٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
115
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء والكسائي: في باب «أما وإما» إذا كنت آمراً أو ناهياً أو مخبراً فهي مفتوحة وإذا كانت مشترطاً أو شاكاً أو مخيراً فهي مكسورة تقول في المفتوحة أما الله فاعبدوه وأما الخمر فلا تشربوها وأما زيد فقد خرج. وأما النوع الثاني: فتقول: إذا كنت مشترطاً، إما تعطين زيداً فإنه يشكرك، قال الله تعالى: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرّدْ }تفسير : [الأنفال: 57] وتقول في الشك لا أدري من قام إما زيد وإما عمرو، وتقول في التخيير، لي بالكوفة دار فإما أن أسكنها، وإما أن أبيعها والفرق بين، أما إذا أتت للشك وبين أو، أنك إذا قلت جاءت زيد أو عمرو فقد يجوز أن تكون قد بنيت كلامك على اليقين ثم أدركك الشك فقلت أو عمرو فصار الشك فيهما جميعاً فأول الإسمين في «أو» يجوز أن يكون بحيث يحسن السكوت عليه ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر، ألا ترى أنك تقول: قام أخوك وتسكت، ثم تشك فتقول: أو أبوك، وإذا ذكرت إما فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك وليس يجوز أن تقول ضربت إما عبد الله وتسكت وأما دخول {أَن} في قوله: {إِمَّا أَن تُلْقِىَ } وسقوطها من قوله: {أية : إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 106] فقال الفراء: أدخل {أَن} في {إِمَّا } في هذه الآية لأنها في موضع أمر بالاختيار وهي في موضع نصب، كقول القائل: اختر ذا أو ذا، كأنهم قالوا اختر أن تلقي أو نلقي وقوله: {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } ليس فيه أمر بالتخيير. ألا ترى أن الأمر لا يصلح ههنا، فلذلك لم يكن فيه «أن» والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {إِمَّا أَن تُلْقِىَ } يريد عصاه {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } أي ما معنا من الحبال والعصي فمفعول الإلقاء محذوف وفي الآية دقيقة أخرى وهي أن القوم راعوا حسن الأدب حيث قدموا موسى عليه السلام في الذكر وقال أهل التصوف إنهم لما راعوا هذا الأدب لا جرم رزقهم الله تعالى الإيمان ببركة رعاية هذا الأدب ثم ذكروا ما يدل على رغبتهم في أن يكون ابتداء الإلقاء من جانبهم وهو قولهم: {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } لأنهم ذكروا الضمير المتصل وأكدوه بالضمير المنفصل وجعلوا الخبر معرفة لا نكرة. واعلم أن القوم لما راعوا الأدب أولاً وأظهروا ما يدل عى رغبتهم في الابتداء بالإلقاء قال موسى عليه السلام: ألقوا ما أنتم ملقون وفيه سؤال: وهو أن إلقاءهم حبالهم وعصيهم معارضة للمعجزة بالسحر وذلك كفر والأمر بالكفر كفر، وحيث كان كذلك فكيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول ألقوا؟ والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر هناك كقول القائل منا لغيره اسقني الماء من الجرة فهذا الكلام إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء في الجرة، فأما إذا لم يكن فيها ماء فلا أمر ألبتة كذلك ههنا. الثاني: أن القوم إنما جاؤوا لإلقاء تلك الحبال والعصي، وعلم موسى عليه السلام أنهم لا بد وأن يفعلوا ذلك وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير، فعند ذلك أذن لهم في التقديم ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، وثقة بما وعده الله تعالى به من التأييد والقوة، وأن المعجزة لا يغلبها سحر أبداً. الثالث: أنه عليه الصلاة والسلام كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر، وإبطاله ما كان يمكن إلا بإقدامهم على إظهاره، فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله. ومثاله أن من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب عنها ويكشف عن ضعفها وسقوطها؛ يقول له هات، وقل، واذكرها، وبالغ في تقريرها، ومراده منه أنه إذا أجاب عنها بعد هذه المبالغة فإنه يظهر لكل أحد ضعفها وسقوطها، فكذا ههنا، والله أعلم. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } واحتج به القائلون بأن السحر محض التمويه. قال القاضي: لو كان السحر حقاً، لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم؟ فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالاً عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه. قال الواحدي: بل المراد سحروا أعين الناس، أي قلبوها عن صحة أدراكها بسبب تلك التمويهات، وقيل إنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق، وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصي، فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جداً، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها. وأما قوله: {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ } فالمعنى: أن العوام خافوا من حركات تلك الحبال والعصي. قال المبرد: {استرهبوهم} أرهبوهم، والسين زائدة. قال الزجاج: استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس، وذلك بأن بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك: أيها الناس احذروا، فهذا هو الاسترهاب. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه خيل إلى موسى عليه السلام أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى، فأوحى الله عز وجل إليه {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } قال المحققون: إن هذا غير جائز، لأنه عليه السلام لما كان نبياً من عند الله تعالى كان على ثقة ويقين من أن القوم لم يغالبوه، وهو عالم بأن ما أتوا به على وجه المعارضة فهو من باب السحر والباطل، ومع هذا الجزم فإنه يمتنع حصول الخوف. فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: {أية : فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ } تفسير : [طه: 67]. قلنا: ليس في الآية أن هذه الخيفة إنما حصلت لأجل هذا السبب، بل لعله عليه السلام خاف من وقوع التأخير في ظهور حجة موسى عليه السلام على سحرهم. ثم إنه تعالى قال في صفة سحرهم: {وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } روي أن السحرة قالوا قد علمنا سحراً لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء، فإنه لا طاقة لنا به. وروي أنهم كانوا ثمانين ألفاً. وقيل: سبعين ألفاً. وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً. واختلفت الروايات، فمن مقل ومن مكثر، وليس في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد. ثم قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } يحتمل أن يكون المراد من هذا الوحي حقيقة الوحي. وروى الواحدي عن ابن عباس: أنه قال: يريد وألهمنا موسى أن أَلْقِ عَصَاكَ. ثم قال: {فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه حذف وإضمار والتقدير {فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ}. المسألة الثانية: قرأ حفص عن عاصم {تَلْقَفْ } ساكنة اللام خفيف القاف، والباقون بتشديد القاف مفتوحة اللام. وروي عن ابن كثير {تَلْقَفْ } بتشديد القاف. وعلى هذا الخلاف في طه والشعراء. أما من خفف فقال ابن السكيت: اللقف مصدر لقفت الشيء ألقفه لقفاً إذا أخذته، فأكلته أو ابتلعته، ورجل لقف سريع الأخذ، وقال اللحياني: ومثله ثقف يثقف ثقاً وثقيف كلقيف بين الثقافة واللقافة، وأما القراءة بالتشديد فهو من تلقف يتلقف، وأما قراءة بن كثير فأصلها تتلقف أدغم إحدى التاءين في الأخرى. المسألة الثالثة: قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً. واعلم أن هذا مما يدل على وجود الإله القادر المختار وعلى المعجز العظيم لموسى عليه السلام، وذلك لأن ذلك الثعبان العظيم لما ابتلعت تلك الحبال والعصي مع كثرتها ثم صارت عصا كما كانت فهذا يدل على أنه تعالى أعدم أجسام تلك الحبال والعصي، أو على أنه تعالى فرق بين تلك الأجزاء وجعلها ذرات غير محسوسة وأذهبها في الهواء بحيث لا يحس بذهابها وتفرقها وعلى كلا التقديرين، فلا يقدر على هذه الحالة أحد إلا الله سبحانه وتعالى. المسألة الرابعة: قوله: {مَا يَأْفِكُونَ } فيه وجهان: الأول: معنى الإفك في اللغة قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذب إفك لأنه مقلوب عن وجهه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: {مَا يَأْفِكُونَ } يريد يكذبون، والمعنى: أن العصا تلقف ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه وعلى هذ التقدير فلفظة {مَا } موصوله والثاني: أن يكون {مَا } مصدرية، والتقدير: فإذا هي تلقف إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك. ثم قال تعالى: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ } قال مجاهد والحسن: ظهر. وقال الفراء: فتبين الحق من السحر. قال أهل المعاني: الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نازلاً إلى مستقره، وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا لوكان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، فلما فقدت ثبت أن ذلك إنما حصل بخلق الله سبحانه وتعالى وتقديره، لا لأجل السحر، فهذا هو الذي لأجله تميز المعجز عن السحر. قال القاضي قوله: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ } يفيد قوة الثبوت والظهور بحيث لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً. فإن قيل: قوله: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ } يدل على قوة هذا الظهور، فكان قوله: {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تكريراً من غير فائدة! قلنا: المراد أن مع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي، فعند ذلك ظهرت الغلبة، فلهذا قال تعالى: {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ } لأنه لا غلبة أظهر من ذلك {وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ } لأنه لا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله وحجته، على وجه لا يمكن فيه حيلة ولا شبهة أصلاً قال الواحدي: لفظة {مَا } في قوله: {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يجوز أن تكون بمعنى «الذي» فيكون المعنى بطل الحبال والعصي الذي عملوا به السحر أي زال وذهب بفقدانها ويجوز أن تكون بمعنى المصدر كأنه قيل بطل عملهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : تأدّبوا مع موسىٰ عليه السلام فكان ذلك سبب إيمانهم. و «أن» في موضع نصب عند الكسائي والفراء، على معنىٰ إما أن تفعل الإلقاء. ومثلهُ قول الشاعر:شعر : قالوا الرُّكوبَ فقلنا تلك عادتنا تفسير : {قَالَ أَلْقَوْاْ} قال الفراء: في الكلام حذف. والمعنىٰ: قال لهم موسىٰ إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تُبطلوا آياته. وهذا من معجز القرآن الذي لا يأتي مثله في كلام الناس، ولا يقدرون عليه. يأتي اللفظ اليسير بجمع المعاني الكثيرة. وقيل: هو تهديد. أي ابتدئوا بالإلقاء، فسترون ما يحلّ بكم من الافتضاح؛ إذ لا يجوز على موسىٰ أن يأمرهم بالسحر. وقيل: أمرهم بذلك ليبيّن كذبهم وتمويههم. {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ} أي الحبال والعِصِيّ. {سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} أي خَيّلوا لهم وقلبوها عن صحة إدراكها، بما يُتخيّل من التمويه الذي جرىٰ مجرىٰ الشعوذة وخفة اليد؛ كما تقدم في «البقرة» بيانه. ومعنىٰ {عَظِيمٍ} أي عندهم؛ لأنه كان كثيراً وليس بعظيم على الحقيقة. قال ابن زيد كان الاجتماع بالإسكندرية فبلغ ذَنَب الحيّة وراء البحيرة. وقال غيره: وفتحت فَاهَا فجعلت تلقف ـ أي تلتقم ـ ما ألقوا من حبالهم وعِصيّهم. وقيل: كان ما ألقوا حبالاً من أَدَم فيها زئبق فتحركت وقالوا هذه حيّات. وقرأ حَفْص «تَلْقف» بإسكان اللام والتخفيف. جعله مستقبل لَقِف يَلْقَف. قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة «تِلْقَف» لأنه من لَقِف. وقرأ الباقون بالتشديد وفتح اللام، وجعلوه مستقبل تَلقّف؛ فهي تَتَلَقّف. يقال: لقِفت الشيء وتلقفته إذا أخذته أو بَلَعته. تَلْقَف وتَلْقَم وتَلْهَم بمعنىً واحد. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات «تَلَقّم» بالميم والتشديد. قال الشاعر:شعر : أنت عَصَا موسى التي لم تزلْ تَلْقَمُ ما يأْفِكُه الساحرُ تفسير : ويروى: تلقف. {مَا يَأْفِكُونَ} أي ما يكذبون، لأنهم جاؤوا بحبال وجعلوا فيها زئبقاً حتى تحركت.
ابن كثير
تفسير : هذه مبارزة من السحرة لموسى عليه السلام في قولهم: {إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} أي: قبلك؛ كما قال في الآية الأخرى: {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} فقال لهم موسى عليه السلام: ألقوا، أي: أنتم أولاً، قيل: الحكمة في هذا، والله أعلم، ليرى الناس صنيعهم، ويتأملوا، فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوا له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ } تفسير : [طه: 66-69]. قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، قال: فأقبلت، يخيل إليه من سحرهم أنها تسعىـ وقال محمد بن إسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى عليه السلام معه أخوه، يتكىء على عصاه، حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته، ثم قال السحرة: {أية : يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰقَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} تفسير : [طه: 65-66] فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي، فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضاًـ وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، وليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا، {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} يقول: فرقوهم، أي: من الفرق. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، ولهذا قال تعالى: {وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ يـَٰمُوسَىٰ إَمَّآ أَن تُلْقِىَ } عصاك {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } ما معنا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَوْحِيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} قال ابن عباس: العصا أول آيات موسى وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع بطول موسى، قصد باب فرعون فألقى عليه الفزع، فشاب فخضب بالسواد استحياء من قومه، فكان فرعون أول من خضب بسواد. {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} معنى تلقف هو سرعة التناول إلا أن المراد هنا سرعة ابتلاعه بالفم. قال أبو حاتم: وهي في بعض القراءات تلقم بالميم والتشديد، قال الشاعر: شعر : أَنْتَ عَصَا مُوسَى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلْقَمُ مَا يَأْفِكُهُ السَّاحِرُ تفسير : وفي قوله: {مَا يأْفِكُونَ} وجهان: أحدهما: معناه يقلبون، ومنه المؤتفكات أي المنقلبات، قاله ابن عيسى. والثاني: معناه يكذبون لأن الإفك هو الكذب، قاله مجاهد. فإن قيل: فلم أمر موسى السحرة أن يلقو وذلك منهم كفر ولا يجوز أن يأمر به نبي؟ قيل عن ذلك جوابان. أحدهما: أن مضمون أمره إن كنتم محقين فألقوا. والثاني: القول على ما يصح ويجوز لا على ما يفسد ويستحيل. قوله: {فَوَقَعَ الْحَقُّ} أي ظهر الحق، قاله الحسن، ومجاهد، وفي الحق الذي ظهر فيه قولان: أحدهما: ظهرت عصا موسى على حبال السحرة. والثاني: ظهرت نبوة موسى على ربوبية فرعون. قوله عز وجل: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} في سجودهم قولان: أحدهما: أنهم سجدوا لموسى تسليماً له وإيماناً به. والثاني: أنهم سجدوا لله إقراراً بربوبيته، لأنهم {قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}. وفي سجودهم قولان: أحدهما: أن الله ألهمهم ذلك لطفاً بهم. والثاني: أن موسى وهارون سجدا شكراً لله عند ظهور الحق على الباطل فاقتدوا بهما في السجود لله طاعة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ}: إمَّا هنا للتخيير، ويطلق عليها حرف عطف مجازاً. قال المفسرُون: "تأدَّبُوا مع موسى - عليه السلام - فكان ذلك سبب إيمانهم". قال الفرَّاءُ والكسائِيُّ في باب "أمّا": و "إمّا" إذا كنت آمراً أو ناهياً أو مخبراً فهي مفتوحة، وإذا كنت مشترطاً أو شاكّاً أو مخيراً فهي مكسورةٌ، تقول في المفتوحة: إمّا اللَّه فأعْبُدْه، وأما الخمرُ فلا تَشْرَبها وأما زيد فقد خَرَجَ، فإن كنت مشترطاً فتقول: إمّا تعطينَّ زيداً فإنه يشكرك قال تعالى: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم}تفسير : [الأنفال: 57]، وتقولُ في الشَّكِّ: لا أدري من قام إما زيد وإما عمرو، وتقولُ في التَّخْيير: لي في الكوفة دارٌ إما أن أسْكُنَهَا وإمَّا أن أبيعها. والفرق بين "إمّا" إذا كانت للشكِّ وبين "أو" أنك إذا قلت: "جاءني زَيْدٌ أو عمرو" فقد يجوزُ أن تكون قد بنيت كلامك على اليقينِ ثم أدركك الشّك فقلت: أو عمرو، فصار الشك فيهما، فأوَّلُ الاسمين في "أو" يجوز أن يحسن السكوت عليه، ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر؛ ألا ترى أنَّكَ تَقُولُ: قام أخُوكَ وتسكت ثم تشكُّ فتقول: أو أبوك. وإذا ذكرت "إمّا" فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك، فلا يجوز أن تقول: ضربت إمَّا عبد الله وتسكت. وفي محل: {أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَكُونَ} ثلاثة أوجه: أحدها: النصب بفعلٍ مقدَّر أي: افعل إمَّا إلقاءك وإما إلقاءنا، كذا قدّره أبو حيَّان، وفيه نظر؛ لأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلقاءهم فينبغي أن يُقَدِّر فعلاً لائقاً بذلك وهو اختر أي: اختر إمَّا إلقاءك وإمّا إلقاءنا. وقدره مكي وأبو البقاءِ فقالا: "إمَا أن تَفْعَلَ الإلقاء". قال مَكِّيٌّ: كقوله: [البسيط] شعر : 2542 - قَالُوا: الرُّكُوبَ فَقُلْنَا: تِلْكَ عَادَتُنَا ............................ تفسير : بنصب "الركوب" إلا أنَّهُ جعل النَّصْبَ مذهب الكوفيين. الثاني: الرفع على خبر ابتداءٍ مضمر تقديره: أمْرُك إمَّا إلقاؤك وإما إلقاؤُنا. الثالث: أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره إمَّا إلقاؤك مبدوءٌ به، وإمَّا إلقاؤنا مبدوءٌ به. فإن قيل: كيف دخلت "أن" في قوله: {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} وسقطت من قوله: {أية : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 106]. فالجواب قال الفراء: دخول "أن" في "إما" في هذه الآية لأنها في موضع الأمر بالاختيار، وهي في موضع نصب كقولك: اختر ذا أو ذا، كأنَّهُم قالوا: اختر أن تلقي أو نلقي، وفي آية التَّوْبَةِ ليس فيها أمر بالتخيير؛ ألا ترى أنَّ الأمر لا يَصْلُحُ هاهنا فلذلك لم يكن فيه "أن" وقال غيره: إنَّمَا أتى هنا بـ "أن" المصدرية قبل الفعل بخلاف قوله تعالى: {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 106]. لأن "أن" وما بعدها هنا: إمّا مفعول به أو مبتدأ، والمفعولُ به والمبتدأ لا يكونان فعلاً صريحاً، بل لا بُدَّ أن ينضمَّ إليه حرفٌ مصدري يجعله في تأويل اسمٍ، وأما آية التَّوبةِ فالفعلُ بعد "إمّا" خبر ثان لـ "آخرُونَ"، وإمَّا صفة له، والخبرُ والصِّفةُ يقعان جملة فعلية من غير حرف مصدري. وحذف مفعولُ الإلقَاءِ للعلم به والتقدير: إمَّا أن تُلْقي حبالَكَ وعِصِيَّك - لأنَّهُم كانوا يَعْتَقِدُونَ أن يفعل كفعلهم - أو نلقي حبالنا وعصِيَّنا.
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ} استئنافٌ كما مر كأنه قيل: فماذا فعلوا بعد ذلك؟ فقيل: قالوا متصدّين لشأنهم مخاطِبـين لموسى عليه السلام: {يٰمُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِىَ} ما تلقي أولاً {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} أي لِما نُلقي أولاً، أو الفاعلين للإلقاء أولاً، خيّروه عليه السلام بالبدء بالإلقاءِ مراعاةً للأدب وإظهاراً للجلادة وأنه لا يختلف حالُهم بالتقديم والتأخير، ولكن كانت رغبتُهم في التقديم كما ينبىء عنه تغيـيرُهم للنظم بتعريف الخبر، وتوسيطُ ضميرِ الفصل وتأكيدِ الضمير المتصل {قَالَ أَلْقَوْاْ} غيرَ مبالٍ بأمرهم أي ألقوا ما تُلقُون {فَلَمَّا أَلْقُوْاْ} ما ألقَوْا {سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} بأن خيّلوا إليهم ما لا حقيقةَ له {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} أي بالغوا في إرهابهم {وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} في بابه. روي أنهم ألقَوا حِبالاً غلاظاً وخشَباً طِوالاً كأنها حياتٌ ملأت الواديَ وركِبَ بعضُها بعضاً. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} الفاءُ فصيحة أي فألقاها فصارت حيةً فإذا هي الآية وإنما حُذف للإشعار بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعةِ الانقلاب كأن لقْفَها لما يأفكون قد حصل متصلاً بالأمر بالإلقاء، وصيغةُ المضارعِ لاستحضار صورةِ اللقْفِ الهائلةِ والإفك الصِّرْفِ والقلب عن الوجه المعتاد، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ والعائدُ محذوفٌ أي ما يأفِكونه ويزوّرونه، أو مصدريةٌ وهي مع الفعل بمعنى المفعول. روي أنها لما تلقّفت مِلءَ الوادي من الخشب والحِبال ورفعها موسى فرجعت عصاً كما كانت وأَعدم الله تعالى بقدرته الباهرةِ تلك الأجرامَ العظامَ أو فرَّقها أجزاءً لطيفةً قالت السحرة: لو كان هذا سحراً لبقِيَتْ حبالُنا وعِصِيُّنا {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ} أي فثبت لظهور أمره {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ظهر بطلانُ ما كانوا مستمرِّين على عمله {فَغُلِبُواْ} أي فرعونُ وقومُه {هُنَالِكَ} أي في مجلسهم {وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ} أي صاروا أذلاء مبهوتين أو رجَعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين، والأولُ هو الظاهرُ لقوله تعالى: {وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ} فإن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعاً أي خروا سجداً كأنما ألقاهم مُلْقٍ لشدة خرورِهم كيف لا وقد بهرهم الحقُّ واضْطرّهم إلى ذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا يا موسى إما أن تلقى} اى عصاك اولا {واما ان نكون نحن الملقين} اى حبالنا وعصينا اوّلا خيروا موسى عليه السلام فإن كلمة اما فيها للتخيير ويطلق عليها حرف العطف مجازاً. قال المفسرون تأدبوا مع موسى عليه السلام فكان ذلك سبب ايمانهم.
الطوسي
تفسير : هذا حكاية قول السحرة أنهم قالوا لموسى اختر أحد شيئين إِما أن تلقي أنت عصاك أو نحن نلقي عصيَّنا، وانما دخلت (أن) في قوله {إِما أن تلقي} ولم تدخل في {أية : إِما يعذبهم وإما يتوب عليهم}تفسير : لأن فيه معنى الأمر كأنهم قالوا: اختر إِما أن تلقي أي إِما القاؤك وإِما القاؤنا، ومثله {أية : إِما أن تعذب وإِما أن تتخذ فيهم حسنا}تفسير : فموضع (ان) نصب، ويجوز أيضا ان يكون التقدير إِما إِلقاؤك مبدوء به وإِما القاؤنا، ويجوز أن تقول: يا زيد اما أن تقوم أو تقعد، ولا يجوز أن تقول يا زيد ان تقوم أو تقعد، لأن (إِما) يبتدأ بالمعنى فيها أي بمعنى التخيير، فلذلك تدل على معنى اختر، وليس كذا (أو) وقد يقع موقع (اما) وليس بجيد، كما قال الشاعر: شعر : فقلت لهن امشين إِما نلاقه كما قال او تشفى النفوس فنعذرا تفسير : وقال ذو الرمة: شعر : فكيف بنفس كلما قلت أشرفت على البرء من حوصاء هيض اندمالها تهاض بدار قد تقادم عهدها واما بأموات ألمَّ خيالها تفسير : على أن يلقي أحدنا فيبطل ما أتى به الآخر. وقوله {ألقوا} حكاية عن قول موسى (ع) للسحرة (ألقوا) أنتم {فلما ألقوا سحروا أعين الناس} قال البلخي: معناه غشُّوا أعين الناس، وقال: السحر هو الخفة، والافراط فيها حتى تخيل بها الاشياء عن الحقيقة والاحتيال بما يخفى على كثير من الناس كتغييرهم الطرجهالة والحيلة فيها ان يجعل (الطرجهالة) طاقين ويرقق بغاية الترقيق، ويجعل بين الطبقتين زيبق، فاذا وضعت في الشمس حمي الزيبق فسار بالطرجهالة، لأن من طبع الزيبق اذا حمي ان يتحرك ويفارق مكانه. وقال قوم: معناه خيلوا الى أعين الناس بما فعلوه من لتخييل والخدع أنها تسعى، كما قال تعالى {أية : يخيل إِليه من سحرهم أنها تسعى}تفسير : وقال الرماني: معنى سحر الاعين قلبها عن صحة إِدراكها بما يتخيل من الامور المموهة لها بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفة والشعبذة مما لا يرجع الى حقيقة، والمحدث لهذا التخيل هو الله تعالى عندما أظهروا من تلك المخاريق وإِنما نسب اليهم لأنهم لو لم يعرضوا بما يعملونه لم يقع، كما لو جعل أحد طفلاً تحت البرد، فمات، فهو القاتل له في الحكم، والله تعالى أماته، وإِنما جاز من موسى (ع) أن يأمرهم بالقاء السحر وهو كفر لأمرين: أحدهما - إِن كنتم محقين فالقوا. الثاني - القوا على ما يصح ويجوز، لا على ما يفسد ويستحيل. وقال الجبائي: هذا على وجه الزجر لهم والتهديد، وليس بأمر. وقوله {فلما ألقوا سحروا أعين الناس} والفرق بين (لما) و (إِذا) هو الفرق بين (لو) و (أن) فى ان أحدهما للماضي والآخر للمستقبل، وكل هذه الأربعة تعليق أول بثان، الا ان (لو) على طريقة الشك، و (لما) يقين. وقوله {واسترهبوهم} معناه طلبوا منهم الرهبة، وهو خلاف الارهاب، لأنه جعل الرهبة للذي يرهب، والعظيم ما يملأ الصدر بهوله، ووصف السحر بأنه عظيم لبعد مرام الحيلة فيه، وشدة التمويه به، فهو لذلك عظيم الشأن عند من يراه من الناس، ولأنه على ما ذكرناه من الخلاف في عدة السحرة من سبعين ألفاً أو ثمانين الفاً كان مع كل واحد حبل وعصا، فلما ألقوها وخيل الى الناس أنها تسعى استعظموا ذلك وخافوه، فلذلك وصفه الله بأنه سحر عظيم. و (إِما) اذا كانت للتخيير، فأهل الحجاز ومن جاورهم من قيس وبعض تميم يكسرونها وينصبها قيس وأسد و (أما) اذا كانت منصوبة فهي التي يقتضي أن يكون في جوابها الفاء.
الأعقم
تفسير : {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} فيه ما يدل على أن رغبتهم أن يلقوا قبله {فلما ألقوا} يعني ألقت السحرة حبالهم وعصيهم وكانوا قد صوروا شبه الحياة العظيمة، وروي أنهم أتوا حبالهم وعصيهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة، قيل: جعلوا فيها الزئبق، وروي الثعلبي أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً، وخشباً طوالاً، فإذا هي حيات كأمثال الجمال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً {واسترهبوهم} أي أرادوا إرهابهم بذلك {وجاؤوا بسحر عظيم} أي تمويه لم يكن من جنسه أعظم منه، وقيل: عظيم عند الناس {وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك فإذا هي تلقف} أي تبتلع {ما يأفكون} أي ما يكذبون، وقيل: يعلمون ويزورون على الناس، وروي أنها لمّا تلقفت مِلْءَ الوادي من الخشب والحبال ورفعها موسى فعادت عصا كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة، وروي أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاثمائة بعير ولما أكلت سحرهم كله قالت السحرة: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا فذلك قول الله تعالى: {فوقع الحق} أي ظهر {وبطل ما كانوا يعملون} من السحر {فغلبوا هنالك وانقلبوا} وانصرفوا {صاغرين} وصاروا أذلاء مقهورين {وألقي السحرة ساجدين} سجدوا لما عاينوا تلك الآية العظيمة، قوله تعالى: {قالوا آمنا برب العالمين} يعني صدقنا برب العالمين خالقهم ومدبرهم {رب موسى وهارون} يعني الذي يدعون إلى الإِيمان به {إن هذا لمكر} صنع وخديعة {مكرتموه} وصنعتموه أنتم وموسى {في المدينة} أي مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع {لتخرجوا منها أهلها} بسحركم {فسوف تعلمون} ما أفعل بكم {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} وهو أن يقطع من كل شق طرفاً، وقيل: أول من قطع وصلب فرعون، قالوا: يعني السحرة لفرعون مجيبين عن وعده {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} إلى جزائه وحكمه صائرون، وقيل: قالوا: لا بد لنا من موت، وقيل: الذي توعدنا به نحن صابرون اليه ثم فرعوا إلى الله تعالى فقالوا: {ربنا أفرغ علينا صبراً} أنزل علينا صبراً حتى لا نرجع {وتوفنا مسلمين} واقبضنا على دين موسى فأصبحوا كفاراً سحرة وأمسوا شهداء بررة.
الهواري
تفسير : {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} أي من الرهب والمخافة {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}. فخيّل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات كما كانت عصا موسى. فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أعظم من حياتهم. ثم رموا فازدادت حبالهم وعصيهم عظماً في أعين الناس، وجعلت عصا موسى تعظم، وهم يرمون حتى أنفدوا سحرهم، فلم يبقَ منه شيء، وعظمت عصا موسى حتى سدّت الأفق، ثم فتحت فاها فابتلعت ما ألقوا. ثم أخذ موسى عصاه بيده فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت. قال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} قال الحسن: فإذا هي تسترط حبالهم وعصيهم، أي تلقفه بفيها. قوله: {مَا يَأْفِكُونَ} قال مجاهد: ما يكذبون. وَسَرطَتْ حبالهم وعصيهم. قوله: {فَوَقَع الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال بعضهم: فظهر الحق، وهو تفسير مجاهد وبطل ما كانوا يعملون. قال: {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ}. قال الكلبي: فقال السحرة بعضهم لبعض: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا. {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} فبهت فرعون وألقى بيده، وخلّى سبيل موسى، ولم يعرض له. {قَالَ فِرْعَوْنُ} لَهم {ءَامَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} على الاستفهام، أي إنكم فعلتم {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المَدِينَةِ} أي: قلتم لموسى: يا موسى اذهب فاصنع شيئاً، فإذا صنعت ذلك دعانا فرعون فصدَّقنا مقالتك {لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا}. أي لتخرجوني وقومي بسحركم وسحر موسى. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ} اليد اليمنى والرجل اليسرى {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}.
اطفيش
تفسير : {قالُوا يا مُوسَى إمَّا أنْ تُلقىَ} السحر أى توجده، أو تلقى عصاك، وذلك خبر لمحذوف، أى الأمر إما أن تلقى، أو مفعول لمحذوف أى إما أن تفعل الإلقاء {إمَّا أنْ نكُونَ نحنُ الملْقِينَ} سحرنا، الموجدين له، أو الملقين عصيانا وحيالنا، خيروا موسى تأدبا معه كما يفعل أهل الصناعة إذ التقوا، وإظهار للجلادة كما يفعل الواثق بنفسه، ولكن لهم رغبة فى الإلقاء أولا، لوحوا إليها بذكر نحن، وبتعريف الخبر، وبتغيير النظم، إذا لم يقولوا وإما أن نلقى، فإن التقدم فى التخييلات والمخارق أنجح، لأن بدايتها تمضى بالنفوس. قيل: ولتأدبهم معه عوضوا الإيمان والهداية، وإن قلت: من أين يعلم من مجرد هذه الأية أن هناك إلقاءين مقصودين يقع أحدهما أولا أو الآخر ثانيا، مع أنهم عاندوا بها ما بين إلقائه هم؟ قلت: إن المقام مقام مغالبة، وإنما تتبين الغلبة بفعل هذا وبفعل هذا.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ} فيه ما يدل على رغبتهم فى أَن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل، وتعريف الخبر، أَو تعريف الخبر وإِقحام الفصل.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ} استئناف كنظيره السابق {يٰمُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِىَ} ما تُلقي أولاً {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} لما نلقي أولاً أو الفاعلين للإلقاء أولاً خيروه عليه السلام بالبدء بالإلقاء مراعاة للأدب ولذلك كما قيل من الله تعالى عليهم بما منّ، أو إظهاراً للجلادة وأنه لا يختلف عليهم الحال بالتقديم والتأخير، ولكن كانت رغبتهم في التقديم كما ينبىء عنه تغييرهم للنظم بتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل وتوكيد الضمير المستتر، والظاهر أنه وقع في المحكي كذلك بما يرادفه، وقول الجلال السيوطي: إن الضمير المنفصل إما أن يكون فصلاً أو تأكيداً ولا يمكن الجمع بينهما لأنه على الأول لا محل له من الإعراب وعلى الثاني له محل كالمؤكد وهم كما لا يخفى. وفرق الطيبـي بين كون الضمير فصلاً وبين كونه توكيداً بأن التوكيد يرفع التجوز عن المسند إليه فيلزم التخصيص من تعريف الخبر، أي نحن نلقي البتة لا غيرنا، والفصل يخصص الإلقاء بهم لتخصيص المسند إليه فيعرى عن التوكيد، وتحقيق ذلك يطلب من محله.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰمُوسَىٰ} (115) - وَلَمَّا اسْتَوْثَقَ السَّحَرَةُ مِنْ وَعْدِ فِرْعَونَ العَطَاءَ الجَزِيلَ، قَالُوا لِمُوسَى: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ بِسِحْرِكَ أَمَامَ الجَمِيعِ، وَإِمَّا أَنْ نَبْدَأَ نَحْنُ بِالإِلْقَاءِ قَبْلَكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ أنهم لم يؤكدوا لموسى رغبتهم في أن يلقي هو أولا عصاه. ولكنهم أكدوا رغبتهم في أن يكونوا هم أول الملقين. فجاءوا بضمير الفصل وهو (نحن) الذي يفيد التأكيد. ونعلم أن مَن يعقِّب ويكون عمله تاليا لمن سبقه، فإن فعله هو الذي سيترتب عليه الحكم. ولابد أن يكون قوي الحجة. هم يريدون أم يكونوا هم المعقبين، وأن موسى الذي يبدأ، لكن عزتهم تفرض عليهم أن يبدأوا هم أولاً؛ لذلك جاءوا بالعبارة التي تحمل المعنيين: {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} [الأعراف: 115] فعلم موسى أنهم حريصون، على أن يبدأوا هم بالإِلقاء فأتوا بكلمة (نحن). وفكر موسى أن من صالحه أن يلقوا هم أولاً؛ لأن عصاه ستلقف وتبتلع ما يلقون؛ لذلك يأتي قوله سبحانه: {قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):