Verse. 1071 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاَوْحَيْنَاۗ اِلٰى مُوْسٰۗي اَنْ اَلْقِ عَصَاكَ۝۰ۚ فَاِذَا ہِىَ تَلْقَفُ مَا يَاْفِكُوْنَ۝۱۱۷ۚ
Waawhayna ila moosa an alqi AAasaka faitha hiya talqafu ma yafikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف» بحذف إحدى التاءين في الأصل تبتلع «ما يأفكون» يقلبون بتمويههم.

117

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى: أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف العظيم، الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما في يمينه، وهي عصاه، {فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ} أي: تأكل {مَا يَأْفِكُونَ} أي: ما يلقونه، ويوهمون أنه حق، وهو باطل. قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء، ليس هذا بسحر، فخروا سجداً، وقالوا: {ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ}. وقال محمد بن إسحاق: جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى، فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجداً، قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، لو كان هذا ساحراً ما غلبنا. وقال القاسم بن أبي بزة: أوحى الله إليه أن: ألق عصاك، فألقى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَوْحَيْنآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } بحذف إحدى التاءين في الأصل: تبتلع {مَا يَأْفِكُونَ } يقلبون بتمويههم.

ابن عطية

تفسير : {أن} في موضع نصب بـ {أوحينا} أي بأن ألق، ويحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي فلا يكون لها موضع من الإعراب، وروي أن موسى لما كان يوم الجمع خرج متكئاً على عصاه ويده في يد أخيه وقد صف له السحرة في عدد عظيم حسبما ذكر، فلما ألقوا واسترهبوا أوحى الله إليه، فألقى فإذا هي ثعبان مبين، فعظم حتى كان كالجبل، وقيل إنه طال حتى جاز النيل، وقيل كان الجمع بالإسكندرية وطال حتى جاز مدينة البحيرة، وقيل كان الجمع بمصر وإنه طال حتى جاز بذنبه بحر القلزم. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد من الصواب مفرط الإغراق لا ينبغي أن يلتفت إليه، وروي أن السحرة لما ألقوا وألقى موسى عصاه جعلوا يرقون وجعلت حبالهم وعصيهم تعظم وجعلت عصى موسى تعظم حتى سدت الأفق وابتلعت الكل ورجعت بعد ذلك عصا فعندها آمن السحرة، وروي أن عصا موسى كانت عصا آدم عليهما السلام وكانت من الجنة، وقيل كانت من العين الذي في وسط ورق الريحان، وقيل كانت غصناً من الخبيز أو قيل كانت لها شعبتان وقيل كانت عصا الأنبياء مختزنة عند شعيب فلما استرعى موسى قال له اذهب فخذ عصا فذهب إلى البيت فطارت هذه إلى يده فأمره شعيب بردها وأخذ غيرها ففعل فطارت هي إلى يده فأخبر بذلك شعيباً وتركها له، وقال ابن عباس: إن ملكاً من الملائكة دفع العصا إلى موسى في طريق مدين، و {تلقف} معناه تبتلع وتزدرد، و {ما يأفكون} معناه: ما صوروا فيه إفكهم وكذبهم، وقرأ جمهور الناس "تلقف"، وقرأ عاصم في رواية حفص "تلْقَف" بسكون اللام وفتح القاف، وقرأ ابن كثير في بعض ما روي عنه "هي تلقف" بتشديد التاء على إدغام التاء من تتلقف، وهذه القراءة لا تترتب إلا في الوصول، وأما في الابتداء في الفعل فلا يمكن، وقرأ سعيد بن جبير "تلقم" بالميم أي تبتلع كاللقمة، وروي أن الثعبان استوفى تلك الحبال والعصي أكلاً وأعدمها الله عز وجل، ومد موسى يده إلى فمه فعاد عصا كما كان، فعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند البشر فخروا سجداً مؤمنين بالله ورسوله. وقوله تعالى: {فوقع الحق} الآية، "وقع" معناه نزل ووجد، و {الحق} يريد به سطوع البرهان وظهور الإعجاز واستمر التحدي إلى الدين على جميع العالم، و {ما كانوا يعلمون} لفظ يعم سحر السحرة وسعي فرعون وشيعته. والضمير في قوله {فغلبوا} عائد على "جميعهم" من سحرة وسعي فرعون وشيعته، وفي قوله {وانقلبوا صاغرين} إن قدرنا انقلاب الجمع قبل إيمان السحرة فهم في الضمير وإن قدرناه بعد إيمانهم فليسوا في الضمير ولا لحقهم صغار يصفهم الله به لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم. وقوله تعالى: {وألقي السحرة ساجدين} الآيات، لما رأى السحرة من عظيم القدرة وما تيقنوا به نبوة موسى آمنوا بقلوبهم وانضاف إلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفزع من قدرة الله تعالى فخروا سجداً لله تعالى متطارحين وآمنوا نطقاً بألسنتهم، وتبينهم الرب بذكر موسى وهارون زوال عن ربوبية فرعون وما كان يتوهم فيه الجهال من أنه رب الناس، وهارون أخو موسى أسن منه بثلاث سنين، وقول فرعون {قبل أن آذن لكم} دليل على وهن أمره لأنه إنما جعل ذنبهم مفارقة الإذن ولم يجعله نفس الإيمان إلا بشرط، وقرأ عاصم في رواية حفص عنه في كل القرآن "آمنتم" على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر "آمنتم" بهمزة ومدة على الاستفهام وكذلك في طه والشعراء، وقرأ حمزة والكسائي في الثلاثة المواضيع "أآمنتم" بهمزتين الثانية ممدودة، ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم، وقرأ ابن كثير في رواية أبي الأخريط عنه "وآمنتم" وهي على ألف الاستفهام إلا أنه سهلها واواً فأجرى المنفصل مجرى المتصل في قولهم تودة في تؤدة، وقرأ قنبل عن القواس "وآمنتم" وهي على القراءة بالهمزتين "اآمنتم" إلا أنه سهل ألف الاستفهام واواً وترك ألف أفعلتم على ما هي عليه، والضمير في {به} يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، ويحتمل أن يعود على موسى عليه السلام، وعنفهم فرعون على الإيمان قبل إذنه ثم ألزمهم أن هذا كان على اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس وابن مسعود: أن موسى اجتمع مع رئيس السحرة واسمه شمعون فقال له موسى: أرأيت إن غلبتكم أتؤمنون بي فقال له نعم، فعلم بذلك فرعون، فلذلك قال {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة}. ثم قال للسحرة {لأقطعن أيديكم وأرجلكم} الآية، فرجع فرعون في مقالته هذه إلى الخذلان والغشم وعادة ملوك السوء إذا غولبوا، وقرأ حميد المكي وابن محصن ومجاهد "لأقْطَعن" بفتح الهمزة والطاء وإسكان القاف، "ولأصْلُبن" بفتح الهمزة وإسكان الصاد وضم اللام، وروي بكسرها، و {من خلاف} معناه يمنى ويسرى. قال القاضي أبو محمد: والظاهر من هذه الآيات أن فرعون توعد وليس في القرآن نص على أنه أنفذ ذلك وأوقعه، ولكنه روي أنه صلب بعضهم وقطع، قال ابن عباس: فرعون أول من صلب وقطع من خلاف، وقال ابن عباس وغيره فيهم: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وأما التوعد فلجميعهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَصَاكَ} هي أول آيات موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من آس الجنة، طولها عشرة أذرع بطول موسى عليه الصلاة والسلام، فضرب بها باب فرعون ففزع فشاب فخضب بالسواد حياء من قومه، وكان أول من خضب بالسواد، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ. {تَلْقَفُ} التلقُف: التناول بسرعة، يريد ابتلاعها بسرعة. {يَأْفِكُونَ} يقلبون، المؤتفكات: المنقلبات، أو يكذبون من الإفك. {ألْقُواْ} تقديره "إن كنتم محقين"، أو أَلقوا على ما يصح ويجوز دون ما لا يصح.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ }: وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً عَىٰ عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه؛ أَنْ أَلْقِ، فَأَلْقَىٰ عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل. وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقَىٰ موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسَىٰ تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وٱبتلعتِ الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ ٱستوفَىٰ تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسىٰ يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسولِهِ، و{تَلْقَفُ } معناه: تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير: «تَلْقُم» بالميم. وقوله سبحانه: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ...} الآية: أيْ: نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان: فوقع، أي: فظهر، و«الحَقُّ»: يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهورَ الإعجاز، {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله: «فغلبوا»: عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله: {وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ }، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ؛ لأنهم آمنوا واستشهدوا رَضِيَ اللَّه عنهم.

ابن عادل

تفسير : يجوز في "أن": أن تكُون المفسِّرة لمعنى الإيحَاءِ. ويجوزُ أنْ تكون مصدريّةً؛ فتكونُ هي، وما بعدها مفعول الإيحَاءِ. قوله: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} قرأ العامَّةُ: "تَلَقَّفُ" بتشديد القافِ، من "تَلَقَّفَ" والأصلُ: "تَتَلَقَّفُ" بتاءيْنِ، فحذفت إحداهُمَا، إمَّا الأولى، وإمَّا الثانية وقد تقدَّم ذلك في نحو {أية : تَتَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأنعام: 152]. والبزِّيُّ: على أصلها في إدغامِهَا فيما بعدها، فيقرأُ: {فإذا هي تَّلَقَّفُ} بتشديد التاء أيضاً، وقد تقدم تحقيقه عند قوله: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ }تفسير : [البقرة: 267]. وقرأ حفصٌ "تَلْقَفُ" بتخفيف القافِ من "لَقِفَ" كـ: "عَلِمَ يَعْلَمُ، ورَكِب يَرْكَبْ". يقال: لَقِفْتُ الشَّيءَ ألْقَفُهُ لَقْفاً، ولَقَفَاناً، وتَلقفتُهُ أتَلقَّفُهُ تَلَقُّفاً: إذا أخَذْتهُ بِسُرعةٍ، فأكَلْتَهُ أو أبْتَلَعْتَهُ. وفي التفسير: أنها ابتلعَتْ جميع ما صَنَعُوه، وأنشدُوا على: لَقِفَ يَلْقَفُ، كـ "عَلِمَ يَعْلَمُ" قول الشَّاعِر: [السريع] شعر : 2543 - وأنتَ عَصَا مُوسَى الَّتي لَمْ تَزَلْ تَلْقَفُ مَا يَصْنَعُهُ السَّاحِرُ تفسير : ويُقَالُ: رَجُلٌ ثقفٌ لقفٌ، وثَقِيفٌ لَقِيفٌ، بَيِّن الثَّقافة واللَّقَافة. ويُقَالُ: لَقِفَ ولَقِمَ بمعنى واحدٍ، قاله أبُو عُبيدٍ. ويقالُ: تَلْقَفُ، وتَلْقَمُ، وتَلْهَمُ: بمعنًى واحدٍ. والفَاءُ في "فإذَا هِيَ" يجوزُ أن تكُون العاطفة، ولا بُدَّ من حَذْفِ جملةٍ قَبْلهَا ليترتَّبَ ما بعد الفاءِ عليها، والتقديرُ: "فألْقَاهَا فإذا هِيَ". وَمَنْ جوَّز أن تكون الفاءُ زائدةً في نحو: "خَرَجْتُ فإذا الأسَدُ حَاضِرٌ" جوَّز زيادتها هُنَا. وعلى هذا فتكونُ هذه الجملةُ قد أوحيت إلى موسى كالَّتي قَبْلَهَا. وأمَّا على الأوَّل - أعني كون الفاءِ عاطفةً - فالجملةُ غير موحى بها إليه. قوله: "مَا يَأفكونَ" يجوزُ في "ما" أن تكون بمعنى "الذي" والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي يأفِكُونهُ. ويجوز أن تكُون "ما" مصدرية، "والمصدر" حينئذٍ واقعٌ موقعَ المفعُولِ به، وهذا لا حَاجةَ إلَيْهِ. وذلك قولُهُ: {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يَجُوز أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فيكونُ المعنى: بَطَلَ الحبالُ والعِصيُّ الذي عملوا به السِّحر: أي: زَالَ، وذهب بِفُقْدانِهَا، وأن تكون مصدرية، أي: وبطل الذي كانوا يعملونه، أو عملهم. وهذا المصدرُ يجوزُ أن يكون على بابه. وأن يكون واقعاً موقع المفعول به. بخلاف "مَا يَأفكُون" فإنَّ يتعيَّنُ أن يكُونُ واقعاً موقع المفعُولِ به ليصحَّ المعنى؛ إذ اللَّقْفُ يستدعي عَيْناً يصحُّ تسلُّطُه عليها. ومعنى الإفكِ في اللُّغةِ: قلبُ الشَّيءِ عن وجْههِ، ومنه قِيلَ للكذبِ إفْكٌ، لأنَّهُ مقلْوبٌ عن وجهه. قال ابنُ عبَّاسٍ: "مَا يَأفِكُونَ" يُريدُ: يَكْذِبُونَ، والمعنى: أنَّ العصا تلقَفُ ما يأفِكُونَهُ، أي: يَقْلِبُونَهُ عن الحَقِّ إلى البَاطِلِ. قوله: "فَوَقَعَ الحَقُّ" قال مُجاهدٌ والحسنُ: ظَهَرَ. وقال الفرَّاءُ: "فتبيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ". قال أهْلُ المعاني: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيءِ بوجوده نازلاً إلى مُسْتَقرِّهِ، {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، من السِّحْرِ، وذلك أنَّ السَّحرة قالوا: لئن كان ما صنعَ موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - سِحراً لَبَقِيَتْ حبالُنَا وعصينا ولم تُفْقَدْ، فلما فقدت؛ ثَبَتَ أنَّ ذلك من أمر اللهِ. قال القَاضِي: قوله: "فَوَقَعَ الحَقُّ": يفيد قُوَّة الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بحيثُ لا يَصحُّ فيه البُطلان كما لا يَصِحُّ في الواقعِ أن يصيرَ إلاَّ واقعاً. فصل قلت: فإن قيل: قوله: "فوقع الحَقُّ" يدُلُّ على قوَّةِ الظَّهُورِ. فكان قوله: {وبطل ما كانُوا يَعْمَلُون} تكريراً. فالجوابُ: أنَّ المرادَ: مع ثبوت الحقِّ زالت الأعيانُ الَّتي أفكوها، وهي الحِبَالُ والعصا، فعند ذلك ظهرت الغلبةُ. فصل قوله: "فَغُلِبُوا هُنالِكَ" يجوزُ أن يكون مكاناً، أي: غُلِبُوا في المكانِ الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظَّاهرُ. وقيل: يجوزُ أن يكون زماناً، وهذا ليس أصْلُهُ، وقد أثبت لَهُ بعضهم هذا المعنى بقوله تعالى: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأحزاب: 11]. ويقول الآخر: [الكامل] شعر : 2544 -............................... فَهُنَاكَ يَعْترفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ؟ تفسير : ولا حُجَّةَ فيهما، لأنَّ المكانَ فيهما واضحٌ. قوله: "وانقلبُوا صاغرينَ" أي: ذليلين مقهورين. وصاغرين حالٌ من فاعل انقلبُوا والضميرُ في انقلبُوا يجوزُ أن يعودَ على قوم فرعون وعلى السَّحرةِ، إذا جعلنا الانقلاب قبل إيمان السحرةِ، أو جعلنا انقلبُوا بمعنى: صاروا، كما فسَّره الزمخشريُّ، أي: صاروا أذلاَّءَ مبهوتين مُتَحَيِّرين. ويجوز أن يعودَ عليهم دُونَ السَّحرةِ إذا كان ذلك بعد إيمانهم، ولم يجعلْ انْقلبُوا بمعنى: صاروا: لأنَّ الله لا يَصِفُهُم بالصَّغَارِ بعد إيمانهم. قوله: {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}. قال مقاتل: "ألْقاهُمُ اللَّهُ". وقيل: ألهمهم اللَّهُ أنْ يسجدُوا فَسَجَدُوا. قال الأخفشُ: من سرعة ما سَجدُوا كأنَّهم ألقوا. فـ "ساجدين" حال من السَّحرة، وكذلك قالوا أي ألقوا ساجدين قائلين ذلك، ويجوزُ أن يكُون حالاً من الضَّمير المستتر في ساجدينَ. وعلى كلا القولين هُمْ متلبِّسُون بالسُّجُودِ للَّهِ تعالى. ويجوزُ أن يكون مستأنفاً لا محلَّ له، وجعله أبُو البقاءِ حالاً من فاعل "انْقَلَبُوا"، فإنَّهُ قال: "يجوزُ أن يكُون حالاً، أي: فانْقَلَبُوا صاغرين". قالوا وهذا ليس بجيِّد للفصل بقوله "وَألقى السَّحرةُ". قوله: {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. قال المفسِّرونَ: لما قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال فِرعونُ: إيّايَ تعنُون؛ فقالوا: {رَبِّ مُوسَى وهارُونَ}، فـ: "ربِّ مُوسَى" يجوز أن يكون نعتاً لـ: "ربِّ العالمينَ"، وأن يكون بدلاً، وأنْ يكون عطف بيان. وفائدةُ ذلك: نَفْيُ تَوَهُّم من يتوهَّمُ أنَّ رب العالمينَ قد يطلق على غير اللَّه تعالى، لقول فرعونَ {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24] وقدَّمُوا "مُوسَى" في الذِّكْرِ على "هَارُونَ" وإن كان هارون أسَنَّ منه، لكبره في الرُّتْبَةِ، أو لأنَّهُ وقع فاصِلة هنا. ولذلك قال في سورة طه: {أية : بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 70] لوقوع "موسى" فاصلةً، أو تكون كل طائفة منهم قالت إحدى المقالتين، فنسبَ فعل البعض إلى المجمُوعِ في سورةٍ، وفعل بعضهم الآخر إلى المجمُوعِ في أخرى. فصل احتجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بقوله تعالى: {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} على أن غيرهم ألقاهُم، وما ذاك إلاَّ اللَّهُ رب العالمين، وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد خلقُ الله تعالى. وأجاب المُعتزِلَةُ بوجوهٍ: أحدها: أنَّهُمْ لمَّا شاهدوا الآياتِ العظيمةَ، لم يتمالَكُوا أن وقعوا ساجدين، فصاروا كأنَّ مُلقِياً ألقاهُم. وثانيها: ما تقدَّم من تفسير الأخفش. وثالثها: أنَّهُ ليس في الآية أنَّ ملقياً ألقاهم، فنقولُ ذلك المُلقي هُم أنفسُهم. والجوابُ: أن خالق تلك الدَّاعيةِ في قلوبهم هو اللَّهُ تعالى، وإلا لافتقر خَلْقُ تلك الدَّاعِيِةِ إلى داعيةٍ أخرى، ولزم التَّسلسل، وهو مُحَالٌ، ثمَّ إن أصل القدرةِ مع تلك الدَّاعية الجازمة تصيرُ موجبةً للفعل، وخالقُ ذلك الموجب هو اللَّهُ تعالى، فكان ذلك الفعل مُسنداً إلى اللَّهِ تعالى. فصل فإن قيل: إنَّهُ تعالى ذكر أوَّلاً أنَّهُمْ صاروا ساجدين، ثمَّ ذكر بعد ذلك أنهم قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. فما الفائدة فيه مع أن الإيمان يجبُ أن يكون متقدِّماً على السُّجُودِ؟. فالجوابُ، من وجوه، أحدها: أنَّهُم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا للَّه تعالى في الحال، وجعلوا ذلك السُّجُود شكراً لِلَّه تعالى على الفَوْزِ بالمَعْرفةِ والإيمان، وعلامة على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهاراً للتَّذلل، فكأنَّهم جعلوا ذلك السُّجُود الواحد علامةً على هذه الأمور. وثانيها: لا يبعد أنَّهُمْ عند الذهاب إلى السُّجود قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. فصل فإن قيل: لمّا قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} دخل موسى وهارون في جملة العالمين، فما فائدة تخصيصهما بعد ذلك؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن التقدير آمنا برب العالمين، وهو الذي دعا إلى الإيمان به وبموسى وهارون. الثاني: خَصَّهُمَا بالذِّكْرِ تشريفاً، وتفضيلاً كقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة: 98]. قوله: "آمنتم" اختلف القرَّاءُ في هذا الحرف هنا، وفي طه وفي الشعراءِ، فبعضهم جرى على منوالٍ واحد، وبعضهم قرأ في موضع بشيءٍ لمْ يقرأ بِهِ في غيره، وهم في ذلك على أربع مراتب. الأولى: قراءة الأخوينِ، وأبي بكر عن عاصمٍ بتحقيق الهمزتين في السُّور الثَّلاثِ من غير إدخال ألف بينهما، وهو استفهام إنكارٍ، وأمَّا الألفُ الثَّالثة فالْكلُّ يَقْرءُونَهَا كذلك، لأنَّهَا فاءُ الكلمة، أبدلتْ لسكونها بعد همزة مفتوحة، وذلك أنَّ أصْلَ هذه الكلمةِ أَأَأْمنْتم بثلاثِ همزاتٍ: الأولى للاستفهام، والثَّانيةُ همزة "أفْعَلَ"، والثَّالثةُ فاء الكلمة، فالثَّالثة يجبُ قلبها ألفاً، لما تقدم أوَّل الكتاب، وأمَّا الأولى فمُحَقَّقه ليس إلاَّ، وأمَّا الثَّانيةُ فهي الَّتي فيها الخلاف بالنِّسبة إلى التَّحقيقِ والتَّسْهيلِ. الثانية: قراءة حفص وهي "آمنتم" بهمزة واحدة بعدها الألفُ المشار إليها في جميع القرآن، وهذه القراءةُ تحتمل الخبرَ المَحْضَ المتضمِّنَ للتَّوبيخ، وتحتمل الاستفهامَ المشارَ إليه، ولكنه حُذِفَ لفهم المعنى، ولقراءة الباقين. الثالثة: قراءة نافعٍ وابن عمرٍو وابن عامر والبزِّي عن ابن كثير وهي تحقيقُ الأولى، وتسهيلُ الثانية بين بين، والألف المذكورة، وهو استفهام إنكاري، كما تقدم. الرابعة: قراءةُ قنبلٍ عن ابنِ كثير، وهي التَّفرقةُ بين السُّور الثَّلاثِ. وذلك أنَّهُ قرأ في هذه السُّورة حال الابتداء بـ "أآمنتم" بهمزتين، أولاهما محققة والثَّانية مُسَهَّلة بَيْنَ بَيْنَ وألف بعدها كقراءة البزِّي، وحال الوصل يقرأ: {قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنْتُم} بإبدال الأولى واواً، وتسهيل الثَّانية بين بين وألف بعدها، وذلك أنَّ الهمزة إذا كانت مفتوحةً بعد ضمَّةٍ جاز إبدالُهَا واواً سواء أكانت الضَّمَّةُ والهمزةُ في كلمةٍ واحدةٍ نحو: مُرْجَؤونَ، و{أية : يُؤَاخِذُكُمُ}تفسير : [البقرة: 225] ومُؤجَّلاً أم في كلمتين كهذه الآيةِ، وقد فعل ذلك أيضاً في سورة الملك في قوله: {أية : وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ ءَأَمِنتُم }تفسير : [الملك: 15-16] فأبدلَ الهمزةَ الأولى واواً، لانضمام ما قَبْلهَا حال الوصل، وأمَّا في الابتداءِ فيخففها لزوال الموجبِ لقلبها، إلاَّ أنَّه ليس في سورة الملكِ ثلاثُ همزاتٍ، وسيأتي إن شاء اللَّهُ تعالى في موضعه. وقرأ في سورة طه كقراءة حفص: أعني بهمزة واحدة بعدها ألف، وفي سورة الشعراء كقراءة رفيقه البزّيّ، فإنَّهُ ليس قبلها ضمة؛ فيبدلها واواً في حال الوصل. وقد قرىء لقنبل أيضاً بثلاثة أوجُهٍ في هذه السُّورةِ وَصْلاً وهي: تسكينُ الهمزةِ بعد الواوِ المبدلة، أو تحريكها، أو إبدالها ألفاً، وحينئذٍ يُنطق بِقَدْرِ ألفيْنِ. ولم يُدخلْ أحدٌ من القراء مدًّا بين الهمزتين هنا سواءً في ذلك من حقَّق أو سهَّل، لئلاَّ يجتمع أربعُ متشابهاتٍ، والضميرُ في "به" عائدٌ على اللَّهِ تعالى لقوله: {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ويجوزُ أن يعود على موسى، وأمَّا الذي في سورة طه والشعراء في قوله {آمنتُمْ له} فالضَّميرُ لموسَى لقوله {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ}. فصل اعلم أنَّ فرعون لمَّا رأى إيمان السَّحرةٍ بنبوة موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - عند اجتماع الخلق خاف من أن يصير ذلك حجّة قويَّة على صحَّةِ نبوة موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - فألقى في الحالِ شبهتين إلى أسْماعِ العوامِّ؛ ليمنع القوم من اعتقاد نُبوةِ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -. الأولى: قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي: إنَّ إيمان هؤلاء بموسى ليس لقوة الدَّليل بل لأنَّهم تَوَاطَئُوا مع مُوسى أنَّه إذا كان كذا وكذا فنحن نُؤمن بِك. الثانية: أنَّ غرض موسى والسَّحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من المدينة، وإبطال ملكهم. ومعلوم عند جمع العقلاء أنَّ مُفارقَةَ الوطنِ والنِّعْمَة المألوفة من أصعبِ الأمور فجمع فرعون اللّعينُ بين الشُّبهتين، ولا يوجد أقوى منهما في هذا الباب. وروى محمَّدُ بنُ جريرٍ عن السُّدِّي في حديثٍ عن ابن عباس، وابن مسعودٍ وغيرهما من الصَّحابة رضي الله عنهم أجمعين أن موسى عليه السلام وأمير السحرة التقيا فقال موسى - عليه الصلاة والسلام -: أرأيتك إن غلبتك أن تؤمن بي وتشهدَ أنَّ ما جِئتُ به الحقّ؟ فقال الساحر: واللَّهِ لئن غلبتني لأومِنَنَّ بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمعُ قولهما، فهذا قولُ فرعون: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ}. قال القاضي: وقوله {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} دليلٌ على مناقضة فرعون في ادِّعاءِ الألوهية، لأنَّهُ لو كان إلهاً لما جاز أن يأذنَ لهم في أن يُؤمنوا به مع أنَّهُ يدعُوهُمْ إلى إلهيَّةِ غيره، وذلك من خذلان اللَّهِ الذي يظهرُ على المُبطلين. قوله: "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" حُذِفَ مفعولُ العلم، للعلم به، أي: تعلمون ما يحلُّ بكم، وهذا وعيدٌ مجمل، ثُمَّ فَسَّرَ هذا المُبْهَمَ بقوله: "لأقَطِّعَنَّ" جاء به في جملةٍ قَسَمِيَّةٍ؛ تأكيداً لِمَا يَفْعَله. وقرأ مجاهدُ بنُ جبر، وحميد المكي، وابنُ مُحَيْصنٍ: "لأقْطعَنَّ" مخففاً من "قَطَعَ" الثلاثي، وكذا لأصْلُبَنّكُم من "صَلَبَ" الثلاثي. رُوي بضم اللام وكسرها، وهما لغتان في المضارع، يُقال: صَلَبَهُ يَصْلُبُهُ ويَصْلِبُهُ. قوله: "مِنْ خلافٍ" يُحتمل أن يكون المعنى: على أنَّهُ يقطع من كُلِ شقٍّ طرفاً، فيقطع اليدَ اليمنى، والرِّجل اليسرى، وكذا هو في التفسير، فيكونُ الجارُّ والمجرور في محلِّ نصبٍ على الحال، كأنَّهُ قال: مُختلفةً، ويُحْتملُ أن يكون المعنى: لأقَطِّعَنَّ لأجْلِ مخالفتكم إيَّاي فتكون "مِنْ" تعليليةً وتتعلَّق على هذا بنفس الفعل، وهو بعيدٌ. و "أجْمَعِينَ" تأكيدُ أتى به دون كلّ وإن كان الأكثرُ سبقهُ بـ "كلّ" وجيء هنا بـ "ثُمَّ"، وفي: طه والشعراء بالواو، لأن الواو صالحةٌ للمُهْلة، فلا تَنَافِيَ بين الآيات. فصل اختلفوا هل فعل بهم ذلك أم لا؟ فنقل عن ابْنِ عبَّاسٍ أنَّهُ فعل بهم ذلك. وقال غيره: لم يقع من فرعون ذلك، بل استجاب اللَّه دعاءهم في قولهم: "وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ". وقوله: {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} جَوَّزُوا في هذا الضَّمير وجهين، أحدهما: أنَّهُ يَخُصُّ السَّحرةَ، لقوله بعد ذلك {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا} فإنَّ الضَّميرَ في مِنَّا يَخُصُّهُمْ. وجَوَّزُوا أن يعود عليهم، وعلى فرعون، أي: إنَّا - نحن وأنت - ننقلب إلى اللَّهِ، فيُجازي كلاًّ بعمله، وهذا وإن كان هو الواقعَ إلاَّ أنَّهُ ليس من هذا اللَّفظِ. قوله وَمَا تَنقِمُ قد تقدَّم في المائدةِ أنَّ فيه لغتين وكيفية تعدِّيه بـ "مِنْ" وأنَّهُ على التَّضمين. وقوله: {إلاَّ أنْ آمنَّا} يجوز أن يكون في محلَِّ نصبٍ مفعولاً به، أي: ما تَعِيبُ علينا إلاَّ إيماننا ويجوزُ أن يكون مفعولاً من أجله، أي: ما تنال مِنَّا وتعذِّبنا لشيءٍ من الأشياء إلاَّ لإيماننا وعلى كلا القولينِ فهو استثناءٌ مفرغ. قوله "لَمَّا جَاءَتْنَا" يجوزُ أن تكون ظرفيةً كما هو رأي الفارسي، وأحد قولي سيبويه، والعامِلُ فيها على هذا آمَنَّا أي: آمنَّا حين مجيء الآيات، وأن تكون حرف وجوب لوجوبٍ، وعلى هذا فلا بدَّ لها من جواب وهو محذوف تقديره: لما جاءتنا آمّنا بها من غير توقّف. قوله: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} معنى الإفراغ في اللُّغَةِ: الصَّبُّ. وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه بالكليَّة، فكأنَّهُمْ طلبوا من اللَّه كلَّ الصَّبْرِ لا بعضه. ونكَّرُوا "الصَّبْر" وذلك يدلُّ على الكمالِ والتَّمَامِ، أي: صبراً كَاملاً تاماً، كقوله تعالى: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ}تفسير : [البقرة: 96] أي: على حياة كاملة تامَّةٍ. وقوله: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} أي: توفنا على الدِّين الحقِّ الذي جاء بِهِ موسى. واحْتَجَّ القاضي بهذه الآية على أنَّ الإيمان والإسلامَ واحد. فقال: إنَّهُم قالوا أوَّلاً: {آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا}، ثمَّ ثانياً، "وَتَوَفَّنَا مُسْلِمينَ"، فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان. قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ}. [اعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف، فلهذا لم يحبسه ولم يتعرض له بل خلى سبيله، فقال له قومه: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض]. أي: يُفسدوا على النَّاسِ دينَهُمْ. قوله: "وَيَذَركَ" العامةُ "ويَذَرَكَ" بالغيبةِ، ونصب الرَّاءِ، وفي النَّصْبِ وجهان: أظهرهما: أنَّهُ عطف على "لِيُفْسِدُوا" والثاني: أنَّهُ منصوبٌ على جواب الاستفهام كما يُنْصب في جوابه بعد الفاء؛ كقول الحُطيئةِ: [الوافر] شعر : 2545 - ألَمْ أكُ جَارَكُمْ ويكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخَاءُ؟ تفسير : والمعنى: كيف يكون الجمعُ بين تَرْكِكَ موسى وقومه مفسدين، وبين تركهم إيَّاك وعبادةِ آلهتك، أي: لا يمكن وقوعُ ذلك. وقرأ الحسنُ في رواية عنه ونعيمُ بن ميسرة "ويَذَرُكَ" برفع الرَّاء، وفيها ثلاثة أوُجه: أظهرها: أنَّه عطف نسق على "أتذر" أي: أتطلق له ذلك. الثاني: أنه استئناف أي، إخبار بذلك. الثالث: أنَّهُ حالٌ، ولا بدَّ من إضمارِ مبتدأ، أي: وهو يَذَرُكَ. وقرأ الحسنُ أيضاً والأشهبُ العُقَيْلِيُّ "وَيَذَرْكُ" بالجزم، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه جزم على التَّوهُّم، كأنه توهَّم جزم "يُفْسِدُوا" في جواب الاستِفْهَامِ وعطف عليه بالجزمِ، كقوله: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن}تفسير : [المنافقون: 10] بجزم "أكُنْ". والثاني: أنَّهَا تخفيفٌ كقراءة أبي عمرو {أية : يَنصُرْكُمُ}تفسير : [آل عمران: 160] وبابه. وقرأ أنس بن مالك "ونَذَرُكَ" بنون الجماعة ورفع الرَّاءِ، تَوَعَّدُوهُ بذلك، أو أنَّ الأمْرَ يؤولُ إلى ذلك فيكونُ خبراً محضاً. وقرأ عبد الله والاعمش بما يخالف السَّوادَ، فلا حاجة إلى ذكره. وقرأ العامةُ "آلهَتَكَ" بالجمع. رُوِيَ أنه كان يعبدُ آلهةً متعددة كالبَقَرِ، ولذلك أخرجَ السَّامري لهم عجلاً، ورُوِي أنَّهُ كان يعبدُ الحِجارةَ والكواكب، أو آلهتَه التي شَرَعَ عبادتَهَا لهم وجعل نَفْسَهُ الإله الأعلى في قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]. وقرأ علي بنُ أبي طالب، وابنُ مسعود، وابن عبَّاسٍ، وأنسٌ وجماعةٌ كثيرةٌ "وإلاهتكَ"، وفيها وجهان: أحدهما: أنَّ "الإلاهَةَ" اسمٌ للمعبود، ويكونُ المرادُ بها معبودَ فرعون، وهي الشَّمْسُ. رُوى أنَّهُ كان يعبُد الشَّمْسَ، والشَّمْسُ تُسَمَّى "الإهَةً"، عَلَماً عليها، ولذلك مُنِعَت الصَّرف، للعلميَّة والتأنيث؛ قال الشَّاعرُ: [الوافر] شعر : 2546 - تَرَوَّحْنَا مِنَ اللَّغْباءِ عَصْراً فأعْجَلْنَا الإلهَةَ أنْ تَئُوبَا تفسير : والثاني: أنَّ الإلاهة مصدرٌ بمعنى العبادة، أي وتذرُ عبادتك، لأنَّ قومه كانوا يعبدونه. ونقل ابنُ الأنْباري عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ كان يُنكر قراءة العامَّة، ويقرأ "وإلاهتك"، وكان يقول: إنَّ فرعون كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ. قال ابنُ الخطيبِ: والذي يخطر ببالي أنَّ فرعون إن قلنا: إنَّه ما كان كامل العقل لم يَجُزْ في حكم اللَّهِ تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان عَاقِلاً لم يَجُز أنْ يعتقدَ في نفسه كونه خالقاً للسَّمواتِ والأرضِ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك، لأنَّ فسادهُ معلوم بالضَّرُورةِ، بل الأقربُ أن يقال: إنَّهُ كان دَهْرياً مُنكراً لوجود الصَّانِعِ، وكان يقُولُ: مُدبِّرُ هذا العالم السُّفْلي هو الكواكِبُ، وأنا المخدوم في العالمِ للخلق، والمُربي لهم فهو نفسه. فقوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24] أي: مُرببكم والمنعم عليكم والمطعم لكم. وقوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38] أي: لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلاَّ أنا، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنَّهُ كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب يعبدها، ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب، وعلى هذا فلا امتناع في حمل قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} على ظاهره. قوله: "قَالَ سَنُقَتِّلُ" قرأ نافعٌ وابْنُ كثير بالتخَّفيفِ سنقتل والباقون بالتضعيف لتعدُّد المحالّ. وسيأتي أنَّ الجماعة قَرَءُوا "يُقَتِّلُونَ أبناءكم" بالتضعيف إلاَّ نافعاً فيخفف. فتخلص من ذلك أنَّ نافعاً يقرأ الفعلين بالتخفيف، وابن كثير يُخَفف "سنَقْتُل" ويثقل "يُقَتِّلُونَ"، والباقون يثقِّلونهما. قوله: "ونستحيي نِسَاءهُمْ". أي نتركهم أحياء. والمعنى: أنَّ موسى إنَّما يُمْكنه الإفسادُ برهطه وبشيعته فنحنُ نسعى في تقليل رهطه وشيعته، بأنْ نقتِّلَ أبناء بني إسرائيل، ونستحيي نساءهم. ثم بَيِّن أنَّهُ قادرٌ على ذلك بقوله: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} أي: إنَّمَا نترك موسى لا مِنْ عجزٍ وخوفٍ، ولو أردنا البَطْشَ به لقدرنا عليه. قال ابنُ عباس: أمر فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل، فشكت ذلك بنو إسرائيل إلى موسى، فقال لهم مُوسَى: {ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ} يعني أرض مصر. قوله: "يُورِثهَا" في محلِّ نصب على الحَالِ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: الجلالة، أي هي له حال كونه مُورِثاً لها من يشاؤه. والثاني: أنَّه الضَّميرُ المستترُ في الجَارِّ أي: إنَّ الأرضَ مستقرة للَّهِ حال كونها مُوَرَّثَةً من الله لمن يشاءُ، ويجوز أن يكون "يُورِثُهَا" خبراً ثانياً، وأنْ يكون خبراً وحده، و "لِلَّهِ" هو الحالُ، و "مَن يشاءُ" مفعولٌ ثاني ويجوزُ أن تكون جملةً مستأنفة. وقرأ الحسنُ، ورُويت عن حفص "يُوَرِّثُهَا" بالتشديد على المبالغة، وقرىء "يُورَثها" بفتح الراء مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل هو: "مَن يَشَاءُ". والألفُ واللاَّم في "الأرض" يجوزُ أن تكون للعهدِ، وهي أرضُ مصر كما تقدَّم، أو للجنس، وقرأ ابن مسعود بنصب "العَاقِبَة" نسقاً على الأرض و "للمتَّقينَ" خبرُها، فيكون قد عطف الاسم على الاسم، والخبر على الخبر فهو مِنْ عطف الجمل. فصل قال الزمخشريُّ: فإن قلت: لِمَ أخليَتْ هذه الجملة من الواو وأدخلتْ على الَّتي قبلها؟. قلت: هي جملةٌ مبتدأةٌ مستأنفةٌ، وأمَّا: "وقَالَ الملأ" فهي معطوفة على ما سبقها من قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ}. والمرادُ من قوله: "والعاقِبَةُ" أي النَّصْرُ والظفر، وقيل: الجَنَّةُ. فصل قوله: {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}. لما هدَّد فرعونُ قوم موسى وتوعدهم خافوا، و {قَالُوا أوذينا من قبل أن تَأتِينَا} لأنَّهم كانُوا قبل مجيء موسى - عليه الصلاة والسلام - كانوا مستضعفين في يد فرعون، يأخذُ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمالِ الشَّاقة، ويمنعهم من الترفة، ويقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فلمَّا بعث اللَّهُ موسى - عليه الصَّلاة والسلام - قوي رجاؤُهم في زوال تلك المضار، فلما سمعوا تهديدَ فرعون ثانياً عظُم خوفُهُم، فقالوا هذا الكلام. فصل فإن قيل: هذا القول يدلُّ على كراهتهم مجيء موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - وذلك يوجب الكفر. فالجواب: أنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - لمَّا جاء وعدهم بزوال تلك المضار فَظَنُّوا أنَّهَا تزول على الفور، فلَّما رأوا أنَّهَا ما زالت رجعوا إليه في معرفة كيفية ذلك الوعد، فبيَّن لهم موسى - عليه السلام - أن الوعدَ بإزالتها لا يُوجِب الفور، بل لا بدَّ أن يستنجزَ ذلك الوعد في الوقت المقدر لَهُ. فالحاصل أنَّ هذا ما كان نُفرةً عن مجيء موسى بالرِّسالةِ، بل استكشافاً لكيفية ذلك. فعند هذا قال موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ}. قال سيبويه: "عَسَى" طمع وإشفاق. قال الزَّجَّاجُ: وما يطمع اللَّه فيه فهو واجب. ولقائل أن يقول: هذا ضعيف؛ لأنَّ لفظ "عسى" ههنا ليس كلام اللَّه بل هو حكاية عن كلام موسى، ويُجاب بأنَّ هذا الكلامِ إذا صدر عن الرسول الذي ظهرت نبوته بالمعجزات أفاد قوة اليقين فَقَوَّى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - قلوبهم بهذا القولِ وحقَّق عندهم الوعدَ ليصبروا ويتركوا الجزع المذموم. قال القرطبي: "جَدَّدَ لهم الوعدَ وحقَّقَهُ. وقد استُخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان - عليهما الصَّلاة والسَّلام -، وفتحُوا بيت المقدس مع يُوشع بن نون كما تقدم، وروي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى، وتبعهم فرعون، فكان وراءهم، والبحرُ أمامهم، فحقَّقَ اللَّه الوعد: بأن غرق فرعون وقومه، وأنجاهم". ثُم بيَّن بقوله: {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ما يَجْرِي مجرى الحثِّ له على التَّمسُّك بطاعة اللَّهِ. واعلم أنَّ النظر قد يُراد به النَّظر الذي يفيد العِلْمَ، وهو على اللَّهِ محال، وقد يُرَادُ به تقليب الحدقة نحو المرئيّ التِمَاساً لرؤيته وهو أيضاً على اللَّهِ محال، وقد يراد به الرُّؤية، ويجب حملُ اللَّفْظِ ههنا عليها. قال الزَّجَّاجُ: أي يرى ذلك بوقوع ذلك منكم، لأنَّ اللَّه تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم وإنَّمَا يجازيهم على ما يقعُ منهم. فإن قيل: إذا حملتم هذا النَّظَر على الرُّؤيَةِ لزم الإشكالُ، لأن الفاءَ في قوله: "فَيَنْظُرَ:" للتعقيب، فيلزم أن تكون رؤية اللَّهِ لتلك الأعمال متأخرة عن حصول تلك الأعْمَالِ، وذلك يُوجِبُ حُدُوث صفة في ذات اللَّهِ. فالجواب: أن المعنى تعلُّق رؤية اللَّه تعالى بذلك الشَّيءِ، والتَّعلق نسبة حادثة، والنِّسَبُ والإضافاتُ؛ لا وجود لها في الأعيانِ، فلم يلزم حدوث الصِّفةِ الحقيقية في ذات اللَّهِ تعالى. وقد حَقَّقَ اللَّهُ ذلك الوعدَ، فأغرق فرعون واستخلفهم في ديارهم، وأموالهم؛ فعبدُوا والعِجْلَ.

القشيري

تفسير : مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق، وطاشت تلك الحِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى الحالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واوحينا الى موسى ان ألق عصاك فاذا هى تلقف ما يأفكون} الفاء فصيحة اى فالقاها فصارت حية فاذا هى تلقف اى تلقم وتبتلع من لقف يلقف على وزن علم يعلم يقال لقفته القفه لقفا وتلقفته اتلقفه تلقفا اذا اخذته بسرعة فاكلته وابتلعته ويأفكون اى يزورون من الافك وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه -روى- انها لنا تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعتها باسرها اقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم لا يعلم عددهم الا الله تعالى ثم اخذها موسى فصارت عصا كما كانت واعدم الله بقدرته القاهرة تلك الاجرام العظام او فرقها اجزاء لطيفة فقالت السحرة لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا.

الطوسي

تفسير : قرأ حفص عن عاصم {تلقف} خفيفة. الباقون بتشديد القاف، وقرأ ابن كثير فاذا هي {تلقف} بتشديد التاء والقاف في رواية البزي عنه إِلا النقاش، وابن فليح. والوحي هو القاء المعنى الى النفس من جهة تخفى، ولذلك لم يشعر به إِلا موسى (ع) حتى امتثل ما أمر به فاذا العصاحية تسعى. وفي هذه الآية إِخبار من الله تعالى أنه أوحى الى موسى (ع) حين ألقى السحرة سحرهم وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم: أن ألق عصاك فـ (أن) يحتمل أمرين: أحدهما - أن تكون مع ما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، وتقديره أوحينا الى موسى بالالقاء. الثاني - أن تكون (أن) بمعني أي لأنه تفسير ما أوحي اليه. {فإذا هي تلقف ما يأفكون} معنى تلقف تبتلغ تناولاً بفيها بسرعة منها، فهي تلتقمه استراطاً حالاً فحالاً قال الشاعر: شعر : وأنت عصى موسى التي لم تزل تلقف ما يأفكه الساحر تفسير : يقال: لقِفتهُ ألقُفه لقفاً ولقفاناً، ولقَفته ألقَفه وتلقَّفته تلقفا إِذا أخذته في الهواء. ومن قرأ بتشديد التاء قال: أصله تتلقف فادغم احدى التائين في الأخرى بعد أن سكن الثانية. ومن خفف القاف أخذه من لقفته. ومن شددها قال: هو من تلقَّف. وقوله {ما يأفكون} فالافك هو قلب الشىء عن وجهه، ومنه {أية : المؤتفكات}تفسير : المنقلبات. والافك الكذب لانه قلب المعنى عن جهة الصواب. وقال مجاهد: {ما يأفكون} أي يكذبون. وفي الآية حذف، وتقديره فألقى عصاه فصارت حية {فإذا هي تلقف ما يأفكون} والمعنى إِنها تلقف المأفوك الذي حلَّ فيه الافك، وعلى هذا يحمل قوله تعالى {أية : والله خلقكم وما تعملون}تفسير : ومعناه وما تعملون فيه. وقوله {فوقع الحق} معناه ظهر الحق - في قول الحسن ومجاهد - وأصل الوقوع السقوط كسقوط الحائط والطائر تقول: وقع يقع وقعاً ووقوعاً وأوقعه ايقاعاً، ووقَّع توقيعاً وتوقَّع توقعاً وأوقعه مواقعة، والميقعة المطرقة. والواقعة النازلة من السماء، والوقائع الحروب. قال الرماني: الوقوع ظهور الشيء بوجوده نازلا الى مستقره. و (الحق) كون الشيء في موضعه الذي اقتضته الحكمة. والحق موافق لداعي الحكمة، ولذلك يقال وقع الشىء في حقه. و (الباطل) الكائن بحيث يؤدي الى الهلاك، وهو نقيض الحق، فالحق كون الشىء بحيث يؤدي الى النجاة. والعمل تصيير الشىء على خلاف ما كان اما بايجاده أو بايجاد معنى فيه ومثله التغيير. و (ما) في قوله {ما كانوا يعملون} يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون بمعنى المصدر، والتقدير وبطل عملهم. والثاني - أن يكون بمعنى الذي وتقديره وبطل الحبال والعصي التي عملوا بها السحر. و (ما) اذا كانت بمعنى المصدر لا تعمل عمل (إِنَّ) اذا كانت بمعنى المصدر، لأمرين: أحدهما - أن (ما) اسم، والاسم لا يعمل في الفعل. والآخر - أن تنقل الفعل نقلين الى المصدر والاستقبال تقول: يعجبني ما تصنع، ويعجبني أن تصنع الخير.

الجنابذي

تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ..} من الافك بمعنى الصّرف وقلب الشّيء عن وجهه نقل، انّها لمّا تلقفت حبالهم وعصّيهم وابتلعتها باسرها اقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتّى هلكت جمع كثير منهم، ثمّ اخذها موسى (ع) فصارت عصاً فأيقن السّحرة انّها لو لم تكن آلهيّة لبقى حبالهم وعصيّهم واعترفوا برسالة موسى (ع) ونقل، انّهم قبل الموعد آمنوا بموسى (ع) خفية واظهروا ايمانهم يوم الموعد.

اطفيش

تفسير : {وأوْحَينا إلى مُوسَى أنْ ألْق عَصَاك} خاف فذهل عن إلقائها، فأوحى إليها أن ألقها فألقاها، فصارت ثعبانا {فإذا هِىَ تلْقَفُ} تبتلع، والأصل تتلقف، حذفت إحدى التاءين، وقرأ حفص عن عاصم تلقف بإسكان اللام، وكذا فى طه والشعراء، وفى رواية عن ابن كثير تشديد التاء على ثبات التاءين، وإدغام الأولى فى الثانية، وإنما يصح هذا فى الوصل، وأما فى الابتداء فلا لاحتياجه إلى همزة وصل، ولم يخلق الله همزة وصل فى أول المضارع، وقرأ سعيد بن جبير تلقم تبلع كاللقمة. {مَا يأفِكُونَ} يكذبون، سمى الكذب إفكاً لأنه قلب كلام عن الوجه الصحيح، والإفك القلب، وما اسم تلقف، ما يقلبونه ويصرفونه عن حاله وهو العِصىّ والحبال إذا غيروها بالزئبق وصارت بهيئة الحيات، وجعلها مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول ضعيف لتعدد التأويل فيه مع الغنى عنه، ولما بلعت حبالهم وعصيهم حبلا حبلا، وعصا عصا، حتى لم يبق منها شىء، أخذها موسى عليه السلام فكانت عصا صغيرة كما كانت أولا، قالت السحرة: لو كان هذا سحر لبقيت حبالنا وعصينا، فآمنوا بالله الذى أعدمها فى عصى موسى أو فرقها أجزاء لطيفة كالهباء.

اطفيش

تفسير : {وَأَوْحَيْنَا} على لسان جبريل عليه السلام {إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فأَلقاها كما أَلقاها أَولا بحضرة فرعون فإِذا هى ثعبان، وكما أَلقاها قبل ذلك إِذ رأَى نارا وقال لأَهله امكثوا إِلخ.. فإِذا هى حية تسعى، وليس معه أَحد {فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ} تتلقف أَى تبتلع، أَى فأَلقاها فصارت حية فإِذا هى إِلخ.. حذف إِيذانا بسرعة ذلك كله، والمضارع لحكاية الحال كأَنها حاضرة {مَا يَأْفِكُونَ} يقلبونه عن أصله فى نظر الناظرين لا حقيقة، وهو تلك الحبال والخشب شيئا فشيئا فى سرعة بسعة فمها ثمانين ذراعا حتى أَتت عليها كلها، وقصدت الحاضرين وهربوا ومات فى الهروب خمسة وعشرون أَلفا، وقيل سبعون أَلفا. وقصدت فرعون فى خيمته فذهب عنها سبع خطوات فشهدوا عرجه الذى كان يخفيه، كذا قيل، وفيه أَن حاضره حينئذ فى شغل بنفسه عن تعيين سبع خطوات والعرج، فأَخذها موسى عصا كما كانت لم تزدد طولا ولا غلظا، وقال السحرة: لو كان ذلك سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فآمنوا..

الالوسي

تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى} بواسطة الملك كما هو الظاهر {أن أَلْقَىٰ عَصَاكَ} التي علمت من أمرها ما علمت و {أَن} تفسيرية لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه، وجوز أن تكون مصدرية فالمصدر مفعول الإيحاء، والفاء في قوله سبحانه: {فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} فصيحة أي فألقاها فصارت حية فإذا هي الخ، وإنما حذف للإيذان بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعة الانقلاب كأن لقفها لما يأفكون قد حصل متصلاً بالأمر بالإلقاء، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الغريبة، واللقف كاللقفان التناول بسرعة، وفسره الحسن هنا بالسرط والبلع، والإفك صرف الشيء وقلبه عن الوجه المعتاد ويطلق على الكذب وبذلك فسره ابن عباس ومجاهد لكونه مقلوباً عن وجهه واشتهر ذلك فهي حتى صار حقيقة، و {مَا} موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي ما يأفكونه ويكذبونه أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أي المأفوك لأنه المتلقف، وقرأ الجمهور {تلقف} بالتشديد وحذف إحدى التاءين.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {وأوحينا} معطوفة على جمل {أية : سحروا أعين الناس، واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم}تفسير : [الأعراف: 116]، فهي في حيز جواب لمّا، أي: لمّا ألْقَوا سَحَروا، وأوحينا إلى موسى أن الق لهم عصاك. و{أن} تفسيرية لفعل {أوحينا}، والفاء للتعقيب الدال على سرعة مفاجأة شروعها في التلقف بمجرد إلقائها، وقد دل السياق على جملتين محذوفتين، إذ التقدير: فألقاها فدبّت فيها الحياة وانقلبت ثعباناً فإذا هي تلقف، دل على الجملة الأولى الأمر بالإلقاء، وعلى الجملة الثانية التلقف لأنه من شأن الحيوان، والعصا إذا دبت فيها الحياة صارت ثعباناً بدون تبديل شكل. والتلقف: مبَالغة في اللقف وهو الابتلاع والازدراد. و{ما} موصولة والعائد محذوف أي: ما يأفكونه.والإفك: الصرف عن الشيء ويسمى الزور إفكاً، والكذب المصنوعُ إفكاً، لأن فيه صرفاً عن الحق وإخفاء للواقع، فلا يسمى إفكاً إلاّ الكذبُ المصطنع المموه، وإنما جعل السحر إفكاً لأن ما يظْهَر منه مخالف للواقع فشبه بالخبر الكاذب. وقرأ الجمهور {تَلَقّفَ} ــــ بقاف مشددة ــــ، وأصله تتلقف، أي تبالغ وتتكلف اللقف ما استطاعت، وقرأ حفص عن عاصم: بسكون اللام وتخفيف القاف على صيغة المجرد. والتعبير بصيغة المضارع في قوله: {تَلقف} و{يأفكون} للدلالة على التجديد والتكرير، مع استحضار الصورة العجيبة، أي: فإذا هي يتجدد تلقفها لِما يتجدد ويتكرر من إفكهم. وتسمية سحرهم إفكاً دليل على أن السحر لا معمول له وأنه مجرد تخييلات وتمويهات. وقوله {فوقع الحق} تفريع على {تلقّف ما يأفكون}. والوقوع حقيقته سقوط الشيء من أعلى إلى الأرض، ومنه: وقَع الطائر، إذا نَزَل إلى الأرض، واستعير الوقوع لظهور أمر رفيع القدر، لأن ظهوره كان بتأييد الهي فشبه بشيء نزل من علو، وقد يطلق الوقوع على الحصول لأن الشيء الحاصل يشبه النازل على الأرض، وهي استعارة شائعة قال تعالى: {أية : وإن الدين لَواقع} تفسير : [الذاريات: 6] أي: حاصل وكائن، والمعنى فظهر الحق وحصل. ولعل في اختيار لفظ (وقع)، هنا دون (نزل) مراعاة لفعل الإلقاء لأن الشيء الملقَى يقع على الأرض فكانَ وقوع العصا على الأرض وظهور الحق مقترنين. و{الحق}: هو الأمر الثابت الموافق للبرهان، وضده الباطل، والحق هنا أريد به صدق موسى وصحة معجزته وكون ما فعلته العصا هو من صنع الله تعالى، وأثَرِ قدرته. و{بطل}: حقيقته اضمحل. والمراد: اضمحلال المقصود منه وانتفاء أثَرٍ مزعوم لشيء يقال: بطَل سعيه، أي: لم يأت بفائدة، ويقال: بطَل عمله، أي: ذهب ضياعاً وخُسر بلا أجر، ومنه قوله تعالى: {أية : ويُبْطلُ الباطلَ}تفسير : [الأنفال: 8] أي: يزيل مفعوله وما قصدوه منه، فالباطل هو الذي لا فائدة فيه، أو لا خير فيه، ومنه سمي ضد الحق باطلاً لأنه شيء لا يحصل منه الأثر المرجو، وهو القبول لدى العقول المستقيمة. وشاع هذا الإطلاق حتى صار الباطل كالاسم الجامد، مدلوله هو ضد الحق، ويطلق الباطل اسمَ فاعل من بطَل، فيساوي المصدر في اللفظ، ويتعين المراد منهما بالقرينة، فصوغ فعل بطل يكون مشتقاً من المصدر وهو البطلان، وقد يكون مشتقاً من الاسم وهو الباطل. فمعنى {بطل} حينئذٍ وُصف بأنه باطل مثل فَهِد وأسد، ويصح تفسيره هنا بالمعنيين، فعلى الأول يكون المعنى: وانتفت حينئذٍ آثار ما كانوا يعملون، وعلى الثاني يكون المعنى: واتصف ما يعملون بأنه باطل، وعلى هذا الوجه يتعين أن يكون المراد من الفعل معنى الظهور لا الحدوث، لأن كون ما يعملونه باطلاً وصف ثابت له من قبللِ أن يُلقيَ موسى عصاه، ولكن عند إلقاء العصا ظهر كونه باطلاً، ويبعّد هذا أن استعمال صيغة الفعل في معنى ظهور حدثه لا في معنى وجوده وحدوثه، خلافُ الأصل فلا يصار إليه بلا دَاع. وأما من فسر {بطل} بمعنى: العدم. وفسر {ما كانوا يعملون} بحبال السحرة وعصيهم ففي تفسيره نبُو عن الاستعمال، وعن المقام. وزيادة قوله: {وبطل ما كانوا يعملون} بعد قوله: {فوقع الحق} تقرير لمضمون جملة {فوقع الحق} لتسجيل ذم عملهم، ونداءٌ بخيبتهم، تأنيساً للمسلمين وتهديداً للمشركين وللكافرين أمثالها. و{ما كانوا يعملون} هو السحر، أي: بطلت تخيلات الناس أن عصي السحرة وحبالهم تسعى كالحيات، ولم يعبّر عنه بالسحر إشارة إلى أنه كان سحراً عجيباً تكلفوا له وأَتوا بمنتهى ما يعرفونه. وقد عطف عليه جملة {فغُلبوا} بالفاء لحصول المغلوبية إثر تلقف العصا لإفكهم. و{هنالك} اسم إشارة المكان أي غلبوا في ذلك المكان فأفاد بداهة مغلوبيتهم وظهورها لكل حاضر. والانقلاب: مطاوع قَلَبَ والقلب تغيير الحال وتبدله، والأكثر أن يكون تغييراً من الحال المعتادة إلى حال غريبة. ويطلق الانقلاب شائعاً على الرجوع إلى المكان الذي يخرج منه ولأن الراجع قد عكس حال خروجه. وانقلب من الأفعال التي تجيء بمعنى (صار) وهو المراد هنا أي: صاروا صاغرين. واختيار لفظ {انقلبوا} دون (رَجعُوا) أو (صاروا) لمناسبته للفظ غُلبوا في الصيغة، ولما يشعر به أصل اشتقاقه من الرجوع إلى حال أدون، فكان لفظ (انقلبوا) أدخل في الفصاحة. والصّغَار: المذلة، وتلك المذلة هي مذلة ظهور عجزهم، ومذلة خيبة رجائهم ما أملوه من الأجر والقرب عند فرعون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تلقف: تأخذ بسرعة فائقة وحذق عجيب. ما يأفكون: ما يقلبون بسحرهم وتمويههم. فوقع الحق: ثبت وظهر. صاغرين: ذليلين. ساجدين: ساقطين على وجوههم سجداً لربهم رب العالمين. معنى الآيات: ما زال السياق في المناظرة أو المباراة بين موسى عليه السلام وسحرة فرعون، فبعد أن ألقى السحرة حبالهم وعصيهم في الساحة وانقلبت بالتمويه السحري حيات وثعابين ورهب الناس من الموقف وظن فرعون وملأه أنهم غالبون أوحى الله تعالى إلى موسى أن يلقي عصاه فألقاها {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} أي تأخذه وتبتلعه وبذلك وقع الحق أي ظهر وثبت واستقر {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي السحر والتمويه وقوله تعالى {فَغُلِبُواْ} أي فرعون وملأه وقومه {هُنَالِكَ} أي في ساحة المباراة والمناظرة {وَٱنقَلَبُواْ} إلى ديارهم {صَاغِرِينَ} أي ذليلين مهزومين. وقوله تعالى {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} أي إنهم بعد أن شاهدوا الآية الكبرى بهرتهم فخروا ساجدين كأنما ألقاهم أحد على وجه الأرض لا حراك لهم وهم يقولون {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} وضمن ذلك فقد كفروا بربوبية فرعون الباطلة، لأن الإِيمان بالله سيلزم الكفر بما عداه، ولذا قالوا {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تلويحاً بكفرهم بفرعون الطاغية وبكل إله غير الله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنته تعالى في أن الحق والباطل إذا التقيا في أي ميدان فالغلبة للحق دائماً. 2- بطلان السحر وعدم فلاح أهله ولقوله تعالى من سورة طه {أية : وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} تفسير : [الآية: 69]. 3- فضل العلم وأنه سبب الهداية فإيمان السحرة كان ثمرة العلم، إذ عرفوا أن ما جاء به موسى ليس سحراً وإنما هو آية له من الله فآمنوا. 4- مظهر من مظاهر القضاء والقدر فالسحرة أصبحوا كافرين وأمسوا مسلمين.

د. أسعد حومد

تفسير : (117) - فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ، فَلَمَّا أَلْقَاهَا انْقَلَبَتْ ثُعْبَاناً، أَخَذَ يَلْتَقِمُ مَا أَلْقَى بِهِ السَّحَرَةُ مِنْ بَاطِلٍ أَوْهَمُوا النَّاسَ أَنَّهُ حَقٌّ، حَتَّى أَتَى عَلَيهِ جَمِيعاً. الإِفَّكُ - الكَذِبُ. مَا يَأْفِكُونَ - مَا يَكْذِبُونَ وَيُمَوِّهُونَ. تَلْقَفُ - تَبْتَلِعُ وَتَلْتَقِمُ أَوْ تَتَنَاوَلُ بِسُرْعَةٍ.

الثعلبي

تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} تبتلع، ومَنْ قرأ تلقف ساكنة اللام خفيفة القاف فهو من لقف يلقف، ودليله قراءة سعيد بن جبير: تلقم من لقم يلقم. {مَا يَأْفِكُونَ} يُكذّبون، وقيل: يقلبون ويزوّرون على الناس فأكلت سحرهم كله فقالت السحرة: لو كان هذا سحراً لبقت حبالنا وعصينا. فذلك قوله: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ} أي ظهر. قال النضير بن شميل: فوقع الحق أي فزعهم وصدّعهم [كوقع الميقعة] {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من السحر {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ} وبطل ما كانوا يعملون {وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ} ذليلين ومقهورين. {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} لله حيث عرفوا أنّ ذلك أمر سماوي وليس سحراً، وقيل: ألهمهم الله ذلك، وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فقال فرعون: إياي تعنون فقالوا {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}. قال عطاء: فكان رئيس السحرة بأقصى مدائن مصر وكانا أخوين فلمّا جاءهما رسول فرعون قالا لأُمّهما [دلّينا] على قبر أبينا فدلتهما عليه فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما فقالا: إن الملك وجه إلينا رسولاً أن نقدم عليه، لأنّه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما [عزّ ومنعة] وقد ضاق الملك ذرعاً من عزّهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لهما [شيء] تبلغ الحديد والحجر والخشب. فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما فإنّ قدرتما أن تسلا العصا فسلاّها فإنّ الساحر لا يعمل سحره إذا نام، وإن عملت العصا وهما نائمان فذلك أمر ربّ العالمين، ولا طاقة لكما به ولا الملك ولا جميع أهل الدنيا، فأتاهما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا قاله مقاتل. قال موسى للساحر الأكبر: تؤمن بيّ إن غلبتك فقال لآتينَ بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأؤمنن بك وفرعون ينظر {قَالَ} لهم فرعون حين آمنوا {آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ} صنيع وخديعة {مَّكَرْتُمُوهُ} صنعتموه أنتم وموسى {فِي ٱلْمَدِينَةِ} في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع. {لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} بسحركم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما أفعل بكم. {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} وهو أن يقطع من شق طرفا قال سعيد بن جبير: أوّل مَنْ قطع من خلاف فرعون {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} على شاطئ نهر مصر {قَالُوۤاْ} يعني السحرة لفرعون {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} راجعون في الآخرة {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ} قرأ العامّة بكسر القاف. وقرأ الحسن وابن (المحيصن) بفتح القاف وهما لغتان نقَم ينقَم ونقم ينقِم. قال الشاعر: شعر : وما نقموا من بني أميّة إلا أنّهم يحلمون إن غضبوا تفسير : وقال الضحاك وغيره: يعني وما يطعن علينا. قال عطاء: ما لنا عندك من ذنب وما ارتكبنا منك مكروهاً تعذّبنا عليه {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا} ثمّ [فزعوا] إلى الله عز وجل فقالوا {رَبَّنَآ أَفْرِغْ} اصبب {عَلَيْنَا صَبْراً} أُصبب علينا الصبر عند القطع والصلب حتّى لا نرجع كفاراً {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} واقبضنا إليك على دين موسى، فكانوا أول النهار كفاراً سحرة وآخره شهداء بررة. {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ} أتدع {مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ} كي يفسدوا عليك ملكك عبيدك {فِي ٱلأَرْضِ} في أرض مصر {وَيَذَرَكَ} يعني وليذرك. وروى سليمان التيمي عن أنس بن مالك أنّه قرأ ويذرك بالرفع والنون، [أخبروا] عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حياً فيصرفهم عنّا. وقرأ الحسن (ويذرك) بالرفع على تقدير المبتدأ، أي وهو يذرك، {آلِهَتَكَ} فلا نعبدك ولا نعبدها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة يعبدها وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، ولذلك أخرج السامري لهم عجلاً. وروى عمرو عن الحسين قال: كان لفرعون حنانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد عليها كأنّه صنم كان عابده يحن إليه. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: كان فرعون يصنع لقومه أصناماً صغاراً ويأمرهم بعبادتها ويقول لهم: أنا رب هذه الأصنام، وذلك قوله {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]. قال أبو عبيد: وبلغني عن الحسن أنه قيل له: هل كان فرعون يعبد شيئاً؟ قال: نعم كان يعبد تيساً. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وبكر بن عبد الله [الشعبي] والضحاك وابن أبي إسحاق: إلهتك بكسر الألف أي [إلهك] فلا يعبدك كما تعبد. قالوا: لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد. وقيل أراد بالآلهة الشمس وكانوا يعبدونها. قال [عيينة] بن [شهاب]: شعر : تروحنا من الأعيان عصراً فأمحلنا الآلهة أن تؤوبا تفسير : بمعنى الشمس {قَالَ} يعني فرعون سنقتل أبنائهم بالتشديد على التكثير. وقرأ أهل الحجاز بالتخفيف {وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} غالبون. قال ابن عباس: كان فرعون يقتل بني إسرائيل في العام الذي قيل له إنّه يولد مولود يذهب بملكك فلم يزل يقتلهم حتّى أتاهم موسى (عليه السلام) بالرسالة فلما كان من أمر موسى ما كان أمر بإعادة عليهم القتل فشكت بنو إسرائيل إلى موسى (عليه السلام) فعند ذلك {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ} يعني أرض مصر {يُورِثُهَا} يُعطيها {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} وقرأ الحسن يورثها بالتشديد والاختيار والتخفيف لقوله تعالى وأورثنا الأرض {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} يعني النصر والظفر، وقيل: السعادة والشهادة، وقيل: الجنّة. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة اتّبع موسى ست مائة ألف من بني إسرائيل {قَالُوۤاْ} يعني قوم موسى {أُوذِينَا} بقتل الأبناء واستخدام النساء والتسخير. {مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا} بالرسالة {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} بالرسالة وإعادة القتل والتعذيب وأخذ الأموال والأتعاب في العمل. قال وهب: كانوا أصنافاً في أعمال فرعون فأما ذوو القوة منهم فيسلخون السوابي من الجبال وقد [.......] أعناقهم وعواتقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطع ذلك وقتله. وطائفة أُخرى قد [قرحوا] من ثقل الحجارة وسير [الليل] له، وطائفة يلبنون اللبن ويطنبون الأجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفاء بينهم عليهم الخراج ضريبة يودون كانت ضربت عليه الشمس، قيل: وإن يردى ضريبته غلت يده إلى عنقه شهراً، وأما النساء فيقرن اختان وينسجنه فقال موسى (عليه السلام) لهم {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} فرعون {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} ويسكنكم مصر من بعدهم بالتسخير والاستعباد وهم بنو إسرائيل {مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} يعني مصر والشام {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} بالماء والأشجار والثمار وإنما ذكر بلفظ [.....].

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولماذا احتاجت هذه المسألة إلى وحي جديد خصوصاً أنه قد سبق أن تم تدريب موسى على إلقاء العصا؟. ونقول: فيه فرق بين التعليم للإعداد لما يكون، والتنفيذ ساعة يكون، فساعة يأتي أمر التنفيذ يجيء الحق بأمر جديد، فربما يكون قد دخل على بشرية موسى شيء من السحر العظيم، والاسترهاب، هذا ونعلم أن قصة موسى عليه السلام فيها عجائب كثيرة. فقد كان فرعون يقتل الذكران، ويستحي النساء، وأراد ربنا ألا يُقتل موسى فقال سبحانه: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ...} تفسير : [القصص: 7] وقوله سبحانه: {أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} يدل على أن العملية المخوفة لم تأت بعد، بل ستأتي لاحقّاً. وهات أيَّة امرأة وقل لها: إن كنت خائفة على ابنك من أمر ما فارميه في البحر. من المؤكد أنها لن تصدقك، بل ستسخر منك؛ لأنها ستتساءل: كيف أنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟. وهذا هو الأمر الطبيعي، لكن نحن هنا أمام وارد من الله إلى خلق الله، ووارد الله لا يصادمه شك. إذن فالخاطر والإِلهام إذا جاء من الله لا يزاحمهما شيء قط. ولا يطلب الإِنسان عليه دليلاً لأن نفسه قد اطمأنت إليه؛ لذلك ألقت أم موسى برضيعها في البحر. ويقدّر الله أنها أم فيقول: {أية : وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ...} تفسير : [القصص: 7] ولن يرده إليها فقط، بل سيوكل إليه أمراً جللاً. {أية : ...وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7] وكأن الحق سبحانه يوضح لأم موسى أن ابنها لن يعيش من أجلها فقط، بل إن له مهمة أخرى في الحياة فسيكون رسولاً من الله. فإذا لم تكن السماء ستحافظ عليه لأجل خاطر الأم وعواطفها، فإن السماء ستحفظه لأن له مهمة أساسية {وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. ونلحظ أن الحق هنا لم يأت بسيرة التابوت لكنه في آية ثانية يقول: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} تفسير : [طه: 38-39] ولم يقل في هذه الآية: {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي}؛ لأنه أوضح لها ما سوف يحدث من إلقاء اليم له بالساحل. وقوله في الأولى: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ}. هو إعداد للحدث قبل أن يجيء، وفي هذه الآية: {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ...} إلخ تجد اللقطات سريعة متتابعة لتعبر عن التصرف لحظة الخطر. لكن في الآية الأولى: {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} نجد البطء والهدوء والرتابة؛ لأنها تحكي عن الإِعداد. لما يكون. إذن فالحق سبحانه وتعالى يعطي كل جنس قانوناً، وكل قانون يجب أن يُحترم في نطاقه، لأن تكافؤ الفرص بين الأجناس هو الذي يريده الله. وحينما أراد سبحانه وتعالى أن يبين لنا هذه المسألة أوضح أن على المؤمن أن ينظر إلى المعطيات من وراء التكاليف، وفي آية الدّيْن - على سبيل المثال - نجد الحق يوصي المقترض "المدين"- وهو الضعيف - أن يكتب الدَّيْن، ويعطي بذلك إقراراً للدائن وهو القوي القادر فيقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ...} تفسير : [البقرة: 282] والمسألة هنا في ظاهر الأمر أنه يحمي الدائن ونقوده، لكن علينا أن ننتبه إلى أنه يحمي المدين من نفسه؛ لأن الدَّيْن إن لم يكن موثقاً فالمدين لن يبذل الجهد الكافي للسداد، وباجتهاد المدين نفيد الوجود بطاقة فاعلة. ولكن إن لم نوثق الدَّيْن، وتكاسل المدين عن العمل والسداد فقد تشيع الفوضى في المجتمع ويرفض كل إنسان أن يقرض أحداً ما يحتاج إليه. وبذلك تفسد الأمور الاقتصادية. إذن فسبحانه حين يأمر بتوثيق الدَّيْن، وإن كان في ظاهر الأمر حماية للدائن. لكنّه في باطن الأمر يحمي سبحانه المدين، لأن هناك فرقاً بين ساعة التحمل للحكم، وساعة أداء الحكم. مثال ذلك حين يأتيك إنسان قائلاً: أنا عندي ألف جنيه وخائف أن يضيع مني فخذه أمانة عندك إلى أن أحتاج إليه، وبذلك يكون هذا الإِنسان قد استودعك أمانة ولا يوجد إيصال أو شهود، والأمر مردود إلى أمانة المودَع عنده إن شاء أنكر، وإن شاء أقر. ونجد من يقول لهذا الإِنسان: هات ما عندك. يقول ذلك وفي ذمته ونيته أن صاحب الألف جنيه حين يأتي ليطلبه يعطيه له، إنه يَعِدُ ذلك ساعة التحمل، لكنه لا يضمن نفسه ساعة الأداء، فقد تأتي له ظروف صعبة ساعة الأداء فيتعلل بالحجج ليبعد صاحب المال عنه. إذن هناك فرق بين حالة واستعداد حامل الأمانة ساعة الأداء لهذه الأمانة. والمؤمن الحق هو من يتذكر ساعة التحمل والأداء معاً، إنّ بعض الناس يرفض الأمانة ليزيل عن نفسه عبء الأداء. والذي يتعلم شيئاً يناقض ناموس وجوده كتعلم السحر نقول له: احذر أن تُبتلى وتُفتن، بل ابتعد واحفظ نفسك ولا تستعمل ذلك، واحذر أن تقول أنا سأستعمل ما تعلمته من سحر في الخير، ومن يأتي لي وهو في أزمة سوف أحلها له بالسحر. ونقول: لهذا الإِنسان: أنت تتكلم عن وقت التحمل، ولكنك لا تتكلم عن وقت الأداء. ويقول الحق سبحانه: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117] والإِفك هو قلب الشيء على وجهه، ومنه الكذب. وعلمنا من قبل أن كل شيء له نسبة كلامية وله نسبة واقعية، فإذا قلت مثلاً "محمد مجتهد" فهذه نسبة كلامية، لكن أيوجد واحد في الواقع اسمه محمد وموثوق في اجتهاده؟. إن كان الأمر كذلك فقد وافقت النسبة الكلامية النسبة الواقعية، ويكون الكلام هو الصدق، أما الكذب فهو أن تقول "محمد مجتهد" ولا يوجد إنسان اسمه محمد، وإن كان موجوداً فهو غير مجتهد، ويكون الكلام كذباً لأن النسبة الكلامية خالفت النسبة الواقعية، وحين يكذب أحد فهو يقلب المسألة ونسمى ذلك كذباً، وشدة الكذب تسمى إفكاً. أو الكذب ألا يكون هناك تطابق، وإن لم تكن تعلم، والإِفك أن تتعمد الكذب، وهذا أيضاً افتراء. {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَإِذَا} وهي تعبر عن الفجائية حيث ابتلعت عصا موسى - بعد أن صارت حية - ما أتى السحرة وجاءوا به من الكذب والإِفك وسحروا به أعين الناس. ويقول سبحانه بعد ذلك: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {تَلْقَفُ} معناهُ تَلْتَقِمُ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما جاءوا بسحرهم العظيم {أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها فصارت ثعباناً عظيماً {فَإِذَا هِيَ} أخذت {تَلْقَفُ} تبتلع وتلتقم {مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117] أي: ما يزورونه ويلبسونه سحراً وشعبذة. وبالجملة: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ} وتحقق الإعجاز {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 118] من السحر والشعبذة في مقابلته. {فَغُلِبُواْ} أي: فرعون وملؤه {هُنَالِكَ} في المجمع {وَٱنقَلَبُواْ} أي: رجعوا منه {صَاغِرِينَ} [الأعراف: 119] ذليلين محزونين بعدما خرجوا متكبرين مستغلبين. {وَ} بعدما شاهد السحرة من أمر موسى ما شاهدوا، وانكشفوا بحقيته وصدقه بحذب رقيق من جانب الحق، وإلهام تام منه سبحانه {أُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الأعراف: 120] متذللين، واضعين جباههم على تراب المذلة. وحين سجدوا {قَالُوۤاْ} عن ظهر قلوبهم وكمال قبولهم: {آمَنَّا} آيقنا وتحققنا {بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 121]. {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} [الأعراف: 122] أي: الذي ادَّعى الرسالة منه، ودعوا الناس إلى الإيمان به والإطاعة له والتوجه نحوه. ثم لما رأى فرعون سجود السحرة وسمع إيمانهم {قَالَ فِرْعَوْنُ} مغاضباً بهم مستفهماً على سبي الإنكار والتهديد: {آمَنتُمْ بِهِ} أي: برب موسى وهارون {قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} أي: قبل أن تشاوروا معي وتعترفوا عندي بغلبتهما عليكم، وقبل أن تستأذنوا مني بالإيمان، فظهر من صنعيكم هذا {إِنَّ هَـٰذَا} أي: أمر موسى وهارون وادعاؤهما النبوة والرسالة {لَمَكْرٌ} حيلة وخديعة {مَّكَرْتُمُوهُ} أنتم وموسى {فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي: مصر {لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} يعني القبط، وتستولوا أنتم وبنو إسرائيل على ملك مصر بهذه الخديعة {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 123] عاقبة أمركم وخداعكم. {لأُقَطِّعَنَّ} اليوم أولاً على رءوس الأشهاد {أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} متبادلتين {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 124] زماناً كما يصل البغاة الذين خرجوا على أولي الأمر والإطاعة. وبعدما سمع السحرة تهديده {قَالُوۤاْ} حين كوشفوا بمآل الأمر وشوهدوا بحقيقة الحال، مستطيبين مستنشطين فرحين: {إِنَّآ} بعد خلاصنا من ربقة ناسوتنا وسلسلة إمكاننا {إِلَىٰ رَبِّنَا} حسب حصة لاهوتنا وحظ وجوبنا {مُنقَلِبُونَ} [الأعراف: 125] صائرون، راجعون رجوع الظل إلى ذي الظل.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117] فيه إشارة إلى أن عصى الذكر كلمة قوله: "لا إله إلا الله" إذا ألقيت عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع إلا بنعم "لا" النفي جميع ما سحروا به أعين الناس، {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ} [الأعراف: 118] بإثبات إلا الله. {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 118] من تزيين زخارف الدنيا في العيون، {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ} [الأعراف: 119] سحرة صفات النفس بنور الذكر، {وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ} [الأعراف: 119] ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه. {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الأعراف: 120]؛ أي صارت صفات النفس بعد التمرد ومنقادة للعبودية، {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 121]، {رَبِّ مُوسَىٰ} [الأعراف: 122] الروح، {وَهَارُونَ} [الأعراف: 122] القلب. واعلم أن صفات النفس إذا تنورت بنور الذكر يبدل كفرها بالإيمان، ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل، اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية؛ كفعل فرعون وإيمانه عند الغرق إذ قال: {أية : آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [يونس: 90]. ثم أخبر عن كفر فرعون النفس بعد إيمان سحرة صفاتها بقوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} [الأعراف: 123] إلى قوله: {أية : فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف: 129] الإشارة فيها أن من صنائع حكمة الله وبدائع قدرته أن يظهر العدو في صورة الولي، كما كان بمقام وبرز الولي في كسوة العدو، كما كان حال السحرة أصبحوا في ذي الأعداد كفاراً سحرة، وأمسوا في زينة الأولياء شهداء بررة، وفيما قال فرعون لهم لمَّا آمنوا بموسى عليه السلام: {آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} [الأعراف: 123]. {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 123] الإشارة إلى أن: فرعون قد ظن أن الإيمان يكون موقوفاً على إذنه، ولم يعلم من كمال جهله أن الإيمان موقوف بإذن الله ونظر رحمته، فخاطبهم على أنهم الذين كانوا فيما علم أنهم كانوا ثم يأتوا، وأن تلك الأسرار جرت عن رق الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن دنس الشبهة والأشكال، وأن شموس العرفان قد طلعت من أفق العناية واستوت في سماء الهداية، فأشهدوا الحق بنظر البقاء، وشهدوا الخلق بنظر الفناء لم يكن لتخويفات النفس فيهم سلطان ولا لشيء من العلل فيهم برهان لتقول لهم، {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [الأعراف: 124] لمَّا تحقق لهم أن مصيرهم إلى الله سهل عليهم ما لقوا في مسيرتهم إلى الله، {قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} [الأعراف: 125] ولمَّا علما الله وأوذوا في الله قالوا: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا} [الأعراف: 126] فصدقوا القصد إلى الله، وطلبوا الصبر على البلاء من الله تعالى بقولهم: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} [الأعراف: 126] على المقامات في الدين. {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 126] وقلوبنا تطمئن بالإيمان واليقين، وفي القضية إلى أن فرعون النفس أيضاً منكر على إيمان شجرة صفاتها ويقول: {آمَنتُمْ بِهِ} أي: بموسى الروح {قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} يعني: بالإيمان إن هذا المكر مكرتموه يا سحرة الصفات في موافقة الروح في مدينة القالب والبدن؛ لتخرجوا منها أهلها وهم: اللذات والشهوات البدنية الجسمانية، فإن صفات النفس إذا آمنت ووافقت الروح وصفاته خرجت من البدن لذات الدنيا وشهواتها؛ فسوف تعلمون حيلي ومكائدي في إبطالكم واستيفاء اللذات والشهوات {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة، {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 124] في جذوع تعلقات الدنيا وزخارفها. {قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} لا إلى الدنيا وما فيها، {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا}؛ يعني: انتقامك منا إنما يكون بسبب إيماننا بآيات ربنا لما جاءتنا، بعد أن جاءنا من ألطاف الحق ما جاءنا، فلا ينفعك الانتقام منا مع الألطاف ولا يضرنا، فإننا نتقلب إلى ربنا ونقول: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} على قطع تعلقات الدنيا، فنترك لذاتها وشهواتها، {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} لعبوديتك وأحكامك الأزلية.

همام الصنعاني

تفسير : 925- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}: [الآية: 117]، فألقى عصاه فتحولت حية فأكَلَتْ سحرهم كله.