٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
113
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} وحُذف ذِكر الإرسال لعلم السامع. قال ابن عبد الحكم: كانوا اثني عشر نَقِيباً، مع كل نَقِيب عشرون عَرِيفا، تحت يدي كل عريف ألفُ ساحرٍ. وكان رئيسهم شمعون في قول مقاتل بن سليمان. وقال ابن جُريح: كانوا تسعمائة من العريش والفيوم والإسكندرية أثلاثا. وقال ابن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألف ساحر؛ وروي عن وهب. وقيل: كانوا ٱثني عشر ألفاً.، وقال ٱبن المنكدر ثمانين ألفاً. وقيل: أربعة عشر ألفاً. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الرِّيف، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الفيُّوم وما والاها. وقيل: كانوا سبعين رجلاً. وقيل: ثلاثة وسبعين؛ فالله أعلم. وكان معهم فيما رُوي حِبالٌ وِعصِيّ يحملها ثلاثمائة بعير. فٱلتقمت الحية ذلك كله. قال ٱبن عباس والسُّدّي: كانت إذا فتحت فَاهَا صار شِدْقُها ثمانين ذراعاً؛ واضعة فكَّها الأسفل على الأرض، وفكّها الأعلى على سُور القصر. وقيل: كان سعة فمها أربعين ذراعاً؛ والله أعلم. فقصدت فرعون لتبتلعه، فوثب من سريره فهرب منها واستغاث بموسىٰ؛ فأخذها فإذا هي عصاً كما كانت. قال وهب: مات من خوف العَصَا خمسة وعشرون ألفاً. {قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً} أي جائزة ومالاً. ولم يقل فقالوا بالفاء؛ لأنه أراد لما جاءوا قالوا: وقرىء «إنَّ لَنَا» على الخبر. وهي قراءة نافع وابن كثير. ألزموا فرعونَ أن يجعل لهم مالاً إن غَلَبوا؛ فقال لهم فرعون: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي لمن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما طلبوا. وقيل: إنهم إنما قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا. أي قالوا: يجب لنا الأجر إن غلبنا. وقرأ الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار. استخبروا فرعون: هل يجعل لهم أجراً إن غلبوا أولا ؛ فلم يقطعوا على فرعون بذلك: إنما استخبروه هل يفعل ذلك؛ فقال لهم «نعم» لكم الأجر والقُرْب إن غلَبَتم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى عليه السلام، إن غلبوا موسى، ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلاً، فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا، ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون لعنه الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ} وفي قراءة أئن بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين { لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ }؟
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وجاء السحرة فرعون} يعني لما اجتمعوا وجاؤوا إلى فرعون {قالوا إن لنا لأجراً} يعني جعلاً وعطاء تكرمنا به {إن كنا نحن الغالبين} يعني لموسى قال الإمام فخر الدين الرازي: ولقائل أن يقول كان حق الكلام أن يقول وجاء السحرة فرعون فقالوا بالفاء وجوابه هو على تقدير سائل سأل ما قالوا إذا جاؤوا فأجيب بقوله قالوا أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين يعني لموسى {قال نعم} يعني: قال لهم فرعون لكم الأجر والعطاء {وإنكم لمن المقربين} يعني ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر والمعنى أن فرعون قال للسحرة إني لا أقتصر معكم على الأجر بل أزيدكم عليه وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين عندي، قال الكلبي: تكونوا أول من يدخل عليّ وآخر من يخرج من عندي {قالوا} يعني السحرة {يا موسى إما أن تلقي} يعني عصاك {وإما أن نكون نحن الملقين} يعني عصيّنا وحبالنا في هذه الآية دقيقة لطيفة وهي أن السحرة راعوا مع موسى عليه الصلاة والسلام حسن الأدب حيث قدموه على أنفسهم في الإلقاء لا جرم أن الله عز وجل عوضهم حيث تأدبوا مع نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أن منَّ عليهم بالإيمان والهداية ولما راعوا الأدب أولاً وأظهروا ما يدل على رغبتهم في ذلك {قال} يعني قال لهم موسى {ألقوا} يعني أنتم فقدمهم على نفسه في الإلقاء. فإن قلت كيف جاز لموسى أن يأمر بالإلقاء وقد علم انه سحر وفعل السحر غير جائز؟ قلت: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في أجوبة أحدها أن معناه إن كنتم محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا. الجواب الثاني: إنما أمرهم بالإلقاء لتظهر معجزته لأنهم إذا لم يلقوا حبالهم وعصيهم لم تظهر معجزة موسى في عصاه. الجواب الثالث: أن موسى علم أنهم لا بد أن يلقوا تلك الحبال والعصي وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير فأذن لهم في التقديم لتظهر معجزته أيضاً بغلبهم لأنه لو ألقى أولاً لم يكن له غلب وظهور عليهم فلهذا المعنى أمرهم بالإلقاء أولاً {فلما ألقوا} يعني حبالهم وعصيهم {سحروا أعين الناس} يعني صرفوا أعين الناس عن إدراك حقيقة ما فعلوا من التمويه والتخييل وهذا هو السحر وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي هي فعل الله وذلك لأن السحر قلب الأعين وصرفها عن إدراك ذلك الشيء والمعجزة قلب نفس الشيء عن حقيقته كقلب عصا موسى عليه الصلاة والسلام حية تسعى {واسترهبوهم} يعني أرهبوهم وأفزعوهم بما فعلوه من السحر وهذا قوله تعالى: {وجاؤوا} يعني السحرة {بسحر عظيم} وذلك انهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً، ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصي زئبقاً أيضاً وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات. ويقال: إن الأرض كانت سعتها ميلاً في ميل فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى عليه الصلاة والسلام لأجل سحرهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان على يقين وثقة من الله تعالى أنهم لن يغلبوه وهو غالبهم وكان عالماً بأن كل ما أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخييل وذلك باطل ومع هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى من ذلك بل كان خوفه عليه الصلاة والسلام لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوا من أمر تلك الحيات فخاف موسى عليه الصلاة والسلام أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسه خيفة موسى. قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك} يعني فألقاها {فإذا هي تلقف} يعني تبتلع {ما يأفكون} يعني ما يكذب فيه السحرة لأن أصل الإفك قلب الشيء عن غير وجهه ومنه قيل للكذاب أفّاك لأنه يقلب الكلام عن وجه الصحيح إلى الباطل. قال المفسرون: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن لا تخف وألق عصاك فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق. قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية فيقال بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً فإذا هي تلقف يعني تبتلع كل شيء أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحداً واحداً حتى ابتلعت الكل وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام بينهم فمات من ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى عليه السلام فصارت في يده عصا كما كانت أول مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس بسحر وعرفوا أن ذلك ليس من قدرة البشر وقوتهم فعند ذلك خروا سجَّداً وقالوا: آمنا برب العالمين.
ابن عادل
تفسير : وحذف ذكر الإرْسَالِ لعلم السَّامع. وفي قوله: {إِنَّ لَنَا لأَجْراً} وجهان: أظهرهما: أنَّهَا لا محلَّ لها من الإعْرَاب؛ لأنَّها استئناف جواب لسؤال مقدر، ولذلك لم تعطف بالفاء على ما قبلها. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: "وجاءَ السَّحرةُ فرعون فقالوا". قلت: هو على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب بقوله قالوا: "أإن لنا لأجراً" وهذا قد سبقه إليه الواحديُّ إلاَّ أنه قال: " ولم يقل "فقالوا" لأنَّ المعنى لما جاءوا قالوا" فلم يصحَّ دخول الفاء على هذا الوَجْهِ. والوجه الثاني: أنَّهَا في محلِّ نَصْبٍ على الحال من فاعل "جَاءُوا" قاله الحوفي. وقرأ نَافِعٌ وابن كثير وحفصٌ عن عاصم "إنَّ" بهمزة واحدة بكسر الألف على الخبر والباقُونَ بهمزتين على الاستفهام. وهم على أصولهم من التحقيق والتسهيل وإدخال ألفٍ بينهما وعدمه. فقراءة الحَرَميِّيْن على الإخبار، وجوَّز الفارسيُّ أن تكون على نيَّةِ الاستفهامِ يدلُّ عليه قراءة الباقين. قال الواحديُّ: الاستفهام أحْسَنُ في هذا الموضع؛ لأنَّهُم أرادوا أن يعلموا هل لهم أجر أم لا، ولا يقطعون على أن لهم الأجر، ويقوي ذلك إجماعهم في سورة "الشعراء" على الاستفهام. وحجَّةُ نافع وابن كثير أنَّهُما أرادا همزة الاستفهام، ولكنهما حذفا ذلك من اللَّفْظِ، وإن كانت باقية في المعنى كقوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ}تفسير : [الشعراء: 2] وقول الشاعر: [المنسرح] شعر : 2540 - أفْرَحُ أنْ أرْزَأ الكِرَامَ وَأنْ ............................ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2541 -.......................... ... وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ تفسير : وكقوله: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76] التقدير: أهذا ربي؟ وقد تقدَّم تحقيق هذا، وأنَّهُ مذهب أبي الحسن ونكر "أجراً" للتعظيم. قال الزَّمخشريُّ: "كقول العربِ: إنَّ له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة". قوله: "إنْ كُنَّا" شرط جوابه محذوفٌ للدِّلالة عليه عند الجمهور، أو ما تقدَّم عند من يجيز تقديم جواب الشَّرْط عليه. و "نَحْنُ" يجوز فيه أن يكون تأكيداً للضَّمير المرفوع، وأن يكون فصلاً فلا محل له عند البصريين، ومحله الرَّفع عند الكسائيِّ، والنَّصب عند الفرَّاء.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. وفي لفظ: كانوا سحرة في أول النهار وشهداء آخر النهار حين قتلوا . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: كان سحرة فرعون اثني عشر ألفاً . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحق قال: جمع له خمسة عشر ألف ساحر . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال: سحرة فرعون سبعة عشر الفاً. وفي لفظ تسعة عشر ألفاً . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: كان السحرة بضعة وثلاثين ألفاً ليس منهم رجل إلا معه حبل أو عصا، فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم بن أبي بزة قال: سحرة فرعون كانوا سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوحى الله إليه: يا موسى ألقِ عصاك. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان فاغر فاه فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: كانت السحرة الذين توفاهم الله مسلمين ثمانين ألفاً. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: السحرة ثلاثمائة من قرم، ثلاثمائة من العريش، ويشكون في ثلاثمائة من الاسكندرية . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قالوا إنَّ لنا لأجراً} أي ائن لنا لعطاء وفضيلة . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {فلما ألقوا} قال: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فأقبلت تخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} قال: أوحى الله إلى موسى أن ألق ما في يمينك، فألقى عصاه فأكلت كل حية، فلما رأوا ذلك سجدوا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} فألقى عصاه فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله وعصيهم وحبالهم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {تلقف ما يأفكون} قال: يكذبون . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {تلقف ما يأفكون} قال: تسترط حبالهم وعصيهم . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن السحرة قالوا حين اجتمعوا: إن يك ما جاء به سحراً فلن يغلب، وإن يك من الله فسترون. فلما ألقى عصاه أكلت ما افكوا من سحرهم وعادت كما كانت علموا أنه من الله، فألقوا عند ذلك ساجدين قالوا: آمنا برب العالمين . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى، أرأيتك إن غلبتك اتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتينَّ غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم، وهو قول فرعون: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة إذ التقيتما لتظاهر أفتخرجا منها أهلها؟ . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فوقع الحق} قال: ظهر {وبطل ما كانوا يعملون} قال: ذهب الإِفك الذي كانوا يعملون . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وألقى السحرة ساجدين} قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: لما خرَّ السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} إذ التقيتما لتظاهر افتخرجا منها أهلها {لأقطعن أيديكم...} الآية: قال قتلهم وقطعهم كما قال . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحق قال: كان من رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى فيها بلغني سابور، وعاذور، وحطحط، ومصفى. أربعة هم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله، فآمنت معهم السحرة جميعاً . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أول من صلب فرعون، وهو أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما ألقوا ما في أيديهم من السحر، ألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فتحت فَماً لها مثل الرحى فوضعت مشفرها على الأرض ورفعت المشفر الآخر فاستوعبت كل شيء ألقوه من حبالهم وعصيهم، ثم جاء إليها فأخذها فصارت عصا كما كانت، فخرت بنو إسرائيل سجداً وقالوا: آمنا برب موسى وهارون قال {آمنتم له قبل أن آذن لكم} الآية. قال: فكان أول من قطع من خلاف وأول من صلب في الأرض فرعون . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} قال: يداً من ههنا ورجلاً من ههنا . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء .
القشيري
تفسير : ظنوا أنهم يَغلِبُون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زَوَّرُوه في أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكِيدَ لهم، فهو كما قيل: شعر : ورماني بأسهم صائباتٍ وتعمدته بسهم فظاشا تفسير : فَبَيْنَاهم في توهِّم أنَّ الغلبة لهم فُتِحَ عليهم - من مكامن القدرة - جيشٌ، فوجدوا أنفسهم - في فتح القدرة - مقهورين بسيف المشيئة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجاء السحرة فرعون} بعدما ارسل اليهم الحاشرين {قالوا} واثقين بغلبتهم {ان لنا لاجرا ان كنا نحن الغالبين} بطريق الاخبار بثبوت الاجر وايجابه كأنهم قالوا لا بد لنا من اجر عظيم حينئذ او بطريق الاستفهام التقريرى بحذف الهمزة وقولهم ان كنا لمجرد تعيين مناط ثبوت الاجر لا لترددهم فى الغلبة وتوسيط الضمير وتحلية الخبر باللام للقصر اى ان كنا نحن الغالبين لا موسى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ: (أئن) بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرًا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهامًا حُذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرًا...الخ، و(إنكم): عطف على ما سدّ مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وجاء السحرةُ فرعونَ} بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، {قالوا} لما وصلوا إليه: {إن} أئن {لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين} لموسى؟ {قال نعم} إن لكم أجرًا {وإنكم لَمِنَ المقربين} إليّ. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده؛ تحريضًا لهم. واختُلف في عدد السحرة اختلافًا متباينًا، من سبعين رجلاً إلى سبعين ألفًا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولمَّا خرجوا إلى الصحراء لمقابلته {قالوا يا موسى إما أن تُلقي وإما أن نكونَ نحن الملقين}؛ خيّروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارًا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبَّروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، {قال ألقوا} أسعفهم كرمًا ومسامحة وازدراءً بهم، {فلما ألقوا سحروا أعين الناس}، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، {واسترهبوهم} أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، {وجاؤوا بسحر عظيم} في فَنّه. رُوِي أنهم ألقوا حبالاً غلاظًا، وخشبًا طوالاً، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضًا. {وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاكَ}، فألقاها، فصارت ثعبانًا عظيمًا، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، {فإذا هي تَلقَفُ} أي: تبتلع {ما يأفِكُون} ما يُزَوِّرُونَهُ من إفكهم وكذبهم، رُوِي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصًا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا. {فوقعَ الحقُّ} أي: ثبت بظهور أمره، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون فَغُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مَقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الحجاز وحفص {إِن لنا لأجراً} بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ بهمزتين مخففتين ابن عامر وأهل الكوفة إِلا حفصاً وروح، إِلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف، وأبو عمرو ورويس لا يفصل. قال أبو علي: الاستفهام في هذا الموضع أشبه، لأنهم يستفهمون عن الأجر، وليس يقطعون أن لهم الأجر، ويقوِّي ذلك إِجماعهم في الشعراء، وربما حذفت همزة الاستفهام، قال الحسن قوله تعالى {أية : وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل}تفسير : إِن من الناس من يذهب الى انه على الاستفهام وقد جاء ذلك في الشعر: شعر : أفرح أن أرزأ الكرام وأن أورث ذوداً شصائصاً نبلا تفسير : وهذا أقبح من قوله: شعر : وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر أتوني فقالوا من ربيعة أم مضر تفسير : لأن (أم) تدل على الهمزة. وفى الكلام حذف، لأن التقدير فأرسل فرعون في المدائن حاشرين يحشرون السحرة، فحشروهم {فجاء السحرة فرعون قالوا: إِن لنا لأجراً} أي ان لنا ثوابا على غلبتنا موسى عندك {إِن كنا نحن} يا فرعون {الغالبين}، وهو قول ابن عباس والسدي. وتقول: جئته وجئت اليه، فاذا قلت: جئت اليه، ففيه معنى الغاية لدخول (الى) فيه وجئته معناه قصدته بمجيئي، واذا لم يعده لم يكن فيه دلالة على القصد كما تقول: جاء المطر. وقوله {وجاء السحرة فرعون قالوا} إِنما لم يقل: فقالوا حتى يتصل الثاني بالأول، لأن معناه لما جاؤا قالوا، فلم يصلح دخول الفاء على هذا الوجه، وانما قالوا: أئنَّ لنا لأجراً، ولم يقولوا: لنا أجر، لأن أحدهما سؤال عن تحقيق الأجر وتأكيده، كما لو قال أبا لله لنا أجر، وليس كذلك الوجه الآخر. وقوله {إِن كنا نحن} موضع (نحن) يحتمل وجهين: أحدهما - أن يكون رفعاً ويكون تأكيداً للضمير المتصل في كنا. والثاني - لا موضع له، لأنه فصل بين الخبر والاسم. والأجر الجزاء بالخير، والجزاء قد يكون بالشر بحسب العمل وبحسب ما يقتضيه العدل. والغلبة ابطال المقاومة بالقوة، ومن هذا قيل في صفة الله (عز وجل) القاهر الغالب، لأنه القادر الذي لا يعجزه شىء. وقوله {قال نعم} حكاية عن قول فرعون مجيبا لهم عما سألوه من أن لهم أجراً أو لا؟ بأن قال نعم لكم الأجر، و (نعم) حرف جواب مع أنه يجوز الوقف عليها، لأنها في الايجاب نظيرة (لا) في النفي، وإِنما جاز الوقف عليها، لأنها جواب لكلام يستغني بدلالته عما يتصل بها. وقوله {قال} أصله (قول) فانقلبت الواو الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وإِنما قلبوها مع خفة الفتحة لتجري على (قلت وتقول) في الاعلال مع أن الالف الساكنة أخف من الواو المتحركة، وان كانت بالفتحة. والواو في قوله تعالى "وانكم" واو العطف كأنه قال: لكم ذاك، وانكم لمن المقربين، وهو في مخرج الكلام، كأنه معطوف على الحرف. وكسرت الف "إِنكم" لأنها في موضع استئناف بالوعد، ولم تكسر لدخول اللام في الخبر، لانه لو لم يكن اللام لكانت مكسورة. ومثل هذا قوله تعالى {أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إِلا إنهم ليأكلون الطعام}تفسير : ومعنى {من المقربين} انكم من المقربين الى مراتب الجلالة التي يكون فيها الخاصة، ولا يتخطى فيها العامة. وفي الآية دليل لقوم فرعون على حاجته وذلته لو استدلوا واحسنوا النظر لنفوسهم، لأنه لم يحتج الى السحرة الا لذلة وعجز، وكذلك في طلب السحرة الأجر دليل على عجزهم عما كانوا يدعون من القدرة على قلب الاعيان، لأنهم لو كانوا قادرين على ذلك لاستغنوا عن طلب الأجر من فرعون، ولقلبوا الصخر ذهباً ولقلبوا فرعون كلباً واستولوا على ملكه. قال ابن اسحاق: وكان السحرة خمسة عشر ألفاً. وقال ابن المكندر: كانوا ثمانين ألفاً، وقال كعب الاحبار: كانوا إِثنى عشر الفاً. وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفاً ذكره الطبري.
اطفيش
تفسير : {وجَاءَ السَّحرةُ فرْعَون} لإرساله إليهم، وكأنه قيل: ما قالوا إذ جاءوه؟ فقال: {قالوا إنَّ لَنا لأجراً} عظيما كما دل عليه التنكير، ولكون ذلك جواب سؤال لم يقرن بالفاء، أو حيوا الأجر العظيم تذللا عليه كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو قالوا ذلك على الاستفهام، وحذفت همزة الاستفهام، ويدل له قراءة غير ابن كثير ونافع، وغير حفص عن عاصم، أئن بالاستفهام وتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين {إنْ كنَّا نحنُ الغَالِبينَ} لموسى.
اطفيش
تفسير : {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا} أَى جُعلا ومكافأَة {إِنْ كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ} إِن غلبنا موسى بسحرنا، وقرئَ: {إِن لنا لأَجرا} على الإخبار وإِثبات الأَجر العظيم وإِيجابه، كأَنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم كقول العرب: إِن له لإِبلا وإِن له لغنما، يقصدون الكثرة.
الالوسي
تفسير : {وَجَاءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} بعدما أرسل إليهم الحاشرين وإنما لم يصرح به للإيذان بمسارعة فرعون بالإرسال ومبادرة الحاشرين والسحرة إلى الامتثال. واختلف في عدتهم. فعن كعب أنهم إثنا عشر ألفاً، وعن ابن إسحٰق خمسة عشر ألفاً، وعن أبـي ثمامة سبعة عشر ألفاً، وفي رواية تسعة عشر ألفاً؛ وعن السدي بضعة وثلاثون ألفاً، وعن أبـي بزة أنهم سبعون ألفاً، وعن محمد بن كعب ثمانون ألفاً. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير قال: السحرة ثلثمائة من قومه وثلثمائة من العريش ويشكون في ثلثمائة من الاسكندرية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا سبعين ساحراً وقد أخذوا السحر من رجلين مجوسيين من أهل نينوى مدينة يونس عليه السلام، وروي نحو ذلك عن الكلبـي، والظاهر عدم صحته لأن المجوسية / ظهرت زمن زرادشت على المشهور، وهو إنما جاء بعد موسى عليه السلام، واسم رئيسهم كما قال مقاتل: شمعون وقال ابن جريج: هو يوحنا، وقال ابن الجوزي نقلاً عن علماء السير: أن رؤساءهم سابور وعازور وحطحط ومصفى. {قَالُواْ} استئناف بياني ولذا لم يعطف كأنه قيل: فماذا قالوا له عند مجيئهم إياه؟ فقيل: قالوا الخ، وهذا أولى مما قيل إنه حال من فاعل جاءوا أي جاءوا قائلين {إِنَّ لَنَا لاجْرًا} أي عوضاً وجزاء عظيماً. {إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ} والمقصود من الإخبار إيجاب الأجر واشتراطه كأنهم قالوا: بشرط أن تجعل لنا أجراً إن غلبنا، ويحتمل أن يكون الكلام على حذف أداة الاستفهام وهو مطرد، ويؤيد ذلك أنه قرأ ابن عامر وغيره {أئن} بإثبات الهمزة وتوافق القراءتين أولى من تخالفهما؛ ومن هنا رجح الواحدي هذا الاحتمال، وذكر الشرط لمجرد تعيين مناط ثبوت الأجر لا لترددهم في الغلبة، وقيل: له، وتوسيط الضمير وتحلية الخبر باللام للقصر، أي كنا نحن الغالبين لا موسى عليه السلام.
ابن عاشور
تفسير : عطفت جملة {وجاء السحرة} على جملة: {أية : قالوا أرجه وأخاه وأرْسلْ في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم} تفسير : [الأعراف: 111، 112] وفي الكلام إيجاز حذف. والتقدير: قالوا أرجه وأخاه وأرسل الخ، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين فحشروا وجاء السحرة من المدائن فحضروا عند فرعون. فالتعريف في قوله: {السحرة} تعريف العهد. أي السحرة المذكورون، وكان حضور السحرة عند فرعون في اليوم الذي عينه موسى للقاء السحرة وهو المذكور في سورة طه. وجملة: {قالوا إن لنا لأجراً} استئناف بياني بتقدير سؤال من يسأل: ماذا صدر من السحرة حين مثُلوا بين يدي فرعون؟. وقرأ نافع، وابن كثير، وحفص، وأبو جعفر {إن لنا لأجراً} ابتداء بحرف (إن) دون همزة استفهام، وقرأه الباقون بهمزة استفهام قبل (إن). وعلى القراءتين فالمعنى على الاستفهام، كما هو ظاهر الجواب بــــ {نعم}، وهمزة الاستفهام محذوفة تخفيفاً على القراءة الأولى، ويجوز أن يكون المعنى عليها أيضاً على الخبرية لأنهم وثقوا بحصول الأجر لهم، حتى صيروه في حيز المخبر به عن فرعون، ويكون جواب فرعون بـ {نعم} تقريراً لما أخبروا به عنه. وتنكير {أجراً} تنكير تعظيم بقرينة مقام المَلِك وعظم العمل، وضمير {نحن} تأكيد لضمير {كنا} إشعاراً بجدارتهم بالغلَب، وثقتهم بأنهم أعلم الناس بالسحر، فأكدوا ضميرهم لزيادة تقرير مدلوله، وليس هو بضمير فصل إذ لا يقصد إرادة القصر، لأن إخبارهم عن أنفسهم بالغالبين يغني عن القصر، إذ يتعين أن المغلوب في زعمهم هو موسى عليه السلام. وقول فرعون {نعم} إجابة عما استفهموا، أو تقرير لما توسموا: على الاحتمالين المذكورين في قوله: {إن لنا لأجراً} آنفاً، فحرف (نعم) يقرر مضمون الكلام الذي يجاب به، فهو تصديق بعد الخبر، وإعلام بعد الاستفهام، بحصول الجانب المستفهم عنه، والمعنيان محتملان هنا على قراءة نافع ومن وافقه، وأما على قراءة غيرهم فيتعين المعنى الثاني. وعُطف جملة: {إنكم لمن المقربين} على ما تضمنه حرف الجواب إذ التقدير: نعم لكم أجر وإنكم لمن المقربين، وليس هو من عطف التلقين: لأن التلقين إنما يعتبر في كلامين من متكلميْن لا من متكلم واحد. وفصلت جملة: {قالوا يا موسى} لوقوعها في طريقة المحاورة بينهم وبين فرعون وموسى، لأن هؤلاء هم أهل الكلام في ذلك المجمع. و{إمّا} حرف يدل على الترديد بين أحد شيئين أو أشياء، ولا عمل له ولا هو معمول، وما بعده يكون معمولاً للعامل الذي في الكلام. ويَكون (إما) بمنزلة جزء كلمة مثل أل المعرفة، كقول تأبط شراً:شعر : هُمَا خُطّتَا إما إسارٍ ومنّةٍ وإمّا دَمٍ والموتُ بالحر أجدر تفسير : وقوله: {أنْ تُلْقي} وقوله: {أن نكون نحن الملقين} يجوز كونهما في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف، أي إما إلقاؤك مقدم وإما كوننا ملقين مقدم، وقد دل على الخبر المقام لأنهم جاءوا لإلقاء آلات سحرهم، وزعموا أن موسى مثلهم. وفي «الكشاف» في سورة طه، جَعَل {إما أن تلقي} خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا، ولما كان الواقع لا يخلو عن أحد هذين الأمرين لم يكن المقصود بالخبر الفائدة لأنها ضرورية، فلا يحسن الإخبار بها مثل: السماء فوقنا، فتعين أن يكون الكلام مستعملاً في معنى غير الإخبار، وذلك هو التخيير أي: إِما أن تبتدىء بإلقاء آلات سحرك وإما أن نبتدىء، فاختر أنت أحد مرين ومن هنا جازَ جَعل المصدرين المنسبكين في محل نصب بفعل تخيير محذوف، كما قدره الفراء وجوزه في «الكشاف» في سورة طه، أي: اختر أن تلقي أو كوننا الملقين، أي: في الأولية، ابتدأ السحرة موسى بالتخيير في التقدم إظهاراً لثقتهم بمقدرتهم وإنهم الغالبون، سواء ابتدأ السحرة موسى بالأعمال أم كانوا هم المبتدئين، ووجه دلالة التخيير على ذلك أن التقدم في التخييلات والشعوذة أنجح للبادىء لأن بديهتها تمضي في النفوس وتستقر فيها، فتكون النفوس أشد تأثراً بها من تأثرها بما يأتي بعدها، ولعلهم مع ذلك أرادوا أن يسبروا مقدار ثقة موسى بمعرفته مما يبدو منه من استواء الأمرين عنده أو من الحرص على أن يكون هو المقدم، فإن لاستضعاف النفس تأثيراً عظيماً في استرهابَها وإبطال حيلتها، وقد جاءوا في جانبهم بكلام يسترهب موسى ويهول شأنهم في نفسه، إذ اعتنوا بما يدل على ذواتهم بزيادة تقرير الدلالة في نفس السامع المعبر عنها في حكاية كلامهم بتأكيد الضمير في قوله: {وإما أن نكون نحن الملقين}. وبذلك تعلم أن المقام لا يصلح لاحتمال أنهم دلوا على رغبتهم في أن يُلقوا سحرهم قبل موسى، لأن ذلك ينافي إظهار استواء الأمرين عندهم، خلافاً لما في «الكشاف» وغيره، ولذلك كان في جواب موسى إياهم بقوله: {ألْقُوا} استخفافٌ بأمرهم إذ مكّنهم من مباداة إظهار تخييلاتهم وسحرهم، لأن الله قوّى نفس موسى بذلك الجواب لتكون غلبته عليهم بعد أن كانوا هم المبتدئين أوقعَ حجةٍ وأقطع معذرة، وبهذا يظهر أن ليس في أمر موسى ــــ عليه السلام ــــ إياهم بالتقدم ما يقتضي تسويغ معارضة دعوة الحق لأن القوم كانوا معروفين بالكفر بما جاء به موسى فليس في معارضتهم إياه تجديد كفر، ولأنهم جاءوا مصممين على معارضته فليس الإذن لهم تسويغاً، ولكنهم خيروه في التقدم أو يتقدموا فاختار أن يتقدموا لحكمة إلهية تزيد المعجزة ظهوراً، ولأن في تقديمه إياهم إبلاغاً في إقامة الحجة عليهم، ولعل الله ألقى في نفسه ذلك، وفي هذا دليل على جواز الابتداء بتقرير الشبهة للذي يثق بأنه سيدفعها. وقوله {فلما ألقوا} عطف على محذوف للإيجاز، والتقدير: فألْقَوا. لأن قوله: {فلما ألقوا} يؤذن بهذا المحذوف، وحذف مفعول {ألقَوا} لظهوره، أي: ألقوا آلات سحرهم. ومعنى {سحروا أعين الناس}: جعلوها متأثرة بالسحر بما ألقَوا من التخييلات والشعوذة. وتعدية فعل {سحروا} إلى {أعين} مجاز عقلي لأن الأعين آلة إيصال التخييلات إلى الإدراك، وهم إنما سحروا العقول، ولذلك لو قيل: سحروا الناسَ لأفاد ذلك، ولكن تفوت نكتة التنبيه على أن السحر إنما هو تخيلات مرئية، ومثل هذه الزيادة زيادة الأعين في قول الأعشى:شعر : كذَلكَ فافْعَلْ ما حيَيتَ إذا شَتَوْا وَأقْدِم إذَا مَا أعْيُنُ النّاس تَفرقَ تفسير : أي إذا ما الناس تفرَق فَرَقا يحصل من رؤية الأخطار المخيفة. والاسترهاب: طلب الرهب أي الخَوْف. وذلك أنهم عززوا تخيلات السحر بأمور أخرى تثير خوف الناظرين، لتزداد تمكن التخيلات من قلوبهم، وتلك الأمور أقوال وأفعال توهم أن سيقع شيء مُخيف كأن يقولوا للناس: خُذوا حذركم وحاذروا، ولا تقتربوا، وسيقع شيء عظيم، وسيحضر كبير السحرة، ونحو ذلك من التمويهات، والخزعبلات، والصياح، والتعجيب. ولك أن تجعل السين والتاء في {واسترهبوهم} للتأكيد، أي: أرهبوهم رهَبا شديداً، كما يقال استكبر واستجاب. وقد بينت في تفسير قوله تعالى:{أية : يعلّمون الناس السحر} تفسير : من سورة البقرة (102) أن مبنى السحر على التخييل والتخويف. ووصف السحر بالعظيم لأنه من أعظم ما يفعله السحرة إذ كان مجموعاً مما تفرق بين سحرة المملكة من الخصائص المستورة بالتوهيم الخفية أسبابها عن العامة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: السحرة: جمع ساحر وهو من يتقن فن السحر ويؤثر في أعين الناس بسحره. إن لنا لأجراً: أي ثواباً من عندك أي أجراً تعطيناه إن نحن غلبنا. نحن الملقين: لعصيّنا. سحروا أعين الناس: حيث صار النظارة في الميدان يشاهدون عصي السحر وحبالهم يشاهدونها حيات وثعابين تملأ الساحة. واسترهبوهم: أي أدخلوا الرهب والرعب في قلوب الناس من قوة أثر السحر في عيونهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحوار الدائر بين موسى عليه السلام من جهة وبين فرعون وملئه من جهة أخرى، فقد جاء في الآيات السابقة أن الملأ أشارواعلى فرعون بأن يحبس موسى وأخاه هارون ويرسل شرطة في المدن يأتون بالخبراء في فن السحر لمناظرة موسى عيسى أن يغلبوه، وفعلاً أرسل فرعون في مدنه حاشرين يجمعون خبراء السحر، وها هم أولاء قد وصلوا قال تعالى {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} وعرفوا أن الموقف جد صعب على فرعون فطالبوه بالأجر العظيم إن هم غلبوا موسى وأخاه فوافق فرعون على طلبهم، وهو معنى قوله تعالى: {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ} وزادهم أيضاً أن يجعلهم من خواصه ورجال قصره فقال {وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي لدينا. وهنا تقدموا لموسى وكأنهم على ثقة في قوتهم السحرية وأن الجولة ستكون لهم، تقدموا بإلقاء آلاتهم السحرية أو تقدم موسى عليهم فقالوا {يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} أي ألق عصاك أو نلقي نحن عصينا فقال لهم موسى {أَلْقَوْاْ} فألقوا فعلاً فسحروا أعين الناس وجاءوا بسحر عظيم كما أخبر تعالى الأمر الذي استرهب النظارة حتى إن موسى عليه السلام أوجس في نفسه خيفة فنهاه ربه تعالى عن ذلك وأعلمه أنه الغالب بإذن الله تعالى جاء هذا الخبر في سورة طه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية طلب الأجرة على العمل الذي يقوم به الإِنسان خارجاً عن نطاق العبادة. 2- مشروعية الترقيات الحكومية لذي الخدمة الجُلى للدولة. 3- تأثير السحر على أعين الناس حقيقة بحيث يرون الشيء على خلاف ما هو عليه إذ العصي والحبال استحالت في أعين الناس إلى حيات وثعابين.
القطان
تفسير : لقف الشيء: تناوله بحذق وسرعة. يأفكون: يصرفون الناس عن الحق وأُلقي السحَرة ساجدين: خرّوا ساجدين. ولما جاء السحَرة من جميع المدائن، واجتمع الناس ليروا ذلك المشهد الكبير، قال السحَرةُ لفرعون: إننا نريد مكافأةً عظيمة اذا غلبنا موسى وأخاه، فقال فرعون مجيباً لهم: نعم، ان لكم أجراً عظيماً على ما تقومون به، وأنتم أولا وأخيراً من أهل الحظوة لدى العرش. ثم توجه السحرة الى موسى، بعد ان وعدهم فرعون ومنّاهم، واظهروا الثقة بأنفسهم واعتدادَهم بسحرهم، فقالوا: يا موسى: اما ان تلقي ما عند اولاً، وإما أن نبدأ نحن. فاجابهم موسى اجابة الواثق بالغلبة والنصر، "أَلقوا" فلما ألقى كل واحد من السحرة ما كان معه من حبال وعصي، سحروا بها أعينَ الناس المشاهدين ومَوَّهوا عليهم ان مافعلوه هو حقيقة. {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}. فهالَ الأمر الحاضرين وأوقع في قلوبهم الرهبة والرعب. وبخاصة حين جعلت حبالهم وعصُّيهم التي ألقوها تسير وتتحرك كأنها حقيقة. عند ذلك أصدر الله امره الى موسى بقوله: {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}.. فالقاها موسى، فاذا تلك العصا تبتلع ما لفّقه السحرة من التمويه. وهكذا، فان الباطل يكبُر ويتزايد، ويسترهب القلوب ويُخَيَّل الى الكثيرين أنه غالب، وما إن يواجه الحق حتى يبطُل وينكشف زيفُه. {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ } وعندئدٍ ثبت الحق وذهب ما عداه، {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} ومن ثَم ذلّ السحرة وصغُروا بعد الزهو الذي استشعروه قبل قليل. كما هُزم فرعون وملؤه في ذلك المجمع العظيم. {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}. أما السحرة فقد بهرهم الحقُّ لما عاينوا قدرة الله فخرُّوا ساجدين لربهم مذعِنين للحق. وقالوا: آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، فانه الإله المعبود لا اله الا هو. لقد صدقنا بما جاءنا به موسى، وزالت من نفوسهم عظمة فرعون.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْغَالِبِينَ} (113) - وَسَأَلَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ حِيْنَما دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَائِلِينَ: هَلْ لَنَا مِنْ أَجْرٍ عَلَى مَا نَقُومُ بِهِ إِذَا تَغَلَّبْنا عَلَى مُوسَى، وَأَبْطَلْنَا مَفْعُولَ سِحْرِهِ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله: {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} يدل على بطش الآمر، أي أنه ساعة قال الكلمة هُرع الجند بسرعة ليجمعوا السحرة. وقد ولغ بعض المستشرقين في هذه اللقطة أيضاً فتساءلوا: ولماذا جاء بقول مختلف في سورة أخرى حين قال: {أية : إِنَّ لَنَا لأَجْراً...} تفسير : [الشعراء: 41] لقد جاء بها بهمزة الاستفهام، وفي سورة الأعراف جاء من غير همزة الاستفهام، وهذه آية قرآنية، وتلك آية قرآنية. وأصحاب هذا القول يتناسون أن كل ساحر من سحرة فرعون قد انفعل انفعالاً أدى به مطلوبه؛ فالذي يستفهم من فرعون قال: "أإن"، والشجاع قال لفرعون: {أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً}. وفي القضية الاستفهامية لا يتحتم الأجر لأنه من الجائز أن يرد الفرعون قائلا: أنْ لا أجر لكم، ولكن في القضية الخبرية "إن لنا لأجراً" اي أن بعض السحرة قد حكموا بضرورة وجود الأجر، وقد غطى القرآن هذا الاستفهام، وهذا الخبر. وتأتي إجابة فرعون على طلب السحرة للأجر: {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ لَنَا لأَجْراً} معناهُ ثوابٌ وجَزاءٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):