٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
129
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوم موسى عليه السلام، لما سمعوا ما ذكره فرعون من التهديد والوعيد خافوا وفزعوا، وقالوا قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا وذلك، لأن بني إسرائيل كانوا قبل مجيء موسى عليه السلام مستضعفين في يد فرعون اللعين، فكان يأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، فلما بعث الله تعالى موسى عليه السلام قوي رجاؤهم في زوال تلك المضار والمتاعب، فلما سمعوا أن فرعون أعاد التهديد مرة ثانية عظم خوفهم وحزنهم، فقالوا هذا الكلام. فإن قيل: أليس هذا القول يدل على أنهم كرهوا مجيء موسى عليه السلام وذلك يوجب كفرهم؟ والجواب: أن موسى عليه السلام لما جاء، وعدهم بزوال تلك المضار فظنوا أنها تزول على الفور. فلما رأوا أنها ما زالت، رجعوا إليه في معرفة كيفية ذلك الوعد فبين موسى عليه السلام أن الوعد بإزالتها لا يوجب الوعد بإزالتها في الحال، وبين لهم أنه تعالى سينجز لهم ذلك الوعد في الوقت الذي قدره له، والحاصل أن هذا ما كان بنفرة عن مجيء موسى عليه السلام بالرسالة، بل استكشافاً لكيفية ذلك الوعد والله أعلم. واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك قال موسى عليه السلام: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ } قال سيبويه: {عَسَى } طمع وإشفاق. قال الزجاج: وما يطمع الله تعالى فيه فهو واجب. ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأن لفظ {عَسَى } ههنا ليس كلام الله تعالى بل هو حكاية عن كلام موسى عليه السلام، إلا أنا نقول مثل هذا الكلام إذا صدر عن رسول ظهرت حجة نبوته عليه الصلاة والسلام بالمعجزات الباهرة أفاد قوة النفس وأزال ما خامرها من الانكسار والضعف فقوى موسى عليه السلام قلوبهم بهذا القول وحقق عندهم الوعد ليتمسكوا بالصبر ويتركوا الجزع المذموم ثم بين بقوله: {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ما يجري مجرى الحث لهم على التمسك بطاعة الله تعالى. واعلم أن النظر قد يراد به النظر الذي يفيد العلم. وهو على الله محال، وقد يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته. وهو أيضاً على الله محال، وقد يراد به الانتظار. وهو أيضاً على الله محال، وقد يراد به الرؤية، ويجب حمل اللفظ ههنا عليها. قال الزجاج: أي يرى ذلك بوقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، وإنما يجازيهم على ما يقع منهم. فإن قيل: إذا حملتم هذا النظر على الرؤية لزم الإشكال، لأن الفاء في قوله: {فَيَنظُرَ } للتعقيب فيلزم أن تكون رؤية الله تعالى لتلك الأعمال متأخرة عن حصول تلك الأعمال، وذلك يوجب حدوث صفة الله تعالى. قلنا: تعلق رؤية الله تعالى بذلك الشيء نسبة حادثة والنسب والإضافات لا وجود لها في الأعيان فلم يلزم حدوث الصفة الحقيقية في ذات الله تعالى. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا} أي في ابتداء ولادتك بقتل الأبناء وٱسترقاق النساء. {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} أي والآن أُعِيد علينا ذلك؛ يعنون الوعيد الذي كان من فرعون. وقيل: الأذى من قبلُ تسخيرهم لبني إسرائيل في أعمالهم إلى نصف النهار، وإرسالهم بقيته ليكتسبوا لأنفسهم. والأذى من بعدُ: تسخيرُهم جميع النهار كله بلا طعام ولا شراب؛ قاله جُوَيْبر. وقال الحسن: الأذى من قبلُ ومن بعدُ واحد، وهو أخذ الجزية. {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} «عسى» من الله واجب؛ جدّد لهم الوعد وحقّقه. وقد ٱستُخلِفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليهما السلام، وفَتحُوا بيت المقدس مع يُوشَع بن نون؛ كما تقدّم. ورُوي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى وتبعهم فرعون فكان وراءهم والبحر أمامهم، فحقّق الله الوعيد بأن غرّق فرعون وقومه وأنجاهم. {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تقدّم نظائره. أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء؛ لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ} أي بنو إسرائيل. {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا} بالرسالة بقتل الأبناء {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} بإعادته. {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} تصريحاً لما كنى عنه أولاً لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بفعل الطمع لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم. وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام. {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فيرى ما تعملون من شكر وكفران وطاعة وعصيان فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فيها.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا} بالاستعباد وقتل الأبناء {وَمِن بَعْدِ} بالوعيد بإعادة ذلك عليهم، أو بالجزية من قبل مجيئه وبعده، أو كانوا يضربون اللَّبِنَ ويُعطون التبن فلما جاء صاروا يضربون اللَّبِنَ وعليهم التبن أو كانوا يسخرون في الأعمال نصف النهار ويكسبون لأنفسهم في النصف الآخر فلما جاء سخَّرهم جميع النهار بغير طعام ولا شراب {مِن قَبْلِ أَن تَأَتِيَنَا} بالرسالة {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} بها، أو من قبل أن تأتينا بعهد الله ـ تعالى ـ أنه يخلِّصنا، ومن بعد ما جئتنا به شكوا ذلك استغاثة منهم بموسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو استبطاء لوعده. {عَسَى} في اللغة طمع وإشفاق، وهي من الله ـ تعالى ـ إيجاب ويقين ويحتمل أن يكون رجاهم ذلك. {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ} يجعلكم خلفاً من فرعون، أو يجعلكم خلفاً لنفسه لأنكم أولياؤه. {الأَرْضِ} أرض مصر، أو الشام. {فَيَنظُرَ} فيرى، أو فيعلم أولياؤه. وعدهم بالنصر، أو حذّرهم من الفساد، لأن الله ـ تعالى ـ ينظر كيف تعملون في طاعته أو خلافته.
الخازن
تفسير : {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما آمنت السحرة تبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل والمعنى أن بني إسرائيل لما سمعوا ما قاله فرعون ووعدهم به من القتل مرة ثانية قالوا لموسى قد أوذينا من قبل أن تأتينا يعني بالرسالة وذلك أن بني إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف النهار فلما جاء موسى بالرسالة وجرى ما جرى شدد فرعون في استعمالهم فكان يستعملهم جميع النهار وأعاد القتل عليهم فقالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يعني بالرسالة وظاهر هذا الكلام يوهم أن بني إسرائيل كرهوا مجيء موسى بالرسالة وذلك كفر. والجواب عن هذا الإيهام أن موسى عليه الصلاة والسلام كان قد وعدهم بزوال ما كانوا فيه من الشدة والمشقة فظنوا أن ذلك يكون على الفور فلما رأوا أنه قد زادت الشدة عليهم قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا فمتى يكون ما وعدتنا به من زوال ما نحن فيه { قال} موسى مجيباً لهم {عسى ربكم أن يهلك عدوكم} يعني فرعون وقومه {ويستخلفكم في الأرض} يعني ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم {فينظر كيف تعملون} يعني فيرى ربكم كيف تعملون من بعدهم. قال الزجاج: فيرى وقوع ذلك منهم لأن الله تعالى لا يجازيهم بما يعلمه منهم وإنما يجازيهم على ما يقع منهم. قوله عز وجل: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} يعني بالقحط والجدب. تقول العرب: مستهم السنة بمعنى أخذهم الجدب في السنة ويقال أسنتوا كما يقال أجدبوا قال الشاعر: شعر : ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف"تفسير : ومعنى الآية: ولقد أخذنا آل فرعون بالجدب والقحط والجوع سنة بعد سنة {ونقص من الثمرات} يعني وإتلاف الغلات بالآفات. قال قتادة أما السنون فلأهل البوادي وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار {لعلهم يذكرون} يعني لعلهم يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي وذلك لأن الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله عز وجل من الخير، ثم بين الله تعالى أنهم عند نزول العذاب وتلك المحن عليهم والشدة لم يزدادوا إلا تمرداً وكفراً فقال تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة} يعني الغيث والخصب والسعة والعافية والسلامة من الآفات {قالوا لنا هذه} أي نحن مستحقون لها ونحن أهلها على العادة التي جرت لنا في سعة الأرزاق وصحة الأبدان ولم يروا ذلك من فضل الله عليهم فيشكروه على إنعامه {وإن تصبهم سيئة} يعني القحط والجدب والمرض والبلاء ورأوا ما يكرهون في أنفسهم {يطيروا} يعني يتشاءموا وأصله يتطيروا والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين {بموسى ومن معه} يعني أنهم قالوا ما أصابنا بلاء إلا حين رأيناهم وما ذلك إلا بشؤم موسى وقومه. قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة وعاش ستمائة وعشرين وسنة لم يروا مكروهاً قط ولو كان حصل له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى الربوبية قط {ألا إنما طائرهم عند الله} يعني أن نصيبهم من الخصب والجدب والخير والشر كله من الله قال ابن عباس رضي الله عنهما طائرهم ما قضي لهم وقدر عليهم من عند الله وفي رواية عنه شؤمهم عند الله تعالى ومعناه أنه إنما جاءهم بكفرهم بالله وقيل الشؤم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار {ولكن أكثرهم لا يعلمون} يعني أن ما أصابهم من الله تعالى وإنما قال تعالى أكثرهم لا يعلمون لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب ولا يضيفونها إلى القضاء والقدر.
البقاعي
تفسير : ولما تشوف السامع إلى ما كان من جوابهم، أشار تعالى أن قلقهم كان وصل إلى حد لا صبر معه بقوله مستأنفاً: {قالوا} ولما كان الموجع هو الأذى، لا كونه من معين، بنوا للمفعول قولهم: {أوذينا} أي بالقتل والاستعباد. ولما كان أذاهم غير مستغرق للزمان، أثبتوا الجارّ فقالوا: {من قبل أن تأتينا} أي كما تعلم {ومن بعد ما جئتنا} أي فما الذي أفادنا مجيئك {قال} مسلياً لهم وداعياً ومرجياً بما رمز إليه من قبل {عسى ربكم} أي الذي أحسن إلى آبائكم بما تعرفون وإليكم بإرسالي إليكم {أن يهلك عدوكم} فلا يهولنكم ما ترون {ويستخلفكم } أي ويوجد خلافتكم لهم متمكنين، لا يحكم عليكم غيركم {في الأرض} أي جنسها إن كنتم متقين؛ ثم سبب عن الاستخلاف قوله مذكراً لهم محذراً من سطواته سبحانه: {فينظر} أي وأنتم خلفاء متمكنون {كيف تعملون*} أي يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إيقاعكم للأعمال، ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداتكم. ولما رجاهم موسى عليه السلام بذلك، أخبر سبحانه أنه فعل ما أخبرهم به، فذكر مقدماته فقال: {ولقد} أي قال لهم ما قال والحال أنا وعزتنا قد {أخذنا} أي قهرنا {آل فرعون} ولينّا عريكتهم وسهلنا شكيمتهم {بالسنين} أي بالقحط والجوع، فإن السنة يطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام؛ ولما كانت السنة تطلق على نقص الحبوب، صرح بالثمار فقال، {ونقص من الثمرات} أي بالعاهات إن كان الماء كثيراً، أو السنة للبادية والنقص للحاضرة {لعلهم يذكرون*} أي ليكون حالهم حال من يرجو ناظره أن يتذكر في نفسه ولو بأدنى وجوه التذكر - بما أشار إليه الإدغام، فإن الضر يزيل الشماخة التي هي مظنة الوقوف مع الحظوظ ويوجب للإنسان الرقة فيقول: هذا إنما حصل لي بسبب تكذيبي لهذا الرسول وعبادتي من لا يكشف السوء عن نفسه ولا غيره. ولما لم يتذكروا ولا لانوا، سبب عن أخذهم قوله معرفاً بغباوتهم معبراً في الخير بأداة التحقيق إشارة إلى أنه أغلب من الشر، حثاً على الشكر: {فإذا} أي فما تسبب عن ذلك إلا أنهم كانوا إذا {جاءتهم الحسنة} أي الحالة الكاملة التي يحبونها من الخصب وغيره، وعرفها بعد تحقيقها إشارة إلى إكمالها {قالوا لنا هذه} أي نحن حقيقون بها، ودل على أن الخير أكثر من غيره بقوله بأداة الشك مع التنكير: {وإن تصبهم سيئة} أي حالة يكرهونها. ولما كانت افصابة بالسيئات تخصهم ولا يلحق بني إسرائيل منها شيء، فكان إظهارهم للتطير بهم ظاهراً في ردهم عليهم وتكذيبهم فيه، أشار سبحانه بإدغام التاء إلى أنهم كانوا إنما يدسونه إلى من يمكنهم اختداعه من الجهلة والأغبياء على وجه الحلية والخفاء، بخلاف ما في يس فقال: {يطيروا} أي يتشاءموا {بموسى ومن معه} أي بأن يقولوا: ما حصل لنا هذا السوء إلا بشؤمهم، وهو تفعل من الطير، وهو تعمد قصد الطير لأن يطير للتفاؤل به خير أو شر، وأصله أن العرب كانوا إذا مر الطائر من ميامنهم إلى جهة مياسرهم قالوا: بارح، أي مشؤوم، من البرح وهو الشدة، فإذا طار من جهة اليسار إلى جهة اليمين عدوه مباركاً، قالوا: من لي بالسانح بعد البارح، أي بالمبارك بعد المشؤوم، وعرف أن المراد هنا التشاؤم لاقترانه بالسيئة. ولما كذبوا في الموضعين، قال مستأنفاً على وجه التأكيد: {ألا إنما طائرهم} أي قدرهم الذي سبق في الأزل من الخير والشر فلا يزداد ولا ينقص {عند الله} أي الملك الذي لا أمر لغيره وقد قدر كل شيء، فلا يقدر على المجيء به غيره أصلاً {ولكن أكثرهم لا يعلمون*} أي لا علم لهم أصلاً فهم لا يهتدون إلى ما ينفعهم ويظنون أن للعباد مدخلاً في ذلك، فلذلك تراهم يضيفون الأشياء إلى أسباب يتوهمونها. ولما كان هذا الذي قالوه يدل على سوء المزاج وجلافة الطباع بما لا يقبل العلاج، أتبعه ما هو شر منه، وهو أنهم جزموا بأنه كلما أتاهم شيء في المستقبل قابلوه بالكفر فقال: {وقالوا مهما} هي مركبة من "ما" مرتين: الأولى الشرطية والثانية تأكيد. قلبت ألف الأولى هاء استثقالاً، قيل: مه هي الصوت الذي يكون للكف وما الشرطية، أي كف عنك ما أنت فيه. ثم استأنفوا "ما" {تأتنا به} أي في أيّ وقت وعلى أيّ حالة كان؛ ثم بينوا المأتي به بقولهم: {من آية} أي علامة على صدقك، وهذا على زعمه، ولذلك عللوه بقولهم: {لتسحرنا} أي لتخيل على عقولنا {بها} وتلفتنا عما نحن عليه إلى ما تريد فنحن نسميها سحراً وأنت تسميها آية؛ ثم أجابوا الشرط بقولهم: {فما نحن} أي كلنا {لك} أي خاصة {بمؤمنين*} أي من أن نكذبك.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} قال: من قبل ارسال الله إياك ومن بعده . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه في الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: كان فرعون يكلفنا اللبن قبل أن تأتينا، فلما جئت كلفنا اللبن مع التبن أيضاً، فقال موسى: أي رب أهلك فرعون حتى متى تبقيه. فأوحى الله إليهم: إنهم لم يعملوا الذنب الذي اهلكهم به . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} قال: أما قبل أن يبعث حزاً لعدو الله فرعون حاز أنه يولد في هذا العام غلام يسلبك ملكك. قال: فتتبع أولادهم في ذلك العام بذبح الذكور منهم ثم ذبحهم أيضاً بعدما جاءهم موسى، وهذا قول بني إسرائيل يشكون إلى موسى. فقال لهم موسى {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بنا أهل البيت يفتح ويختم ، فلا بد أن تقع دولة لبني هاشم فانظروا فيمن تكونوا من بن هاشم، وفيهم نزلت {عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون} .
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ} أي بنو إسرائيلَ {أُوذِينَا} أي من جهة فرعونَ {مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا} أي بالرسالة، يعنون بذلك قتلَ أبنائِهم قبل مولدِ موسى عليه الصلاة والسلام وبعدَه {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} أي رسولاً، يعنون به ما توعدهم به من إعادة قتلِ الأبناءِ وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجَوْر والظلمِ والعذاب، وأما ما كانوا يُستعبَدون به ويُمتهنون فيه من أنواع الخَدَم والمِهَن كما قيل فليس مما يلحقهم بواسطته عليه السلام فليس لذكره كثيرُ ملابسة بالمقام {قَالَ} أي موسى عليه الصلاة والسلام لما رأى شدةَ جَزَعِهم مما شاهدوه مسلياً لهم بالتصريح بما لَوَّح به في قوله: إن الأرض لله، الخ {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} الذي فعل بكم ما فعل وتوعّدكم بإعادته {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي يجعلَكم خلفاءَ في أرض مصرَ {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أحسناً أم قبـيحاً فيجازيَكم حسبما يظهر منكم من الأعمال، وفيه تأكيدٌ للتسلية وتحقيقٌ للأمر. قيل: لعل الإتيانَ بفعل الطمع لعدم الجزمِ منه عليه السلام بأنهم هم المستخلَفون بأعيانهم أو أولادُهم، فقد روي أن مصرَ إنما فتحت في زمن داودَ عليه السلام ولا يساعده قوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } تفسير : فإن المتبادرَ استخلافُ أنفسِ المستضعفين لا استخلافُ أولادِهم، وإنما مجيءُ فعلِ الطمعِ للجري على سنن الكبرياء. {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ} شروعٌ في تفصيل مبادي الهلاكِ الموعودِ وإيذانٌ بأنه تعالى لم يُمهِلْهم بعد ذلك ولم يكونوا في خفْضٍ ودَعَةٍ بل رُتّبت أسبابُ هلاكِهم فتحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذابُ الاستئصالِ، وتصديرُ الجملة بالقسم لإظهار الاعتناءِ بمضمونها، والسنونَ جمعُ سنة والمرادُ بها عامُ القحطِ وفيها لغتانِ أشهرُهما إجراؤها مُجرى المذكرِ السالمِ فيرفع بالواو ويُنصَب ويُجرُّ بالياء ويحذف نونُه بالإضافة. واللغةُ الثانية إجراءُ الإعراب على النون ولكن مع الياء خاصةً إما بإثبات تنوينِها أو بحذفه. قال الفراء: هي في هذه اللغةِ مصروفةٌ عند بني عامرٍ وغيرُ مصروفةٍ عند بني تميم، ووجهُ حذف التنوينِ التخفيفُ وحينئذ لا يُحذف النونُ للإضافة وعلى ذلك جاء قوله الشاعر: شعر : دعانيَ من نجدٍ فإن سنينَه لعِبْنَ بنا شيباً وشيَّبْننا مُرْدا تفسير : وجاء الحديث: »حديث : اللهم اجعلْها عليهم سنينَ كسِني يوسُفَ«تفسير : ، وسنينَ كسنينِ يوسف باللغتين {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ} بإصابة العاهات. عن كعبٍ يأتي على الناس زمانٌ لا تحمل النخلةُ إلا ثمرةً، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أما السنونَ فكانت لباديتهم وأهلِ ماشيتِهم وأما نقصُ الثمرات فكان في أمصارهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} كي يتذكروا ويتعظوا بذلك ويقِفوا على أن ذلك لأجل معاصيهم وينزجروا عما هم عليه من العُتوِّ والعناد. قال الزجاج: إن أحوالَ الشدةِ ترقِّقُ القلوب وترغّب فيما عند الله عز وجل وفي الرجوع إليه تعالى، ألا يُرى إلى قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } تفسير : [فصلت: 51] وقد مر تحقيقُ القول في لعل وفي محلها في تفسير قوله تعالى: {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : في أوائل سورة البقرة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 129]. قال بعضهم فى هذه الآية: أعدى عدوٍّ لك نفسك، عسى أن يمكنك الله من قيادها ويفنى عنها أهواءها ومراداتها الباطلة، ويجعلك خليفة على جوارحك وقلبك أميرًا عليها فتقهر النفس بما فيها وتستولى عليها وعلى مخالفتها، فينظر كيف تعملون: كيف معرفتك بشكر ما أنعم عليك.
القشيري
تفسير : خفي عليهم شهودُ الحقيقة، وغُشِيَ على أبصارهم حتى قالوا توالت علينا البلايا؛ ففي حالك بلاء، وقَبْلكَ شقاء.. فما الفضل؟ فأجابهم موسى - عليه السلام - بما علق رجاءهم بكشف البلاء فقال: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} فوقفهم على الانتظار. ومن شهد ببصر الأسراء شهد تصاريف الأقدار.
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله تعالى عن ما قال قوم موسى لموسى بأنا اوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة. والاذى ضرر لا يبلغ بصاحبه ان يأتي على نفسه، تقول: آذاه يؤذيه اذى وتأذى به تأذيا، ومثله آلمه يؤلمه ايلاما وتألم به تألما. والاذى الذي كان بهم قيل: هو استعباد فرعون اياهم وقتل ابنائهم واستحياء نسائهم للاستخدام. والذي كان بعد مجيء موسى الوعيد لهم بتجديد ذلك العذاب من فرعون والتوعيد عليه، وكان هذا على سبيل الاستبطاء منهم لما وعدهم فجدد الوعد لهم وحققه، وقال الحسن: كان يأخذ منهم الجزية. وقوله { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم} قال سيبويه: لعل وعسى طمع واشفاق، وقال الحسن (عسى) من الله واجبة، وبه قال الزجاج. وقال ابو علي الفارسي {عسى} ها هنا يقين. وقوله {ويستخلفكم في الأرض} قال أبو علي: استخلفوا في مصر بعد موت موسى (ع) في التيه. ثم فتح الله لهم بيت المقدس مع يوشع بن نون. ثم فتح الله لهم مصر وغيرها في زمن داود وسليمان، فملكوها في ذلك الزمان على ما وعدوا به من الاستخلاف. وقوله تعالى {فينظروا كيف تعملون} قيل: ان معنى ينظر - ها هنا - يعلم، وقيل يرى وكلا منهما مجاز لان النظر هو الطلب لما يدرك وهذا لا يجوز عليه تعالى، ولكنه جاء على قوله {أية : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}تفسير : وفائدة الآية تسلية موسى (ع) لقومه بما وعدهم عن الله من اهلاك فرعون وقومه وجعل قومه بدلا منهم ليعملوا بطاعته.
الجنابذي
تفسير : {قَالُوۤاْ} تضجراً بوعده وعدم انجازه {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا} متسلّين بوعد مجيئك {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} فبم نتسلّى بعد مجيئك {قَالَ} بعد تضجّرهم بوعده {عَسَىٰ رَبُّكُمْ} اتى بكلمة التّرجّى وصرّح بهم بعد ما وعدهم بالقطع وعرّض بهم خوفاً من انكارهم وردّهم وتسلية لهم تصريحاً {أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} ارض مصر {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} السّنة غلبت على عام القحط ولذا اطلق السّنين {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} بعاهات اخرى غير الجدب {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} انّ الخصب والسّعة بقدرة الله لا باختيارهم فيؤمنوا برسله ولا يجحدوه، فانّ المانع من قبول الحقّ هو قوّة الخيال وجولانه فى الخواطر وعند الشّدائد يضعف الخيال ولا يمنع من تذكّر الحقّ وقبوله.
الهواري
تفسير : قوله: {قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} يقوله بنو إسرائيل لموسى عليه السلام؛ يعنون ما كان يصنع بهم فرعون وقومه. قال مجاهد: من قبل إرسال الله إياك ومن بعده. وقال الكلبي: إنه لما ألقى السحرة ساجدين فبهت فرعون فألقى بيده وخلّى سبيل موسى، قال الملأ من قوم فرعون لفرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك والهتك. قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون. فأمر فرعون ببني إسرائيل أن يكلفوا من العمل ما لا يطيقون. فمر موسى عليهم كذلك فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. {قَالَ} لهم موسى {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فأخذ الله آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات. قال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} فأجدبت أرضهم وهلكت مواشيهم ونقصت ثمارهم فقالوا: هذا مما سحرنا به هذا الرجل. قوله: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ} قال الحسن: أي نحن أولى بالحسنة ومنا جاءت. قال مجاهد: الحسنة في هذا الموضع العافية والشبع والرخاء والمطر والخير والخصب. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي جدوبة أو شدة {يَطَّيَّرُا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} ويقولوا: إنما أصابنا هذا من شؤم موسى ومن معه. قال الله: {أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ} أي محفوظ. عليهم حتى يجازيهم به يوم القيامة. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. {وَقَالُوا} له يا موسى {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا} أي ما تأتنا به، وهي كلمة عربية: ما تأتنا به، ومهما تأتنا به، وهو واحد، لتسحرنا بها {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي بمصدقين.
اطفيش
تفسير : {قالُوا أوذينا} ضررنا بالأعمال الشاقة والهوان، والجزية وقتل الأبناء {مِنْ قَبلِ أنْ تَأتِينَا} بالرسالة {ومِنْ بَعْد ما جئْتَنا} بها، وذلك منهم شكوى بعموم الإيذاء وعدم انقطاعه، لا كراهة للرسالة، فإن كراهتها كفر أو استبطاء للوعد، فإن موسى وعدهم النصر فظنوه عاجلا، فلما رأوا أن الشدة زادت، وكان يستعملهم إلى نصف النهار بأعمال شاقة، وبعد مجيئه بالرسالة وأمر العصا، أعاد على أبنائهم القتل، واستعملهم النهار كله، وكلفهم عمل الطوب بلا تبن ليشق، قالوا ذلك. وبعد فإن بنى إسرائيل مضطربون على أنبيائهم قليلو الصبر واليقين، فلا بعد فى كراهتهم الرسالة لازدياد العذاب بها، وليس كل بنى إسرائيل مؤمنين، وقال السدى، وابن عباس فى رواية عنه، قالوا ذلك حين اضطرهم فرعون إلى بحر الفلزم، فهو أمامهم وفرعون خلفهم. {قالَ عَسَى} ترجية وإطماع من مجرد نفسه، أو بوحى من الله كما قال الحسن: عسى من الله واجبة، أو عبر بعسى لأنه لم يدر أنهم المستضعفون أم أولادهم {ربُّكم أنْ يُهلكَ عَدوَّكم} فرعون أو فرعون وقومه، فإن العدو يطلق على الواحد والجماعة، وهلاكه هلاك لهم {ويسْتَخلفكُم فى الأرْض} هذا تصريح لهم بما كنا عنه بقوله: {أية : استعينوا بالله واصبروا إن الأرض} تفسير : الخ لما رآهم لم يكتفوا بالكناية، وكان يدعو نفوسا نافرة تستعجل ما تحب. {فينْظُر كَيفَ تعْمَلونَ} أخَيْراً فيجازيكم بجزائه أو شراً فيجازيكم بجزائه كما يجازيهم على شرهم، والله عالم بما يعملون قبل أن يعملوه، لكن قال ذلك لأن قطع العذر والجزاء على العمل. روى أن عمرو بن عبيد دخل على المنصور قبل الخلافة، وعلى مائدته رغيف أو رغيفان، فطلب زيادة له فلم توجد فقرأ عمرو الآية، ثم دخل عليه بعد الخلافة فذكر له المنصور ذلك، يريد أن الله قدر لى ما ترجيته لى من الاستخلاف، فقال عمرو: قد بقى فينظر كيف تعملون يريد وعظه بأنك مجازى على العمل فلا تعمل إلا خيراً. وعن ابن عباس: لما آمن السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بنى إسرائيل، وبقى كما قال مقاتل فى رواية النقاش بمصر بعد إيمان السحرة نحو عام يريهم الآيات، وقيل: عشرين سنة.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا أُوذِينَا} بالاستعمال فى الأَعمال الشاقة {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِينَا} طفلا أَو من قبل أن تَأْتينا بالرسالة {وَمِنْ بَعْدِمَا جِئتَنَا} طفلا أَو بالرسالة، لما قرب ولادته شرع فى قتل أَبنائهم مع الاستعمال، ولما جاءَ بالرسالة زاد شدة فى استعمالهم، وأَعاد القتل فيهم، واستعملوا النهار كله بعد أَن كان يستعملهم إِلى نصف النهار، وقيل: أَرادوا بالإِيذاء الإيعاد بالشر، ولما كان الامتهان بنحو الاستخدام لأَجل شأن موسى، ناسب ذكرهم ذلك لموسى عليه السلام، والمجئ والإِتيان بمعنى واحد، فذكرهما تفنين وترك للتكرار، كما تفنن بأَن المصدرية أَولا وبما المصدرية ثانياً، ولم يعد لفظ أَن، وكل من المجئ والإِتيان يكون فى سهولة وصعوبة، وفى المعانى والأَزمان والجواهر والأَعيان {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} فرعون وقومه {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأَرْضِ} هذا القول من موسى تصريح بما أبهم فى قوله "أية : استعينوا بالله واصبروا"تفسير : [الأَعراف: 128]، وكان بلفظ عسى لأَنه يقول على ما يرجو من الله، والله جل وعلا يقول {عسى} وما أَمره إِلا جزم، أَو لأَنه لا يدرى أَهم المستخلفون أَم ذريتهم أَم غيرهم وغير ذريتهم، ولو جزم بإِهلاك الأَعداء فقيل أَقام بنو إِسرائيل فى أَرض مصر بملكهم، وهو ظاهر الآية، لأَنه قال: يستخلفكم، والأصل والحقيقة استخلافهم بأَنفسهم لا بأَولادهم، وقيل: خرجوا إِلى الشام مع موسى عليه السلام، ونقلوا معهم يوسف ميتا، وهو المشهور، وتركوا مصر لنساء قوم فرعون وضعفائهم وأَطفالهم، وروى أَن مصر فتحت لهم فى زمان داود عليه السلام، وهذا ضعيف ورجحه بعض، وقال إِنهم لم يرجعوا إِليها فى حياة موسى {فَيَنْظُرَ كيْفَ تَعْمَلُونَ} فيها أَتشكرون أَم تكفرون؟ فتجازون على ذلك. ومعنى ينظر يعلم، والمراد بالعلم الجزاء، والجزاء مترتب ولذلك كانت الفاء، وإِلا فعلم الله قديم، نعم هو عالم بعملهم إِذ عملوه كما علمه قبل وقوعه، ولا حدوث علم فى ذلك، وشرع فى تفصيل مبادئ إِهلاكهم بقوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} قومه معه قبل الغرق {بِالسِّنِينَ} أَعوام القحط وقلة المال كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اجعلها سنيناً كسنين يوسف، أَو سنين كسنى يوسف" تفسير : {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} لقلة الماء ولما يفسدها كريح وشدة برد وشدة حرارة، ونزول برد - بفتح الراء - وعن ابن عباس: القحط لأَهل البادية ونقص الثمرات فى أَمصارهم. قال كعب الأَحبار: يأتى الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إِلا ثمرات {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} حالهم، كحال من يعصى فيعاقب رجاء للانزجار، ففيه استعارة تمثيلية، أَو لعل للتعليل أَى ليذكروا أَن ذلك لكفرهم ومعاصيهم، فينزجروا إِلا أَن لعل يثبت المحققون مجيئها للتعليل.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ} أي قوم موسى له عليه السلام {أُوذِينَا} من جهة فرعون {مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا} بالرسالة يعنون بذلك قتل الجبار أولادهم قبل مولده وبعده إذ قيل له: يولد لبني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويكون هلاكك على يديه {وَمِنْ بَعْدَمَا جِئْتَنَا} أي رسولاً يعنون به ما توعدهم به من إعادة قتل الأبناء وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجور والعذاب، وقيل: إن نفس ذلك الإيعاد إيذاء، وقيل: جعل إيعاده بمنزلة فعله لكونه جباراً. وقيل: أرادوا الإيذاء بقتل الأبناء قبل مولد موسى عليه السلام وبعد مولده، وقيل: المراد ما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن، وتعقب بأن ذلك ليس مما يلحقهم بواسطة موسى عليه السلام فليس لذكره كثير ملاءمة بالمقام، والظاهر أنه لا فرق بين الإتيان والمجيء وإن الجمع بينهما للتفنن والبعد عن التكرار اللفظي فإن الطباع مجبولة على معاداة المعادات، ولذلك جيء بأن المصدرية أولاً وبما أختها ثانياً. وذكر الجلال السيوطي في الفرق بينهما أن الإتيان يستعمل في المعاني والأزمان والمجيء في الجواهر والأعيان وهو غير ظاهر هنا إلا أن يتكلف، ونقل عن الراغب في الفرق بينهما أن الإتيان هو المجيء بسهولة فهو أخص من مطلق المجيء وهو كسابقه هنا أيضاً، وهذا منهم جار مجرى التحزن لعدم الاكتفاء بما كنى لهم عليه السلام لفرط ما عراهم وفظاعة ما اعتراهم، والمقام يقتضي الإطناب فإن شأن الحزين الشاكي إطالة الكلام رجاء أن يطفىء بذلك بعض الأوام، وقيل: هو استبطاء منهم لما وعدهم عليه السلام أن النجاة والظفر والأول أولى فقوله تعالى: {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} الذي فعل بكم ما فعل وتوعدكم بما توعد. {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ} أي يجعلكم خلفاء {فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر تريح بما كنى عنه وتوكيد للتسلية على أبلغ وجه، وفيه إدماج معنى من عادى أولياء الله تعالى فقد بارزه بالمحاربة وحق له الدمار والخسار. و {عَسَىٰ} في مثله قطع في إنجاز الموعود والفوز بالمطلوب، ونص غير واحد على التعبير به للجري على سنن الكرماء. وقيل: تأدباً مع الله تعالى وإن كان الأمر مجزوماً به بوحي وإعلام منه سبحانه وتعالى، وقيل: إن ذلك لعدم الجزم منه عليه السلام بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم، فقد روي أن مصر إنما فتحت في زمن داود عليه السلام. وتعقب بأنه لا يساعده قوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } تفسير : [الأعراف: 137] فإن المتبادر استخلاف المستضعفين أنفسهم لا استخلاف أولادهم، والمجاز خلاف الأصل. نعم المشهور أن بني إسرائيل بعد أن خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر لم يرجعوا إليها في حياته، وفي قوله سبحانه: {فَيَنظُرَ} أي يرى أو يعلم {كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أحسناً أم قبيحاً فيجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال إرشاد لهم / إلى الشكر وتحذير لهم عن الوقوع في مهاوي الكفر، وقيل: فيه إشارة إلى ما وقع منهم بعد ذلك.
ابن عاشور
تفسير : {قالوا} حكاية جواب قوم موسى إياه، فلذلك فصلت جملة القول على طريقة المحاورة، وهذا الخبر مستعمل في الشكاية واستئثارتهم موسى ليدعو ربه أن يفرج كربهم. والإيذاء: الإصابة بالأذى، والأذى ما يؤلم ويحزن من قول أو فعل، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : لن يضروكم إلاّ أذى}تفسير : في سورة آل عمران (111)، وقوله: {أية : فصَبروا على ما كُذبوا وأوذوا} تفسير : في سورة الأنعام (34)، وهو يكون ضعيفاً وقوياً، ومرادهم هنا القوي منه، وهو ما لحقهم من الاستعباد وتكليفهم الأعمال الشاقة عليهم في خدمة فرعون وما توعدهم به فرعون بعد بعثة موسى من القطع والصلب وقتل الأبناء، وكأنهم أرادوا التعريض بنفاد صبرهم وأن الأذى الذي مسهم بعد بعثة موسى لم يكن بداية الأذى، بل جاء بعد طول مدة في الأذى، فلذلك جمعوا في كلامهم ما لحقهم قبل بعثة موسى. وقد توهم بعض المفسرين أن هذا امتعاض منهم مما لحقهم بسبب موسى وبواسطته مستنداً إلى أن قتل الذكور منهم كان قبل مجيء موسى بسبب توقع ولادة موسى، وكان الوعيد بمثله بعد مجيئه بسبب دعوته، وليس ذلك بمتجه لأنه لو كان هو المراد لما كان للتعبير بقوله: {من قبل أن تأتينا} موقع، والإتيان والمجيء مترادفان، فذكر المجيء بعد الإتيان ليس لاختلاف المعنى، ولكنه للتفنن وكراهية إعادة اللفظ. والإتيان والمجيء مدلولهما واحد، وهو بعثة موسى بالرسالة، فجعل الفعل المعبّر عنه حين عُلق به (قبل) بصيغة المضارع المقترن بــــ (أن) الدالة على الاستقبال والمصدرية لمناسبة لفظ (قبل) لأن ما يضاف إلى (قبل) مستقبل بالنسبة لمدلولها، وجُعل حين علق به (بعد) بصيغة الماضي المقترن بحرف (مّا) المصدرية لأن (ما) المصدرية لا تفيد الاستقبال ليناسب لفظ (بعد) لأن مضاف كلمة (بعد) ماض بالنسبة لمدلولها. فأجابهم موسى بتقريب أن يكونوا هم الذين يرثون مُلك الأرض والذين تكون لهم العاقبة. وجاء بفعل الرجاء دون الجزم تأدباً مع الله تعالى، وإقصاء للاتكال على أعمالهم ليزدادوا من التقوى والتعرض إلى رضى الله تعالى ونصره. فقوله: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم} ناظر إلى قوله: {أية : إن الأرض لله}تفسير : [الأعراف: 128] وقوله: {أية : ويَسْتخلفَكم في الأرض} تفسير : ناظر إلى قوله {أية : والعاقبة للمتقين}تفسير : [الأعراف: 128]. والمراد بالعدو، فرعون وحزبه، فوصفُ عدو يوصف به الجمع قال تعالى: {أية : هم العدو}تفسير : [المنافقون: 4]. والمراد بالاستخلاف: الاستخلاف عن الله في مُلك الأرض. والاستخلاف إقامة الخليفة، فالسين والتاء لتأكيد الفعل مثل استجاب له، أي جعلهم أحراراً غالبين ومؤسسين ملكاً في الأرض المقدسة. ومعنى {فينظر كيف تعملون} التحذير من أن يعملوا ما لا يرضي الله تعالى، والتحريض على الاستكثار من الطاعة ليستحقوا وصف المتقين، تذكيراً لهم بأنه عليم بما يعملونه. فالنظر مستعمل في العلم بالمرئيات، والمقصود بما {تعملون} عملهم مع الناس في سياسة ما استخلفوا فيه، وهو كله من الأمور التي تشاهد إذ لا دخل للنيات والضمائر في السياسة وتدبير الممالك، إلاّ بمقدار ما تدفع إليه النيات الصالحة من الأعمال المناسبة لها، فإذا صدرت الأعمال صالحة كما يرضي الله، وما أوصى به، حصل المقصود، ولا يضرها ما تكنه نفس العامل. و(كيف) يجوز كونها استفهاماً فهي معلّقة لفعل (ينظرُ) عن المفعول، فالتقدير فينظر جواب السؤال بــــ {كيف تعملون}، ويجوز كونها مجردة عن معنى الاستفهام دالة على مجرد الكيفية، فهي مفعول به لــــ {ينظرَ} كما تقدم في قوله تعالى: {أية : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} تفسير : في سورة آل عمران (6)، وقوله تعالى: {أية : انظْر كيف نبين لهم الآيات}تفسير : في سورة المائدة (75) وقد تقدم.
د. أسعد حومد
تفسير : (129) - فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: لَقَدْ آذَوْنَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا، وَذَبَحُوا أَبْنَاءَنَا، وَهُمْ يُعِيدُونَ ذلِكَ الآنَ بَعْدَ أَنْ جِئْتَنَا. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: اصْبِرُوا عَلَى أَذَاهُمْ عَسَى اللهُ أَنْ يُهْلِكَ هؤُلاءِ الأَعْدَاءَ، وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ بَعْدَهُمْ في الأَرْضِ لِيَرَى كَيْفَ تَكُونُ أَعْمَالُكُمْ، وَهَلْ سَتَشْكُرُونَ رَبَّكُمُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلائِهِ عَلَيْكُمْ. أَمْ تَكْفُرُونَ؟ هَلْ سَتُصْلِحُونَ أَمْ تُفْسِدُونَ لِيَجْزِيَكُمْ في الدَّنيا وَالآخِرَةِ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد قالوا لموسى: من قبل أن تأتينا أوذينا بأن قتلوا الأبناء واستحيوا النساء، وبعد أن جئت ها نحن أولاء نتلقى الإِيذاء. كأن مجيئك لم يصنع لنا شيئاً. إذن هم نظروا للابتلاءات التي يجريها الله على خلقه، ولم ينظروا إلى المنة والمنحة والعطاء وإلى آلاء الانتصار، وإلى أن فرعون قد حشد كل السحرة، وبعد ذلك هزمهم موسى، وكان يجب أن يكون تنبيها لهم لقدر عطاءات الله، هم يحسبون أيام البلاء، ولم يحسبوا أيام الرخاء. وقوله: {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} يدل على أنهم سوف يخونون العهود، ويفعلون الأشياء التي لا تتناسب مع هذه المقدمات. وفي الإِسلام نجد عمرو بن عبيد وقد دخل على المنصور قبل أن يكون أميراً للمؤمنين، وكان أمامه رغيف أو رغيفان، فقال: التمسوا رغيفاً لابن عبيد. فرد عليه العامل: لا نجد. فلما ولي الخلافة وعاش في ثراء الملك ونعمته دخل عليه ابن عبيد وقال: لقد صدق معكم الحق يا أمير المؤمنين في قوله: {...عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] وقد قال موسى لقومه بعد أن عايروه بعدم قدرته على رد العذاب عنهم. وهكذا استقبل قوم موسى أول هزيمة لفرعون أمام موسى، وقالوا له: أوذينا من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما جئتنا، أي بالتذبيح، واستحياء النساء، وقتل الأبناء، فكأن مجيئك لم يفدنا شيئاً لأننا مقيمون على العذاب الذي كنا نُسامه. فلا حاجة لنا بك، ولا ضرورة في أن تكون موجوداً؛ بدليل أن الذي حدث بعدك هو الذي حدث قبلك. ولم يلتفتوا إلى أن الإِيذاء من قبل ومن بعد لا ينشأ إلا من عدو، فكأن موسى يرد عليهم بأن أسباب الإِيذاء ستنتهي، وأن الله سيهلك عدوكم الذي آذاكم من قبل ويؤذيكم من بعد. ولن يقتصر الأمر على هذه النعمة؛ بل يزيدكم بأن يستخلفكم في الأرض، ويعطيكم ملكهم ويعطيكم أرضهم. وكأن هنا أمرين: الأمر الأول سلبي: وهو إهلاك العدو، والأمر الثاني إيجابي: وهو استخلافكم في الأرض وهذا أمر لكم، ووعد من الله بأن تكون لكم السيادة والملك وعليكم أن تنتبهوا إلى أن نعمة الله عليكم بإهلاك عدوكم، وباستخلافكم في الأرض لن تترك هكذا، بل أنا رقيب عليكم أنظر ماذا تفعلون، هل تستقبلون هذه النعم بالشكر وزيادة الإِيمان واليقين والارتباط بالله، أو تكفرون بهذه النعمة؟ وحين يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى {عَسَىٰ} فهي كلمة - كما يقول علماء اللغة - تدل على الرجاء، ومعنى الرجاء أن ما بعدها يكون مرجو الحصول. وهناك فرق بين التمني وبين الرجاء. فالتمني أن تتطلب أمراً مستحيلاً أو يكون في الحصول عليه عسر، ولكنك تريد - فقط - بالتمني إشعار حبك له، فأنت إذا قلت: ليت الشباب يعود، فهذا أمر لا يكون، ولكنك تعلن حبك لمرحلة الشباب. وقصارى ما يعطيه أن يعلمنا أنك تحب هذا المتمنَّي. لكن هل يتحقق أو لا يتحقق.. فهذه ليست واردة. لكن "الرجاء" شيء محبوب يوشك أن يقع. وهكذا نعرف أن الرجاء أقوى من التمني. وأداة التمني "ليت" وأداة الرجاء "عسى". وحين يكون بعد "عسى" ما يُرْجَى فلذلك مراحل تتفاوت بقوة أسباب الرجاء في الوقوع. فأنا مثلاً إذا قلت: عسى أن أكرمك فهذا أمر يعود إليّ أنا، لأنَّ إكرامي لك يقتضي بقائي، وعدم تغير نفسي من ناحيتك، فمن الجائز أن تتغير نفسي قبل أن أكرمك ولا يقع إكرامي لك. هذا هو الرجاء من صاحب الأغيار، ومادمت صاحب أغيار فقد لا أقدر على الإِكرام، أو أقدر ولكني لم أعد أحب هذا الأمر فقد انصرفت نفسي عنه، وهذا يفسد الرجاء ويقلل الأمل في حصوله. فإذا قلت لإِنسان: عسى الله أن يكرمك فلان وهو مساويه، فهذا أمر مستبعد قليلاً؛ لأن من يقول ذلك لا يملك أن يقوم فلان بإِكرام المساوي له، لأنه صاحب أغيار. لكن إذا قلت: عسى الله أن يكرمك فهذه أقوى، لأن ربنا لا يعجزه شيء عن إكرام إنسان. وهل يقبل الله أن يجيب رجاءك؟ هذه مسألة تحتاج إلى وقفة، فسبحانه من ناحية القوة له مطلق القدرة فلا شيء يعطله أو يستعصي أو يتأبى عليه. فإذا ما قال الحق عن نفسه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ} فقد انتهت المسألة وتقرر الوعد وتحقق، وهذا ما يقال عنه رجاء محقق. إذن مراحل الرجاء هي: عسى أن أكرمك، وعسى أن يكرمك زيد، وعسى الله أن يكرمك، وأقوى ألوان الرجاء أن بعد الحق بالإِكرام أو بالرحمة. {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ...} [الأعراف: 129] والكلام كما نراه هو من موسى، ولا يقدر على هذه المسألة إلا الله، فما موقع هذا من تحقيق الرجاء؟. نعلم أن موسى رسول أرسله الله لهداية الخلق، وأرسله مؤيداً بالمعجزة، فإذا كان الرسول المؤيد بالمعجزة قد أمره الله أن يبلغهم ذلك، فيكون الرجاء منه مقبولاً: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ}. ومرة تكون إزالة الشيء الضار نعمة بمفردها، أما أن يهلك الله عدوي ويعطيني الحق مكانة عدوي العالية فهذه نعمة إيجاب، تكون بعد نعمة سلب. ومثل هذا ما سوف يحدث يوم القيامة؛ لأن الحق يقول: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ...} تفسير : [آل عمران: 185] ومجرد الزحزحة عن النار فضل ونعمة، فما بالك بمن زُحزح عن النار وأدخل الجنة؟. لقد نال نعمتين. وهنا يقول الحق سبحانه: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ}. وتلك وحدها نعمة تليها نعمة أخرى هي: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ}. لكن ثمن هذه النعم هو أن ينظر ماذا تعملون؟. هل ستشكرون هذه النعم وتكونون عباداً صالحين، أو تجحدونها وتكفرونها؟ فالإِنسان ظلوم كفار. وكلمة "ينظر" إذا جاءت على الإِنسان فُهِم المراد منها أي يراك بناظره. وإذا أُسندت لله فالأمر مختلف، فتعالى الله أن تكون له حدقة عين مثل عيوننا. لكنه سبحانه لا يجهل شيئاً لينظره؛ لأنه هو - سبحانه - عالمه قبل أن يقع. ونعلم أن هناك فارقاً بين الحكم على المخلوق بعلم الخالق، وبين الحكم على المخلوق بعمل المخلوق. مثال ذلك نجد الأستاذ في مادة ما يعرف مستويات الطلاب الذين يدرسون على يديه. وعميد الكلية يقول له: ما رأيك؟ فيقول فلان تلميذ يستحق النجاح بتقدير مرتفع والثاني لابد أن يرسب. الأستاذ يقول هذا الحكم بناء عن علمه بحال كل طالب. لكن إذا أرسب الأستاذ طالباً بناء على تقديره دون امتحان فالطالب الذي رسب قد يقول لأستاذه: أنت شططت في الحكم؛ ولو مكنتني من الامتحان لنجحت. وحين يقرر العميد امتحان الطالب، ويؤدي الامتحان بالفعل، ولكنه يرسب. هنا يتأكد للعميد أن الحكم برسوب طالب قد عرفه الأستاذ أولاً ثم تلا ذلك إخفاق الطالب في الامتحان. إن الله سبحانه حين يقول: {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}. هو سبحانه لا ينظرها ليعلمها - حاشا الله - فهو عالمها، ولكنه لا يريد أن يحكم بعلمه على خلقه. ولكن يريد أن يحكم على خلقه بفعل خلقه، وسبحانه عالم أزلاً بكل من يهدي ومن يضل. ولذلك خلق الجنة وخلق النار لتسع كل منهما كل الخلق، ولم يخلق أماكن في الجنة على قدر من سوف يدخلونها فقط، وكذلك لم يخلق أماكن في النار لا تسع فقط أهل النار، بل يمكنها أن تسع كل الخق، ولم يحكم بعلمه في هذه المسألة، بل يترك الحكم الأخير لواقع الأشياء مادام هناك اختيار للإِنسان، فعلى فرض أنكم جميعاً آمنتم فلكم كلكم أماكن في الجنة. وعلى فرض أنكم - والعياذ بالله - كفرتم فلكم أماكن في النار، وسبحانه لن ينشئ شيئاً جديداً، بل أعد كل شيء وانتهى الأمر. وحين يأتي أهل الجنة ليدخلوا الجنة، وأهل النار ليدخلوا النار سوف يكون لأهل الجنة مقاعد أخرى كانت مخصصة لمن دخلوا النار. ويعلن لأهل الجنة: أورثتموها وخذوها أنتم: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا...} تفسير : [الأعراف: 43] وهي ميراث من الذين كانت معدة لهم ولم يقوموا بالعمل المؤهل لامتلاكها. فإياك أن تفهم أن نظر الله إلى خلقه ليعلم منه شيئاً. لا. أنَّه العليم أزلاً. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ...} تفسير : [الحديد: 25] وسبحانه يعلم أزلاً ويتحقق بسلوك الناس علمهم بأفعالهم واقعاً، وعلم الواقع هو الذي يكون حجة على الخلق. وهنا في الآية التي نحن بصددها ثلاثة أشياء: أن يهلك سبحانه عدوكم، وأن يستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون. ونحقق فيما تحقق منهما. وجاء سبحانه في مقدمة الإِهلاك، فقال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):