٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
111
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع والكسائي {أَرْجِهْ } بغير همز وكسر الهاء والإشباع، وقرأ عاصم وحمزة {أَرْجِهْ } بغير الهمز وسكون الهاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر {وأرجئه} بالهمز وضم الهاء، ثم أن ابن كثير أشبع الهاء على أصله والباقون لا يشبعون. قال الواحدي: رحمه الله {قَالُواْ أَرْجِهْ } مهموز وغير مهموز لغتان يقال أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته، ومنه قوله تعالى: {أية : وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ }تفسير : [التوبة: 106] {أية : ترجي مَن تَشَاء } تفسير : [الأحزاب: 51] قرىء في الآيتين باللغتين، وأما قراءة عاصم وحمزة بغير الهمز، وسكون الهاء فقال الفراء: هي لغة العرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها وأنشد.شعر : فيصلح اليوم ويفسده غداً تفسير : قال وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون: هذه طلحة قد أقبلت، وأنشد.شعر : لما رأى أن لا دعه ولا شبع تفسير : ثم قال الواحدي: ولا وجه لهذا عند البصريين في القياس. وقال الزجاج: هذا شعر لا نعرف قائله، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له أخطأت. المسألة الثانية: في تفسير قوله: {أَرْجِهْ } قولان: الأول: الإرجاء التأخير فقوله: {أَرْجِهْ } أي أخره. ومعنى أخره: أي أخر أمره ولا تعجل في أمره بحكم، فتصير عجلتك حجة عليك، والمقصود أنهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم، ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى عليه السلام. والقول الثاني: وهو قول الكلبي وقتادة {أَرْجِهْ } احبسه. قال المحققون هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس، والثاني: أن فرعون ما كان قادراً على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا. أما قوله: {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وإلا لم يصح قوله: {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ } ويدل على أن في طباع الخلق معرفة المعارفة، وإنها إذا أمكنت فلا نبوة، وإذا تعذرت فقد صحت النبوة، وأما بيان أن السحر ما هو وهل له حقيقة أم لا بل هو محض التمويه، فقد سبق الاستقصاء فيه، في سورة البقرة. المسألة الثانية: نقل الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي: أنه قال اختلف أصحابنا في المدينة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها فعيلة لأنها مأخوذة من قولهم مدن بالمكان يمدن مدونا إذا أقام به، وهذا القائل يستدل بإطباق القراء على همز المدائن، وهي فعائل كصحائف وصحيفة وسفائن وسفينة والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت في الجمع كقبائل وقبيلة، وإذا كانت من نفس الكلمة لم تهمز في الجمع نحو معايش ومعيشة. والقول الثاني: أنها مفعلة، وعلى هذا الوجه، فمعنى المدينة المملوكة من دانه يدينه، فقولنا مدينة من دان، مثل معيشة من عاش، وجمعها مداين على مفاعل. كمعايش، غير مهموز، ويكون اسماً لمكان والأرض التي دانهم السلطان فيها أي ساسهم وقهرهم. والقول الثالث: قال المبرد مدينة أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فاستثقلوا حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها إلى ما قبلها، واجتمع ساكنان الواو المزيدة التي هي واو المفعول، والياء التي هي من نفس الكلمة، فحذفت الواو لأنها زائدة، وحذف الزائد أولى من حذف الحرف الأصلي، ثم كسروا الدال لتسلم الياء، فلا تنقلب واواً لانضمام ما قبلها فيختلط ذوات الواو بذوات الياء، وهكذا القول في المبيع والمخيط والمكيل، ثم قال الواحدي: والصحيح أنها فعيلة لاجتماع القراء على همز المدائن. المسألة الثالثة: {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ } يريد وأرسل في مدائن صعيد مصر رجالاً يحشروا إليك ما فيها من السحرة. قال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ونقل القاضي عن ابن عباس، أنهم كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم، وكان الذي يعلمهم رجلاً مجوسياً من أهل نينوى بلدة يونس عليه السلام، وهي قرية بالموصل. وأقول هذا النقل مشكل، لأن المجوس أتباع زرادشت، وزرادشت إنما جاء بعد مجيء موسى عليه السلام. أما قوله: {يَأْتُوكَ بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي بكل سحار، والباقون بكل ساحر، فمن قرأ سحار فحجته أنه قد وصف بعليم، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة في السحر، ومن قرأ ساحر فحجته قوله: {أية : وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ }تفسير : [الأعراف: 120] {أية : لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ } تفسير : [الشعراء: 40] والسحرة جمع ساحر مثل كتبه وكاتب وفجرة وفاجر. واحتجوا أيضاً بقوله: {أية : سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الأعراف: 116] واسم الفاعل من سحروا ساحر. المسألة الثانية: الباء في قوله: {بِكُلّ سَـٰحِرٍ } يحتمل أن تكون بمعنى مع، ويحتمل أن تكون باء التعدية والله أعلم. المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان، وهذا يدل على صحة ما يقوله المتكلمون، من أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالباً على أهل ذلك الزمان فلما كان السحر غالباً على أهل زمان موسى عليه السلام كانت معجزته شبيهة بالسحر وإن كان مخالفاً للسحر في الحقيقة، ولما كان الطب غالباً على أهل زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم كانت معجزته من جنس الفصاحة. ثم قال تعالى: {وَجَاء ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لاجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع، وابن كثير، وحفص، عن عاصم، {إن لنا لأجراً} بكسر الألف على الخبر والباقون على الاستفهام، ثم اختلفوا، فقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة على أصله والباقون بهمزتين قال الواحدي رحمه الله: الاستفهام أحسن في هذا الموضع، لأنهم أرادوا أن يعلموا هل لهم أجر أم لا؟ ويقطعون على أن لهم الأجر ويقوي ذلك إجماعهم في سورة الشعراء على الهمز للاستفهام وحجة نافع وابن كثير على أنهما أرادا همزة الاستفهام، ولكنهما حذفا ذلك من اللفظ وقد تحذف همزة الاستفهام من اللفظ، وإن كانت باقية في المعنى كقوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ } تفسير : [الشعراء: 22] فإنه يذهب كثير من الناس إلى أن معناه أو تلك بالاستفهام، وكما في قوله: {أية : هَـٰذَا رَبّى } تفسير : [الأنعام: 78] والتقدير أهذا ربي وقيل: أيضاً المراد أن السحرة أثبتوا لأنفسهم أجراً عظيماً، لأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم كقول العرب: إن له لإبلاً، وإن له لغنماً، يقصدون الكثرة. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: هلا قيل: {وجاء السحرة فرعون قالوا). وجوابه: هو على تقدير: سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤه. فأجيب بقوله: {قالوا أئن لنا لأجراً} أي جعلا على الغلبة. فإن قيل: قوله: {وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } معطوف، وما المعطوف عليه؟ وجوابه: أنه معطوف على محذوف، سد مسده حرف الإيجاب، كأنه قال إيجاباً لقولهم: إن لنا لأجراً، نعم إن لكم لأجراً، وإنكم لمن المقربين. أراد أني لا أقتصر بكم على الثواب، بل أزيدكم عليه، وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين عندي. قال المتكلمون: وهذا يدل على أن الثواب إنما يعظم موقعه إذا كان مقروناً بالتعظيم، والدليل عليه أن فرعون لما وعدهم بالأجر قرن به ما يدل على التعظيم، وهو حصول القربة. المسألة الثالثة: الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مهيناً عاجزاً، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام، وتدل أيضاً على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون، لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان، فلم لم يقبلوا التراب ذهباً، ولم لم ينقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم لم يجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس: {أَرْجِهْ}: أخره. وقال قتادة: احبسه {وَأَرْسِلْ} أي: ابعث {فِى ٱلْمَدَآئِنِ} أي: في الأقاليم ومدائن ملكك {حَـٰشِرِينَ} أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد، ويجمعهم وقت كان السحر في زمانهم غالباً كثيراً ظاهراً، واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم منهم: أن ما جاء به موسى عليه السلام من قبيل ما تشعبذه سحرتهم، فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات؛ كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: {أية : أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ } تفسير : [طه:57-60] وقال تعالى ههنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } أَخِّرْ أمرهما {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ } جامعين.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَرْجِهْ} أخره، أو احبسه. {حَاشِرِينَ} أصحاب الشُّرَط، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ} في هذه الكلمة هنا وفي "الشُّعراءِ"[36] ست قراءات في المشهور المتواتر، ولا التفات إلى مَنْ أنكر بعضها ولا لمن أنكر على راويها. وضبط ذلك أنْ يقال: ثلاث مع الهَمْزِ وثلاث مع عدمه. فأمّا الثَّلاثُ التي مع الهمز فأولُها قراءة ابن كثير، وهشام عن ابن عامر: أرجِئْهو بهمزة ساكنة، وهاء متصلة بواو. والثانية: قراءة أبي عَمْرو: أرْجِئْهُ كما تقدَّم إلا أنَّه لم يصلها بواو. الثالثة: قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر: أرْجِئْهِ بهمزة ساكنة وهاء مكسورة من غير صلة. وأمّا الثَّلاثُ التي بلا همزة فأوَّلهَا: قراءة الأخوين: "أرْجِهْ" بكسر الجيم وسكون الهاء وصلاً ووقفاً. الثانية: قراءة الكسائيِّ، وورشٍ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بهاء متصلة بياء. الثالثة: قراءة قالون بهاء مكسورة دون ياء. فأمّا ضمُّ الهاء وكسرها فقد عُرف مما تقدَّم. وأمَّا الهمزُ وعدمه فلغتان مشهورتان يقال: أرْجَأته وأرْجَيْتُه أي: أخَّرته، وقد قرىء قوله تعالى: {أية : تُرْجِي مَن تَشَآءُ}تفسير : [الأحزاب: 51] بالهَمْزِ وعدمه، وهذا كقولم: تَوَضَّأتُ وتَوَضَّيْتُ، وهل هما مادتان أصليتان أم المبدل فرع الهمز؟ احتمالان. وقد طعن قَوْمٌ على قراءة ابن ذكوان فقال الفارسي: "ضم الهاء مع الهمز لا يجوز [غيره]، ورواية ابن ذُكْوَان عن ابن عامر غلطٌ". وقال ابنُ مُجَاهدٍ: "وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ الهَاءَ لا تكسَرُ إلاَّ بعد كسرة أو ياء ساكنة". وقال الحُوفِيُّ: "ومن القرَّاء مَنْ يكسر مع الهَمْزِ وليس بجيِّد". وقال أبو البقاءِ: "ويُقْرأ بكسر الهاء مع الهمز وهو ضعيف؛ لأنَّ الهمزة حرف صحيحٌ ساكنٌ، فليس قبل الهاء ما يقتضي الكسر". وقد اعتذر النَّاس عن هذه القراءة على سبيل التنازل بوجهين: أحدهما: أن الهَمْزَة ساكنةٌ والسَّاكن حاجزٌ غير حصين، وله شواهدٌ [مذكورة في موضعها]، فكأنَّ الهاء وليت الجيم المكسورة فلذلك كُسِرت. [الثاني: أن الهمزة كثيراً ما يطرأ عليها التغيير وهي هنا في معرض أن تبدل ياء ساكنة لسكونها بعد كسره فكأنها وليت ياء ساكنة فلذلك كسرت]. وقد اعترض أبُو شَامَةَ على هذين الجوابين بثلاثةِ أوجه: الأولُ: أنَّ الهمز حاجز معتدٌّ به بإجماع في {أية : أَنبِئْهُم}تفسير : [البقرة: 33]، {أية : وَنَبِّئْهُمْ}تفسير : [القمر: 28] والحكم واحد في ضمير الجمع والمفرد فيما يرجع إلى الكَسْرِ والضمّ. الثاني: أنَّهُ كان يلزمه صلة الهاء، إذ هي في حُكْم كأنها قد وليت الجيم. الثالث: أنَّ الهمز لو قلب يَاءً لكان الوَجْه المختارُ ضمّ الهاء مع صريح الياءِ نظراً إلى أنَّ أصلها همزة، فما الظنُّ بمَنْ يكسر الهاء مع صريح الهَمزةِ. وسيأتي تحقيق ذلك في باب وقفِ حمزةَ وهشام، فضمُّ الهَاء مع الهمزةِ هو الوَجْهُ. وقد استضعف أبُو البقاءِ قراءة ابن كثير وهشام فإنَّهُ قال: "وَأرْجِئْهُ" يقرأ بالهمزة وضمِّ الهاء من غير إشباع وهو الجيِّد، وبالإشباع وهو ضَعِيفٌ؛ لأنَّ الهاء خفيَّة، فكأنَّ الواو التي بعدها تتلو الهمزة، وهو قريبٌ من الجمع بين السَّاكنين ومن هاهنا ضَعْف قولهم: "عليهي مال" بالإشْبَاع. قال شهابُ الدِّينِ: وهذا التَّضْعيف ليس بشيء؛ لأنَّهَا لغة ثابتة عن العَرَب، أعني إشباع حركة الهاء بعد ساكن مطلقاً، وقد تقدَّم أنَّ هذا أصل لابن كثير ليس مختصاً بهذه اللَّفْظَةِ، بل قاعدته كلُّ هاء كناية بعد ساكن أنْ تُشْبع حركتها حتى تتولَّد منها حرف مدٍّ نحو: "منهو، وعنهو، وأرجِئْهو" إلاَّ قبل ساكن فإن المدَّ يُحذفُ لالتقاء الساكنين إلاَّ في موضع واحد رواه عنه البَزِّيُّ وهو {عَنْهُو تَّلَهَّىٰ} [عبس: 10] بتشديد التَّاءِ، ولذلك استضعف الزَّجَّاجُ قراءة الأخوين قال بعد ما أنشد قول الشَّاعر: [الرجز] شعر : 2539 - لَمَّا رَأى أنْ لا دَعَهْ وَلاَ شِبَعْ مَالَ إلَى أرْطَاةِ حِقْفٍ فَالطَجَعْ تفسير : "هذا شعرٌ لا يعرف قائله ولا هو بِشَيءٍ، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له: أخطأت؛ لأنَّ الشَّاعر يجوز أن يخطىء مذهب لا يُعَرَّج عليه". قال شهابُ الدِّين: "وقد تقدَّم أنَّ تسكين هاء الكناية لغة ثابتة، وتقدَّم شواهدها، فلا حاجةَ إلى الإعادة". قوله: "وَأخَاهُ" الأحسنُ أن يكون نسقاً على الهاء في "أرْجِهْ" ويضعف نصبه على المعيَّة لإمكان النَّسق من غير ضعف لَفْظي ولا معنوي. قال عطاءٌ: "معنى أرْجِهْ أي أخّره". وقيل: احبسه وأخاه، وهو قول قتادة والكَلْبِيِّ، وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أنَّ الإرجاء في اللُّغَةِ هو التَّأخير لا الحبس. والثاني: أنَّ فرعونَ ما كان قادراً على حبس موسى بعد أنْ شاهد العصا فأشاروا عليه بتأخير أمره وترك التَّعَرُّضِ إليه بالقتل. قوله: {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ}. "فِي المَدَائِنِ" متعلق بـ "أرْسِلْ"، و "حَاشِرينَ" مفعول به، ومفعول "حَاشِرِين" محذوفة أي: حاشرين السَّحَرة، بدليل ما بعده. و "المَدائِنُ" جمع مَدينَةٍ، وفيها ثلاثةُ أقوال: أصحها: أنَّ وزنها فعيلة فميمها أصلية وياؤها زائدة مشتقة من مَدُنَ يَمْدُنُ مدوناً أي قام، واستدلَّ لهذا القول بإطْبَاقِ القراء على همز مدائن كصحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت في الجمع كقبائل وقبيلة، وإذا كانت من نفس الكلمةِ لم تهمز نحو: معايش ومعيشة، [ولو كانت مفعلة لم تهمز نحو: مَعِيشَةٍ ومعايش ولأنَّهُم جمعوها أيضاً على مُدنٍ كقولهم سفينةٍ وسُفُنٍ وصُحُفٍ]. قال أبُو حيَّان: "ويقطعُ بأنَّها فعيلة جمعهم لها على فعل قالوا: مدن كما قالوا صُحُفٌ في صحيفة". قال شهابُ الدِّين: "قد قال الزجاجي: المدن في الحقيقةِ جمع المدين، لأنَّ المدينة لا تُجْمَعُ على مُدُن ولكن على مدائن ومثل هذا سفن كأنهم جمعوا سفينة على سفين ثم جمعوه على سفن" ولا أدري ما حمله على جعل مدن جمع مدين، ومدين جمع مدينة مع اطِّرادَ فُعُل على فَعِيلَةٍ لا بمعنى مفعولة، اللهم إلا أن يكون قد لحظ في مدينة أنَّهَا فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأنَّ معنى المدينةِ أن يمدن فيها أي يقام، ويُؤيِّدُ هذا ما سيأتي أنَّ مدينة وزنها في الأصْلِ مديونة عند بعضهم. القول الثاني: أن وزنها مفعلة من دَانَهُ يَدِينُهُ أي ساسه يَسُوسُهُ، فمعنى مدينة أي مَمْلُوكَة ومسوسة أي مَسُوسٌ أهلها من دانهم ملكهم إذا سَاسَهُم، وكان ينبغي أن يجمع على مداين بصريح الياء كمعايشَ في مشهور لُغَةِ العَرَبِ. الثالث: أن وزنها مفعولة، وهو مَذْهَبُ المبرِّد قال: هي من دَانَهُ يَدينُهُ إذا ملكه وَقَهَرَهُ، وإذا كان أصلها مديونة فاستثقَلُوا حركة الضَّمَّة على الياء فسكنوها، ونقلوا حركتها إلى ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الواو والمزيدة الَّتي هي واو المفعول، والياء التي هي من نفس الكلمة، فحذفت الواو؛ لأنَّها زائدة، وحذف الزَّائد أولى من حذف الحرف الأصلي، ثم كَسَرُوا الدَّال لتسليم الياء، فلا تنقلب واواً لانضمام ما قبلها، فتختلط ذوات الواو بذوات الياءِ، وهكذا تقولُ في المبيع والمخيط والمكيل فلاَ ينقلب واواً لانضمام ما قبلها ذوات الواو، والخلاف جارٍ في المحذوف، هل هو الياء الأصليّة؟ أو الواو الزائدة؟ الأوَّلُ قول الأخْفَشِ، والثَّاني قول المَازني، وهو مذهب جماهير النُّحَاةِ. فصل في تعريف "المدينة" المدينةُ معروفةٌ، وهي البُقعةُ المسورة المستولي عليها ملك وأرادَ مدائن صعيدِ مِصْرَ، أي: أرسل إلى هذه المدائن رجالاً يحشرون إليك من فيها من السَّحرةِ، وكان رؤساء السَّحرةِ بأقْصَى مدائن الصَّعيدِ. ونقل القاضي عن ابن عباس أنَّهُم كانوا سَبْعِينَ سَاحِراً سوى رئيسهم، وكان الذي يعلمهم رجلين مَجُوسِيِّيْنِ من أهْلِ "نينوى" بلدة يونس - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وهي قرية بالموصل. قال ابن الخطيب: "وهذا النَّقْلُ مشكل؛ لأنَّ المَجُوسَ أتباع زرادشت، وزرادشت إنَّما جاء بعد مُوسى - عليه الصَّلاة والسَّلام" -.
القشيري
تفسير : تَوهَّمَ الناسُ أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذل الجهد والتشمير يُغَيِّرون شيئاً من التقدير بالتقديم أو بالتأخير، ولم يعلموا أن القضاءَ غالِبٌ، وأنَّ الحكمَ سابقٌ، وعند حلول الحكم فلا سلطانَ للعلم والفهم، والتسرع والحِلْم.. كلا، بل هو الله الواحد القهار العلاَّم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} لفرعون {ارجه} اصله ارجئه بهمزة ساكنة وهاء مضمومة والارجاء التأخير {واخاه} هارون وعدم التعرض لذكره قيل لظهور كونه معه حسبما تنادى به الآيات الاخر. والمعنى آخر امرهما ولا تعجل {وارسل فى المدائن} الجار متعلق بارسل. والمدائن جمع مدينة وهى البقعة المسورة المستولى عليها ملك والمدائن صعيد مصر وكان له مدائن فيها السحرة المعدة لوقت الحاجة اليهم. والمعنى وابعث الشرط الى هذه المدائن {حاشرين} مفعوله محذوف اى حاشرين السحرة. والمعنى ليحشروا ويجمعوا اليك من فيها من السحرة.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الكوفة إِلا عاصماً {سحَّار} بتشديد الحاء وألف بعدها. الباقون (ساحر) بألف قبل الحاء على وزن (فاعل) وقرأ عاصم إِلا يحيى وحمزة {أرجهْ} بسكون الهاء من غير همزة. وقرأ أهل البصرة والداحوني عن هشام ويحيى بالهمزة، وضم الهاء من غير اشباع. وقرأ ابن كثير والحلواني عن هشام كذلك إِلا أنهما وصلا الهاء بواو في اللفظ، وروى ابن ذكوان بالهمز وكسر الهاء من غير اشباع. وقرأ أبو جعفر من طريق بن العلاف وقالون والمسيبي بكسر الهاء من غير اشباع، وبغير همز. الباقون وهم الكسائي وخلف واسماعيل وورش، وأبو جعفر من طريق النهرواني بكسر الهاء ووصلها بياء في اللفظ من غير همز، وكذلك اختلافهم في الشعراء. والهمزة لغة قيس وغيرهم، وترك الهمزة لغة تميم وأسد يقولون: أرجيت الأمر، وقال أبو زيد: أرجيت الأمر إِرجاء اذا أخَّرته. وقوله تعالى "أرجيه" أفعله من هذا، ولا بد من ضم الهاء مع الهمزة، لا يجوز غيره، والا يبلغ الواو أحسن، لأن الهاء خفية فلو بلغ بها الواو لكان كأنه قد جمع بين ساكنين، ألا ترى أن من قال: ردُّه يا فتى بضم الدال اذا وصل بالهاء في ضمير المؤنث، قال ردَّها ففتح، كما تقول ردَّ لخفاء الهاء، وكذلك "أرجهه" لا ينبغي أن يبلغ بها الواو فيصير كأنه جمع بين ساكنين، ومن ألحق الواو فلأن الهاء محركة ولم يلتق ساكنان لان الهاء فاصل، قال (أرجيهوا) كما يقال (أضربهو) فلو كان الياء حرف لين، لكان وصلها بالواو أقبح نحو (عليهو) لاجتماع حروف متقاربة مع أن الهاء ليست بحاجز قوي في الفصل، واجتماع المتقاربة كاجتماع الامثال. قال أبو علي الفارسي: من وصل الهاء بـ (يا)، فلأن هذه الهاء توصل في الادراج بواو، أو ياء، نحو (بهي) أو (بهو) و (ضربهو) ولا تقول في الوصل (به) ولا (به) ولا (ضربه) حتى تشبع فتقول "بهو" ما علم (بهي) الا في ضرورة الشعر كقوله: شعر : وما له من مجلد يلبد تفسير : وقال: ومن كسر الهاء مع الهمز، فقد غلط وانما يجوز اذا كان قبله ياء فقال "أرجيه" بكسر الهاء، ولم يستقم، لأن هذه الياء في تقدير الهمزة، فكما لم يدغم الواو اذا خففت الهمزة لأن الواو في تقدير الهمزة كذلك لا يحسن تحريك الهاء بالضم مع الياء، المنقلبة عن الهمزة، وقياس من قال (روياً) فادغم أن يحرك الياء أيضاً بالضم، وعلى هذا المسلك من قال (يتيهم) إِذا كسر الهاء مع قلب الهمزة ياء، قال: ومعنى {أرجه} أخره، وقال قتادة: معناه إِحبسه، يقال أرجأت الأمر إِرجاء ومنه قولهم: المرجئة، وهم الذين يجيزون الغفران لمرتكبي الكبائر من غير توبة. قال الرماني: لا وجه لقراءة حمزة عند البصريين في القياس، ولا الاستعمال على لغة من همز، وقال الزجاج إِسكان هاء الضمير لا يجوز عند حذاق النحويين، وأجاز الفراء ذلك، قال يقولون: هذه طلحة أقبلت، وأنشد قول الراجز: شعر : أنحى عليَّ الدهر رجلا ويدا يقسم لا يصلح إِلا أفسدا فيصلح اليوم يفسده غدا تفسير : وزعم ان اسكان هاء التأنيث جائز وأنشد: شعر : لما رأى ان لادعه ولا شبع مال الى ارطاه حقف فاضطجع تفسير : وقال الآخر: شعر : لست لزعبلة إِن لم أغيِّـ ـر بكلتي إِن لم أساو بالطول تفسير : كلتي معناه طريقتي، و (الطول) جمع امرأة طولى، قال الزجاج: هذا الشعر الذي أنشده الفراء لا يعرف، ولا وجه له، وإِنما لم يلين أبو عمرو الهمزة الساكنة على أصله فى تخفيف الهمزة لأن سكونه علامة للجزم، فلا يترك همزه، لأن التسكين عارض وكذلك {مؤصدة} لا يترك همزه، لأنه يخرج من لغة الى لغة. والأخ هو من النسب بولادة الأدنى من أب أو أم أو منهما ويقال الأخ الشقيق ويسمى الصديق الأخ تشبيهاً بالنسيب فأما الموافق في الدين فانه أخ بحكم الله في قوله {أية : إِنما المؤمنون أخوة}. تفسير : ومعنى الآية أن قوم فرعون أشاروا عليه بأن يؤخِّر موسى وأخاه الى أن يرسل في بلاد مملكته حاشرين، وقال ابن عباس: هم الشرط، وقال مجاهد والسدي: يحشرون من يعلمونه من السحرة والعالمين بالسحر ليقابل بينهم وبين موسى جهلاً منهم بأن ذلك ليس بسحر، ومثله في عظم الاعجاز لا تتم فيه الحيلة، لأن السحر هو كل أمر يوهموه على من يراه، ولا حقيقة له، وإِنما يشتبه ذلك على الجهال والاغبياء دون العقلاء المحصلين. وقوله {يأتوك بكل ساحر عليم} (يأتوك) جزم، لأنه جواب الأمر، والمعنى إِن ترسل يأتوك، وحجة من قال {ساحر} قوله {أية : ما جئتم به السحر}تفسير : والفاعل من السحر ساحر، ويقوِّيه قوله {أية : فألقى السحرة ساجدين}تفسير : والسحرة جمع ساحر، ولأنه قال {أية : سحروا أعين الناس} تفسير : واسم الفاعل ساحر، ومن قرأ {سحَّار} فلأنه وصف بـ (عليم)، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة. والاتيان هو الانتقال الى مطلوب، ومثله المجيء أتى يأتي إِتياناً وأتيَ يؤتى إِيتاء اذا أعطي، وإِنما دخلت (كل) وهي للعموم على واحد، لأنه في معنى الجمع، كأنه قال بكل السحرة اذا أفردوا ساحراً ساحراً. والفرق بينه وبين كل السحرة أنه اذا قيل بكل السحرة، فالمعنى المطلوب للجميع، واذا قيل: بكل ساحر، فالمعنى المطلوب لكل واحد منهم، ويبين ذلك قول القائل: لكل ساحر درهم، ولكل السحرة درهم، فان الأول يفيد أن لكل واحد درهماً، والثاني أن الجميع لهم درهم. والباء في قوله {بكل} قيل فيه قولان: أحدهما - انه للتعدية كما يعدى بالالف، ومنه ذهبت به وأذهبته وأتيت به وأتيته. الثاني - أنها بمعنى (مع) أي يأتون ومعهم كل ساحر عليم.
الجنابذي
تفسير : {قَالُوۤاْ} قالت الخواصّ او الملأ حوله غير الخواصّ {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} من الارجاء بمعنى التّأخير يعنى اخّر امرهما حتّى يمكن لك التّدبير، قرئ ارجئه على الاصل بسكون الهمزة وضمّ الهاء، وارجئه بسكون الهمزة وكسر الهاء على خلاف القياس، وارجهى من ارجيت بكسر الهاء مع الاشباع، وارجه بكسر الهاء بدون الاشباع وارجه بسكون الهاء مع الاشباع وارجه بكسر الهاء بدون الاشباع وارجه بسكون الهاء تشبيهاً له بالواو والياء الضّمير من كما قيل، او تشبيهاً لهاء الضّمير بهاء السّكت او اجراءً للوصل مجرى الوقف {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} يعنى فأرسل وحشروا وجاؤا فرعون {قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ} وقرئ بهمزٍ واحدٍ على المعاهدة والميثاق.
الالوسي
تفسير : {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي أخر أمرهما وأصدرهما عنك ولا تعجل في أمرهما حتى ترى رأيك فيهما، وقيل: احبسهما، واعترض بأنه لم يثبت منه الحبس. وأجيب بأن الأمر به لا يوجب وقوعه؛ وقيل عليه أيضاً: إنه لم يكن قادراً على الحبس بعد أن رأى ما رأى، وقوله:{أية : لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } تفسير : في الشعراء [29] كان قبل هذا، وأجيب بأن القائلين لعلهم لم يعلموا ذلك منه، وقال أبو منصور: الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر وهو الهم بقتله، فقالوا: أخره ليتبين حاله للناس، وليس بلازم كما لا يخفى؛ وأصل أرجه أرجئه بهمزة ساكنة وهاء مضمومة دون واو ثم / حذفت الهمزة وسكنت الهاء لتشبيه المنفصل بالمتصل، وجعل جه وكابل في إسكان وسطه، وبذلك قرأ أبو عمرو، وأبو بكر، ويعقوب على أنه من أرجات، وكذلك قراءة ابن كثير وهشام وابن عامر {أرجئهو} بهمزة ساكنة وهاء متصلة بواو الإشباع. وقرأ نافع في رواية ورش وإسماعيل والكسائي {أرجهي} بهاء مكسورة بعدها ياء من أرجيت، وفي رواية قالون {أنٍ أَرْجِهْ} بحذف الياء للاكتفاء عنها بالكسرة، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان {أرجئه} بالهمزة وكسر الهاء، وقد ذكر بعضهم أن ضم الهاء وكسرها والهمز وعدمه لغتان مشهورتان، وهل هما مادتان أو الياء بدل من الهمزة كتوضأت وتوضيت؟ قولان، وطعن في القراءة على رواية ابن ذكوان، فقال الحوفي: إنها ليست بجيدة، وقال الفارسي: إن ضم الهاء مع الهمزة لا يجوز غيره وكسرها غلط لأن الهاء لا تكسر إلا بعد ياء ساكنة أو كسرة، وأجيب كما قال الشهاب عنه بوجهين: أحدهما: أن الهمزة ساكنة والحرف الساكن حاجز غير حصين فكأن الهاء وليت الجيم المكسورة فلذا كسرت، والثاني: أن الهمزة عرضة للتغيير كثيراً بالحذف وإبدالها ياء إذا سكنت بعد كسرة فكأنها وليت ياء ساكنة فلذا كسرت. وأورد على ذلك أبو شامة أن الهمزة تعد حاجزاً وأن الهمزة لو كانت ياء كان المختار الضم نظراً لأصلها وليس بشيء بعد أن قالوا: إن القراءة متواترة وما ذكر لغة ثابتة عن العرب، هذا واستشكل الجمع بين ما هنا وما في الشعراء [34-35] فإن فيها {أية : قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } تفسير : وهو صريح في أن {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ } إلى {أية : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } تفسير : [الأعراف: 109-110] كلام فرعون وما هنا صريح في نسبة قول ذلك للملإ والقصة واحدة فكيف يختلف القائل في الموضعين وهل هذا إلا منافاة؟ وأجيب بأنه لا منافاة لاحتمالين. الأول: أن هذا الكلام قاله فرعون والملأ من قومه فهو كوقع الحافر على الحافر فنقل في الشعراء كلامه وهنا كلامهم، والثاني: أن هذا الكلام قاله فرعون ابتداء ثم قاله الملأ إما بطريق الحكاية لأولادهم وغيرهم وإما بطريق التبليغ لسائر الناس فما في الشعراء كلام فرعون ابتداء وما هنا كلام الملأ نقلاً عنه. واختار الزمخشري أن ما هنا هو قول الملأ نقلاً عن فرعون بطريق التبليغ لا غير لأن القوم لما سمعوه خاطبوا فرعون بقولهم: أرجه الخ، ولو كان ذلك كلام الملأ ابتداء لكان المطابق أن يجيبوهم بأرجئوا، ولا سبيل إلى أنه كان نقلاً بطريق الحكاية لأنه حينئذ لم يكن مؤامرة ومشاورة مع القوم فلم يتجه جوابهم أصلاً، فتعين أن يكون بطريق التبليغ فلذا خاطبوه بالجواب. بقي أن يقال هذا الجواب بالتأخير في الشعراء كلام الملأ لفرعون وهٰهنا كلام سائر القوم لكن لا منافاة لجواز تطابق الجوابين. وقول شيخ الإسلام: إن كون ذلك جواب العامة يأباه أن الخطاب لفرعون وأن المشاورة ليست من وظائفهم ليس بشيء، لأن الأمر العظيم الذي تصيب تبعته أهل البلد يشاور فيه الملك الحازم عوامهم وخواصهم، وقد يجمعهم لذلك ويقول لهم: ماذا ترون فهذا أمر لا يصيبني وحدي ورب رأي حسن عند من لم يظن به على أن في ذلك جمعاً لقلوبهم عليه وعلى الاحتفال بشأنه، وقد شاهدنا أن الحوادث العظام يلتفت فيها إلى العوام، وأمر موسى عليه السلام كان من أعظم الحوادث عند فرعون بعد أن شاهد منه ما شاهد ثم إنهم اختلفوا في قوله تعالى: {أية : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } تفسير : [الأعراف: 110] فقيل: إنه من تتمة كلام الملأ، واستظهره غير واحد لأنه مسوق مع كلامهم من غير فاصل، فالأنسب أن يكون من بقية كلامهم، وقال الفراء والجبائي: إن كلام الملأ قد تم عند قوله سبحانه: {أية : يُرِيدُ / أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } تفسير : [الأعراف: 110] ثم قال فرعون: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوۤاْ أَرْجِهْ}، وحينئذ يحتمل كما قال القطب أن يكون كلام الملأ مع فرعون وخطاب الجمع في {يُخْرِجَكُم} إما لتفخيم شأنه أو لاعتباره مع خدمه وأعوانه. ويحتمل أن يكون مع قوم فرعون والمشاورة منه. ثم قال: وإنما التزموا هذا التعسف ليكون مطابقاً لما في الشعراء في أن قوله: {مَاذَا تَأْمُرُونَ} من كلام فرعون وقوله: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} كلام الملأ. لكن ما ارتفعت المخالفة بالمرة لأن قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم } تفسير : [الأعراف: 109-110] كلام فرعون للملأ. وفي هذه السورة على ما وجهوه كلام الملأ لفرعون، ولعلهم يحملونه على أنه قال لهم مرة وقالوه له أخرى انتهى. ويمكن أن يقال: إن الملأ لما رأوا من موسى عليه السلام ما رأوا قال بعضهم لبعض: إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تشيرون وما تستحسنون في أمره؟ ولما رآهم فرعون أنهم مهتمون من ذلك قال لهم تنشيطاً لهم وتصويباً لما هم عليه قبل أن يجيب بعضهم بعضاً بما عنده مثل ما قالوه فيما بينهم فالتفتوا إليه وقالوا: أرجه وأخاه، فحكى سبحانه هنا مشاورة بعضهم لبعض وعرض ما عندهم على فرعون أول وهلة قبل ذكره فيما بينهم، وحكى في الشعراء كلامه لهم ومشاورته إياهم التي هي طبق مشاورة بعضهم بعضاً المحكية هنا وجوابهم له بعد تلك المشاورة، وعلى هذا لا يدخل العوام في الشورى، ويكون هٰهنا أبلغ في ذم الملأ فليتدبر والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ } أي البلاد جمع مدينة، وهي من مدن بالمكان كنصر إذا أقام به، ولكون الياء زائدة كما قال غير واحد تقلب همزة في الجمع، وأريد بها مطلق المدائن، وقيل: مدائن صعيد مصر {حَـٰشِرِينَ} أي رجالاً يجمعون السحرة، وفسره بعضهم بالشرط وهم أعوان الولاة لأنهم يجعلون لهم علامة، ويقال للواحد شرطي بسكون الراء نسبة للشرطة، وحكى في «القاموس» فتحها أيضاً، وفي الأساس أنه خطأ لأنه نسبة إلى الشرط الذي هو جمع، ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف ومفعوله محذوف أيضاً كما أشير إليه، وقد نص على ذلك الأجهوري.
د. أسعد حومد
تفسير : {حَاشِرِينَ} {ٱلْمَدَآئِنِ} (111) - وَبَعدْ َأَنْ قَلَّبُوا أَوْجُهَ الرَّأْيِ، قَالُوا لِفِرْعَونَ: أَخِّرِ البَتَّ فِي أَمْرِهِ، وَاسْتَبْقِهِ، وَأَرْسِلْ فِي مَدَائِنِ مَمْلَكَتِكَ مَنْ يَجْمَعُ لَكَ السَّحَرَةَ. وَكَانَ السَّحَرَةُ كَثيرينَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. أَرْجِهْ - أَخِّرْ أَمْرَ عُقُوبَتِهِ وَلاَ تُعَجِّلْ. حَاشِرِينَ - رِجَالاَ يَجْمَعُونَ لَكَ السَّحَرَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و{أَرْجِهْ} أي أَخّره مثل قوله الحق: {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ...} تفسير : [التوبة: 106]. أي أنهم مؤخرون للحكم عليهم وهم الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو فخلفوا وأرجئ أمرهم حتى نزل فيهم قوله سبحانه: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} إلخ الآية. وقولهم: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [ الأعراف: 111] وهكذا كان طلب الإرجاء لأن المسألة أخطر من أن يُتَصَرَّف فيها تصرفاً سريعاً بل تحتاج إلى أن يؤخَّر الرأي فيها حتى يجتمع الملأ، ويرى الجميع كيفية مواجهتها، فهي مسألة ليست هينة لأن فيها نقض ألوهية فرعون، وفي هذا دك لسلطان الفرعون وإنهاء لانتفاعهم هم من هذا السلطان. فإذا كان قد قال لهم: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}. فكأنه كان يطلب منهم الرأي فوراً، لكنهم قالوا إن المسألة تحتاج إلى تمهل وبطء، وأول درجات البطء والتمهل أن يُستدعى القوم الذين يفهمون في السحر. فما دمنا نقول عن موسى: إنه ساحر، فلنواجهه بما عندنا من سحر: وقبول فرعون لهذه المشورة هدم لألوهيته؛ لأنه يدعي أنه إله ويستعين بمألوه هم السحرة، والسحرة أتباع له. وقوله الحق كان على ألسنتهم: {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} [ الأعراف: 111] يدل على أن السحر كان منتشراً، ومنبثقاً في المدائن وقد أتبع سبحانه هذا القول على لسان الملأ بقوله: {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} معناهُ شُرَطٌ. تفسير : وقوله تعالى: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} معناهُ أَخِرْهُ.
الجيلاني
تفسير : وبعدما تشاوروا وتأملوا كثيراً في أمر دفعه، استقر رأيهم وأتفق أمرهم إلى أن {قَالُوۤاْ} مخاطلبين لفرعون: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي: أخر وسوِّف قتلهما؛ لئلا يظهر عجزك عنهما ولا يختل أمر ربوبيتك {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ} التي اشتهرت السحر والسحرة فيها شرطاء {حَاشِرِينَ} [الأعراف: 111] جامعين من فيها من السحرة. وبعد جمعهم {يَأْتُوكَ} ويحضروا عندك {بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [الأعراف: 112] ماهر حاذق في هذا العلم؛ ليتمكنوا على مغالبتهما، فأرسلهم فحشروا وانتخبروا من السحرة من انتخبوا. {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ} المنتخبة {فِرْعَوْنَ} متظاهرين بطرين، جازيمن على غلبتهما لذلك سألوا أولاً الجعل حيث {قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ} [الأعراف: 113] وهم وإن كانوا جازمين في نفوسهم الغلبة أتوا بأن المفيدة للشك للمبالغة في طلب الأجر. {قَالَ} فرعون: {نَعَمْ} إن لكم أجراً كثيراً {وَ} من الأجر الكثير {إِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 114] عندي، الحضارين في مجلسي، المصاحبين معي دائماً، قاله تحريضاً وترغيباً. وبعدما تقرر عندهم وفي نفوسهم الغلبة، وسمعوا منه ما سمعوا من الإنعام والتقرب {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ} نادوه استحقاراً له واستهزاء معه، ومسفهاً كيف أدقم مع ضعفه في مقابلتهم: {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} أولاً ما جئت به {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} [الأعراف: 115] أوامره، فلك الخيار؛ إذ الأمر عندنا سواء. {قَالَ} موسى بإلهام الله إياه: بل {أَلْقُوْاْ} ما جئتم بإلقائه أيها الساحرون المبطلون {فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ} أي: أرادوا الإلقاء {سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} حتى لا يتخيلوا أنها أمور غير مطابقة للواقع، بل اعتقدوا مطابقتها {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} أي: بني إسرائيل المنتظرين لغلبة موسى؛ ليخلصوا من يد العدو إرهاباً شديداً؛ لأنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً صارت الكل حيات متراكمة متراكبة بعضها فوق بعض {وَ} بالجملة: {جَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] متناه في فنِّه أقضى غاية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):