٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
127
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض فرعون لموسى ولا أخذه ولا حبسه، بل خلى سبيله فقال قومه له: {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ }. واعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف، فلهذا السبب لم يتعرض له إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك، فحملوه على أخذه وحبسه. وقوله: {لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أي يفسدوا على الناس دينهم الذي كانوا عليه، وإذا أفسدوا عليهم أديانهم توسلوا بذلك إلى أخذ الملك. أما قوله: {وَيَذَرَكَ } فالقراءة المشهورة فيه {وَيَذَرَكَ } بالنصب. وذكر صاحب «الكشاف»: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قوله: {وَيَذَرَكَ } عطفاً على قوله: {لِيُفْسِدُواْ } لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم، كان ذلك مؤدياً إلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك. وثانيها: أنه جواب للاستفهام بالواو، وكما يجاب بالفاء مثل قول الحطيئة:شعر : ألم أكُ جارَكم ويكون بيني وبينكم المودة والآخاءُ؟ تفسير : والتقدير: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض فيذرك وآلهتك. قال الزجاج: والمعنى أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى؟ وثالثها: النصب بإضمار أن تقديره: أتذر موسى وقومه ليفسدوا وأن يذرك وآلهتك؟ قال صاحب «الكشاف»: وقرىء {وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ} بالرفع عطفاً على {أَتَذَرُ} بمعنى أتذره ويذرك؟ أي انطلق له، وذلك يكون مستأنفاً أو حالاً على معنى أتذره هو يذرك وإلهتك؟ وقرأ الحسن {وَيَذَرَكَ} بالجزم، وقرأ أنس {ونذرك} بالنون والنصب، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها. وأما قوله: {وَءالِهَتَكَ} قال أبو بكر الأنباري: كان ابن عمر ينكر قراءة العامة، ويقرأ إلاهتك أي عبادتك، ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد، قال ابن عباس: أما قراءة العامة {وَءالِهَتَكَ} فالمراد جمع إله، وعلى هذا التقدير: فقد اختلفوا فيه. فقيل إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً، وأمرهم بعبادتها. وقال: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلاْعْلَىٰ } ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلاْعْلَىٰ } وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام. وأقول: الذي يخطر ببالي إن فرعون إن قلنا: إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالقاً للسموات والأرض، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده معلوم بضرورة العقل. بل الأقرب أن يقال إنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع، وكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأما المجدي في هذا العلم للخلق، ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه، فقوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلاْعْلَىٰ } أي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم. وقوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنَ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } تفسير : [القصص: 38] أي لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلا أنا، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب وعلى هذا التقدير: فلا امتناع في حمل قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ } على ظاهره، فهذا ما عندي في هذا الباب، والله أعلم. واعلم أن على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم أرادوا بذكر هذا الكلام حمل فرعون على أخذ موسى عليه السلام، وحبسه، وإنزال أنواع العذاب به، فعند هذا لم يذكر فرعون ما هو حقيقة الحال وهو كونه خائفاً من موسى عليه السلام. ولكنه قال: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير {سَنُقَتِّلُ} بفتح النون والتخفيف، والباقون بضم النون والتشديد على التكثير. يعني أبناء بني إسرائيل ومن آمن بموسى عليه السلام. المسألة الثانية: أن موسى عليه السلام إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته، وذلك بأن نقتل أبناء بني إسرائيل ونستحيي نساءهم. ثم بين أنه قادر على ذلك بقوله:{وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ } والمقصود منه ترك موسى وقومه، لا من عجز وخوف، ولو أراد به البطش لقدر عليه، كأنه يوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه ولعدم خوفه منه. واختلف المفسرون، فمنهم من قال: كان يفعل ذلك كما فعله ابتداء عند ولادة موسى، ومنهم من قال بل منع منه واتفق المفسرون على أن هذا التهديد وقع في غير الزمان الأول ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: {ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ } وهذا يدل على أن الذي قاله الملأ لفرعون، والذي قال فرعون لهم قد عرفه موسى عليه السلام ووصل إليه، فعند ذلك فال لقومه {ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ ُمِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } فههنا أمرهم بشيئين وبشرهم بشيئين. أما الذان أمر موسى عليه السلام بهما؛ فالأول: الاستعانة بالله تعالى. والثاني: الصبر على بلاء الله. وإنما أمرهم أولاً بالاستعانة بالله وذلك لأن من عرف أنه لا مدبر في العالم إلا الله تعالى انشرح صدره بنور معرفة الله تعالى وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء، ولأنه يرى عند نزول البلاء أنه إنما حصل بقضاء الله تعالى وتقديره. واستعداده بمشاهدة قضاء الله، خفف عليه أنواع البلاء، وأما الذان بشر بهما؛ فالأول: قوله: {إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } وهذا إطماع من موسى عليه السلام قومه في أن يورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه، وذلك معنى الإرث، وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف. والثاني: قوله: {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } فقيل: المراد أمر الآخرة فقط، وقيل: المراد أمر الدنيا فقط وهو: الفتح، والظفر، والنصر على الأعداء، وقيل المراد مجموع الأمرين، وقوله: {لّلْمُتَّقِينَ } إشارة إلى أن كل من اتقى الله تعالى وخافه فالله يعينه في الدنيا والآخرة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشَّمل. {وَيَذَرَكَ} بنصب الراء جواب الاستفهام، والواو نائبة عن الفاء. {وَآلِهَتَكَ} قال الحسن: كان فرعون يعبد الإصنام، فكان يَعْبُد ويُعْبَد. قال سليمان التيِميُّ: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر. قال التيِميّ: فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئاً؟ قال نعم، إنه كان يعبد شيئاً كان قد جعله في عنقه. وقيل: معنىٰ «وآلهتك» أي وطاعتك، كما قيل في قوله تعالىٰ: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 31] إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم؛ فصار تمثيلاً. وقرأ نُعيم بن ميسرة «وَيَذَرُكَ» بالرفع على تقدير وهو يَذرُكَ. وقرأ الأشهب العقيليّ «وَيَذرْك» مجزوماً مخفف يذرُك لثقل الضمة. وقرأ أنس ابن مالك «ونذرُك» بالرفع والنون. أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسىٰ حيَّاً. وقرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحّاك «وإلاَهتك» ومعناه وعبادتك. وعلى هذه القراءة كان يُعْبَد ولا يَعْبُد، أي ويترك عبادته لك. قال أبو بكر الأنباريّ: فَمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24] و{أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38] نفىٰ أن يكون له رب وإلاهة. فقيل له: ويذرك وإلاهتك؛ بمعنىٰ ويتركك وعبادة الناس لك. وقراءة العامة «وَآلهِتَكَ» كما تقدّم وهي مبنية على أن فرعون ٱدّعىٰ الرُّبُوبيّة في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مَرْبُوب. ودليل هذا قولُه عند حضور الحمام {أية : آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [يونس: 90] فلم يقبل هذا القول منه لما أتىٰ به بعد إغلاق باب التوبة. وكان قبل هذه الحال له إله يعبده سراً دون رب العالمين جل وعز؛ قاله الحسن وغيره. وفي حرف أبَيّ «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك». وقيل: والإهتك» قيل: كان يعبد بقرة، وكان إذا ٱستحسن بقرة أمر بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب هذه. ولهذا قال: {أية : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً} تفسير : [طۤه: 18]. ذكره ابن عباس والسُّدِّي. قال الزجاج: كان له أصنام صغار يعبدها قومُه تقرباً إليه فنُسبت إليه؛ ولهذا قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ». قال إسماعيل بن إسحاق: قول فرعون: «أنا ربُّكُم الأعلىٰ». يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئاً غيره. وقد قيل: إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها. وقيل: أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها. قال الشاعر:شعر : وأعْجَلْنَا الإلاهـة أن تَؤُبَـا تفسير : ثم آنس قومه فقال: «سَنَقْتُلُ أبْنَاءَهُمْ» بالتخفيف، قراءة نافع وابن كثير. والباقون بالتشديد على التكثير. {وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ} أي لا تخافوا جانبهم. {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} آنسهم بهذا الكلام. ولم يقل سنقتل موسىٰ لعلمه أنه لا يقدر عليه. وعن سعيد بن جُبير قال: كان فرعون قد مُلىء من موسىٰ رُعْباً؛ فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار. ولما بلغ قوم موسىٰ من فرعون هذا قال لهم موسىٰ: {ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ} أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر. {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي الجنة لمن ٱتقىٰ وعاقبة كل شيء. آخره. ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة لفلان فُهِم منه في العُرْف الخير.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالفتك. {وَيَذَرَكَ} عطف على يفسدوا، أو جواب الاستفهام بالواو كقول الحطيئة:شعر : أَلَمْ أَكُ جَارَكُم وَيَكُونُ بَيْني وَبَيْنَكُمْ المَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ تفسير : على معنى أيكون منك ترك موسى ويكون منه تركه إياك. وقرىء بالرفع على أنه عطف على أتذر أو استئناف أو حال. وقرىء بالسكون كأنه قيل: يفسدوا ويذرك كقوله تعالى: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} {وَءالِهَتَكَ} معبوداتك قيل كان يعبد الكواكب. وقيل صنع لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه ولذلك قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [النازعات: 24] وقرىء «إلا هتك» أي عبادتك. {قَالَ} فرعون {سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـى نِسَاءهُمْ} كما كنا نفعل من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده. وقرأ ابن كثير ونافع "سنقتل" بالتخفيف. {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ} غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أضمروه لموسى عليه السلام وقومه من الأذى والبغضة: أي: لفرعون: {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ} أي: أتدعهم ليفسدوا في الأرض، أي: يفسدوا أهل رعيتك، ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك؟ يا لله العجب صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون، ولكن لا يشعرون، ولهذا قالوا: {وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ} قال بعضهم: الواو هاهنا حالية، أي: أتذره وقومه يفسدون في الأرض، وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب، وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك، حكاه ابن جرير، وقال آخرون: هي عاطفة، أي: أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك؟ وقرأ بعضهم: إلاهتك، أي: عبادتك. وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره. وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر، وقال في رواية أخرى: كان له جُمانة في عنقه معلقة يسجد لها. وقال السدي في قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ} وآلهته - فيما زعم ابن عباس - كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء، أمرهم فرعون أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم السامري عجلاً جسداً. فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكل بهم قبل ولادة موسى عليه السلام؛ حذراً من وجوده، فكان خلاف ما رامه، وضد ما قصده فرعون. وهكذا عومل في صنيعه أيضاً لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد: أعزهم الله وأذله، وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده. ولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل، {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ} ووعدهم بالعاقبة، وأن الدار ستصير لهم في قوله: {إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} أي: قد فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى، ومن بعد ذلك، فقال منبهاً لهم على حالهم الحاضر، وما يصيرون إليه في ثاني الحال: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} الآية، وهذا تخضيض لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ } له {أَتَذَرُ } تترك {مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } بالدعاء إلى مخالفتك {وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ } وكان صنع لهم أصناماً صغاراً يعبدونها وقال: أنا ربكم وربها، ولذا قال: { أية : أنا ربكم الأعلى }تفسير : [23:79] {قَالَ سَنُقَتِّلُ } بالتشديد والتخفيف {أَبْنَآءَهُمْ } المولودين {وَنَسْتَحْيِى } نستبقي {نِسَآءَهُمْ } كفعلنا بهم من قبل {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ } قادرون ففعلوا بهم ذلك فشكا بنو إسرائيل.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمَلأُ} الأشراف، أو الرؤساء، أو الرهط، والنفر: "الرجال الذين لا نساء معهم"، والرهط أقوى من النفر وأكبر، والملأ: المليئون بما يراد منهم، أو تملأ النفوس هيبتهم، أو يملؤون صدور المجالس، وإنما أنكروا على فرعون، لأنهم رأوا منه خلاف عادة الملوك في السطوة بمن أظهر مخالفتهم، وكان ذلك لطفاً من الله ـ تعالى ـ بموسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ. {لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} بعبادة غيرك، أو بالغلبة عليها وأخذ قومه منها. {وَءَالِهَتَكَ} كان يعبد الأصنام وقومه يعبدونه، أو كان يعبد ما يستحسن من البقر ولذلك أخرج السامري العجل وكان معبوداً في قومه، أو أصنام كان يعبدها قومه تقرباً إليه، قاله الزجاج، قرأ ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {وءَالهتَك} أي وعبادتك وقال: كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبُد. {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ} عدل عن قتل موسى إلى قتلهم، لأنه علم أنه لا يقدر على قتل موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ إما لقوته، أو لأنه مصروف عن قتله فأراد استئصال بني إسرائيل ليضعف عنه موسى. {وَنَسْتَحْي نِسَآءَهُمْ} نفتش حياءهن عن الولد، والحياء: الفرج، والأظهر أنه نبقهن أحياء لضعفهن عن المنازعة والمحاربة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سنقتل} بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع {يورّثها} بالتشديد: الخزاز عن هبيرة {كلمات ربك} على الجمع: يزيد في رواية {يعرشون} بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر {يعكفون} بكسر الكاف: حمزة وخلف. الباقون: بالضم {أنجاكم} ابن عامر. الآخرون {أنجيناكم} على الحكاية {يقتلون} بالتخفيف: نافع. الوقوف: {وآلهتك} ط {نساءهم} ج للابتداء والعطف واتحاد القائل {قاهرون} ه و{اصبروا} ج لما قلنا {من عباده} ط {للمتقين} ه {ما جئتنا} ط {تعلمون} ه {يذكرون} ه {لنا هذه} ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض {ومن معه} ج {لا يعلمون} ه {بها مؤمنين} ه {مجرمين} ه {بما عهد عندك} ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل {بني إسرائيل} ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه {ينكثون} ه {غافلين} ه {باركنا فيها} ط للعدول عن الحكاية وكذلك {بما صبروا} ط لعكسه. {يعرشون} ه {يعكفون} ه {أصنام لهم} ج لاتحاد القائل بلا عطف {آلهة} ط {تجهلون} ه {يعملون} ه {العالمين} ه {سوء العذاب} ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً {نساءكم} ط {عظيم} ه والله أعلم. التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا {أنذر موسى} أتتركه {وقومه ليفسدوا في الأرض} أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك. وقوله {ويذرك} عطف على {ليفسدوا}، وقوله {وآلهتك} مفعول معه. والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك. قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى. وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي. وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع. ثم إن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم} فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته {وإنا فوقهم قاهرون} أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده {قال موسى} لما وصله ما جرى بين فرعون وملته {لقومه استعينوا بالله واصبروا} ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله تعالى انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال {إن الأرض} يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية {لله يورثها من يشاء من عباده} ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف {والعاقبة للمتقين} والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط. وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة. ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله {سنقتل} إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن. فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض} أرض مصر ولا ريب أن في {عسى} طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف. ثم قال {فينظر كيف تعملون} قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به. عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة. وعلى مائدته رغيف أو رغيفان. فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية. ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي {فينظر كيف تعملون}. و {وكيف} نصب بـ {تعملون} لا بـ {ينظر} لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه. ثم حكى سبحانه ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} أي بسني القحط. فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام. قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: شعر : دعاني من نجد فإن سنينه لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً. تفسير : والسنون من الجموع المصححة الشاذة. عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي {ونقص من الثمرات} لأهل الأمصار. وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها {لعلهم يذكرون} فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقياد والطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب. قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية. قال القاضي: في الآية دلالة على أنه تعالى أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر. وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} فلهذا حكى عن فرعون وقومه {فإذا جاءتهم الحسنة} قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة {قالوا لنا هذه} أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته {وإن تصبهم سيئة} أضداد ما ذكرنا {يطيروا} يتشاءموا بموسى ومن معه. وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ {إذا} ونكرت السيئة وقرنت بـ {أن} لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟ {ألا إنما طائرهم عند الله} قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة. وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير. قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني. ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه. وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم {مهما تأتنا به} الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء. وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به. ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به. {ومن آية} بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى. وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم {لتسحرنا بها} وبقولهم {فما نحن لك بمؤمنين} قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان. قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض. وقيل: هو الموتان. وقيل: الطاعون. والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك. فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر. وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا. فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان. وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. وقيل: البراغيث. وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف. وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً. وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً. فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي. فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً. وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً. وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم. وقوله {آيات مفصلات} نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات. ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى {واستكبروا} عن العبادة والطاعة {وكانوا قوماً مجرمين} مصرين على الذنب والجرم. ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال {ولما وقع عليهم الرجز} أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب. وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي بعهده عندك وهو النبوة فـ {ما} مصدرية والباء يتعلق بـ {ادع} تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك. أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة. ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ {لنؤمنن} فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت {فلما كشفنا عنهم} العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل {إلى أجل هم بالغوه} لا محالة ومعذبون فيه {إذا هم ينكثون} جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب {فأغرقناهم في اليم} وهو البحر الذي لا يدرك قعره. وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه {بأنهم كذبوا بآياتنا} أي كان إغراقهم بسبب التكذيب {و} بأنهم {كانوا عنها} أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها {غافلين} أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها. ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة {مشارق الأرض ومغاربها} يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون. وقوله {التي باركنا فيها} أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام. وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان {وتمت كلمة ربك الحسنى} تأنيث الأحسن صفة للكلمة. قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص{أية : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة}تفسير : [القصص: 5] إلى تمام الآيتين. ومعى {تمت} مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه. وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً {بما صبروا} أي بسبب صبرهم. وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج {ودمرنا} أي أهلكنا والدمار والهلاك {ما كان يصنع فرعون وقومه} قال ابن عباس: يريد المصانع. وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور. ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله{أية : هو الذي أنشأ جنات معروشات}تفسير : [الأنعام: 141] وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط. ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله {فأتوا على قوم} أي فمروا بقوم {يعكفون} يواظبون {على} عبادة {أصنام لهم} قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل. وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم {قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة. وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله تعالى كقول الكفرة {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} تفسير : [الزمر: 3] فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا {قال} لهم موسى {إنكم قوم تجهلون} تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد. وعن علي رضي الله عنه أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه. ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم {إن هؤلاء} يعني عبدة تلك التماثيل {متبر} أي مكسر مهلك {ما هم فيه} من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك. {وباطل ما كانوا يعملون} أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال. وفي إيقاع {هؤلاء} اسماً لـ {أن} وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة. {قال أغير الله أبغيكم إلهاً} انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله. وانتصب {إلهاً} على المفعول به. قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال تعالى {أية : يبغونكم الفتنة} تفسير : [التوبة: 47] والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً {وهو فضلكم على العالمين} خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم. ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام. والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم. وإنما قيل ههنا {تقتلون} دون {يذبحون} لتناسب قوله {سنقتل أبناءهم} والله أعلم. التأويل: {وقال الملأ من قوم فرعون} من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس {أتذر موسى} الروح {وقومه} من القلب والسر والعقل {ليفسدوا} في أرض البشرية {ويذرك وآلهتك} من الدنيا والشيطان والطبع {قال} فرعون النفس {سنقتل أبناءهم} يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب {ونستحيي نساءهم} أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال {وأنا فوقهم قاهرون} بالمكر والخديعة والحيلة {قال موسى} الروح {لقومه} هم القلب والعقل والسر {استعينوا بالله واصبروا} على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق {إن الأرض لله} أي أرض البشرية {يورثها من يشاء من عباده} يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها {والعاقبة للمتقين} يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها. {أوذينا من قبل أن تأتينا} بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها {ن بعد ما جئتنا} بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية {عسى ربكم أن يهلك عدوّكم} النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية {إذا جاءتهم الحسنة} الكفور لا يرى فضل المنعم. شعر : وكذا الملول إذا أراد قطيعة مل الوصال وقال كان وكانا. تفسير : {ولكن أكثرهم لا يعلمون} لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة {فأرسلنا عليهم الطوفان} العلم الكثير {والجراد} الواردات {والقمل} الإلهامات {والضفادع} الخواطر {والدم} أصناف المجاهدات والرياضيات {مفصلات} وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين {فاستكبروا} عن قبولها والعمل بها {وكانوا قوماً مجرمين} في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب {ولما وقع عليهم الرجز} وهو عذاب القطيعة {فأغرقناهم} في يم الدنيا وشهواتها {وما كانوا يعرشون} أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم. يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته {وجاوزنا} بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح. {يعكفون على أصنام لهم} من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح {قال لهم موسى} الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات {إنكم قوم تجهلون} يعني صفات الروح {متبر ما هم فيه } من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة {وباطل ما كانوا يعملون} في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة {وهو فضلكم على العالمين} من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس . أنه كان يقرأ {ويذرك وآلهتك} قال: عبادتك، وقال: إنما فرعون يُعبد ولا يَعبد . وأخرج ابن الأنباري عن الضحاك. مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس "ويذرك وآلهتك" قال: يترك عبادتك . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد {ويذرك وآلهتك} قال: وعبادتك . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك. أنه قال: كيف تقرأون هذه الآية {ويذرك} قالوا: ويذرك وآلهتك. فقال الضحاك: إنما هي آلهتك أي عبادتك، ألا ترى أنه يقول أنا ربكم الأعلى؟ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله {ويذرك وآلهتك} قال: قال ابن عباس ليس يعنون الأصنام، إنما يعنون بآلهتك تعظيمك . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {ويذرك وآلهتك} قال: ليس يعنون به الأصنام إنما يعنون تعظيمه . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سليمان التيمي قال: قرأت على بكر بن عبد الله {ويذرك وآلهتك} قال بكر: أتعرف هذا في العربيه؟ فقلت: نعم. فجاء الحسن فاستقرأني بكر، فقرأتها كذلك فقال الحسن {ويذرك وآلهتك} فقلت للحسن: أو كان يعبد شيا؟ قال: أي والله ان كان ليعبد. قال سليمان التيمي: بلغني أنه كان يحمل في عنقه شيئاً يعبده قال: وبلغني أيضاً عن ابن عباس أنه كان يعبد البقر . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ويذرك وآلهتك} قال: كان فرعون له آلهة يعبدها سراً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بن إسرائيل .
القشيري
تفسير : لما استزادوا من فرعون في التمكين من موسى وقومه استنكف أن يقر بعجزه، ويعترف بقصور قدرته، فتوعد موسى وقومَه بما عكس الله عليه تدبيره، وغلب عليه تقديره.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الملأ من قوم فرعون} -روى- ان فرعون بعد ما رأى من موسى عليه السلام ما رأى من معجزة العصا واليد البيضاء خافه اشد الخوف فلذلك لم يجب ولم يتعرض له بسوء بل خلى سبيله فلذلك قال له اشراف قومه {أتذر موسى وقومه} اى أتتركهم {ليفسدوا فى الارض} اى يفسدوا على الناس دينهم فى ارض مصر ويصرفوهم عن متابعتك {ويذرك} عطف على يفسدوا {وآلهتك} معبوداتك. قيل كان يعبد الكواكب والاصح كما فى تفسير الفارسى أنه صنع وقومه اصناما على صورته وارمهم بان يعبدوها تقربا اليه ولذلك قال أنا ربكم الاعلى {قال} فرعون مجيبا لهم {سنقتل أبناءهم} [زود باشد كه بكشيم بسران ايشانرا] {ونستحيى نساءهم} اى نتركهن احياء ولا نقتلهن بل نستخدمهن والمقصود سنعود الى قتل ابنائهم واستخدام نسائهم كما كنا نفعل وقت ولادة موسى ليعلم انا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ولا يتوهم انه المولود الذى حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه {وانا فوقهم قاهرون} اى مستعلون عليهم بالقوة كما كنا لم يتغير حالنا اصلا وهم مقهوروون تحت ايدينا كذلك {قال موسى لقومه} تسلية لهم وعدة لحسن العاقبة حين سمعوا قول فرعون وعجزوا عنه {استعينوا بالله} [يارى خواهيد ازخداى تعالى دردفع بلاى فرعون] {واصبروا} على ما سمعتم من اقاويله الباطلة {ان الارض لله} اى ارض مصر {يورثها من يشاء من عباده} [ميراث دهدهر كرا ميخواهد ازبندكان خود] {والعاقبة} [عاقبة نيكويا نصرت وظفر يابهشت] {للمتقين} الذين انتم منهم لانه روى انه لما غلب سحرة فرعون وتبين نبوة موسى بسطوع حجته آمن بموسى من بنى اسرائيل ستمائة الف نفس واتقوا عن الشرك والعصيان وفيه ايذان بان الاستعانة بالله تعالى والصبر من باب التقوى: قال الحافظ شعر : آنكه بيرانه سرم صحبت يوسف بنواخت اجر صبريست كه در كلبه احزان كردم تفسير : {قالوا} اى بنوا اسرائيل {اوذينا} اى من جهة فرعون {من قبل ان تأتينا} اى بالرسالة يعنون بذلك قتل ابنائهم قبل مولد موسى عليه السلام وبعده {ومن بعد ما جئتنا} اى رسولا يعنون به ما توعدهم به من اعادة قتل الابناء وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجور والظلم والعذاب {قال} اى موسى عليه السلام لما راى شدة جزعهم {مما يشاهدونه مسليا لهم بالتصريح بما لوح به فى قوله {إن الارض لله} الآية {عسى ربكم ان يهلك عدوكم} اى يرجى ان ربكم قارب اهلاك عدوكم الذى فعل بكم ما فعل وتوعدكم باعادته. فعسى من العبد لطمع مضمون خبرها ومن الله تعالى اطماع وما اطمع الله فيه فهو واجب لان الكريم اذا طمع ووعد فيصير كانه اوجبه على نفسه {ويستخلفكم فى الارض} اى يجعلكم خلفاء فى ارض مصر وفى الارض المقدسة {فينظر} النظر قد يراد به الفكر المؤدى الى العلم وقد يراد به تقليب الحدقة نحو المرئى ليترتب عليه الرؤية وكل واحد من المعنيين مستحيل فى حقه تعالى فهو مجاز عن الرؤية التى هى غاية للنظر اى فيرى {كيف تعملون} أحسنا ام قبيحا فيجازيكم حسبما يظهر منكم من شكر وكفران وطاعة وعصيان وفى الحديث "حديث : ان الدنيا حلوة خضرة" تفسير : يعنى حسنة فى المنظر تعجب الناظر والمراد من الدنيا صورتها ومتاعها وانما وصفها بالخضرة لان العرب تسمى الشيء الناعم خضرا او لتشبهها بالخضروات فى سرعة زوالها وفيه بيان كونها غرارة يفتتن بحسنها وطعمها {وان الله مستخلفكم فيها} اى جاعلكم خلفاء فى الدنيا يعنى ان اموالكم ليست هى فى الحقيقة لكم وانما هى الله تعالى جعلكم فى التصرف فيها بمنزلة الوكلاء {فناظر كيف تعملون} اى تتصرفون قيل معناه جاعلكم خلفاء ممن كان قبلكم ومعطى ما فى ايديهم اياكم فناظر هل تعتبرون بحالهم وتتدبرون فى مآلهم: قال السعدى قدس سره شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكر مرغ بيند اندر بند بند كير از مصائب دكران تا نكيرند ديكران زتو بند تفسير : والاشارة ان فرعون النفس قال له قوم الهوى والغضب والكبر {أتذر} موسى الروح {وقومه} من القلب والسر والعقل {ليفسدوا فى الارض} فى ارض البشرية {ويذرك آلهتك} من الدنيا والشيطان والطبع لا تعبد {قال} فرعون النفس {سنقتل ابناءهم} وابناء صفات الروح والقلب والنفس اعمالهاالصالحة اى نبطل اعمالهم بالرياء والعجب {ونستحيى نساءهم} اى الصفات التى منها تتولد الاعمال {وانا فوقهم قاهرون} بالمكر والخديعة والحيلة {قال موسى} الروح {لقومه} وهم القلب والعقل والسر {استعينوا بالله واصبروا} على جهاد النفس ومخالفاتها ومتابعة الحق {ان الارض} اى ارض البشرية {لله يورثها من يشاء من عباده} يورث ارض بشرية السعداء الروح وصفاته فيتصف بصفاته ويورث ارض بشرية الاشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها {والعاقبة للمتقين} يعنى عاقبة الخير والسعادة للاتقياء والسعداء منهم {قالوا} يعنى قوم الروح له {اوذينا من قبل ان تاتينا} اى قبل ان تأتينا بالواردات الروحانية قبل البلوغ كنا نتأذى من اوصاف البشرية ومعاملاتها {ومن بعد ما جئتنا} بالواردات والالهامات الروحانية بعد البلوغ تتأذى من دواعى البشرية {قال} يعنى الروح {عسى ربكم ان يهلك عدوكم} النفس وصفاتها بالواردات الربانية ويدفع اذيته عنكم فيه يشير الى ان الواردات الروحانية لا تكفى لافناء النفس وصفاتها ولا بد فى ذلك من تجلى صفات الربوبية {ويستخلفكم} يعنى اذا تجلى الرب بصفة من صفاته لا يبقى فى ارض البشرية من صفات النفس صفة الا ويبدلها بصفات الروح والقلب ويستخلفها {فى الارض فينظر كيف تعلمون} فى اقامو العبودية واذا شكر نعم الربوبية كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال الملأُ من قوم فرعون أَتذَرُ موسى وقومَه} أي: تتركهم يخالفون دينك {ليُفسدوا في الأرض} أي: يخربوا ملكك بتغيير دينك ودعوتهم إلى مخالفتك، {ويَذَرك وآلهتك} أي: يترك موسى دينك ومعبوداتك التي تعبد، قيل: كان يعبد الكواكب، وقيل: صنع لقومه أصنامًا وأمرهم أن يعبدوها تقربًا إليه. ولذلك قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى }تفسير : [النَّازعَات:24]. قال فرعون في جوابهم: {سَنُقتِّل أبناءَهم} أي: ذكورهم {ونستحي نساءهم} أي: بناتهم، كما كنا نفعل من قبل، ليُعلم أَنَّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه. {وإنا فوقهم قاهرون} غالبون، وهم مقهورون تحت أيدينا. {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا}، قاله تسكينًا لهم حين سمعوا قول فرعون وما هددهم به، ثم قال لهم: {إن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده} وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم. {والعاقبة للمتقين}، فتكون العاقبة لكم إن اتقيتم، وهو وعدٌ لهم بالنصر والعز، وتذكير بما وعدم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم. {قالوا} أي: بنوا إسرائيل: {أُوذينا من قبل أن تأتينا} بقتل الأبناء، {ومن بعد ما جئتنا} بإعادته، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك، {قال عسى ربُّكم أن يُهلك عدوكم ويستخلِفَكم في الأرض}، تصريحًا بما كِنّى عنه أولاً، لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بحرف الطمع، أي: الترجي؛ لعدم جزمه بأنهم المستخلَفون بأعيانهم، أو أولادهم، وقد رُوِي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام، قاله البيضاوي. {فينظرَ كيف تعملون} أي: فإذا استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران، أو طاعة أو عصيان، فيجازيكم على حسب ما يُوجد منكم من كفر أو إحسان. الإشارة: ما وقع للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها مع أهل زمانهم، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد، وظهروا بتخريب ظواهرهم، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان، وقالوا له: هؤلاء يخربون ملكك، فآل على نفسه إنَّ مكنه الله منهم لا يترك منهم أحدًا، فكفى الله بأسه، فاستعانوا بالله وصبروا، واشتغلوا بذكر الله، وغابوا عمن سواه، فكانت العاقبة للمتقين. ثم ذكر ابتلاءه لقوم فرعون، فقال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الحجاز {سنقتل أبناءهم} بالتخفيف. الباقون بالتثقيل، فمن ثقل ذهب الى التكثير، ومن خفف، فلأحتماله التكثير والتقليل. في هذه الآية إِخبار عن إِنكار قوم فرعون وأشرافهم ورؤسائهم على فرعون تركه موسى وقومه ليفسدوا في الأرض على اعتقادهم، وإِنما أنكروا على فرعون ذلك مع عبادتهم له، لأنه جرى على خلاف عادة الملوك في السطوة بمن خالف عليهم وشق العصا في ملكهم. وكان ذلك بلطف من الله تعالى وحسن دفاعه عن موسى. وعنوا بالافساد في الارض دعاء الخلق الى مخالفة فرعون في عبادته وتجهيله إِياه في ديانته لما يتفق عليه من ذلك مما لا قبل له به مما فيه انتقاض أمره وبطلان ملكه. وقوله تعالى {ويذرك وآلهتك} معناه قال الحسن: إِنه كان يعبد الأصنام، فعلى هذا كان يعبد ويعبد، كما حكى الله تعالى عنه من قوله {أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : وقال السدي: كان يعبد ما يستحسن من البقر، وعلى ذلك أخرج السامري {أية : عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إِلهكم وإِله موسى} تفسير : وقال الزجاج: إِنما كانت له أصنام يعبدها قومه تقرباً اليه. وقرأ ابن عباس {ويذرك وإِلهتك} بمعنى وعبادتك. وقال كان فرعون يُعبد ولا يَعبد، وقال بعضهم (إِلاهتك) إِنما هو تأنيث إِله وجمعه آلهتك كما قال الشاعر، وهو عتيبة بن شهاب اليربوعي. شعر : تروحنا من اللعباء قصراً فأعجلنا الاهة ان تؤوبا تفسير : يعني الشمس، فأدخل التاء في هذا كما أدخلوا في قولهم: ولدتي وكوكبتي وهالتي وهو أهلة ذاك، كما قال الراجز: شعر : يا مضر الحمراء أنت اسرتي وأنت ملجاتي وأنت ظهرتي تفسير : وقوله تعالى {سنقتل أبناءهم} إِنما تهددهم بقتل أبنائهم مع ان موسى هو الذي دعاهم الى الله دونهم من حيث أنه لم يطمع فيه، لما رأى من قوة أمره وعلوِّ شأنه فعدل الى ضعفاء بني اسرائيل بقتل ابنائهم ليوهم انه يتم له ذلك فيهم. وقوله تعالى {ونستحيي نساءهم} معناه نستبقي من تولد من بناتهم للمهنة والخدمة من غير أن يكون لهم نجدة ولا عندهم منعة. ونصب قوله {ويذرك} لاحد وجهين: احدهما - الصرف، والآخر العطف. والصرف على ان يكون تقديره ليفسدوا في الارض الى ان يذرك وآلهتك، والعطف على ليفسدوا ويذرك. وقرأ الحسن {ويذرك} بالرفع عطفا على أتذر، ويجوز فيه الاستئناف، وهو يذرك.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} بعد ظهور امر موسى (ع) وقوّته لفرعون {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} ارض مصر بتغيير الخلق ودعائهم الى مخالفتك وترك دينك وترك العبادة لك {وَيَذَرَكَ} اى عبادتك او سلطنتك {وَآلِهَتَكَ} اصنامك الّتى تعبدها او الاصنام الّتى صنعتها لان يعبدوها ليتقرّبوا بها اليك كما قيل: انّه صنع لهم اصناماً ليعبدوها للتّقرّب اليه، وقرئ وآلهتك مصدراً بمعنى عبادتك {قَالَ} جواباً لهم {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} قاله اظهاراً لتسلّطه وتسكيناً لقومه مع خوفه من موسى (ع) ولمّا وصل ذلك الخبر الى موسى (ع) وقومه ورأى فزعهم من تهديده.
الأعقم
تفسير : {وقال الملأ من قوم فرعون} يعني الجماعات، وقيل: الأشراف {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض} يعني لكي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك، وروي أنهم قالوا ذلك لأنه وافقهم به على الايمان ستمائة ألف نفس {ويذرك وآلهتك} فلا يعبدك ولا يعبدها، قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة يعبدها فإذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فقال فرعون مجيباً بقوله: {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم} يعني نعيد عليهم ما كانوا فيه من قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر وانهم مقهورون تحت أيدينا وإن غَلَبَةَ موسى لا أثر لها في ملكنا، قوله تعالى: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} حين قال لهم فرعون سنقتل أبناءهم فجزعوا فوعدهم (صلى الله عليه وآله وسلم) النصر والغلبة وإهلاك القبط ويورثهم أرضهم وديارهم {والعاقبة للمتقين}، قوله تعالى: {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} قالوا: يعني بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى: أوذينا لحقنا الضرر من جهة فرعون بقتل ابنائنا واستخدام النساء من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعد ما جئتنا، قيل: بالوعيد لهم فـ {قال موسى عسى ربكم} وعسى من الله واجبة وقال أبو علي: عسى هذا يقين {أن يهلك عدوكم} قوم فرعون وقد فعل حين غرق فرعون وقومه وهم ينظرون {ويستخلفكم في الأرض} أي يملككم الأرض {فينظر كيف تعملون} أي كيف تشكرون الله على نعمه {ولقد أخذنا آل فرعون} خاصته وقومه وأتباعه {بالسنين} بالجدب والقحط عاماً بعد عام {ونقص من الثمرات} والغلات بالآفات والعاهات، وقيل: كان في أمصارهم لا تحمل النخلة الاَّ تمرة واحدة أو تمرتين، وعن كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة واحدة {لعلهم يذكرون} فينتبهون على أن ذلك لإصرارهم على الكفر، وقيل: عاش فرعون أربع مائة سنة ولم ير مكروهاً في ثلاثمائة وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك المدة وجع أو حمى لما ادعى الربوبية {فإذا جاءتهم الحسنة} من الخصب والرخاء {قالوا لنا هذه} أي هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها ولم نزل في النعمة {وأن تصبهم سيئة}، قيل: ضيق وجدب وبؤس وبلاء {يطيروا بموسى ومن معه} يقولون ما أصابنا بلاء ولا رأينا شراً حتى رأيناكم، لأنهم أقاموا في نعمة قبل موسى في الخبر المتقدم ثلاثمائة وعشرين سنة، قال الله تعالى: {ألا إنما طائرهم عند الله} يعني ما يصيبهم من الخصب والجدب يعني ألا إنما سبب شؤمهم عند الله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الذي أصابهم من الله تعالى، قوله تعالى: {وقالوا} يعني قوم فرعون {مهما}، قيل: معناه كلما تأتينا ومتى تأتينا، وقيل: معناه ما {تأتنا به من آية لتسحرنا بها} لتبطلنا عما نحن عليه من دين فرعون {فما نحن لك بمؤمنين} بمصدقين.
اطفيش
تفسير : {قالَ الملأ مِنْ قَوم فِرعَونَ} لفرعون {أتذَرُ مُوسَى وقَومَه} بنى إسرائيل {ليفْسِدُوا فى الأرْض} اللام للصيرورة، أى أتذرهم فيصير أمرهم إلى الإفساد فيها، أو للتعليل إعظاماً لتركه وترك قومه، كأنه قيل: ليس فيهم إلا الإفساد، فإذا تركتهم فكأنك ما تركتهم إلا للإفساد، أو اللام زائدة، ومصدر الفعل بعدها بدل اشتمال، أو مفعول لحال محذوف أى مريدا إفسادهم، وهذا مرادف للتعليل، ويضعف جعل اللام بمعنى على أو إلى أو مع، لأن أن لا تضمر مع هذه الحروف، فكذا ما ناب عنها. {ويذَرَك} عطف على يفسد بأحد هذه المعانى، أو نصب على معنى مع كقوله: شعر : ألم أك جاركم ويكون بينى وبينكم المودة والإخاء تفسير : فانتصابه بأن مضمرة له على حدة، فهذه هى الواو التى يقال لها واو المعية التى مع الفعل وواو الجمع الحرفية، وواو الصرف، وقرأ ابن عامر، ونعيم بن ميسرة، والحسن فى رواية عنه بالرفع عطفا على تذر، أو للاستئناف أو للحالية بلا تقدير شىء على القول بجواز قرن الجملة الحالية المضارعية المثبتة بواو الحال، ومن لم يجز ذلك قدر مبتدأ أو قدر على الحالية، أى وهو يذرك، وقرأ الأشهب العقيلى بإسكان الراء تخفيفا من ضمها أو من فتحها، ولو كان الفتح خفيفا لكثرة توالى الحركات لا جزما بالعطف على المعنى المسمى فى غير القرآن عطف التوهم كما قيل، لأن ذلك إنما يصح هنا لو كان يفسدوا مقرونا بالفاء، فيكون منصوبا بعد فاء السببية فى جواب الاستفهام، فيقدر إسقاطها، فيكون العقل مجزوما فى جواب الاستفهام، فيعطف عليه بالجزم، وقرأ أنس ابن مالك: ونذرك بالنون ورفع الفعل أو نصبه روايتان عنه، توعدا منهم أو إخبارا بأن الأمر يئول إلى هذا، بأن يصرفنا عنك فنذرك، وقرأ أبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود: وقد تركوك أن يعبدوك، وقرأ الأعمش وقد تركك. {وآلهتَكَ} جمع إله وهى كواكب كان يعبدها، وعن بعضهم أنه منكر لوجود الصانع، وقائل: إن مدبر العالم السفلى هو الكواكب فاتخذ أصناما على صور الكواكب يعبدها ويأمر بعبادتها تقربا إليه، وقائل فى نفسه: إنه المطاع المخدوم فى الأرض، ولذا قال: أنا ربكم الأعلى، ويقول: أنا ربكم ورب هذه الأصنام، وقيل آلهته البقر، وكان يعبد بقرة له، ويأمرهم بعبادة كل بقرة حسنة، ولذلك جعل السامرى ربه عجلا، وتنسب كل بقرة عبدت بأنها آلهة من حيث إنها كانت إلها بأمره. وعن الحسن وغيره: شرع لهم عبادة الأوثان من بقر وأحجار وغيرها، وقيل: كان يعبد حجرا يعلقه فى صدره كياقوتة، وعن الحسن: كان لفرعون حنانة معلقة فى نحره يعبدها ويسجد لها، وقيل: كان يعبد الشمس ولهم آلهة كالكواكب أو البقر وغيرها، فصح الجمع، وقد قرأ ابن عباس، وعلى، وابن مسعود، وأنس، والشعبى، والضحاك، وإلاهتك بكسر الهمزة وهى الشمس أو العبادة، أى يترك عبادتك ويعبد سواك، وهو المروى عن هذه الجماعة. قال ابن عباس: كان يُعْبد ولا يَعْبد، قال سعيد بن جبير، ومحمد بن المكندر: عاش ستمائة سنة وعشرين، لم ير مكروها قط، ولو حصل له جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى الربوبية، وملك من ذلك أربعمائة سنة، وروى أنهم قالوا ذلك لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف إنسان، وأن هذه الموافقة على الإيمان هى الإفساد، وخافوا أن يغلبوا على الملك. {قالَ} فرعون {سَنُقتِّل أبْناءهُم} لئلا يتقوى بهم موسى ومن معه، ولئلا يتوهم الناس أن موسى هو الذى أخبر المنجمون أنه يخرب ملكنا فيتبعوه، وأما القتل الذى قبل ولادة موسى فليوافق من يخرب ملكه وتركه بعد ولادته، وقرأ غير نافع وابن كثير: سنقتل بالتشديد للمبالغة {ونَسْتَحى نِساءهُم} للخدمة ولما نريد، أى يبقيهن أحياء، ولم يقدر أن يصل موسى بشىء لقوته بالمعجزة {وإنَّا فوقَهُم قَاهِرونَ} كما كنا قبل، فأبشروا بدوام دينكم، وبقاء ملككم، وشرع فى استعمال بنى إسرائيل بما لا طاقة لهم به مع وعده بقتل أبنائهم، وجزعوا وضجروا وشكوا إلى موسى.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} مخاطبين له بعدما شاهدوا من أمر موسى عليه السلام ما شاهدوا. {أَتَذَرُ مُوسَىٰ} أي أتتركه {وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي في أرض مصر. والمراد بالإفساد ما يشمل الديني والدنيوي، ومفعول الفعل محذوف للتعميم أو أنه منزل منزلة اللازم أو يقدر يفسدوا الناس بدعوتهم إلى دينهم والخروج عليك. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة أتبع موسى عليه السلام ستمائة ألف من بني إسرائيل {وَيَذَرَكَ} عطف على يفسدوا المنصوب بأن، / أو منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب بعد الفاء، وعلى ذلك قول الحطيئة:شعر : ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والإخاء تفسير : والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى عليه السلام وقومه مفسدين في الأرض وتركهم إياك الخ أي لا يمكن وقوع ذلك. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة بالرفع على أنه عطف على (تذر) أو استئناف أو حال بحذف المبتدأ، أي وهو يذرك لأن الجملة المضارعية لا تقترن بالواو على الفصيح، والجملة على تقدير الاستئناف معترضة مؤكدة لمعنى ما سبق، أي تذره وعادته وتركك، ولا بد من تقدير هو على ما قال الطيبـي كما في احتمال الحال ليدل على الدوام، وعلى تقدير الحالية تكون مقررة لجهة الإشكال. وعن الأشهب أنه قرأ بسكون الراء، وخرج ذلك ابن جنى على أنه تركت الضمة للتخفيف كما في قراءة أبـي عمرو {أية : يَأْمُرُكُمْ } تفسير : [البقرة: 67] بإسكان الراء استقلالاً للضمة عند توالي الحركات، واختاره أبو البقاء، وقيل: إنه عطف على ما تقدم بحسب المعنى، ويقال له في غير القرآن عطف التوهم، كأنه، قيل: يفسدوا ويذرك كقوله تعالى: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [المنافقون: 10]. {وَءَالِهَتَكَ} أي معبوداتك. يروى أنه كان يعبد الكواكب فهي آلهته وكان يعتقد أنها المربية للعالم السفلي مطلقاً وهو رب النوع الإنساني، وعن السدي أن فرعون كان قد اتخذ لقومه أصناماً وأمرهم بأن يعبدوها تقرباً إليه، ولذلك قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات:24] وقيل: إنه كانت له بقرة يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمر قومه بعبادتها، ولذلك أخرج السامري لبني إسرائيل عجلاً وهو رواية ضعيفة عن ابن عباس، وقال سليمان التيمي: بلغني أنه كان يجعل في عنقه شيئاً يعبده، وأمر الجمع عليه يحتاج إلى عناية وقرأ ابن مسعود والضحاك ومجاهد والشعبـي {وَءَالِهَتَكَ} كعبادتك لفظاً ومعنى فهو مصدر. وأخرج غير واحد عن ابن عباس أنه كان ينكر قراءة الجمع بالجمع ويقرأ بالمصدر ويقول: إن فرعون كان يعبد ولا يعبد، ألا ترى قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } تفسير : [القصص: 38] ومن هنا قال بعضهم: الأقرب أنه كان دهرياً منكراً للصانع، وقيل: الإلهة اسم للشمس وكان يعبدها؛ وأنشد أبو علي:شعر : وأعجلنا الإلهة أن تؤبا تفسير : {قَالَ} مجيباً لهم {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ} كما كنا نفعل بهم ذلك من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده. وقرأ ابن كثير ونافع (سنقتل) بالتخفيف والتضعيف كما في موتت الإبل. {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ} أي غالبون كما كنا لم يتغير حالنا وهم مقهورون تحت أيدينا، وكان فرعون قد انقطع طمعه عن قتل موسى عليه السلام فلم يعد الملأ بقتله لما رأى من علو أمره وعظم شأنه وكأنه لذلك لم يعد بقتل قومه أيضاً، والظاهر على ما قيل: إن هذا من فرعون بيان لأنهم لا يقدرون على أن يفسدوا في الأرض وإيذان بعدم المبالاة بهم وأن أمرهم فيما بعد كأمرهم فيما قبل وأن قتلهم عبث لا ثمرة فيه، وذكر الطيبـي أنه من الأسلوب الحكيم وإن صدر من الأحمق، وأن الجملة الاسمية كالتذليل لما قبلها فافهم.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {قال الملأ} عطف على جملة: {أية : قال فرعون آمنتم به}تفسير : [الأعراف: 123] أو على حملة {أية : قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} تفسير : [الأعراف: 109]. وإنما عطفت ولم تفصل لأنها خارجة عن المحاورة التي بين فرعون ومن آمن من قومه بموسى وآياته، لأن أولئك لم يعرجوا على ذكر ملأ فرعون، بل هي محاورة بين ملإ فرعون وبينه في وقت غير وقت المحاورة التي جرت بين فرعون والسحرة، فإنهم لمّا رأوا قلة اكتراث المؤمنين بوعيد فرعون، ورأوا قلة اكتراث المؤمنين بوعيد فرعون، ورأوا نهوض حجتهم على فرعون وإفحامَه. وأنه لم يَحرْ جَوَاباً. راموا إيقاظ ذهنه، وإسعارَ حميته، فجاءوا بهذا الكلام المثير لغضب فرعون، ولعلهم رأوا منه تأثراً بمعجزة موسى وموعظة الذين آمنوا من قومه وتوقعوا عدوله عن تحقيق وعيده، فهذه الجملة معترضة بين ما قبلها وبين جملة: {قال موسى لقومه استعينوا بالله}. والاستفهام في قوله: {أتذر موسى} مستعمل في الإغراء بإهلاك موسى وقومه والإنكار على الإبطاء بإتلافهم، وموسى مفعول {تذر} أي تتركه متصرفاً ولا تأخذ على يده. والكلام على فعل {تذر} تقدم في قوله: {أية : وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً} تفسير : في الأنعام (70). وقوم موسى هم من آمن به، وأولئك هم بنوا إسرائيل كلهم ومَن آمن من القبط. واللام في قوله: {ليفسدوا} لام التعليل وهو مبالغة في الإنكار إذ جعلوا ترك موسى وقومه معللاً بالفساد، وهذه اللام تسمى لام العاقبة، وليست العاقبة معنى من معاني اللام حقيقة ولكنها مجاز: شُبه الحاصل عقب الفعل لا محالة بالغرض الذي يفعل الفعل لتحصيله، واستعير لذلك المعنى حرفُ اللام عوَضاً عن فاء التعقيب كما في قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص: 8]. والإفساد عندهم هو إبطال أصول ديانتهم وما ينشأ عن ذلك من تفريق الجماعة وحث بني إسرائيل على الحرية، ومغادرة أرض الاستعباد. و{الأرض} مملكة فرعون وهي قطر مصر. وقوله: {ويذَرَك} عطف على {ليفسدوا} فهو داخلي التعليل المجازي، لأنّ هذا حاصل في بقائهم دون شك، ومعنى تركهم فرعون، تركهم تأليهه وتعظيمه، ومعنى ترك آلهته نبذُهم عبادتَها ونهيُهم الناس عن عبادتها. والآلهة جمع إلٰه، ووزنه أفعلة، وكان القبط مشركين يعبدون آلهة متنوعة من الكواكب والعناصر وصوروا لها صوراً عديدة مختلفة باختلاف العصور والأقطار، أشهرها (فتاح) وهو أعظمها عندهم وكان يُعبد بمدينة (مَنْفيس)، ومنها (رع) وهو الشمس وتتفرع عنه آلهة باعتبار أوقات شعاع الشمس، ومنها (ازيريس) و(إزيس) و(هوروس) وهذا عندهم ثالوث مجموع من أب وأم وابن، ومنها (توت) وهو القمر وكان عندهم رب الحكمة، ومنها (أمُون رع) فهذه الأصنام المشهورة عندهم وهي أصل إضلال عقولهم. وكانت لهم أصنام فرعية صغرى عديدة مثل العجل (إيبيس) ومثل الجعران وهو الجُعل. وكان أعظم هذه الأصنام هو الذي ينتسب فرعونُ إلى بُنوتهِ وخدمته، وكان فرعون معدوداً ابنَ الآلهة وقد حلت فيه الإلهية على نحو عقيدة الحلول، ففرعون هو المنفذ للدين، وكان يعد إلٰه مصر، وكانت طاعته طاعة للآلهة كما حكى الله تعالى عنه: {أية : فقال أنا ربكم الأعلى}تفسير : [النازعات: 24] {أية : ما علمْتُ لكم من إلٰه غيري}تفسير : [القصص: 38]. وتوعُد فرعون موسى وقومه بالاستئصال بقتل الأبناء والمراد الرجال بقرينة مقابلته بالنساء، والضمير المضاف إليه عائد على موسى وقومه، فالإضافة على معنى (من) التبعيضية. وقرأ نافع وابن كثير، وأبو جعفر: {سنقتل} ـــ بفتح النون وسكون القاف وضم التاء ـــ وقرأه البقية بضم النون وفتح القاف وتشديد التاء للمبالغة في القتل مبالغة كثرة واستيعاب. والاستحياء: مبالغة في الإحياء، فالسين والتاء فيه للمبالغة، وإخباره ملأه باستحياء النساء تتميم لا أثر له في إجابة مقترح ملئه، لأنهم اقترحوا عليه أن لا يُبقي موسى وقومه فأجابهم بما عزم عليه في هذا الشأن، والغرض من استبقاء النساء أن يتخذوهن سراري وخدماً. وجملة: {وإنّا فوقهم قاهرون} اعتذار من فرعون للملإ من قومه عن إبطائه باستئصال موسى وقومه، أي: هم لا يقدرون أن يفسدوا في البلاد ولا أن يخرجوا عن طاعتي والقاهر: الغالب بإذلال. و{فوقهم} مستعمل مجازاً في التمكن من الشيء وكلمة {فوقهم} مستعارة لاستطاعة قهرهم لأن الاعتلاء على الشيء أقوى أحوال التمكن من قهره، فهي تمثيلية. وجملة: {قال موسى لقومه} واقعة جواباً لقول قومه {أية : إنا إلى ربنا منقلبون}تفسير : [الأعراف: 125] إلى آخرها الذي أجابوا به عن وعيد فرعون، فكان موسى معدوداً في المحاورة، ولذلك نزل كلامه الذي خاطب به قومه منزلة جواب منه لفرعون، لأنه في قوة التصريح بقلة الاكتراث بالوعيد، وبدفع ذلك بالتوكل على الله. والتوكل هو جُماع قوله: {استعينوا بالله واصبروا} وقد عبر عن ذلك بلفظ التوكل في قوله: {أية : وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}تفسير : في سورة يونس (84)، فإن حقيقة التوكل أنه طلب نصر الله وتأييده في الأمر الذي يُرغب حصوله، وذلك داخل في الاستعانة وهو يستلزم الصبر على الضر لاعتقاد أنه زائل بإذن الله. وخاطب موسى قومه بذلك تطميناً لقلوبهم، وتعليماً لهم بنصر الله إياهم لأنه علم لأنه بوحي الله إليه. وجملة: {إن الأرض لله} تذييل وتعليل للأمر بالاستعانة بالله والصبر، أي: افعلوا ذلك لأن حكم الظلم لا يدوم، ولأجل هذا المعنى فصلت الجملة. وقوله: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} كناية عن ترقب زوال استعباد فرعون إياهم، قصد منها صرف اليأس عن أنفسهم الناشىء عن مشاهدة قوة فرعون وسلطانه، بأن الله الذي خوله ذلك السلطان قادر على نزعه منه لأن ملك الأرض كلها لله فهو الذي يقدر لمن يشاء ملك شيء منها وهو الذي يقدر نزعه. فالمراد من الأرض هنا الدنيا لأنه أليق بالتذييل وأقوى في التعليل، فهذا إيماء إلى أنهم خارجون من مصر وسيملكون أرضاً أخرى. وجملة: {والعاقبة للمتقين} تذييل، فيجوز أن تكون الواو اعتراضية، أي: عاطفة على ما في قوله: {إن الأرض لله} من معنى التعليل، فيكون هذا تعليلاً ثانياً للأمر بالاستعانة والصبر، وبهذا الاعتبار أوثر العطف بالواو على فصل الجملة مع أن مقتضى التذييل أن تكون مفصولة. والعاقبة حقيقتها نهاية أمر من الأمور وآخره، كقوله تعالى: {أية : فكان عاقبتهما أنهما في النار}تفسير : [الحشر: 17]، وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى: {أية : قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} تفسير : في أول سورة الأنعام (11)، فإذا عُرفَت العاقبة باللام كان المراد منها انتهاء أمر الشيء بأحسن من أوله ولعل التعريف فيها من قبيل العلم بالغلبة. وذلك لأن كل أحد يود أن يكون آخرُ أحواله خيراً من أولها؛ لكراهة مفارقة الملائم، أو للرغبة في زوال المنافر، فلذلك أطلقت العاقبة معرَفة على انتهاء الحال بما يسر ويلائم، كما قال تعالى: {أية : والعاقبة للتقوى}تفسير : [طه: 132]. وفي حديث أبي سفيان قول هرقل: «وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة» فلا تطلق المعرفة على عاقبة السوء. فالمراد بالعاقبة هنا عاقبة أمورهم في الحياة الدنيا ليناسب قوله {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} وتشمل عاقبة الخير في الآخرة لأنها أهم ما يلاحظه المؤمنون. والمتقون: المؤمنون العاملون. وجيء في جملتي: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} بلفظين عامين، وهما: من يشاء من عباده والمتقين، لتكون الجملتان تذييلاً للكلام وليحرص السامعون على أن يكونوا من المتقين. وقد علم من قوله: {والعاقبة للمتقين} أن من يشاء الله أن يورثهم الأرض هم المتقون إذا كان في الناس متقون وغيرهم، وأن تمليك الأرض لغيرهم إمّا عارض وإمّا لاستواء أهل الأرض في عدم التقوى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قال الملأ: أي لفرعون. أتذر: أي أتترك. وقومه: اي بني إسرائيل. ليفسدوا في الأرض: أي في البلاد بالدعوة إلى مخالفتك، وترك طاعتك. وآلهتك: أصناماً صغاراً وضعها ليعبدها الناس وقال أنا ربكم الأعلى وربها. نستحيي نساءهم: نبقي على نسائهم لا تذبحهن كما تذبح الأطفال الذكور. ويستخلفكم في الأرض: أي يجعلكم خلفاء فيها تخلفون الظالمين بعد هلاكهم. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث قصص موسى وفرعون أنه بعد انتصار موسى في المباراة وإيمان السحرة ظهر أمر موسى واتبعه ستمائة ألف من بني إسرائيل، وخاف قوم فرعون من إيمان الناس بموسى وبما جاء به من الحق قالوا لفرعون على وجه التحريض والتحريك له {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ} يريدون بني إسرائيل {لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر بإفساد خدمك وعبيدك {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} أي ويتركك فلا يخدمك ولا يطيعك ويترك آلهتك فلا يعبدها إذ كان لفرعون أصنام يدعو الناس لعبادتها لتقربهم إليه وهو الرب الأعلى للكل. وبعد هذا التحريش والإِغراء من رجال فرعون ليبطش بموسى وقومه قال فرعون {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ} كما كان يفعل قبل عندما أخبر بأن سقوط ملكه سيكون على يد بني إسرائيل {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} هذه الكلمة من فرعون في هذا الظرف بالذات لا تعد وأن تكون تعويضاً عما فقد من جبروت ورهبوت كان له قبل هزيمته في المبارة وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [127] وهي قوله تعالى {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} وكان رد موسى عليه السلام على هذا التهديد والوعيد الذي أرعب بني إسرائيل وأخافهم ما جاء في الآية الثانية [128] {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} أي من بني إسرائيل {ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ} على ما قد ينالكم من ظلم فرعون، وما قد يصيبكم من أذى انتقاماً لما فقد من علوه وكبريائه {وَٱصْبِرُوۤاْ} على ذلك، واعلموا {إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} فمتى صبرتم على ما يصيبكم فلم تجزعوا فترتدوا، واتقيتم الله ربكم فلم تتركوا طاعته وطاعة رسوله أهلك عدوكم وأورثكم أرضه ودياره، وسبحان الله هذا الذي ذكره موسى لبني إسرائيل قد تم حرفياً بعد فترة صبر فيها بنو إسرائيل واتقوا كما سيأتي في هذا السياق بعد كذا آية، وهنا قال بنو إسرائيل ما تضمنته الآية الأخيرة [129] {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا} بما أتيتنا به من الدين والآيات، وذلك عندما كان فرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم للخدمة {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} وهذه منهم كلمة الآيس المهزوم نفسياً لطول ما عانوا من الاضطهاد والعذاب من فرعون وقومه الأقباط. فأجابهم موسى عليه السلام قائلا: محيياً الأمل في نفوسهم وإيصالهم بقوة الله التي لا تقهر {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} وهذا الذي رجاه موسى ورجاه بني إسرائيل قد تم كاملاً بلا نقصان والحمد لله الكريم المنان. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- خطر بطانة السوء على الملوك والرؤساء تجلت في إثارة فرعون ودفعه إلى البطش بقولهم {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ... الخ}. 2- بيان فضيلة الصبر والتقوى وأنها مفتاح النصر وإكسير الكمال البشري. 3- النفوس المريضة علاجها عسير ولكن بالصبر والمثابرة تشفى إن شاء الله تعالى. 4- بيان صدق ما رجاه موسى من ربه حيث تحقق بحذافيره. 5- استحسان رفع معنويات المؤمنين بذكر حسن العاقبة والتبشير بوعد الله لأوليائه أهل الإِيمان والتقوى.
القطان
تفسير : أتذَرُ موسى: اتتركه. نستحْيِ: نستبقي نساءهم أحياء. بعد ان شاهد فرعون وقومه ما شاهدوا، من ظهور موسى وغلبتِه وايمان السحرة به، قال الاشراف الكبراء من القوم، يا فرعون الجبار، هل تترك موسى وقومه احرارا آمنين؟ إنَّ عاقبتهم إن ظلّوا في هذه الديار ان يفسدوا عليك قومك بادخالهم في دينهم، وعندئذ يظهر لأهل مصر عجزُك وعجز آلهتك. قال فرعون مجيبا للملأ: سنقتل أبناء قوم موسى كلّما تناسلوا، ونستبقى نساءهم أحياء، فهن يخدمننا. بذلك لا يكون لهم قوة، {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} نقهرهم بالغلبة والسلطان. سنظل معهم كما كنّا من قبل، فلا يقدرون على أذانا، ولا الافساد في أرضنا. ولما رأى موسى أثر الخوف والجزع في نفوس قومه، شدّ من عزمهم وطمأنهم، فقال لهم: أُطلبوا معونة الله وتأييدَه، واصبِروا ولا تجزعوا. إن الأرض في قَبضة الله، يجلعها ميراثاً لمن يشاء من عباده، لا لفرعون. والعاقبةُ الحسنة للّذين يتقون الله، بالاعتصام به، والاستمساك بأحكامه. لكن هذه الوصية وتلك النصائح لم تؤثّر في قلوبهم، ففزعوا من فرعون وقومه، و{قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} لقد نالَنا الأذى يا موسى، قبل مجيئك وبعده. وكانوا قبل مجيء موسى مستضعَفين في يد فرعون، يرهقهم بالضرائب، ويستخدمهم في القيام بالاعمال الشاقة، ويقتل ابناءهم ويتسحيي نساءهم. ثم جاء موسة، لكنه لم يستطع انقاذهم لذلك قالوا: {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}. عندئذٍ فتح لهم موسى باب الأمل وقال لهم: {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ....}. إن رجائي من فضلِ الله ان يُهلك عدوّكم الذي ظلمكم وآذاكم، ويجعلَكم خلفاءَ في الأرض التي وعدكم إياها، {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}. فيعلم سبحانه ما أنتم عاملون بعد هذا التمكين: أتشكرون النعمةَ ام تكفرون؟ وتصلحون في الارض أم تفسدون؟.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَآلِهَتَكَ} {قَاهِرُونَ} (127) - وَسَأَلَ جُمْهُورُ السَّادَةِ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، عَمَّا يَنْوِي فِرْعَوْنُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِمُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمِهِمَا، وَهَلْ سَيَتْرُكُهْم يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ، وَيُضِلُّونَ الرَّعِيَّةَ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَإِلى تَرْكِ عِبَادَةِ فِرْعَوْنَ وَآلِهَتِهِ؟ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ قَائِلاً: إِنَّهُ سَيَقْتُلُ الذُّكُورَ مِنْ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرِائِيلَ، وَيَسْتَبْقِي النِّسَاءَ عَلَى قَيدِ الحَيَاةِ، وَإِنَّهُ سَيُخْضِعُهُمْ جَمِيعاً لِلْقَهْرِ وَالإِذْلالِ، فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ إِفْسَاداً فِي الأَرْضِ. نَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ - نَسْتَبْقِي نِسَاءَهُمْ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ لِلْخِدْمَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا نعرف أن المقربين من فرعون هم أول من خافوا على سلطانهم، ويدل هذا القول أيضاً على أن فرعون لم يتعرض لموسى بأي أذى؛ لأنه مازال يعيش في رهبة اليقين وصولة الحق مما جعله متوجساً وخائفاً من موسى؛ لأن فرعون أول من يعلم أن مسألة ألوهيته كذب كلها، ويعلم جيداً أن موسى على حق، لكن إعلان انهزامه أمام الجمع ليس أمراً سهلاً على النفس البشرية، وسأل الملأ من قوم فرعون الذين اهتز أمامهم سلطانه ومكانته، قالوا: لفرعون: أتترك موسى وقومه ليفسدوا في الأرض؟. أو فيما يبدو أن موسى وهارون تركا المكان بعد أن انتهيا من أمر السحرة، ولم يقبض عليهما فرعون؛ لذلك تساءل الملأ من قوم فرعون: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] و"يذرك" أي يدعك ويتركك، وكان فرعون يعتقد أن هناك آلهة علويين وآلهة سفليين، وهو رب العالم السفلي كله. لذلك قالوا: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}. وهناك قراءة أخرى "ويذرك إلاهتك أي عبادتك". أي يتركك أنت ويترك عبادتك. ويقول فرعون: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ}. وحتى تلك اللحظة لم يتعرض فرعون لموسى، ولا يزال خوفه من موسى يمنعه من الاقتراب أو الدنو أو الاتصال به ولو بكلمة، إنه يأخذ الحذر من أن يقدم على شيء ضد موسى، فيفاجئه موسى مفاجأة ثانية. ويقال إن الثعبان الذي ظهر ساعة ألقى موسى عصاه فتح شدقيه واتجه إلى فرعون، فقال: كف عني وأومن بما جئت به. وهو أمر محتمل؛ لأن فرعون حتى هذه اللحظة لم يجرؤ على الاقتراب من موسى، وجاء بخبر قتل الأبناء وسبيْ النساء ولم يأت بسيرة موسى. {...سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] والقوي حين يملك القدرة على الضعيف لا يشد الخناق عليه شدًّا ليفتك به؛ لأنه يعرف ضعفه، ويستطيع أن يناله في أي وقت، لكن لو كان الخصم أمامك قويًّا فأنت ترهبه بالقوة حتى يخضع لك. وهنا يقول فرعون: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}. إن فرعون يؤكد لقومه أنهم مسيطرون وغالبون، ولن يستطيع قوم موسى أن يفلتوا منهم. ويؤكد فرعون: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم؛ لأن الأبناء هم العدة، والنساء عادة شأنهن مبني على الحجاب، وعلى الستر، وفي إبقاء المرأة وقتل الرجل إذلال للرجال؛ لأن التعب سيكون من نصيب النساء. ولذلك كان العرب حين يغيرون على عدو، يصحبون نساءهم لتزيد الحمية ولا يخور ولا يجبن واحد وتراه زوجه أو أخته أو ابنته وهو على هذا الحال، وكذلك كان العرب يخافون الانهزام حتى لا يمسك العدو نساءهم ويأخذهن سبايا. وهنا يؤكد فرعون إصراره على إذلال قوم موسى بأن يعيد قتل الأبناء، وأن يستحيي النساء، وكان الفرعون يفعل مثل ذلك الأمر من قبل، والسبب في ذلك أن بني إسرائيل كانوا يساعدون ملوك الهكسوس، وبعد أن طرد الفراعنة الهكسوس، اتجهوا إلى إيذاء بني إسرائيل الذين كانوا في صف الهكسوس، ومن بقي من بني إسرائيل تعرض لتقتيل الأبناء، لكن الحق أنقذ موسى حين أوحى لأمه أن تلقيه في اليم ليربيه فرعون. وها هو ذا فرعون يعيد الكرة مرة أخرى بالأمر بتقتيل الأبناء وسبي النساء. ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الآية: 127]. قال ويذرك وعبادتك. انبا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الآية: 129]. يعنون: قبل إِرسال الله إِياك وبعده. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة قال: نا أَبو سنان عن وهب بن منبه في قوله: {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الآية: 129]. قال: قالت بنو إِسرائيل لموسى: يا موسى إِن فرعون كان يكلفنا اللبن ويعطينا التبن، قبل. فلما جئتنا كلفنا اللبن مع التبن، وقال موسى: يا رب أَهلك فرعون، حتى متى تبقيه؟ فأُوحي إِليه: يا موسى إِنهم لم يعملوا العمل الذي أُهلكهم به بعد.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} [الأعراف: 127] من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس، {أَتَذَرُ مُوسَىٰ} [الأعراف: 127] الروح، {وَقَوْمَهُ} [الأعراف: 127] من القلب والسر والعقل، {لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 127] أرض البشرية، {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] من الدنيا والشيطان والطبع، ألاَّ تعبد، {قَالَ} [الأعراف: 127] فرعون النفس، {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ} [الأعراف: 127] وأبناء صفات الروح والقلب والنفس أعمالها الصالحة؛ أي: نبطل أعمالهم بالرياء والعجب. {وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ} [الأعراف: 127]؛ أي: الصفات التي تتولدت منها الأعمال، {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] بالمكر والخديعة والحيلة، {قَالَ مُوسَىٰ} [الأعراف: 128] الروح، {لِقَوْمِهِ} [الأعراف: 128] وهم السر والقلب والعقل، {ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ} [الأعراف: 128] على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الجن، {إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ} [الأعراف: 128]؛ أي: أرض البشرية، {يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الأعراف: 128] أرض البشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فيتصف بصفاتها {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]؛ يعني: لما فيه من الخير والسعادة للأتقياء والسعداء منهم، {قَالُوۤاْ} [الأعراف: 129]؛ يعني: قوم الروح له. {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129]؛ أي: من قبل أن تأتينا الواردات الروحيات قبل البلوغ كما نتأذى من أوصاف البشرية، {قَالَ} [الأعراف: 129]؛ يعني: الروح، {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} [الأعراف: 129] النفس وصفاتها بالواردات الربانية ويدفع أذيتها عنكم، فيه يشير إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بدَّ في ذلك من تجلي صفات الربوبية، {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ} [الأعراف: 129]؛ يعني: إذا تجلى الرب بصفة من صفاته لا يبقى، {فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 129] أرض البشرية من صفات النفس إلا ويبدلها بصفات الروح والقلب ويستخلفها في الأرض، {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] في إقامة العبودية وأداء شكر نعم الربوبية. ثم أخبر عما اختبر به آل فرعون بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} [الأعراف: 130] إلى قوله: {أية : وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}تفسير : [الأعراف: 136] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] الآية دلالة على أن المحن والشدائد والمصيبات موجبات الانتباه والاعتبار ولكن لأهل السعادة وأولي الأبصار، فأما أهل الشقاوة فلو شدَّد عليهم وطأة القدرة وضاعف عليهم أسباب النعمة، فلا الوطأة أصلحتهم شِدَّتُها، ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إنْ مَسَّهم يُسْرٌ لاحظوه بعين الاستحقاق، {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} وإن منهم عُسر حملوه على التطير كما قال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} [الأعراف: 131] الكفور لا يرى فضل المنعم فيلاحظ الإنسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل به شيء مما يكره تجنَّى وحل الأمر على ما كان يتمنى كما قال: شعر : ملَّ الوصال وقال كان وكان وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعة تفسير : {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] هو الواحد المنفرد بالإيجاد لكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحق معدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):