٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
130
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 129] لا جرم بدأ ههنا بذكر ما أنزله بفرعون وبقومه من المحن حالاً بعد حال، إلى أن وصل الأمر إلى الهلاك تنبيهاً للمكلفين على الزجر عن الكفر والتمسك بتكذيب الرسل، خوفاً من نزول هذه المحن بهم. فقال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: السنين جميع السنة قال أبو علي الفارسي: السنة على معنيين: أحدهما: يراد بها ـ الحول والعام ـ والآخر يراد بها ـ الجدب ـ وهو خلاف الخصب فمما أريد به الجدب هذه الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف»تفسير : وقول عمر رضي الله عنه: إنا لا نقع في عام السنة، فلما كانت السنة يعني بها الجدب، اشتقوا منها كما يشتق من الجدب. ويقال: أسنتوا، كما يقال أجدبوا. قال الشاعر:شعر : ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : قال أبو زيد: بعض العرب تقول، هذه سنين ورأيت سنيناً، فتعرب النون. ونحوه. قال الفراء: ومنه قول الشاعر:شعر : دعاني من نجد فإن سنينه لعبن بنا وشيبننا مردا تفسير : قال الزجاج: السنين في كلام العرب الجدوب، يقال مستهم السنة ومعناه: جدب السنة. وشدة السنة. إذا عرفت هذا فنقول: قال المفسرون: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين} يريد الجوع والقحط عاماً بعد عام، فالسنون لأهل البوادي {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ } لأهل القرى. ثم قال تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر الآية أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار لأجل أن يرجعوا عن طريقة التمرد والعناد إلى الانقياد والعبودية، وذلك لأن أحوال الشدة ترقق القلب وترغب فيما عند الله، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ }تفسير : [الإسراء: 67] وقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } تفسير : [فصلت: 51]. المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية تدل على أنه تعالى فعل ذلك إرادة منه أن يتذكروا، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر. أجاب الواحدي عنه: بأنه قد جاء لفظ الابتلاء والاختبار في القرآن، لا بمعنى أنه تعالى يمتحنهم، لأن ذلك على الله تعالى محال، بل بمعنى أنه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء والامتحان، فكذا ههنا والله أعلم. ثم بين تعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ } قال ابن عباس: يريد بالحسنة العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ } أي نحن مستحقون على العادة التي جرت من كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويقوموا بحق النعمة فيه. وقوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } يريد القحط والجدب والمرض والضر والبلاء {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } أي يتشاءموا به. ويقولوا إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين وقوله: {يَطَّيَّرُواْ } هو في الأصل يتطيروا، أدغمت التاء في الطاء، لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا وقوله: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ } في الطائر قولان: القول الأول: قال ابن عباس: يريد شؤمهم عند الله تعالى أي من قبل الله أي إنما جاءهم الشر بقضاء الله وحكمه، فالطائر ههنا الشؤم. ومثله قوله تعالى في قصة ثمود: {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ } قال الفراء: وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا، قال الأزهري: وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطير ببارحها، ونعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسموا الشؤم طيراً وطائراً وطيرة لتشاؤمهم بها. ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طيرتهم باطلة، فقال: {لا طيرة ولا هام} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل، ولا يتطير. وأصل الفأل الكلمة الحسنة، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفأل وأبطل الطيرة قال محمد الرازي رحمه الله: ولا بد من ذكر فرق بين البابين. والأقرب أن يقال: إن الأرواح الإنسانية أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية. فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها بخلاف طيران الطير، وحركات البهائم، فإن أرواحها ضعيفة، فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال. القول الثاني: في تفسير الطائر قال أبو عبيدة: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ } أي حظهم. وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم والعرب تقول: أطرت المال وطيرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه. أي حصل له ذلك السهم. واعلم أن على كلا القولين، المعنى: أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن الكل من الله تعالى، وذلك لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطونها عن قضاء الله تعالى وتقديره، والحق أن الكل من الله، لأن كل موجود، فهو إما واجب الوجود لذاته أو ممكن لذاته، والواجب واحد وما سواه ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذته، وبهذا الطريق يكون الكل من الله فإسنادها إلى غير الله يكون جهلاً بكمال الله تعالى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} يعني الجدوب. وهذا معروف في اللغة؛ يقال: أصابتهم سَنَة، أي جَدب. وتقديره جَدْبُ سنة. وفي الحديث: «حديث : اللَّهُمَّ ٱجعلها عليهم سِنين كسِني يوسفَ»تفسير : . ومن العرب من يُعرب النون في السنين؛ وأنشد الفراء:شعر : أرَى مَرّ السنينِ أخَذْنَ مِنّي كما أخَذَ السِّرار من الهلال تفسير : قال النحاس: وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون؛ ولكن أنشد في هذا مالا يجوز غيره، وهو قوله:شعر : وقد جَـاوَزْتُ رأسَ الأربعيـنِ تفسير : وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون: أقمتُ عنده سِنِيناً يا هذا؛ مصروفاً. قال: وبنو تميم لا يصرفون ويقولون: مضت له سنينُ يا هذا. وسنينُ جمع سنة، والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحَوْل. ومنه أسْنَتَ القوم أي أجدبوا. قال عبد الله بن الزِّبَعْرى:شعر : عَمْرُو العُلاَ هَشَمَ الثَّرِيد لقومه ورجالُ مكةَ مُسنِتُون عِجافُ تفسير : {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي ليتعظوا وترِق قلوبهم.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ} بالجدوب لقلة الأمطار والمياه، والسنة غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكر عنه ويؤرخ به، ثم اشتق منها فقيل أسنت القوم إذا قحطوا. {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ} بكثرة العاهات. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا، أو ترق قلوبهم بالشدائد فيفزعوا إلى الله ويرغبوا فيما عنده.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءالَ فِرْعَوْنَ} أي: اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم {بِٱلسِّنِينَ} وهي: سني الجوع بسبب قلة الزروع {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} قال مجاهد: وهو دون ذلك. وقال أبو إسحاق عن رجاء بن حيوة: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} أي: من الخصب والرزق {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أي: هذا لنا بما نستحقه {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: جدب وقحط {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} أي: هذا بسببهم وما جاؤوا به {أَلاَۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {أَلاَۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} يقول: مصائبهم عند الله، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وقال ابن جريج عن ابن عباس قال: {أَلاَۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي: إلا من قبل الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ } بالقحط {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } يتعظون فيؤمنون.
الشوكاني
.تفسير : المراد بآل فرعون هنا قومه، والمراد بالسنين الجدب. وهذا معروف عند أهل اللغة. يقولون أصابتهم سنة: أي جدب سنة، وفي الحديث: «حديث : اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»تفسير : ، وأكثر العرب يعربون السنين إعراب جمع المذكر السالم. ومن العرب من يعربه إعراب المفرد، ويجري الحركات على النون، وأنشد الفراء:شعر : أرى مرّ السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال تفسير : بكسر النون من السنين. قال النحاس: وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون. أقول: قد ورد ما لا احتمال فيه وهو قول الشاعر:شعر : وماذا تزدري الأقوام مني وقد جاوزت حدّ الأربعين تفسير : وبعده:شعر : أخو الخمسين مجتمع أشدي وتجدبني مداورة السنين تفسير : فإن الأبيات قبله وبعده مكسورة. وأوّل هذه الأبيات:شعر : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني تفسير : وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون: أقمت عنده سنيناً مصروفاً. قال: وبنو تميم لا يصرفونه. ويقال أسنت القوم، أي أجدبوا، ومنه قول ابن الزبعري:شعر : ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ } بسبب عدم نزول المطر، وكثرة العاهات {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيتعظون ويرجعون عن غوايتهم. قوله: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ } أي الخصلة الحسنة من الخصب بكثرة المطر، وصلاح الثمرات، ورخاء الأسعار {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ } أي أعطيناها باستحقاق، وهي مختصة بنا {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } أي خصلة سيئة من الجدب والقحط، وكثرة الأمراض ونحوها من البلاء {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } أي يتشاءموا بموسى ومن معه من المؤمنين به، والأصل يتطيروا أدغمت التاء في الطاء، وقرأ طلحة "تطيروا" على أنه فعل ماض. وقد كانت العرب تتطير بأشياء من الطيور والحيوانات، ثم استعمل بعد ذلك في كل من تشاءم بشيء. ومثل هذا قوله تعالى: {أية : ٱوَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ } تفسير : [النساء: 78] قيل: ووجه تعريف الحسنة أنها كثيرة الوقوع، ووجه تنكير السيئة ندرة وقوعها. قوله: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ } أي سبب خيرهم وشرهم بجميع ما ينالهم من خصب وقحط، هو من عند الله، ليس بسبب موسى ومن معه. وكان هذا الجواب على نمط ما يعتقدونه وبما يفهمونه. ولهذا عبر بالطائر عن الخير والشر الذي يجري بقدر الله وحكمته ومشيئته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } بهذا، بل ينسبون الخير والشر إلى غير الله جهلاً منهم. وقرأ الحسن «طيرهم». قوله: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ لّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } قال الخليل: أصل {مهما}: «ما» الشرطية زيدت عليه «ما» التي للتوكيد، كما تزاد في سائر الحروف مثل: حيثما وأينما وكيفما ومتى ما. ولكنهم كرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا ألف الأولى هاء. وقال الكسائي: أصله: مه، أي اكفف ما تأتينا به من آية، وزيدت عليها «ما» الشرطية. وقيل: وهي كلمة مفردة يجازى بها. ومحل {مهما} الرفع على الابتداء، أو النصب بفعل يفسره ما بعدها. و{من آية} لبيان {مهما}، وسموها آية استهزاء بموسى كما يفيده ما بعده. وهو {لّتَسْحَرَنَا بِهَا } أي لتصرفنا عما نحن عليه كما يفعله السحرة بسحرهم. والضمير في "به" عائد إلى {مهما}، والضمير في {بها} عائد إلى {آية}؛ وقيل: إنهما جميعاً عائدان إلى {مهما}، وتذكير الأوّل باعتبار اللفظ، وتأنيث الثاني باعتبار المعنى {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } جواب الشرط، أي فما نحن لك بمصدّقين. أخبروا عن أنفسهم أنهم لا يؤمنون بشيء مما يجيء به من الآيات التي هي في زعمهم من السحر، فعند ذلك نزلت بهم العقوبة من الله عزّ وجلّ المبينة بقوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ } وهو المطر الشديد. قال الأخفش: واحده طوفانة، وقيل: هو مصدر كالرجحان والنقصان فلا واحد له. وقيل الطوفان: الموت. وقال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان مهلكاً من موت أو سيل، أي ما يطيف بهم فيهلكهم. وَٱلْجَرَادَ هو الحيوان المعروف. أرسله الله لأكل زروعهم فأكلها.وَٱلْقُمَّل قيل: هي الدباء. والدباء: الجراد قبل أن تطير، وقيل: هي السوس، وقيل: البراغيث، وقيل: دواب سود صغار، وقيل: ضرب من القردان، وقيل: الجعلان. قال النحاس: يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم. وقرأ الحسن «القمل» بفتح القاف وإسكان الميم. وقرأ الباقون بضم القاف وفتح الميم مشددة. وقد فسّر عطاء الخراساني «القمل» بالقمل {وَٱلضَّفَادِعَ } جمع ضفدع، وهو الحيوان المعروف الذي يكون في الماء. {وَٱلدَّمَ } روي أنه سال النيل عليهم دماً. وقيل: هو الرعاف. قوله: {آيَاتٍ مّفَصَّلاَت} أي مبينات. قال الزجاج: هو منصوب على الحال. والمعنى: أرسلنا عليهم هذه الأشياء حال كونها آيات بينات ظاهرات {فَٱسْتَكْبَرُواْ } أي ترفعوا عن الإيمان بالله {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } لا يهتدون إلى حق، ولا ينزعون عن باطل. قوله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرّجْزُ } أي العذاب بهذه الأمور التي أرسلها الله عليهم. وقرىء بضم الراء وهما لغتان. وقيل: كان هذا الرجز طاعوناً مات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفاً. {قَالُواْ يا مُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } أي بما استودعك من العلم، أو بما اختصك به من النبوّة، أو بما عهد إليك أن تدعو به فيجيبك. والباء متعلقة بـ {ادع} على معنى: أسعفنا إلى ما نطلب من الدعاء بحق ما عندك من عهد الله، أو ادع لنا متوسلاً إليه بعهده عندك. وقيل: إن الباء للقسم، وجوابه لنؤمنن، أي أقسمنا بعهد الله عندك {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } على أن جواب الشرط سدّ مسدّ جواب القسم، وعلى أن الباء ليست للقسم، تكون اللام في {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرّجْزَ } جواب قسم محذوف. و {لَنُؤْمِنَنَّ } جواب الشرط سادّ مسدّ جواب القسم {وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } معطوف على لنؤمننّ. وقد كانوا حابسين لبني إسرائيل عندهم، يمتهنونهم في الأعمال، فوعدوه بإرسالهم معه. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ } أي رفعنا عنهم العذاب عند أن رجعوا إلى موسى وسألوه بما سألوه، لكن لا رفعاً مطلقاً، بل رفعاً مقيداً بغاية هي الأجل المضروب لإهلاكهم بالغرق. وجواب "لما" {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } أي ينقضون ما عقدوه على أنفسهم، و"إذا" هي الفجائية، أي فاجؤوا النكث وبادروه. {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } أي أردنا الانتقام منهم لما نكثوا بسبب ما تقدّم لهم من الذنوب المتعددة {فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ } أي في البحر. قيل: هو الذي لا يدرك قعره. وقيل هو لجته وأوسطه. وجملة {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} تعليل للإغراق {وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ } معطوف على كذبوا، أي كانوا غافلين عن النقمة المدلول عليها بانتقمنا، أو عن الآيات التي لم يؤمنوا بها، بل كذبوا بها، وكانوا في تكذيبهم بمنزلة الغافلين عنها. والثاني أولى لأن الجملتين تعليل للإغراق. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ } قال: السنين الجوع. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: السنين الجوائح {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ } دون ذلك. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: لما أخذ الله آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم، وذهبت مواشيهم حتى يبس نيل مصر، واجتمعوا إلى فرعون، فقالوا: إن كنت كما تزعم فائتنا في نيل مصر بماء، قال: غدوة يصبحكم الماء، فلما خرجوا من عنده قال: أي شيء صنعت إن لم أقدر على أن أجري في نيل مصر ماء غدوة كذبوني. فلما كان جوف الليل قام فاغتسل، ولبس مدرعة صوف، ثم خرج حافياً حتى أتى نيل مصر فقال: اللهم إنك تعلم، أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ماء. فما علم إلا بجزر الماء يقبل، فخرج وأقبل النيل يزخ بالماء لما أراد الله بهم من الهلكة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ } قال: العافية والرخاء {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ } نحن أحق بها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } قال: بلاء وعقوبة {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ } قال: يتشاءموا به. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ } قال: الأمر من قبل الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الطوفان الموت»تفسير : قال ابن كثير: هو حديث غريب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: الطوفان الغرق. وأخرج هؤلاء عن مجاهد قال: الطوفان الموت على كل حال. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: الطوفان: مطروا دائماً بالليل والنهار ثمانية أيام. والقمل: الجراد الذي له أجنحة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال: الطوفان أمر من أمر ربك، ثم قرأ: {أية : فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ } تفسير : [القلم: 19]. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: الطوفان الماء، والطاعون والجراد. قال يأكل مسامير رُتُجهم: يعني أبوابهم وثيابهم، والقمل: الدباء. والضفادع، تسقط على فرشهم وفي أطعمتهم، والدم: يكون في ثيابهم ومائهم وطعامهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: القمل الدباء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: كانت الضفادع بريّة، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف نفسها في القدر وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: سال النيل دماً، فكان الإسرائيلي يستقي ماء طيباً، ويستقي الفرعوني دماً، ويشتركان في إناء واحد، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء طيباً وما يلي الفرعوني دماً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم، في قوله: {وَٱلدَّمَ } قال: سلط الله عليهم الرعاف. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة أربعين سنة، يريهم الآيات، والجراد، والقمل والضفادع. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله: {آيَاتٍ مّفَصَّلاَت} قال: كانت آيات مفصلات يتبع بعضها بعضاً ليكون لله الحجة عليهم. وأخرج ابن المنذر، عنه، قال: يتبع بعضها بعضاً تمكث فيهم سبتاً إلى سبت، ثم ترفع عنهم شهراً. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الرجز: العذاب» تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: الرجز الطاعون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ } قال: الغرق. وأخرج ابن أبي حاتم، من طرق، عن ابن عباس قال: اليم البحر. وأخرج أيضاً عن السديّ مثله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بالسِّنِينَ} فيه قولان: أحدهما: يعني بالجوع، قاله مجاهد، وقتادة. والثاني: أن معنى السنين الجدوب، قاله الحسن. والعرب تقول: أخذتهم السنة إذا قحطوا وأجدبوا. وقال الفراء: المراد بالسنين الجدب والقحط عاماً بعد عام. قوله عز وجل: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَعَهُ} في الحسنة والسيئة هنا وجهان: أحدهما: أن الحسنة الخصب، السيئة القحط. والثاني: أن الحسنة الأمن، والسيئة، الخوف. {قَالُوا لَنَا هَذِهِ} أي كانت حالنا في أوطاننا وقبل اتباعنا لك، جهلاً منهم بأن الله تعالى هو المولى لها. {وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} أي يتشاءَمون بموسى ويقولون هذا من اتباعنا إياك وطاعتنا لك، على ما كانت العرب تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرك بالسانح وهو الذي يأتي من جهة اليمين، ثم قال رداً لقولهم. {أَلآ إنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ} أي طائر البركة وطائر الشؤم.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالسِّنِينَ} الجوع، أو الجدوب، أخذتهم السنة: قحطوا، قال الفراء: بالسنين: القحط عاماً بعد عام، قيل قحطوا سبع سنين.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ } سني القحط وهن سبع سنين، والسنة من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ } قيل: السنون لأهل البوادي ونقص الثمرات للأمصار {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } ليتعظوا فينتبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر، ولأن الناس في حال الشدة أضرع حدوداً وأرق أفئدة. وقيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية {فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ } الصحة والخصب {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ } أي هذه التي نستحقها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } جدب ومرض {يَطَّيَّرُواْ } أصله «يّتطيروا» فأدغمت التاء في الطاء لأنها من طرف اللسان وأصول الثنايا {بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } تشاءموا بهم وقالوا هذه بشؤمهم ولولا مكانهم لما أصابتنا. وإنما دخل «إذا» في الحسنة وعرفت الحسنة و «إن» في السيئة ونكرت السيئة، لأن جنس الحسنة وقوعه كالكائن لكثرته، وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ } سبب خيرهم وشرهم {عَندَ ٱللَّهِ } في حكمه ومشيئته والله هو الذي قدر ما يصيبهم من الحسنة والسيئة {أية : قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ }تفسير : [النساء: 78] {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ لّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أصل «مهما» ما ما، فما الأولى للجزاء ضمت إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء في قوك «متى» ما تخرج أخرج {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ }تفسير : [النساء: 78] {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } تفسير : [الزخرف: 41] إلا أن الألف قلبت هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصري، وهو في موضع النصب بـ {تَأْتِنَا } أي أيما شيء تحضرنا تأتنا به، و {مّنْ ءايَةٍ } تبيين لـ {مَهْمَا } والضمير في {بِهِ } و {بِهَا } راجع إلى {مَهْمَا } إلا أن الأول ذكر على اللفظ والثاني أنث على المعنى لأنها في معنى الآية، وإنما سموها آية اعتباراً لتسمية موسى أو قصدوا بذلك الاستهزاء {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ } ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل. قيل: طفا الماء فوق حروثهم وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ولا يقدر أحد أن يخرج من داره. وقيل: دخل الماء في بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، أو هو الجدري أو الطاعون {وَٱلْجَرَادَ } فأكلت زروعهم وثمارهم وسقوف بيوتهم وثيابهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء {وَٱلْقُمَّلَ } وهي الدباء وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، أو البراغيث، أو كبار القردان {وَٱلضَّفَادِعَ } وكانت تقع في طعامهم وشرابهم حتى إذا تكلم الرجل تقع في فيه {وَٱلدَّمَ } أي الرعاف. وقيل: مياههم انقلبت دماً حتى إن القبطي والإسرائيلي إذا اجتمعا على إناء فيكون ما يلي القبطي دماً. وقيل: سال عليهم النيل دماً {ءايَـٰتٍ } حال من الأشياء المذكورة {مّفَصَّلاَتٍ } مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله أو مفرقات بين كل آيتين شهر {فَٱسْتَكْبَرُواْ } عن الإيمان بموسى {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ }. {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرّجْزُ } العذاب الأخير وهو الدم، أو العذاب المذكور واحداً بعد واحد {قَالُواْ يا مُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } «ما» مصدرية أي بعهده عندك وهو النبوة، والباء تتعلق بـ {ٱدْعُ } أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك {لئن كشفت عنّا الرّجز لنؤمننّ لك ولنرسلنّ معك بني إسرائيل. فلمّا كشفنا عنهم الرّجز إلىٰ أجلٍ} إلى حد من الزمان {هُم بَـٰلِغُوهُ } لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله {إذا هم ينكثون} جواب {لَّمّاً } أي فلما كشفنا عنهم فاجأوا النكث ولم يؤخروه {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } هو ضد الإنعام كما أن العقاب هو ضد الثواب {فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ } هو البحر الذي لا يدرك قعره، أو هو لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأن المنتفعين به يقصدونه {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ } أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه بالقتل والاستخدام {مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } يعني أرض مصر والشام {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } بالخصب وسعة الأرزاق وكثرة الأنهار والأشجار {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِى إِسْرءيلَ } هو قوله: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الأعراف: 129] أو {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ } إلى {أية : مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ }تفسير : [القصص: 5]. والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة و«على» صلة {تَمُتْ } أي مضت عليهم واستمرت من قولك تم علي الأمر إذا مضى عليه {بِمَا صَبَرُواْ } بسبب صبرهم وحسبك به حاثاً على الصبر ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج {وَدَمَّرْنَا } أهلكنا {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } من العمارات وبناء القصور {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } من الجنات، أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره. وبضم الراء: شامي وأبو بكر. وهذا آخر قصة فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله. ثم أتبعه قصة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون ومعاينتهم الآيات العظام ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر وغير ذلك، ليتسلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رآه من بني إسرائيل بالمدينة {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ } روي أنهم عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعدما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ } فمروا عليهم {يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } يواظبون على عبادتها وكانت تماثيل بقر. وبكسر الكاف: حمزة وعلي. {قَالُواْ يا مُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا } صنماً نعكف عليه {كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } أصنام يعكفون عليها. و «ما» كافة للكاف ولذلك وقعت الجملة بعدها. قال يهودي لعلي رضي الله عنه: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه. فقال: قلتم {ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا } ولم تجف أقدامكم {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده {إِنَّ هَـؤُلآء } يعني عبدة تلك التماثيل {مُتَبَّرٌ } مهلك من التبار {مَّا هُمْ فِيهِ } أي يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي. وفي إيقاع {هَـؤُلاء } اسماً لـ «إن» وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها واسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم ألبتة. {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ما عملوا من عبادة الأصنام باطل مضمحل.
ابن عادل
تفسير : لما قال موسى لقومه: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} تفسير : [الأعراف:129] بدأ بذكر ما أنزل بفرعون وقومه من المِحَنِ حالاً بعد حال، إلى أن وصل الأمرُ إلى الهلاكِ تنبيهاً للمكلَّفين على الزَّجْرِ عن الكفر. "والسِّنينَ": جمعُ سنة، وفيها لغتان أشهرهما: إجْرَاؤُهُ مُجرَى المُذكر السَّالم فيُرفع بالواو ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بالياء، وتُحْذَفُ نُونُه للإضافة. قال النُّحَاةُ: إنَّمَا جرى ذلك المجرى جَبْراً لما فاته من لامة المحذوفةِ، وسيأتي في لامه كلامٌ، واللغة الثانيةُ: أن يُجْعَلَ الإعرابُ على النُّون ولكن مع الياء خاصَّةً. نقل هذه اللُّغة أبُو زيد والفراءُ. ثم لك فيها لغتان: إحداهما: ثبوتُ تنوينها. والثانية: عدمهُ. قال الفرَّاءُ: هي في هذه اللُّغة مصروفة عند بني عامر، وغير مصروفة عند بني تميم، ووجه حذف التنوين التَّخفيف، وحينئذ لا تُحْذَفُ النُّون للإضافة وعلى ذلك جاء قوله: [الطويل] شعر : 2547 - دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنِينَهُ لَعِبْنَ بِنَا شيباً وشَيِّبْنَنَا مُرْدَا تفسير : وجاء في الحديث: "حديث : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عليهم سنينَ كَسِنِي يُوسُفَ"تفسير : "وسِنيناً كسِنِينِ يُوسفُ" باللُّغتين، وفي لام سَنَةٍ لغتان، أحدهما: أنَّهَا واو لقولهم: سنوات وسَانَيْتُ، وسُنَيَّةٌ. والثانية: أنَّها هاء لقولهم: سانَهْتُ وسَنَهَات وسُنَيْهَة، وليس هذا الحكمُ المذكور أعني: جريانه مجرى جمع المذكر أو إعرابه بالحركات مقتصراً على لفظ "سِنينَ" بل هو جارٍ في كلِّ اسم ثلاثي مؤنث حُذِفَتْ لامُهُ، وعُوِّضَ منها تَاءُ التَّأنيثِ، ولم يُجْمَع جمع تكسير نحو: ثُبَةٍ وثُبين، وقُلة، وقُلينَ. فصل قال شهابُ الدِّين: وتَحرَّزْتُ بقولي: حُذِفَتْ لامُه مِمَّا حُذِفَتْ فاؤه، نحو: لِدة وعِدَة. وبقولي ولم يُجْمع جمع تكسير من ظُبَةٍ وظُبًى، وقد شَذَّ قولهم: لِدُونَ في المحذوف الفاء، وظِبُونَ في المكسَّر. قال: [الوافر] شعر : 2548 - يَرَى الرَّاءُونَ بالشَّفرَاتِ مِنْهَا وقُودَ أبِي حُبَاحِبَ والظُّبِينَا تفسير : واعلم أنَّ هذا النَّوَع إذَا جَرَى مَجْرَى الزيدينَ فإنْ كان مكسورَ الفاء سَلِمَتْ، ولم تُغَيَّر نحو: مائة ومئين، وفئة وفئين، وإنْ كان مفتوحها كُسِرَتْ نحو: سنين، وقد نُقِلَ فَتْحُها وهو قليلٌ جدًّا، وإن كان مضمومَهَا جاز في جمعها الوجهان: أعني السَّلامة، والكسر نحو: ثُبين وقُلين. قال أبُو عَلِي: السَّنة على معنيين: أحدهما: يراد بها العام. والثاني: يراد بها الجدْب. وقد غلبت السَّنَةُ على زمانِ الجدْبِ، والعام على زمان الخصب حتى صَارَا كالعلم بالغلبة ولذلك أشتقُّوا من لفظ السَّنَةِ فقالوا: أسْنَتَ القَوْمُ. قال: [الكامل] شعر : 2549 - عَمْرُو الذي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ورِجَالُ مَكَّةَ مُسْنتُونَ عِجَافُ تفسير : وقال حاتم الطائِيُّ: [الطويل] شعر : 2550 - فإنَّا نُهِينُ المَالَ مِنْ غَيْرِ ضِنَّةٍ وَلاَ يَشْتَكِينَا في السِّنينَ ضَرِيرُهَا تفسير : ويُؤيِّدُ ذلك ما في سورة يوسف [الآية 47]: {أية : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً } تفسير : ثم قال: {سَبْعٌ شِدَادٌ} فهذا في الجدب. وقال: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ}. وقوله: "مِنَ الثَّمَرَاتِ" متعلِّق بـ "نَقْصٍ". قال قتادةُ: أمَّا السنُونَ فلأهل البوادي، وأمَّا نقص الثَّمراتِ فلأهل الأمصار. "لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُّونَ" يتَّعظون، وذلك لأنَّ الشدة ترقق القلوب، وترغب فيما عند اللَّهِ. قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ}تفسير : [فصلت: 51]. فصل قال القاضي: هذه الآية تدلُّ على أنَّهُ تعالى فعل ذلك لإرادة أن يذكَّرُوا وأنْ لا يقيموا على كفرهم، وأجاب الواحديُّ: "بأنَّهُ قد جاء لفظا الابتلاء، والاختبار في القرآن لا بمعنى أنَّه تعالى يمتحنهم، لأنَّ ذلك على اللَّهِ مُحَالٌ، بل إنَّه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء، والامتحان، فكذا ههنا". ثم بيَّن أنَّهُم عند نزول تلك المحن عليهم يزيدون في الكُفْرِ، والمعصيةِ. فقال: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ}. قال ابْنُ عبَّاسٍ: يُريد بالحسنةِ: العُشْبَ، والخصب، والمواشي، والثِّمار وسعة الرزق، والعافية، أي: نحن أهلها ومستحقُّوها على العادة فلم يشكروا ويقوموا لِلَّهِ بحق النِّعمة. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: قَحْط وجدْب وبلاء ومرض: {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} أي: يتشاءمُوا بموسى، ومن معه، ويقولُوا: إنَّمَا أصَابَنا هذا الشَّرُّ بِشُؤمِ مُوسَى وقومه. قال سعيدُ بْنُ جبيرٍ ومحمَّدُ بنُ المُنْكَدرِ: كان مُلْكُ فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروهاً، ولو كان حصل لَهُ في تلك المُدَّة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لَمَا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ قط. فصل أتى في جانب الحَسَنَةِ بـ "إذا" الَّتي للمحقق، وعُرِّفَتِ الحسنة، لسعة رَحْمَةِ اللَّهِ تعالى، ولأنَّها أمر محبوبٌ، كلُّ أحدٍ يتمناه، وأتى في جانب السيئة بـ "إن" التي للمشكوك فيه، ونُكِّرتِ السيئة، لأنَّهُ أمرٌ كل أحدٍ يَحْذَره. وقد أوضح الزمخشري ذلك فقال: فإن قلت: كيف قيل فإذا جَاءَتْهُمُ الحسنةُ بـ "إذا" وتعريفُ الحسنة و "إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ" بـ "إن" وتنكير السيئة؟ قلت: لأنَّ جنسَ الحسنة وقوعه كالواجب، لكثرته واتِّساعه، وأمَّا السَّيَّئةُ فلا تقع إلاَّ في الندرَةِ، ولا يقع إلاَّ شيء منها، وهذا من محاسن عِلْمِ البَيَانِ. قوله "يَطَّيَّرُوا" الأصْلُ: "يتطيَّروا" فأدغمتِ التَّاءُ في الطَّاءِ، لمقاربتها لها. وقرأ عيسى بنُ عُمَرَ: وطلحةُ بنُ مصرف "تَطَيَّرُوا" بتاءٍ من فوق على أنَّهُ فعلٌ ماضٍ وهو عند سيبويه وأتباعه ضرورةٌ. إذ لا يقعُ فعل الشَّرْطِ مضارعاً، والجزاءُ ماضياً إلاَّ ضرورةً، كقوله: [الخفيف] شعر : 2551 - مَنْ يَكِدْنِي بِسَيِّىءٍ كُنْتُ مِنْهُ كالشَّجَى بَيْنَ حَلْقِهِ والوريدِ تفسير : وقوله: [البسيط] شعر : 2552 - إن يَسْمَعُوا سُبَّةً طَارُوا بِهَا فَرحاً مِنِّي وما يَسْمَعُوا مِنْ صالحٍ دَفَنُوا تفسير : وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك. والتَّطير: التَّشاؤُم، وأصلُهُ، أن يُفَرَّق المالُ ويطير بين القوم فيطير لِكُلِّ أحدٍ حظَّه، ثمَّ أطلق على الحَظِّ، والنَّصيب السَّيِّىء بالغَلبَةِ. وأنشدوا للبيد: [الوافر] شعر : 2553 - تَطِيرُ عدائِدُ الأشْرَاكِ شَفْعاً وَوِتْراً والزَّعَامَةُ لِلْغُلامِ تفسير : الأشْرَاكُ جمع شِرْكٍ، وهو النَّصيب. أي: طار المال المقسوم شَفْعاً للذَّكر، وَوِتْراً للأنثى والزَّعامةَ: أي: الرِّئاسة للذكر، فهذا معناه: تَفَرَّق، وصار لكُل أحد نصيبُه، وليس من الشُّؤمِ في شيءٍ، ثم غلبَ على ما ذكرناه. قوله: {ألا إنما طائرهم عند الله} أي حَظُّهم، وما طار لهم في القضاء والقدر، أو شؤمهم أي: سبب شؤمهم عند الله، وهو ما ينزله بهم. قال ابن عباس: يريد شُؤمَهُمْ عند الله، أي من قِبَل الله، أي: إنما جاءهم الشَّرُّ بقضاءِ الله وحُكْمِهِ. قال الفَرَّاءُ: وقد تَشَاءَمت اليهود بالنبي - عليه السلام - بـ "المدينة"، فقالوا: غَلَتْ أسْعَارُنَا، وقَلَّتْ أمطارنا مذ أتانا، وكثرت أمواتنا. ثم أعلم الله على لسان رسوله - عليه السلام - أن طيرتهُمْ باطلة، فقال: "حديث : لا طيرة ولا هامة"تفسير : - وكان النبي عليه السلام يَتفَاءَلُ ولا يَتَطَيَّرُ. وأصل الفَألِ: الكلمة الحسنة، وكانت العرُب مذهبها في الفَألِ والطِّيرةِ واحداً، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفَألَ، وأبطل الطِّيرةَ. والفَرْقُ بينهما أن الأرْوَاحَ الإنسانية أقوى وأصْفَى من الأرواح البهيمية والطيرية، فالكلمة التي تَجْري على لسان الإنسان يمكن الاسْتِدْلالُ بها؛ بخلاف طيرانِ الطير، وحَرَكَاتِ البهائم، فإن أرْوَاحَهَا ضعيفة، فلا يمكن الاستدلالُ بها على شيء من الأحوال، ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [أي]: أن الكل من الله تعالى؛ لأن أكثر الخَلْقِ يُضِيفُونَ الحوادث إلى الأسبابِ المحسوسة، ويقطعونها عن قضاءِ الله وقَدره، والحق أن الكل من الله؛ لأن كل موجود إما واجب لذاته، أو ممكن لذاته، والواجب لِذَاتِهِ واحد، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الوَاجِبِ لذاته، فكان الكل من الله - تعالى -، فإسنادها إلى غير الله يكون جَهْلاً بكمال الله تعالى. قال الأزهريُّ: قيل للشُّؤم طائر وطير، لأنَّ العرب كانت إذ خرجت وطار الطَّائِرُ ذات اليسار تشَاءَمُوا بها، فَسَموا الشؤمَ طيراً وطَائِراً لتشاؤمهم بها. قال القُرْطُبِيُّ: وأصل هذا من الطِّيرةِ وزجر الطَّيْرِ، ثمَّ كَثُر استعمالهم حتَّى قيل لِكُلّ مَنْ تشاءم: تَطَيَّر. وكانت العربُ تَتَيَمَّن بالسَّانِحِ: وهو الذي يأتي من ناحية اليَمينِ وتتشاءم بالبَارحِ: وهو الذي يأتي من ناحية الشّمَالِ. وكانوا يَتَطَيَّرُون أيضاً بِصَوْتِ الغراب ويتأوَّلُونَهُ البَيْن، ويستدلُّونَ بمجاوبات الطيور بعضها بعضاً على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المَعْهُودَة على مثل ذلك. ويتطيّر الأعاجم إذَا رَأوْا صَبِيّاً يُذْهَب به إلى المُعَلِّم بالغَدَاةِ، وَيَتَيمَّنُون برؤية صبيٍّ يرجع من عند المعلم إلى بيته، ويَتَشَاءَمُونَ برؤية السَّقَّاء على ظهره قِرْبَةٌ مملوءةٌ مشدودة، ويتيمَّنُونَ برؤية فارغ السِّقاءِ مفتوحة، ويتشاءَمُونَ برؤية الحَمَّالِ المُثْقَل بالْحِمْلِ والدَّابَّة الموقرة، وَيَتَيَّمنُونَ بالحَمَّال الذي وضع حمله، وبالدَّابة الَّتي وضع عنها. فَجَاء الإسْلامُ بالنَّهْيِ عن التَّطيُّرِ، والتَّشَاؤُم بما يُسمع من صوت طائرٍ ما كان، وعلى أيّ حال كان؛ فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أقرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مُكُنَاتِهَا"تفسير : وذلك أن كثيراً من أهل الجاهليةِ كان إذا أراد الحَاجَةَ ذهب إلى الطَّير في وَكْرها فنفَّرها فإذا أخذت يميناً مضى إلى حاجته، وهَذَا هو السَّانِحُ عندهم، وإن أخذت شمالاً رجع وهذا هو البَارحُ عندهم، فنهى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن هذا بقوله "حديث : أقِرُّوا الطَّيْرَ على مُكنَاتِهَا"تفسير : . هكذا في الحديث. وأهل العربيَّة يقولون: "وكناتِهَا"، والوكْنَةُ: اسمٌ لكلِّ وَكْرٍ وعشٍّ. والوَكْنُ: اسمٌ للموضع الذي يبيض فيه الطَّائِرُ ويُفرخُ، وهُو الخَرْقُ في الحِيطَانِ والشَّجرِ. ويقال: وَكَنَ الطائرُ يَكِنُ وَكْناً ووكُوناً: دخل في الوَكْنِ، ووكن بَيْضَهُ، وعليه: حضنه، وكان أيضاً من العرب من لا يرى التَّطيُّرَ شيئاً نقله القرطبيُّ. وروى عبد اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : مَنْ رَجَّعَتْهُ الطِّيرةُ عن حَاجَتِه فَقَدْ أشْرَكَ". قيل: وما كفارةُ ذلك يا رسُول اللَّهِ. قال: "أنْ يقُولَ أحَدُكم: اللَّهُمَّ لا طَيْرَ إلاَّ طَيْرُكَ، ولا خَيْرَ إلاَّ خَيْرُكَ، وَلاَ إله غَيرُك، ثُمَّ يمضي إلى حاجته ". تفسير : قوله {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا}. لَمَّا حكى عنهم أوَّلاً أنَّهم بجهلهم أسْنَدُوا الحوادث إلى قضاء اللَّه وقدره، حكى عنهم ثانياً نوعاً آخر من الجهل والضَّلالة، وهو أنَّهم لم يُميّزُوا بين المعجزاتِ والسّحر، وجعلوا آيات موسى مثل انقلاب العَصَا حَيَّة. وقالُوا ذلك من باب السِّحر فلا يقبلُ منها شيء. "مَهْمَا" اسمُ شرطٍ يجزم فعلين كـ "إنْ" هذا قولُ جمهور النُّحَاةِ، وقد تأتي للاستفهام وهو قليلٌ جداً. كقوله: [الرجز] شعر : 2554- مَهْمَا لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْمَا لِيَهْ؟ أوْدَى بِنَعْلَيَّ وسِربَالِيَهْ تفسير : يريد: ما لي اللِّيلة ما لي؟ والهاءُ للسَّكت. وزعم بعض النُّحاة أنَّ الجازمةَ تأتي ظرف زمان؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 2555 - وإنَّكَ مَهْمَا تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤلَهُ وَفَرْجَكَ نَالا مُنْتَهَى الذَّمِّ أجْمَعَا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 2556- عَوَّدْتَ قَوْمَكَ أنَّ كُلَّ مُبَرَّزٍ مَهْمَا يُعَوَّدْ شِيَمةً يتَعَوَّدِ تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 2557 - نُبِّئْتُ أنَّ أبَا شُتَيْمٍ يَدَّعِي مَهْمَا يَعِشْ يَسْمَعْ بمَا لَمْ يَسْمَعِ تفسير : قال: فـ "مَهْمَا" هنا ظرف زمان، والجمهور على خلافه، وما ذكره متأوّل، بل بعضُهُ لا يظهر فيه للظَّرفية معنى، وشنَّع الزمخشري على القائل بذلك. فقال: وهذه الكلمة في عداد الكلمات الَّتي يُحَرِّفُهَا مَنْ لا يدَ له في علم العربية، فيضعها في غير موضعها ويحسب "مَهْمَا" بمعنى "متى ما". ويقولُ: مَهْمَا جئتني أعطيتك، وهذا من كلامِهِ، وليس من واضع العربية، ثم يذهبُ فيفسِّر: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} [الأعراف: 132] بمعنى الوقت، فَيُلْحد في آيات اللَّهِ، وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مِمَّا يُوجب الجُثُوَّ بين يدي النَّاظر في كتاب سيبويه. قال شهابُ الدِّين: هو معذورٌ في كونها بمعنى الوقت، فإن ذلك قولٌ ضعيفٌ، لم يَقُلْ به إلاَّ الطَّائفة الشَّاذَّةُ. وقد قال جمال الدِّين بْنُ مالكٍ: جميع النَّحويين يقول إنَّ "مَهْمَا" و "مَا" مثل "مَنْ" في لزوم التَّجرُّدِ عن الظَّرف، مع أنَّ استعمالهما ظرفين ثابتٌ في أشعار فصحاء العرب. وأنشد بعض الأبْياتِ المتقدمة وكفى بقوله جميع النَّحويين دليلاً على ضَعْف القول بظرفيتهما. وهي اسمٌ لا حرفٌ، بدليل عَوْد الضَّمير عليها، ولا يعودُ الضَّمير على حرف؛ لقوله: {مَهْمَا تَأتِنَا بِهِ} فالهاءُ في "بِهِ" تعود على "مَهْمَا" وشَذَّ السُّهيليُّ فزعم أنَّها قد تأتي حرفاً. واختلف النَّحويون في "مَهْمَا" هل هي بسيطة أو مركبة؟ والقَائِلُونَ بتركيبها اختلفوا: فمنهم مَنْ قال: هي مركبة مِنْ "مَا مَا" كُرِّرَتْ "ما" الشَّرطيَّة توكيداً، فاستثقل توالي لفظين فأبْدِلَت ألف "ما" الأولى هاء. وقيل: زيدت "ما" على "ما" الشَّرطية، كما يُزَادُ على "إنْ" "ما" في قوله: "فَإمَّا يَأتينَّكُم". فَعُمِلَ العمل المذكور للثقل الحاصل، وهذا قولُ الخليل وأتباعه من أهل البصرة. وقال قَوْمٌ: هي مركبة من مَهْ التي هي اسم فعلٍ بمعنى الزَّجْر، و "مَا" الشَّرطيَّة ثم رُكِّبت الكلمتان فصارا شَيْئاً واحداً. وقال بعضهم: لا تركيب فيها هنا، بل كأنَّهُم قالوا له مَهْ، ثم قالوا {مَا تَأتِنَا بِهِ} ويُعْزَى هذان الاحتمالان للكسائيِّ. قال شهابُ الدِّين: "وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ ذلك قد يأتي في موضع لا زَجْرَ فيه، ولأنَّ كتابتها متصلة ينفي كون كلٍّ منهما كلمةً مستقلة". وقال قومٌ: إنَّهَا مركَّبةً من "مَهْ" بمعنى اكفف و "مَن الشَّرطيَّةِ"؛ بدليل قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2558 - أماوِيَّ مَهْمَنْ يَسْتَمِعْ في صديقِهِ أقَاوِيلَ هذا النَّاسِ مَاوِيَّ يَنْدَمِ تفسير : فأبْدِلَتْ نونُ "مَنْ" ألفاً كما تبدل النُّونُ الخفيفة بعد فتحة، والتَّنوين ألفاً، وهذا ليس بشيء بل "مَهْ" على بابها من كونها بمعنى: اكْفُفْ، ثم قال: مَنْ يستمعُ. وقال قوم: بل هي مركَّبة مِنْ "مَنْ" و "مَا" فأبدلت نونُ "مَنْ" هاءً، كما أبدلوا من ألف "ما" الأولى هاءً، وذلك لمؤاخاة مَنْ ما في أشياء، وإن افترقَا في شيء واحد، ذكره مكيٌّ. ومَحَلُّهَا نصبٌ أو رفعٌ، فالرَّفعُ على الابتداء وما بعده الخبر، وفيه الخلافُ المشهورُ هل الخبرُ فعلُ الشَّرْط أو فعلُ الجزاء أو هما معاً؟ والنَّصْبُ من وجهين: أظهرهما: على الاشتغال ويُقَدَّرُ الفعلُ متأخراً عن اسم الشَّرْطِ، والتقديرُ: مَهْمَا تُحْضِر تَأتِنَا، فـ "تَأتِنَا" مُفَسِّر لـ تُحْضر، لأنَّهُ من معناه. والثاني: النصبُ على الظرفية عند مَنْ يَرَى ذلك، وقد تقدَّم الرَّدُّ على هذا القول، والضَّميرانِ من قوله بِهِ و "بِهَا" عائدان على "مَهْمَا"، عاد الأوَّلُ على اللَّفظ، والثاني المعنى، فإنَّ معناها الآية المذكورة، ومثله قول زُهَيْرٍ: [الطويل] شعر : 2559 - وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِىءٍ مِنْ خَلِيقةٍ وإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ تفسير : ومثله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}تفسير : [البقرة: 106] فأعَادَ الضَّمير على "ما" مؤنثاً، لأنَّهَا بمعنى الآية. وقوله: "فَمَا نَحْنُ" يجوز أن تكون "ما" حجازيةً أو تميميةً والباءُ زائدةٌ على كلا القولين، والجملةُ جوابُ الشَّرْطِ فمحلّها جزم. فصل قال ابْنُ عباس، وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق: لما قال قوم موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ} [الأعراف: 132] فهو سِحْرٌ، ونحن لا نُؤمن بها وكان موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - رجلاً جديداً، فعند ذلك دَعَا عليهم فقال: يا ربِّ إنَّ عبدك فرعون علا في الأرض وبَغَى وَعَتَا، وإنَّ قومه نَقَضُوا عهدك؛ فَخُذْهُمْ بعقوبةٍ تجعلها لهم نقمةً ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية وعبرة، فأرسل اللَّهُ عليهم الطُّوفان وهو الماء، وبيوت بني إسرائيل، وبيوت القبط مشتبكة، فامتلأت بيوت القبط حَتَّى قَامُوا في المَاءِ إلى تراقيهم، ومن جَلَسَ منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، ودام ذلك عليهم من السَّبت إلى السبت. فقالوا لموسى: ادْعَ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِف عنَّا المطر؛ فنُؤمِنُ بك، ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا رَبَّهُ فرفع عنهم الطوفان، وأرسل الرِّيَاحَ فَجَفَّفَت الأرْضُ، وخرج من النَّبَاتِ مَا لَم يَرَوْا مثله قط، وأخصبت بلادهم. فقالوا: ما كان هَذَا الماء إلاَّ نعمة عَلَيْنَا لكنَّا لم نشعر؛ فمكثوا شهراً في عافيةٍ فنكثُوا العهد. وقالوا: لا نُؤمِنُ بك، ولا نرسل معك بني إسرائيل؛ فأرْسَلَ اللَّهُ عليهم الجَرادَ، فأكل عامَّة زرعهم، وثمارهم، وأوراق الشَّجَرِ؛ حتَّى أكلت الخَشَبَ وسقوفَ البيُوتِ ومسامير الأبْوابِ من الحديد حتَّى وقع دورهم، وابتلي الجراد بالجُوعِ فكان لا يشبع، ولم يصب بني إسرائيل شَيءٌ من ذلك فَضجُّوا إلى موسى. وقالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ لئن كَشَفْتَ عَنَّا لرجز لنؤمنن لك ولنرسلنّ معك بَنِي إسرائيل، وأعطوه عَهْدَ اللَّهِ وميثاقة. فَدَعَا موسى رَبَّه فَكَشَفَ عنهم الْجرادَ بعد سبعة أيام، وفي الخَبَرِ "مَكْتوبٌ على صدر كلّ جرادة جند اللَّهِ الأعظم" فأرسل اللَّهُ ريحاً فحمل الجراد؛ فألقاه في البحر. وقيل: إنَّ مُوسَى برز إلى الفضاءِ، وأشارَ بعصاه إلى المشرق والمغرب؛ فرجعت الجراد من حيثُ جاءت. وكانت قد بقيت من زروعهم، وغلاتهم بقيّة. فقالُوا: قد بَقِيَ لَنَا ما يكفينَا، فَنَقَضُوا العَهْدَ ولم يُؤمنوا، فأقَامُوا شَهْراً في عافية. فأرسل اللَّه القملَ سبتاً إلى سبت، فلم يبق بأرضهم عود أخضر إلاَّ أكلته. فَصَاحوا بمُوسَى فسأل ربَّهُ، فأرسل اللَّه عليها ريحاً حارّة فأحرقتها، وألقتها في البحر فلم يُؤمِنُوا. فأرسل اللَّهُ عليهم الضَّفادع سبعة أيَّام؛ فخرج من البَحْرِ مثل اللَّيْلِ الدَّامس ووقع في النَّبَاتِ والأطْعِمَةِ، فكان الرَّجُلُ يجلسُ في الضَّفادع إلى رقبته، ويهم أن يتكلَّم، فيثب الضِّفْدَعُ في فِيهِ. فَصَرَخوا إلى موسى وَحَلَفُوا لَهُ لئن رفعت عنَّا هذا العذاب لنُؤمننَّ بكَ، فَدَعَا اللَّهَ تعالى فأمات الضَّفادع، فأرسل عليها المطر؛ فأحملتها، ثمَّ أقَامُوا شَهْراً ثم نَقَضُوا العهد وعادُوا لكفرهم. فأرْسَلَ اللَّهُ عليهم الدَّمَ فجرت أنهارهم دماً، فما يستقون من الآبار والأنهار إلاَّ وَجَدوهُ دماً عَبِيطاً أحمر، فَشَكَوْا إلى فرعون. فقال: إنَّه سحركم وكان فرعون يجمع القبطيَّ والإسرائيلي على الإناءِ الواحد؛ فيكون ما يَلِي الإسرائيليّ ماءً، وما يَلِي القبطي دماً، ويقومان إلى البُحَيْرة فيها الماء، فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطيّ دماً، حتى كانت المرأةُ من آل فرعون تأتي المَرْأةَ من بني إسرائيل حينَ جَهَدَهُمُ العَطَشُ فتقولُ: اسقِني من مائك فتصب لها من قربتها؛ فيعود دماً في الإناء، حَتَّى كانت تَقُولُ اجعليه في فِيكِ ثم مُجِّيهِ فِي فِيَّ فتأخذ في فِيهَا ماءً، فإذا مَجّته في فِيهَا؛ صَارَ دَماً، وإنَّ فرعون اضطره العطشُ حتَّى مضغ الأشجار الرَّطْبَةَ فَصَارَ ماؤُهَا في فِيهِ مِلْحاً أجَاجاً، فمكثُوا في ذلك سبعة أيام، فقالوا: يا مُوسى {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ} [134]. إلى آخر الآية. الطُّوفان فيه قولان: أحدهما: أنَّهُ جمع: طُوفَانة، أي: هو اسمُ جنس كـ: قمح وقمحة، وشعير وشعيرة. وقيل: هو مصدرٌ كالنُّقْصَان والرُّجْحَان، وهذا قول المُبَرِّدِ في آخرين والأوّلُ قول الأخْفَشِ. وقال: هو "فُعْلان" من الطَّواف، لأنَّه يطوفُ حتَّى يَعُمَّ الأرضَ، وواحدته في القياس "طُوفَانَة"؛ وأنشد: [الرمل] شعر : 2560 - غَيَّرَ الجِدَّةَ مِنْ آيَاتِهَا خُرُقُ الرِّيحِ وطُوفَانُ المَطَرْ تفسير : والطُّوفان: المَاءُ الكثير، قاله اللَّيْثُ؛ وأنشد للعجّاج: [الرجز] شعر : 2561 - وعَمَّ طُوفانُ الظَّلامِ الأثْأبَا تفسير : شَبَّهَ ظلامَ اللَّيلِ بالماءِ الذي يَغْشَى الأمكِنة. وقال أبُو النَّجْمِ: [الرجز] شعر : 2562 - وَمَدَّ طُوفانٌ مُبيدٌ مَدَدَا شَهْراً شَآبيبَ وشَهْراً بَرَدَا تفسير : وقيل: الطُّوفان من كُلِّ شيءٍ: ما كان كثيراً مُحيطاً مُطْبقاً بالجماعةِ من كُلِّ جهة كالمَاءِ الكثيرِ، والقَتْلِ الذَّريع، والمَوْتِ الجارفِ، قاله الزَّجَّاجُ. وقد فَسَّرَهُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بالموتِ تارةً، وبأمرٍ من اللَّهِ أخرى، وتلا قوله: {أية : فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القلم: 19] وهذ المادَّةُ وإن كانت قد تَقدَّمَتْ في "طَائِفَة" إلاَّ أنَّ لهذه البنية خصوصيةً بهذه المعاني المذكورة. والجَرَادُ معروف، وهو جَمْعُ: جَرَادةٍ، الذَّكَرُ والأنْثَى فيه سواء. يقال: جَرَادَةٌ ذَكَرٌ وجَرَادة أنْثى، كـ: نَمْلَة، وحمامة. قال أهلُ اللُّغَةِ: وهو مشتقٌّ من "الجَرْدِ". قالوا: والاشتقاقُ في أسماءِ الأجْنَاس قليلٌ جِداً. يقال: أرْضٌ جَرْدَاء، أي: مَلْسَاء وثَوْبٌ جَرْدٌ، إذا ذَهَبَ زئبره. فصل قال القرطبيُّ: اختلف الفُقهَاءُ في جواز قتل الجَرَادِ. فقيل: يُقتل، لأنَّ في تركها فساد الأموال، وقد رخَّصَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقتال المسلم إذا أخذَ ماله، فالجرادُ إذا أراد فسادَ الأموال كانت أوْلَى بجوازِ قتلها، كما أنَّهم اتفقوا على جواز قتل الحيّة، والعقرب؛ لأنَّهُمَا يُؤذِيَان النَّاس فكذلك الجَرَادُ. وروى ابْنُ ماجَةَ عن أنس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا دَعَا على الجراد قال: "حديث : اللَّهُمَّ أهْلِك كِبارَهُ واقْتُل صغَارَهُ، وأفْسِد بيضَه، واقطع دابرهُ، وخُذْ بأفْواهِه عن مَعَايِشِنَا وأرْزَاقنَا إنَّكَ سَميعُ الدّعاءِ ". تفسير : فقال رجل: يَا رسُول اللَّهِ، كيف تَدْعُو إلى جُنْد من أجْنَادِ اللَّهِ بقطع دَابره؟ قال: "إنَّ الجراد نثرة حوت في البَحْرِ". وهذا قول جمهور الفقهاءِ. وقيل: لا يُقْتَلُ، لأنَّه خلق عظيم من خَلْقِ اللَّهِ يأكل من رزق اللَّهِ. وقد رُوِي "حديث : لا تَقْتُلُوا الجَرَادَ فإنَّهُ جُنْدُ اللَّهِ الأعْظَمُ ". تفسير : والقُمَّلُ: قيل: هي القِرْدَان، وقيل: دوابُّ تشبهها أصْغَرَ مِنْهَا. وقال سعيدُ بن جبير: هو السُّوسُ الذي يخرج من الحِنْطة. وقال ابْنُ السِّكِّيت، إنَّه شيء يقع في الزَّرع ليس بجرادٍ؛ فيأكل السُّنبلة، وهي غضة قبل أن تقوى، وحينئذٍ يطولُ الزَّرْعُ ولا سنبل له. وقيل: إنَّهَا الحمنان الواحدة: حَمْنَانَة، نوع من القِرْدَان. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: كان إلى جنبهم كثيب أعفر بقرية من قُرَى مصر تدعى "بعين شمس" فذهب موسى إلى ذلك الكثيب فضربه بعصاهُ فانْهَالَ عليهم القُمَّل، وعلى هذا هو القَمْل المعروف الذي يكون في بدن الإنسان وثيابه، ويؤيد هذا قراءة الحسن "والقَمْل" بفتح القاف وسكون الميم، فيكونُ فيه لغتان: "القُمَّل" كقراءة العامةِ و"القَمْل" كقراءة الحسن البصري. وقيل: القملُ البراغيث، وقيل: الجعلان. والضفَادعُ: جمع ضِفْدَع، بزنة دِرْهَم، ويجوز كسر دَالِهِ فتصير بزنة "زِبْرِج" وقدْ تُبْدَلُ عَيْنُ جمعه ياء، كقوله: [الرجز] شعر : 2563 - وَمَنْهَلٍ لَيْسَ لَهُ حَوَازِقُ ولِضَفَادِي جَمِّهِ نَقَانِقُ تفسير : وشَذَّ جمعُهُ على: ضِفْدَعَات، والضِّفْدَعُ: مؤنَّث، وليس بمذكر، فعلى هذا يُفَرَّقُ بين مذكّره ومؤنثه بالوصفِ. فيقال: ضِفْدَع ذكر وضفدع أنثى، كما قلنا ذلك في المتلبِّس بتاء التأنيث، نحو حمامة، وجرادة، ونملة. فصل روى أبُو داوود وابنُ ماجةَ عن أبي هريرة قال: نَهَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم عن قتل: الصُّرَدِ والضِّفْدَعِ، والنَّمْلَةِ، والهُدْهُدِ. ولمَّا خرج إبراهيمُ - عليه السلام - من الشَّام إلى الحَرَم في بناء البيتِ كانت السِّكينَة معه والصُّرَدُ، فكان الصُّرَدُ دليلة إلى الموضعِ، والسكينةَ مقداره، فلمَّا صار إلى البقعَةِ؛ وقعت السَّكينة على موضع البيتِ ونادت: ابْنِ يَا إبراهيمُ على مقدار ظِلِّي. فنهى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن قتل الصُّرَدِ؛ لأنه كان دليل إبراهيم، وعن قتل الضّفدع؛ لأنها كانت تصب الماء على نَارِ إبراهيم، ولما تسلَّطت على فرعون جاءت، وأخذت الأمكنة كلها، فلما صارت إلى التَّنُّور وثَبَتْ فيها وهي نار تسعر طاعة لله، ولكن نار يسعرها الله بها؛ فَجَعَلَ "نقيقها" تسبيحاً. والدَّم ذكرناه وهو معروف. قال زيد بنُ أسلم: الدَّم الذي سلطة اللَّهُ عليهم كان الرُّعَاف، ونقله الزمخشريُّ. قوله: "آيَاتٍ مفصّلات". آياتٍ منصوبة على الحال من تلك الأشياءِ المتقدّمة أي أرْسَلْنَا عليهم هذه الأشياءَ حال كونها علاماتٍ مميزاً بعضها من بعض، ومُفَصَّلاتٍ فيها وجهان: أحدهما: مُفَصَّلات أي: مُبينات لا يشكلُ على عاقل أنَّهَا من آيات اللَّهِ التي لا يقدر عليها غيره. وقيل: مُفَصّلات أي: فَصَّلَ بعضها من بعض بزمانٍ يمتحن فيه أحوالهم هل يقبلون الحُجَّة، أو يستمرون على المُخالفةِ؟ فاسْتَكْبَرُوا عن عبادة اللَّهِ {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}. فصل فإن قيلَ: لمَّا علم اللَّهُ تعالى من حالهم أنَّهُم لا يؤمنون بتلك المُعجزاتِ، فما الفائدة في تواليها؟ وقوم مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم طلبُوا المعجزات فما أجِيبُوا فما الفرق؟ فالجوابُ: قال بعضُ أهل السُّنَّةِ: يفعلُ اللَّهُ ما يشاءُ، ويحكم ما يريد. وقال آخرون: إنَّمَا فعلَ ذلك زَجْراً لنا، وموعظةً وإعلاماً بأنَّ المُصرَّ على الكُفْرِ يستوجبُ العذابَ المؤبّد. وأجاب المُعتزلَةُ: برعاية الصالح، فلعلَّهُ علم من قوم مُوسَى أنَّ بعضهم كان يؤمن عند ظهور المعجزة الزَّائدة كمؤمن آل فرعونَ وكالسَّحرةِ، وعَلِمَ من قوم محمَّد صلى الله عليه وسلم أنَّ أحداً منهم لا يَزْداد بِظُهُورِ المُعْجِزَةِ الزَّائِدِة إلاَّ كُفْراً. فظهر الفرقُ. قوله: {وَلَمَّا وَقَعَ عليْهِمُ الرِّجْزُ}، أي نزل بهم العذاب من الطُّوفَانِ، وغيره. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: الطاعون. وقيل: مات منهم سبعون ألفاً في يوم واحد. وتقدم الكلام على الرِّجْز في البقرة عند قوله: {أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 59]. قوله {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ}. يجوزُ في هذه الباءِ وجهان: أظهرهما: أن تتعلَّق بـ ادْعُ أي: ادْعُهُ بالدُّعاء الذي علَّمك أن تدعوه به. والثاني: أنَّهَا باء القسم. قال الزمخشريُّ: والباء إمَّا تتعلَّق بـ "ادْع" على وجهين: أحدهما: أسْعِفْنَا إلى ما نطلب إليك من الدُّعاء بحق ما عندك من عهد الله، وكرامته إيَّاك بالنُّبُوَّةِ أو ادع اللَّه لنا مُتَوَسِّلاً إليه بعهده عندك، وإمَّا أن يكون قَسَماً مُجَاباً بـ "لنُؤمِنَنَّ" أي: "أقْسَمْنَا بِعَهْدِ اللَّهِ عندك". فصل اعلمْ أنَّهُ تعالى بيَّن ما كانُوا عليه من المُناقضة القبيحة، لأنَّهم تارة يكذبون موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، وأخرى عند الشَّدائد يفزعون إليه فزع الأمة إلى نبيّها ويسألونه أن يسأل رَبَّه رفع العذاب عنهم، وذلك يقتضي أنهم سَلَّمُوا كونه نبيًّا مجاب الدَّعْوَةِ، ثُمَّ بعد زوال تلك الشَّدائد يعودون إلى تكذيبه. وقوله: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ}. أي: العذاب. إلى أجلٍ فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّقَ بـ "كَشَفْنَا" وهو المشهور، وعليه إشكال وهو أنَّ ما دخَلَتْ عليه "لَمَّا" يترتَّبُ جوابُهُ على ابتداء وقوعه، والغايةُ تنافي التعليق على ابتداء الوقوع، فلا بُدَّ من تعقُّل الابتداء والاستمرار حتَّى تتَحقَّقَ الغاية، ولذلك لا تقعُ الغاية في الفعل غير المتطاول. لا يُقالُ: لمَّا قتلتُ زيداً إلى يوم الخميس جَرَى كَذَا، ولا لمَّا وثبت إلى يوم الجمعة اتَّفق كذا، وقد يُجَابُ بأنَّ المرادَ بالأجَل هنا: وقتُ إيمانهم، وإرسالهم بني إسرائيل معه، ويكون المرادُ بالكشفِ: استمرارَ رفع الرِّجْزِ. كأنه قيل: فَلَمَّا تمادَى كَشَفْنَا عنهم إلى أجلٍ، وأمَّا مَنْ فَسَّرَ "الأجَلَ" بالمَوْتِ أو بالغَرَقِ فيحتاج إلى حَذْفِ مضاف تقديرُهُ: فَلَمَّا كَشَفْنَا عنهم الرجزَ إلى أجل قُرْب أجل هم بالغوه، وإنَّما احتاج إلى ذلك، لأنَّ بين موتهم أو غرقهم حصل منهم نكثٌ، فكيف يُتَصَوَّرُ أن يكون النَّكْثُ منهم بعد موتهم، أو غرقهم؟ والثاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّهُ حال من "الرِّجز" أي: فَلَمَّا كَشَفْنَا عنهم الرجزَ كَائِناً إلى أجل، والمعنى: أنَّ العذابَ كان مُؤجَّلاً. قال أبُو حيَّان: وَيُقَوِّي هذا التأويلَ كونُ جواب "لمَّا" جاء بـ "إذا" الفجائية أي: فَلَمَّا كَشَفْنَا عنهم العذابَ المقرَّر عليهم إلى أجلٍ فاجؤوا بالنَّكْثِ، وعلى معنى تَغْيِيَتِهِ الكشفَ بالأجَل المبلوغ لا تتأتى المفاجأة إلاَّ على تأويل الكشفِ بالاستمرار المُغيَّا فيمكن المفاجأة بالنَّكْث إذْ ذاك ممكن. قوله: "هم بَالِغُوهُ" في محلِّ جرٍ صفة لـ "أجَلٍ" والوصف بهذه الجملةِ أبلغُ من وصفِهِ بالمفرد، لتكررِ الضَّمير المؤذن بالتَّفخيم. وقوله: {إِذَا هُمْ يَنكُثُون} هذه "إذَا" الفُجَائيَّةِ، وتقدَّم الكلامُ عليها قريباً: و "هُمْ" مبتدأ، و "ينكُثُونَ" خبره، و "إذَا" جوابُ "لمَّا" كما تقدَّم بالتَّأويلِ المذكور. قال الزمخشريُّ: {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} جواب "لَمَّا" يعني: فلمَّا كشفنا عنهم العذاب فاجؤوا بالنّكث وبَادَرُوهُ ولَمْ يؤخِّروه، ولكن لَمَّا كَشَفَ عنهم نَكَثُوا. قال أبُو حيان: "ولا يمكن التَّغْيية مع ظاهرِ هذا التقدير". انتهى. يعني فلا بُدَّ من تأويل الكشْفِ بالاستمرار، كما تقدَّم، حتَّى يَصِحَّ ذلك. وهذه الآية تَرُدُّ مذهبَ مَنْ يَدَّعي في "لَمَّا" أنَّهَا ظَرْفٌ، إذْ لا بُدَّ لَهَا حينئذٍ من عامل، وما بعد "إذَا" لا يعمل فيما قبلها، كما تحرَّر في موضعه. وقرأ أبُو حَيْوَةَ وأبو هاشم "يَنْكِثُون" بكسر الكاف، والجمهور على الضَّمِّ، وهما لغتان في المضارع. والنَّكْثُ: النَّقْضُ، وأصله: مِنْ نَكْثِ الصُّوف المغزول لِيُغْزل ثانياً، وذلك المنكوث: نِكثٌ كـ: ذِبْح، وَرِعْي. والجمعُ: أنكاث، فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه وإبرامه كما في خيوط الأكسية إذا نُكِثَتْ بعدما أبْرِمَتْ، وهذا مِنْ أحسن الاستعارات. قوله: "فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ" هذه الفاءُ سببيَّة، أيْ: تَسَبَّب عن النَّكْثِ الانتقامُ ثم إن أريد بالانتقام نَفْسُ الإغراق، فالفاءُ الثَّانية مُفَسِّرةٌ عند مَنْ يُثْبِتُ لها ذلك وإلاَّ كان التقدير: فَأرَدْنَا الانتقام، والانتقام في اللُّغَةِ: سلب النعمة بالعذابِ. و "في اليمِّ" متعلق بـ "أغْرَقْنَاهُم"، واليَمّ: البحر، والمشهور أنَّهُ عربيّ. قال ذو الرُّمَّة: [البسيط] شعر : 2564 - دَاوِيَّة ودُجَى لَيْلٍ كأنَّهُمَا يَمٌّ تراطَنَ في حَافَاتِهَا الرُّومُ تفسير : وقال ابْنُ قتيبةَ: إنَّه البَحْرُ بالسُّريانِيَّةِ. وقيل: بالعبرانيَّة. والمشهور أنه لا يتقيَّد ببحر خاص قال الزمخشري: اليَمّ: البحرُ الذي لا يُدْرَكُ قعره. وقيل: هو لُجَّة البحر ومعظم مائه. وقال الهروِيُّ - في "غريبيه" -: واليَمُّ: البَحْرُ الذي يقالُ له: إسَافٌ وفيه غَرِقَ فرعونُ. وهذا ليس بجيد، لقوله تعالى: {أية : فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ}تفسير : [القصص: 7] والمرادُ: نيلُ مِصْرَ، وهو غيرُ الذي غَرِق فيه فرعون. فصل قيل: واشتقاقه من التيمم، وهو القصد، لأنَّ النَّاسَ يقصدونه. قوله: "بِأنَّهُمْ" الباء للسببيّة، أي: أغْرَقْنَاهم بسببِ تكذيبهم بآياتِنَا، وكونهم عَنْهَا غافلين، أي: غَافِلينَ عن آياتنا، فالضَّمِيرُ في عَنْهَا يعودُ على الآيات، وهذا هو الظَّاهِرُ. وبه قال الزَّجَّاجُ وغيره. وقيل: يجوزُ أن يعود على النِّقْمَةِ المدلولِ عليها بـ "انتَقَمْنَا" ويُعْزَى هذا لابن عباس، وكأن القائل بذلك تَخَيَّلَ أنَّ الغفلةَ عن الآيات عُذْرٌ لَهُم من حيثُ إنَّ الغفلة ليست من كسب الإنسان. وقال الجمهور: إنَّهم تَعَاطَوْا أسبابَ الغَفْلَة، فَذُمّوا عليها، كما يُذَمُّ الناس على نِسْيَانه لتعاطيه أسبابه. فصل قوله: "وَأوْرَثْنَا" يتعدى لاثنين، لأنَّه قبل النَّقلِ بالهمزة متعدٍّ لواحد نحو: وَرِثْتُ أبي، فبالنَّقْلِ اكتسب آخَرَ. فأولهما: القومَ والَّذينَ وصلتُه في محل نصب نعتاً له. وأما المفعولُ الثَّانِي ففيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرها: أنَّهُ "مشارِقَ الأرضِ ومغَاربَهَا". وفي قوله: {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} على هذا وجهان: أحدهما: أنَّه نعتٌ لـ:مشارق ومغارب. والثاني: أنَّهُ نعتٌ للأرض، وفيه ضعفٌ من حيث الفصلُ بالمعطوف بَيْنَ الصفةِ والموصوفِ. وهو نظيرُ قولك: قام غلامُ هندٍ وزيدٌ العاقلةِ. وقال أبُو البقاءِ هنا: وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ فيه العطفَ على الموصوفِ قبل الصِّفَةِ. وهذا سبْقُ لسان أو قلم، لأنَّ العطفَ ليس على الموصُوفِ، بل على ما أضيف إلى الموصوف. والثاني من الأوجه الثلاثة: أن المفعول الثاني هو: {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} أي: أورثناهم الأرض التي باركنا فيها. وفي قوله تعالى: {مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} وجهان: أحدهما: هو منصوبٌ على الظّرْف بـ "يُسْتَضْعَفُونَ". والثاني: أنَّ تقديره: يُسْتَضْعَفُون في مشارق الأرض ومغاربها فلمَّا حُذِفَ الحرفُ وصل الفعلُ بنفسه؛ فنصب، هكذا قال أبو البقاءِ. قال شهابُ الدِّين: ولا أدري كيف يكونان وجهَيْن، فإنَّ القول بالظَّرفية هو عينُ القولِ بكونه على تقدير في، لأنَّ كلَّ ظرف مقدَّرٌ بـ "في" فكيف يجعل شيئاً واحد شيئين؟ الوجه الثالث: أنَّ المفعول الثَّاني محذوفٌ، تقديره: أورثناهم الأرضَ، أو الملكَ، أو نحوه ويُسْتَضْعَفُونَ يجوز أن يكون على بابه من الطَّلبِ، أي: يُطلب منهم الضَّعْفَ مجازاً وأن يكون استفعل بمعنى: وَجَدَهُ ذَا كَذَا، والمُرَادُ بالأرْضِ: أرَضُ الشَّام. وقيل: أرض مصر، لأنها أرض القبط. وقيل: مصر والشَّام، ومشارقها، ومغاربها جهات المشرق، والمغرب {ٱلَّتِي بَاركْنَا فِيهَا} بإخراج الزَّرع، والثِّمار، والأنهار. وقيل: المرادُ جملة الأرض؛ لأنَّه خرج من بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرْضَ. قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ}. قرأ الحسنُ ورُويت عن أبي عمرو وعاصم كَلِمَات بالجمع. قال الزمخشريُّ: ونظيره: {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [النجم: 18]. يعني في كون الجمع وُصِفَ بمُفْردٍ. قال أبُو حيَّان: ولا يتعيَّن في الكُبْرَى ما ذكر لجواز أن يكون التقدير: لَقَدْ رَأى الآية الكُبْرَى، فهو وصفُ مُفْردٍ لا جمعٍ، وهو أبلغُ. قال شهابُ الدِّين: في بعض الأماكن يتعيَّنُ ما ذكره الزمخشريُّ نحو {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18] وهذه الآية، فلذلك اختار فيها ما يتعيَّن في غيرها والمرادُ بالكلمةِ الحسنى: قوله: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص: 5] إلى قوله: {أية : مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ}تفسير : [القصص: 6] والحُسْنَى: تأنيثُ الأحسنِ صفة للكلمة. وقيل: معنى تمام الكلمةِ: إنجاز الوعْدِ الذي تقدَّم بإهلاك عدوهم. ومعنى: "تَمَّتْ" أي: مَضَتْ واستمرَّتْ من قولهم: تَمَّ عليه الأمر إذَا مَضَى عليه. قوله بِمَا صَبَرُوا متعلِّق بـ "تَمَّتْ" والبَاءُ للسببيَّةِ و "مَا" مصدريةٌ، أي: بسبب صبرهم ومتعلَّقُ الصَّبرِ محذوفٌ أي: على أذَى فرعون وقومه. قوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ}. يجوزُ ههنا أوجه: أحدها: أن يكون فِرْعَونُ اسم كان، ويَصْنَعُ خبرٌ مقدم، والجملةُ الكونيَّة صلةُ "ما" والعائد محذوف، والتقديرُ ودَمَّرنا الذي كان فرعون يَصْنَعُهُ، واستضعف أبُو البقاءِ هذا الوجه. فقال: لأنَّ يَصْنَعُ يَصْلُحُ أن يعمل في فِرْعَوْن فلا يُقَدَّر تأخيره، كما لا يُقدَّر تأخيرُ الفعل في قولك: قام زيدٌ. يعني: أنَّ قولك: "قَامَ زَيْدٌ" يجب أن يكونَ من باب الفِعْلِ والفاعل، ولا يجوز أن يُدَّعى فيه أنَّ "قام" فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ خبرٌ مقدمٌ، وزيد: مبتدأ مؤخَّرٌ لأجل اللَّبس بباب الفاعل، فكذا هنا؛ لأنَّ يَصْنَعُ يَصحُّ أن يتسلَّطَ على فِرْعَوْنَ فيرفعهُ فاعلاً فلا يُدَّعَى فيه التقديم، وقد سبقه إلى هذا مكيٌّ. وقال: ويلزم من يجيز هذا أن يُجيزَ: يقومُ زيدٌ، على الابتداء والخبر، والتَّقديم والتَّأخير، ولمْ يُجزْهُ أحَدٌ. وقد تقدَّمت هذه المسألةُ وما فيها، وأنَّهُ هل يجوز أن يكون من باب التَّنازع أم لا؟ وهذا الذي ذكراه وإن كان مُتَخَيَّلاً في بادىء الرأي، فإنه كـ: باب الابتداء، والخبر، ولكن الجَواب عن ذلك: أنَّ المانع في "قَامَ زيدٌ" هو اللَّبس، وهو مفقودٌ هَهُنَا. الثاني: أنَّ اسمَ "كان" ضميرٌ عائدٌ على "مَا" الموصولة، ويَصْنَعُ مسندٌ لـ "فِرْعَوْن" والجُملةُ خبر "كان" والعائدُ محذوف أيضاً، والتَّقديرُ: ودمَّرْنَا الذي كان هو يصنعه فرعون. الثالث: أن تكون "كان" زائدةً و "مَا" مصدرية والتقديرُ: ودمَّرْنَا ما يصنع فرعون. أي: صُنْعَهُ، ذكره أبُو البقاءِ. قال شهابُ الدِّين: وينبغي أن يجيءَ هذا الوجهُ أيضاً، وإن كانت "مَا" موصولة اسمية، على أنَّ العائدَ محذوفٌ تقديرُهُ: ودَمَّرْنَا الذي يصنعه فرعون. الرابع: أن "ما" مصدرية أيضاً و "كان" لَيْسَتْ زائدةً بل ناقصة، واسمُهَا ضميرُ الأمر والشَّأن، والجملةُ من قوله يَصْنعُ فرعَونُ خبرُ "كان" فهي مفسِّرة للضميرِ. وقال أبُو البقاءِ هنا: وقيل: ليست "كان" زائدةً، ولكن "كان" النَّاقِصَة لا يُفْصَل بها بين "ما" وبين صلتها، وقد تقدَّمَ ذلك في قوله: {أية : بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}تفسير : [البقرة: 10] وعلى هذا القول تحتاج "كان" إلى اسم. ويضعُف أن يكون اسمُهَا ضمير الشَّأنِ؛ لأنَّ الجُملة التي بعدها صلةُ "ما" فلا تَصْلُح للتَّفسير، فلا يحصُل بها الإيضاحُ، وتمامُ الاسم، والمفسِّر يجبُ أن يكون مستقلاً، فتدعو الحَاجَةُ إلى أن يجعل "فرعون" اسم "كان" وفي: "يَصْنَعُ" ضمير يعود عليه. قال شهابُ الدِّين بعد فرض كونها ناقصةً: يلزم أن تكون الجملة من قوله: يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ خبراً لـ "كان" ويمتنع أن تكون صلةً لـ "ما". وقوله: فتدعُو الحاجةُ أي: ذلك الوجُه الذي بدأت به، واستضعفه، وهو الذي احتاج إليه في هذا المكان فراراً من جعل الاسم ضمير الشَّأن، لمَّا تخيَّلهُ مانعاً، والتَّدميرُ: الإهلاكُ. قال الليث: الدَّمَارُ: الهَلاك التَّام، يقال: دَمَرَ القومُ يَدمُرُونَ دماراً: أي: هلكوا وهو مُتَعَدٍّ بنفسه، فأمَّا قوله: {أية : دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [محمد: 10] فمفعولُه محذوفٌ، أي: خَرَّب عليهم منازلهم وبُيُوتَهم. وقوله: {مَا كانَ يصنعُ فِرعونُ وقوْمُهُ} أي: في أرض مصر من العمارات. قوله: "يَعْرِشُونَ" قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم هنا وفي النَّحل {يَعرُشُونَ} بضم الرَّاءِ. والباقون بالكسر فيهما، وهما لغتانِ: عَرَشَ الكرمَ يَعْرِشُهُ ويَعْرُشُهُ. والكَسْرُ لغة الحِجَازِ. قال اليَزِيديُّ: وهي أفصحُ. وقال مُجاهدٌ: ما كانُوا يبنون من القصور والبيوت. وقُرىء شاذًّا بالغين المعجمةِ والسِّين المهملة، من غَرْس الأشجَار. وقال الزمخشري وبلغني أنه قرأ بعض الناس يعرشون من عرش وما أظُنّه إلاَّ تصحيفاً. وقرأ ابن أبي عبْلَةَ يُعَرِّشُونَ بضمِّ الياء وفتحِ العين، وكسرِ الرَّاءِ مشدَّدَةً على المُبالغة والتَّكثير. وهذا آخر قصةِ فرعونَ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} قال: السنون الجوع . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} قال الجوائح {ونقص من الثمرات} دون ذلك . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} قال: أخذهم الله بالسنين بالجوع عاماً فعاماً {ونقص من الثمرات} فأما السنون فكان ذلك في باديتهم وأهل مواشيهم، وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم وقراهم . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن رجاء بن حيوة في قوله {ونقص من الثمرات} قال: حتى لا تحمل النخلة إلا بسرة واحدة . وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أخذ الله آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم، وذهبت مواشيهم حتى يبس نيل مصر، واجتمعوا إلى فرعون فقالوا له: إن كنت كما تزعم فأتنا في نيل مصر بماء. قال: غدوة يصبحكم الماء. فلما خرجوا من عنده قال: أي شيء صنعت...! انا أقدر على أن أجري في نيل مصر ماء، غدوة أصبح فيكذبونني. فلما كان في جوف الليل قام واغتسل ولبس مدرعة صوف، ثم خرج حافياً حتى أتى نيل مصر فقام في بطنه فقال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر على أن نملأ نيل مصر ماء فأملاه، فما علم إلا بخرير الماء يقبل، فخرج وأقبل النيل يزخ بالماء لما أراد الله بهم من الهلكة .
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} [الآية: 130]. قال ذكرناهم النعم وأخذناهم بالمحن لعلهم يرجعون إلينا، فأبوا إلا طغيانًا وتماديًا. رأيت فى كتاب عبد الله الرازى بخطه، سمعت محمد بن الفضل يقول: أذل رياضة يروض الإنسان بها نفسه الجوع، لأن الله تعالى أخذ الأعداء بذلك فقال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} وأعز رياضة يروض بها الإنسان نفسه التقوى، لأن الله يقول (فإيَّاى فاتقون).
القشيري
تفسير : شدَّد عليهم وطأة القدرة بعدما ضاعف لديهم أسباب النعمة، فلا الوطأة أصلحتهم شِدَّتُها ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إنْ مَسَّهم يُسْرٌ لاحظوه بعين الاستحقاق، وإن مَسَّهُم عُسْرٌ حملوه على التَّطَيُّرِ بموسى - عليه السلام - بمقتضى الاغترار.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد اخذنا آل فرعون} اى قوم فرعون واهل دينه آل الرجل خاصته الذين يؤول امرهم اليهم وامرهم اليه {بالسنين} جمع سنة وهى فى الاصل بمعنى العام مطلقا الا انها غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكر عنه ويؤرخ به حتى صارت كالعلم له كالنجم غلب علىالثريا {ونقص من الثمرات} باصابة العاهات زيادة فى القحط لات الثمار قوت الناس وغذاؤهم. وعن كعب يأتى على الناس زمان لا تحمل النخلة الا تمرة. قال ابن عباس اما السنون فكانت لباديتهم واهل ماشيتهم واما نقص الثمرات فكان فى امصارهم {لعلهم يذكرون} كى يتذكروا ويتعظوا بذلك ويتيقنوا ان ذلك لاجل معاصيهم وينزجروا عماهم عليه من العتو والعناد فلعل علة المأخذ اما بناء على تجويز تعليل افعاله تعالى باغراض راجعة الى العباد كما ذهب اليه كثير من اهل السنة. واما تنزيلا لترتب الغاية على ما هى ثمرة له منزلة ترتب الغرض له فان استتباع افعاله تعالى لغايات ومصالح متقنة جليلة من غير ان تكون هى علة غائية لها بحيث لولاها لما اقدم عليها مما لا نزاع فيه. دلت الآية على ان المحن والشدائد والمصيبات موجبات الانتباه والاعتبار ولكن لاهل السعادة واولى الابصار فاما اهل الشقاوة فلا ينبههم كثرة النعمة ولا يوقظهم شدة النقمة: قال الشيخ السعدى قدس سره شعر : بكوشش نرويد از شاخ بيد نه زنكى بكرمايه كردد سفيد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: عبَّر في جانب الحسنة بإذاء المفيدة للتحقيق، وعرَّف الحسنة؛ لكثرة وقوعها، وعبَّر في جانب السيئة بإن المفيدة للشك، ونكّر السيئة لنُدورها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد أخذنا آلَ فرعوَن بالسنين} أي: بالجدب والقحط لقلة الأمطار والمياه، {ونقصٍ من الثمرات} بكثرة العاهات، {لعلهم يذّكَّرون} أي: لكي ينتبهوا أن ذلك من شؤم كفرهم ومعاصيهم، ويتعظوا، وترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده. {فإذا جاءتهم الحسنةُ}، من الخصب والسعة والرخاء، {قالوا لنا هذه} أي: قالوا: هذه لنا ولسعودنا، ونحن مستحقون له. {وإن تُصبهم سيئة}: جدب وبلاء {يطيَّروا بموسى ومن معه} أي: يتشاءموا بهم، ويقولون: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة؛ فإن الشدائد تُرقق القلوب، وتُذلل العرائك أي: الطبائع، وتُزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عندها عتوًا وانهماكًا في الغي. قال تعالى: {ألا إنما طائرُهم عند الله} أي: سبب طائرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيئه، أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسؤوهم. قال ابن جزي: أي: حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمى به مَا يُصيب الإنسان، ومقصود الآية: الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. هـ، {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} أن ما يصيبهم من الله تعالى بلا واسطة، أو من شؤم أعمالهم. الإشارة: هذه الخصلة جارية أيضًا في هذه الأمة، أعني التطاير، ترى العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا: بظهور هؤلاء وقع بنا ما وقع، ولقد سمعتُ ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء، وذلك أنهم آذوهم أذى شديدًا، فأرسل الله عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانًا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت، ولم يدروا أن ذلك منهم لإذايتهم أهل الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عتو آل فرعون، وعقوبته لهم، فقال: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية، واقسم عليه بأنه اخذ آل فرعون بالسنين وهي الاعوام المقحطة، واللام في قوله "لقد" لام القسم، (وقد) معناه الاخبار عن متوقع وهي تقرب الماضي من الحال، لانه اذا توقع كون أمر فقيل قد كان، دل على قربه من الحال. والآل خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم اليه، ولذلك يقال: اهل البلد، ولا يقال: آل البلد، لان في الاهل معنى القرب في نسب او مكان، وليس كذلك الآل. ومعنى {أخذناهم بالسنين} أخذناهم بالجدوب، والعرب تقول: أخذتهم السنة اذا كانت قحطة يقال أسنت القوم اذا أجدبوا، وانما قيل للمجدبة: السنة ولم يقل للخصبة، لانها نادرة في الانفراد بالجدب، والنادر أحق بالافراد بالذكر، لانفراده بالمعنى الذي ندر به. وقال الفراء: معنى بالسنين بالجدوبة تقول العرب (وجدنا البلاد سنين) أي جدوبا، قال الشاعر: شعر : وأموال اللئام بكل أرض تجحفها الجوائح والسنون تفسير : وقال آخر: شعر : كأن الناس إِذ فقدوا علياً نعام جال في بلد سنيناً تفسير : أي في بلد جدوب وأهل الحجاز وعلياء قيس يقولون: هن السنون، فيجعلونها بالواو في الرفع، وبالياء في الخفض والنصب على هجائين، وبعض تميم يقول هي السنين، فاذا ألقوا الألف واللام لم يجروها، فقالوا قد مضت له سنون كثيرة، وكنت عندهم بضع سنين، وبنو عامر، فانهم يجرونها في النصب والجر والرفع فيقولون: أقمت عنده سنيناً كثيرة. وقال الكسائي: على هجائين هي اللغة الغالبة في كلام العرب: السنون، والسنين وينصبون النون على كل حال مثل نون الجمع في الموضعين، وعليه اجماع القراء، قال: وبعض العرب يجعلها على هجاء واحد، ويلزم النون الاعراب بجعلها كأنها من نفس الكلمة، وأنشد: شعر : سنيني كلها واسيت حرباً أقاس مع الصلادمة الذكور تفسير : وأنشد: شعر : ولقد ولدت بنين صدق سادة ولأنت بعد الله كنت السيدا تفسير : فأثبت النون في بنين وهي مضافة. وقوله تعالى {ونقص من الثمرات} أي وأخذناهم مع القحط وجدب الأرض بنقصان من الثمار. وقوله تعالى {لعلهم يذكرون} معناه لكي يتفكروا في ذلك ويرجعوا الى الحق وإِنما قال {لعلهم} وهي موضوعة للشك، وهو لا يجوز في كلام الله لأنهم عُومِلوا معاملة الشاك مظاهرة في القول كما جاء الابتلاء والاختيار مثل ذلك. والآية تدل على بطلان مذهب المجبرة من أن الله تعالى يريد الكفر المعاصي، لأنه بين أنه فعل بهم ذلك لكي يذكروا،، ويرجعوا فقد أراد منهم الاذكار، فكأنه قال من أجل أن يذكروا، وليس كذلك اذا كلفهم من أجل الثواب، لأن إِرادة المريد لما يكون من فعله في المستأنف عزم، وذلك لا يجوز عليه تعالى، وليس كذلك إِرادته لفعل غيره، قال مجاهد: السنين الحاجة، ونقص من الثمرات دون ذلك، وقال قتادة: كان السنين بباديتهم، {ونقص من الثمرات} كان في أمصارهم وقراهم. وقال كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة الا تمرة.
اطفيش
تفسير : قال الله سبحانه: {ولَقَد أخذْنا آل فِرعَون بالسِّنينَ} بأعوام طوال لشدة الجدب فيها، حتى كان كل واحد منها سنة، فإن وقت الشدة ولو كان قصيراً لكنه ثقيل متطاول، أو أخذناهم بالجدب فسماها باسم وقتها، أو غلب العرب اسم السنة على عام الجدب لكثرة ما يذكر عنه ويؤرخ به، وقد اشتقوا من لفظ السنة فقال أسنت بوزن أكرم، فهو مسنت وهم مسنتون، كما اشتقوا من أصله وقالوا: أسنه وأسنى وسانه وسانى، والسنون جمع تكسير أعرب إعراب جمع السلامة. {ونَقْصٍ مِنَ الثَّمراتِ} بإقلاها من أصلها وبإتلافها، قال ابن عباس وقتادة: أما السنون فللبادية وأهل المواشى، قيل حتى هلكت، وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار، قال رجاء بن حيوة: روى أن النخلة لا تحمل إلا تمرة واحدة، وقال كعب: سيأتى على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة، والتمرات تعم غلة الشجر والنخل {لَعلَّهم} ترج باعتبار البشر أو تعليل {يذَّكَّرونَ} ينتبهون أن ذلك لكفرهم ومعاصيهم فيؤمنون ويطيعون، أو لعلهم ترق قلوبهم بالشدائد فيفزعون إلى الله، ويرغبوا فيما عنده، فإن الشدائد ترقق وتذلل، ولا سيما مع مشاهدة الآيات، وهم ازدادوا بها كفرا وغيا لشدة غباوتهم، وقسوة قلوبهم، وغفلتهم عما يراد بتلك الشدائد والآيات بحيث بلغوا من ذلك أن ينسبوا الحسنة لأنفسهم، والسيئة لموسى والمؤمنين، كما قال الله سبحانه: {فإذا جاءتْهُم الحسَنةُ...}.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ} شروع في تفصيل مبادي الهلاك الموعود به وإيذان بأنهم لم يمهلوا حتى تحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال، وتصديق الجملة بالقسم لإظهار الاعتناء بمضمونها، والمراد بآل فرعون أتباعه من القبط، وإضافة الآل إليه وهو لا يضاف إلا إلى الإشراف لما فيه من الشرف الدنيوي الظاهر وإن كان في نفس الأمر خسيساً، وعن الخطيب أن المراد فرعون وآله، والسنين جمع سنة والمراد بها عام القحط وقد غلبت في ذلك حتى صارت كالعلم له لكثرة ما يذكر ويؤرخ به ولا كذلك العام الخصب، ولامها واو أو هاء، وقد اشتقوا منها فقالوا: أسنت القوم إذا قحطوا، وقلبوا اللام تاء ليفرقوا بين ذلك وقولهم أسنى القوم إذا لبثوا في موضع سنة، قال المازني: وهو شاذ لا يقاس عليه، وقال الفراء: توهموا أن الهاء أصلية إذ وجدوها أصلية فقلبوها تاء وجاء أصابتنا سنية حمراء أي جدب شديد فالتصغير للتعظيم وإجراء الجمع مجرى سائر الجموع السالمة المعربة بالحروف هو اللغة المشهورة واللغة الأخرى إجراء الإعراب على النون لكن مع الياء خاصة فيسلك فيه مسلك حين في الإعراب بالحركات الثلاث مع التنوين عند بني عامر وبنو تميم لا ينونون تخفيفاً وحينئذ لا تحذف النون للإضافة وعلى ذلك جاء قول الشاعر:شعر : دعاني من نجد فإن سنينه لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً تفسير : ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم اجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف عليه السلام» تفسير : وجاء في رواية أخرى «حديث : اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف عليه السلام» تفسير : وهو على اللغة المشهورة {وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ} بكثرة عاهات الثمار وخروج اليسير منها حتى لا تحمل النخلة كما روي عن رجاء بن حيوة إلا بسرة واحدة وكان القحط على ما أخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة في باديتهم وأهل ماشيتهم والنقص في أمصارهم وقراهم، وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أخذ الله تعالى آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم وذهبت مواشيهم حتى يبس نيل مصر فاجتمعوا إلى فرعون وقالوا له: إن كنت كما تزعم فائتنا في نيل مصر بماء فقال: غدوة يصبحكم الماء فلما خرجوا من عنده قال أي شيء صنعت؟ أنا لا أقدر على ذلك فغداً يكذبونني، فلما كان جوف الليل قال واغتسل ولبس مدرعة صوف ثم خرج حافياً حتى أتى النيل فقام في بطنه فقال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ماء فما علم إلا بخرير الماء يقبل فخرج وأقبل النيل مترعاً بالماء لما أراد الله تعالى بهم من الهلكة، وهذا إن صح يدل على أن الرجل لم يكن دهرياً نافياً للصانع كما قال البعض. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لكي يتعظوا فيتركوا ما هم عليه أو لكي يذكروا الله تعالى فيتضرعوا له ويلتجئوا إليه رغبة فيما عنده، وقيل: لكي يتذكروا أن فرعون لو كان إلهاً لدفع ذلك الضر. وعن الزجاج أنهم إنما أخذوا بالضراء لأن أحوال الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى ألا ترى قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ } تفسير : [فصلت: 51].
ابن عاشور
تفسير : هذا انتقال إلى ذكر المصائب التي أصاب الله بها فرعون وقومه، وجعلها آيات لموسى، ليلجىء فرعون إلى الإذن لبني إسرائيل بالخروج، وقد وقعت تلك الآيات بعد المعجزة الكبرى التي أظهرها الله لموسى في مجمع السحرة، ويظهر أن فرعون أغضى عن تحقيق وعيده إبقاء على بني إسرائيل، لأنهم كانوا يقومون بالأشغال العظيمة لفرعون. ويُؤخذ من التوراة أن موسى بقي في قومه مدة يعيد محاولة فرعون أن يطلق بني إسرائيل، وفرعون يَعد ويُخلف، ولم تضبط التوراة مدة مقام موسى كذلك، وظاهرها أن المدة لم تطُل، وليس قوله تعالى: {بالسنين} دليلاً على أنها طالت أعواماً لأن السنين هنا جمع سنة بمعنى الجدْب لا بمعنى الزمن المقدر من الدهر. فالسنة في كلام العرب إذا عرفت باللام يراد بها سنة الجدب، والقحط، وهي حينئذٍ علم جنس بالغلبة، ومن ثَم اشتقوا منها: أسْنَت القومُ، إذا أصابهم الجدب والقحط، فالسنين في الآية مراد بها القحوط وجمعها باعتبار كثرة مواقعها أي: أصابهم القحط في جميع الأرضين والبلدان، فالمعنى: ولقد أخذناهم بالقحوط العامة في كل أرض. والأخْذُ: هنا مجاز في القهر والغلبة، كقوله: {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم}تفسير : [البقرة: 255]. ويصح أن يكون هنا مجازاً في الإصابة بالشدائد، لأن حقيقة الأخذ: تناول الشيء باليد، وتعددت إطلاقاته، فأطلق كناية عن الملك. وأطلق استعارة للقهر والغلبة، وللإهلاك. وقد تقدمت معانيه متفرقة في السور الماضية. وجملة {لعلهم يذكرون} في موضع التعليل لجملة {ولقد أخذنا} فلذلك فصلت. ونقص الثمرات قلة إنتاجها قلة غير معتادة لهم. فتنوين {نقص} للتكثير ولذلك نكر (نقص) ولم يضف إلى (الثمرات) لئلا تفوت الدلالة على الكثرة. فالسنون تنتاب المزارع والحقول، ونقص الثمرات ينتاب الجنات. و(لعل) للرجاء، أي مرجوا تذكرهم، لأن المصائب والأضرار المقارنة لتذكير موسى إياهم بربهم، وتسريح عبيده، من شأنها أن يكون أصحابها مرجواً منهم أن يتذكروا بأن ذلك عقاب على إعراضهم وعلى عدم تذكرهم، لأن الله نصب العلامات للاهتداء إلى الخفيات كما قدمناه عند قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبي} تفسير : في هذه السورة (94)، فشأن أهل الألباب أن يتذكروا، فإذا لم يتذكروا، فقد خيبوا ظن من يظن بهم ذلك مثل موسى وهارون، أما الله تعالى فهو يعلم أنهم لا يتذكرون ولكنه أراد الإملاء لهم، وقطع عذرهم، وذلك لا ينافي ما يدل عليه (لعل) من الرجاء لأن دلالتها على الراجي والمرجو منه دلالة عرفية، وقد تقدم الكلام على وقوع (لعل) في كلام الله تعالى عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} تفسير : في سورة البقرة (21). وفي هذه الآية تنبيه للأمة للنظر فيما يحيط بها من دلائل غضب الله فإن سلب النعمة للمنعم عليهم تنبيه لهم على استحقاقهم إعراض الله تعالى عنهم. والفاء في قوله: {فإذا جاءتهم الحسنة} لتفريع هذا الخبر على جملة {أخذنا آل فرعون بالسنين} أي: فكان حالهم إذا جاءتهم الحسنة الخ... والمعنى: فلم يتذكروا ولكنهم زادوا كفراً وغروراً. والمجيء: الحصول والإصابة، وإنما عبر في جانب الحسنة بالمجيء لأن حصولها مرغوب، فهي بحيث تُترقب كما يُترقَب الجائي، وعبر في جانب السيئة بالإصابة لأنها تحصل فجأة من غير رغبة ولا ترقب. وجيء في جانب الحسنة بإذا الشرطية لأن الغالب في (إذا) الدلالة على اليقين بوقوع الشرط أو ما يقرب من اليقين كقولك: إذا طلعت الشمس فعلتُ كذا، ولذلك غلب أن يكون فعل الشرط مع (إذا) فعلاً ماضياً لكون الماضي أقرب إلى اليقين في الحصول من المستقبل، كما في الآية، فالحسنات أي: النعم كثيرة الحصول تنتابهم متوالية من صحة وخصب ورخاء ورفاهية. وجيء في جانب السيئة بحرف (إنْ) لأن الغالب أن تدل (إنْ) على التردد في وقوع الشرط، أو على الشك، ولكون الشيء النادر الحصول غير مجزوم بوقوعه، ومشكوكاً فيه، جيء في شرط إصابة السيئة بحرف (إنْ) لندرة وقوع السيئات أي: المكروهات عليهم، بالنسبة إلى الحسنات، أي: النعم، وفي ذلك تعريض بأن نعم الله كانت متكاثرة لديهم وأنهم كانوا معرضين عن الشكر، وتعريض بأن إصابتهم بالسيئات نادرة وهم يعدون السيئات من جراء موسى ومن آمن معه، فهم في كلتا الحالتين بين كافرين بالنعمة وظالمين لموسى ومن معه، ولهذين الاعتبارين عُرفت الحسنة تعريف الجنس المعروف في علم المعاني بالعهد الذهني، أي: جاءتهم الحسنات، لأن هذا الجنس محبوب مألوف كثير الحصول لديهم، ونكرت {سيئة} لندرة وقوعها عليهم، ولأنها شيء غير مألوف حلوله بهم، أي: وإن تصبهم آية سيئة، كذا في «الكشاف» و«المفتاح». واعْلم أن التفرقة بين تعريف الجنس والتنكير من لطائف الاستعمال البَلاغي، كما أشرنا إليه في قوله تعالى: {أية : الحمد لله} تفسير : في سورة الفاتحة (2)، وأما من جهة مُفاد اللفظ، فالمعرف بلام الجنس والمنكرة سواء، فلا تظن أن اللام للعهد لحسنة معهودة ووقوع المعرف بلام الجنس والنكرة في سياق الشرط، في هذه الآية يعم كل حسنة وكل سيئة. والحسنة والسيئة هنا مراد بهما الحالة الحسنة والحالة السيئة. واللام في قوله {لنا} هذه لام الاستحقاق أي: هذه الحسنة حق لنا، لأنهم بغرورهم يحسبون أنهم أحرياء بالنعم، أي: فلا يرون تلك الحسنة فضلاً من الله ونعمة. {ويَطَيّرُوا} أصله يتَطيروا، وهو تَفَعّلُ، مشتق من اسم الطَيْرِ، كأنهم صاغوه على وزن التفعّل لما فيه من تكلف معرفة حظ المرء بدلالة حركات الطير، أو هو مطاوعة سمي بها ما يحصل من الانفعال من إثر طيران الطير. وكان العرب إذا خرجوا في سفر لحاجة، نظروا إلى ما يلاقيهم أول سيرهم من طائر، فكانوا يزعمون أن في مروره علامات يُمن وعلاماتتِ شُؤم، فالذي في طيرانه علامة بُمننٍ في إصطلاحهم يسمونه السانح، وهو الذي ينهض فيطير من جهة اليمين للسائر والذي علامته الشؤم هو البَارح وهو الذي يمر على اليسار، وإذا وجد السائر طيراً جاثماً آثاره لينظر أي جهة يطير، وتسمى تلك الإثارة زجراً، فمن الطير ميمون ومنه مشؤوم والعرب يدْعُون للمسافر بقولهم «على الطائر الميمون»، ثم غلب استعمال لفظ التطير في معنى التشاؤم خاصة، يقال الطيرة أيضاً، كما في الحديث «حديث : لا طيرة وإنما الطيرَة على من تطيّر»تفسير : أي: الشؤم يقع على من يتشاءم، جعل الله ذلك عقوبة له في الدنيا لسوء ظنه بالله، وإنما غلب لفظ الطيرة على التشاؤم لأن للأثر الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم دلالة أشد على النفس، لأن توقع الضر أدخل في النفوس من رجاء النفع. والمراد به في الآية أنهم يتشاءمون بموسى ومن معه فاستعمل التطير في التشاؤم بدون دلالة من الطير، لأن قوم فرعون لم يكونوا ممن يزجر الطير فيما علمنا من أحوال تاريخهم، ولكنهم زعموا أن دعوة موسى فيهم كانت سبب مصائب حلت بهم، فعبر عن ذلك بالتطير على طريقة التعبير العربي. والتشاؤم: هو عد الشيء مشؤوماً، أي: يكون وجوده. سبباً في وجود ما يُحزن ويضر، فمعنى {يَطَّيّرُوا بموسى} يحسبون حلول ذلك بهم مسبباً عن وجود موسى ومن آمن به وذلك أن آل فرعون كانوا متعلقين بضلال دينهم، وكانوا يحسبون أنهم إذا حافظوا على إتباعه كانوا في سعادة عيش، فحسبوا وجود من يخالف دينهم بينهم سبباً في حلول المصائب والإضرار بهم فتشاءموا بهم، ولم يعلموا أن سبب المصائب هو كفرهم وإعراضهم، لأن حلول المصائب بهم يلزم أن يكون مسبباً عن أسباب فيهم لا في غيرهم. وهذا من العَماية في الضلالة فيبقون منصرفين عن معرفة الأسباب الحقيقية، ولذلك كان التطير من شعار أهل الشرك لأنه مبني على نسبة المسببات لغير أسبابها، وذلك من مخترعات الذين وضعوا لهم ديانة الشرك وأوهامها. في الحديث «حديث : الطيرة شرك» تفسير : وتأويله أنها: من بقايا دين الشرك، ويقع بعد فعل التطير باء، وهي باء السببية تدخل على موجب التطير، وقد يقال أيضاً: تطير من كذا. وعطفُ {ومن معه}، أي: من آمنوا به، لأن قوم فرعون يعدون موجب شُؤم موسى هو ما جاء به من الدين لأنه لا يُرضي آلهتهم ودينهم، ولولا دينُه لم يكن مشؤوماً كما قال ثمود {أية : قد كنت فينا مرجوا قبل هذا}تفسير : [هود: 62]. و{ألا} حرف استفتاح يفيد الاهتمام بالخبر الوارد بعده. تعليماً للأمة، وتعريضاً بمشركي العرب. والطائر: اسم للطير الذي يُثار ليتيمن به أو يتشاءَم، واستعير هنا للسبب الحق لحلول المصائب بهم بعلاقة المشاكلة لقوله: {يطيروا} فشبه السبب الحق، وهو ما استحقوا به العذاب من غضب الله بالطائر. و{عند} مستعملة في التصرف مجازاً لأن الشيء المتصرف فيه كالمستقر في مكان، أي: سبب شؤمهم مقدر من الله، وهذا كما وقع في الحديث: «حديث : ولا طيْرَ إلا طَيْرُك»تفسير : ، فعبر عما قدره الله للناس «بطير» مشاكلة لقوله: «ولا طَيْر» ومن فسر الطائر بالحظ فقد أبعد عن السياق. والقصر المستفاد من {إنما} إضافي أي: سوء حالهم عقابٌ من الله، لا من عند موسى ومن معه، فلا ينافي أن المؤمنين يعلمون أن سبب حلول المصائب بأهل الشرك المعاندين للرسل، هو شركهم وتكذيبهم الرسل: يعلمون ذلك بأخبار الرسل، أو بصدق الفراسة وحسن الاستدلال، كما قال أبو سفيان ليلة الفتح لما هداه الله «لقد علمتُ أن لو كان معه إلٰه آخر لَقد أغنَى عني شيئاً». فأما المشركون وأضرابهم من أهل العقائد الضالة، فيسندون صدور الضرر والنفع إلى أشياء تقارن حصول ضر ونفع، فيتوهمون تلك المقارنة تسبباً، ولذلك تراهم يتطلبون معرفة حصول الخير والشر من غير أسبابها، ومن ذلك الاستقسام بالأزلام كما تقدم في سورة العقود. وجملة {ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون} معترضة ولذلك فصلت، والاستدراك المستفاد من {لكّن} عما يوهمه الاهتمام بالخبر الذي قبله لقرنه بأداة الاستفتاح، واشتماله على صيغة القصر: من كون شأنه أن لا يجهله العقلاء، فاستدرك بأن أكثر أولئك لا يعلمون. فالضمير في قوله: {أكثرهم} عائد إلى الذين {قالوا لنا هذه} وإنما نفي العلم عن أكثرهم تنبيهاً على أن قليلاً منهم يعلمون خلاف ذلك ولكنهم يشايعون مقالة الأكثرين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أخذنا آل فرعون بالسنين: أي عاقبناهم بِسِنِيى الجدب والقحط. ونقص من الثمرات: بالجوائح تصيبها، وبعدم صلاحيتها. الحسنة: ما يحسن من خصب ورخاء وكثرة رزق وعافية. سيئة: ضد الحسنة وهي الجدب والغلاء والمرض. يطيروا بموسى: أي يتشاءمون بموسى وقومه. الطوفان والجراد والقمل والضفادع: الطوفان الفيضانات المغرقة، والجراد معروف بأكل الزرع والثمار، والقمل جائز أن يكون القمل المعروف وجائز أن يكون السوس في الحبوب، والضفادع جمع ضفدعة. حيوان يوجد في المياه والمستنقعات. والدم: والدم معروف قد يكون دم رعاف أو نزيف، أو تحول الماء ماء الشرب إلى دم عبيط في أوانيهم وأفواههم آية لموسى عليه السلام. فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين: حيث لم يؤمنوا بهذه الآيات. أي مفسدين حيث حكم بإهلاكهم. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص موسى مع آل فرعون إنه لما شاهد فرعون وآله آية العصا وانهزام السحر أمامهم وإيمان السحرة حملهم الكبر على مواصلة الكفر والعناد فأصابهم الرب تعالى بجفاف وقحط سنوات لعلهم يذكرون، ولم يذكروا فحول الله تعالى جدبهم إلى خصب، وبلاءهم إلى عافية فلم يرجعوا وقالوا في الرخاء هذه لنا نحن مستحقوها وجديرون بها، وقالوا في القحط والبلاء قالوا هذه من شؤم موسى وبني إسرائيل، قال تعالى {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} وذلك لأنه مدبر الأمر وخالق كل شيء وجاعل للحسنة أسبابها وللسيئة أسبابها ولكن أكثرهم لا يعلمون فلذلك قالوا اطيرنا بموسى ومن معه وأصروا على الكفر ولجوا في المكابرة والعناد حتى قالوا لموسى {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} ولو علموا ما أصروا على الكفر ولما قالوا ما قالوا فأسباب الحسنة الإِيمان والتقوى، وأسباب السيئة الكفر والمعاصي، إذ المراد بالحسنة والسيئة هنا: الخير والشر. وهنا وبعد هذا الإِصرار والعناد والمكابرة رفع موسى يديه إلى ربه يدعوه فقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغا وعتا، وأن قومه قد نقضوا العهد فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية، فاستجاب الله تعالى دعاءه فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فأخذهم الطوفان أولاً فكادوا يهلكون بالغرق فجاءوا موسى وطلبوا منه أن يدعو ربه ليرفع عنهم هذا العذاب فإن رفعه عنهم آمنوا وأرسلوا معه بني إسرائيل فدعا ربه واستجاب الله تعالى فأخذوا شهراً في عافية فطلب منهم موسى ما وعدوه به فتنكروا لوعدهم وأصروا على كفرهم فأرسل الله تعالى عليهم الجراد فأكل زروعهم وأشجارهم وثمارهم حتى ضجوا وصاحوا وأتوا موسى وأعطوه وعودهم إن رفع الله عنهم هذا العذاب آمنوا وأرسلوا معه بني إسرائيل فرفع الله عنهم ذلك فلبثوا مدة آمنين من هذه العاهة وطالبهم موسى بوعدهم فتنكروا له، وهكذا حتى تمت الآيات الخمس مفصلات ما بين كل آية وأخرى مدة تقصر وتطول فاستكبروا عن الإِيمان والطاعة وكانوا قوماً مجرمين مفسدين لا خير فيهم ولا عهد لهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من تدبير الله تعالى أخذه عباده بالشدائد لعلهم يذكرون فيتعظون ويتوبون. 2- بطلان التطير مطلقاً، وإنما الشؤم في المعاصي بمخالفة شرع الله فيترتب على الفسق والعصيان البلاء والعذاب. 3- الجهل سبب الكفر والمعاصي وسوء الأخلاق وفساد الأحوال. 4- عدم إيمان آل فرعون مع توارد الآيات عليهم دال على أن إيمانهم لم يسبق به القدر، كما هو دال على أن الآيات المعجزات لا تستلزم الإِيمان بالضرورة. 5- التنديد بالإِجرام وهو إفساد النفس بالشرك والمعاصي.
القطان
تفسير : اخذنا آل فرعون: عاقبناهم وجازيناهم. آل فرعون: قومه وخاصته واعوانه. بالسنين: بالجدب والقحط. بالحسنة، المراد هنا: الخصب والرخاء، وبالسيئة: ما يسوؤهم من جدب او مصيبة يطيّروا: يتشاءَموا، لأن العرب كانت تتوقع الخير والشر من حركة الطير، فاذا طار من جهة اليمين تيّمنت به ورجتْ الخير والبركة، واذا طار من الشِمال تشاءمت وتوقعت الشر، وسموا الشؤم طيرا وطائرا والتشاؤم تطيراً. الطوفان: كثرة المياه وطغيانها وتخريبها الارض والزرع. القُمّل (بضم القاف وفتح الميم المشددة): حشرة صغيرة تلصق بالحيوانات وتؤذيها. وتطلق ايضا على حشرة تقع في الزرع فتأكل السنبلة وهي غَضَّة. والجراد معروف، وكذلك الضفادع. الدم: الرعافُ يصيب الناس. ولقد عاقبنا فرعونَ وقومه بالجدب والقحط وضيق الميعشة، بنقص ثمرات الزروع والأشجار.. رجاءَ ان ينتبهوا الى ضعفهم وعجزِ ملكهم الجبار أمام قوة الله، فيتعّظوا ويرجعوا عن ظلمهم، ويستجيبوا لدعوة موسى عليه السلام. ولكن فرعون واعوانه أخذهم الاغترار بقوّتهم وجبروتهم. كانوا اذا جاءهم الخِصب والرخاء قالوا: نحن المستحقون له لما لنا من الامتياز على الناس. ان اصابهم ما يسوؤهم، كجدب او مصيبة في الابدان والأرزاق، قالوا: انما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه. لقد غفلوا عن ظلمهم لقومِ موسى كما غفلوا عن فجورهم فيما بينهم. ألا فلْيعلموا ان ما نزل بهم كان من عند الله، وبسبب أعمالهم القبيحة، لا نحساً رافقهم لسوء طالع موسى ومن معه. ولكن أكثرهم لا يعلمون حكمة الله في تصرفه مع خلقه. ثم اخبر الله تعالى عن شدة تمرد فرعون وقومه وعتوِّهم، وإصراهم على الجحود فقال: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا....}. قالوا ذلك لموسى: مهما جئتنا أيها الرجل بانواع الآيات التي تستدل بها على حقيقة دعوتك، كيما تصرفنا عما نحن عليه من ديننا، ومن استعباد قومك - فلن نصدّقك او نتّبع رسالتك التي تدّعيها. فأنزل الله عليهم مزيدا من المصائب والنكبات، بالطوفان الذي يغشى اماكنهم وبالجراد الذي يأكل زروعهم، وبالقُمّل الذي يُهلك حيواناتهم وسنابل غلّتهم، وبالضفادع التي تنتشر فتُنَغّص عليهم حياتهم، وبالدم الذي ينزف منهم ولا يتوقف نزيفه - أصابهم الله بهذه المصائب، فلم يتأثروا بها. لقد قسَت قلوبهم، وفسد ضميرهم، فعتَوا عن الإيمان والرجوع الى الحق، وأصروا على الذنوب {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} موغِلين في الإجرام كما هو شأنهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلَ} {ٱلثَّمَرَاتِ} (130) - لَقَدِ ابْتَلَى اللهُ قَوْمَ فِرْعَوْنَ (آلَ فِرْعَوْنَ) بِسِنينَ عِجَافٍ، قَلَّتْ فِيهَا الزُّرُوعُ فَجَاعُوا، وَنَقَصَتْ فِيهَا الثَّمَراتُ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمَ وَالخَيْرَاتِ، فَيَعْرِفُوا أَنَّ اللهَ ابْتَلاَهُمْ بِذَلِكَ الجُوعِ، وَبِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَلِيُدْرِكُوا عَجْزَ فِرْعَوْنَ وَآلِهتِهِ أَمَامَ عَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَبَالِغِ قُدْرَتِهِ، وَليَكُفُّواعَنْ ظُلْمِ بَنِي إِسْرائيلَ، وَيَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَةِ مُوْسَى، لأَنَّ المَصَائِبَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ القَاسِيَةَ. بِالسِّنِينَ - بِالقَحْطِ وَالجَدْبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا نرى أن الإِهلاك لم يحدث دفعة واحدة، بل على مراحل لعلهم إذا أصابتهم شدة يضرعون إلى الله. نحن نعلم أن السنة هي العام.. أي من مدة إلى نهاية مدة مثلها، لكنها تطلق - أيضاً - على الجدب والقحط. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه على قومه: "حديث : اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " تفسير : أي أن ينزل بهم سبحانه بعضاً من الجدب ليتأدبوا قليلاً. ويقال: "أسنت القوم" أي أصابهم قحط وجدب. إذن فالسنة المراد منها هنا القحط والجدب. ولماذا سماها سنة؟ لأن نعم الله متوالية كثيرة، وابتلاءاته لخلقه بالشرِّ قليلة في الكون، وسبحانه ينعم عليهم مدة طويلة ثم يبتليهم في لحظة، فإذا ما ابتلاهم في وقت يؤرخ به، ويقال حدث الابتلاء سنة كذا, فيقال: سنة الجراد، سنة حريق القاهرة، وهكذا نجد الناس تؤرخ بالأحداث المفجعة؛ لأن الأحداث السارة عادة تكون أكثر من الأحداث السيئة. ولذلك قلنا إن الذي يعد أيام البلاء عليه أن يقارنها بأيام الرخاء، وعلى الواحد منا أن ينظر إلى أيام السنة التي عاشها، إن جاء له يوم بلاء حزن نقل له: وكم مرة عشت ونعمت بالرخاء؟ ونجد أن أيام الرخاء هي أكثر من أيام البلاء: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ}. وعرفنا أن السنين - كما قلنا - تعني الجدب والقحط، أما قوله سبحانه: {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} فهو يدل على أن بعضاً من الثمار كان موجوداً، أو كان الجدب والقحط في البادية، أما "نقص الثمرات" فكان في الحضر، ويقال: إن النخلة الواحدة في الحضر كانت لا تطرح في السنة إلا بلحة واحدة. ولماذا هذه البلحة؟ لأن أسباب رحمته سبحانه يجب أن تبقى في خلقه، ولو أن النخل كله لم يطرح ولا بلحة واحدة لا نقطع نسل النخيل؛ لذلك يُبقي الله أسباب رحمته لنا. إننا نرى في واقعنا مهما حاولوا أن يستزرعوا فواكهه بدون بذور بواسطة التقدم العلمي المعاصر، نجد ثمرة وقد شذت وفيها بذرة، لماذا؟ يقال لنا لاستبقاء النوع، فلو خرجت كل الثمار بلا بذور ثم أكلناها جميعها فكيف نزرع محصولاً جديداً؟ ولذلك قلنا من قبل إن الحق سبحانه وتعالى من رحمته بالخلق في استبقائه للنعم ومقومات الحياة لم يجعل الثمار حلوة تستساغ إلا بعد أن تَنْضج بذرتها، فأنت حين تفتح البطيخة إن كان بذرها أبيض تجد طعمها لا يستساغ وترميها. لكن حين يسودَّ بذرها ويكون صالحاً لأن تعيد زراعته، هنا تكون ثمرة البطيخة ناضجة وحلوة الطعم. وبذلك يوضح لك الحق أن الثمار لن تصير مقبولة ومستساغة إلا بعد أن تنضج بذرتها لتكون صالحة لاستنباتها من جديد، وفي هذا استبقاء للرحمة، وحتى مع العاصين نجده سبحانه يستبقي الرحمة معهم. {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} يعني أن على الإِنسان أن يتذكر أنه الخليفة في الأرض وأنه غير أصيل في الكون حتى يظل العالم مستقيماً. لكن الذي يفسد العالم أن الإِنسان حينما تستجيب له أسباب الحياة، وسننها الكونية ويحرث ويبذر ويطلع الزرع، ويشعل النار ويستخرج المياه من الآبار ينسى أن كل ذلك "أسباب" ولا يتذكر المُسبِّب إلا حينما تمتنع عليه الأسباب. والمثال في حياتنا اليومية أن الإِنسان منا إذا جاء ليفتح صنبور المياه في البيت فلم يجد ماءً فيتجه أول ما يتجه إلى محبس المياه الذي يتحكم في مياه المنزل ويرى هل به خلل أو سدد، وإن وجده سليماً، يبحث هل أنبوبة وماسورة المياه الرئيسية مكسورة أو لا؟ وإن كانت ماسورة المياه سليمة فهو يبحث عن الخلل في آلة رفع المياه، ويظل يبحث في الأسباب الكثيرة، وقديماً لم تكن المياه تأتي إلا من الآبار وعندما لا يوجد في البئر ماء يقول العبد: يا رب اسقني. والحضارة الآن أبعدتنا بالأسباب عن المسبِّب. والحق قد أخذ قوم فرعون بالسنين ونقص الثمرات لينفض أيديهم من أسبابها، فإذا نفضت اليد من الأسباب لم يبق إلا أن يلتفتوا إلى المسبِّب ويقولون: "يا رب" ويقول القرآن عن الإِنسان: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً...} تفسير : [يونس: 12] إذن فالإِنسان يذكر المسبِّب حين تمتنع عنه الأسباب، لأنها مقومات الحياة، فإذا امتنعت مقومات الحياة يقول الإِنسان: يا رب، وهكذا كان ابتلاء الله لقوم فرعون بأخذهم بالسنين ونقص الثمرات ليذكروا خالقهم. ويقول الحق بعد ذلك: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد / 24ظ / {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ}. يعني: بالجوع، {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} [الآية: 130]. يعني: دون ذلك. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ}، قال: يعني العافية والرخاءُ {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أَي: نحن أَحق بها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}. يعني: بلاءٌ وعقوبة {يَطَّيَّرُواْ}. يقول: يتشاءَموا {بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} [الآية: 131].
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما كانت قصة الكليم مع الطاغية فرعون مملوءة بالعبر والعظات لذلك استطردت الآيات في الحديث عنهم فتحدثت عمّا حلَّ بقوم فرعون من البلايا والنكبات، وما ابتلاهم الله به من القحط والجدب، والطوفان والجراد وغير ذلك من المصائب نتيجة إِصرارهم على الكفر وتكذيبهم بآيات الله، ثم ذكرت أنواع النعم التي أنعم الله بها على بني إِسرائيل ومن أعظمها إِهلاك عدوهم وقطعهم البحر مع السلامة والأمان. اللغَة: {ٱلسِّنِينَ} جمع سَنَة وهي الجدبُ والقحطُ {يَطَّيَّرُواْ} يتشاءموا والأصل يتطيّروا مأخوذٌ من الطِّيرة وهي زجر الطير ثم استعمل في التشاؤم {ٱلطُّوفَانَ} السيل المتلف المدمِّر {ٱلْقُمَّلَ} السوس وهي حشرات صغيرة تكون في الحنطة وغيرها تفسد الحبوب {ٱلرِّجْزُ} العذاب، والرجس بالسين: النجس وقد يستعمل بمعنى العذاب {ٱلْيَمِّ} البحر {يَعْكُفُونَ} عكف على الشيء أقام عليه ولزمه {مُتَبَّرٌ} مهلكٌ والتبار: الهلاك {صَعِقاً} مغشياً عليه يقال: صَعِق الرجل إِذا أُغمي عليه. التفسِيْر: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد ابتلينا واختبرنا فرعون وأتباعه بالجدب والقحط {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} أي وابتليناهم بإِذهاب الثمار من كثرة الآفات قال المفسرون: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لعلهم يتعظون وترقُّ قلوبهم فإِن الشدة تجلب الإِنابة والخشية ورقة القلب، ثم بيّن تعالى أنهم مع تلك المحن والشدائد لم يزدادوا إِلا تمرداً وكفراً فقال {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أي إِذا جاءهم الخِصْب والرّخاء قالوا هذه لنا وبسعدنا ونحن مستحقون لذلك {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} أي وإِذا جاءهم الجدب والشدة تشاءموا بموسى ومن معه من المؤمنين أي قالوا: هذا بشؤمهم قال تعالى رداً عليهم {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي إِن ما يصيبهم من خير أو شر بتقدير الله وليس بشؤم موسى قال ابن عباس: الأمر من قِبَل الله ليس شؤمهم إِلاّ من قِبَله وحكمه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط والشدائد من عند الله بسبب معاصيهم لا من عند موسى {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي قال قوم فرعون لموسى: أي شيء تأتينا به يا موسى من المعجزات لتصرفنا عما نحن عليه فلن نؤمن لك قال الزمخشري: فإِن قلت كيف سموها آية ثم قالوا {لِّتَسْحَرَنَا بِهَا} قلت: ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية وإِنما قصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي قال تعالى {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ} أي أرسلنا عليهم المطر الشديد حتى عاموا فيه وكادوا يهلكون قال ابن عباس: الطوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار {وَٱلْجَرَادَ} أي وأرسلنا عليهم كذلك الجراد فأكل زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم {وَٱلْقُمَّلَ} وهو السوس حتى نخر حبوبهم وتتّبع ما تركه الجراد وقيل: هو القمل المشهور كان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه {وَٱلضَّفَادِعَ} جمع ضفدع حتى ملأت بيوتهم وطعامهم وإِذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إِلى فمه {وَٱلدَّمَ} أي صارت مياههم دماً فما يستقون من بئر ولا نهر إِلا وجدوه دماً {آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ} أي علامات ظاهرات فيها عبرٌ وعظاتٌ ومع ذلك استكبروا عن الإِيمان {فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} أي استكبروا عن الإِيمان بها لغلوهم في الإِجرام {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ} أي وحين نزل بهم العذاب المذكور {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي ادع لنا ربك ليكشف عنا البلاء بحق ما أكرمك به من النبوة قال الزمخشري: أي أسعفنا إِلى ما نطلب إِليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} اللام لام القسم أي والله لئن رفعت عنا العذاب الذي نحن فيه يا موسى لنصدقنَّ بما جئت به ولنطلقنَّ سراح بني إِسرائيل، وقد كانوا يستخدمونهم في أرذل الأعمال {فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ} أي فلما كشفنا بدعاء موسى عنهم العذاب إِلى حدٍّ من الزمان هم واصلون إِليه ولا بدَّ قال ابن عباس: هو وقت الغَرق {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي إِذا هم ينقضون عهودهم ويصرّون على الكفر {فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أي فانتقمنا منهم بالإِغراق في البحر {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} أي بسبب تكذيبهم بآيات الله وإِعراضهم عنها وعدم مبالاتهم بها {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} أي وأورثنا بني إِسرائيل الذين كانوا يُستذلون بالخدمة أرض الشام وملّكناهم جميع جهاتها ونواحيها: مشارقها ومغاربها {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} بالخيرات وكثرة الثمرات {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي تمَّ وعد الله الصادق بالتمكين لبني إِسرائيل في الأرض ونصره إِياهم على عدوهم قال الطبري: وكلمتُه الحسنى هي قوله جل ثناؤه {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً..} تفسير : [القصص: 5] الآية {بِمَا صَبَرُواْ} أي بسبب صبرهم على الأذى {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} أي خرّبنا ودمّرنا القصور والعمارات التي كان يشيدها فرعون وجماعته وما كانوا يعرشون من الجنّات والمزارع، وإِلى هنا تنتهي قصة فرعون وقومه ويبتدئ الحديث عن بني إِسرائيل وما أغدق الله عليهم من النعم الجسام، وأراهم من الآيات العظام، تسليةً لرسوله عليه الصلاة والسلام مما رآه منهم قال تعالى {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ} أي عبرنا ببني إِسرائيل البحر وهو بحر القُلْزم عند خليج السويس الآن {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} أي مروا على قوم يلازمون على عبادة أصنام لهم {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} أي اجعل لنا صنماً نعبده كما لهم أصنام يعبدونها قال ابن عطية: الظاهر أنهم استحسنوا ما رأوا فأرادوا ان يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يُتقربُ به إلى الله وإلا فبعيدٌ أن يقولوا لموسى اجعل لنا إلهاً نُفرده بالعبادة {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي إِنكم قوم تجهلون عظمة الله وما يجب أن ينزّه عنه من الشريك والنظير قال الزمخشري: تعجَّبَ من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى، والمعجزة الكبرى فوصفهم بالجهل المطلق وأكّده، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} أي هالك مدمَّر ما هم فيه من الدين الباطل وهو عبادة الأصنام {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي باطل عملهم مضمحلٌ بالكلية لأنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة {قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي أأطلب لكم معبوداً غير الله المستحق للعبادة والحال أنَّ الله فضَّلكم على غيركم بالنعم الجليلة!! قال الطبري: فضَّلكم على عالمي دهركم وزمانكم {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي واذكروا يا بني إِسرائيل النعم التي سلفت مني إِليكم حين أنجيتكم من قوم فرعون يذيقونكم أفظع أنواع العذاب وأسوأه ثم فسره بقوله {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} أي يذبحون الذكور ويستبقون الإِناث لامتهانهن في الخدمة {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي وفي هذا العذاب اختبار وابتلاء من الله لكم عظيم فنجاكم منه أفلا تشكرونه؟ {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} أي وعدنا موسى لمناجاتنا بعد مضي ثلاثين ليلة وأكملناها بعشر ليالٍ فتمت المناجاة بعد أربعين ليلة قال الزمخشري: روي أن موسى وعد بني إِسرائيل وهو بمصر إِن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتابٍ من عند الله فيه بيانُ ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما أتمَّ الثلاثين أنكر خلوف فمه "تغير رائحته" فتسوّك فأوحى الله تعالى إِليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك! فأمره تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} أي كن خليفتي فيهم إِلى أن أرجع {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي وأصلحْ أمرهم ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض بمعصيتهم لله {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} أي ولما جاء موسى للوقت الذي وعدناه فيه وناجاه ربه وكلمه من غير واسطة {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} أي أرني ذاتك المقدسة أنظر إِليها قال القرطبي: اشتاق إِلى رؤية ربه لمّا أسمعه كلامه فسأل النظر إِليه {قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} أي أجابه ربه لن تستطيع رؤيتي في الدنيا فإِن هذه البنية البشرية لا طاقة لها بذلك ولكنْ سأتجلّى لما هو أقوى منك وهو الجبل فإِن ثبت الجبل مكانه ولم يتزلزل فسوف تراني أي تثبت لرؤيتي وإِلاّ فلا طاقة لك {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} أي فلما ظهر من نور الله قدر نصف أنملة الخنصر اندك الجبل وتفتّت وسقط موسى مغشياً عليه من هول ما رأى قال ابن عباس: ما تجلّى منه سبحانه للجبل إِلا قدر الخنصر فصار تراباً وخرَّ موسى مغشياً عليه وفي الحديث: فساخ الجبل {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي فلما صحا من غشيته قال تنزيهاً لك يا رب وتبرئة أن يراك أحدٌ في الدنيا تبتُ إِليك من سؤالي رؤيتك في الدنيا وأنا أول المؤمنين بعظمتك وجلالك {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} أي اخترتك على أهل زمانك بالرسالة الإِلهية وبتكليمي إِياك بدون واسطة {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} أي خذ ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} واشكر ربك على ما أعطاك من جلائل النعم قال أبو السعود: والآية مسوقة لتسليته عليه السلام من عدم الإِجابة إِلى سؤال الرؤية كأنه قيل: إِن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما لم أعط أحداً من العالمين فاغتنمها وثابرْ على شكرها {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي كتبنا له كل شيء كان بنو إِسرائيل محتاجين إِليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام مبيّنة للحلال والحرام كلُّ ذلك في ألواح التوراة {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي ليتعظوا بها ويزدجروا وتفصيلاً لكل التكاليف الشرعية {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي خذ التوراة بجدٍّ واجتهادٍ شأن أولي العزم {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} أي وأمر بني إِسرائيل بالحث على اختيار الأفضل كالأخذ بالعزائم دون الرخص فالعفو أفضل من القصاص، والصبر أفضل من الانتصار كما قال تعالى {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] قال ابن عباس: أُمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أُمر به قومه {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي سترون منازل الفاسقين - فرعون وقومه - كيف أقفرت منهم ودُمِّروا لفسقهم لتعتبروا فلا تكونوا مثلهم، فإِن رؤيتها وهي خالية عن أهلها موجبة للاعتبار والانزجار {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي سأمنع المتكبرين عن فهم آياتي فلا يتفكرون) ولا يتدبرون بما فيها، وأطمس على قلوبهم عقوبةً لهم على تكبرهم قال الزمخشري: وفيه إِنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يُصرفون عن آيات الله لتكبرهم وكفرهم بها لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} أي وإِن يشاهدوا كل آية قرآنية من الآيات المنزلة عليهم أو يرَوْا كل معجزة ربانية لا يصدقوا بها {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أي وإِن يروا طريق الهدى والفلاح لا يسلكوه {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أي وإِن يروا طريق الضلال والفساد سلكوه كقوله {أية : فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17] {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي ذلك الانحراف عن هَدْي الله وشرعه بسبب تكذيبهم بآيات الله {وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} أي وغفلتهم عن الآيات التي بها سعادتهم حيث لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي جحدوا بما أنزل الله {وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي وكذبوا بلقاء الله في الآخرة أي لم يؤمنوا بالبعث بعد الموت {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي بطلت أعمالهم الخيرية التي عملوها في الدنيا من إِحسانٍ وصلة رحم وصدقة وأمثالها وذهب ثوابها لعدم الإِيمان {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي هل يُثابون أو يعاقبون إِلا بما عملوا في الدنيا؟ {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} قال الحافظ ابن كثير: يخبر تعالى عن ضلال من ضلَّ من بني إِسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامريُّ من الحليّ، فشكّل لهم منه عجلاً جسداً لا روح فيه وقد احتال بإِدخال الريح فيه حتى صار يسمع له خُوار أي صوتٌ كصوت البقر ومعنى {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد ذهاب موسى إِلى الطور لمناجاة ربه {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي كيف عبدوا العجل واتخذوه إِلهاً مع أنه ليس فيه شيء من صفات الخالق الرازق، فإنه لا يملك قدرة الكلام ولا قدرة هدايتهم إِلى سبيل السعادة فكيف يتخذ إِلهاً؟ {ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} أي عبدوا العجل واتخذوه إِلهاً فكانوا ظالمين لأنفسهم حيث وضعوا الأشياء في غير موضعها، وتكرير لفظ {ٱتَّخَذُوهُ} لمزيد التشنيع عليهم {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} أي ندموا على جنايتهم واشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} أي تبينوا ضلالهم تبيناً جلياً كأنهم أبصروه بعيونهم {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} أي لئن لم يتداركنا الله برحمته ومغفرته {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي لنكوننَّ من الهالكين قال ابن كثير: وهذا اعترافٌ منهم بذنبهم والتجاءٌ إلى الله عز وجل. البَلاَغَة: 1- {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} بين لفظ الحسنة والسيئة طباقٌ كما أن بين لفظ {طَائِرُهُمْ} و {يَطَّيَّرُواْ} جناس الاشتقاق وكلاهما من المحسنات البديعية. 2- {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ} عدل عن الماضي إِلى المضارع لاستحضار الصورة في ذهن المخاطب ومثله {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} والأصل ما صنعوا وما عرشوا. 3- {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أتى بلفظ تجهلون ولم يقل: جهلتم إِشعاراً بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في ماضٍ ولا مستقبل. 4- {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} فيه التفات من الغيبة إِلى الخطاب للمبالغة في الحض على نهج سبيل الصالحين، والأصل أن يقال: سأريهم. 5- {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} هذا من باب الكناية فهو كناية عن شدة الندم لأن النادم يعض على يده غماً. 6- بين لفظ {مَشَارِقَ} و {مَغَارِبَ} طباقٌ. تنبيه: مذهب أهل السنة قاطبة على أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة وأنكرت المعتزلة ذلك واستدلوا بالآية الكريمة {لَن تَرَانِي} وليس لهم في هذه الآية متمسك بل هي دليلٌ لأهل السنة والجماعة على إِمكان الرؤية، لأنها لو كانت مُحالاً لم يسألها موسى فإِن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل، ولو كانت الرؤية مستحيلة لكان في الجواب زجرٌ وإِغلاظ كما قال تعالى لنوح {أية : فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود: 46] فهذا المنع من رؤية الله إِنما هو في الدنيا لضعف البنية البشرية عن ذلك قال مجاهد: إِن الله قال لموسى: لن تراني، لأنك لا تطيق ذلك ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد، فإِن استقر وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإِن لم يُطق الجبل فأحرى ألاّ تطيق أنت فعلى هذا جعل الله الجبل مثالاً لموسى ولم يجعل الرؤية مستحيلة على الإِطلاق، وقد صرح بوقوع الرؤية في الآخرة كتابُ الله {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22 - 23] فلا ينكرها إِلا مبتدع. فَائِدَة: لما سمع الكليم موسى كلام الله اشتاق إِلى رؤيته، لأن التلذذ بسماع كلام الحبيب يزيد في الشوق إِليه والحنين وقد أحسن من قال: شعر : وأفرحُ ما يكونُ الشوقُ يوماً إِذا دنتِ الدّيارُ من الديار تفسير : لطيفَة: السعادة والشقاوة بيد الله فموسى بن عمران ربّاه فرعون فكان مؤمناً، وموسى السامري ربّاه جبريل وكان كافراً، فلم تنفع تربية الأمين لموسى السامري، ولم تضر تربية اللعين لموسى الكليم عليه السلام، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى: شعر : إِذا المرءُ لم يُخْلَقْ سعيداً من الأزَل فقدْ خابَ من ربَّى وخابَ المُؤَمَّلُ فموسَى الّذي ربّاهُ جبريلُ كافرٌ وموسَى الذي ربّاه فِرْعونُ مُرْسَل
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} معناهُ الجِدوبُ وآلُ فِرعونَ: أَهلُ دِينهِ.
الجيلاني
تفسير : ثم أشار سبحانه إلى إهلاك عدوهم وإنجاز وعده على سبيل التدريج حيث قال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} أي: بعدما تعلق إرادتنا بأخذهم وإهلاكهم أخذناهم أولاً بالقحط وقلة الأقوات والغلات {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} التي يتفكهون بها {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] أي: يتذكرون أيام الرخاء ويتضرعون نحونا لإعادتها ويصدقون نبينا الذي أرسلنا إلأيهم لدعوتهم إلى توحيدنا. وهم من شدة قسوتهم وعمههم لا يتعظون بأمثال هذا، بل {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} الخصب والرخاء وكل ما يسرهم ويفرع نفوسهم {قَالُواْ} مغالبين: {لَنَا هَـٰذِهِ} أي: لأجلنا وسعادة طالعنا، ونحن مستحقون بها {وَإِن تُصِبْهُمْ} أحياناً {سَيِّئَةٌ} مشقة وعناء وما يشوشهم ويملهم {يَطَّيَّرُواْ} أي: يتطيروا ويتشاءموا {بِمُوسَىٰ وَمَن} آمن {مَّعَهُ} وقالوا: إنما عرض علينا هذا البلاء بشؤم هؤلاء {أَلاۤ} أي: تنبهوا أيها المتنبهون المتوجهون نحو الحق في السراء والضراء {إِنَّمَا طَائِرُهُمْ} أي: ما يتطيرون به ويتشاءمون بسبه {عِندَ ٱللَّهِ} وفي قبضة قدرته ومشيئته؛ إذ له التصرف بالاستقلال في ملكه والقبض والبسط من عنده وبيده، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] فيرون الأسباب والوسائل في البين ويسندون الحوادث الكائنة إليها عناداً ومكابرة. {وَ} من شدة شكيمتهم وغيظهم وكمال قسوتهم وبغضهم {قَالُواْ} مستهزئين منهمكين {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ} أي: أي شيء تحضرنا به ليغلب علينا من سحرك الذي سميته آية نازلة {لِّتَسْحَرَنَا بِهَا} فأت سريعاً إن استطعت {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 132] أي: متى استبطأت وتأخرت. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} إمداداً لموسى وانتقاماً لهم {ٱلطُّوفَانَ} أي: الماء الذي طاف حولهم ودخل بيوتهم ووصل إلى تراقيهم، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل مع أنها متصلة ببيوتهم ولم يتضرروا - أي: بنو إسرئيل - من الماء أصلاً، ثم لما تضرروا واضطربوا وكادوا أن يغرقوا، تضرعوا إلى موسى وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك، فدعا فكشف عنهم ونبت من الزرع والكلأ ما لم يعهدوا، فنكثوا عهدهم، ونسبوا دعاءه إلى السحر {وَ} بعد أرسلنا عليهم {ٱلْجَرَادَ} فأكلت زروعهم وثمارهم، وأخدت تأكل السقوف والأبواب والثياب، فتضرعوا إلى موسى، فدعا وانكشف وخرج إلى الصحراء مشيراً بعصاه نحو الجراد يمنة ويسرة، فتفرقت إلى النواحي والأقطار فنكثوا. {وَ} أرسلنا بعدها {ٱلْقُمَّلَ} دوداً أصفر من الجراد، قيل: إنها حدثت من الجراد، فأخذت أيضاً تأكل ما بقي من الجراد وتقع في الأطعمة وتدخل بين أثوابهم فتمص دماءهم، ففزعوا إليه فكشف عنهم، فقالوا: علمنا الآن إنك ساحر عليم {وَ} بعد ذلك أرسلنا {ٱلضَّفَادِعَ} بحيث لا يخلو مكان منه، و تبث إلى قدورهم وأوانيهم وأفواههم حين تكلموا، ففزعوا نحوه معاهدين، فخلصوا بدعائه ثم نقصوا {وَ} بعد ذلك أرسلنا {ٱلدَّمَ} حيث صار المياه كلها عليهم دماءً حتى كان القبطي والإسرائيلي يجتمعنا على إناء فيصير ما يلي القبطي دماً وما يلي السبطي ماء، ويمص القبطي ماء من فم السبطي فيصير دماً. وإنما أرسلت عليهم هذه البليات لتكون {آيَاتٍ} آي: دلائل وعلامات دالة على كمال قدرتنا {مُّفَصَّلاَتٍ} مبينات واضحات مميزات بين الهداية والضلالة والحق والباطل والرشد والغي {فَٱسْتَكْبَرُواْ} عنها مع وضوحها وسطوعها وأعرضوا عن مدلولاتها وأصروا على ما هم عليها {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [الأعراف: 133] مستحقين بالعذاب والعقاب، فلم ينفعهم الآيات والنذر؛ لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):