٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
110
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} قد تقدَّم الكلامُ على "ماذا"، والجمهور على "تَأمُرُونَ" بفتح النُّونِ، وروى كردم عن نافعٍ كسرها، وعلى كلتا القراءتين يجوز أن تكون "ماذا" كلمة اسماً واحداً في محلِّ نصب على أنَّهُ مفعولٌ ثانٍ لـ "تَأمُرُون" بعد حذف الياء، ويكون المفعول الأوَّلُ لـ "تَأمُرُونَ" محذوفاً، وهو ياء المتكلم والتقديرُ: بأي شْيءٍ تأمرونني. وعلى قراءة نافع لا تَقُول إنَّ المفعول الأوَّلَ محذوف، بل هو في قوَّةِ المَنْطُوق به؛ لأنَّ الكسرة دالة عليه، فهذا الحَذْفُ غير الحذف في قراءة الجماعة. ويجوزُ أن تكون "ما" استفهاماً في محل رفع بالابتداء، و "ذا" موصول، وصلته "تَأمُرُونَ"، والعائد محذوف، والمفعول الأوَّلُ أيضاً محذوف على قراءة الجماعة، وتقدير العائد منصوب المحل غير معدى إليه بالباء فتقديرُهُ: فما الذي تأمرونيه. وقدّره ابن عطية "تَأمُرُونِي بِهِ"، وردَّ عليه أبُو حيَّان بأنَّهُ يلزم من ذلك حذف العائد المجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله، ثم اعتذر عنه بأنَّه أراد التقدير الأصلي، ثم اتّسع فيه بأن حذف الحرف، فاتّصل الضَّميرُ بالفعل. وهذه الجملة هل هي من كلام المَلأ، ويكونُون قد خاطبوا فِرعَوْنَ بذلك وحده تعظيماً له كما يُخاطب الملوك بصيغَةِ الجمع، أو يكونون قالوه له ولأصحابه أو يكون من كلام فرعون على إضمار قول أي: فقال لهم فرعون فماذا تَأمُرون ويكون كلام الملأ قد تم عند قوله: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ} ويؤكد كونها من كلام فرعون قوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ أَرْجِهْ}تفسير : [الأعراف: 111]. وهل "تَأمُرُونَ" من الأمر المعهود أو من الأمر الذي بمعنى المشاورة؟ والثاني منقول عن ابن عباس. وقال الزمخشريُّ: "هو من أمَرْتُه فأمرني بكذا أي: شاورته فأشار عليَّ برأي".
البقاعي
تفسير : ولما خيلوهم حتى أوقفوهم عما فهموا عنهم من المبادرة إلى المتابعة بادعاء أنه ساحر؛ نفروهم من ذلك وخوفوهم بأنه يريد أن يحكم فيهم قومه الذين كانوا عبيداً لهم ويزيحوهم من ديارهم التي هي لأشباحهم مثل أشباحهم لأرواحهم بقوله: {يريد أن يخرجكم} أي أيها القبط {من أرضكم} أي هذه التي أثلها لكم آباؤكم وبها قوامكم؛ ولما كان السياق لبيان فسقهم، أسقط قولهم في الموضع الآخر {بسحره} إفهاماً لعجلتهم في إبرام الأمر في ضره إشارة إلى تغاليهم في الفسق بعلمهم أنه محق وليس بساحر. ولما كان المقصود بهذا الكلام استعطاف المخاطبين، استعطفوهم بعد أن أوقفوهم، ثم خوفوهم بما سببوا عن الخطاب السابق من قولهم: {فماذا تأمرون*} أي تقولون في هذه المشورة أيها السادة ليمتثل. ولما كان كأنه قيل: فعلى أيّ شيء استقر رأيهم؟ فقيل: على تاخير الأمر إلى حشر السحرة للمعارضة، أخبر تعالى، دلالة على أن أصل قول الملأ منه، أنهم أقبلوا عليه مخاطبين له ملفتين من أبلغهم عنه تعظيماً له مسندين الأمر إليه بقوله: {قالوا} أي الملأ لفرعون بعدما استقر في أذهانهم ما نصبوه إليه من الإرادة {أرجه} أي موسى عليه السلام {وأخاه} أي أخرهما تنفيساً لنا من هذا الخناق إلى وقت ما حتى ننظر في أمرهما {وأرسل في المدائن} أي من ملك مصر {حاشرين*} يحشرون لك السحرة ويجمعونهم من كل فج عميق، والحشر: الجمع بكره {يأتوك بكل} ولما كانت دلالة السياق على رغب فرعون أقل مما في الشعراء لما اقتضاه الحال في كل منهما، قرأ الجمهور: {ساحر عليم*} أي بالغ العلم في السحر، وفي قراءة حمزه والكسائي {سحار} زيادة مبالغة أيضاً لما رأوا من قلق فرعون في الجملة، وهذا يدل على أن السحرة كانوا في ذلك الزمان عندهم في غاية الكثرة، ويدل على أن في طبع الناس المعارضة، فمهما أمكنت بطلت دعوى النبوة، وإذا تعذرت صحت الدعوى. ولما كان التقدير: فأخر أمرهما وأرسل كما قالوا، فجمعوا من وجدوه منهم، عطف عليه قوله: {وجاء السحرة فرعون} ولما تشوف السامع إلى خبرهم، قال مجيباً له استئنافاً: {قالوا} أي لفرعون عندما حضروا بين يديه متوثقين لنفع أنفسهم مفهمين له أنهم غالبون، لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم، سائقين للكلام في قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدباً معه في طلب الإكرام: {إن لنا لأجراً} وأكدوا طلباً لإخراج الوعد على حال التكذيب {إن كنا نحن} أي خاصة {الغالبين*} ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع وابن كثير وحفص عن عاصم {قال} أي فرعون {نعم} أي لكم أجر مؤكد الخبر به، وزاد بيان التأكيد بما زادهم به رغبة في قوله: {وإنكم} أي زيادة على ذلك {لمن المقربين*} أي عندي في الحضرة. ولما فرغوا من محاورته، تشوف السامع إلى قولهم لموسى عليه السلام، فاستأنف قوله جواباً: {قالوا} بادئين باسمه {يا موسى} مخيرين له أدباً معه كما هي عادة عقلاء الأخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم أن قصدهم الإلقاء أولاً، وذلك قولهم: {إما أن تلقي} أي أنت أولاً ما تريد أن تلقيه للمغالبة في إظهار صحة دعواك {وإما أن نكون نحن} أي خاصة {الملقين*} أي لما معنا أولاً. ولما فهم موسى عليه السلام مرادهم مما عبر هذا النظم عن حقيقة معناه من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر وإقحام الفصل، وكان واثقاً من الله تعالى بما وعده به جارياً مع مراده، لا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر؛ أجابهم إلى سؤالهم. وهو أوقع في ازدراء شأنهم، فاستأنف سبحانه الخبر عنه بقوله: {قال ألقوا } أي أنتم أيها السحرة ما تريدون إلقاءه، وهو أمر تعجيز. ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما أفهمه العطف بالفاء في قوله: {فلما ألقوا} أي ما أعدوه للسحر {سحروا أعين الناس} أي عن صحة إدراكها حتى خيلوا إليها ما لا على بعض، وبعثوا جماعة ينادون: أيها الناس احذروا {واسترهبوهم} أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد راغب فيها طالب لها غاية الطلب. ولما قيل ذلك، كان ربما ظن أنهم خافوا مما لا يخاف من مثله، فقال تعالى مبيناً أنهم معذورون في خوفهم: {وجاءو بسحر عظيم*} قال صاحب كتاب الزينة: والسحر على وجوه كثيرة، منه الأخذ بالعين، ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه، ومنه غير ذلك، وأصله مأخوذ من التعلل بالباطل وقلب الأمر عن وجهه كما ذكرنا من لغة العرب. ولما تناهى الأمر واشتد التشوف إلى ما صنغ موسى عليه السلام، قال معلماً عنه عطفاً على {وجاءو}: {وأوحينا} أي مظهرين لعظمتنا على رؤوس الأشهاد بما لا يقدر أحد أن يضاهيه {إلى موسى أن ألق عصاك} أي فألقاها {فإذا هي} من حين إلقائه لها {تلقف} أي تلتقم التقاماً حقيقياً شديداً سريعاً جداً بما دل عليه حذف التاء، ودل على كثرة ما صنعوا بقوله: {ما يأفكون*} أي يجددون حين إلقائهم في تزويره وقلبه عن وجهه، فابتلعت ما كان ملء الوادي من العصيّ والحبال، ثم أخذها موسى عليه السلام فإذا هي كما كانت لم يزد شيء من مقدارها على ما كانت عليه، وفي هذا السياق المعلم بتثبت موسى السلام بعد عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء إليه بيان لأدبه عليه السلام في ذلك المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع مرسله سبحانه إلى بروز أوامره الشريفة.
ابو السعود
تفسير : {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ} أي من أرض مصرَ {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} بفتح النون وما في ماذا في محل النصب على أنه مفعول ثان لتأمرون بحذف الجار، والأولُ محذوف والتقديرُ بأي شيء تأمرونني، وهذا من كلام فرعونَ كما في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ }تفسير : [يوسف: 52] أي فإذا كان كذلك فماذا تشيرون عليّ في أمره؟ وقيل: قاله الملأ بطريق التبليغِ إلى العامة فقوله تعالى: {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} على الأول وهو الأظهرُ حكايةً لكلام الملأ الذين شاورهم فرعونُ وعلى الثاني لكلام العامة الذين خاطبهم الملأ ويأباه أن الخطابَ لفرعون وأن المشاورةَ ليست وظائفَهم أي أخِّرْه وأخاه، وعدمُ التعرض لذكره لظهور كونِه معه حسبما تنادي به الآياتُ الأُخَرُ، والمعنى أخِّرْ أمرَهما وأصدِرْهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبرَ شأنهما، وقرىء أرجِئْه وأرجِهِ من أرْجَأَه وأرْجاه {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ} قيل: هي مدائنُ صعيدِ مصرَ وكان رؤساءُ السحرةِ ومَهَرتُهم بأقصى مدائنِ الصعيد. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا سبعين ساحراً أخذوا السحرَ من رجلين مجوسيـين من أهل نينَوى مدينةِ يونسَ عليه السلام بالمَوْصِل، ورُد ذلك بأن المجوسيةَ ظهرت بزرادَشْت وهو إنما جاء بعد موسى عليه الصلاة والسلام {يَأْتُوكَ بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ} أي ماهرٍ في السحر، وقرىء بكل سحّار عليم، والجملةُ جوابُ الأمر. {وَجَاء ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} بعد ما أرسل إليهم الحاشرين وإنما لم يصرَّح به حسبما في قوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ }تفسير : [الشعراء: 53] للإيذان بمسارعة فرعونَ إلى الإرسال ومبادرةِ الحاشرين والسحرة إلى الامتثال. {قَالُواْ} استئنافٌ منوطٌ بسؤال نشأ من مجيء السحرةِ كأنه قيل: فماذا قالوا له عند مجيئِهم إياه؟ فقيل: قالوا مدْلين بما عندهم واثقين بغلبتهم: {إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ} بطريق الإخبارِ بثبوت الأجرِوإيجابِه كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر عظيم حينئذ، أو بطريق الاستفهامِ التقريري بحذف الهمزة وقرىء بإثباتها، وقولُهم: (إن كنا) لمجرد تعيـينِ مناطِ ثبوتِ الأجرِ لا لترددهم في الغلبة، وتوسيطُ الضميرِ وتحليةُ الخبر باللام للقصر أي إن كنا نحن الغالبـين لا موسى {قَالَ نَعَمْ} وقوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} عطف على محذوف سد مسدَّه حرفُ الإيجابِ كأنه قال: إن لكم لأجراً وإنكم مع ذلك لمن المقربـين للمبالغة في الترغيب. روي أنه قال لهم: تكونون أولَ من يدخُل مجلسي وآخِرَ من يخرُج منه.
اطفيش
تفسير : {يُريدُ أنْ يخْرجكُم} بسحْرِه {من أرضكم} أيها القبط، وهى أرض مصر قال فرعون: {فَماذا تأمُرونَ} أى تأمروننى أن أفعله فى دفعه، وقرأ نافع فى رواية كردم منا، وفى الشعراء بكسر النون، وماذا مبتدأ فخبر، أو خبر فمبتدأ، وتأمرون صلة ذا، وذا واقعة على الأمر، والرابط ضمير الأمر مفعول مطلق، أى فما الأمر الذى تأمرونيه، أو ماذا مفعول تأمرون، أى أى أمر تأمروننى، وذلك أولى من كون التقدير فماذا تأمروننى به، وتم كلام الملأ فى قوله: {من أرضكم}. واستدل بعضهم بالآية على أن لفظ الأمر يطلق ولو من الأدنى إلى الأعلى، وقد يجاب بأن الأمر هنا بمعنى الإشارة من آمرته بالمد فأمرنى بالقصر، أى شاورته فأشار علىَّ، كأنه قال: فماذا تشيرون علىَّ أو بأن الأمر هنا بمعنى الشأن كأنه قال: فما الشأن الذى ندخل فيه أو نعمل به، أو قال ذلك تواضعا لهم وتسفلا، بأنه محتاج إلى رأيهم، أو أراد ماذا تأمرون رعيتكم لو كنتم سلاطين، ووقعت هذه الواقعة فيها، وهذا لا يناسبه رواية كردم، وقيل: الخطاب لفرعون، وكان بلفظ الجميع تعظيما له، ولأن الرعية تحت حكمه، فكأنه هم والأول أوضح ويدل قوله: {قالُوا أرْجِه وأخاهُ} أخر أمرهما لعل العجلة تكون عليك، ولعلك إن قتلته قال الناس إنما قتله لعجزه عن محاورته وسحره، وقال قتادة: أرادوا بإرجائهما الحبس والسجن، ورد بأنه ما كان ليقدر على حبسهما بعد ما رأى من أمر العصا ولا يشيرون إليه فى وقت الجد بما لا يمكن، وهمزة {أرجه} مفتوحة وجيمه مكسور وهاءه مشبعة بياء، ولا ياء ولا همزة بين الجيم والهاء، هذه قراءة نافع رواها ورش وإسماعيل، وهى من أرجأ بالألف بعد الجيم يرجيه بالياء بعده، وكذلك قرأ الكسائى وقرأ نافع فى رواية قالون بلا ياء بعد الهاء اكتفاء بالكسر. ونظرا للياء المحذوفة قبل الهاء قال المبرد: يجوز أن يكون المعنى أطمعه من الرجاء، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب أرجئه من أرجأت بالهمزة ساكنة بعد الجيم وضم الهاء بدون واو بعدها، والمعنى التأخير أيضا، وقرأ ابن كثير أرجئه كذلك لكن بالواو بعد الهاء إشباعا نظرا لأصل الهاء مع إلغاء حكم الكسون قبلها، وبهذا قرأ هشام كما قال الإمام أبو عمرو الدانى، وقرأ عاصم وحمزة بسكون الهاء ولا ياء ولا همزة بينهما وبين الجيم ويكسران الجيم، وقيل: ذلك على لغة الوقف على هاء الضمير فى الوصل إذا تحرك ما قبلها. وقال القاضى: على تنزيل الجيم والهاء المكسورتين المختلستين، ووو العطف المنفصل عنهما بكونه كلمة وبالخط منزلة كلمة ثلاثية مكسورة الوسط، والأول مخفف بإسكان الوسط، وهو هنا الهاء كما يقال فى إبل بكسر الهمزة والباء إبل بسكون الباء، ونسب القاضى بهذه القراءة إلى حفص يعنى عن عاصم، واعترضه شيخ الإسلام بأن الصواب تركه، لأن عاصما قرأ بذلك من طريقه. وأقول وجه كلام القاضى أن عاصما قرأ بذلك فى رواية عن حفص عنه، وروى عن حفص عنه أنه قرأ أرجه بكسر الجيم وضم الهاء مختلستين، وهو رواية عن الكسائى، وعن إبان عن عاصم القراءة التى قبل هذه القراءة المروية عن الكسائى، وقرأ ابن عامر فى رواية ابن ذكوان: أرجئه بالهمزة وكسر الهاء، قال الفارسى وهو غلط أى لأن الهاء لا تكسر إلا بعد كسرة أو ياء ساكنة، وأجيب بأن الهمزة لما كانت تقلب ياء أجريت مجراها، وإذا وقف على الهاء سكنت بلا خلاف إلا فى مذهب من ضمها بإشباع أو باختلاس، فإن الروم والإشمام جائزان فيها. {وأرْسِلْ فى المدائنِ} أى إلى المدائن أو فى على أصلها، كأنه قيل: مكن وأوغل فى المدائن، وهو جمع مدينة بوزن فعيله، من مدن بالمكان أقام به، فلذلك يهمز ومن قال الميم زائد والوزن مفعلة، ونقلت حركة العين للدال من دان يدين لم يهمزه {حَاشِرينَ} جامعين يجمعون لكن من المدائن ما تريد وهو السحرة كما قال: {يأتوكَ بكلِّ ساحرٍ عليمٍ} وهؤلاء الحاشرون طائفة من أعوان ولاته، ويقال لهم الشرط بضم ففتح، لأن عليهم علامات، وإلاَّ شرط العلامات، ويطلق الشرط أيضا على أعوان الملك أيضا، قال الحسن: قال له أصحابه: لا تقتله فإن سحْر سحرتك يغلب سحره، وإن قتلته أدخلت الشبهة فى أمره، قال النقاش: لم يكن يجالس فرعون ولد سوء، وإنما كانوا أشرافا ولذا أشاروا بالإرجاء لا بالقتل، وقالوا: إن قتلته أدخلت على الناس شبهة، ولكن اغلبه بالحجة. فأرسل إلى أقصى مدائن الصعيد وفيها رؤساء السحرة، فإن غلبهم موسى صدقناه، وإن غلبوه علمنا أنه ساحر، فقال: نعم، لا نقابل موسى إلا بمن هو مثله، أو أعلم منه، وقال ابن عباس، والسدى، وابن إسحاق: اتخذ غلمانا من بنى إسرائيل، وبعث بهم إلى الفرما، فتعلموا فيها السحر العظيم، فجاءوا مع معلمهم، وقال له: ماذا صنعت؟ قال له: قد علمتهم سحراً لا يطلق إلا بأمر من السماء، وروى أنه لم يترك ساحرا فى مملكته إلا أتى به، ويأتى عددهم فى سورة طه إن شاء الله. وقال عطاء: كان رئيس السحرة بأقصى مدائن الصعيد، وله ولدان علمهما، ثم مات، وكان فرعون يعد فى مملكته السحرة لأمر إذا أتاه، فلما جاءهما رسول فرعون قالا لأمهما: دلينا على قبر أبينا، وكان لم يعلماه، فدلتهما فصاحا باسمه، فأجابهما فقالا: إن الملك وجه إلينا أن نقدم عليه، لأنه أتاه رجلان لا سلاح ولا رجال معهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لها شىء، تبلع الحديد والخشب والحجارة. فقال: انظر إذا هما ناما، فإن قدرتما أن تسلباه العصا فاسلباها، فإن الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، فإن عملت العصى وهما نائمان فذلك أمر رب العالمين فلا طاقة لكما به، ولا للملك، ولا لجميع أهل الدنيا، فأتياهما فى خفية وهما نائمان ليأخذاها فقصدتهما. وروى أن فى السحرة اثنين وسبعين شيخا قد انحنت ظهورهم من الكبر، وأن على رأسهم سابور وعاد وروحفط، وحطوط ومعصى، وهم أول من آمن منهم. وقراءة حمزة والكسائى هنا وفى يونس: بكل سحار، واتفقت العشرة عليه فى الشعراء وهو صفة مبالغة، نص فى عظم سحره، بخلاف الساحر فإنه محتمل لعظيم السحر وصغيره، ويبين بالقرينة كما بين عظمه بقوله: {عليم} هذا هو الحق، وادعى بعضهم أن الساحر هو المبتدئ فى صناعة السحر يتعلم ولا يعلم، والسحار هو الماهر فيها، وبعض أن الساحر هو الذى يكون سحره وقتا دون آخر، والسحار الذى يدوم سحره، وعليهما فمعنى {ساحر عليم} مبتدئ فى السحر، أو واقع منه تارات وتمهر فيه بعد ذلك أو لازمه، وأصل السحر العلم والفطنة، وقيل: إفساد الشىء، فإن الساحر يفسد نظر العين ويأخذ به، ويخيل الأمر على غير ما هو، وربما سحر الدهن، يقال: سحر المطر الأرض أفسدها حتى لا يمكن فيها عمل.
اطفيش
تفسير : {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} بسحره طلباً للرياسة والملك {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} من تمام قول الملأْ، أَى فماذا يصدر الأَمر منكم؟ والخطاب فى كل ذلك من بعض الملأ لبعض، أَو للعامة، أَو لمن يلى الملأَ، أَو الخطاب منهم لفرعون بصيغة الجمع تعظيماً فى الكافين والواو، أَى: قال الملأ من قوم فرعون إِن هذا لساحر عليم يريد إِخراجك من أَرضك فماذا تأمر؟ أَو تم القول فى قوله من أَرضكم، ويقدر وقال فرعون: فماذا تأمرون؟ على الحدوث خطاباً منه لملئه عطفاً على كلامهم، أَو على تقدير إِذا كان ذلك فماذا تأمرون؟ ويؤيده قول ابن عباس: ما الذى تشيرون به على؟ ويؤيده أَيضاً قوله عز وجل: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى المَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} ولا مفعول لتأمر، على أَن المعنى صدر الأَمر بدون تعلقه بمأمور، أَو يقدر: ماذا تأمرنا؛ أَو ماذا تأمروننى؟ أَو تأمروننا؟ وماذا مفعول مطلق مركب، أَى: أَى أَمر تأمرون؟ أَو ما مبتدأ أَو واقعة على الأَمر، وذا خبر، أَى ما الأَمر الذى تأَمرونه، وهاء تأمرونه مفعول مطلق، وإِما أَن يقدر ما الذى تأمرون به؟ ففيه حذف العائد المجرور بدون أَن يجر الموصول بمثله، ودون اتحاد متعلقيهما، والجمهور على المنع، وأُجيز لظهور المعنى، ومعنى أَرجه أَخره بحذف الياء الأَصلية، منقلبة عن همزة، والمراد أخرهما لترى رأيك فيهما، وقيل احبسهما، والأَمر بحبسهما لا يوجب ثبوت الحبس فلا يعترض بأَنه لم يثبت أَنه حبسهما، وقيل أَيضاً أنه لم يقدر على حبسهما، بعد أَن رأَى ما رأَى، وقوله {أية : لأَجعلنك من المسجونين}تفسير : [الشعراء: 29] كان قبل هذا، أَو تخويف عمداً بما لا يطيقه، أَو القائلون لم يعلموا ذلك منه، وقيل: أَخره عما عهدت من قتله ليتبين أَمره للناس، وفى آية أخرى {أية : قال للملأ حوله}تفسير : [الشعراء: 34] إِلخ، ويجاب بأَنه ذكر ما ذكره قومه، ففى الآية كلامه، وهنا كلامهم أَو قاله ابتداء، وقالوه حكاية عنه للناس، أو للتبليغ عنه، ومعنى حاشرين، جامعون، والمراد جمع السحرة، وفى على ظاهرها بمعنى بثهم فى المدائن، أَو بمعنى إِلى، والمدائن مدائن مصر، أَو مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأَقصى مدائن الصعيد.
الالوسي
تفسير : {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ} أي من أرض مصر {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي تشيرون في أمره كما فسره بذلك ابن عباس، فهو من الأمر بمعنى المشاورة، يقال: آمرته فآمرني أي شاورته فأشار عليَّ، وقيل من الأمر المعهود، و {مَاذَا} في محل نصب على أنه مفعول لتأمرون بحذف الجار، أي بأي شيء تأمرون، وقيل: {مَا} خبر مقدم و (ذَا) اسم موصول مبتدأ مؤخر، أي ما الذي تأمرون به.
الواحدي
تفسير : {يريد أن يخرجكم من أرضكم} هذا قول الأشراف من قوم فرعون، قالوا: يريد موسى أن يخرجكم معشرَ القبط من أرضكم، ويزيل ملككم بتقوية عدوِّكم بني إسرائيل، فقال فرعون لهم: {فماذا تأمرون} أَيش تُشيرون به عليَّ؟ {قالوا أرجه وأخاه} أَخِّرْ أمره وأمر أخيه ولا تعجل {وأرسل في المدائن} في مدائن صعيد مصر {حاشرين} رجالاً يحشرون إليك مَنْ في الصَعيد من السَّحرة، فأرسل {وجاء السحرة فرعون} وطالبوه بالمال والجوائز إنْ غلبوه، فأجابهم فرعون إلى ذلك، وهو قوله: {نعم وإنكم لمن المقربين} أَيْ: ولكم من الأجر المنزلة الرَّفيعة عندي. {قالوا يا موسى إمَّا إن تلقي} عصاك {وإمَّا أن نكون نحن الملقين} ما معنا من الحبال والعصي.
د. أسعد حومد
تفسير : (110) - وَغَايَتُهُ مِنْ سِحْرِهِ هذا أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَيْكُمْ بِاسْتِمَالَةِ الشَّعْبِ إِلَيهِ، وَأَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ، فَمَا الذِي تَرَوْنَ أَنْ نَفْعَلَ بِهِ لِنَتَجَنَّبَ حُصُولَ ذَلِكَ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنها نكبة جاءت لفرعون الذي يدعي الألوهية، ونكبة لمن حوله من هؤلاء الذين يوافقونه، فكيف يواجهها حتى يظل في هيئته وهيبته؛ قال عن موسى: إنه ساحر، لكي يصرف الناس الذين رأوا معجزات موسى عن الإِيمان والاقتناع به، وأنه رسول رب العالمين، وبعد ذلك يهيج فرعون وطنيتهم ويهيج ويثير غيرتهم ويحرك انتماءهم إلى مكانهم فقال: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}. اتهموا موسى عليه السلام بأنه يريد أن يخرج الناس بسحره من أرضهم، وهذا القول من فرعون ومن معه له هدف هو تهييج الناس وإثارتهم؛ لأن فرعون اقنع الناس أنه إله. وها هي ذي الألوهية تكاد تنهدم في لحظة، فقال عن موسى إنه ساحر، وبين قوم لهم إلف بالسحر، وقوله: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} على لسان الملأ من قوم فرعون تدل على أن القائل للعبارة أدنى من المقول لهم، فالمفروض أن فرعون هو صاحب الأمر على الجميع، ومجيء القول: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} يدل على أن الذي يأمر في مسائل مثل هذه هو فرعون، وهذا يشعر بأن فرعون قد أدرك أن مكانته قد انحطت وأنه نزل عن كبريائه وغطرسته. أو أن يكون ذلك من فرعون تطييباً لقلوب من حوله، وأنه لا يقطع أمراً إلا بالمشورة، فكيف تشاور الناس يا فرعون وأنت قد غرست في الناس أنك إله؟ وهل يشاور الإِله مألوهاً؟. إن قولك هذا يحمل الخيبة فيك لأنك تدعي الألوهية ثم تريد أن تستعين بأمر المألوه. ويقول الحق سبحانه: {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):