٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
116
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ أَلْقَوْاْ } أمر للإذن بتقديم إلقائهم توصلاً به إلى إظهار الحق {فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ } حبالهم وعصيهم {سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } صرفوها عن حقيقة إدراكها {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ } خوّفوهم حيث خيّلوها حيات تسعى {وَجآءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ }.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالَ أَلْقَوْاْ} وفيه سؤالٌ: وهو أنَّ إلقاءهم كان سحراً ومعارضة للمعجزة، وذلك كفر، فكيف يجوز لموسى - عليه الصلاة والسلام - أن يأمُرَهُم به؟. والجوابُ من وجوه: أحدها: أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إنما أمرهم بشرط أنْ يعلموا في فعلهم أن يكون حقّاً، فإذا لم يكن كذلك فالأمرُ هناك كقول القائل لغيره: اسقني الماء من الجرَّةِ، فهذا الكلامُ إمَّا أن يكون بشرط حصول الماء في الجرَّةِ، فأمَّا إذا لم يكن فيها ماء فلا أمر ألْبَتَّةَ كذلك هاهنا. قال الفرَّاءُ: "المعنى: ألْقُوا إن كنتم مُحِقِّين، وألقوا على ما يصح ويجوز". وقيل: تهديدٌ لهم أي: ابتدأوا بالإلْقَاءِ فسترون ما يحل بكم في الافتضاح. وثانيها: أنَّ القوْمَ إنَّمَا جاءُوا لإلقاء تلك الحبال والعصي، وعلم موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهم لا بد وأن يفعلوا ذلك وإنما وقع التَّخيير في التَّقْدِيم والتَّأخير، فعند ذلك أذن لهم في التقديم ازدراءً لشأنهم، وقلَّة مبالاته بهم وثقة بما وعده اللَّهُ به من التَّأييد، وأنَّ المعجزة لن يغلبها سحر أبداً، ولأنَّ الأمر لا يستلزمُ الإرادة. وثالثها: قوله عليه السلامُ كان يريدُ إبطال ما أتوا به من السحر وذلك لا يمكن إلا بتقديمهم فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله مثل من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب عنها ويكشف عن ضعفها وسقوطها فيقول له: هات وقل واذكرها، وبالغ في تقريرها، ومراده من ذلك أنه إذا أجاب عنها بعد هذه المبالغة فإنَّهُ يظهر لكل أحدٍ ضعفها وسقوطها، فكذا هاهنا. وقال الفرَّاءُ: في الكلام حذفٌ، والمعنى: قال لهم موسى: إنكم لن تغلبوا ربَّكم، ولن تبطلوا آياته، وهذا من معجزات القرآن الذي لا يأتي مثله في كلامِ الناس ولا يقدرون عليه يأتي اللفظ اليسير بجميع المعاني الكثيرة. وإنما أمرهم تعجيزاً لهم وقطعاً لشبهتهم واستبطالهم، ولئلا يقولوا: لو تركنا نَفْعَلُ لَفَعَلْنَا بمعانٍ كثيرة. قوله: {فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ}. قال القاضي: "لو كان السِّحْرُ حقّاً لكانوا قد سحروا قلوبهم، لا أعينهم، فثبتَ أنَّ المُرَاد أنَّهم تخيَّلُوا أحوالاً عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفقِ ما تَخَيَّلُوهُ". وقال الواحديُّ: "بل المرادُ: سَحَرَوا أعْيُنَ النَّاسِ، أي قلبوها عن صحَّةِ إدراكها، بسبب تلك التَّمْوِيهاتِ". وقيل: إنهم أتوا بالحِبالِ والعصيِّ ولطَّخوا تلك الحِبالَ بالزِّئْبَقِ وجعلوا الزِّئبقَ في دواخل تلك العصي، فلمَّا أثر تَسْخين الشَّمْسِ فيها تحركت والتوى بعضها على بعض، وكانت كثيرةً جداً فتخيَّل النَّاسُ أنَّها تتحرَّك وتلتوي باختيارها وقدرتها. قوله تعالى: {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} يجوز أن يكون استفعلَ فيه بمعنى أفعل أي: أرهبوهم، وهو قريب من قولهم: قرّ واستقرّ، وعظّم واستَعْظَمَ وهذا رأي المبرِّدِ. ويجوز أن تكون السين على بابها، أي استدعوا رهبة النَّاس منهم، وهو رأي الزجاج. روي أنَّهم بَعَثُوا جماعة يُنَادُونَ عند إلْقاءِ ذلك: أيها الناس احْذَرُوا. وروي عن ابن عباس أنَّهُ خيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيَّاتٌ مثل عصا موسى، فأوحى الله - عزَّ وجلَّ - إليه {أية : أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} تفسير : [الأعراف:117]. وقال المحققون هذا غير جائزِ؛ لأنَّه - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - لما كان نبياً من عند اللَّه كان على ثقة ويقين من أنَّ القوم لَنْ يغلبوه، وهو عالم بأن ما أتَوْا به على وجه المعارضة من باب السحر والباطل، ومع هذا الجزم فإنه يمتنع حصول الخوف. فإن قيل: ألَيْسَ أنَّهُ تعالى قال: {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ}تفسير : [طه: 67]. فالجوابُ: ليس في الآية أن هذه الخيفة إنَّما حصلت لهذا السَّبب، بل لعله عليه [الصَّلاة] والسَّلام خاف من وقوع التَّأخير في ظهور حجّته على سحرهم. ثم قال تعالى: {وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} أي عندهم؛ لأنه كان كثيراً. روي أنَّ الأرض كانَتْ ميلاً في ميل فامتلأت حيات يركبُ بعضها بعضاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا القوا}. ان قيل كيف قال القوا والامر بالسحر لا يجوز. اجيب يجوز القوا ان كنتم محقين على زعمكم ويجوز ان يكون امرهم بالالقاء لتأكيد المعجزة. قال القاضى قال القوا كرما وتسامحا وازدراء بهم ووثوقا على شانه يعنى ليس امرهم بالالقاء قبله من قبيل الاباحة للسحر والرضى بالكفر. والمعنى القوا ما تلقون {فلما القوا} ما القوا {سحروا أعين الناس} [جادويى كردند برجشمهاى مردمان] بان خيلوا اليهم ما لا حقيقة له. قال ابن الشيخ قلبوها وصرفوها على ان تدرك الشيء على ما هو عليه بسبب ما فعلوه من التمويهات {واسترهبوهم} استفعل ههنا بمعنى افعل والسين لتأكيد معنى الرهبة اى بالغوافى ارهابهم {وجاؤا بسحر عظيم} فى وقته -روى- انهم جمعوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا كأنها حيات جسام غلاظ ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق داخل تلك العصى فلما اثرت حرارة الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جدا تخيل الناس انها تتحرك وتلتوى باختيارها وصار الميدان كأنه مملوء بالحيات.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ أَلْقَوْاْ} قدّمهم على نفسه كرماً ومقابلة لادبهم بترجيحهم على نفسه وقلّة مبالاة بسحرهم {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} السّحر يقال لكلّ علم وعمل خفىّ مدركه ومأخذه سواء كان بتمزيج القوى الرّوحانيّة والطّبيعيّة او بالتّصرّف فى القوى الطّبيعيّة فقط، ويقال لتمزيج القوى الرّوحانيّة والطّبيعيّة واحداث آثار خارجة عن مجرى العادة ومنه التّصرّف فى المدارك البشريّة بحيث يرى ويسمع ما لا حقيقة له، وكأنّهم سحروا بتسخير الرّوحانيات الخبيثة وتمزيجها مع القوى الطّبيعيّة واحداث آثار خارجة عن العادة ولذا قال سحروا اعين النّاس، فما نقل: انّهم القوا حبالاً وعصيّاً مجوّفة مملوّةً من الزيبق؛ ان كان صحيحاً كان احد جزئى سحرهم من القوى الطّبيعيّة والاّ لم يكن لنسبة السّحر الى اعين النّاس حينئذٍ وجهٌ {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} نقل انّ السّاحة الّتى القوا سحرهم فيها كانت ميلا فى ميلٍ وملاؤا الوادى من الحبال والخشب الطّوال المتحرّكة كأنّها افاعٍ عظيمةٌ ولذلك اوجس فى نفسه خيفةً موسى (ع).
اطفيش
تفسير : {قالَ ألقُوا} قدمهم تهاونا بأمرهم، وثقة بتأييد الله له تقدم أو تأخر، وكرما وتسامحا كما تسامحوا بالتخيير، وإنما أمرهم بالإلقاء مع أنه كفر لإباحة الله سبحانه له أن يأمرهم ليتبين عجزهم، وليؤمنوا، أو لأن الأصل ألقوا إن كنتم محقين لا لمجرد علمه بوقوع الإلقاء، والتخيير فى التقدم والتأخر فقط، لا كما قيل: لأنه لا يجوز الأمر بالمعصية، ولو علم أنها لا بد واقعة، ويأتى كلام فى ذلك إن شاء الله تعالى، وفى إلقائهم أولا فائدة، لأنهم إذا أتو بجهدهم وأتى هو بما يفوقه ويبطله كان أظهر غلبة. {فلمَّا ألقَوْا سَحرُوا أعْين النَّاس} خيلوا لها الشىء على خلاف ما هو عليه، وهو باق على حقيقته، بخلاف أمر السماء الجارى على يد موسى أو غيره، فإن الله سبحانه قادر على قلب الحقائق كرد العصا لحما ودما وعصبا {واسْتَرهَبُوهم} استعملوا طاقتهم فى طلب ما يرهبهم، أى يخوفهم من السحر، فالسين للطلب والتأكيد معا، ويجوز أن تكون تأكيدا، أى أرهبوهم إرهابا شديدا. {وجَاءُوا بسحْرٍ عَظيمٍ} فى باب السحر، جاءوا بحبال وخشب غلاظ طوال كثيرة ميلا فى ميل، لونوها بألوان، وجعلوا فيها ما يوهم الحركة، روى أنهم طلوها بالزئبق، وأدخلوه وسط كل خشبة وحبل، فطلعت عليها الشمس فتحركت للزئبق، أو تخيل بالشمس كأنها تتحرك، وكانت كالحيات ركب بعض بعضا والتوت وملأت الوادى، وروى أنها وقر ثلاثمائة وستين بعيرا حبالا وعصيا.
اطفيش
تفسير : {قَالَ أَلْقُوا} سوغ لهم موسى رغبتهم فى أَن يلقوا هم أَولا ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم وثقة بما كانوا بصدده من التأييد السماوى، وأَن المعجزة لن يغلبها سحر أَبداً.{فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} أَروا الناس بالحيلة والشعوذة وخيلوا ما الحقيقة بخلافه، كما فى قوله تعالى "أية : يخيل إِليه من سحرهم أَنها تسعى" تفسير : [طه: 66] روى أَنهم أَلقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، فإِذا هى أَمثال الحيات قد ملأَت الأَرض وركب بعضها بعضا، {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} وأَرهبوهم إِرهابا شديداً كأَنهم عالجوا رهبتهم واستدعوها بذلك، فالسين والتاء للطلب أَو للمبالغة، واختيرت المبالغة بهما لأَن أَصلهما الطلب والتكلف، وما كذلك يكون على الكمال {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} فى فنه من الإِيهام، وإِنما صح لموسى عليه السلام أَن يأمرهم بإِلقاءِ السحر مع أَن إِلقاءَه كفر لأَنه لم يرد الإِلقاءَ بالذات، بل أَراده ليظهر بطلانه بمعجزة من الله جل وعلا، ولو أَلقى أَولا لم يظهر ذلك، وليس أَمره أَمرا بمعصية ورضا بها، بل أَمره عبادة لأَنه إِنما تظهر معجزته بإِلقائهم، ولتحقيرهم وتحقير إِلقائهم، ولأَن المراد إِن كان لا بد من الإِلقاءِ فأَلقوا أَولا، وقال فى آية أُخرى "أية : وإِما أَن نكون أَول من ألقى" تفسير : [طه: 65] ويقال: لما قالوا ذلك سمع موسى عليه السلام مناديا: بل أَنتم ألقوا يا أولياءَ الله، {أية : فأَوجس فى نفسه خيفة موسى}تفسير : [طه: 67] وذلك فى الإِسكندرية فيما قيل، وزعموا أَن ذنب الحية وراءَ البحر، ولا يتم ذلك إِلا أَن أريد بالبحر الخليج الواصل الإِسكندرية من النيل، طلوا الخشب الطوال والغلاظ والحبال والعصى بالزئبق وجعلوها فى تجاويفها ميلا فى ميل، وتحركت بحرارة الشمس، فالناظر يتخيل حيات تتحرك ويركب بعضها بعضا، وثعابين، والسحر تارة تخييل كما فى القصة، وتارة تحقيق والكل بخلق الله تعالى.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} أي موسى عليه السلام وثوقاً بشأنه وتحقيراً لهم وعدم مبالاة بهم {أَلْقُواْ} أنتم ما تلقون أولاً، وبما ذكرنا يعلم جواب ما يقال: إن إلقاءهم معارضة للمعجزة بالسحر وهي كفر والأمر به مثله فكيف أمرهم وهو هو؟ وحاصل الجواب أنه عليه السلام علم أنهم لا بد وأن يفعلوا ذلك، وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير كما صرح به في قوله سبحانه في آية أخرى: {أية : أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } تفسير : [طه: 65] فجوز لهم التقديم لا لإباحة فعلهم بل لتحقيرهم، وليس هناك دلالة على الرضا بتلك المعارضة، وقد يقال أيضاً: إنه عليه السلام إنما أذن لهم ليبطل سحرهم فهو إبطال للكفر بالآخرة وتحقيق لمعجزته عليه السلام، وعلى هذا / يحمل ما جاء في بعض الآثار من أنهم لما قالوا ما قالوا سمع موسى عليه السلام منادياً يقول؛ بل ألقوا أنتم يا أولياء الله تعالى فأوجس في نفسه خيفة من ذلك حتى أمر عليه السلام، وسيجيء إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك. {فَلَمَّا أَلْقُوْاْ} ما ألقوا وكان مع كل واحد منهم حبل وعصا {سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، ولذا لم يقل سبحانه سحروا الناس فالآية على حد قوله جل شأنه: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 66] {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} أي أرهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم طلبوا إرهابهم {وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} في بابه، يروى أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً. وفي بعض الآثار أن الأرض كان سعتها ميلاً في ميل وقد امتلأت من الحيات والأفاعي، ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق ولونوها وجعلوا داخل العصى زئبقاً أيضاً وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات. واستدل بالآية من قال كالمعتزلة إن السحر لا حقيقة له وإنما هو مجرد تخييل، وفيه أنهم إن أرادوا أن ما وقع في القصة من السحر كان كذلك فمسلم والآية تدل عليه وإن أرادوا أن كل سحر تخييل فممنوع والآية لا تدل عليه، والذي ذهب إليه جمهور أهل السنة أن السحر أقسام وأن منه ما لا حقيقة له ومنه ما له حقيقة كما يشهد بذلك سحر اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسحر يهود خيبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين ذهب ليخرص تمرهم. وذكروا أنه قد يصل السحر إلى حد المشي على الماء والطيران في الهواء ونحو ذلك، وترتب ذلك عليه كترتب الشبع على الأكل والري على الشرب والإحراق على النار، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى. نعم قال القرطبـي: ((أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله تعالى عنده إنزال الجراد والقُمّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وانطاق العجماء وأمثال ذلك من [عظيم] آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام)). ومن أنكر حقيقته استدل بلزوم الالتباس بالمعجزة، وتعقب بأن الفرق مثل الصبح ظاهر.
الشنقيطي
تفسير : لم يبين هنا هذا السحر العظيم ما هو؟ ولم يبين هل أوجس موسى في نفسه الخوف منه؟ ولكنه بين كل ذلك في "طه" بقوله: {أية : فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ}تفسير : [طه: 66-69] ولم يبين هنا أنهم تواعدوا مع موسى موعداً لوقت مغالبته مع السحرة، وأوضح ذلك في سورة "طه" في قوله عنهم: {أية : فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} تفسير : [طه: 58-59] الآية.
الواحدي
تفسير : {قال ألقوا فلما أَلْقَوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم} قلبوها عن صحَّة إدراكها حيث رأوها حيَّات {وجاؤوا بسحر عظيم} وذلك أنَّهم ألقوا حبالاً غلاظاً فإذا هي حيَّاتٌ قد ملأت الوادي. {وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك فإذا هي تلقف} تبتلع {ما يأفكون} يكذبون فيه، وذلك أنَّهم زعموا أنَّ عصيَّهم وحبالهم حَيّاتٍ، وَكذبوا في ذلك. {فوقع الحق} ظهر وغلب. {فغلبوا هنالك وانقلبوا} وانصرفوا {صاغرين} ذليلين. {وألقي السحرة ساجدين} خرُّوا لله عابدين سامعين مطيعين.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَآءُوا} (116) - قَالَ لَهُمْ مُوسَى: بَلْ أَلْقُوا أَنْتُمْ أَوَّلاً، فَأَلْقَوْا مَا مَعَهُمْ مِنْ حِبَالٍ وَعِصِيٍّ. وَلَمَّا أَلْقُوْا سِحْرَهُمْ، سَحَرُوا بِهِ أَعْيُنَ النَّاسِ، فَتَخَيَّلُوا أَنَّ مَا يَرَوْنَهُ حَقِيقَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الوَاقِعِ إِلاَّ مُجَرَّدَ صَنْعَةٍ وَخَيَالٍ. وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الحِبَالَ التِي أَلْقَاهَا السَّحَرَةُ، وَالعِصِيَّ، حَيَّاتٌ وَأَفَاعٍ تَتَحَرَّكُ فَخَافُوا، وَكَانَ ذلِكَ مِنْ ضَخَامَةِ مَا فَعَلَهُ السَّحَرَةُ. سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ - خَيَّلُوا لَهُمْ مَا يُخَالِفُ الحَقِيقَةَ. اسْتَرْهَبُوهُمْ - خَوَّفُوهُمْ تَخْوِيفاً شَدِيداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هم - إذن - سحروا أعين الناس، والسحر - كما نعلم - لطف حيلة يأتي بأعجوبة تشبه المعجزة. وكأنها تخرق القانون، وهو غير الحيلة التي يقوم بها الحواة؛ لأن الحواة يقومون بخفة حركة، وخفة يد، ليعموا الأمر على الناس. لكن "السحر" شيء آخر، ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى خلق كل جنس بقانون؛ خلق الإِنس بقانون، وخلق الجن بقانون، وخلق الملائكة بقانونها: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ...} تفسير : [المدثر: 31] وكل قانون له خصائصه ومميزاته التي تناسب عنصر تكوينه، فالإِنسان - مثلاً - لأنه مخلوق من الطين له من الكثافة ما يمنعه من التسلل من خلال جدار؛ لأنك لو كنت تجلس وهناك تفاحة وراء الجدار الذي تجلس بجواره فلن يتعدى ريحها ولا طعمها إلى فمك؛ لأن الجدار يحول بينك وبين ذلك، لكن لو كانت هناك جذوة من نار بجانب الجدار الذي تستند عليه لكان من الممكن أن يتعدى أثرها لك؛ لأن النار إشعاعات تنفذ من الأشياء، ولأن الجن مخلوق من نار، لذلك نجد له هذه الخاصية. {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ...} تفسير : [الأعراف: 27] فإذا كان الجن له قانون والإِنس له قانون، فهل القانون هو الذي يسيطر؟ لا، بل رب القانون هو الذي يسيطر لأنه جل وعلا فوق القانون. فيأتي الله للإِنس ويُعَلّم واحداً منهم بعضاً من أسرار كونه ليستذل الجن لخدمته، برغم ما للجن من خفة حركة، فسبحانه يوضح: لا تظن أيها الجن أنك قد أخذت خصوصيتك من العنصر الذي يكونك لأن هناك القادر الأعلى وهو المعنصر لك ولغيرك، بدليل أن الإِنسان وهو من عنصر آخر يتحكم فيك بعد أن علمه الله بعضاً من أسرار كونه. ولننتبه دائماً أن العلم بأسرار تسخير الجن هو من ابتلاءات الحق للخلق؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ...}تفسير : [البقرة: 102] فكأن هاروت وماروت وهما يعلّمان الإِنسان كيف يمارس السحر، ينصحان الإِنسان الذي يرغب في أن يتعلم السحر أولاً، ويوضحان له أنهما فتنة أي ابتلاء واختبار ويقولان له: {فَلاَ تَكْفُرْ}، مما يدل على أن كل من يتعلم السحر؛ إن قال لك: إني سأستعمله في الخير فهو كاذب؛ لأنه يقول ذلك ساعة صفاء نفسه تجاه الخلق، لكن ماذا إن غافله إنسان من أي ناحية وغلبه على بعض أمره وهو يملك بعضاً من أسرار السحر؟ هل يقدر على نفسه؟ لقد قال إنه أمين وقت التحمل، لكن هل يظل أميناً وقت الأداء؟ إن من يتعلم السحر قد يستخدمه في الانتقام من غيره، وبذلك يضيع تكافؤ الفرص، ونعلم أن تكافؤ الفرص هو الذي يحمي الناس، ويعطي بعضهم الأمن من بعض، ويُلزم كل إنسان حدّه. فإذا أخذ إنسان سلاحاً ليس عند غيره فقد يستخدمه ضد من لا يملك مثله، والإِنسي الذي يأخذ سلاح استخدام الجن إنما يأخذ سلاحاً لا يملكه أخوه الإِنسي، وبذلك يكون قد أخذ فرصة أقوى من غيره وفي هذا ابتلاء؛ لأن الإِنسان قد ينجح فيه وقد يخفق فلا يظفر بما يطلبه، وقوله سبحانه: {فَلاَ تَكْفُرْ} يدل على أنهما علما طبائع البشر في أنهم حين يأخذون فرصة أعلى قد يُضْمَنون وقت صفاء نفوسهم، ولكنهم لا يُضْمَنون يوم تعكير نفوسهم. {أية : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ...} تفسير : [البقرة: 102] ما دام الحق هو الذي أعطاهم هذه القدرة فهو سبحانه القادر على أن يسلبها منهم، مثلما يمنح الله سبحانه وتعالى القدرة لإِنسان ليكون غنيًّا وقادراً على شراء سلاح ناري، وأن يتدرب على إطلاق النار، فهذا الرجل ساعة يغضب قد يتصور أن يحل خلافه مع غيره أو ينهي غضبه مع أي إنسان آخر بإطلاق الرصاص عليه. لكن لو لم يكن معه "مسدس" فقد ينتهي غضبه بكلمة طيبة يسمعها، إذن فساعة ما يمنع الله أمراً فهو يريد أن يرحم؛ لذلك يقول: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}. وفي هذا تحذير لمن يتعلم مثل هذا الأمر، ويريد سبحانه أن يحمي خلقه من هذه المسألة، فلو أنك تتبعت هؤلاء لاستذلوك واستنزفوك، ويتركك الله لهم لأنك اعتقدت فيهم، أما إن قلت "اللهم إنك قد أقدرت بعض خلقك على السحر والشر، ولكنك احتفظت لنفسك بإذن الضر، فإني أعوذ بما احتفظت به مما أقدرت عليه، بحق قولك: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}، ويكفي أن نعلم أنه سبحانه قد قال: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. هنا لن يمكنهم الله منك، إنما إن استجبت وسرت معهم، فهم يستنزفونك، وأراد الله أن يفضح هذه العملية فقال على ألسنة السحرة الذين استدعاهم فرعون: {أية : أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً...} تفسير : [الشعراء: 41} وكأنهم يعترفون بالنقص فيهم، فعلى الرغم من ادعائهم القدرة على فعل المعجزات إلا أنهم عاجزون عن الكسب الذي يوفي حاجاتهم؛ لذلك طلبوا الأجر من فرعون، وهذا حال الذين يشتغلون بالسحر والشعوذة. هم يدعون القدرة ويعانون الفاقة والعوز. هكذا حكم الحق بضيق رزق من يعمل بالسحر، ويفضحهم الحق دائماً، وللعاقل أن يقول: ماداموا يَدّعُون الفلاح فليفلحوا في إصلاح أحوالهم. ومادام الساحر يدعي أنه يعرف أماكن الكنوز المخبوءة فلماذا لا يعرف كنوزاً في الأرض التي ليست مملوكة لأحد ويأخذها لنفسه؟ هذا إن افترضنا أن الساحر أمين للغاية ولا يريد أن يأخذ من خزائن الناس. ولذلك تجد كل العاملين بالسحر والشعوذة يموتون فقراء، بشعي الهيئة؛ مصابين في الذرية؛ لأن الكائن منهم استغل فرصة لا توجد لكل واحدٍ من جنسه البشري، وذلك للإِضرار بالناس. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} تفسير : [الجن: 6] وهنا يقرر الحق أنهم سيعيشون في إرهاق وتعب. ولذلك يتحدد موقفنا من السحر بأننا لا ننكره مثلما ينكره آخرون. فقد قال بعض من العلماء: إن السحرة جاءوا بعصيّ وضعوا فيها زئبقاً، وعند وجود الزئبق تحت أشعة الشمس تعطي له حرارة فتتلوى العصى، لكن نحن لا ننكر السحر، كما لا ننكر الجن لأنه لا يفوتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن عفريتا من الجن تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة فأمكنني الله تبارك وتعالى منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} ". تفسير : فمادام الحق قد قال: إنه خلق خلقاً لا تدركهم بإحساسك، فنحن نقر بما أبلغنا به الحق؛ لأن وجود الشيء أمر وإدراك وجوده أمر آخر، وكل مخلوق له قانونه، فالعفريت من الجن قال لسيدنا سليمان عن عرش بلقيس: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ...} تفسير : [النمل: 39] وكأن الجن يطلب زمناً ما، فقد يجلس سليمان في مقامه معهم ساعة أو ساعتين أو ثلاثا، لكن الذي عنده علم من الكتاب يقول: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ...} تفسير : [النمل: 40] ولابد أن يكون طرفه قد ارتد في أقل من ثانية بعد أن قال ذلك، ولهذا نجد القرآن يورد ما حدث على الفور فيقول: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ}. مما يدل على أن الله قد خلق الأجناس، وخلق لكل جنس قانوناً، وقد يكون هناك قانون أقوى من قانون آخر، لكن صاحب القانون مخلوق لذلك لا يحتفظ به؛ لأن خالق القانون يبطله، ويسلط أدنى على من هو أعلى منه. ولندقق في التعبير القرآني: {سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ}. ونحن أمام أشياء هي العصى والحبال. وجمع من البشر ينظر. ونفهم من قوله الحق: {سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} أن السحر يَنْصَبُّ على الرائي له، لكن المرئي يظل على حالته، فالعصى هي هي، والحبال هي هي، والذي يتغير هو رؤية الرائي. ولذلك قال سبحانه في آية ثانية: {أية : ...يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66] إذن فالسحر لا يقلب الحقيقة، بل تظل الحقيقة هي هي ويراها الساحر على طبيعتها. لكن الناس هي التي ترى الحقيقة مختلفة. إذن فالسحرة قد قاموا بعملهم وهو: {سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ}. واسترهبوهم أي أدخلوا الرهبة في نفوس الناس من هذه العملية، وظن السحرة أن موسى سيخاف مثل بقية الناس المسحورين، ونسوا أن موسى لن ينخدع بسحرهم؛ لأنه باصطفاء الله له وتأييده بالمعجزة صار منفذاً لقانون الذي أرسله فجعل عصاه حية، وصاحب القانون هو الذي يتحكم. وهم قد جاءوا بسحر عظيم، وهو أمر منطقي؛ لأن العملية هي مباراة كبرى يترتب عليها هدم ألوهية فرعون أو بقاء ألوهيته، لذلك لا بد أن بأتوا يآخر وأعظم ما عندهم من السحر. ويقول الحق: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} معناهُ خَوَّفوهُم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):