٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
131
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} أي الخِصْب والسَّعة. {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أي أعْطيناها باستحقاق. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي قَحْط ومرض، وهي المسألة: ـ الثانية ـ {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ} أي يتشاءموا به. نظيره {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ}تفسير : [النساء: 78]. والأصل «يتطيروا» أدغمت التاء في الطاء. وقرأ طلحة: «تطيّروا» على أنه فعل ماض. والأصل في هذا من الطِّيرةِ وزَجْر الطَّير، ثم كثُرَ استعمالهم حتى قيل لكل من تشاءم: تَطَيَّر. وكانت العرب تتيمّن بالسّانح: وهو الذي يأتي من ناحية اليمين. وتتشاءم بالبارح؛ وهو الذي يأتي من ناحية الشّمال. وكانوا يتطيرون أيضاً بصوت الغراب؛ ويتأوّلونه البَيْن. وكانوا يستدِلون بمجاوبات الطيور بعضِها بعضاً على أُمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك. وهكذا الظِّباء إذا مضت سانحة أو بارحة، ويقولون إذا بَرَحت: «مَنْ لي بالسّانح بعد البارح». إلا أنّ أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير؛ فسمَّوْا الجميع تَطَيُّراً من هذا الوجه. وتطيّر الأعاجمُ إذا رأُوا صبِيّاً يذهب به إلى المُعَلِّم بالغداة، ويتيمَّنون برؤية صبيّ يرجع من عند المعلم إلى بيته، ويتشاءمون برؤية السَّقاء على ظهره قِربة مملوءةٌ مشدودة، ويتيمّنون برؤية فارغ السِّقاء مفتوحة قربته؛ ويتشاءمون بالحَمّال المثقّل بالحِمْل، والدابة المُوقرة، ويتيمنون بالحَمّال الذي وضع حِمله، وبالدابة يُحَطّ عنها ثِقْلُها. فجاء الإسلام بالنَّهْي عن التّطيّر والتشاؤم بما يُسمع من صوتِ طائرٍ ما كان، وعلى أيّ حال كان؛ فقال عليه السلام: «حديث : أقِرُّوا الطير على مَكِناتها»تفسير : . وذلك إن كثيراً من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وَكْرها فنفّرها؛ فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السانح عندهم. وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم. فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن هذا بقوله: «حديث : أَقِرُّوا الطير على مكناتها»تفسير : هكذا في الحديث. وأهل العربية يقولون: «وُكُناتها» قال ٱمرؤ القيس:شعر : وقد أغْتَـدِي والطّيْر في وُكناتـها تفسير : والوُكْنة: ٱسم لكلّ وكْر وعُشّ. والوكن: موضع الطائر الذي يبيض فيه ويُفْرِخ، وهو الخرق في الحيطان والشجر. ويقال: وَكَن الطائر يَكِن وكُوناً إذا حضن بيضه. وكان أيضاً من العرب من لا يرى التطيّر شيئاً، ويمدحون من كذّب به. قال المُرَقَّش:شعر : ولقد غَدَوْتُ وكنتُ لا أغدُو على وَاقٍ وحاتم فإذا الأشائِمُ كالأيا مِنِ والأيامِنُ كالأشائم تفسير : وقال عكرمة: كنت عند ٱبن عباس فمرّ طائر يصيح؛ فقال رجل من القوم: خير، خير. فقال ٱبن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر. قال علماؤنا: وأما أقوال الطير فلا تعلّق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها علم بكائن فضلاً عن مستقبل فتُخبِر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطير؛ إلا ما كان الله تعالى خصّ به سليمان صلى الله عليه وسلم من ذلك، فٱلتحق التطيّر بجملة الباطل. والله أعلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس مِنّا من تحلّم أو تكهّن أو ردّه عن سفره تطيّر»تفسير : . وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الطِّيَرة شرك ـ ثلاثاً ـ وما مِنا إلاّ ـ ولكِنّ الله يذهبه بالتوكّل»تفسير : . وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «من رجّعته الطِّيرة عن حاجته فقد أشرك». قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «أن يقول أحدهم اللَّهُمّ لا طَيْرَ إلا طَيْرُكَ ولا خَيْرَ إلاَّ خَيْرُكَ ولا إلۤه غيرُك ثم يمضي لحاجته»تفسير : . وفي خبر آخر: حديث : «إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللَّهُمّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك». ثم يذهب متوكّلاً على الله؛ فإن الله يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك، وكفاه الله تعالى ما يُهِمّهتفسير : . وقد تقدم في «المائدة» الفرق بين الفأل والطيرة. {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهُ} وقرأ الحسن «طَيْرُهم» جمع طائر. أي ما قُدِّر لهم وعليهم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن ما لحِقهم من القَحط والشدائد إنما هو من عند الله عز وجل بذنوبهم لا من عند موسى وقومه.
البيضاوي
تفسير : {فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} من الخصب والسعة. {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} لأجلنا ونحن مستحقوها. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} جدب وبلاء. {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} يتشاءموا بهم ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة، فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك سيما بعد مشاهدة الآيات، وهم لم تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتواً وانهماكاً في الغي، وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها، وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات ونكر السيئة، وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد لها إلا بالتبع. {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمته ومشيئته، أو سبب شؤمهم عند الله وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم. وقرىء «إنما طيرهم» وهو اسم الجمع وقيل هو جمع. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن ما يصيبهم من الله تعالى أو من شؤم أعمالهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا جآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ } الخصب والغنى {قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِ } أي نستحقها، ولم يشكروا عليها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } جدب وبلاء {يَطَّيَّرُواْ } يتشاءموا {بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } من المؤمنين {أَلآ إِنَّمَا طَٰئِرُهُمْ } شؤمهم {عَندَ ٱللَّهِ } يأتيهم به {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنَّ ما يصيبهم من عنده.
ابن عطية
تفسير : كان القصد في إصابتهم بالقحط والنقص في الثمرات أن ينيبوا ويرجعوا فإذا بهم قد ضلوا وجعلوها تشاؤماً بموسى فكانوا إذا اتفق لهم اتفاق حسن في غلات ونحوها قالوا هذا لنا وبسببنا وعلى الحقيقة لنا، وإذا نالهم ضر قالوا هذا بسبب موسى وشؤمه، قاله مجاهد وغيره، وقرأ جمهور الناس بالياء وشد الطاء والياء الأخيرة "يطيّروا"، وقرأ عيسى بن عمرو وطلحة بن مصرف بالتاء وتخفيف الطاء "تطيروا"، وقرأ مجاهد "تشاءموا بموسى" بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم. وقوله تعالى: {ألا إنما طائرهم} معناه حظهم ونصيبهم، قاله ابن عباس وهو مأخوذ من زجر الطير فسمي ما عند الله من القدر للإنسان طائراً لما كان الإنسان يعتقد أن كل ما يصيبه إنما هو بحسب ما يراه في الطائر، فهي لفظة مستعارة، وقرأ جمهور الناس "طائرهم"، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "طيرهم". وقال {أكثرهم} وجميعهم لا يعلم إما لأن القليل علم كالرجل المؤمن وآسية امرأة فرعون وإما أن يراد الجميع وتجوز في العبارة لأجل الإمكان، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله {طائرهم} لجميع العالم ويجيء تخصيص الأكثر على ظاهره، ويحتمل أن يريد ولكن أكثرهم ليس قريباًَ أن يعلم لانغمارهم في الجهل، وعلى هذا فيهم قليل معد لأن يعلم لو وفقه الله. و {مهما} أصلها عند الخليل "ما ما" فبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبويه: هي "مه ما" خلطتا وهي حرف واحد، وقال غيره: معناه "مه وما" جزاء ذكره الزجّاج، وهذه الآية تتضمن طغيانهم وعتوهم وقطعهم على أنفسهم بالكفر البحت. وقوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان} الآية، قال الأخفش {الطوفان} جمع طوفانة وهذه عقوبات وأنواع من العذاب بعثها الله عليهم ليزدجروا وينيبوا، و {الطوفان} مصدر من قولك طاف يطوف فهو عام في كل شيء يطوف إلا أن استعمال العرب له كثر في الماء والمطر الشديد، ومنه قول الشاعر: [الرمل] شعر : غير الجدة من عرفانه خرق الريح وطوفان المطر تفسير : ومنه قول أبي النجم: [الرجز] شعر : ومد طوفان فبث مددا شهراً شآبيب وشهراً بردا تفسير : وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن {الطوفان} في هذه الآية المطر الشديد أصابهم وتوالى عليهم حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم، وقيل طم فيض النيل عليهم وروي في كيفيته قصص كثير، وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن {الطوفان} المراد في هذه الآية هو الموت، وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه هو مصدر معمى عني به شيء أطافه الله بهم، و {الجراد} معروف، قال الأخفش هو جمع جرادة للمذكر والمؤنث فإن أردت الفصل قلت رأيت جرادة ذكراً، وروي: أن الله عز وجل لما والى عليهم المطر غرقت أرضهم وامتنعوا الزراعة قالوا يا موسى ادع في كشف هذا عنا نحن نؤمن، فدعا فدفعه الله عنهم فأنبتت الأرض إنباتاً حسناً فطغوا وقالوا ما نود أنا لم نمطر وما هذا الإحسان من الله إلينا، فبعث الله حينئذ الجراد فأكل جميع ما أنبتت الأرض، وروى ابن وهب عن مالك أنه روي أنه أكل أبوابهم وأكل الحديد والمسامير وضيق عليهم غاية التضييق وترك الله من نباتهم ما يقوم به الرمق فقالوا لموسى ادع في كشف الجراد ونحن نؤمن، فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم ورأوا أن ما أقام رمقهم قد كفاهم، فبعث الله عليهم القمل وهي الدبى صغار الجراد الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقيل هو الحمثان وهو صغار القردان وقيل هو البراغيث وقال ابن عباس {القمل} السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل {القمل} الزرع إنه حيوان صغير جداً أسود وإنه بأرض مصر حتى الآن، قال حبيب بن أبي ثابت: {القمل} الجعلان، وقرأ الحسن "القَمْل" بفتح القاف وسكون الميم فهي على هذا بينة القمل المعروف، وروي أن موسى مشى بعصاه إلى كثيب أهيل فضربه فانتشر كله قملاً في مصر، ثم إنهم قالوا ادع في كشف هذا فدعا ورجعوا إلى طغيانهم وكفرهم، وبعث الله عليهم الضفادع فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم وإذا هم الرجل أن يتكلم وثب الضفدع في فمه، قال ابن جبير: كان الرجل يجلس إلى دفنه في الضفادع، وقال ابن عباس: كانت الضفادع برية فلما أرسلت على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء. فقالوا ادع في كشف هذا فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم وعتوهم فبعث الله عليهم الدم فرجع ماؤهم الذي يستقونه ويحصل عندهم دماً، فروي أن الرجل منهم كان يستقي من البئر فإذا ارتفع إليه الدلو عاد دماً، وروي أنه كان يستقي القبطي والإسرائيلي بإناء واحد فإذا خرج الماء كان الذي يلي القبطي دماً والذي يلي الإسرائيلي ماء إلى نحو هذا وشبهه من العذاب بالدم المنقلب عن الماء، هذا قول جماعة المتأولين، وقال زيد بن أسلم: إنما سلط الله عليهم الرعاف فهذا معنى قوله والدم. وقوله تعالى: {آيات مفصلات} التفصيل أصله في الأجرام إزالة الاتصال، فهو تفريق شيئين، فإذا استعمل في المعاني فيراد أنه فرق بينها وأزيل اشتراكها وإشكالها، فيجيء من ذلك بيانها وقالت فرقة من المفسرين: {مفصلات} يراد به مفرقات بالزمن، والمعنى أنه كان العذاب يرتفع ثم يبقون مدة شهر، وقيل ثمانية أيام ثم يرد الآخر، فالمراد أن هذه الأنواع من العذاب لم تجىء جملة ولا متصلة، ثم وصفهم الله عز وجل بالاستكبار عن الآيات والإيمان، وأنهم كان لهم اجترام على الله تعالى وعلى عباده.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْحَسنَةُ} الخصب، والسيئة: الجدب، أو الحسنة: السلامة والأمن، والسيئة: الأمراض والخوف. {لَنَا هَذِهِ} أي كانت هذه حالنا في أوطاننا قبل اتباعنا لك. {يَطَّيَّرُواْ} يتشاءموا، يقولون: هذه بطاعتنا لك. {طَآئِرُهُمْ} حظهم من العقاب، أو طائر البركة، والشؤم من الخير والشر والنفع والضر من عند الله ـ تعالى ـ لا صنع فيه لمخلوق.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فإذا جاءتهم الحسنة} قال: العافية والرخاء {قالوا لنا هذه} ونحن أحق بها {وإن تصبهم سيئة} قال: بلاء وعقوبة {يطيروا بموسى} قال: يتشاءموا به . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ألا إنما طائرهم} قال مصائبهم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ألا إنما طائرهم عند الله} قال: الأمر من قبل الله . أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {ألا إنما طائرهم عند الله} يقول: الأمر من قبل الله، ما أصابكم من أمر الله فمن الله بما كسبت أيديكم .
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} الخ، بـيانٌ لعدم تذكّرِهم وتماديهم في الغي أي فإذا جاءتهم السعةُ والخِصْبُ وغيرُهما من الخيرات {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أي لأجلنا واستحقاقِنا لها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} أي جدْبٌ وبلاء {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} أي يتشاءموا بهم ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم وهذا كما ترى شاهدٌ بكمال قساوةِ قلوبِهم ونهايةِ جهلِهم وغباوتِهم فإن الشدائدَ ترقّقُ القلوبَ وتُلين العرائِكَ لا سيما بعد مشاهدةِ الآياتِ وقد كانوا بحيث لم يؤثر فيهم شيءٌ منها بل ازدادوا عتوّاً وعِناداً، وتعريفُ الحسنةِ وذِكرُها بأداة التحقيقِ للإيذان بكثرة وقوعِها وتعلقِ الإرادةِ بها بالذات كما أن تنكيرَ السيئةِ وإيرادَها بحرف الشكِّ للإشعار بنُدرة وقوعِها وعدم تعلّقِ الإرادةِ بها إلا بالعَرَض وقوله تعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} استئنافٌ مَسوقٌ من قِبَله تعالى لرد مقالتِهم الباطلةِ وتحقيقِ الحقِّ في ذلك، وتصديرُه بكلمة التنبـيهِ لإبراز كمالِ العنايةِ بمضمونه، أي ليس سببُ خيرِهم إلا عنده تعالى وهو حكمُه ومشيئتُه المتضمنةُ للحِكَم والمصالحِ، أو ليس شؤمِهم ـ وهو أعمالُهم السيئةُ ـ إلا عنده تعالى أي مكتوبةٌ لديه فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم لا ما عداها، وقرىء إنما طَيرُهم وهو اسمٌ جمعُ طائرٍ وقيل: جمعٌ له {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك فيقولون ما يقولون مما حُكي عنهم، وإسنادُ عدمِ العلمِ إلى أكثرهم للإشعار بأن بعضَهم يعلمون أن ما أصابهم من الخير والشرِّ من جهة الله تعالى أو يعلمون أن ما أصابهم من المصائب والبلايا ليس إلا بما كسبتْ أيديهم ولكن لا يعلمون بمقتضاه عِناداً واستكباراً. {وَقَالُواْ} شروعٌ في بـيان بعضٍ آخَرَ مما أُخذ به آلُ فرعونَ من فنون العذاب التي هي في أنفسها آياتٌ بـيناتٌ. وعدمُ ارعوائِهم مع ذلك عما كانوا عليه من الكفر والعناد أي قالوا بعد ما أرادوا ما أرادوا من شأن العصا والسنينَ ونقصِ الثمرات: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ} كلمةُ مهما تستعمل للشرط والجزاءِ وأصلُها ما الجزائية ضُمت إليها ما المزيدةُ للتأكيد كما ضُمّت إلى أين وإن في {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ}تفسير : [النساء, الآية 78]{أية : أَمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ }تفسير : [الزخرف, الآية 41] خلا أن ألِفَ الأولى قُلبت هاءً حذَراً من تكرير المتجانسين. هذا هو الرأيُ السديدُ، وقيل: مه كلمةٌ يصوِّتُ بها الناهي ضُمّت إليها ما الشرطيةُ ومحلُّها الرفعُ بالابتداء أو النصبُ بفعل يفسره ما بعدها، أي أيُّ شيءٍ تظهره لدينا وقوله تعالى: {مّنْ ءايَةٍ} بـيانٌ لهما، وتسميتُهم إياها آيةً لمجاراتهم على رأي موسى عليه السلام واستهزائِهم بها وللإشعار بأن عنوانَ كونِها آيةً لا يؤثر فيهم وقوله تعالى: {لّتَسْحَرَنَا بِهَا} إظهارٌ لكمال الطغيانِ والغلوّ فيه وتسميةِ الإرشادِ إلى الحق بالسحر وتسكير الأبصار، والضميران المجروران راجعان إلى مهما وتذكيرُ الأولِ لمراعاة جانب اللفظِ لإبهامه، وتأنيثُ الثاني للمحافظة على جانب المعنى لتبـيـينه بآية كما في قوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } تفسير : [فاطر: 2] {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} بمصدِّقين لك ومؤمنين لنبوتك.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ}. الكفورُ لا يرى فضل المنعم؛ فيلاحظ الإحسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل بشيء مما يكرهه تجنَّى وحمل الأمر على ما يتمنّى: شعر : وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعة ملَّ الوصال وقال كان وكانا إن الكريم إذا حبَاكَ بودِّه سَتَر القبيح وأظهر الإحسانا تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. المتفرد بالإيجاد هو الواحد ولكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا جاءتهم الحسنة} اى السعة والخصب وغيرهما من الخيرات {قالوا لنا هذه} اى لاجلنا واستحقاقنا لها ولم يروا ذلك فضلا من الله {وان تصبهم سيئة} اى جدب وبلاء {يطيروا بموسى ومن معه} اى يتشاءموا بموسى واصحابه ويقولوا ما اصابتنا الا بشؤمهم واصله يتطيروا ادغمت التاء فى الطاء لقرب مخرجهما واشتقاق التطير من الطير كالغراب وشبهه سمى الشؤم ضد اليمن طيرا وطائرا تسمية للمدلول باسم ما يدل عليه فانهم يجعلون الطير والطائر امارة ودليلا على شؤم الامر وبناء التفعيل فيه للتجنب اى لبعد الفاعل عن اصلح كتحوب اى تجنب وتباعد من الحوب وهو الاثم وسيجيء تفصيل الطيرة. قال سعيد بن جبير كان ملك فرعون اربعمائة سنة فعاش ثلاثمائة سنة لا يرى مكروها ولوارى فى تلك المدة جوع يوم او حمى يوم او وجع ساعة لما الدعى الربوبية ولما قالوا سبب ما جاءنا من الخير والحسنة هو استحقاق انفسنا اياه وسبب ما اصابنا من السيئة والشر هو شأمة موسى ومن معه كذبهم الله تعالى فى كل واحد من الحكمين بقوله {ألا} اعلموا {انما طائرهم عند الله} اى سبب ما اصابهم من الخير والشر انما هو عند الله تعالى وصفة قائمة به وهى قضاؤه وتقديره ومشيئته وهو الذى أيهما شاء اصابهم به وليس بيمن احد ولا بشؤمه عبر عما عند الله تعالى بالطائر تشبيها له بالطائر الذى يستدل به على الخير والشر او سببه شؤمهم عند الله تعالى وهو اعمالهم السيئة المكتوبة عنده فانها التى ساقت اليهم ما يسوءهم لا ما عداها فالطائر عبارة عن الشؤم على طريق التسمية الملول باسم الدليل بناءً على انهم يستدلون بالطير على الشؤم {ولكن اكثرهم لا يعلمون} ان ما يصيبهم من الله تعالى او من شؤم اعمالهم فيقولون ما يقولون مما حكى عنهم واسناد عدم العلم الى اكثرهم للاشعار بان بعضهم يعلمون ذلك ولكن لا يعلمون بمقتضاه عنادا واستكبارا. واعلم ان الطير بمعنى التشاؤم والاسم منه الطيرة على وزن العنبة وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديئ. والاصل فى هاذ ان العرب كانوا يتفاءلون بالطير فان خرج احدهم الى مقصده واتى الطير من ناحية يمينه يتمين به ويتبرك ويسميه سانحا وان اتى من ناحية شماله يتشاءم به ويسميه بارحا فيرجع الى بيته ثم كثر قولهم فى الطير حتى استعملوه فى كل ما تشاءموا به وابطل النبى عليه السلام الطيرة بقوله "حديث : "الطير شرك" قاله ثلاثا" تفسير : وانما قال شرك لاعتقادهم ان الطيرة تجلب لهم نفعا او تدفع عنهم ضررا اذا عملوا بموجبها فكأنهم اشركوها مع الله تعالى. قال عبد الله من خرج من بيته ثم رجع لم يرجعه الا الطيرة رجع مشركا او عاصيا. وذكر فى المحيط اذا صاحت الحمامة فقال رجل يموت المريض كفر القائل عند بعض المشايخ. واذا خرج الرجل الى السفر فصاح العقعق فرجع من سفره فقد كفر عند بعض المشايخ. قال عكرمة كنا عند ابن عمر وعنده ابن عباس رضى الله عنهما فمر غراب يصيح فقال رجل من القوم خير خير فقال لا خير ولا شر وانما اختص الغراب غالبا بالتشاؤم به اخذا من الاغتراب بحيث قالوا غراب البين لانه بان عن نوح عليه السلام لما وجهه لينظر الى الماء فذهب ولم يرجع ولذا تشاءموا به واستخرجوا من اسمه الغربة. قال ابن مسعود لا تضر الطيرة الا من تطير ومعناه ان من تطير تطيرا منهيا عنه او يراه ما يتطير به حتى يمنعه مما يريده من حاجته فانه قد يصيبه ما يكره فاما من توكل على الله ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفا ورجاء وقطعه عن الالتفات الىالاسباب المخوفة وقال ما امر به من الكلمات ومضى فانه لا يضره فالمراد بالكلمات ما فى قوله عليه السلام "حديث : ليس عبد الا سيدخل قلبه الطيرة فاذا احس بذلك فليقل اللهم لا طير الا طيرك ولا خير الا خيرك ولا اله غيرك ولا حول ولا قوة الا بالله ما شاء الله كان لا يأتى بالحسنات الا الله ولا يذهب بالسيآت الا الله واشهد ان الله على كل شيء قدير " . تفسير : ثم يمضى الى حاجته اى كل ما اصاب الانسان من الخير والشر واليمين والشؤم ليس الا بقضائك وتقديرك وحكمك ومشيئتك وفى الحديث "حديث : الشؤم فى المرأة والفرس والدار"تفسير : . فشؤمى المرأة سوء خلقها أو غلاء مهرها. وقل ان لا تلد. وشؤم الفرس عدم انقياده او انه لا يغزى عليه. وشؤم الدار ضيقها او سوء جارها وهذا الحكم على وجه الغلبة لا القطع خص الثلاث بالذكر لان فيها يصل الضرر الكثير الى صاحبها او لانها اقرب الى الآفة فيما يبتلى به الانسان فمن تشاءم بالمذكورات فليفارقها واعترض عليه بحديث "حديث : لا طيرة " . تفسير : اجاب ابن قتيبة بان هذا مخصوص منه اى لا طيرة الا فى هذه الثلاث. وسمع فيلسوف صوت مغن بارد فقال يزعم اهل الكهانة ان صوت البوم يدل على موت الانسان فان كان ما ذكروه حقا فصوت هذا يدل على موت البومة شعر : زيبقم در كوش كن تانشنوم ياردم بكشاى تا بيرون روم تفسير : وتساقطت النجوم فى ايام بعض الامراء فخاف من ذلك واحضر المنجمين والعلماء فما اجابوا بشيء فقال جميل الشاعر شعر : هذى النجوم تساقطت لرجوم اعداء الامير تفسير : فتفاءل به وامر له بصلة حسنة ولا بأس بان يتفاءل بالفأل الحسن وكان النبى عليه السلام يجب الفأل ويكره الطيرة والفأل الحسن هى الكلمة الصالحة يسمعها من اخيه نحو ان يسمع احد وهو طالب امر يا واجد يا نجيح او يكون فى سفر فيسمع باراشد يعنى يا واجد الطريق المستقيم او مريضا فيسمع يا سالم فالتفاؤل بالامور المشروعة مشروع والطيرة منهى عنها. والفرق بين الفأل والطيرة مع ان كل واحد منهما استدلال بالامارة على مآل الامر وعاقبته ان الارواح الانسانية اقوى واصفى من الارواح البهيمية والطيرية فالكلمة الحسنة التى تجرى على لسان الانسان يمكن الاستدلال بها على شيء من الاحوال. ويروى ان النبى عليه السلام حول رداءه فى الاستسقاء وذكر فى الهداية انه كان تفاؤلا يعنى قلب علينا الحال كما قلبنا رداءنا. وروى "حديث : عن ابى هريرة رضى الله عنه انه قال قلت يا رسول الله انى اسمع منك حديثا كثيرا انساه فقال "ابسط رداءك" فبسطته ففرق بيديه ثم قال "ضمه" فضممته فما نسيت شيئاً بعده" تفسير : وهذا البسط والفرق والضم ليس الا تفاؤلا والا فالعلم ليس مما يسقط على الرداء ويمكن فيه الفرق والضم ولكن التفاؤل يحصل به يعنى كما بسطت ردائى توقيا لما يسقط فيه كذلك اصغيت سمعى لما يقع فيه من الكلام وكما اعطيت شخصا كثيرا من الرزق يفرق بين اليدين فكذا اعطيته شيأ كثيرا من العلم وكما يؤمن بالضم من سقوط ما فى الرداء كذلك يؤمن من خروج ما فى السمع او نسيان ما فى الخاطر فبعض الاوضاع يدل على بعض الاحوال كما ان بعض الاسماء يدل على بعض الامور كما حكى ان عمر رضى الله عنه قال لرجل ما اسمك قال جمرة قال ابن من قال ابن شهاب قال من ابن قال من الخرقة قال اين تسكن فى الحرة وهى ارض ذات حجارة سود وكأنها احرقت فقال عمر ادرك اهلك فقد احترقوا فرجع فوجدهم قد احترقوا واراد عمر رضى الله عنه الاستعانة برجل فسأله عن اسمه فقال ظالم بن سراق فقال تظلم انت ويسرق ابوك ولم يستعن ودل هذا على تبديل الاسماء القبيحة بالاسماء الحسنة فان فى الاسماء الحسنة التفاؤل ونظير ذلك ما يفهم من قوله عليه السلام "حديث : لا تمارضوا فتمرضوا " . تفسير : يعنى ان من اظهر المرض وقال انا مريض فهذا القول والفعل منه يثمر المرض ويؤاخذ به شعر : كفت بيغمبركه رنجورى بلاغ رنج آرد تابميرد جون جراغ تفسير : والله الهادى الى الحسنات وهو دافع السيآت.
الطوسي
تفسير : المراد بالحسنة - ها هنا - النعمة من الخصب والسعة في الرزق والعافية والسلامة. و (السيئة) النقمة من الجدب وضيق الرزق والمرض والبلاء، وفيه ضرب من المجاز، لأن حقيقة الحسنة ما حسن من الفعل في العقل، والسيئة ما قبح من الفعل، وإِنما شبه هذا بذلك، لتقبل العقل لهذا كتقبل الطبع لذلك. وقال قوم: هو مشترك لظهور العلم في ذلك في الناس جميعاً على منزلة سواء. أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنه إِذا جاءهم الخصب والسعة والنعمة من الله {قالوا لنا هذه} والمعنى إِنا نستحق ذلك على العادة الجارية لنا من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويؤدوا حق النعمة، لئلا يسلبهم الله إِياها. وقوله {وإِن تصبهم سيئة} يعني جدب وقحط وبلاء {يطيروا بموسى ومن معه} والمعنى إِنهم تشاءموا بهم، وهو قول الحسن ومجاهد، وابن زيد، لأن العرب كانت تزجر الطير، فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرك بالسانح، وهو الذي يأتي من جهة اليمين، قال الشاعر: شعر : زجرت لها طير الشمال فإِن يكن هواك الذي يهوى يصبك اجتنابها تفسير : وقال آخر: شعر : فقلت غراب لا اغتراب من النوى وبان لبين ذي العيافة والزجر تفسير : وأصل الطائر النصيب، يقال: طار له من القسم كذا وكذا، وأنشد ابن الاعرابي: شعر : واني لست منك ولست مني اذا ما طار من مالي الثمين تفسير : أي أخذت الزوجة ثمنها من ميراثه. وقوله تعالى {ألا إِنما طائرهم عند الله} معناه إِن الله هو الذي يأتي بطائر البركة وطائر الشؤم، من الخير والشر والنفع والضِّر، فلو عقلوا طلبوا الخير من جهته، والسلامة من الشر من قبله. وموضع (إِذا) نصب بأنها ظرف للقول، ولا يجوز أن يعمل فيها الفعل الذي يليها، لأنها مضافة اليه، ولو جازيت بها جاز عمله فيها، وقال الأزهري والزجاج: معنى {إِنما طائرهم عند الله} شؤمهم الذي وعدوا به من العقاب عند الله يفعله بهم يوم القيامة، وقال ابن عباس معناه إِن مصائبهم عند الله.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} بيان لغاية سفاهتهم ووخامة رأيهم حيث عقّبوا ما غايته التّذكّر وقبول الحقّ بالتأنّف وجحوده، وفى الاتيان باذا ومضىّ الفعل وتعريف الحسنة اشارة لطيفة الى كثرة الحسنة بحيث لا ينكر تحقّقها ومعهوديّتها لكثرة دورانها بخلاف قرينتها فانّها لندورها كأنّها مشكوك فيها ولم تتحقّق وان تحقّق فرد منها فكأنّها امر منكور غير معهودٍ ولذلك اتى بان واستقبال الفعل وتنكير السّيئّة فقال {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} والمراد بالحسنة ههنا ما يعدّونه اهل الحسّ حسنة من الصحّة والخصب وسعة المال وبالسّيّئة ما يقابلها {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} كانوا اذا استقبلهم طائرٌ وقتما ارادوا مهمّاً فان طار الى اليمين او الى اليسار تفأّلوا وتشأّموا كما قيل (وقيل: كانوا يتشأّمون بالبارح وهو الّذى يأتى من قبل الشّمال ويتبرّكون بالسّابح وهو الّذى يأتى من قبل اليمن) والاسم منه الطّيرة والطّائر ثمّ غلب التّطيّر، ومشتقاتّه فى التّشأّم كالتّفأّل فى التيمّن، ثمّ استعمل التّطيّر فى كلّما يتشأّم به وكان رؤساؤهم جعلوا ما به التّفأّل والتّشأّم من امارات الخير والشّرّ ثمّ عدّه جهلاؤهم من اسبابهما ولذلك قال فى الرّدّ عليهم {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} يعنى سبب خيرهم وشرّهم عند الله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} انّ سبب الخير والشر عند الله وانّ الفاعل هو الله وان ليس للخلق الاّ القبول وليس ما يعدّونه سبب الخير او الشّرّ الاّ امارةً ان كان من الامارات.
اطفيش
تفسير : {فإذا جاءتْهُم الحسَنةُ} من خصب وسعة ورزق، وعافية وسلامة من الآفات، وعرفت الحسنة، وجىء بأداة التخفيف وهى إذا لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه، وكونه الأصل بعد خلق من احتاج إليه فإيجاده تعلقت به الإرادة بالذات {قالُوا لنا هذه} أى هى لأجلنا، ونحن لها أهل على العادة الجارية لنا فيها. {إنْ تُصِبْهم سيِّئةٌ} من جدب وقلة رزق وبلاء، ونكر السيئة وجىء بأداة الشك وهى إنْ لندور السيئة، وكون الأصل عدمها بعد خلق من لا يستقر معها، فإيجادها إنما هو تبع لأعمالهم جزاء عليها، ومنه قول بعضهم: قد عددت أيام البلاء، فهلا عددت أيام الرخاء، يعنى قد قدرت على عد أيام البلاء، ولا تقدر على عد أيام الرخاء، فإنها أكثر من أن تعد، وقد تكون السيئة لتوفير الأجر ومحو الذنب، والحسنة استدراجا وابتلاء كما كانت لقوم فرعون قال الشاعر: شعر : قد ينعم الله بالبلوى وإن عظُمت ويبتلى الله بعض القوم بالنعم تفسير : {يطَّيَّروا بموسَى ومَنْ مَعه} يتشاءموا بهم ويقولوا: هذه إصابتنا بشؤمهم، وقد قرأ مجاهد يتشاءموا، والأصل يتطيروا أبدلت التاء طاء وسكنت وأدغمت، وقرأ عيسى بن عمر، وطلحة بن مصرف: تطيروا بالياء وتخفيف الطاء على الأصل لكن بالماضى {ألاَ إنَّما طائِرهُم} أى سبب خيرهم وشرهم، وهو أعمالهم، وعن ابن عباس: نصيبهم يعنى ما قضى لهم أو عليهم، وقيل: سبب شؤمهم، وعن ابن عباس: طائرهم شؤمهم، وذلك كله مأخوذ من زجر الطائر فيمشى يمينا أو شمالا، وكانت العرب وغيرهم يعتقدون أن خيرهم وشرهم بحسب ما فى الطائر، وقرأ الحسن: طيرهم وهو اسم جمع لطائر كراكب وركب، وقال أبو الحسن الأخفش: جمع تكسير. {عِنْدَ اللهِ} مكتوب عنده وهو أعمالهم، فإن كانت خيرا فهى سبب خيرهم، وإن كانت شراً فهى سبب شرهم وشؤمهم وهو الواقع، وما أصابهم من خير فاستدراج، أو سبب شرهم وشؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده، الموجب لما يسوءهم دنيا وأخرى، أو سبب خيرهم وشرهم بمشيئة الله، وهو الذى شاء ما يصيبهم من حسنة وسيئة، وليس يُمن أحد أو شؤمه سببا فيه، أو الشؤم العظيم هو الذى لهم عند الله فى الآخرة. {ولكنَّ أكْثرهُم لا يعْلَمون} أن الكل من الخير والشر من عند الله، قل كلٌّ من عند الله، أو أن الشر من شؤم أعمالهم، وكانوا يضيفونها لأسباب، وعبر بالأكثر وأراد الجميع تجوزا، أو لأن بعضهم قد علم، أو لأن فيهم من آمن كمؤمن آل فرعون، وآسية امرأته رضى الله عنهما على القول بأنهما منهم، أو لأن من رأى كثرتهم يخالجه الشك أن فيهم من يعلم، فأتى بلفظ الأكثر نظرا إلى هذا الإمكان المخالج للبشر كالتحرر، أو المضارع للاستقبال لا للاستمرار، أى وأما القليل فسيعلم بأن يوفقه الله للإيمان، أو يلهمه ذلك، وأجيز أن يكون المعنى أكثرهم لا يمكن أن يعلم لإنعامه فى الكفر وبعده، والقليل بخلاف ذلك، قيل: ويجوز أن يكون الضمير فى طائرهم لجميع الناس، فيجئ تخصيص الأكثر على ظاهره.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ} الحالة المحبوبة من صحة بدن وخصب ونحوها {قَالُوا} لعدم تذكرهم {لَنَا هَذِهِ} نحن أَهل لها، وليس فينا ما ينافيها فلم يشكروا عليها، ويقال: قال له قومه: إِن كنت ربا فأتنا بجرى النيل، فقال: غداً يجيئكم، فاغتسل ليلا وتضرع إِلى الله تعالى، ومشى حافياً إِلى النيل، فدعا الله فجاءَ يجرى، وعرف الحسنة تلويحاً بالكثرة، وكذلك قرنها بإِذا المنبئة فى اللغة على غير شك لتحققها بخلاف السيئة، فإِنها نكرة لقلتها، كأَنه قيل: فرد من أَفراد السوء أَو نوع، وكذلك قرن بإِن المنبئة فى اللغة على الشك سوقا لها مساق ما يشك فيه هل يقع؟ ومساق ما يجئ حدوثاً لا قصد له ولا شك لله، ولا واقع من الحوادث إِلا بإِرادته {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} قحط أَو عاهة {يَطَّيَّرُوا} يتطيروا قلبت التاء طاء وأدغمت، وهو مضارع اطَّير بهمزة الوصل الحادثة على صيغة التفعل، أَى يتشاءَموا والعرب تسمى الشؤم طيراً وطائرا وطيرة بكسر ففتح وقد تسكن، لتشاؤمهم ببارحها، ونعيق الغراب، حتى أَنهم يقولون: بفيك التراب وفير، فهم بين أَن يقول: عق، أَو غق، وبأَخذ الطائر ذات اليسار، ويقال: البارح ما ولاك مياسره والسانح ما ولاك ميامنه، وقيل: البارح ما جاءَ من اليمين، والسانح ما جاءَ من اليسار، وكانوا يحبون السانح ويكرهون البارح، وإِذا أَرادوا سفراً أَو نكاحاً أَو غارة أَو حاجة، فتتشاءَم بالبارح وتتبرك بالسانح، وإِن وجدوا طائراً ماكثاً أَطاروه، فيكون سانحاً أَو بارحه فإِن جاءَ من جهة اليمين، أَو أطير فذهب يميناً فعلوا وهو سانح، فإِن جاءَ من اليسار، أَو أطير فذهب يساراً تركوا وهو بارح، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَقروا الطير فى وكناتها" تفسير : والوكنة موضعة، أَى لا تطيروها تفاؤلا وتشاؤما، وقال: "حديث : من رجعته التطير عن حاجته فقد أَشرك. قيل: وما كفارته يا رسول الله؟ فقال: أَن يقول اَحدكم: اللهم لا طير إِلا طيرك، ولا خير إِلا خيرك، ولا إِله غيرك" تفسير : ويمضى لحاجته إِن كانت حلالا، فسموا الشؤم طائراً، إِذا جعلوا الطائر أَمارة تسمية للدال باسم المدلول، وكذلك تشاءَمت اليهود لعنهم الله برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لما جاءَ أَقحطنا، وغلت أَسعارنا، وكثر موتنا. وكان صلى الله عليه وسلم يتفاءَل ولا يتطير، وأَصل الفأل الحسنة على لسان آدمى، وهو أَصفى قلبا من البهائم والطير، فيؤخذ بها لا بصوت البهيمة والطائر، أَو ذهابه إِلى جهة، والشؤم ضد اليمن {بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} من المسلمين، فيقولوا: أَصابنا ما نكره بهم {أَلاَ إِنما طائِرُهُم} أَى شؤمهم، أَى سبب شؤمهم {عِنْدَ اللهِ} وهو قضاؤه وحكمه عليهم، أَو طائرهم، سبب شؤمهم أَعمالهم المكتوبة عند الله، وهى أَعمال سوء توجب العقاب، فإِنه لا خير ولا شر إِلا بقضاء الله عز وجل، أَو أَعظم من شؤمهم عند الله وهو النار لا ما ينالهم فى الدنيا، ونقول: طائر الإِنسان عمله {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أَن ما يصيبهم من الله كلهم أَو بعضهم علم ولم يعمل، وكل حادث جائز، وإِنما هو بإِيجاد الواجب سبحانه.
الالوسي
تفسير : {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} الخ بيان لعدم تذكرهم وتماديهم في الغي، والمراد بالحسنة كما يفهمه ظاهر كلام البعض الخصب والرخاء، وفسرها مجاهد بالرخاء والعافية وبعضهم بأعم من ذلك أي إذا جاءهم ما يستحسنونه {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أي إنا مستحقوها بيمن الذات {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} أي ضيقة / وجدب أو جدب ومرض أو عقوبة وبلاء {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} أي يتشاءموا بهم ويقولوا: ما أصابنا ذلك إلا بشؤمهم، وأصل إطلاق التطير على التشاؤم على ما قال الأزهري إن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وتتيمم بالسانح. وفي المثل من إلى بالسانح بعد البارح، قال أبو عبيدة: سأل يونس رؤبة وأنا شاهد عن السانح والبارح فقال: السانح ما ولاك ميامنه والبارح ما ولاك مياسره، وقيل: البارح ما يأتي من جهة الشمال والسانح ما يأتي من جهة اليمين وأنشدوا:شعر : زجرت لها طير الشمال فإن يكن هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها تفسير : ثم إنهم سموا الشؤم طيراً وطائراً والتشاؤم تطيراً، وقد يطلقون الطائر على الحظ والنصيب خيراً أو شراً حتى قيل: إن أصل التطير تفريق المال وتطييره بين القوم فيطير لكل أحد نصيبه من خير أو شر ثم غلب في الشر. وفي الآية إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك لا سيما بعد مشاهدة الآيات وقد كانوا بحيث لم يؤثر فيهم شيء منها بل ازدادوا عتواً وعناداً، وتعريف الحسنة وذكرها بأداة التحقيق كما قال غير واحد لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم النعمة قبل حصول الأعمال، وتنكير السيئة وذكرها بأداة الشك لندورها وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا بالتبع فإن النقمة بمقتضى تلك العناية إنما تستحق بالأعمال. والزمخشري بين الحسنة بالخصب والرخاء ثم قال في تعليل ما ذكر: ((لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها)). وقال صاحب «الكشف»: ذلك إشارة إلى أن التعريف للعهد الخارجي التقريري بدليل أنه ذكر في مقابلة قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ أَخَذنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ } تفسير : [الأعراف: 130] وقوله: لأن الجنس الخ أي جنس الخصب والرخاء وفيه مبالغة أي إنه لكثرة الوقوع كأن الجنس كله واجب الوقوع، ولهذا لا يزال يتكاثر حتى يستغرق الجنس. وقوله: وأما السيئة الخ في مقابلة ذلك دليل بين على إرادة هذا المعنى فلا تخالف بين كلاميه ولم يرد بالجنس العهد الذهني وهذا مراد صاحب «المفتاح» وبه يندفع ما توهمه صاحب «الإيضاح» انتهى. وفيه تعريض بشيخه الطيبـي حيث حمل الجنس على العهد الذهني وقال ما قال والبحث طويل الذيل فليطلب من «شروح المفتاح» و«شرح التلخيص» للعلامة الثاني و«حواشيه». وقوله سبحانه وتعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} استئناف مسوق من قبله تعالى لرد مقالتهم الباطلة وتحقيق للحق في ذلك وتصديره بكلمة التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمونه أي ليس (شؤمهم) إلا عند الله أي من قبله وحكمه كما قال ابن عباس، وقال الزجاج: المعنى ليس الشؤم الذي يلحقهم إلا الذي وعدوا به من العقاب عنده لا ما ينالهم في الدنيا، وقال الحسن: المعنى ألا إن ما تشاءموا محفوظ عليهم حتى يجازيهم الله تعالى به يوم القيامة، وفسر بعضهم الطائر هنا بالحظ أي إنما حظهم وما طار إليهم من القضاء والقدر بسبب شؤمهم عند الله، وقرأ الحسن {إنما طيرهم} وهو اسم جمع طائر على الصحيح لأنه على أوزان المفردات، وقال الأخفش هو جمع له، وروي عن قطرب أن الطير يكون واحداً وجمعاً وكذا الطائر، وأنشد ابن الأعرابـي:شعر : كأنه تهتان يوم ماطر على رؤوس كرؤوس الطائر تفسير : {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك فيقولون ما يقولون، وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم للإشعار بأن / بعضهم يعلم ولكن لا يعمل بمقتضى علمه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة أي قحط وجدب ونحو ذلك، تطيروا بموسى وقومه فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [النساء: 78] الآية. وذكر نحوه أيضاً عن قوم صالح مع صالح في قوله: {أية : قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} تفسير : [النمل: 47] الآية. وذكر نحو ذلك أيضاً عن القرية التي جاءها المرسلون في قوله: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ} تفسير : [يس: 18] الآية. وبين تعالى أن شؤمهم من قبل كفرهم، ومعاصيهم. لا من قبل الرسل قال في "الأعراف": {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهُ} [الأعراف: 131] وقال في سورة "النمل" في قوم صالح: {أية : قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}تفسير : [النمل: 47] وقال في "يس": {أية : قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} تفسير : [يس: 19] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَائِرُهُمْ} (131) - فَإِذا جَاءَهُمُ الخِصْبُ وَالرِّزْقُ الوَفِيرُ (الحَسَنَةُ) قَالُوا: إنَّنا نَسْتَحِقُّ ذلِكَ لِمَا لَنَا مِنَ الفَضْلِ وَالامْتِيَازِ عَلَى النَّاسِ، وَإِذا أَصَابَتْهُمْ سَنَةُ جَدْبٍ وَقَحْطٍ تَشَاءَمُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ (تَطَيَّرُوا)، وَقَالُوا: هذا بِسَبَبِهِمْ، وَبِسَبَبِ مَا جَاؤُوا بِهِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّ عِلْمَ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّ مَا يَتَشَاءَمُونَ مِنْهُ وَيَتَطَيَّرُونَ بِهِ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَقَدْ نَزَلَ بِهِمْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِم القَبِيحَةِ، وَلَيسَ مِنْ عِنْدِ أَحدٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَلاَ بِسَبَبِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حِكْمَةَ تَصَرُّفِ الخَالِقِ فِي هذا الكَوْنِ، وَلاَ أَسْبَابَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ. يَطَّيَّرُوا - يَتَشَاءَمُوا. طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ - شُؤْمُهُمْ وَعِقَابُهُمُ المَوْعُودُ في الآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحسنة إذا أطلقت فهي الأمر الذي يأتي من ورائه الخير. ولكن الحسنة مرة تكون لك، ومرة تُطْلَب منك، فالحسنة التي لك في ذاتك أولاً أن تكون في عافية وسلام، ثم الحسنة في مقومات الذات ومقومات الحياة، وهي في النبات، والحيوان، والخصب والثروة. والحسنة المطلوبة منك هي أيضاً لك. فسبحانه يطلب منك عمل شيء يورِّثك في الآخرة حسنة، ولذلك يقول سبحانه: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا...} تفسير : [الأنعام: 160] وهذه هي الحسنة التي تعطي الإِنسان خيراً فيما بعد. إذن فالحسنة التي في ذاتك من عافية وسلامة أو في مقومات الذات من ثمرات وحيوانات وخصب وأعشاب وثراء فكلها موقوتة بزمن موقوت هو الدنيا. والحسنة الثانية غير محدودة لأن زمنها غير محدود. فأي الحسنات أرجح وأفضل بالنسبة للإِنسان؟. إنها حسنة الآخرة. وقوله الحق: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} أي جاء لهم قدر من الخصب والثمار وغير ذلك من الرزق يقولون: "لنا هذه" أي أننا نستحقها؛ فواحد يقول: أنا أستحقها لأنني رتبت لها وأتقنت الزراعة والحصاد مثلما قال قارون: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰعِلْمٍ عِندِيۤ...} تفسير : [القصص: 78] وأجرى عليه الحق التجربة، فمادام يدعي أنه جاء بالمال على علم من عنده فليجعل العلم الذي عنده يحافظ له على المال أو يحافظ له على ذاته. وهم قالوا عن الحسنات التي يهبها الله لهم: "قالوا لنا هذه" أي نستحقها، لأننا قدمنا مقدمات تعطينا هذه النتائج. وجرت العادة قديماً بأن يفيض النيل كل سنة يغمر الأرض، ثم يبذرون الحب وينتظرون الثمار. فإن جاءت لهم سيئة مثل أخذهم الله لهم بالسنين ينسبون ذلك لموسى. {...وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [ الأعراف: 131] فإذا ما جاءتهم سيئة يطَّيَّرون أي يتشاءمون لأن الطيرة هي التشاؤم، وضده التفاؤل، ويقال: "فلان طائره نحس"، و"فلان طائره يمن وسعد". وقديماً حينما كانوا يريدون طلب مسألة ما، يأتون بطير ويضعه صاحب المسألة على يده ويزجره ويثيره، فإن طار يميناً فهذا فأل حسن، وإن طار يساراً فهذا فأل سيئ، والحق هنا يوضح: لا تظلموا موسى، لأن شؤمكم أو حظكم السيئ ليس من موسى؛ لأن موسى لا يملك في كون الله شيئاً، وإنما المالك للكون هو رب موسى. وكأن الحق يريدهم أيضاً ألا يفتنوا في موسى إن صنع شيئاً يأتي لهم بخير، وهنا يقول لهم لا تتطيروا بموسى، لأن طائركم من عند الله. ولأن أحداث الحياة صنفان: حدث لك فيه مدخل، مثل التلميذ الذي لم يذاكر ويرسب، أو إنسان لا يحسن قيادة سيارته فقادها فعطبت به أو أصاب أحداً إصابة خطيرة، وهنا لا غريم لهذا الإِنسان، بل هو غريم نفسه. وهناك شيء يقع عليك، واسمه حدث قهري، فالإِنسان في الأحداث بين أمرين اثنين: إما مصيبة دخلت عليه من ذات نفسه لتقصيره في شيء. وإمَّا أحداث قدرية تنزل بالإِنسان ونقول إنها من عند الله لحكمة لا يعرفها الإِنسان؛ لأن الإِنسان ينظر إلى سطحيات الأشياء، وإلى عاجل الأمر فيها، ولكنه لا ينظر إلى عاقبة الأمر. ولهذا تحدث له بعض من الأحداث ليس له فيها مدخل. مثال ذلك: أن يكون للإِنسان ابن نجيب وذكي وترتيبه دائماً من العشرة الأوئل، ثم جاء في ليلة الامتحان أو في يوم الامتحان وأصابه صداع جعله لا يعرف كيف يجيب عن أسئلة الامتحان ورسب، وهذه مصيبة ليس له مدخل فيها. وعادة ما يحزن الناس من مثل هذه المصائب لكن المؤمن يقول: إن الولد لم يقصر، وهذا أمر جاء من الله، وسبحانه منزه عن العبث، بل حكيم ولابد أن له حكمة في مثل هذه الأمور. وبعد مدة تتبين الحكمة، فلو كان الولد قد نجح لأصابته عين الحسود. وحدث له ما يكره، فكأن الله يصنع له تميمة يحميه بها من الحسد. وقديماً حين كانوا يصنعون للطفل الجميل "فاسوخة"، ولا يهتمون بنظافته ولا بملابسه، لماذا؟ يقال حتى لا تتجه إليه عين العائن الحاسد. وأقول: وما الذي يدرك أن الله سبحانه وتعالى صنع الحادث الطارئ ليرد عنه العين، ويُسكت الناس عنه؟ وما الذي يدريك أن الله أراد له أن يرسب هذا العام لأنه لم يكن يستطيع الحصول على المجموع الذي يدخله الكلية التي يريدها، ثم يستذكر في العام التالي وتكون المذاكرة سهلة بالنسبة له، ونقول له: احمد ربك على أنك لم تنجح في العام السابق وأن الله أراد بك خيراً.. لتبذل جهداً وتنجح وتنال المجموع الذي أردته لنفسك. إذن فالمقادير التي تجري على الناس بدون دخل لهم فيها، فلله فيها حكمة، وهنا يقال: {طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ}، أما إن كان للإِِنسان دخل فيما يجري له فيقال: طائرك من عندك أنت وشؤمك من نفسك وعصيانك. {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] ألم يتطير اليهود في المدينة برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قالوا: قلت الأمطار وارتفعت الأسعار من شؤم مجيء هذا الرجل، ولم يتفهموا حكم الله. لقد كانوا سادة في الجزيرة؛ لأنهم أهل علم بالكتاب وسيطروا على حركة السوق التجارية، وتعاملوا في الربا وتجارة السلاح وكان عندهم الحصون، والأسلحة، وأراد الله أن يشغلهم بأخذ شيء من أسبابهم ويهد كيانهم ليلفتهم إلى أنهم خرجوا عن المنهج إلى أن هناك رسولاً قد جاء بعودة إلى المنهج. وقوله الحق: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يفيد أن هناك قلة تعلم. فما موقف هذه القلة، ولماذا لم يرفضوا موقف الكثرة؟. كان موقفهم هو الصمت خوفاً من الطغيان؛ لأن الطاغية أجبرهم وقهرهم وجعلهم يسكتون ولا يعترضون على باطل، ونرى في حياتنا كثيراً من الناس يعلمون الزور ويعلمون الطغيان ولكنهم لا يتكلمون. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} [معناهُ] حَظُّهُمْ وشأنُهُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):