٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
109
Tafseer
ابن كثير
تفسير : أي: قال الملأ، وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه بعدما رجع إليه روعه، واستقر على سرير مملكته، بعد ذلك قال للملأ حوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ} فوافقوا، وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره: كيف يصنعون في أمره؟ وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه؟ وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون، فيكون ذلك سبباً لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا فيه؛ كما قال تعالى: {أية : فِى ٱلأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ} تفسير : [القصص: 6] فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه، اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ } فائق في علم السحر. وفي (الشعراء) [34:26] أنه من قول فرعون نفسه، فكأنهم قالوه معه على سبيل التشاور.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قَالُواْ أَرْجِه وَأَخَاهُ} فيه قولان: أحدهما: معناه أخِّرْهُ، قاله ابن عباس والحسن. والثاني: أحبسه، قاله قتادة والكلبي. {وَأَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ} قال ابن عباس: هم أصحاب الشُرَط وهو قول الجماعة أرسلهم في حشر السحرة وكانوا اثنين وسبعين رجلاً.
ابن عطية
تفسير : الساحر كان عندهم في ذلك الزمن أعلى المراتب وأعظم الرجال، ولكن وصفهم موسى بذلك مع مدافعتهم له عن النبوة ذم عظيم وحط، وذلك قصدوا إذ لم يمكنهم أكثر، وقولهم {يريد أن يخرجكم من أرضكم} يعنون بأنه يحكم فيكم بنقل رعيتكم في بني إسرائيل فيفضي ذلك إلى خراب دياركم إذا ذهب الخدمة والعمرة، وأيضاً فلا محالة أنهم خافوا أن يقاتلهم وجالت ظنونهم كل مجال، وقال النقاش: كانوا يأخذون من بني إسرائيل خرجاً كالجزية فرأوا أن ملكهم يذهب بزوال ذلك، وقوله {فماذا تأمرون} الظاهر أنه من كلام الملأ بعضهم إلى بعض، وقيل هو من كلام فرعون لهم، وروى كردم عن نافع "تأمرونِ" بكسر النون، وكذلك في الشعراء و "في" استفهام و "ذا" بمعنى الذي فهما ابتداء وخبر، وفي {تأمرون} ضمير عائد على الذي تقديره تأمرون به ويجوز أن تجعل {ماذا} بمنزلة اسم واحد في موضع نصب بـ {تأمرون} ولا يضمر فيه على هذا، قال الطبري: والسحر مأخوذ من سحر المطر الأرض إذا جادها حتى يقلب نباتها ويقلعه من أصوله فهو يسحرها سحراً والأرض مسحورة. قال القاضي أبو محمد: وإنما سحر المطر الطين إذا أفسده حتى لا يمكن فيه عمل، والسحر الآخذة التي تأخذ العين حتى ترى الأمر غير ما هو، وربما سحر الذهن، ومنه قول ذي الرمة: [الوافر] شعر : وساحرة السراب من الموامي يرقص في نواشزها الأروم تفسير : أراد أنه يخيل نفسه ماء للعيون. ثم أشار الملأ على فرعون بأن يؤخر موسى وهارون ويدع النظر في أمرهما ويجمع السحرة من كل مكان حتى تكون غلبة موسى بحجة واضحة معلومة بينة، وقرأ ابن كثير "أرجئهو" بواو بعد الهاء المضمومة وبالهمز قبل الهاء، وقرأ أبو عمرو "أرجئه" بالهمز، دون واو بعدها وقرأ نافع وحده في رواية قالون: "أرجهِ" بكسر الهاء، ويحتمل أن يكون المعنى: أخره فسهل الهمزة، ويحتمل من الرجا بمعنى أطعمه ورجه قاله المبرد، وقرأ ورش عن نافع: "أرجهِي" بياء بعد كسرة الهاء، وقرأ ابن عامر: "أرجئهِ" بكسر الهاء وبهمزة قبلها، قال الفارسي وهذا غلط وقرأ عاصم والكسائي "أرجهُ" بضم الهاء دون همز، وروى أبان عن عاصم: "أرجهْ" بسكون الهاء وهي لغة تقف على هاء الكناية إذا تحرك ما قبلها، ومنه قول الشاعر: [منظور بن حبة الأسدي] شعر : أنحى عليًّ الدهرُ رجلاً ويدا يقسم لا أصلَحَ إلا أفسدا تفسير : فيصلح اليوم ويفسد غداً. وقال الآخر: شعر : لما رأى أن لا دعة ولا شبع مال إلى أرطاة حقق فاضطجع تفسير : وحكى النقاش أنه لم يكن يجالس فرعون ولد غية وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإرجاء ولم يشيروا بالقتل وقالوا: إن قتلته دخلت على الناس شبهة ولكن اغلبه بالحجة، و {المدائن} جمع مدينة وزنها فعيلة من مدن أو مفعلة من دان يدين وعلى هذا يهمز مدائن أو لا يهمز، و {حاشرين} معناه جامعين، قال المفسرون: وهم الشرط، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "بكل ساحر" وقرأ حمزة والكسائي: "بكل سحار" على بناء المبالغة وكذلك في سورة يونس، وأجمعواعلى "سحار" في سورة الشعراء، وقال قتادة: معنى الإرجاء الذي أشاروا إليه السجن والحبس. وقوله تعالى: {وجاء السحرة} الآية، هنا محذوفات يقتضيها ظاهر الكلام وهي أنه بعث إلى السحرة وأمرهم بالمجيء، وقال ابن عباس أنه بعث غلماناً فعلموا بالفرما وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حفص "أن لنا لأجرا" على جهة الخبر، وقرأوا في الشعراء {أن لنا} ممدودة مفتوحة الألف غير عاصم فإنه لا يمدها، قال أبو علي ويجوز أن تكون على جهة الاستفهام وحذف ألفها، وقد قيل ذلك في قوله {أية : أن عبدت بني إسرائيل} تفسير : [الشعراء:22] ومنه قول الشاعر:[حضرمي بن عامر]. شعر : أفرح أن أرزأ الكرام تفسير : وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي هنا وفي الشعراء "آإن" بألف الاستفهام قبل "إن" وقرأت فرقة "أئن" دون مد، وقرأ أبوعمرو هنا وفي الشعراء "أئن"، والأجر هنا الأجرة فاقترحوها إن غلبوا فأنعم فرعون لهم بها وزادهم المنزلة والجاه، ومعناه المقربين مني، وروي أن السحرة الذين جاءوا إلى فرعون كانوا خمسة عشر ألفاً قاله ابن إسحاق، وقال ابن جريج كانوا تسعمائة، وذكر النقاش أنهم كانوا اثنين وسبعين رجلاً، وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفاً قال محمد بن المنكدر كانوا ثمانين ألفاً، وقال السدي مائتي ألف ونيفاً. قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال ليس لها سند يوقف عنده، وقال كعب الأحبار: اثني عشر ألفاً، وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل مع كل رجل حبل وعصا، وقال أبو ثمامة: كانوا سبعة عشر ألفاً. وقوله تعالى: {قالوا يا موسى إما أن تلقي} الآية، {أن} في قوله {إما أن} في موضع نصب أي إما أن تفعل الإلقاء، ويحتمل أن تكون في موضع رفع أي إما هو الإلقاء، وخير السحرة موسى في أن يتقدم في الإلقاء أو يتأخر. قال القاضي أبو محمد: وهذا فعل المدل الواثق بنفسه، والظاهر أن التقدم في التخيلات والمخارق والحج، لأن بدليتهما تمضي بالنفس، فليظهر الله أمر نبوة موسى قوى نفسه ويقينه ووثق بالحق فأعطاهم التقدم فنشطوا وسروا حتى أظهر الله الحق وأبطل سعيهم. وقوله تعالى: {سحروا أعين الناس} نص في أن لهم فعلاً ما زائداً على ما يحدثونه من التزيق والآثار في العصا وسائر الأجسام التي يصرفون فيها صناعتهم {واسترهبوهم} بمعنى أرهبوهم أي فزعوهم فكأن فعلهم اقتضى واستدعى الرهبة من الناس، ووصف الله سحرهم بالعظم، ومعنى ذلك من كثرته، وروي أنهم جلبوا ثلاثمائة وستين بعيراً موقرة بالحبال والعصي فلما ألقوها تحركت وملأت الوادي يركب بعضها بعضاً، فاستهول الناس ذلك واسترهبوهم، قال الزجاج: قيل إنهم جعلوا فيها الزئبق فكانت لا تستقر.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسَىٰ، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: {تَأْمُرُون} بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء:35]. و«ما»: استفهامُ، و«ذَا»: بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون»: ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب بـــ «تأمرون» ولا يضمر فيه؛ على هذا، وقوله: {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ } أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسَىٰ وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش؛ أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً؛ ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ ٱغلبْهُ بِٱلحُجْة. وقوله سبحانه: {وَجَاءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ }: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ. واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيمٌ، وقوله تعالى: {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ }، وخيَّر السحرةُ موسىٰ في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ؛ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قَوَّىٰ نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر اللَّه الحَق، وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ }: نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} بمعنى: أرهبوهم، أي: فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ بـــ «العَظِيم»، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فٱستهْوَلَ النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج: قيل: إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرُّ.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّهُ سبحانه وتعالى أسند القول في هذه السُّورة إلى الملأ، وفي "الشعراء" [34] أسند القول إلى فرعون في قوله: {قَالَ لِلْمَلأ حَوْلَهُ}، وأجاب الزَّمَخْشَرِيُّ عن ذلك بثلاثة أوْجُهٍ: أحدها: أن يكون هذا الكلام صادراً منه ومنهم، فحكى هنا عنهم وفي الشَّعراء عنه. والثاني: أنَّهُ قاله ابتداء، وتلقَّته عنه خاصَّته فقالوه لأعقابهم. والثالث: أنَّهُم قالوه عنه للنَّاسِ على طريق التَّبليغ، كما يفعل الملوكُ، يرى الواحدُ منهم الرَّأيَ فيبلغه الخاصَّة، ثم يبلغوه لعامَّتهم، وهذا الثَّالِثُ قريبٌ من الثَّانِي في المعنى. وقولهم: {إِنَّ هَـٰذا لسَاحِرٌ عَلِيمٌ} يعنون أنَّهُ ليأخذ بأعين النَّاسِ حتى يخيل إليهم العصا حيَّة، واليد بيضاء، وكان موسى عليه الصَّلاة والسَّلامُ آدم اللّون، ويرى الشَّيء بخلاف ما هو عليه، وكان السّحر غالباً في ذلك الزمان، ولا شَكَّ أن مراتب السّحر كانت متفاوتة، فالقوم زَعَمُوا أن موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان في النِّهاية من علم السّحر، فلذلك أتى بتلك الصّيغة، ثم ذكروا أنَّه إنَّما أتى بذلك السّحر طلباً للملك والرّئاسة فقالوا: {يُريدُ أَن يُخْرِجَكُم مِنْ أَرْضِكُمْ}.
القشيري
تفسير : إذا أراد اللهَ هوان عبدٍ لا يزيد الحقَّ حُجَّةً إلا ويزيد لذلك المُبْطِل فيه شبهةً؛ فكلَّما زاد موسى - عليه السلام - في إظهار المعجزات ازدادوا حيرةً في التأويلات.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال الملأ من قوم فرعون} اى الاشراف منهم وهم اصحاب مشورته {ان هذا لساحر} [جادويست] {عليم} مبالغ فى عالم السحر ماهر فيه ولما كان السحر غالبا فى ذلك الزمان ولا شك ان اهل كل صنعة على طبقات مختلفة بحسب الحذاقة والمهارة زعم القوم ان موسى كان حاذقاً فى علم السحر بالغا فيه الى اقصى الغاية وانه جعل علمه وسيلة الى طلب الملك والرسالة فلذلك قالوا {يريد ان يخرجكم} بسحره {من ارضكم} مصر ويجعل الحكومة لبنى اسرائيل فلما سمع فرعون هذا قال {فماذا تأمرون} بفتح النون وما فى فماذا فى محل النصب على انه مفعول ثان لتأمرون بحذف الجار والاول محذوف والتقدير بأى شئ تأمروننى أى فاذا كان كذلك فماذا تشيرون.
الطوسي
تفسير : هذا حكاية ما قال أشراف قوم فرعون، أن موسى ساحر عليهم بالسحر، وإِنما قيل للأشراف الملأ لأمرين: أحدهما - قال الزجاج: لأنهم مليئون بما يحتاج اليه منهم. الثاني - لأنه يملأ الصدر هيبتهم، فالملأ جعل الوعاء على كل ما يحتمل مما يلقى فيه كامتلاء المكيال ونحوه. ويقال: الخلاء والملأ على وجه التقابل، وقوم فرعون هم الجماعة الذين كانوا يقومون بأمره ومعاونته ونصرته، ولهذا لا يضاف القوم الى الله، فلا يقال: يا قوم الله كما يقال يا عباد الله، والسحر لطف الحيلة في إِظهار أعجوبة توهم المعجزة وقال الأزهري السحر صرف الشىء عن حقيقته الى غيره، والساحر إِنما يكفر بادعاء المعجزة، لأنه لا يمكن مع ذلك علم النبوة. وأصل السحر خفاء الأمر، ومنه خيط السحارة، لخفاء الأمر فيها، ومنه قوله تعالى {إِنما أنت من المسحرين} أي الذين يعدون لخفاء الأمر في العدو، والسحر العدو، والسَّحَر آخر الليل لخفاء الشخص ببقية ظلمته، والسحور طعام السحر، والسحر الرئة وما تعلق بها لخفاء أمرها في انتفاخها تارة وضمورها أخرى، قال ذو الرومة: شعر : وساحرة الشراب من الموامي يرقص في نواشرها الأروم تفسير : ويقال: سحر الأرض المطر اذا جادها فقطع نباتها من أصوله بقلب الأرض ظهراً لبطن، سحرها سحراً والأرض مسحورة، فشبه سحر الساحر بذلك بتخييله الى من سحره أنه يرى الشىء بخلاف ما هو به. ومعنى قوله تعالى {يريد أن يخرجكم من أرضكم} بإِزالة ملككم بتقوية أعدائكم عليكم. وقوله {من أرضكم} فالأرض المستقر الذي يمكن الحيوان التصرف فيه عليه. وجملة الأرض التي جعلها الله قراراً للعباد فاذا أضيفت، فقيل أرض بني فلان، فمعناه مستقرهم خاصة. وقوله {فماذا تأمرون} موضع (ما) يحتمل أن يكون رفعاً، ويكون المعنى فما الذي تأمرون، ويجوز أن يكون نصباً بمعنى فبأي شىء تأمرون، ويجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، وفي الجواب يتبيَّن الاعراب، ويحتمل أن يكون قوله {فماذا تأمرون} من كلام الملأ بتقدير أن يكون قال بعضهم لبعض: ماذا تأمرون، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك لفرعون على خطاب الملوك، ويحتمل أن يكون من كلام فرعون والتقدير قال فرعون: فماذا تأمرون خطاباً لقومه، فعلى هذا تقول قلت لجاريتك قومي أنا قائمة، وتقديره قالت: أنا قائمة، وهو قول الفراء وأبي علي الجبائي، وأنشد الفراء قول عنترة، وزعم أن فيه معنى الحكاية: شعر : الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إِذا لقيتهما دمي تفسير : لأن المعنى قالا إِذا لقينا عنترة لنقتلنه.
اطفيش
تفسير : {قالَ الملأ مِنْ قَوم فِرعَونَ إنَّ هَذا لسَاحرٌ عليمٌ} يخيل بسحره أن العصا حية، وأن يده بيضاء، وكان السحر فى ذلك الزمان شائعا فرموه به وهم كاذبون، فإن عصاه إذا كانت ثعبانا فهى ثعبان حقيق، وبياض يده حقيق فى ذلك الوقت، والله قادر على قلب حقائق الأشياء، وإنما قالوا ذلك بعد ما قاله فرعون كما قال فى الشعراء: {أية : قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم} تفسير : أو قاله وبلغه الملأ لعامة، أو قاله موسى وهم على سبيل التشاور محكى عنهم مرة، وعنهم أخرى، وعليم صفة مبالغة، أى ماهر فى السحر.
اطفيش
تفسير : {قَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} فائق فى علم السحر. وفى الشعراء قاله فرعون، فنقول قاله الملأ، وقاله فرعون، فذكر فى سورة ما لم يذكر فى الأُخرى، أَو قاله ابتداء وتلقوه عنه لأَعقابهم، أَو قالوه تبليغاً عنه، أَو لما صدر عنه وعنهم على سبيل التشاور صح إِسناده إِلى الكل.
الالوسي
تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} أي الأشراف منهم وهم أهل مشورته ورؤساء دولته. {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ} أي مبالغ في علم السحر ماهر فيه.
ابن عاشور
تفسير : جرت جملة: {قال الملأ} على طريقة الفصل لأنها جرت في طريق المحاورة الجارية بين موسى وبين فرعون وملئه فإنه حوار واحد. وتقدم الكلام على الملإِ آنفاً في القصص الماضية، فملأ قوم فرعون هم سادتهم وهم أهل مجلس فرعون ومشورته، وقد كانت دعوة موسى أول الأمر قاصرة على فرعون في مجلسه فلم يكن بمرأى ومسمع من العامة لأن الله تعالى قال في آية أخرى {أية : اذهبا إلى فرعون إنه طغى}تفسير : [طه: 43] وقال في هذه الآية: {أية : إلى فرعون وملائه}تفسير : [الأعراف: 103] وإنما أشهرت دعوته في المرة الآتية بعد اجتماع السحرة. وإنما قالوا هذا الكلام على وجه الشورى مع فرعون واستنباط الاعتذار لأنفسهم عن قيام حجة موسى في وجوههم فاعتلوا لأنفسهم بعضهم لبعض بأن موسى إنما هو ساحر عليم بالسحر أظهر لهم ما لا عهد لهم بمثله من أعمال السحرة، وهذا القول قد أعرب عن رأي جميع أهل مجلس فرعون، ففرعون كان مشاركاً لهم في هذا لأن القرآن حكى عن فرعون في غير هذه السورة أنه قال للملإ حوله {إن هذا لساحر عليم}، وهذه المعذرة قد انتحلوها وتواطأوا عليها تبعوا فيها ملكهم أو تبعهم فيها، فكل واحد من أهل ذلك المجلس قد وطَّن نفسه على هذا الاعتذار ولذلك فالخطاب في قوله: {يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون} خطاب بعضهم لبعض وهو حاصل من طوائف ذلك الملأ لطوائفَ يرددونه بينهم ويقوله بعضهم لبعض. ووجه استفادتهم أن موسى يريد إخراجهم من أرضهم، إما أنهم قاسوا ذلك عن قول موسى {أية : فأرسل معى بني إسرائيل}تفسير : [الأعراف: 105] بقاعدة ما جاز على المثل يجوز على المماثل، يعنون أنه ما أظهر إخراج بني إسرائيل إلاْ ذريعة لإخراج كل من يؤمن به ليتخدهم تبعاً ويقيم بهم ملكاً خارجَ مصر. فزعموا أن تلك مكيدة من موسى لثلم ملك فرعون. وإما أن يكون ملأ فرعون محتوياً على رجال من بني إسرائيل كانوا مقربين عند فرعون ومن أهل الرأي في المملكة، فهم المقصود بالخطاب، أي: يريد إخراج قومكم من أرضكم التي استوطنتموها أربعة قرون وصارت لكم موطناً كما هي للمصريين، ومقصدهم من ذلك تذكيرهم بحب وطنهم، وتقريبهم من أنفسهم، وإنساؤهم ما كانوا يلقون من اضطهاد القبط واستذلالهم، شعوراً منهم بحراجة الموقف. وإما إنهم علموا أنه إذا شاع في الأمة ظهور حجة موسى وعَجْز فرعون وملئه أدخل ذلك فتنة في عامة الأمة فآمنوا بموسى وأصبح هو الملك على مصر فأخرج فرعونَ وملأه منها. ويجوز أن يكون الملأ خاطبوا بذلك فرعون. فجرَتْ ضمائر الخطاب في قوله: {أن يخرجكم من أرضكم} على صيغة الجمع تعظيماً للملك كما في قوله تعالى: {أية : قال رب ارجعون}تفسير : [المؤمنون: 99] وهذا استعمال مطرد. والأمر حقيقته طلبُ الفعل، فمعنى {فماذا تأمرون} ماذا تطلبون أن نفعل، وقال جماعة من أهل اللغة: غلب استعمال الأمر في الطلب الصادر من العلي إلى من دونه فإذا التزم هذا كان إطلاقه هنا على وجه التلطف مع المخاطبين، وأياً ما كان فالمقصود منه الطلب على وجه الإفتاء والاشتوار لأن أمرهم لا يتعين العمل به، فإذا كان المخاطب فرعون على ما تقدم، كان مراداً من الأمر الطلب الذي يجب امتثاله كما قال ملأ بلقيس: {أية : فانظُرِي ماذا تأمرين}تفسير : [النمل: 33]. والساحر فاعل السحر، وتقدم الكلام على السحر عند قوله تعالى: {أية : يعلمون الناس السحر} تفسير : في سورة البقرة (102). وجملة: {قالوا أرجه} جواب القوم المستشَارين، فتجر يدها من حرف العطف لجريانها في طريق المحاورة، أي: فأجاب بعض الملأ بإبداء رأي لفرعون فيما يتعين عليه اتخاذه. ويجوز أن تكون جملة: {قالوا أرجه} بدلاً من جملة: {قال الملأ من قوم فرعون} بإعادة فعل القول وهو العامل في المبدل منه إذا كان فرعون هو المقصود بقولهم: {فماذا تأمرون}. وفعل {أرجه} أمر من الإرجاء وهو التأخير. قرأه نافع، وعاصم، والكسائي وأبو جعفر {أرجه} ــــ بجيم ثم هاء ــــ وأصله (أرجئه) بهمزة بعد الجيم فسُهلت الهمزة تخفيفاً، فصارت ياء ساكنة، وعوملت معاملة حرف العلة في حالة الأمر، وقرأه الباقون ــــ بالهمز ساكناً على الأصل ــــ ولهم في حركات هاء الغيبة وإشباعها وجوه مقررة في علم القراءات. والمعنى: أخّرْ المجادلة مع موسى إلى إحضار السحرة الذين يدافعون سحره، وحكى القرآن ذكر الأخ هنا للإشارة إلى أنه طوي ذكره في أول القصة، وقد ذكر في غير هذه القصة ابتداء. وعدي فعل الإرسال (بفي) دون (إلى) لأن الفعل هنا غير مقصود تعديته إلى المرسل إليهم بل المقصود منه المرسَلون خاصة. وهو المفعول الأول. إذ المعنى: وأرسل حاشرين في المدائن يأتوك بالسّحرة، فعُلم أنهم مرسلون للبحث والجلب. لا للإبلاغ وهذا قريب من قوله تعالى: {أية : فأرسلنا فيهم رسولاً منهم}تفسير : في سورة المؤمنين (32)، قال في الكشاف هنالك: «لم يُعَد الفعل بقي مثلَ ما يُعدى بإلى، ولكن الأمة جعلت موضعاً للإرسال كما قال رؤبة:شعر : أرسلتَ فيها مُصْعَبا ذَا إقحام تفسير : وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك في قوله: {أية : ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً}تفسير : [الفرقان: 51]، وقد تقدم آنفاً قريب منه عند قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبي}تفسير : [الأعراف: 94]. والمَدائن: جمع مدينة، وهي بوزن فعيلة، مشتقة من مَدَن بالمكان إذا أقام ولعل (مَدَن) هو المشتق من المدينة لا العكس، وأيّاً ما كان فالأظهر أن ميم مدينة أصلية ولذلك جمعت على مدائن بالهمزة كما قالوا (صَحَائف) جمع صحيفة. ولو كانت مَفْعَلة من دانه لقالوا في الجمع مداين بالياء مثل معايش. ومداين مصر في ذلك الزمن كثيرة وسنذكر بعضها عند قوله تعالى: {أية : فأرسل فرعون في المدائن حاشرين} تفسير : في سورة الشعراء (53). قيل أرادوا مدائن الصعيد وكانت مقر العلماء بالسحر. والحاشرون الذين يحشرون الناس ويجمعونهم. والشأن أن يكون ملأ فرعون عقلاءَ أهلَ سياسة، فعلموا أن أمر دعوة موسى لا يكاد يخفى. وأن فرعون إنْ سجنه أو عاند، تحقق الناس أن حجة موسى غلبت، فصار ذلك ذريعة للشك في دين فرعون، فرأوا أن يلاينوا موسى، وطمعوا أن يوجد في سحَرة مصر من يدافع آيات موسى، فتكون الحجة عليه ظاهرة للناس. وجَزْم {يأتوك} على جواب الأمر للدلالة على شدة اتصال السببية بين الإرسال والإتيان، فالتقدير: إنْ تُرْسل يأتُوك، وقد قيل: في مثله إنه مجزوم بلام الأمر محْذوفة، على أن الجملة بدل من {أرسلْ} بدلَ اشتمال. أي: أرسلهم آمراً لهم فليأتوك بكل ساحر عليم، وهذا الاستعمال كثير في كلام العرب مع فعل القول نحو: {أية : قل لعباديَ الذين آمنوا يُقيموا الصلاة}تفسير : [إبراهيم: 31] فكذلك ما كان فيه معنى القول كما هنا. و(كل) مستعمل في معنى الكثرة، أي: بجمع عظيم من السحرة يشبه أن يكون جميع ذلك النوع. وقرأ الجمهور: {بكل ساحر} وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: {بكل سَحّار}، على المبالغة في معرفة السحر، فيكون وصف {عليم} تأكيداً لمعنى المبالغة لأن وصف {عليم} الذي هو من أمثلة المبالغة للدلالة على قوة المعرفة بالسحر، وحذف متعلق {عليم} لأنه صار بمنزلة أفعال السجايا. والمقام يدل على أن المراد قوة علم السحر له.
الشنقيطي
تفسير : بين هنا أن موسى لما جاء بآية العصا واليد قال الملأ من قوم فرعون إنه ساحر، ولم يبين ماذا قال فرعون: ولكنه بين في "الشعراء" أن فرعون قال مثل ما قال الملأ من قومه، وذلك في قوله تعالى: {أية : قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الشعراء: 34].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ساحر عليم: أي ذو علم بالسحر خبير به ليس مجرد مدّع. من أرضكم: أي من بلادكم ليستولي عليها ويحكمكم. فماذا تأمرون: أي أشيروا بما ترون الصواب في حل هذا المشكل. أرجه: أي أمهله وأخاه لا تعجل عليهما قبل اتخاذ ما يلزم من الاحتياطات. في المدائن: مدن المملكة الفرعونية. حاشرين: رجالاً يجمعون السحرة الخبراء في فن السحر للمناظرة. معنى الآيات: ما زال السياق في تفصيل قصص موسى مع فرعون فبعد أن تقدم موسى بما طلب فرعون منه من الآية فأراه آية العصا، واليد، وشاهد الملأ من قوم فرعون الآيتين العظيمتين قالوا {إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} وذلك لما بهرتهم الآيتان تحول العصا إلى حية عظيمة واليد البيضاء من غير سوء كالبرص بل بياضها عجب حتى لكأنها فلقة قمر أي قطعة منه، واتهموا موسى فوراً بالسياسة وأنه يريد بهذا إخراجكم من بلادكم ليستولي عليها هو وقومه من بني إسرائيل، وهنا تكلم فرعون وقال: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي بم تشيرون علّي أيها الملأ والحال كما ذكرتم؟ فأجابوه قائلين {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي أوقفهما عندك {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} أي رجالاً من الشرط يحشرون أي يجمعون أهل الفن من السحرة من كافة أنحاء الإِيالة أي الإِقليم المصري، وأجر معه مناظرة فإذا انهزم انتهى أمره وأمنا من خطره على بلادنا وأوضاعنا. هذا ما دلت عليه الآيات الأربع في هذا السياق. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- جهل الملأ بالآيات أدى بهم إلى أن قالوا إن موسى ساحر عليم. 2- مكر الملأ وخبثهم إذ اتهموا موسى سياسياً بأنه يريد الملك وهو كذب بحت وإنما يريد إخراج بني إسرائيل من مصر حيث طال استعبادهم وامتهانهم من قبل الأقباط وهم أبناء الأنبياء وأحفاد إسرائيل وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام. 3- فضيحة فرعون حيث نسي دعواه الربوبية، فاستشار الملأ في شأنه، إذ الربُّّّّّّّّّّّّ الحق لا يستشير عباده فيما يريد فعله لأنه لا يجهل ما يحدث مستقبلاً. 4- السحر صناعة من الصناعات يتعلم ويبرع فيها المرء، ويتقدم حتى يتفوق على غيره. 5- حرمة السحر وحرمة تعلمه، ووجوب إقامة الحد على من ظهر عليه وعرف به.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَسَاحِرٌ} (109) - فَقَالَ جُمْهُورُ الكُبَراءِ مِنْ قَوْمِ فِرْعَونَ نِفَاقاً وَرِيَاءً، مُرَدِّدِينَ قَوْلَ فِرْعَونَ: إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَليمٌ، أَيْ ذُو مَعْرِفَةٍ بِالسِّحْرِ عَالِيَةٍ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى). المَلأُ - الكُبَرَاءُ وَالسَّادَةُ وَأَهْلُ الرَّأْيِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عرفنا أن الملأ هم القوم الذين يتصدرون المجالس، ويملأونها أو الذين يملأون العيون هيبة، والقلوب مهابة وهم هنا المقربون من فرعون. وكأنهم يملكون فكرة وعلما عن السحر. وفي سورة الشعراء جاء القول الحق: {أية : قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الشعراء: 34] إذن فهذه رواية جاءت بالقول من الملأ، والآية الأخرى جاءت بالقول على لسان فرعون، وليس في هذا أدنى تناقض، ومن الجائز أن يقول فرعون: إنه ساحر، وأيضاً أن يقول الملأ: إنه ساحر. وتتوارد الخواطر في أمر معلوم متفق عليه. وقد حدث مثل هذا في القرآن حينما نزلت آيات في خلق الإِِنسان وتطوره بأن كان علقة فمضغة إلخ فقال كاتب الوحي بصوت مسموع:{أية : ... فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي في أربع: نزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} الآية قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. حديث : وعن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} إلى قوله: {... خَلْقاً آخَرَ} فقال معاذ: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له معاذ: مِمّ تضحك يا رسول الله؟ فقال: "بها ختمت فتبارك الله أحسن الخالقين ". تفسير : لقد جاءت الخواطر في الحالة المهيجة لأحاسيس الإِيمان لحظة نزول الوحي بمراحل خلق الإِنسان. فما الذي يمنع من توارد الخواطر فيجيء الخاطر عند فرعون وعند الملأ فيقول ويقولون؟ أو يكون فرعون قد قالها وعلى عادة الأتباع والأذناب إذا قال سيدهم شيئاً كرروه. {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 109] ولم يصفوا فعل سيدنا موسى بأنه ساحر فقط بل بالغوا في ذلك وقالوا: إنه ساحر عليم. وأضافوا ما جاء على ألسنتهم بالقرآن في هذه السورة.
الأندلسي
تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ} وفي سورة الشعراء قال للملأ حوله والجمع بينهما أن فرعون وهم قالوا هذا الكلام فحكى هنا قولهم وهناك قوله أو قاله ابتداء فتلقفه منه الملأ ولما كان الانقلاب وبياض اليد مما مستحيل في العادة وهم ينكرون النبوة نسبوه إلى السحر ووصفوه بعليم لمبالغته عندهم في السحر. {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ} استشعرت نفوسهم ما صار إليه أمرهم من إخراجهم من أرضهم وخلو مواطنهم منهم وإخراب بيوتهم فبادروا إلى الاخبار بذلك وكان الأمر كما استشعروا إذ أغرق الله تعالى فرعون وآله وأخلى منازلهم منه ونُبّهوا على هذا الوصف الصعب الذي هو معادل لقتل النفس كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ}تفسير : [النساء: 66] الآية وتحتمل ماذا أن تكون كلها استفهاماً، وتكون مفعولاً ثانياً لتأمرون على سبيل التوسع فيه بأن حذف منه حرف الجر كما قال: أمرتك الخير. ويكون المفعول الأول محذوفاً لفهم المعنى أي أيّ شىء تأمرونني وأصله بأي شىء ويجوز أن تكون ما استفهاماً مبتدأ، وذا موصولة بمعنى الذي خبر عنه، وتأمرون صلة ذا، ويكون قد حذف مفعولي تأمرون وهو ضمير المتكلم، والثاني وهو الضمير العائد على الموصول التقدير فأي شىء الذي تأمروننيه أي تأمرونني به. وكلا الإِعرابين في ماذا جائز في قراءة من كسر النون إلا أنه حذف ياء المتكلم وأبقى الكسرة دلالة عليهم، وقدر ابن عطية الضمير العائد على ذا إذا كانت موصولة مقروناً بحرف الجر فقال وفي تأمرون ضمير عائد على الذي تقديره تأمرون به. "انتهى". وهذا ليس بجيد لفوات شرط جواب حذف الضمير إذا كان مجروراً بحرف جر وذلك الشرط هو أن لا يكون الضمير في موضع رفع وأن يجر ذلك الحرف الموصول أو الموصوف به أو المضاف إليه، ويتحد المتعلق به الحرفان لفظاً ومعنى، ويتحد معنى الحرف أيضاً والعذر لابن عطية أنه قدره على سبيل الأصل ثم اتسع فيه فتعدى إليه الفعل بغير واسطة الحرف ثم حذف بعد الاتساع. {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي قال من حضر مناظرة موسى عليه السلام من عقلاء ملأ فرعون وأشرافه، قيل: ولم يكن فرعون يجالس ولدغية وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا عليه بالارجاء ولم يشيروا عليه بالقتل، وقالوا: ان قتلته وخلت على الناس شبهة ولكن أغلبه بالحجة. وقرىء بالهمزة وبغير همزة فقيل: هما بمعنى واحد، والمعنى أخره أو أحبسه، وقيل: أرجيه بغير همز بمعنى أطعمه جعله من رجوت أدخل عليه همزة النقل أي أطعمه وأخاه ولا تقتلهما حتى يظهر كذبهما فإِنك إن قتلتهما ظن أنهما صدقا. قال ابن عطية: وقرأ ابن عامر أرجئه بكسر الهاء بهمزة قبلها، قال الفارسي: وهذا غلط. "انتهى" نسبة ابن عطية هذه القراءة إلى ابن عامر ليس بجيد لأن الذي روى ذلك إنما هو ابن ذكوان لا هشام كان ينبغي أن يقيد فيقول: وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان، ولم يجر لهارون ذكر في صدر القصة. وقد تبين من غير آية أنهما ذهبا معاً وأرسلا إلى فرعون ولما كان موافقاً له في دعواه وموازراً له أشاروا بإِرجائهما. {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ} أي مدائن مصر. وقرأها والحاشرون. قال ابن عباس: هم أصحاب الشرط حاشرين أي حاشرين السحرة وفي الكلام حذف تقديره فبعث فأتوه. {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ} واعلموا بما صدر من موسى عليه السلام من إنقلاب العصا وبياض اليد وان هذا من السحر. {قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً} وقرىء أإن بهمزة الاستفهام وقرىء أنّ على جهة الإِثبات فجاز أن يكون الاستفهام من بعض السحرة والإِثبات من بعضهم وفي خطأ السحرة بذلك لفرعون دليل على استطالتهم عليه باحتياجه إليهم وربما يحصل للعالم بالشىء من الترفع على من يحتاج اليه وعلى من لا يعلم مثل علمه ونحن إما تأكيد للضمير وإما فصل وجواب الشرط محذوف. {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي نعم ان لكم لأجراً وإنكم لمن المقربين فعطف هذه الجملة على الجملة المحذوفة بعد نعم التي هي نائبة عنها، والمعنى لمن المقربين مني أي لا أقتصر لكم على الجعل والثواب على غلبة موسى بل أزيدكم أن تكونوا المقربين فتجوزون إلى الأجر الكرامة والرفعة والجاه والمنزلة. {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} الآية قبل هذا محذوف تقديره فحضر موسى بعصاه والذي يظهر أن تخييرهم إياه ليس من باب الأدب كما قال الزمخشري بل ذلك من باب الادلال بما يعلمونه من السحر وإيهام الغلبة والثقة بأنفسهم وعدم الاكتراث والاهتبال بأمر موسى عليه السلام وأجازوا في أن تلقى وفي أن تكون النصب أي اختْر أو افعل إما القاءك وإما إلقاءنا والمعنى فيه البداءة والرفع، أي أما إلقاؤك مبدوء به وأما إلقاؤنا فيكون مبتدأ، وأما أمرك الإِلقاء أي البداءة به أو أمرنا الإِلقاء فيكون خبر مبتدأ محذوف، ومفعول تلقى محذوف تقديره أن تلقي عصاك ومفعول الملقين محذوف تقديره حبالنا وعصيّنا. {قَالَ أَلْقَوْاْ} أمرهم موسى عليه السلام بالتقدم وثوقاً بالحق وعلماً أن الله تعالى يبطله كما حكى الله تعالى عنه قال موسى: ما جئتم به السحر إن الله سيبطله. {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} أي أروا العيون بالحيل والتخيلات ما لا حقيقة له كما قال تعالى يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى، وفي قوله: سحروا أعين الناس دلالة على أن السحر لا يقلب عيناً وإنما هو من باب التخييل. {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} أي ارهبوهم واستفعل عنا بمعنى أفعل كابل واستبل. والرهبة: الخوف والفزع قال الزمخشري: واسترهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم استدعوا رهبتهم. "انتهى". وقال ابن عطية: واسترهبوهم بمعنى وارهبوهم فكأن فعلهم اقتضى واستدعى الرهبة من الناس. "انتهى". ولا يظهر ما قالا لأن الاستدعاء والطلب لا يلزم منه وقوع المستوى والمطلوب. والظاهر هنا حصول الرهبة فلذلك قلنا: ان استفعل فيه موافق افعل، ووصف السحر بعظيم لقوة ما خيّل أو لكثرة آلاته من الحبال والعصي روي أنهم جاؤا بحبال من أدم وأخشاب مجوّفة مملوءة زيبقاً وأوقدوا في الوادي ناراً فحميت النار من تحت والشمس من فوق فتحركت وركب بعضهما بعضاً وهذا من باب الشعبذة والدك. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} الظاهر أنه وحي إعلام كما روي أن جبريل عليه السلام أتاه فقال له: إن الحق يأمرك أن تلقي عصاك. وكونه وحي إعلام فيه تثبيت للجاش وتبشير بالنصر. وان يحتمل أن تكون المفسرة بمعنى أي لأنه تقدمها معنى القول وهو، وأوحينا فالمعنى أن ألق عصاك. وأن تكون الناصبة دخلت على فعل الأمر فينسبك منهما مصدر تقديره بالإِلقاء وفي الكلام حذف قبل الجملة الفجائية أي فألقاها فإِذا هي تلقف وتكون الجملة الفجائية اخباراً بما ترتب على الإِلقاء. وقرىء: تلقف بحذف التاء وأصلها تتلقف وبإِدغام التاء في التاء في تلقف. وقرىء: تلقف مضارع لقف، وما موصولة أي ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه أو مصدرية أي تلقف أفكهم تسمية للمفعول بالمصدر. {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال ابن عباس والحسن: ظهر واستبان. وقال أرباب المعاني: الوقوع ظهور الشىء بوجوده نازلاً إلى مستقره. قال القاضي: فوقع الحق يفيد قوة الظهور والثبوت بحيث لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع أن يصير إلا واقعاً ومع ثبوت الحق بطلت وزالت تلك الأعيان التي أفكوها وهي الحبال والعصي. {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ} أي غلب جميعهم في مكان اجتماعهم أو وقت اجتماعهم. {وَٱنقَلَبُواْ} أذلاء. {صَاغِرِينَ} حال. {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} لما كان الضمير قبل مشتركاً جرّد المؤمنون وأفردوا بالذكر. {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي ساجدين قائلين فقالوا في موضع الحال من الضمير في ساجدين أو من السحرة، وعلى التقديرين فهم ملتبسون بالسجود لله تعالى شكراً على المعرفة والإِيمان وبالقول المنبىء عن التصديق الذي محله القلوب، ولما كان السجود أعظم القرب إذ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد بادروا به ملتبسين بالقول الذي لا بد منه عند القادر عليه إذا الدخول في الإِيمان إنما يدل عليه القول وقالوا رب العالمين وفاقاً لقول موسى عليه السلام إني رسول من رب العالمين، ولما كان قد يوهم هذا اللفظ غير الله تعالى لقول فرعون أنا ربكم الأعلى نصوا بالبدل على أن رب العالمين رب موسى وهارون، وأنهم فارقوا فرعون وكفروا بربوبيته، والظاهر أن قائل ذلك جميع السحرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):