٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتة، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخيرات فقال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ } أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر {وَٱتَّقَوْاْ } ما نهى الله عنه وحرمه {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } بركات السماء بالمطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة، وذلك لأن السماء تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى وتدبيره. وقوله: {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ } يعني الرسل {فَأَخَذْنَـٰهُمْ } بالجدوبة والقحط {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الكفر والمعصية. ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم، والمقصود أنه تعالى خوفهم بنزول ذلك العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة، وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه. وقوله: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يحتمل التشاغل بأمور الدنيا، فهي لعب ولهو، ويحتمل خوضهم في كفرهم، لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع. قرأ أكثر القراء {أَوَ أَمِنَ } بفتح الواو، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة الاستفهام، كما دخل في قوله: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ } تفسير : [يونس: 51] وقوله: {أية : أَوْ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ } تفسير : [البقرة: 100] وهذه القراءة أشبه بما قبله وبعده، لأن قبله {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى } وما بعده {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأعراف: 99] {أية : أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ } تفسير : [الأعراف: 100] وقرأ ابن عامر {أَوَ أَمِنَ } ساكنة الواو، واستعمل على ضربين: أحدهما: أن تكون بمعنى أحد الشيئين، كقوله: زيد أو عمرو جاء، والمعنى أحدهما جاء. والضرب الثاني: أن تكون للاضراب عما قبلها، كقولك: أنا أخرج أو أقيم، أضربت عن الخروج، وأثبت الإقامة، كأنك قلت: لا بل أقيم. فوجه هذه القراءة أنه جعل «أو» للاضراب لا على أنه أبطل الأول، وهو {أية : الم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ }تفسير : [السجدة: 1، 2] فكان المعنى من هذه الآية استواء هذه الضروب من العذاب، وإن شئت جعلت «أو» ههنا التي لأحد الشيئين، ويكون المعنى: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات، وقوله: {ضُحًى } الضحى صدر النهار، وأصله الظهور من قولهم: ضحا للشمس إذا ظهر لها. ثم قال تعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ } وقد سبق تفسير المكر في اللغة، ومعنى المكر في حق الله تعالى في سورة آل عمران عند قوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 54] ويدل قوله: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ } أن المراد أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون. قاله على وجه التحذير، وسمي هذا العذاب مكراً توسعاً، لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه، فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به، فسمي العذاب مكراً لنزوله بهم من حيث لا يشعرون، وبين أنه لا يأمن من نزول عذاب الله على هذا الوجه {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } وهم الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم، فلا يخافونه، ومن هذه سبيله، فهو أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر، وفي الآخرة في أشد العذاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. وقد مضى في «البقرة» مستوفى {آمَنُواْ} أي صدقوا. {وَٱتَّقَواْ} أي الشرك. {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} يعني المطر والنبات. وهذا في أقوام على الخصوص جرىٰ ذكرهم. إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيراً لذنوبهم. ألا ترىٰ أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه {أية : ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً}تفسير : [نوح: 10 و 11]. وعن هود {أية : ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} تفسير : [هود: 52]. فوعدهم المطر والخصب على التخصيص. يدل عليه {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} يعني القرى المدلول عليها بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ} وقيل مكة وما حولها. {آمَنُوا وَاتَّقَوا} مكان كفرهم وعصيانهم. {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب وقيل المراد المطر والنبات. وقرأ ابن عامر "لَفَتَّحْنَّا" بالتشديد. {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ} الرسل. {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الكفر والمعاصي.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل؛ كقوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [يونس: 98] أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا، وذلك بعدما عاينوا العذاب؛ كما قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الصافات:147-148] وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} تفسير : [سبأ: 34] الآية، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ} أي: آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل، وصدقت به واتبعوه، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: قطر السماء ونبات الأرض، قال تعالى: {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: ولكن كذبوا رسلهم، فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم، ثم قال تعالى مخوفاً ومحذراً من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} أي: الكافرة {أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا} أي: عذابنا ونكالنا {بَيَـٰتًا} أي: ليلاً {وَهُمْ نَآئِمُونَ} {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي: في حال شغلهم وغفلتهم {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} أي: بأسه ونقمته، وقدرته عليهم، وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات، وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي، وهو آمن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ } المكذبين {ءَامَنُواْ } بالله ورسلهم {وَٱتَّقَوْاْ } الكفر والمعاصي {لَفَتَحْنَا } بالتخفيف والتشديد {عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } بالمطر {وٱلأَرْضِ } بالنبات {وَلَٰكِن كَذَّبُواْ } الرسل {فَأَخَذْنَٰهُمْ } عاقبناهم {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجلَّ: {...لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم} فيه وجهان: أحدهما: لرزقنا، قاله السدي. والثاني: لوسعنا. {بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ}: بركات السماء: القطر. وبركات الأرض. النبات والثمار ويحتمل أن تكون بركات السماء قبول الدعاء. وبركات الأرض: تسهيل الحاجات.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَفَتَحْنَا} لرزقنا أو لوسعنا. {بَرَكَاتٍ} السماء القطر، وبركات الأرض النبات والثمار.
ابن عادل
تفسير : لمّا بيَّن أنَّ الذين عَصَوا وتَمَرَّدُوا؛ أخذهم بَغْتَةً بيَّن في هذه الآية أنَّهُم لو أطَاعُوا فتح عليهم أبْوابَ الخيرات، وقد تقدَّمَ أنَّ ابن عامر يَقْرَأُ: "لفَتَّحنْا" بالتَّشديد ووافقه هنا عيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، وأبو عبد الرَّحْمنِ السُّلمِيُّ. وأصل البركة المواظبةُ على الشَّيءِ، أي تابعنا عليهم المطر والمراد بـ "بَرَكَات السَّماءِ" المَطَرُ، وبـ "بركات الأرْضِ" النَّبَاتُ والثِّمَارُ وكثرة المواشي والأمن والسَّلامة، وذلك لأنَّ السَّماءَ تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنهما يَحْصُلُ المَنَافِعِ، والخَيْرَات بخلق الله تعالى تدبيره. ثم قال: {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ} بالجدب والقَحْطِ {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الكفر والمَعْصِيَةِ، ثمَّ إنَّهُ تعالى أعاد التَّهْديدَ بعذابِ الاسْتئِصَالِ فقال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى} يعني "مكَّة" وما حولها {أَن يَأتِيَهُمْ بَأسُنَا} أي: العذاب، وهذا استفهامٌ بمعنى الإنْكَارِ، خوَّفَهُم الله - تعالى - بنزول العذاب عليهم في وقت غَفْلَتِهِم، وهو حال النَّومْ باللَّيْل، وحال الضُّحَى بالنَّهَارِ؛ لأنَّهُ وقت اشتغال المرء باللَّذَّاتِ. وقوله: "وَهُمْ يَلْعَبُونَ" يحتملُ التَّشَاغُلَ بأمور الدُّنيا فهي لَعِبٌ ولهو، ويحتملُ في كُفْرِهم؛ لأنَّهُ كاللَّعِبِ في أنَّهُ يضرُّ ولا يَنْفَعُ. قوله: "أفَأمِنَ". قال الزَّمخشريُّ: "فإن قلت: ما المعطوف عليه، ولم عطفت الأولى بالفَاءِ والثَّانية بالواو؟. قلتُ: المعطوف عليه قوله: "فَأخَذْنَاهُم بَغْتَةً"، [وقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} إلى: "يَكْسِبُونَ" وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه وإنَّمَا عطفت بالفاء؛ لأنَّ المعنى: "فَعَلُوا وَصَنعوا فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك] أمن أهل القرى أن يأتيَهُمْ بأسنا بياتاً أو أمن أهل القُرَى أن يأتيهم بَأسُنَا ضُحًى". قال أبُو حيَّان: وهذا الَّذي ذَكَرَهُ رجوعٌ عن مذهبه في مثل ذلك إلى مذهب الجَماعَةِ، وذلك أنَّ مَذْهَبَهُ في الهمزة المصدرة على حرف العطف تقدير معطوف عليه بين الهمزة وحرف العطفِ، ومذهب الجماعةِ أنَّ حَرْفَ العطف في نِيَّةِ التقدُّم، وإنَّمَا تأخَّرَ وتقدَّمت عليه همزةُ الاستفهام لقوَّةِ تَصَدُّرها في أوَّلِ الكلام". وقد تقدَّم تحقيقه، والزَّمَخْشريُّ هنا لم يقدِّر بينهما معطوفاً عليه، بل جعل ما بعد الفاءِ معطوفاً على ما قَبْلَهَا من الجُمَلِ، وهو قوله: "فأخَذْنَاهُم بَغْتَةً". قوله: "بَيَاتاً" تقدَّم أوَّلَ السُّورةِ أنَّهُ يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون ظرفاً. وقوله: "وهُمْ نَائِمُونَ" جملة حاليّة، والظَّاهِرُ أنَّها حال من الضَّميرِ المستتر في "بَيَاتاً"؛ لأنَّهُ يتحمَّل ضميراً لوقوعه حالاً، فيكون الحالان مُتَدَاخِلَيْنِ. قوله: "ضُحًى" مَنْصوبٌ على الظَّرف الزَّمانيِّ، ويكون متصرفاً وغير متصرّف، [فالمتصرِّفُ] ما لم يرد به وقته من يوم بِعَيْنِهِ نحو: "ضُحاك ضحًى مُبَارَك". فإن قلت: "أتَيْتُكَ يوم الجُمْعَةِ ضُحًى" فهذا لا يتصرّف، بل يَلْزَمُ النَّصْبُ على الظَّرْفية، وهذه العبارَةُ أحسنُ من عِبَارَةِ أبِي حيَّان حيث قال: "ظرف متصرِّفٌ إذا كان نكرةً، وغير متصرِّف إذا كان من يوم بعينه"؛ لأنَّهُ تَوَهَّم [متى] كان معرفةً بأي نوع كان من أنواع التَّعْرِيف فإنَّهُ لا يتصرَّفُ، وليس الأمر كذلك قال تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ}تفسير : [الضحى: 1] فاستعمله مجروراً بالقسم مع أنه معرفٌ بأل، وقال تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا}تفسير : [الشمس: 1] جرّه بحرف القسم أيضاً مع أنَّهُ معرَّفٌ بالإضافة، وهو امتداد الشَّمْسِ وامتداد النَّهار. ويقال: ضُحى، وضحاءُ، إذا ضَمَمْتَ قَصَرْتَ، وإذا فتحت مَدَدْتَ. وقال بعضهم: الضُّحى بالضم والقسر لأول ارتفاع الشمس والضَّحَاءُ بالفتح والمدِّ لقوَّة ارتفاعها قبل الزَّوَالِ. والضُّحى مُؤنَّثٌ، وشذُّوا في تصغيرِهِ على "ضُحَيٌّ" بدون تاء كعُرَيْب وأخواتها، والضَّحَاءُ أيضاً طعامُ الضُّحَى كالغَدَاء طَعَامُ وَقْتِ الغدْوَة يقال منهما: تَضَحَّى ضَحَاءً وتَغَدَّى غَدَاءً. وضَحِيَ يَضْحَى إذَا برز للشَّمْسِ وقت الضُّحَى، ثم عُبِّر بِه عن إصَابَةِ الشَّمْسِ مطلقاً، ومنه قوله: {أية : وَلاَ تَضْحَىٰ}تفسير : [طه: 119] [أي]: لا تبرزُ للشمس. ويقال: ليلة أضحِيَانَةٌ بضمِّ الهمزة، وضَحْيَاء بالمدِّ أي: مضيئة إضاءَةَ الضُّحى، والأضْحِيَة وجمعها: أضَاحٍ، والضَّحِيَّة وجمعها ضحايا، والأضْحَاة وجمعها أضْحًى هي المَذْبُوحُ يوم النَّحْرِ، سمِّيَتْ بذلك لذَبْحها ذلك الوقت لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلاتِنَا هَذِهِ فَلْيُعِدْ ". تفسير : وضواحي الشَّيء نواحيه البارزة. قوله: "وَهُمْ يَلْعَبُونَ" حالٌ، وهذا يقوِّي أنَّ "بَيَاتاً" ظرفٌ لا حال، لتتطابق الجملتان فيصيرُ في كلٍّ منهما وقت وحال، وأتى [بالحال] الأولى مُتَضَمِّنَة لاسم فاعلٍ؛ لأنَّهُ يدلُّ على ثباتٍ واستقرارٍ وهو مناسب للنَّوْمِ، وبالثَّانيةِ متضمِّنة لفعل؛ لأنَّهُ يدلُّ على التجدُّدِ والحدوث وهو مناسبٌ لِلَّعب والهزل. قال النَّحَّاسُ: "وفي الصِّحاح: اللَّعِبُ معروفٌ، واللّعْبُ مثله، وقد لَعِبَ يَلْعَبُ، ويَلْعبُ مرة بعد أخرى، ورجل تَلْعَابَةٌ: كثيرُ اللَّعبِ والتَّلْعَابُ بالفتح المصدر، وجارته لَعُوبٌ". وقرأ نافع وابن عامِر وابنُ كثيرٍ "أوْ" بسكون الواو والباقون بفتحها، ففي القراءة الأولى تكونُ "أو" بجملتها حرف عطف ومعناها حينئذ التقسيم. قال ابنُ الخطيبِ: تستعملُ على ضَرْبَيْن: أحدهما: أن تكون بمعنى أحد الشَّيْئيْنِ كقوله: زيد أو عمرو جاءك، والمعنى: أحدهما جاء. والثاني: أن تكون للإضْرابِ عمَّا قبلها كقولك: "أنَا أخْرُجُ" ثم تقول: "أو أقيم" أضربت عن الخروج وأثبت الإقامة، كأنك قلت: لا بل أقيمُ، فوجه هذه القراءة أنَّهُ جعل "أو" للإضراب، لا على أنَّه أبطل الأوَّلَ. وزعم بعضهم أنَّها للإبَاحةِ والتَّخْيير، وليس بظاهرٍ. وفي القراءة الثَّانية هي واو العَطْفِ دخلت عليها همزة الاستفهام مقدَّمة عليها لفظاً، وإنْ كانت بَعْدَهَا تقديراً عند الجمهور. وقد عرف مذهب الزَّمَخْشَرِيِّ في ذلك، ومعنى الاستفهام هنا: التَّوبيخُ، والتَّقريعُ. وقال أبُو شَامَة وغيره: "إنَّهُ بمعنى النَّفي". وكرّرت الجملة في قوله تعالى: {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ}: "أفَأمِنوا" توكيداً لذلك، وأتي في الجُمْلَةِ الثَّانية بالاسم ظاهراً، وحقّه أن يضمر مبالغة في التَّوْكِيد.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولو أن أهل القرى آمنوا} قال: بما أنزل {واتقوا} قال: ما حرم الله {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} يقول: لأعطتهم السماء بركتها والأرض نباتها . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة عن موسى الطائفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : اكرموا الخبز فإن الله أنزله من بركات السماء، وأخرجه من بركات الأرض " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة عن موسى الطائفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أكرموا الخبز فإن الله أنزله من بركات السماء، وأخرجه من بركات الأرض " . تفسير : وأخرج البزار والطبراني بسقد ضعيف عن عبد الله بن أم حرام قال: صليت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول "حديث : أكرموا الخبز فان الله أنزله من بركات السماء، وسخر له بركات الأرض، ومن يتبع ما يسقط من السفرة غفر له " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان أهل قرية أوسع الله عليهم حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث عليهم الجوع حتى أنهم يأكلون ما يتغذون به .
السلمي
تفسير : قيل معناه: لو أنهم صدَّقوا وعدى واتقوْا مخالفتى، لنوَّرت قلوبهم بمشاهدى وهو بركة السماء، وزينت جوارحهم بخدمتى وهو بركة الأرض.
القشيري
تفسير : لو آمنوا بالله، واتَّقُوا الشِّرْكَ لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض بأسبابِ العطاء - ولكنْ سَبَقَ بخلافه القضاء - وأبوابِ الرضاء، والرضاءُ أتمُّ من العطاء. ويقال ليست العِبْرة بالنعمة إنما العبرة بالبركة في النعمة، ولذا لم يَقُلْ أضعفنا لهم النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خوَّلنا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} ولو انهم شاهدوا ملكوت الارض والسماء بصفة اللطف والجمال وتنبت فى صحارى قلوبهم رياحين الزلفة والقربة والشوق والعشق والمحبة واليقين والتجريد والمعرفة قيل معناه لو انهم صدقوا وعدى واتقوا مخالفتى لنورت قلوبهم بمشاهدتى وهى بركة السماء وزينت جوارحهم بخدمتى وهى بركة الارض وقوله تعالى {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} لله بكل قوم مكر فمكر بالعموم ممزوج بالقهر وهو ان يعطيهم اسباب العبودية ولم يوفقهم بها ويعطيهم لسان الشكر لا يعرفهم حقائق استدراجه بسلب النعمة عنهم واخلاهم بلا نعت ولا شكر ومكره بالخصوص ان يتلذذ ما وجدوا منه فى قلوبهم ويحجبهم بتلك الحلاوة عن ادراك سنا فوق مقاماتهم من مكاشفة الغيوب فى القلوب ومكره بالمحبين والعاشقين ظهور الصفات فى الأيات وهو مقام الالتباس ومكره بالعارفين والموحدين ان يرهم نفسه على قدر قوة المعرفة والتوحيد ولا يعرفهم مكانا لمكر هناك بان يعلموا ان ما وجدوا منه عندما ما لم يجدوا منه كقطرة فى بحار وذلك من حلاوة مباشرة انوار القدم والبقاء فى اسرار ارواحهم وقلوبهم وعقولهم ولو اطلعوا على حقائق مكره حيث حجبهم عنه لذابوا من الحياء تحت انوار سلطان كبريائه وعظمته ومكره باهل الاتحاد ان يريهم جلاله جماله فى مرأة قلوبهم فيرونه بحسن الازل وجمال الابد بنعت فنائهم فيه فيبقيهم به من حد الفناء فيرون انفسهم كانهم هو من حدة مباشرة الصفة بالفعل فيحتجب عليهم ويبقيهم فى حلاوة تأثير انوار الصفات فيرون انفسهم فى محل الربوبية فيدعون هناك بالاناينة كحسين بن منصور وابى يزيد قدسا لله روحهما فهناك اخفى المكر والطف الاستدراج ولولا فضله وكرامته عليهم ولا بقاهم فيما هم فيه ولكن بلطفه الخفى وانعامه الجلى اخرجهم من ذلك واغرقهم فى بحار عظمته حتى اقروا بانهم ليسوا على شئ منه وانهم فى اول درجة من عبودتيه الا ترى الى قول ابى يزيد فى أخر عمره حيث قال ما ذكرتك الا عن غفلة ولا عبدتك الا عن فترة والى قول حسين بن منصور فى وقت قتله قال تقتلون رجلا ان يقول ربى الله وهذا الطف الله نبينا صلى الله عليه وسلم حيث حرسه من هذا المكر الخفى فى مقام رؤية الا على شهود قاب قوسين او ادنى بقوله لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ذوقه طعم الربوبية واوفقه فى مقام العبودية حتى افتخر بعبوديته بعد وجد ان ربوبيته بقوله انا العبد لا اله الا اله وكل صنيع منه لطيف باوليائه ان مكرهم وان لم يمكرهم ومن نجد من مكره والكل فى قبضة العزة متحيرون وكيف يامن به منه من يعرفه نفسه بالعبودية حكى ان رجلا سأل الشبلى عن معنى مكر الله فأنشأ الشبلى بقوله شعر : احبك الا ببعضى بل بكلى وان لم يبق حبك لى حراكا ويقبح من سواك الفعل عندى وتفعله فيحسن منك ذاكا تفسير : فقال سائل اسال عن أيت من كتاب الله وتحينى بيت عشر فعلم الشبلى انه لم ينفطن ما قال فقال يا هذا مكره بهم اتركه ايهم على ما هم فيه قال الحسين لا يامن من المكر الا من هو غريق فى المكر فلا يرى المكر مكرا واما اهل اليقظة فانهم يخافون المكر فى جميع الاحوال اذا لسوابق جارية والعواقب خفية وقال ايضا من لا يرى الكل تلبسا كان المكر منه قريبا قال ابو الخير الديلمى كنت يوما عندا الجنيد فارتعدت فرائصه وتغير لونه وبكا وقال ما اخوفنى ان ياخذنى الله قال له بعضه احصابنا تتكلم فى درجات الراضين واحوال المشتاقين قال يا بنى اياك ان تامن مكر الله فىيا من مكر الله الا القوم الخاسرون قال سهل المكر تدبير الله بسابق العلم فلا ينبقى لاحد ان يامن مكره وذكل ان من يامن مكر الله بدفع ولا يجوز ان يخرج نفسه من قدرة الله عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو أن أهل القرى} اى القرى المهلكة المدلول عليها بقوله تعالى {أية : من قرية} تفسير : [الأعراف: 4]. {آمنوا واتقوا} مكان كفرهم وعصيانهم {لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض} لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب مكان ما اصابهم من فنون العقوبات التى بعضها من السماء وبعضها من الارض واكثر اهل التفسير على ان بركات السماء هى المطر وبركات الارض النبات والثمار {ولكن كذبوا} الرسل {فاخذناهم}هذا الاخذ عبارة عما فى قوله تعالى {فاخذناهم بغتة} {بما كانوا يكسبون} من انواع الكفر والمعاصى. وفى الآية دلالة على ان الكفاية والسعة فى الرزق من سعادة المرء اذا كان شاكرا او المراد بقوله لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة الكثرة التى تكون وبالا على من لا يشكر الله تعالى. قال فى التفسير الفارسى [در حقايق سلمى فرموده كه اكر بندكان بكرديدندى بمواعد من وحذر كردندى از مخالفت يا بترسيدندى از تهديد من دلهاء ايشانرا بنور مشاهده خود روشنى دادمى كه ببركت سما اشارت بدانست وجوارح واعضاء ايشانرا بخدمت خود بيا راستمى كه بركت زمين عبارت از آنست شعر : در زمين وآسمان درهاء جود مى كشايند ازبى اهل سجود از زمين بر اطاعت باز كن بر سماى معرفت برواز كن
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {لفتحنا} بتشديد التاء. الباقون بتخفيفها. من شدد ذهب الى التكثير، ومن خفف، فلانه يحتمل القلة والكثرة. ومعنى (لو) امتناع الشيء لامتناع غيره، و (لولا) معناه امتناع الشيء لوجود غيره. وقال الرماني: معنى (لو) تعليل الثاني بالاول الذي يجب بوجوبه، وينتفي بانتفائه على طريقة ان كان، و (ان) فيها هذا المعنى على طريقة يكون. والفرق بين (لو) و (ان) أن (ان) تعلق الثاني بالاول الذي يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون كقولك ان آمن هذا الكافر استحق الثواب، وهذا مقدور وليس كذلك (لو) لانها قد تدخل على ما لا يمكن ان يكون كقولك: لو كان الجسم قديما لاستغنى عن صانع. وفتحت (أن) بعد (لو) لانها مبنية على شبه التعليل اللفظي لاختصاصه بالفعل الماضي، فكأنه قيل لو كان أن اهل القرى آمنوا، وصارت (لو) خلفا منه. واما (لولا انه خارج لاتيته) فتشبه (لو) من جهة تعليق الثاني بالاول فأجريت مجراها. يقول الله تعالى {لو أن أهل} هذه {القرى} التي اهلكناها: من قوم لوط وصالح، وشعيب وغيرهم أقروا بوحدانيتي وصدقوا رسلي {لفتحنا عليهم بركات} وهي الخيرات النامية، وأصله الثبوت فنموُّ الخير يكون كناية عن ثبوته بدوامه، فبركات السماء بالقطر، وبركات الارض بالنبات والثمار، كما وعد نوح بذلك أمته، فقال {أية : يرسل السماء عليكم مدراراً..}تفسير : الآيات. وقيل بركات السماء اجابة الدعاء، وبركات الارض تيسير الحوائج {ولكن كذبوا} يعني كذبوا برسلي فأخذناهم بما كانوا يكسبون من المعاصي ومخالفتي. والكسب العمل الذي يجتلب به نفع او يدفع به ضرر عن النفس، وقد يكسب الطاعة ويكسب المعصية اذا اجتلب النفع من وجه يقبح. قال البلخي: وفى الآية دلالة على أن المقتول ظلما لو لم يقتل لم تجب اماتته، لانه تعالى قال {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} وهذا انما يقوله لقوم أهلكهم ودمر عليهم، وقد كان عالما بما ينزل بهم من الهلاك، فأخبر أنهم لو آمنوا لم يفعل بهم ذلك، ولعاشوا حتى ينزل عليهم بركات من السماء فيتمتعوا بذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} قرى العالم الكبير او قرى العالم الصّغير {آمَنُواْ} بالبيعة العامّة {وَٱتَّقَواْ} بالبيعة الخاصّة فانّ التّقوى الحقيقيّة لايمكن حصولها الاّ بالولاية الحاصلة بالبيعة الخاصّة، لانّ حقيقة التّقوى كما سبق هى التّحرّز عن الطّريق المعوجّة النّفس الّتى توصّل السّالك الى ملكوت السّفلىّ، وبعبارةٍ اخرى هى التّحرّز عن السّلوك الى الملكوت السّفلى ودار الجنّة ولا يمكن ذلك التّحرّز الاّ بامتياز الطّريق المستقيم الّذى يوصل سالكه الى الملكوت العليا وسلوك ذلك الطّريق، ولا يحصل الامتياز الاّ بالولاية الحاصلة بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة لانّ بها انفتاح باب القلب الى الملكوت العليا وظهور طريقه اليها الّذى هو الطّريق المستقيم، وللاشارة الى هذا المعنى اخّر التّقوى ههنا عن الايمان وان كانت بمعنى آخر مقدّمة على الايمان، او المعنى، لو انّ اهل القرى آمنوا بالايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة واتّقوا ما ينافى ايمانه الدّاخل فى قلبه من الفعليّة الحاصلة فى قلب المؤمن من قبول الولاية ومن الذّكر المأخوذ من صاحبه ومن الفكر الحاصل من مداومة الّذكر الّذى هو ملكوت الامام وصورته المثاليّة الّتى تظهر على قلب المؤمن السّالك ويشاهدها فى مرآة صدره؛ هذا فى الكبير، وامّا فى الصّغير فالمعنى لو انّ اهل القرى آمنوا واذعنوا بحكومة العقل ولا سيّما العقل المنقاد لولىّ الامر واطاعوه فى حكومته واتّقوا من مخالفة احكامه {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} اعلم، انّ الانسان بحسب التّحليل الاوّل ينحلّ الى جزءٍ روحانىّ سماوىٍّ وجزء جمسانىّ ارضىٍّ، وله بحسب كلّ جزءٍ حاجات وطلبات وملائمات ومنافرات وهما اللّتان يعبّر عنهما بالخيرات والشّرور، والبركة هى الزّيادة والكثرة فى الخيرات فاذا آمن الانسان وانقاد لكثر خيراته الجسمانيّة الحاصلة من الارض وخيراته الرّوحانيّة الحاصلة من السّماء، وايضاً كثر خيراته الرّوحانيّة والجسمانيّة من اعتناق سماوات الطّبع مع ارض الطّبع، ومن اعتناق سماوات الارواح مع اراضى الاشباح النّوريّة والظّلمانيّة ذلك تقدير العزيز العليم {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ} الرّسل (ع) واوصياءهم والعقل وحكمه {فَأَخَذْنَاهُمْ} اى عاقبناهم {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من نتائج اعمالهم وتكذيبهم.
اطفيش
تفسير : {ولَو أنَّ} المصدر من خبرها فاعل لثبت محذوفا مقدرا بعد لو، وفى مثله أوجه تأتى إن شاء الله {أهْل القُرَى} يعنى القرى المذكورة، فإن قوله: {أية : وما أرسلنا فى قرية} تفسير : ذكر لهن لأن قرية نكرة فى سياق السلف، فهى عامة، وإن قلنا: العموم منصب على نبى فقط، فالمقام وعموم النبى يدل على قرى فهى المراد بالقرى هنا {آمنُوا واتَّقوْا} حذروا معصيته {لفَتحْنا} وقرأ ابن عامر، وعيسى الثقفى، وأبو عبد الرحمن بتشديد التاء للتكثير {عَليْهم بَرَكاتٍ} خيرات نامية والبركة فى الأصل النمو، وقيل: ثبوت الخير الإلهى فى الشىء، وقيل: المواظبة، فمعنى بارك عليه تابع الخير عليه. {مِنَ السَّماءِ والأرضِ} أى غمرناهم بالخيرات النامية، وغطيناهم بها من كل جهة كتوسيع الرزق، والأمن والعافية، وصحة البدن والسلامة من الآفات، كما تقول: غيب الله فلاناً فى الثمر تريد أنه كثر له الثمر، ويحتمل أن يريد ببركة السماء المطر، أو تبركة الأرض الخصب {ولكنْ كذَّبُوا فأخذْناهُم} بالإهلاك {بما كانُوا يكْسِبُونَ} من التكذيب والمعاصى، ويجوز أن تكون أل فى القرى للجنس، وقيل: المراد بالقرى مكة وما حولها، وبأخذهم تضييق المعيشة عليهم لكفرهم ومعاصيهم.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى} هم أَهل القرى فى قوله: {أية : وما أَرسلنا فى قرية من نبى}تفسير : [الأَعراف: 94] أَى المكذبين بدليل قوله {آمَنُوا} بالله ورسله، وقيل: أَهل القرى أَهل مكة وما حولها على أَن أَل للعهد الخارجى، فيكون إِنذار أَهل القرى المذكورة المكذبة بما أَوقع بالمكذبين قبلهم، ولا دليل على هذا الخصوص، وقيل: أَل يختص القرى المرسل إِليها {وَاتَّقَوْا} تركوا الإِشراك والمعصية {لَفَتَحْنَا} وسعنا {عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ} بركات السماء: المطر، وبركات الأَرض النبات والثمار وتصحيح الأَبدان فيه، وتطييب هوائها والسلامة، وتأثير الأَنعام والحيوانات بنباتها، وأَولى من ذلك أَن يقال: بركات السماء والأَرض النفع العام من كل جانب، الذى جعله إِليه فى الأَشياء السماوية والأَرضية كالماء وطيب الأَرض وحرارة الشمس والأَرض والبرودة ونحو ذلك، والفتح استعارة أَصلية اشتق منها تبعية، والجامع سهولة التناول، أَو مجاز مرسل كذلك أَصلى فتبعى لعلاقة اللزوم أَو التسبب، وقد شاهدنا الفتح لمن يؤمن ولم يتق وسمعنا به، وأَيضاً قال الله عز وجل، "أية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أَبواب كل شئ" تفسير : [الأَنعام: 44] إِلخ.. الجواب أَن المراد بفتح البركات فتحنا عليهم منتفعين بها لدينهم ودنياهم شاكرين بها غير معاقبين عليها، أَما لمن لم يؤمن ولم يتق فغير بركات، بل انتقام بعد، هذا ما ظهر لى، وقيل: المراد آمنوا من أَول الأَمر، وقيل: المراد دوام البركة أَو زيادتها، وهما قولان منقوضان {وَلَكِنْ كَذَّبُوا} رسله وكتبه وعصوا، واكتفى بالتكذيب عن نفى التقوى لأَن التكذيب يوجب نفى التقوى، ولأَنه أَعظم من ترك التقوى {فَأَخذْنَاهُمْ} حال السراء مطمئنين لا يخطر ببالهم العذاب، أَو حال الضراء منتظرين للسراء وهو أَشد ما يكون إِذا جاءَهم السوء حيث انتظروا الخير، فإِن قولهم: قد مس آباءَنا الضراء والسراء يرجع إلى العموم و الاحتمال، ولو خص قوله تعالى: "أية : ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة" تفسير : [الأَعراف: 95] بحالة السراء، ويقوى استشعار الضراء أَنها أَنسب بقولهم: اثبتوا على دينكم، فإِن هذه الضراءَ ليست لمخالفتنا من يدعونا إِلى غيره، واعتبر بعضهم ثم بدلنا إِلخ.. فأَوجب أَن الأَخذ فى السراء، وهذا الأَخذ والأَخذ المذكور فى قوله تعالى: "أية : فأَخذناهم بغتة وهم لا يشعرون" تفسير : [الأَعراف: 95] واحد لا جدب ولا قحط لأَنهما قد زالا بتبديل الحسنة مكان السيئة، وحمل الأَول على الأُخروى، والثانى على الدنيوى، أَو بالعكس بعيد {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} بكونهم يكسبون الشرك والمعاصى، أَو بما كانوا يكسبونه من ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} أي القرى المهلكة المدلول عليها بقوله سبحانه: {أية : فِى قَرْيَةٍ } تفسير : [الأعراف: 94] فاللام للعهد الذكري والقرية وإن كانت مفردة لكنها في سياق النفي فتساوي الجمع، وجوز أن تكون اللام للعهد الخارجي إشارة إلى مكة وما حولها. وتعقب ذلك بأنه غير ظاهر من السياق، ووجه بأنه تعالى لما أخبر عن القرى الهالكة بتكذيب الرسل وأنهم لو آمنوا سلموا وغنموا انتقل إلى انذار أهل مكة وما حولها مما وقع بالأمم والقرى السابقة. وجوز في «الكشاف» أن تكون للجنس، والظاهر أن المراد حينئذ ما يتناول القرى المرسل إلى أهلها من المذكورة وغيرها لا ما لا يتناول قرى أرسل إليها نبـي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها كما قيل لإباء ظاهر ما في حين الاستدراك الآتي عنه {ءَامَنُواْ} أي بما أنزل على أنبيائهم {وَٱتَّقَوْاْ} أي ما حرم الله تعالى عليهم كما قال قتادة ويدخل في ذلك ما أرادوه من كلمتهم السابقة. {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} أي ليسرنا عليهم الخير من كل جانب، وقيل: المراد بالبركات السماوية المطر وبالبركات الأرضية النبات، وأياً ما كان ففي فتحنا استعارة تبعية. ووجه الشبه بين لمستعار منه والمستعار له الذي أشرنا إليه سهولة التناول، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل والعلاقة اللزوم ويمكن أن يتكلف لتحصيل الاستعارة التمثيلية، وفي الآية على ما قيل إشكال وهو أنه يفهم بحسب الظاهر منها أنه لم يفتح عليهم بركات من السماء والأرض، وفي الأنعام: [44] {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ }تفسير : وهو يدل على أنه فتح عليهم بركات من السماء والأرض؛ وهو معنى قوله سبحانه: {أَبْوَابَ كُلّ شَىْء} لأن المراد منها الخصب والرخاء والصحة والعافية لمقابلة أخذناهم بالبأساء والضراء، وحمل فتح البركات على إدامته أو زيادته عدول عن الظاهر وغير ملائم لتفسيرهم الفتح بتيسير الخير ولا المطر والنبات. وأجاب عنه الخيالي بأنه ينبغي أن يراد بالبركات غير الحسنة أو يراد آمنوا من أول الأمر فنجوا من البأساء والضراء كما هو الظاهر، والمراد / في سورة الأنعام بالفتح ما أريد بالحسنة هٰهنا فلا يتوهم الإشكال انتهى. وأنت خبير بأن إرادة آمنوا من أول الأمر إلى آخره غير ظاهرة بل الظاهر أنهم لو أنهم آمنوا بعد أن ابتلوا ليسرنا عليهم ما يسرنا مكان ما أصابهم من فنون العقوبات التي بعضها من السماء كأمطار الحجارة وبعضها من الأرض كالرجفة وبهذا ينحل الإشكال لأن آية الأنعام لا تدل على أنه فتح لهم هذا الفتح كما هو ظاهر لتاليها، وما ذكر من أن المراد بالفتح هناك ما أريد بالحسنة هٰهنا إن كان المراد به أن الفتح هناك واقع موقع إعطاء الحسنة بدل السيئة هنا حيث كان ذكر كل منهما بعد ذكر الأخذ بالبأساء والضراء وبعده الأخذ بغتة فربما يكون له وجه لكنه وحده لا يجدي نفعاً، وإن كان المراد به أن مدلول ذلك العام المراد به التكثير هو مدلول الحسنة فلا يخفى ما فيه فتدبر، وقيل: المراد بالبركات السماوية والأرضية الأشياء التي تحمد عواقبها ويسعد في الدارين صاحبها وقد جاءت البركة بمعنى السعادة في كلامهم فلتحمل هنا على الكامل من ذلك الجنس ولا يفتح ذلك إلا للمؤمن بخلاف نحو المطر والنبات والصحة والعافية فإنه يفتح له وللكافر أيضاً استدراجاً ومكراً، ويتعين هذا الحمل على ما قيل إذا أريد من القرى ما يتناول قرى أرسل إليها نبـي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها، وقيل: البركات السماوية إجابة الدعاء والأرضية قضاء الحوائج فليفهم وقرأ ابن عامر {لَفَتَحْنَا} بالتشديد. {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ} أي ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا، وقد اكتفى بذكر الأول لاستلزامه الثاني وللإشارة إلى أنه أعظم الأمرين {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من أنواع الكفر والمعاصي التي من جملتها قولهم السابق، والظاهر أن هذا الأخذ والمتقدم في قوله سبحانه: {أية : فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } تفسير : [الأعراف: 95] واحد وليس عبارة عن الجدب والقحط كما قيل: لأنهما قد زالا بتبديل الحسنة مكان السيئة، وحمل أحد الأخذين على الأخذ الأخروي والآخر على الدنيوي بعيد، ومن ذهب إلى حمل أل على الجنس على الوجه الأخير فيه يلزمه أن يحمل {كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـٰهُمْ} على وقوع التكذيب والأخذ فيما بينهم ولا يخفى بعده.
ابن عاشور
تفسير : عُطفت جملة {ولو أن أهل القرى} على جملة: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء}تفسير : [الأعراف: 94] أي: ما أرسلنا في قرية نبيئاً فكذبه أهلها إلاّ نبهناهم واستدرجناهم ثم عاقبناهم، ولو أن أهل تلك القرى المُهْلَكَةِ آمنوا بما جاءهم به رسولهم واتقوا ربهم لما أصبناهم بالبأساء ولأحييناهم حياة البركة، أي: ما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم. وشرط (لو) الامتناعية يحصل في الزمن الماضي، ولما جاءت جملة شرطها مقترنة بحرف (أنّ) المفيد للتأكيد والمصدرية، وكان خبر (أنّ) فعلاً ماضياً توفر معنى المضي في جملة الشرط. والمعنى: لو حصل إيمانهم فيما مضى لفتحنا عليهم بركات. والتقْوى: هي تقوى الله بالوقوف عند حدوده وذلك بعد الإيمان. والتعريف في {القرى} تعريف العهد، فإضافة {أهل} إليه تفيد عمومه بقدر ما أضيف هو إليه، وهذا تصريح بما أفهمه الإيجاز في قوله: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء}تفسير : [الأعراف: 94] الآية كما تقدم، وتعريض بإنذار الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل مكة، وتعريض ببشارة أهل القُرى الذين يؤمنون كأهل المدينة، وقد مضى في صدر تفسير هذه السورة ما يقرّب أنها من آخر ما نزل بمكة، وقيل، إن آيات منها نزلت بالمدينة كما تقدم وبذلك يظهر موقع التعريض بالنذارة والبشارة للفريقين من أهل القرى، وقد أخذ الله أهل مكة بعد خروج المؤمنين منها فأصابهم بسبع سنين من القحط، وبارك لأهل المدينة وأغناهم وصرف عنهم الحمى إلى الجُحفة، والجُحفة يومئذٍ بلاد شرك. والفتح: إزالة حَجْز شيء حاجز عن الدخول إلى مكان، يقال: فتح الباب وفتح البيت، وتعديته إلى البيت على طريقة التوسع، وأصله فتح للبيت، وكذلك قوله هنا: {لفتحنا عليهم بركات} وقولُه: {أية : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها}تفسير : [فاطر: 2]، ويقال: فتح كوة، أي: جعلها فتحة، والفتح هنا استعارة للتمكين، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} تفسير : في سورة الأنعام (44). وتعدية فعل الفتح إلى البركات هنا استعارة مكنية بتشبيه البركات بالبيوت في الانتفاع بما تحتويه، فهنا استعارتان مكنية وتبعية، وقرأ ابن عامر: لفتّحنا} ــــ بتشديد التاءِ ــــ وهو يفيد المبالغة. والبركات: جمع بركة، والمقصود من الجمع تعددها، باعتبار تعدد أصناف الأشياء المباركة. وتقدم تفسير البركة عند قوله تعالى: {أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك} تفسير : في سورة الأنعام (92). وتقدم أيضاً في قوله تعالى: {أية : إن أول بيت وضع للناس للّذي ببكّة مباركاً}تفسير : في سورة آل عمران (96). وتقدم أيضاً في قوله تعالى: {أية : تَبارك الله رب العالمين} تفسير : في هذه السورة (54)، وجُماع معناها هو الخير الصالح الذي لا تبعة عليه في الآخرة فهو أحسن أحوال النعمة، ولذلك عبر في جانب المغضوب عليهم المستدرَجين بلفظ {الحسنة} بصيغة الإفراد في قوله: {أية : مكان السيئة الحسنة} تفسير : وفي ج [الأعراف: 95] انب المؤمنين بالبركات مجموعة. وقوله: {من السماء والأرض} مراد به حقيقته، لأن ما يناله الناس من الخيرات الدنيوية لا يعدو أن يكون ناشئاً من الأرض، وذلك معظم المنافع، أو من السماء مثل ماء المطر وشعاع الشمس وضوء القمر والنجوم والهواء والرياح الصالحة. وقوله: {ولكن كذبوا} استثناء لنقيض شرط (لو) فإن التكذيب هو عدم الإيمان فهو قياس استثنائي. وجملة: {فأخذناهم} متسببة على جملة: {ولكن كذبوا} وهو مثل نتيجة القياس، لأنه مساوي نقيضِ التالي، لأن أخذهم بما كسبوا فيه عدم فتح البركات عليهم. وتقدم معنى الأخذ آنفاً في قوله تعالى: {أية : فأخذناهم بغتة}تفسير : [الأعراف: 95]، والمراد به أخذ الاستئصال. والباء للسببية أي بسبب ما كسبوه من الكفر والعصيان. (والفاء) في قوله: {أفأمن أهل القرى} عاطفة أفادت الترتب الذكري، فإنه لما ذكر من أحوال جميعهم ما هو مثار التعجيب من حالهم أعقبه بما يدل عليه معطوفاً بفاء الترتب. ومحل التعجيب هو تواطؤهم على هذا الغرور، أي يترتب على حكاية تكذيبهم وأخذِهم استفهامُ التعجيب من غرورهم وأمنهم غضب القادر العليم. وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب عند قوله تعالى: {أية : أفكلما جاءكم رسول} تفسير : في سورة البقرة (87). وجيء بقوله: {يأتيهم} بصيغة المضارع لأن المراد حكاية أمنهم الذي مضى من إتيان بأس الله في مستقبل ذلك الوقت. وقوله: {أوْ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسناً ضحى وهم يلعبون} قرأه نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر ــــ بسكون الواو ــــ على أنه عطف بحرف (أو) الذي هو لأحد الشيئين عطفاً على التعجيب، أي: هو تعجيب من أحد الحالين. وقرأه الباقون ــــ بفتح الواو ــــ على أنه عطف بالواو مقدمة عليه همزةُ الاستفهام، فهو عطف استفهام ثان بالواو المفيدة للجمع، فيكون كلا الاستفهامين مدخولاً لفاء التعقيب، على قول جمهور النحاة، وأما على رأي الزمخشري فيتعين أن تكون الواو للتقسيم، أي تقسيم الاستفهام إلى استفهامين، وتقدم ذكر الرأيين عند قوله تعالى: {أية : أفكلما جاءكم رسول} تفسير : في سورة البقرة (87). و{بياتاً} تقدم معناه ووجه نصبه عند قوله تعالى: {أية : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسناً بياتاً} تفسير : في أول هذه السورة (4). والضحَى بالضم مع القصر هو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرق وارتفع، وفسره الفقهاء بأن ترتفع الشمس قيد رمح، ويرادفه الضحوة والضّحْوُ. والضحى يذكر ويؤنث، وشاع التوقيت به عند العرب ومن قبلهم، قال تعالى حكاية عن موسى: {أية : قال مَوْعدكُمْ يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضُحى}تفسير : [طه: 59]. وتقييد التعجيب من أمْنهم مجيءَ البأس، بوقتي البيات والضحى، من بين سائر الأوقات، وبحالي النوم واللعب، من بين سائر الأحوال، لأن الوقتين أجدر بأن يحذر حلول العذاب فيهما، لأنهما وقتان للدعة، فالبيات للنوم بعد الفراغ من الشغل. والضحى للعب قبل استقبال الشغل، فكان شأن أولي النهى المعرضين عن دعوة رسل الله أن لا يأمنوا عذابه، بخاصة في هذين الوقتين والحالين. وفي هذا التعجيب تعريض بالمشركين المكذبين للنبيء صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم ما حلَّ بالأمم الماضية، فكان ذكر وقت البيات، ووقت اللعب، أشد مناسبة بالمعنى التعريضي،. تهديداً لهم بأن يصيبهم العذاب بأفظع أحواله، إذ يكون حلوله بهم في ساعة دعتهم وساعة لهوهم نكاية بهم. وقوله: {أفأمنوا مكر الله} تكرير لقوله: {أفأمنَ أهل القرى} قصد منه تقرير التعجيب من غفلتهم، وتقرير معنى التعريض بالسامعين من المشركين، مع زيادة التذكير بأن ما حل بأولئك من عذاب الله يماثل هيئة مكر الماكر بالممكور فلا يحسبوا الإمهال إعراضاً عنهم، وليحذروا أن يكون ذلك كفعل الماكر بعدوّه. والمكر حقيقته: فعل يقصد به ضر أحد في هيئة تخفَى أو هيئة يحسبها منفعة. وهو هنا استعارة للإمهال والإنعام في حال الإمهال، فهي تمثيلية، شبه حال الإنعام مع الإمهال وتعقيبه بالانتقام بحال المكر، وتقدم في سورة آل عمران (54) عند قوله: {أية : ومكَروا ومكر الله والله خير الماكرين}.تفسير : وقوله: {فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون} مُترتب ومتفرع عن التعجيب في قوله: {أفأمنوا مكر الله} لأن المقصود منه تفريع أن أهل القرى المذكورين خاسرون لثبوت أنهم أمنوا مكر الله، والتقدير: أفأمنوا مكر الله فهم قوم خاسرون. وإنما صيغ هذا التفريع بصيغة تعُم المخبَر عنهم وغيرهم ليجري مجرى المثل ويصير تذييلاً للكلام، ويدخل فيه المعرّض بهم في هذه الموعظة وهم المشركون الحاضرون، والتقدير: فهم قوم خاسرون، إذ لا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون. والخسران ــــ هنا ــــ هو إضاعة ما فيه نفعهم بسوء اعتقادهم، شُبه ذلك بالخسران وهو إضاعة التاجر رأس ماله بسوء تصرفه، لأنهم باطمئنانهم إلى السلامة الحاضرة، وإعراضهم عن التفكر فيما يعقبها من الأخذ الشبيه بفعل الماكر قد خسروا الانتفاع بعقولهم وخسروا أنفسهم. وتقدم قوله تعالى: {أية : الذين خسروا أنفسهم} تفسير : في سورة الأنعام (12)، وقوله: {أية : فأولئك الذين خسروا أنفسهم} تفسير : في أول السورة (9). وتقدم أن إطلاق المَكْر على أخذ الله مستحقي العقاب بعد إمهالهم: أن ذلك تمثيل عند قوله تعالى: {أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} تفسير : في سورة آل عمران (54). واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتُدىء الحديث عنه من قوله: {أية : وما أرسلنا في قرية من بني إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضّراء لعلهم يضرّعون}تفسير : [الأعراف: 94] ثم قوله: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً} الآياتِ، وهو الأمن الناشىء عن تكذيب خبر الرسول ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ، وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمن ناشىء عن كفر، والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم وما أطلق عليه أنه مكر الله. ومن الأمن من عذاب الله أصنْاف أخرى تُغاير هذا الأمن، وتتقارب منه، وتتباعد، بحسب اختلاف ضمائر الناس ومبالغ نياتهم، فأما ما كان منها مستنداً لدليل شرعي فلا تَبعةَ على صاحبه، وذلك مثل أمن المسلمين من أمثال عذاب الأمم الماضية المستند إلى قوله تعالى: {أية : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} تفسير : [الأنفال: 33]، وإلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم}ــــ فقال النبي ــــ عليه الصلاة والسلام: أعوذ بسبحات وجهك الكريم ــــ {أَوْ مِن تحت أرجلكم} ـــ فقال: «حديث : أعوذ بسبحات وجهك الكريم {أو يلبسكم شيعا} [الأنعام: 65] الآية ــــ فقال: هذه أهون» تفسير : كما تقدم في تفسيرها في سورة الأنعام ومثل، أمن أهل بدر من عذاب الآخرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : في قصة حاطب بن أبي بلتعة. ومثل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن سلام أنه لا يزال آخذاً بالعروة الوثقى، ومثل الأنبياء فإنهم آمنون من مكر الله بإخبار الله إياهم بذلك، وأولياءُ الله كذلك، قال تعالى: {أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون}تفسير : [يونس: 62، 63] فمن العجيب ما ذكره الخفاجي أن الحنفية قالوا: الأمنُ من مكر الله كفر لقوله تعالى: {فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون}. والأمنُ مجمل ومكر الله تمثيل والخسران مشكك الحقيقة. وقال الخفاجي: الأمنُ من مكر الله كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال على المعاصي اتكالاً على عفو الله وذلك مما نسبه الزركشي في «شرح جمع الجوامع» إلى ولي الدين، وروى البزار وابن أبي حاتم عن ابن عباس: «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما الكبائر فقال: الشرك بالله واليأس من روح الله والأمنُ من مكر الله»تفسير : ، ولم أقف على مبلغ هذا الحديث من الصحة، وقد ذكرنا غير مرة أن ما يأتي في القرآن من الوعيد لأهل الكفر على أعمال لهم مرادٌ منه أيضاً تحذير المسلمين مما يشبه تلك الأعمال بقدر اقتراب شبهه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: آمنوا واتقوا: أي آمنوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده واتقوه تعالى بطاعته وعدم معصيته. بركات من السماء والأرض: جمع بركة وهي دوام الخير وبقاؤه والعلم والإِلهام والمطر من بركات السماء والنبات والخصب والرخاء والأمن والعافية من بركات الأرض. يكسبون: من الشرك والمعاصي. بياتا: أي ليلاً وهم نائمون. مكر الله: استدراجه تعالى لهم بإغداق النعم عليهم من صحة الأبدان ورخاء العيش حتى إذا آمنوا مكره تعالى بهم أخذهم بغتة. أو لم يهد لهم: أي أو لم يبين لهم بمعنى يتبين لهم. بذنوبهم: أي بسبب ذنوبهم. معنى الآيات: بعدما بين تعالى سنته في الأمم السابقة، وهي أخذ الأمة بعد تكذيبها وعصيانها بالبأساء والضراء، ثم إذا هي لم تتب واستمرت على كفرها وعصيانها أغدق عليها الخيرات حتى عفت بكثرة مالها وصلاح حالها أخذها بغتة فأهلكها، وتم خسرانها في الدارين، فتح تعالى باب التوبة والرجاء لعباده فقال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} المكذبين ككفار مكة والطائف وغيرهما من المدن {ءَامَنُواْ} أي بالله ورسوله وبلقاء الله ووعده ووعيده، {وَٱتَّقَواْ} الله تعالى في الشرك وفي معصيته ومعصية رسوله لفتح عليهم أبواب السماء بالرحمات والبركات، وفتح عليهم كنوز الأرض ورزقهم من الطيبات ولكن أهل القرى الأولين كذبوا فأخذهم بالعذاب بما كانوا يكسبون، وأهل القرى اليوم وهم مكذبون فإما أن يعتبروا بما أصاب أهل القرى الأولين فيؤمنوا ويوحدوا ويطيعوا، وإما أن يصروا على الشرك والتكذيب فينزل بهم ما نزل بمن قبلهم من عذاب الإِبادة والاستئصال، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [96] وهي قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أما الآيات الثلاث بعدها فإن الله تعالى ينكر على أهل القرى غفلتهم موبخاً لهم على تماديهم وإصرارهم على الباطل معجباً من حالهم فيقول: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ}؟ أي أجهلوا من نزل بمن قبلهم فأمنوا أن يأتيهم عذابنا ليلاً وهم نائمون؟ {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} أي عذابنا {ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}؟ أي أو غفل أهل القرى وأمنوا أن يأتيهم عذابنا ضحى وهم في أعمالهم التي لا تعود عليهم بخير كأنها لعب أطفال يلعبون بها {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ}؟ أغرهم إمهالنا لهم واستدراجنا إياهم فأمنوا مكر الله؟ إنهم في ذلك خاسرون إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وقوله تعالى في الآية الخامسة [100] {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي عمى الذين يرثون الأرض من بعد أهلها ولم يتبين لهم بعد ولم يعلموا أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا الذين ورثوا ديارهم بذنوبهم {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي ونجعل على قلوبهم غشاوة حتى لا يعوا ما يقال لهم ولا يفهموا ما يراد بهم حتى يهلكوا كما هلك الذين من قبلهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عرض الرحمن تبارك وتعالى رحمته على عباده ولم يطلب منهم أكثر من الإِيمان والتقوى. 2- حرمة الغفلة ووجوب الذكر واليقظة. 3- حرمة الأمن من مكر الله تعالى. 4- إذا أمنت الأمة مكر الله تهيأت للخسران وحل بها لا محالة. 5- وجوب الاعتبار بما أصاب الأولين، وذلك بترك ما كان سبباً لهلاكهم.
القطان
تفسير : بركات السماء: تشمل الروحية والمادية، وبركات الارض الخصب، وما فيها من معادن وخيرات. البأس: العذاب. بياتا: ليلا. الضحى: اولها النهار. يلعبون: يلهون من فرط غفلتهم. المكر: التدبير الخفي، والخداع وان تَصْرِف غيرك عن مقصده بحيلة. ومكرُ الله مجازاتُهُ على المكر. هداه السبيل: دله عليه. بعد ان بين الله أخْذَه لأهل القرى الذين كذّبوا رسُلهم - ذكر هنا لأهل مكةَ ما يكون من إغداقِ النعم عليهم لو آمنوا بالرسول واهتَدوا بهدْية، واعتبروا بسنّة الله في الأُمم من قبلهم. لو أن أهل تلك القرى آمنوا بما جاء به انبياؤهم، وعملوا بوصاياهم، وابتعدوا عما حرمه الله - لفتحْنا عليهم أنواعاً من بركات السماء والارض نِعماً لا تحصى، كالمطر والنبات والثمار والمعادن والأرزاق، والسلامة من الآفات... لكنهم جحدوا وكذبوا أولئك الرسل، فأنزلنا بهم عقوبتنا، لِما كانوا يقترفونه من الشرك والمعاصي. ثم عجب الله من حالهم وغفلتهم فقال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ...}. هل جهِلَ أهل هذه القرى فاطمأنّوا الى أنه لن يأتيَهم عذابنا وقتَ بياتِهم! وفي هذا تحذير للناس أجمعين. أو أن ينزل بهم العذاب في النهار وقتَ الضحى وهم منهمكون في أعمالهم العابثة حتى كأنها لَعِب!! قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: "أوْ أمن" بتسكين الواو. والباقون اَوَ أمن بفتح الواو. {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. هل جَهِلوا سُنّة الله في المكذّبين، فأمِنوا عذابه ليلا او نهارا؟ إنه لا يحهل تدبير الله وقُدرتَه في عقوبة المكذّبين برسُله الا الذين خسروا أنفسَهم غباءً، فلم يفقهوا ما فيه سعادتهم. فلا يجوز لأحد ان يأمن مكر الله ويظلّ مسترسلاً في المعاصي، اتّكالاً على عفوه ومغفرته ورحمته. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بقوله: "حديث : اللهم يا مقلّبَ القلوب والأبصار ثبِّتْ قلبي عل دينك" تفسير : وقد بين لنا الله تعالى ان الراسخين في العلم يدعونه فيقولون: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً}. وكما ان الأمن من مكر الله خُسران ومفسدة، فاليأس من رحمة الله كذلك. لذا وجب ان يظل المؤمن بين الخوف والرجاء دائما. {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}. هذا تحذير للسامعين، وخطابٌ لجميع الناس حتى يتّعضوا ويستقيموا. ومعناه: أغابَتْ عن الذين يخلْفونَ مَن قَبلهم من الأمم سُنّةُ الله فيمن قبلهم!! وإن شأننا فيهم كشأنِنا فيمن سبقوهم، لو نشاء ان نعذّبهم أصبنْاهم كما أصبنْا أمثالَهم. ولا يرد الله سبحانُه وتعالى للناس بهذا التحذير الشديد ان يعيشوا خائفين قلقين، كلا، بل يطلب منهم اليقظة ومراقبة النفس والعظة من تجارب البشر. هكذا ينبغي ان نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يُدفع، ومن مكر الله الذي لايُدرك. إنه لا يدعو الى القلق وانما الى اليقظة، ولا يؤدي الى الفزع بل الى الحساسية، وهو لايعطل الحياة وإنما يحرسها من الاستهتار والطغيان.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {بَرَكَاتٍ} {فَأَخَذْنَاهُمْ} (96) - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ القُرَى آمَنُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ النَّبِيُّونَ، وَصَدَّقُوهُمْ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذِي جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَاتَّقَوْا بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ، لأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَفَاضَتِ الأَرْضُ بِالخَيْرَاتِ، وَلكِنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ، بِإِهْلاَكِهِمْ عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ المَآثِمِ وَالمَحَارِمِ. (وَقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ بِأَهْلِ القُرَى هُنَا أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ القُرَى، وَلكِنَّ النَّصَّ أَشْمَلُ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى قُرَى الأَقْوَامِ السَّالِفِةِ التِي أَهْلَكَهَا اللهُ تَعَالَى فِيمَا سَلَفَ مِنَ الأَزْمَانِ). لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ - لَيَسَّرْنَا عَلَيْهِمْ، أَوْ تَابَعْنَا عَلَيْهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أنهم لو آمنوا بالموجود الأعلى، واتقوا باتباع منهجه أمراً باتباع أمراً ونهيًا تسلم آلاتهم، لأن الصانع من البشر حتى يصنع آلة من الآلات، يحدد ويبيّن الغاية من الآلة قبل أن يبتكرها، ويصمم لها أسلوب استخدام معين، وقانون صيانة خاصا لتؤدي مهمتها، فما بالنا بمن خلق الإِنسان، إذن فالبشر إذا تركوا رب الإِنسان يضع منهج صيانة الإِنسان لعاش هذا الإِنسان في كل خير، وسبحانه وتعالى أوضح أنهم إن اتقوا، تأت لهم بركات من السماء والأرض، فإن أردتها بركات مادية تجدها في المطر الذي ينزل من أعلى، وبركات من الأرض مثل النبات، وكذلك كنوزها التي تستنبط منها الكماليات المرادة في الحياة. وما معنى البركة؟. البركة هي أن يعطي الموجودُ فوق ما يتطلبه حجمه؛ كواحد مرتبه خمسون جنيهاً ونجده يعيش هو وأولاده في رضا وسعادة، ودون ضيق، فنتساءل: كيف يعيش؟ ويجيبك: إنها البركة. وللبركة تفسير كوني لأن الناس دائماً - كما قلنا سابقاً - ينظرون في وارداتهم إلى رزق الإِيجاب، ويغفلون رزق السلب. رزق الإِيجاب أن يجعل سبحانه دخلك آلاف الجنيهات ولكنك قد تحتاج إلى أضعافهم، ورزق السلب يجعل دخلك مائة جنيه ويسلب عنك مصارف كثيرة، كأن يمنحك العافية فلا تحتاج إلى أجر طبيب أو نفقة علاج. إذن فقوله: {بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي أن يعطي الحق سبحانه وتعالى القليل الكثير في الرزق الحلال، ويمحق الكثير الذي جاء من الحرام كالربا، ولذلك سمى المال الذي نخرجه عن المال الزائد عن الحاجة سماه زكاة مع أن الزكاة في ظاهرها نقص، فحين تملك مائة جنيه وتخرج منها جنيهين ونصف الجنيه يكون قد نقص مالك في الظاهر. وإن أقرضت أحداً بالربا مائة جنيه فأنت تأخذها منه مائة وعشرة، لكن الحق سمى النقص في الأولى نماء وزكاة، وسمى الزيادة في الثانية محقا وسحتاً، وسبحانه قابض باسط. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] إذن فلو أخذ الإِنسان قانون صيانته من خالقه لاستقامت له كل الأمور، لكن الإِنسان قد لا يفعل ذلك. ويقول الحق: {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. وهكذا نعلم أن الأخذ ليس عملية جبروت من الخالق، وإنما هي عدالة منه سبحانه؛ لأن الحق لو لم يؤاخذ المفسدين، فماذا يقول غير المفسدين؟. سيقول الواحد منهم: مادمنا قد استوينا والمفسدين، وحالة المفسدين تسير على ما يرام، إذن فلأفسد أنا أيضاً. وذلك يغري غير المفسد بأن يفسد، ويعطي لنفسه راحتها وشهوتها، لكن حين يأخذ الله المفسدين بما كانوا يكسبون، يعلم غير المفسد أن سوء المصير للمفسد واضح، فيحفظ نفسه من الزلل. كان القياس أنه يقول سبحانه: بما كانوا يكتسبون، لأن مسألة الحرام تتطلب انفعالات شتى، وضربنا المثل من قبل بأن إنساناً يجلس مع زوجته، وينظر إلى جمالها ويملأ عينيه منها، لكن إن جلس مع أجنبية وأراد أن يغازلها ليتمتع بحسنها، فهو يناور ويتحايل، وتتضارب ملكاته بين انفعالات شتى، وهو يختلف في ذلك عن صاحب الحلال الذي تتناسق ملكاته وهو يستمتع بما أحل له الله، ولكنْ هؤلاء المفسدين تدربوا على الفساد فصار دربة تقرب من الملكة فقال فيهم الحق: إنهم يكسبون الفساد، ولا يجدون في ارتكابه عنتا. ويقول الحق بعد ذلك: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} معناهُ لَرَزقناهُم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ} [الأعراف: 96] في أن {أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} أشارة إلى أن صفات القالب لو آمنوا بما يروا إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق {وَٱتَّقَواْ} مشتهيات النفس ومستلذات الطبع، {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} [الأعراف: 96]؛ أي: لفتحنا على صفات النفس أسباب العواطف من سماء الروح وأرض القلب، {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ} [الأعراف: 96] بالواردات الربانية والأخلاق الروحانية، {فَأَخَذْنَٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]؛ أي: عاقبناهم بعذاب البعد بما كسبوا من مخالفات الحق وموافقات الطبع، {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} [الأعراف: 97]؛ أي: هذه الصفات، {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} [الأعراف: 97] في صورة القهر وفي حقيقة اللطف فأما في صورة القهر فيأتهم الموت، {بَيَٰتاً} [الأعراف: 97] بالليل، {وَهُمْ نَآئِمُونَ} [الأعراف: 97]، وأما في حقيقة اللطف فيأتيهم سطوات جذبنا فجاءة وهم غافلون. {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأعراف: 98]؛ أي: يشتغلون بالدنيا فإنها لهو ولعب، {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} [الأعراف: 99] فمكره مع أهل القهر بالقهر، ومع أهل اللطف باللطف، {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ} [الأعراف: 99] أي: أهل القهر، {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] الذين خسروا سعادة الدراين، ومن أهل اللطف إلا {ٱلْخَاسِرُونَ} من الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى، فعلى هذا أهل الله هم الآمنون من مكر الله في حقهم مكر باللطف، دل عليه قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 82] ولهذا قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 30]؛ لأن مكرهم مكر في مستحقيه وغير مستحقيه، ومكره في مستحقيه بالقهر وفي غير مستحقيه باللطف، فافهم جيداً واعتبر جدّاً. ثم أخبر عن إظهار اللطف مع مستحقي القهر بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأعراف: 100] إلى قوله: {أية : لَفَاسِقِينَ}تفسير : [الأعراف: 102] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} دليلاً على أنه تعالى يمن على نبينا صلى الله عليه وسلم في قومه، أو سار بسيرة من ورثوهم الأرض وعملوا أعمالهم، {أية : فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ}تفسير : [الذاريات: 44] وخالفوا نبيهم وقاتلوا معه استحقوا الهلاك، وإن يصيبهم كما أصابهم ولكن الله تعالى ببركة النبي صلى الله عليه وسلم ما أهلكهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33] فأمهلهم حتى أسلموا أكثرهم، واسلموا أولادهم، وأولاد أولادهم فيه يشير إلى أن الذنوب، وإن كانت موجبة للعذاب لو شاء الله يعذبهم بها ولو شاء يعفو عنهم ويغفر لهم. وفي قوله تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] إشارة إلى أن من سمع قول الأنبياء وقيل دعوتهم إنما كان بمشيئة الله تعالى وحسن توفيقه، ومن لم يسمع إما كا ن ببغضاء الله وخذلانه إياه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل يبتلون بالضراء موعظة وإنذارا، وبالسراء استدراجا ومكرا، ذكر أن أهل القرى، لو آمنوا بقلوبهم إيمانا صادقا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى اللّه تعالى ظاهرا وباطنا بترك جميع ما حرم اللّه، لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصب، ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا { فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة. {أية : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } . تفسير : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى } أي: المكذبة، بقرينة السياق { أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا } أي: عذابنا الشديد { بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ } أي: في غفلتهم، وغرتهم وراحتهم. { أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } أي: أي شيء يؤمنهم من ذلك، وهم قد فعلوا أسبابه، وارتكبوا من الجرائم العظيمة، ما يوجب بعضه الهلاك؟! { أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ } حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم، إن كيده متين، { فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } فإن من أمن من عذاب اللّه، فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان. وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان. بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله: ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):