تفسير : بين تعالى أنَّ تدبيره في أهْلِ القرى لا يجري على نَمَطٍ وَاحِدٍ وَإنَّمَا يُدَبِّرُهُم بما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقرب فقال: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ}؛ لأنَّ ورود النِّعمة [في البدن والمال] بعد البأساء والضَّرَّاءِ يدعو إلى الانْقِيَادِ، والاشتغال بالشُّكْرِ. وفي "مكان" وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مفعول به لا ظَرْف، والمعنى: بَدَّلْنَا مكان الحال السَّيِّئَةِ [الحال الحسنة]، فالحسنةُ هي المأخوذة الحاصلةُ ومكان السيِّئةِ هو المتروك الذَّاهِبُ، وهو الذي تصحبه "الباء" في مثل هذا التركيب لو قيل في نظيره: بدَّلْتُ زيداً بِعَمْروٍ، فزيدٌ هو المأخوذ، وعمرو المتروكُ، وقد تقدَّمَ تحقيقُ هذا في البَقَرَةِ في موضعين: أولهما: {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [البقرة: 59]. والثاني: {أية : وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 211]. فـ "مَكَانَ" و "الحَسَنَة" مفعولان إلاَّ أن أحدهُما وصل إليه الفعل بِنَفْسِهِ [وهو "الحَسَنَةُ"]، والآخر بحذف حرف الجرِّ وهو "مكان". والثاني: أنَّهُ مَنْصُوبٌ على الظَّرْفِ، والتَّقديرُ: "ثمَّ بَدَّلْنَا [في] مكان السَّيِّئَةِ الحسنةِ" إلا أنَّ هذا ينبغي أن يُردَّ؛ لأن "بدَّل" لا بُدَّ له من مفعولين أحَدُهُمَا على إسقاط الباءِ. والمراد بالحَسَنَةِ والسيِّئَةِ هاهنا: الشِّدَّةُ والرَّخَاءُ. قال أهل اللُّغَةِ: "السَّيِّئَةُ: كلُّ ما يَسُوءُ صَاحِبَهُ، والحسنَةُ: كل ما اسْتَحْسَنَهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ". قوله: "حَتَّى عَفَوا" "حتَّى" هنا غائيةٌ، وتقدير مَنْ قدّرها بـ "إلَى" فإنَّمَا يريدُ تَفْسِيرَ المعنى لا الإعرابَ؛ لأن حتَّى الجارَّة لا تُبَاشِرُ إلاَّ المضارع المنصوب بإضمار "أنْ"؛ لأنها في التَّقْديرِ داخلة على المصدر المُنْسَبِك منها، ومن الفعل، [وأمّا الماضي] فلا يطَّرِدُ حذف "أنْ" معه، فلا يقدّر معه أنَّها حرف جرٍّ داخلة على أن المصدريَّة، أي: حتَّى أن عفوا، وهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه قول أبي البقاءِ: "حتَّى عَفَوْا أي: إلى أن عفوا". ومعنى "عَفَوا" هنا كَثُروا من عَفَا الشعْر إذا كَثُر، ومنه: "وأعْفُوا اللِّحَى" يُقَالُ: عَفَاه، وأعْفَاه ثلاثياً ورباعيّاً؛ قال زهيرٌ: [الوافر] شعر : 2530 - أذَلِكَ أمْ أقَبُّ البَطْنِ جَأبٌ عَلَيْهِ مِنْ عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ تفسير : وفي الحديث: "إذَا عَفَا الوَبَرُ وبَرَأ الدُّبُرُ فَقَدْ حَلَّت العُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرَ"؛ وأنشد الزَّمَخْشريُّ على ذلك قولَ الحُطَيْئَةِ: [الطويل] شعر : 2531 - بِمُسْتأسِدِ القُرْبَانِ عَافٍ نَبَاتُهُ ..................... تفسير : وقول لَبِيد: [الوافر] شعر : 2532 - ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بأسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ تفسير : وتقدَّم تحقيقُ هذه المادّة في البقرة. فصل في المراد من الآية ومعنى الآية أنَّ الله - تعالى - أبدلهم مكان الباساء والضرَّاء الحسنة، وهي النِّعْمَةُ والسَّعَةُ والخَصْبُ والصِّحَّةُ. "حتى عفوا" كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، وقالوا من غرتهم وغفلتهم: {قَدْ مَسَّ آبَآءَنَا ٱلضَّرَّاءُ وَٱلسَّرَّاءُ}، أي: هكذا كانت عادة الدَّهر قديماً لنا ولآبائنا، ولم يكن ذلك عقوبةً من اللَّهِ، فكُونُوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤُكم، فإنَّهُم لم يتركوا دِينَهُم لما أصابهم من الضَّرَّاءِ. قوله: "فَأخَذْنَاهُمْ". قال أبُو البقاءِ: "هو عطفٌ على "عَفَوْا". يريدُ: وما عطف عليه أيضاً، أعني أنَّ الأخذ ليس متسبباً عن العَفَاءِ فقط، بل عليه وعلى قولهم تلك المَقَالةِ الجاهليَّةِ؛ لأنَّ المعنى ليس أنَّهُ لمُجرَّدِ كثْرَتِهِمْ، ونموِّ أموالِهِمْ أخذهم بغتة بل بمجموع الأمْرَيْنِ، بل الظَّاهِرُ أنَّهُ بقولهم ذلك فقط". و "بَغْتَةً" إمَّا حالاً أو مَصْدراً، والبَغْتَةُ الفُجَاءَة، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} حال أيضاً وهي في قوَّةِ المُؤكِّدَةِ؛ لأنَّ "بَغْتَةً" تفيدُ إفادتها، سواء أعْرَبْنَا "بغتة" حالاً أم مَصْدراً. واعلم أنَّ الحكمة في حكاية هذا المعنى ليعتبر من سمع هذه القصَّة.
ابو السعود
تفسير : ثُمَّ بَدَّلْنَا} عطفٌ على أخذنا داخلٌ في حكمه {مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ} التي أصابتهم للغاية المذكورةِ {ٱلْحَسَنَةَ} أي أعطيناهم بدلَ ما كانوا فيه من البلاء والمحنةِ الرخاءَ والسعةَ كقوله تعالى: {أية : وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ}تفسير : [الأعراف: 168] {حَتَّىٰ عَفَواْ} أي كثُروا عَدداً وعُدداً من عفا النباتُ إذا كثر وتكاثف وأبطرتْهم النعمة {وَقَالُواْ} غيرَ واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاءٌ من الله سبحانه {قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا ٱلضَّرَّاء وَٱلسَّرَّاء} كما مسّنا ذلك، وما هو إلا من عادة الدهرِ يعاقِب في الناس بـين الضراءِ والسراء من غير أن يكون هناك داعيةٌ تؤدي إليهما أو تِبعةٌ تترتب عليهما، ولعل تأخيرَ السراءِ للإشعار بأنها تعقُب الضراءَ فلا ضيرَ فيها {فَأَخَذْنَـٰهُمْ} إثرَ ذلك {بَغْتَةً} فجأةً أشدَّ الأخذِ وأفظعَه {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بذلك ولا يُخطِرُ ببالهم شيئاً من المكاره كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } تفسير : [الأنعام: 44] الآية، وليس المرادُ بالأخذ بغتةً إهلاكَهم طرفة عينٍ كإهلاك عادٍ وقومِ لوطٍ بل ما يعُمّه وما يمضي بـين الأخذ وإتمام الإهلاكِ أياماً كدأب ثمود. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} أي القرى المُهلَكة المدلولَ عليها بقوله تعالى: {أية : فِى قَرْيَةٍ } تفسير : وقيل: هي مكةُ وما حولها من القُرى المنتظمةِ لما ذكر هٰهنا انتظاماً أولياً {ءامَنُواْ} بما أوحيَ إلى أنبـيائهم معتبِرين بما جرى عليهم من الابتلاء بالضراء والسراء {وَٱتَّقَوْاْ} أي الكفرَ والمعاصيَ أو اتقَوْا ما أُنذروا به على ألسنة الأنبـياءِ ولم يُصِرّوا على ما فعلوا من القبائح ولم يحمِلوا ابتلاء الله تعالى على عادات الدهر وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وحَّدوا الله واتقَوا الشر {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ} لوسّعنا عليهم الخيرَ ويسّرناه لهم من كل جانبٍ مكانَ ما أصابهم من فنون العقوباتِ التي بعضُها من السماء وبعضُها من الأرض. وقيل: المرادُ المطرُ والنباتُ وقرىء لفتّحنا بالتشديد للتكثير {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ} أي ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا وقد اكتُفي بذكر الأولِ لاستلزامه للثاني {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من أنواع الكفرِ والمعاصي التي من جملتها قولُهم: قد مس آباءَنا الخ، وهذا الأخذُ عبارةٌ عما في قوله تعالى: {أية : فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً }تفسير : لا عن الجدب والقَحطِ كما قيل فإنهما قد زالا بتبديل الحسنةِ مكانَ السيئة. {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى} أي أهلُ القرى المذكورةِ، على وضع المُظهرِ موضِعَ المُضمر للإيذان بأن مدارَ التوبـيخِ أمْنُ كلِّ طائفةٍ ما أتاهم من البأس لا أمنُ مجموعِ الأمم، فإن كلَّ طائفةٍ منهم أصابهم بأسٌ خاصٌّ بهم لا يتعداهم إلى غيرهم كما سيأتي، والهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه لا لإنكار الوقوعِ ونفيِه كما قاله أبو شامةَ وغيرُه لقوله تعالى: {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }تفسير : [الأعراف: 99] والفاءُ للعطف على أخذناهم وما بـينهما اعتراضٌ توسّط بـينهما للمسارعة إلى بـيان أن الأخذَ المذكورَ مما كسبتْه أيديهم والمعنى أبعدَ ذلك الأخذِ أمِنَ أهلُ القرى {أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتاً} أي تبـيـيتاً أو وقتَ بـياتٍ أي مَبـيتاً أو مبـيتين وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى البـيتوتة ويجيء بمعنى التبـيـيتِ كالسلام بمعنى التسليم {وَهُمْ نَائِمُونَ} حالٌ من ضميرهم البارزِ أو المستترِ في بـياتاً.
التستري
تفسير : {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ}[95] أي كثروا ليس هو العفو بعينه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم بدلنا} عطف على اخذنا داخل فى حكمه {مكان السيئة} التى اصابتهم {الحسنة} اى اعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والسعة لان ورود النعمة بعد الشدة يدعو الى الانقياد والانشغال بالشكر انما سميت الشدة سيئة لانها تسوء الانسان كما سمى الرخاء حسنة لا يحسن اثره على الانسان والا فالسيئة هى الفعلة القبيحة والله تعالى لا يفعل القبيح والحسنة والسيئة من الالفاظ المستغنية عن ذكر موصوفاتها حالة الافراد والجمع سواء كانتا صفتين للاعمال او المثوبة او الحالة من الرخاء والشدة {حتى عفوا} كثروا عددا وعددا وابطرتهم النعمة يقال عفا النبات اذا كثر وتكاثف ومنه اعفاء اللحى فى الحديث وهو "حديث : احفوا الشوارب واعفو اللحى ": تفسير : قال الشاعر شعر : عفوا من بعد اقلال وكانوا زمانا ليس عندهمو بعير تفسير : {وقالوا} غير واقفين على ان ما اصابهم من الامرين ابتلاء من الله سبحانه {قد مس آباءنا الضراء والسراء} كما مسنا ذلك وما هو إلا عادة الدهر يسيىء تارة ويُحسن اخرى فكما ان آباءنا قد ثبتوا على دينهم ولم ينتقلوا عنه مع ما اصابهم فاثبتوا انتم على دينكم ولا تنتقلوا عنه {فاخذناهم} اثر ذلك {بغتة} فجأة اشد الاخذ وافظعه {وهم لا يشعرون} بنزول العقاب وهم لا يخطرون ببالهم شيأ من المكاره وهو اشد وحسرته اعظم لان المرء اذا رأى مقدمات الابتلاء يوطن نفسه عليها بخلاف حال الفجأة.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية انه بدل مكان السيئة الحسنة {وقالوا قد مسَّ آباءنا الضراء والسراء} ومعناه انه تعالى بعد ان يفعل بهم البأساء والضراء ليتضرعوا يبدل مكان السيئة الحسنة. والتبديل وضع أحد الشيئين مكان الآخر، فلما رفعت السيئة عنهم ووضعت الحسنة كانت مبدلة بها. وقال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: المراد بالسيئة والحسنة - ها هنا - الشدة والرخاء وهو ما يسؤ صاحبه او يحسن اثره عليه. وقال ابو علي: جرى في هذا الموضع على سبيل المثل. وقوله {حتى عفوا} قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: معناه حتى كثروا. وقال الحسن حتى سمنوا، وأصله الترك من قوله {أية : فمن عفي له من أخيه شيء}تفسير : أي ترك له، وعفوا تركوا حتى كثروا، قال الشاعر: شعر : ولكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم تفسير : وقوله {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} معناه ان الكفار قال بعضهم لبعض: ان هكذا عادة الدهر، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم فلم ينفكوا عن تلك الحال فينتقلوا. وقوله {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} اخبار من الله تعالى انه أخذ من ذكره ممن لم يقبل مواعظ الله وخرج عن طاعته الى عداوته {بغتة} يعني فجاءة وهي الاخذ على غرة من غير تقدمة تؤذن بالنازلة تقول: بغته يبغته بغتة كما قال الشاعر: شعر : وافظع شيء حين يفجؤك البغت تفسير : ومعنى الآية انه تعالى يدبر خلقه الذين يعملون بمعاصيه ان يأخذهم تارة بالشدة واخرى بالرخاء، فاذا فسدوا على الامرين جميعا اخذهم بغتة ليكون ذلك اعظم في الحسرة، وابلغ في باب العقوبة. ومعنى قوله {وهم لا يشعرون} أي لم يشعروا بنزول العذاب الا بعد حلوله.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} يعنى عادتنا الابتلاء تارة بالسّيّئات وتارة بالحسنات ليتمّ حجّتنا ودعوتنا ولم نجعلهم مسلوبى الاختيار فى قبول الدّعوة فانّه فى اجبارهم لا يحصل المطلوب من امتياز السّعيد عن الشّقىّ وعمارة الدّارين {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} محوا عن قلوبهم آثار البأساء والضّرّاء والمهما او محوا تضرّعهم والتجاءهم وازادوا فى المال والاولاد او زادوا فى العلم فبطروا {وَّقَالُواْ} حالاً او قالاً {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} يعنى انّ الضّرّاء والسرّاء من عادة الدّهر قالوا ذلك للتلّويح بانّه لا ينبغى ترك التّمتّع ولا الالتجاء والتّضرّع {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} من غير تقديم امارات {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} لعدم تقدّم الامارات.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ بدَّلنا مَكانَ السَّيئةِ} ما يسوءهم من البأساء والضراء المذكورين {الحسَنَةَ} ما يستحسنه الطبع كالسعة والخصب، والنبات وصحة الأبدان {حَتَّى عَفَوْا} حتى للابتداء، أى فهم قد عفوا بذلك، ومعنى عفوا كثروا، والمراد كثرة نفس ومال، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : احفوا الشوارب واعفوا اللحى" تفسير : أى لا تقلوا شعرهن بالنتف والحلق أو القص أو غير ذلك. {وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءنا الضَّراءُ والسَّراء} ما يفرح كما مسنا، وذلك عادة الدهر فلم يتركوا ما هم عليه، فليس ما مسنا عقوبة على ما نحن عليه، فلا نترك، وذلك كفر نعمة ونسيان لذكر المنعم تعالى {فأخذْنَاهم} بالإهلاك {بغْتةً} فجأة حال أمر وذلك أعظم حسرة {وهُم لا يشْعُرونَ} الآخذ غير متحسسين له، ولا مستدلين على شىء منه.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ} الفعلة السيئة أَو الحال السيئة من البأَساء والضراء {الحَسَنَةَ} الفعلة الحسنة والحال الحسنة كالخصب والصحة، ومكان ظرف والحسنة مفعول به على تضمين بدل معنى أَثبت، واختاروا أَنهما مفعولان والباء خوذة الحسنة ومكان السيئة المتروك {حَتَّى عَفَوْا} كثروا عدداً وعدة ومالا، وحتى حرف ابتداء داخلة على الماضى غير جارة وغير مقدر بعدها {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ} هذا من السرور وهو الفرح والمضر فإِن حالة تسر وحالة تضر هكذا عادة الزمان وليست الضراء عقوبة على عدم متابعة من يأمركم بترك دينكم فاثبتوا على دينكم، وأَما المؤمن فيثبت للضراء والسراء عقاباً من الله وثواباً وابتلاء، قال: شعر : ثمانية عمت بأَسبابها الورى فكل امرئ لا بد يلقى الثمانية سرور وحزن واجتماع وفرقة وعسر ويسر ثم سقم وعافية تفسير : {فَأَخَذْنَاهُمْ} أَهلكناهم {بَغْتَةً} فجأَة، وذلك أَعظم حسرة، والعطف على قالوا، أَو على محذوف، أَى واستمروا على الكفر فأَخذناهم بغتة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بأَن الله يأْخذهم، وذلك أَعظم ما يكون إِذا جاءَهم العذاب وقت انتظار السراء أَو فيها.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ بَدَّلْنَا} عطف على {أية : أخذنا} تفسير : [الأعراف: 94] داخل في حكمه {مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ} التي أصابتهم لما تقدم {ٱلْحَسَنَةَ} وهي السعة والسلامة، ونصب {مَكَانَ} كما قيل على الظرفية وبدل متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أي أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة، ومعنى كونها في مكانها أنها بدل منها. وقال بعض المحققين: الأظهر أن (مكان) مفعول به لبدلنا لا ظرف، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة والمتروك هو الذي تصحبه الباء في نحو بدلت زيداً بعمرو {حَتَّىٰ عَفَواْ} أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، وبذلك فسره ابن عباس وغيره من عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثرت، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحفوا الشوارب واعفوا اللحى»تفسير : وقول الحطيئة:شعر : بمستأسد القريان عاف نباته تساقطني والرحل من صوت هدهد تفسير : وقوله:شعر : ولكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم تفسير : وتفسير أبـي مسلم له بالإعراض عن الشكر ليس بياناً للمعنى اللغوي كما لا يخفى، و {حَتَّىٰ} هذه الداخلة على الماضي ابتدائية لا غائية عند الجمهور، ولا محل للجملة بعدها كما نقل ذلك الجلال السيوطي في «شرح جمع الجوامع» له عن بعض مشايخه، وأما زعم ابن مالك أنها جارة غائية وأن مضمرة بعدها على تأويل المصدر فغلطه فيه أبو حيان وتبعه ابن هشام فقال: لا أعرف له في ذلك سلفاً، وفيه تكلف إضمار من غير ضرورة، ولا يشكل عليه ولا على من يقول؛ إن معنى الغاية لازم لحتى ولو كانت ابتدائية أن الماضي لمضيه لا يصلح أن يكون غاية لما قبل لتأخر الغاية عن ذي الغاية لأن الفعل وإن كان ماضياً لكنه بالنسبة إلى ما صار غاية له مستقبل فافهم. / {وَقَالُواْ} غير واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاء منه سبحانه {قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا} كما مسنا. {ٱلضَرَّاءُ وَٱلسَّرَّاءُ} وما ذلك إلا من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء ويداولهما بينهم من غير أن يكون هناك داعية إليهما أو تبعة تترتب عليهما وليس هذا كقول القائل:شعر : ثمانية عمت بأسبابها الورى فكل امرىء لا بد يلقى الثمانية سرور وحزن واجتماع وفرقة وعسر ويسر ثم سقم وعافية تفسير : كما لا يخفى، ولعل تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب الضراء فلا ضير فيها {فَأَخَذْنَـٰهُمْ} عطف على مجموع {عَفَوْاْ وَّقَالُواْ} أو على {قَالُواْ} لأنه المسبب عنه أي فأخذناهم إثر ذلك {بَغْتَةً} أي فجأة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بشيء من ذلك ولا يخطرون ببالهم شيئاً من المكاره، والجملة حال مؤكدة لمعنى البغتة، وهذا أشد أنواع الأخذ كما قيل: وأنكأ شيء يفجؤك البغت، وقيل: المراد بعدم الشعور عدم تصديقهم بإخبار الرسل عليهم السلام بذلك لا خلو أذهانهم عنه ولا عن وقته لقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 131] ولا يخفى ما فيه من الغفلة عن معنى الغفلة وعن محل الجملة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 95- ثم لما لم يفعلوا ذلك، واستمروا فى كفرهم وعنادهم، امتحناهم بالعافية مكان البلاء استدراجاً، فأعطيناهم رخاء وسعة وصحة وعافية، حتى كثروا ونموَّا فى أموالهم وأنفسهم، وقالوا لجهلهم: إن ما أصاب آباءنا من المحن والبلايا والرفاهية والنعيم، فذلك شأن الدهر، يُدَاول الضرَّاء والسَرَّاء بين الناس، من غير أن ينتبهوا إلى أن هذا جزاء كفرهم فيرتدعوا وبهذا جهلوا سنته - جل شأنه - فى أسباب الصلاح والفساد فى البشر، وما يترتب عليهما من السعادة والشقاء فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم الله بالعذاب المدمر فجأة، وهم فاقدون للشعور بما سيحل بهم. 96- ولو أن أهل تلك القرى آمنوا بما جاء به الرسل، وعملوا بوصاياهم وابتعدوا عما حرَّمه الله لأعطيناهم بركات من السماء والأرض، كالمطر والنبات والثمار والأنعام والأرزاق والأمن والسلامة من الآفات، ولكن جحدوا وكذبوا الرسل، فأصبناهم بالعقوبات وهم نائمون، بسبب ما كانوا يقترفون من الشرك والمعاصى، فأخذهم بالعقوبة أَثرٌ لازم لكسبهم القبيح، وعبرة لأمثالهم إن كانوا يعقلون. 97- أَأَمِن أهل القرى الذين بلغتهم دعوة أنبيائهم ولم يؤمنوا أن يأتيهم عذابنا وقت بياتهم وهم غارقون فى نومهم؟. 98- أغفل هؤلاء وأمنوا أن يأتيهم العذاب فى ضحى النهار وانبساط الشمس وهم منهمكون فيما لا نفع فيه لهم؟. 99- أجهلوا سنة الله فى المكذبين، فأمنوا عذابه ليلاً أو نهاراً، يسوقه بتدبيره الذى يخفى على الناس أمره؟ إنه لا يجهل تدبير الله وسنته فى عقوبة المكذبين إلا الذين خسروا أنفسهم بعدم اليقظة إلى ما فيه سعادتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آبَاءَنَا} {فَأَخَذْنَاهُمْ} (95) - فَإِذَا اسْتَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ يَمْتَحِنُهُمْ رَبُّهُمْ بِالعَافِيَةِ وَالرَّخَاءِ، فَيُبَدِّلُ حَالَهُمْ مِنْ بُؤْسٍ وَضِيقٍ وَمَرَضٍ إِلَى رَخَاءٍ وَصِحَّةٍ لِيَشْكُرُوا اللهَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذا كَثُرَتْ أَوْلاَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ (عَفَوْا)، وَاسْتَمْرَؤُوا العَيْشَ الهَنِيءَ، وَنَسُوا نِعْمَةَ اللهِ، وَفَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا لَقَدْ مَسَّتْنَا السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ مِثْلَمَا سَبَقَ لَها أَنْ أَصَابَتْ آبَاءَنا فِي سَالِفِ الأَيَّامِ، وَهَذا هُوَ حَالُ الدُّنيا، فَلا الضَّرَّاءُ عِقَابٌ عَلَى ذَنْبٍ يُرْتَكَبُ، وَلا السَّرَّاءُ جَزَاءٌ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ يُكْتَسَبُ .... فَإِذَا صَرَفُوا هَمَّهُمْ إِلَى هذا وَأَمْثَالِهِ أَخَذَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ فَجْأَةً، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بِمَا سَيَحِلُّ بِهِمْ، لأَِنَّهُمْ جَهِلُوا سُنَنَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، فَلاَ هُمُ اهْتَدُوا إِلَيها بِعُقُولِهِمْ، وَلاَ هُمْ صَدَّقُوا الرُّسُلَ فِيمَا أَنْذَرُوهُمْ بِهِ. عَفَوْا - كَثُرُوا وَنَمَوْا عَدَداً وَمَالاً. بَغْتَةً - فَجْأَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويعطي سبحانه بعد ذلك لهم الرزق، والعافية، والغنى؛ لأن الحق إذا أراد أن يأخذ جباراً أخذ عزيز مقتدر فهو يمهله، ويرخي له العِنان ليتجبر - كفرعون - من أجل أن يأخذه بغتة، كأنه يسقط من أعلى، فيعليه من أجل أن ينزل به - كما يقولون - على جذور رقبته: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ}. (عَفَوْا) أي كثروا عدداً ومالاً وقوة أي أنه ما أخذهم سبحانه بالبأساء والضراء إلاِّ وكان القصد منها أن يلفتهم إليه، فلم يلتفتوا، فيمدهم ويعطي لهم العافية وما يسرّهم، ثم يصيبهم بالعذاب بغتة. {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 95] ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن تكلم على خلافة الإِنسان في الأرض، وأنه أمده بكل ما تقوم به حياته، وأمده بالقيم بواسطة مناهج السماء، وأنزل المنهج مبينا ما أحل، وما حرم بعد أن كانوا يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، فبيّن لهم الحق أن الذي خلق الخلق عالم بما يصلحهم فأحله، وعالم بما يفسدهم فحرّمه، فليس لكم أن تقترحوا على الله حلالاً، ولا حراماً، ولكن بعض المشككين في منهج الله قالوا - ومازالوا يقولون -: إذا كان الله قد أحل شيئاً وحرم شيئاً فلماذا خلق ما حرم؟ ونقول: لقد خلق سبحانه كل شيء لحكمة قد تكون لغير الطعام والشراب والكسوة، فبعض الأشياء يكون مخلوقاًَ لمهمة وإن لم تكن مباشرة لك؛ فالبترول مثلاً مخلوق لمهمة أن يوجد طاقة، لذلك لا نشربه. والخنزير مخلوق لحكمة لا نعلمها نحن، وإنما يعلمها من خلق، لأنه من الجائز أن يكون أداة لالتقاط الميكروبات التي تنشأ من عفن الأشياء التي يستعملها الناس في حياتهم، إذن فكل شيء مخلوق لحكمة، فلا تخرج أنت حكمة الأشياء من غير مراد خالقها؛ لأن صانع الصنعة هو الذي يحدد الشيء الذي يوجد وينشئ القوة لها. ونحن نعلم - مثلاً - أن أنواع الوقود كثيرة، فهناك "البنزين" النقي جداً ويرقمونه برقم (1) وهو مخصص للطائرة، ووقود السيارة وهو "البنزين" رقم (2). فإذا استخدمنا وقود ماكينة وآلة بدل ماكينة أخرى أفسدناها. كذلك خلق الله الإنسان وسخر له كل المخلوقات وأوضح: هذا يصلح لك مباشرة، وهذا مخلوق ليخدمك خدمة غير مباشرة فدعه في مكانه. وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى مواقف الجنة، ومواقف النار، ومواقف أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم؛ وبعد أن بين المنهج كله أراد أن يبين أن ذلك ليس نظرياً، وإنما هو واقع كوني أيضاً. ففرق بين الشيء يقال نظرا، والشيء يقع واقعاً، فقص علينا قصص الأنبياء حين أرسلهم إلى أقوامهم، فمن كذب بالرسل أخذه الله أخذ عزيز مقتدر بواقع يشهده الجميع؛ فذكر نوحا مع قومه، وذكر عاداً وأخاهم هوداً، وذكر ثمود وأخاهم صالحاً، ومدين وأخاهم شعيباً، وقوم لوط وسيدنا لوطا. وبين ما حدث للمؤمنين بالنجاة، وما حدث للكافرين بالعطب والإذلال، ويوضح الحق سبحانه وتعالى: أنني آخذ الناس بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، لأن الإنسان مخلوق أفاض الله عليه من صفات جلاله، ومن صفات جماله الشيء الكثير، فالله قوي، وأعطى الإنسان من قوته. والله غني وأعطى الإنسان من غناه، والله حكيم وأعطى الإنسان من حكمته، والله عليم وأعطى الإنسان من علمه. وإذا أردت أن تستوعب ما يقربك إلى كمال العلم في الله، فانظر ما علمه لكل خلق الله. ومع ذلك فعلمهم ناقص. ويريدون إلى العلم الذاتي في الحق سبحانه وتعالى، وربما غر الإنسان بالأسباب وهي تستجيب له، فهو يحرث ويبذر ويروي، وإذا بالأرض تعطيه أكلها. وهو يصنع الشيء فيستجيب له. كل ذلك قد يغريه بأن الأشياء استجابت لذاتيته فيذكره الله: أن أذكر من ذللها لك. {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7] وساعة ما يجد الإِنسان أن كل الأسباب مواتية له فعليه أن يذكر الله. إن الإِنسان بمجرد إرادة أن يقوم من مكانه فهو يقوم. وبمجرد إرادة أن يصفع أحداً فهو يصفعه؛ لأن الأبعاض التي في الإِنسان خاضعة لمراده، فإذا كانت أبعاضك خاضعة لمراداتك أنت، وأنت مخلوق، فكيف لا يكون الكون كله مراداً للحق بالإِرادة؟ فإذا استغنى الإِنسان بالأسباب، فالحق يلفته إليه. فالقادر الذي كان بفتوته يفعل. سلب الله منه القدرة بالمرض؛ فيمد يده ليساعده إنسان على القيام والذي اعتز بشيء يذله الله بأشياء. لماذا؟ حتى يلفته إلى المسبِّب، فلا يُفتن بالأسباب. ويدع لنا الحق سبحانه وتعالى في كونه عجائب، ونجد العالم وقد تقدم الآن تقدماً فضائيًّا واسعاً، واستطاع الإِنسان أن يكتشف من أسرار كون الله ما شاء، ولكن الحق يصنع لهم أحياناً أشياء تدلهم على أنهم لا يزالون عاجزين. فبعد أن تكتمل لهم صناعة الآلات المتقدمة يكتشفون خطأ واحداً يفسد الآلة ويحطمها، وتهب زوبعة أو إعصار يدمر كل شيء، أو يشتعل حريق هائل. فهل يريد الله بكونه فساداً وقد خلقه بالصلاح؟ لا، إنه يريد أن يلفتنا إلى ألا نغتر بما أوتينا من أسباب. فالذين عملوا "الرادار" لكي يبين لهم الحدث قبل أن يقع، يفاجئهم ربنا - أحياناً - بأشياء تعطل عمل "الرادار"، فيعرفون أنهم مازالوا ناقصي علم. إذن فالأخذ بالبأساء، والأخذ بالضراء، سنة كونية الإِنسان فاهماً وعالماً أنه خليفة في الأرض لله. وفساد الإِنسان أن يعلم أنه أصيل في الكون، فلو كنت أصيلاً في الكون فحافظ على نفسك في الكون ولا تفارقه بالموت. وإن كنت أصيلاً في الكون فذلل الكون لمراداتك. ولن تستطيع؛ لأن هناك طبائع في الكون تتمرد عليك، ولا تقدر عليها أبداً. وترى أكثر من مفاعل ذري ينفجر بعد إحكامه وضبطه لماذا؟! ليدل على طلاقة القدرة وأن يد الله فوق أيديهم، إذن فأخذ الناس بالبأساء والضراء، وبالشيء الذي نقول إنه شر إنما هو طلب اعتدال للإِنسان الخليفة، حتى إذا اغتر يرده الله سبحانه وتعالى من الأسباب إلى المسبِّب. وحين يأخذ الله قوماً بالبأساء التي تصيب الإِنسان في غير ذاته: مال يضيع، ولد يفقد، بيت يهدم، أو يأخذهم بالضراء وهي الأشياء التي تصيب الإِنسان في ذاته، فلذلك ليسلب منهم أبهة الكبرياء، فلا يجدون ملجأ إلا أن يخضعوا لرب الأرض والسماء، ولكي يتضرعوا إلى الله، ومعنى التضرع - كما عرفنا - إظهار الذلة لله. وإذا لم يُجْدِ وينفع فيهم هذا، وقالوا: لا، إن البأساء والضراء مجرد سنن كونية، وقد تأتي للناس في أي زمان أو مكان. نقول لهم: صحيح البأساء والضراء سنن كونية من مكوّن أعلى من الكون، فإذا لم يرتدعوا بالبأساء والضراء ويرجعوا إلى ربهم ويتوبوا إليه يبتليهم الله بالنعماء، فهو القائل: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44] فالمجتمعات حين تبتعد عن منهج السماء نجد الحق ينتقم منهم انتقاماً يناسب جرمهم، ولو أنه أخذهم على حالهم المتواضع فلن تكون الضربة قوية؛ لذلك يوسع عليهم في كل شيء حتى إذا ما سلب منهم وأخذهم بغتة وفجأة تكون الضربة قوية قاصمة ويصيبهم اليأس والحسرة. وقديماً قلنا تعبيراً ريفيًّا هو: إن الإِنسان إن أراد أن يوقع بآخر لا يوقعه من على حصيرة، إنما يوقعه من مكان عال. وربنا يعطي للمنكرين الكثير ويمدهم في طغيانهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقد دلت وقائع الحياة على هذا، ورأينا أكثر من ظالم وجبار في الأرض والحق يملي له في العلو ويمد له في هذه الأسباب ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولو بواسطة حارسه. {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 95] وقد يضبط الإِنسان أشياء تُعْلمه بواقع الشر في مستقبله. مثلها مثل "الرادار" الذي يكشف لنا أي خطر في الأفق قبل أن يأتي، وحين يقول سبحانه: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي ليس عندهم حساب ولا مقاييس تدلهم على أن شرًّا يحيق بهم. وأنت لو نظرت إلى هذه المسألة لوجدت الإِنسان بعقله وفكره الذي لم يسلك فيه طريق الله بل سلك فيه السبيل غير الممنهج بمنهج الله، وبينما لا يلتفت الانسان إلى مجيء الكارثة، ويتساءل: لماذا تجري هذه الحيوانات؟! إنه في هذه الحالة يكون أقل من الحيوانات؛ لأن الحيوان من واقع الأحداث في بلد تحدث فيه الزلازل يكون أول خارج من منطقة الزلزال، إنَّ الله قد سلبه هذه المعرفة حتى تتمكن منه الضربة، إننا نجد الحمار يجري ليغادر مكان الزلزال، بينما يظل الإِنسان واقفاً حتى يحيق ويحيط به الخطر، فأي إحساس وأي استشعار عند الحيوان؟ إنه استشعار غريزي خلقه ربه فيه؛ لأنه سلب منه التعقل فأعطاه حكمة الغرائز. وما دام الحق قد نبه الإِنسان بالبأساء فلم يلتفت، وبالضراء فلم ينتبه إلى المنهج؛ لذلك يأتي له الحق ويمد له بالطغيان. لكن أهل الإِيمان أمرهم يختلف، فيقول سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَى...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ} فقال زيد بن علي عليهما السَّلامُ: إنَّ السَّيِّئةَ الشّدةُ. والحَسنةَ مكانُ الرَّخاءِ وحتَّى عَفَوا معناهُ سَرُّوا بِذَلك. ويقال عَفَوا يعني كَثُروا.
همام الصنعاني
تفسير : 923-حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ}: [الآية: 95]، قال مكان الشِّدَّة الرخاء، {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} يقول: حتى سروا بذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):