Verse. 1086 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَقَالُوْا مَہْمَا تَاْتِنَا بِہٖ مِنْ اٰيَۃٍ لِّتَسْحَرَنَا بِہَا۝۰ۙ فَمَا نَحْنُ لَكَ ￀مِنِيْنَ۝۱۳۲
Waqaloo mahma tatina bihi min ayatin litasharana biha fama nahnu laka bimumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» لموسى «مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين» فدعا عليهم.

132

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، فحكى عنهم في هذه الآية نوعاً آخر من أنواع الجهالة والضلالة، وهو أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر، وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من باب السحر منهم. وقالوا لموسى: إنا لا نقبل شيئاً منها ألبتة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كلمة {مَهْمَا } قولان: الأول: أن أصلها «ماما» الأولى هي «ما» الجزاء، والثانية هي التي تزاد توكيداً للجزاء، كما تزاد في سائر حروف الجزاء، كقولهم: إما ومما وكيفما قال الله تعالى: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } تفسير : [الأنفال: 59] وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف «ما» الأولى «ها» كراهة لتكرار اللفظ، فصار «مهما» هذا قول الخليل والبصريين. والثاني: وهو قول الكسائي الأصل «مه» التي بمعنى الكف، أي أكفف دخلت على «ما» التي للجزاء كأنهم قالوا أكفف ما تأتنا به من آية فهو كذا وكذا. المسألة الثانية: قال ابن عباس: أن القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك، فهي عندنا من باب السحر، ونحن لا نؤمن بها ألبتة، وكان موسى عليه السلام رجلاً حديداً، فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له، فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلاً ونهاراً سبتاً إلى سبت، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمساً ولا قمراً ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم الغرق، فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به، فأرسل إلى موسى عليه السلام وقال: اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحراً واحداً، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك، فأزال الله عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط. فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر. فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعاً، فأكلت النبات، فصرخ أهل مصر، فدعا موسى عليه السلام فأرسل الله تعالى ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر، فنظر أهل مصر إلى أن بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم. فقالوا: هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن بك. فأرسل الله بعد ذلك عليهم القمل، سبتاً إلى سبت، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته، فصاحوا وسأل موسى عليه السلام ربه، فأرسل الله عليها ريحاً حارة فأحرقتها، واحتملتها الريح فألقتها في البحر، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع بعد ذلك فخرج من البحر مثل الليل الدامس ووقع في الثياب والأطعمة، فكان الرجل منهم يسقط وعلى رأسه ذراع من الضفادع، فصرخوا إلى موسى عليه السلام، وحلفوا بإلهه لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمنن بك، فدعا الله تعالى فأمات الضفادع، وأرسل عليها المطر فاحتملها إلى البحر، ثم أظهروا الكفر والفساد، فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم دماً فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب حتى بلغ منهم الجهد، فصرخوا وركب فرعون وأشراف قومه إلى أنهار بني إسرائيل فجعل يدخل الرجل منهم النهر فإذا اغترف صار في يده دماً ومكثوا سبعة أيام في ذل لا يشربون إلا الدم. فقال فرعون: {أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرّجْزَ } تفسير : [الأعراف: 134] إلى آخر الآية، فهذا هو القول المرضي عند أكثر المفسرين، وقد وقع في أكثرها اختلافات. أما الطوفان، فقال الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً محيطاً مطبقاً بالقوم كلهم، كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة، فإنه يقال له طوفان، وكذلك القتل الذريع طوفان، والموت الجارف طوفان. وقال الأخفش: هو فعلان من الطوف، لأنه يطوف بالشيء حتى يعم. قال: وواحده في القياس طوفانه. وقال المبرد: الطوفان مصدر مثل «الرجحان والنقصان» فلا حاجة إلى أن يطلب له واحداً. إذا عرفت هدا فنقول: الأكثرون على أن هذا الطوفان هو المطر الكثير على ما رويناه عن ابن عباس، وقد روى عطاء عنه أنه قال: الطوفان هو الموت، وروى الواحدي رحمه الله بإسناده خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الطوفان هو الموت»تفسير : . وهذا القول مشكل لأنهم لو أميتوا لم يكن لإرسال سائر أنواع العذاب عليهم فائدة، بل لو صح هذا الخبر لوجب حمل لفظ الموت على حصول أسباب الموت، مثل المطر الشديد والسيل العظيم وغيرهما، وأما الجراد، فهو معروف والواحدة جرادة، ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه. وقال اللحياني: أرض جردة ومجرودة قد لحسها الجراد، وإذا أصاب الجراد الزرع قيل جرد الزرع وأصل هذا كله من الجرد، وهو أخذك الشيء عن الشيء على سبيل النحت والسحق، ومنه يقال للثوب الذي قد ذهب وبره جرد وأرض جردة لا نبات فيها، وأما القمل، فقد اختلفوا فيه. فقيل هو الدبى الصغار الذي لا أجنحة له، وهي بنات الجراد، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى عليه السلام بعصاه فصار قملاً. فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم، فقالوا: قد تيقنا الآن أنك ساحر عليم. وعزة فرعون لا نؤمن بك أبداً، وقرأ الحسن {وَٱلْقُمَّلَ } بفتح القاف، وسكون الميم. يريد القمل المعروف. وأما الدم فما ذكرناه. ونقل صاحب «الكشاف» أنه قيل: سلط الله عليهم الرعاف. وروي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات. وأما قوله تعالى: {ءَايَٰتٍ مّفَصَّلاَتٍ } ففيه وجوه: أحدها: {مّفَصَّلاَتٍ } أي مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وثانيها: {مّفَصَّلاَتٍ } أي فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيقبلون الحجة؟ والدليل: أو يستمرون على الخلاف والتقليد. قال المفسرون: كان العذاب يبقى عليهم من السبت إلى السبت، وبين العذاب إلى العذاب شهر، فهذا معنى قوله: {ءَايَٰتٍ مّفَصَّلاَتٍ } قال الزجاج: وقوله: {ءايَـٰتٍ } منصوبة على الحال. وقوله: {فَٱسْتَكْبَرُواْ } يريد عن عبادة الله {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } مصرين على الجرم والذنب. ونقل أيضاً أن هذه الأنواع المذكورة من العذاب كانت عند وقوعها مختصة بقوم فرعون، وكان بنو إسرائيل منها في أمان وفراغ، ولا شك أن كل واحد منها فهو في نفسه معجز، واختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز آخر. فإن قال قائل لما علم الله تعالى من حال أولئك الأقوام أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات، فما الفائدة في تواليها وإظهار الكثير منها؟ وأيضاً فقوم محمد صلى الله عليه وسلم طلبوا المعجزات فما أجيبوا فما الفرق. والجواب: أما على قول أصحابنا فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، وأما على قول المعتزلة في رعاية الصلاح، فلعله علم من قوم موسى أن بعضهم كان يؤمن عند ظهور تلك المعجزات الزائدة، وعلم من قوم محمد صلى الله عليه وسلم أن أحداً منهم لا يزداد بعد ظهور تلك المعجزات الظاهرة إلا كفراً وعناداً، فظهر الفرق والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ} أي قال قوم فرعون لموسى «مهما». قال الخليل: الأصل ما، ما؛ الأُولى للشرط، والثانية زائدة توكيد للجزاء؛ كما تزاد في سائر الحروف، مثلُ إمّا وحيثما وأينما وكيفما. فكرِهوا حرفين لفظهما واحد؛ فأبدلوا من الألف الأُولى هاء فقالوا مهما. وقال الكسائيّ: أصله مَهْ؛ أي ٱكفف، ما تأتنا به من آية. وقيل: هي كلمة مفردة، يجازى بها ليُجزم ما بعدها على تقدير إنْ. والجواب {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} {لِّتَسْحَرَنَا} لتصرفنا عما نحن عليه. وقد مضى في «البقرة» بيان هذه اللفظة. قيل: بقي موسى في القبط بعد إلقاء السحرة سُجَّداً عشرين سنة يريهم الآيات إلى أن أغرق الله فرعون، فكان هذا قولهم.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالُواْ مَهْمَا} أصلها ما الشرطية ضمت إليها ما المزيدة للتأكيد، ثم قلبت ألفها هاء استثقالاً للتكرير. وقيل مركبة من مه الذي يصوت به الكاف وما الجزائية ومحلها الرفع على الابتداء أو النصب بفعل يفسره. {تَأْتِنَا بِهِ} أي أيما شيء تحضرنا تأتنا به. {مّنْ ءايَةٍ} بيان لمهما، وإنما سموها آية على زعم موسى لا لاعتقادهم ولذلك قالوا: {لّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي لتسحر بها أعيننا وتشبه علينا، والضمير في به وبها لمهما ذكره قبل التبيين باعتبار اللفظ وأنثه بعده باعتبار المعنى.

ابن كثير

تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل عن تمرد قوم فرعون، وعتوهم وعنادهم للحق، وإصرارهم على الباطل في قولهم: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} يقولون: أي آية جئتنا بها، ودلالة وحجة أقمتها، رددناها، فلا نقبلها منك، ولا نؤمن بك، ولا بما جئت به. قال الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ} اختلفوا في معناه، فعن ابن عباس في رواية: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، وبه قال الضحاك بن مزاحم، وعن ابن عباس في رواية أخرى: هو كثرة الموت، وكذا قال عطاء، وقال مجاهد: الطوفان: الماء والطاعون على كل حال. وقال ابن جرير: حدثنا ابن هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا المنهال بن خليفة عن الحجاج عن الحكم بن ميناء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الطوفان: الموت» تفسير : وكذا رواه ابن مردويه من حديث يحيى بن يمان به، وهو حديث غريب، وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ: {أية : فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ} تفسير : [القلم: 19] وأما الجراد، فمعروف مشهور، وهو مأكول؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد. وروى الشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال» تفسير : ورواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد، عن سويد بن عبد العزيز، عن أبي تمام الأيلي، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعاً مثله، وروى أبو داود عن محمد بن الفرج عن محمد بن زبرقان الأهوازي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد، فقال: «حديث : أكثر جنود الله، لا آكله، ولا أحرمه» تفسير : وإنما تركه عليه السلام؛ لأنه كان يعافه؛ كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب، وأذن فيه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي: حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الجراد، ولا الكلوتين، ولا الضب، من غير أن يحرمها، أما الجراد فرجز وعذاب، وأما الكلوتان فلقربهما من البول، وأما الضب فقال: «حديث : أتخوف أن يكون مسخاً» تفسير : ثم قال: غريب، لم أكتبه إلا من هذا الوجه، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد، فقال: ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين نأكله، وروى ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منيع عن سفيان بن عيينة عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال، سمع أنس بن مالك يقول: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد على الأطباق، وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد عن نمير بن يزيد القيني، حدثني أبي عن صدي بن عجلان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مريم بنت عمران عليها السلام سألت ربها عز وجل أن يطعمها لحماً لا دم له، فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياع» تفسير : وقال نمير: الشياع: الصوت، وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك اليزني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقاتلوا الجراد؛ فإنه جند الله الأعظم» تفسير : غريب جداً. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ} قال: كانت تأكل مسامير أبوابهم، وتدع الخشب، وروى ابن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي عن محمد بن كثير، سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء فإذا أنا برِجْل من جراد في السماء، فإذا برجل راكب على جرادة منها، وهو شاك في الحديد، وكلما قال بيده هكذا، مال الجراد مع يده، وهو يقول: الدنيا باطل، باطل ما فيها، الدنيا باطل، باطل ما فيها، الدنيا باطل، باطل ما فيها، وروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا وكيع عن الأعمش، أنبأنا عامر قال: سئل شريح القاضي عن الجراد، فقال: قبح الله الجرادة، فيها خلقة سبعة جبابرة، رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب. وقدمنا عند قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} تفسير : [المائدة: 96] حديث حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجلا جراد، فجعلنا نضربه بالعصي ونحن محرمون، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لابأس بصيد البحر» تفسير : وروى ابن ماجه عن هارون الحمال عن هاشم بن القاسم، عن زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه، عن أنس وجابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دعا على الجراد قال: «حديث : اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء» تفسير : فقال له جابر: يا رسول الله أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: «حديث : إنما هو نثرة حوت في البحر» تفسير : قال هاشم: أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوتـ قال من حقق ذلك: إن السمك إذا باض في ساحل البحر، فنضب الماء عنه، وبدا للشمس، أنه يفقس كله جراداً طياراً. وقدمنا عند قوله: {أية : إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ} تفسير : [الأنعام: 38] حديث عمر رضي الله عنه أن الله خلق ألف أمة: ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، وإن أولها هلاكاً الجراد، وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا يزيد بن المبارك، حدثنا عبد الرحمن بن قيس، حدثنا سالم بن سالم، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا وباء مع السيف، ولا لحاء مع الجراد» تفسير : حديث غريب. وأما القمل، فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وعنه: أنه الدبى، وهو الجراد الصغير الذي لا أجنحة له، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وعن الحسن وسعيد بن جبير: القمل: دواب سود صغار، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: القمل: البراغيث، وقال ابن جرير: القمل جمع، واحدتها قملة، وهي دابة تشبه القمل، تأكلها الإبل فيما بلغني، وهي التي عناها الأعشى بقوله:شعر : قومٌ يعالِجُ قُمَّلاً أبناؤُهم وسلاسلاً أُجُداً وباباً مُوصَدا تفسير : قال: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة، يزعم أن القمل عند العرب الحمنان، واحدتها حمنانة، وهي صغار القردان فوق القمقامة. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى عليه السلام فرعون، قال له: أرسل معي بني إسرائيل، فلم يرسلهم، فأرسل الله عليهم الطوفان، وهو المطر، فصب عليهم منه شيئاً خافوا أن يكون عذاباً، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد، فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ، عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزنا، فأرسل الله عليهم القمل، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى، فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا؟ فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا؟ فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، وأرسل الله عليهم الدم، فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار، وما كان في أوعيتهم، وجدوه دماً عبيطاً، فشكوا إلى فرعون، فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدم، وليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم، فقالوا: من أين سحرنا، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً؟ فأتوه، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، وقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بذلك، وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً مغلولاً، ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه الآيات، فأخذه بالسنين، وأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان، وهو الماء، ففاض على وجه الأرض، ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا، ولا أن يعملوا شيئاً، حتى جهدوا جوعاً، فلما بلغهم ذلك، {قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} فدعا موسى ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل الشجر فيما بلغني حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذكر لي أن موسى عليه السلام أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم، فضربه بها، فانثال عليهم قملاً، حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم، قالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلا يكشف أحد ثوباً ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ذلك، قالوا له مثل ما قالوا، فسأل ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياه آل فرعون دماً، لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عاد دماً عبيطاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، أنبأنا النضر، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا جابر بن يزيد عن عكرمة عن عبيد الله بن عمرو قال: لا تقتلوا الضفادع؛ فإنها لما أرسلت على قوم فرعون، انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار يطلب بذلك مرضاة الله، فأبدلهن الله من هذا أبرد شيء يعلمه من الماء، وجعل نقيقهن التسبيح، وروي من طريق عكرمة عن ابن عباس نحوه، وقال زيد بن أسلم: يعني بالدم: الرعاف. رواه ابن أبي حاتم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } لموسى {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } فدعا عليهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ...} أما الطوفان ففيه ستة أقاويل: أحدها: أنه الغرق بالماء الزائد، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الطاعون، قاله مجاهد. والثالث: أنه الموت، قاله عطاء. وروت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الطُّوفَانُ الْمَْوتُ ". تفسير : والرابع: أنه أمر من الله طاف بهم، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس. والخامس: أنه كثرة المطر والريح، واستدل قائل ذلك بقول الحسن بن عرفطة: شعر : غَيَّرَ الْجِدَّةَ مِنْ عِرْفَانِهِ خُرُقُ الرِّيحِ وَطُوفَانُ الْمَطَرِ تفسير : والسادس: أنه عذاب من السماء، واستدل قائل ذلك بقول أبي النجم: شعر : وَمَرَّ طُوفَانٌ فِبِتُّ شَهْراً فَرْداً شَآبِيبَ وَشَهْراً مدراً تفسير : {وَالْقُمَّلَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الدَبَى وهو صغار الجراد لا أجنحة له. والثاني: أنه السوس الذي في الحنطة قاله ابن عباس. والثالث: البراغيث، قاله ابن زيد. والرابع: القردان، قاله أبو عبيدة. والخامس: هو دواب سود صغار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وشاهده قول الأعشى. شعر : قَوْماً تُعَالِجُ قُمَّلاً أَبْنَاؤهُهُمْ وَسَلاَسِلاً أُجُداً وَبَاباً مُؤْصَداً تفسير : وواحد القمل قملة. وأما الضفادع فواحدها ضفدع وهو مشهور. وقيل إنه كان يوجد في فراشهم وآنيتهم، ويدخل في ثيابهم فيشتد أذاه لهم. وأما الدم ففيه قولان: أحدهما: أن ماء شربهم كان يصير دماً عبيطاً، فكان إذا غرف القبطي من الماء صار دماً وإذا غرف الإسرائيلي كان ماء. والثاني: أنه رعاف كان يصيبهم، قاله زيد بن أسلم. {ءَاياتٍ مُّفَصَّلاَتٍ} فيها قولان: أحدهما: مبينات لنبوة موسى. والثاني: مفصل بعضها عن بعض لأن هذه الآيات لم تجتمع في وقت واحد بل كانت تأتي شهراً بعد شهر فيكون في تفرقتها مع الإنذار إعذار، وكان بين كل آيتين شهر. {فَاسْتَكْبَرُواْ} فيه وجهان: أحدهما: عن الانزجار بالآيات. والثاني: عن الإيمان بموسى. {وَكَانُواْ قَوماً مُجْرِمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: كافرين. والثاني: متعدّين. قوله عز وجل: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرّجْزُ} - فيه قولان: أحدهما: أنه العذاب، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد. والثاني: هو الطاعون أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان، قاله سعيد بن جبير. {قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بما تقدم إليك به أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والثاني: ما هداك به أن تفعله في قومك، قاله السدي. والثالث: أن ذلك منهم على معنى القسم كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن يدعو لهم. {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ} هذا قول قوم فرعون، ويحتمل وجهين: أحدهما: لنصدقنك يا موسى أنك نبي. والثاني: لنؤمنن بك يا الله أنك إله واحد.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وقالوا} يعني قوم فرعون وهم القبط لموسى عليه السلام {مهما تأتنا به من آية} يعني من عند ربك فهي عندنا سحر وهو قولهم {لتسحرنا بها} يعني لتصرفنا عما نحن عليه من الدين {فما نحن لك بمؤمنين} يعني بمصدّقين وكان موسى عليه الصلاة والسلام رجلاً حديداً مستجاب الدعوة فدعا عليهم فاستجاب الله عز وجل دعاءه فقال تعالى {فأرسلنا عليهم الطوفان} قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق: دخل كلام بعضهم في بعض قالوا لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوباً أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عز وجل عليهم الآيات فأخذهم أولاً بالسنين وهو بالقحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا فدعا عليهم موسى وقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله عليهم الطوفان وهو الماء فأرسل الله عليهم المطر من السماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مختلفة مشتبكة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت إسرائيل شيء وركد الماء على أرضهم فلم يقدروا على التحرك ولم يعلموا شيئاً ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة أهل اليمن. وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري وهم أول من عذبوا به ثم بقي في الأرض. وقال مقاتل: الطوفان الماء طفا فوق حروثهم. وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما أن الطوفان أمر من الله عز وجل طاف بهم فعند ذلك قالوا يا موسى ادع لنا ربك ليكشف عنا هذا المطر ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسىعليه الصلاة والسلام ربه فرفع عنهم الطوفان وأنبت الله لهم تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم فقالوا ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا وأقاموا شهراً في عافية فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زرعهم وثمارهم وورق الشجر وأكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة وأكل مسامير الحديد التي في الأبواب وغيرها وابتلي الجراد بالجوع فكان لا يشبع وامتلأت دور القبط منه ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء فعجوا وضجوا وقالوا يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا هذا الرجز لنؤمنن لك وأعطوه عهد الله وميثاقه بذلك فدعاه موسى ربه عز وجل فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت وفي الخبر "مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم" ويقال إن موسى عليه السلام خرج إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق فرجع الجراد من حيث جاء وكان قد بقي من زروعهم وثمارهم بقية فقالوا قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة أقاموا شهراً في عافية ثم بعث الله عز وجل عليهم القمل واختلفوا فيه فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القمل هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد وقتادة والسدي والكلبي: القمل الدبي وهو صغار الجراد الذي لا أجنحة له. وقال الحسن: يقرأ بفتح القاف وسكون الميم. قال أصحاب الأخبار أمر الله عز وجل موسى عليه السلام أن يمشي إلى كثيب رملي أعفر بقرية من قرى مصر تسمى عين شمس فمشى إلى ذلك الكثيب فضربه بعصاه فانهال عليهم القمل فتتبع ما بقي من حروثهم وزروعهم وثمارهم فأكلها كلها ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه فإذا أكل أحدهم طعاماً امتلأ قملاً. قال سعيد ابن المسيب: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب وكان الرجل منهم يخرج بعشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل وأخذت أشعارهم وأبصارهم وحواجبهم وأشفار عيونهم ولزم جلودهم كأنه الجحدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا بموسى إنّا نتوب فادعُ لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء فدعا موسى فرفع الله عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فمكثوا بعد ذلك ورجعوا إلى أخبث ما كانوا عليه من الأعمال الخبيثة وقالوا ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر من اليوم يجعل الرمل دواباً فدعا موسى عليهم ما أقاموا شهراً في عافية فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحد إناء ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل منهم يجلس في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا أراد أن يتكلم يثب الضفدع فيدخل في فيه وكانت تثب في قدورهم فتفسد طعامهم عليهم وتطفئ نيرانهم وكان أحدهم إذا اضطجع ركبته الضفادع حتى تكون عليه ركاماً فلا يستطيع أن ينقلب إلى شقه الآخر وإذا أراد أن يأكل سبقه الضفدع إلى فيه ولا يعجن أحدهم عجيناً إلا امتلأ ضفادع فلقوا من ذلك بلاء شديداً. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت الضفادع برية فلما أرسلها الله عز وجل على آل فرعون وسمعت وأطاعت وجعلت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي على النار وفي التنانير وهي تفور أثابها الله عز وجل بحسن طاعتها برد الماء فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى عليه الصلاة والسلام ما يلقونه من الضفادع وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود فأخذ موسى عليه السلام عليهم العهود والمواثيق ثم دعا الله عز وجل فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقامت عليهم سبعاً من السبت إلى السبت فأقاموا شهراً في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا إلى كفرهم فدعا عليهم موسى عليه الصلاة ولسلام فأرسل الله عز وجل الدم فسال النيل عليهم دماً عبيطاً وصارت مياههم كلها دماً وكل ما يستقون من الآبار والأنهار يجدونها دماً عبيطاً فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا: ليس لنا شراب إلا الدم، فقال: سحركم. فقالوا: من أين يسحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا دماً عبيطاً. فكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً ويفرغان الجرة فيها الماء فيخرج للقبطي دم وللإسرائيلي ماء حتى أن المرأة من آل فرعون تأتي إلى المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول لها اسقني من مائك فتصب لها في قربتها فيصير في الإناء ماء حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي فتفعل ذلك فيصير دماً ثم إن فرعون اعتراه العطش حتى أنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دماً فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم. وقال زيد بن أسلم: إن الدم الذي سلط الله عز وجل عليهم كان الرعاف فأتوا موسى عليه الصلاة والسلام وشكوا إليه ما يلقوه وقالوا ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى عليه الصلاة والسلام ربه فكشف عنهم ذلك فلم يؤمنوا فذلك قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات} يعني يتبع بعضها بعضاً وتفصيلها أن كل عذاب كان يقوم عليهم أسبوعاً وبين كل عذابين مدة شهر {فاستكبروا} يعني عن الإيمان فلم يؤمنوا {وكانوا قوماً مجرمين} يعني آل فرعون.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {وقالوا مهما تأتنا به من آية} قال: إن ما تأتنا به من آية قال: وهذه فيها زيادة ما .

القشيري

تفسير : جعلوا الإصرارَ على الاستكبار شعارَهم، وهتكوا بألسنتهم - في العتوِّ - أستارهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اى فرعون وقومه بعد ما رأوا من شان العصا والسنين ونقص الثمرات {مهما} اسم شرط يجزم فعلين كقولك مهما تفعل افعل كأن قائلا قال لك لا تقدر على ان تفعل ما افعل فتقول له مهما تفعل افعل ومحله الرفع على الابتداء وخبره فما نحن لك بمؤمنين اى أى شيء وبالفارسية [هرجيز كه] {تأتنا به} تظهر لدينا وتحضره والضمير لمهما {من آية} بيان لمهما وانما سموها آية على زعم موسى لا لاعتقادهم {لتسحرنا بها} اى لتسحر بتلك الآية اعيننا وتسكرها {فما نحن لك بمؤمنين} اى بمصدقين لك ومؤمنين بنبوتك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مهما}: اسم شرط جازم، و {تأتنا}: شرطها، وجملة {فما نحن}:جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: "ما" الشرطية، ضُمت إليها "ما" الزائدة، نحو: أينما، ثم قُلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: "تأتنا" والضمير في: "به" عائد على "مهما". يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا} أي: فرعون وقومه: {مهما تأتنا به من آيةٍ}، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: {لتسحرنا بها} أي: لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا، {فما نحن لك بمؤمنين}. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. قال تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفانَ} وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، {والجراد} وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، {والقُمَّلَ} قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: "القَملَ" بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، {والضفادعَ}، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. {والدمَ} صارت مياههم دمًا، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماء. قال البيضاوي: رُوِي أنهم مُطِروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعًا، فقالوا لموسى عليه السلام: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيًا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وُجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دمًا، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دمًا في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف. هـ. {آياتٍ} أي: حال كون ما تقدم آيات {مُفصَّلاتٍ}، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته. قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعًا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، {فاستكبروا} عن الإيمان {وكانوا قومًا مجرمين} أي: عادتهم الإجرام. {ولمّا وقع عليهم الرَّجزُ} يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلاً إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، {لئن كشفت عنا الرجز}: العذاب {لنُؤمنن لك} أي: أقسمنا بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك {ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل} كما طلبت، قال تعالى: {فلما كشفنا عنهم الرِّجزَ إلى أجل هم بالغوه} إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يُهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، {إذا هم ينكُثُون}؛ جواب "لَمَّا" أي: فلما كشفنا عنهم جاؤوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، {فانتقمنا منهم} أي: فأردنا الانتقام منهم، {فأغرقناهم في اليم} أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، {بأنهم} أي: بسبب أنهم {كذَّبوا بآياتنا} التي أرسلناها عليهم. {وكانوا عنها غافلين} أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. {وأورثنا القوم الذين كانوا يُستَضعَفون} بالاستعباد وذبح الأبناء {مشارقَ الإرضِ ومغاربها} يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها {التي باركنا فيها} بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر. {وتمّتْ كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل} أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعفُواْ فِي الأَرْضِ } تفسير : [القَصَص:5] وكانت حسنى؛ لما فيها من النصر والعز، {بما صبروا} أي: بسبب صبرهم على الشدائد {ودمَّرنا} أي: خربنا {ما كان يصنعُ فرعونُ وقومهُ} من القصور والعمارات، {وما كانوا يعْرِشُون} من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش والثاني من العَريش. الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فَيُنكَرُوا أو يستضعفوا، حتى إذا طُهّروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، مَنَّ الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكَّن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضنَّ به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم ذكر نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ}.

الطوسي

تفسير : {مهما} أي شىء، وقال الخليل: أصلها (ما) إِلا أنهم أدخلوا عليها (ما) كما يدخلونها على حروف الجزاء، فيقولون (ماما) و (متى ما) و (اذا ما) فغيروا ألفها بأن أبدلوها هاء، لئلا يتوهم التكرير وصار (ما) فيها مبالغة في معنى العموم، وقال غيره: أصلها (مه) بمعنى أكفف دخلت على (ما) التي للجزاء. والفرق بين (ما) و (مهما) أن (مهما) خالصة للجزاء وفي (ما) اشتراك، لأنها قد تكون استفهاماً تارة، وبمعنى الذي أخرى، وتارة بمعنى الجزاء، وإِن كان الأصل في (مهما) (ما)، لأن (ما) يجازى به من الاسماء ما قد لا يستعمل في الجزاء، والتركيب ظاهر فيها لفظا ومعنى. وقوله تعالى {تأتنا} في موضع جزم، وعلامة الجزم فيه حذف الياء، وإِنما حذف الحرف للجزم، لأنه من حروف المد واللين، وهي مجانسة لحركات الاعراب، ومن شأن الجازم أن يحذف ما يصادفه من الحركة، فإِن لم يصادف حركة عمل في نفس الحرف، لئلا يتعطل عن العمل. في هذه الآية إِخبار من الله تعالى، وحكاية ما قال قوم فرعون لموسى (ع) بأنهم قالوا له: أي شىء تأتينا به من المعجزات وتسحرنا بها، فانا لا نصدقك عليه، ولا نؤمن بك. و (الآية) هي المعجزة الدالة على نبوته، وهو كل ما يعجز الخلق عن معارضته ومقاومته، كما لا يمكن مقاومة الشبهة للحجة، وكما لا يمكن أن يقاوم الجهل للعلم، والسراب للماء، وان توهم ذلك قبل النظر والاعتبار، ويخيل قبل الاستدلال الذي يزول معه الالتباس، وقد بينا حقيقة السحر فيما مضى، وقد يسمى السحر ما لا يعرف سببه وإِن لم يكن محظوراً، كما روي عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "حديث : إِن من البيان لسحراً" تفسير : وكما قال الشاعر: شعر : وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجز قتل المسلم المتحرز تفسير : وذلك مجاز وتشبيه دون أن يكون حقيقة.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُواْ} زيادة فى الوقاحة {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا} لتتصرّف فينا وتغيّرنا عمّا نحن عليه بتصرّفاتٍ خفيّة عنّا {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ} ما يطوف بهم من الماء وفسّر بالطّاعون {وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ} هو صغار الجراد الّتى لا جناح لها او صغار الّذرّ او دويبة صغيرة لها جناحٌ احمر او دوابّ كالقردان، وتفسيره بقمّل النّاس بعيد لانّ قمّل النّاس مفتوح الفاء مخفّف العين كما قرئ به، وحينئذٍ يكون المراد به القمّل المعروف {وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ} واضحات او منفصلات اذ كان بين كلّ آيةٍ وآيةٍ سنة، وامتداد كلّ منها كان اسبوعاً {فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ} العذاب فيكون عبارةً عن الآيات المذكورة ويكون الكلام بياناً لوقاحةٍ اخرى لهم وعدم ثباتهم على عهدهم، او المراد به الثّلج كما نسب الى الرّضا (ع) وكانوا لم يعهدوا مثله قبله {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} كما هو ديدن ارباب النّفوس الّتى هى كالخبيثات من النّساء.

اطفيش

تفسير : {وقالُوا مَهْما} لفظ بسيط، والأصل عدم التركيب، وألفه للتأنيث أو للإلحاق عند ابن هشام، ومعناه كمعنى ما الشرطية إلا أنها أقوى فى العموم، فهى اسم لغير العاقل غير ظرف، ويدل على اسميتها عود الضمير عليها، وخطأ جار الله من يقول: مهما ظرف زمان بمعنى متى، وهو الحق، لكن الأحوط أن يقال: تأتى بمعنى ما كما فى الآية، فإنها مبتدأ خبره جملة الشرط أو الجواب أو كلتاهما، أو مفعول على الاشتغال أى مهما تحضر تأتنا به على حد زيداً مررت به، وتأتى بمعنى متى كقوله: شعر : فإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا تفسير : فجعلها فيه بمعنى متى أولى من جعلها مفعولا مطلقا واقعة على الإعطاء، ولو كان المانع يجعلها مفعولا مطلقا إبقاء لها على معنى ما قيل، وقد تأتى بمعنى إن الشرطية فتكون حرفا، وجعلها فى الآية بمعنى إن أو متى، ورد الضمير إلى مبهم مفسر بالبدل بعده تكلف به، وقيل: مركبة من ما الزائدة وما الشرطية، أبدلت ألف الشرطية وهى الأولى هاء لثقل التكرير، وبه قال البصريون وسيبويه، واختاره غيرى، ويضعفه كتبه بالياء، وأن الأصل عدم التركيب. وقيل: من مه وما الشرطية، ونسب للخليل، وقد فسرها بعضهم هنا بمه وما الشرطية، أى كف عن ذلك يا موسى ما تأتنا به الخ. وهذا التفسير لا يتأتى له فى كل موضع. {تأتِنَا بِه} الهاء عائدة إلى مهما كما مر، ومهما واقعة على الآية فلذلك بين ضميرها بقوله: {مِنْ آيةٍ} فإنه متعلق بمحذوف حل من الهاء، ويجوز تعليقه بمحذوف حال من مهما إذا جعلت مفعولا على الاشتغال، وإنما أعيد إليها الضمير مذكرا مع وقوعها على الآية نظرا للفظها، وليس ما يأتى به موسى عندهم آية، ولكن سموه آية باعتبار ما عنده، وتبعا لتسميته، واستهزاء بدليل قولهم: {لِتسْحَرنا بها} أى لتلبس بها على أعيننا، وهذا الضمير عائد إلى مهما باعتبار معناها، فإنها بمعنى الآية، وإنما اعتبر المعنى لتقدم تفسيرها بالآية، ويجوز عوده إلى الآية، واختاره ابن هشام {فَما نَحْن لَك بمؤمنِينَ} الياء علامة الجر بالياء الصلة، وتقدر ياء علامة لنصب خبر ما الحجازية، ومنع من ظهور اشتغال الذى تكون فيه بتلك الياء، وإن جعلها جاعل تميمية قدر الواو كذلك.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} لموسى {مَهْمَا} بالأَلف لأَنه مركب من ما الشرطية وما الزائدة، قلبت أَلف الأُولى هاء تخفيفاً عن التكرير، أَو من مه اسم فعل بمعنى اكفف، باق على معناه، وقيل: مجرد عنه، وما من قال بسيطة كتبها بالياء وخط المصحف لا يخالف، ومعناه كل ما وهو مبتدأ ولا دليل على الاشتغال، ولا تكون ظرفا بمعنى متى، وأَما قوله: شعر : فإِنك مهما تعط بطنك سؤله تفسير : فهى فيه مفعول مطلق، بمعنى أَى عطاء أَعطيت بطنك سؤله. ولو كانت فى الآية بمعنى متى لم يعد إِليها هاء به {تأَتِنا بهِ مِنْ آيَةٍ} بيان لهاء به حال منه، وسموها آية تهكما، أَو أَرادوا: على زعمك، {لِتَسْحَرَنَا بِهَا} أَنث هنا ضمير مهما، لأَنها فسرت وبينت باية، أَو أَعاد لنفس الآية، وهو فى المعنى عود لهما وضميره {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} فما نحن بمصدقين لك عليها، أَو فيها، أَى الآية المعبر عنها بمهما، أَو مذعنين لك، أَو مؤمنين بك، فقال موسى عليه السلام: يا رب، إِن فرعون وقومه بغوا واتعدوا ونقضوا العهد قخذهم بنقمة تكون لقوم عظة، ولمن بعدهم آية وعبرة، وقد مر عليهم شأن العصا واليد البيضاء ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الماءَ كما قال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} من السماء سبعة أَيام، ثلاثة فى ظلمة شديدة، والسيل يدخل بيوت القبط ويصل تراقيهم، ويفرق قاعدهم دون بنى إِسرائيل ودون بيوتهم مع اختلاط بيوتهم ولو تسفل بيت منهم عن بيوت القبط، ولا يرون شمساً ولا قمراً، ولا يطيقون الخروج، فلم يجدوا حرث أَرضهم ولا التصرف فيها، فاستغاثوا بفرعون فقال لموسى عليه السلام: أَزل عنا هذا الماءَ نؤمن بك، فأَزاله الله وجفف الأَرض وأَنبتت ما لم يروه قبل. فقالوا: هذا الذى جزعنا منه خير لنا ولم نشعر، والله لا نؤمن بك ولا نرسل بنى إِسرائيل. أَو الطوفان الجدرى أَو موت الحيوان أَو الطاعون شهراً، والطوفان ماء أَقام ثمانية أَيام، وأَزال الله ذلك فقاموا شهراً فى عافية ونقضوا العهد، وأَرسل الله عز وجل عليهم الجراد كما قال الله عز وجل {وَالْجَرَادَ} كثيراً تتراكب ذراعاً ويعطى ضوء الشمس مبتلى بالجوع حتى أَكل الخشب والأَبواب اليابسة والسقوف والثياب مكتوباً فى صدر كل جراد "جند الله الأَعظم" - سبعة أَيام من سبت وضجوا: إِن زال آمناً. فأَشار موسى بعد خروجه إِلى صحراء إِلى الشرق والغرب، فذهب من حيث جاءَ، أَو أَلقته الريح فى البحر، وسمى جراداً لأَنه يجرد الأَرض من النبات، والاشتقاق فى أَسماء الأَجناس قليل، وبقى لهم ما يأكلون من غلتهم، فقالوا بقى لنا ما يكفينا فلا نترك ديننا، وأَقاموا شهراً فى عافية، وعادوا إِلى أَعمالهم الخبائث، فأَرسل الله عز وجل عليهم القمل كما قال: {وَالْقُمَّلَ} ضرب بعصاه كثيباً من الرمل أَحمر فعاد قملا يأخذ أَبشارهم وأَشعارهم وأَشعار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم ومنعهم القرار والنوم وأَكل ما أَبقاه الجراد ولحس الأَرض ومس أَبدانهم، وامتلأَ طعامهم قملا، ويحصل شئ قليل من الدقيق من عشرة أَجربة. أَو هو السوس، أَو أَولاد الجراد قبل أَن تنبت الأَجنحة، أَو الحمنان، وهو ضرب من القراد، أَو دواب صغار تشبه القراد، أَو دواب صغار القراد أَو صغار الذر، أَو هى القراد أَو البراغيث، أَو الجعلان، بقى عليهم ذلك من سبت لسبت سبعة أَيام، فصرخوا إِن يكشف فنتوب، فكشف، وأَقاموا شهراً، فنكثوا، فقالوا: تيقنا أَنه ساحر إِذا جعل الرمل قملا، فأَرسل عليهم الضفادع كما قال: {وَالضَّفَادِعَ} ملأَت بيوتهم ومياههم وطعامهم، وتثب فى القدور وفى النار، وفى أَفواههم عند الكلام وعند الطعام، ولا تحترز عما تموت به من نار أَو قدر لوجه الله، فقيل: أَبدلها الله من ذلك برداً، أَى زادها بردا، إِذ قد أعطيت ذلك لنار إِبراهيم، وبقى ثلث كل فرد، أو ثلث الجميع، فعمها البرد فى قصة موسى عليه السلام {وَالدَّمَ} فى مياههم حتى غلبها أَو صارت دما، وكذا ماء البقول والثمار وماء الأَغصان، يجتمع إِسرائيلى وقبطى على إِناء فيشرب الإِسرائيلى منه ماء والقطى دماً، وكذا ماء البقول والثمار والغصون، ويصب الإِسرائيلى من فيه ماء فى فم القبطى فيرجع فيه دما، أَو الدم الرعاف، وقيل: سال عليهم النيل دما {آيَاتٍ} حال من الطوفان وما بعده، وصح لأَنه بمعنى دالات، كل واحدة دامت سبعة أَيام من سبت لسبت، وقيل: كل واحدة تدوم شهراً، ويعافون فى شهر بعده كما روى عن ابن عباس، وقيل: فى كل سنة آية فهن فى تسع سنين {مُفَصَّلاتٍ} مبينات لا يشك عاقل منصف غير مكابر لعقله أَنها من الله ونقمه، أَو مفصلات لامتحان أَحوالهم بالأَزمنة بإِبقاء كل واحدة سبعة أَيام من سبت لسبت، وزوالها بدعاء موسى شهراً فاصلا بين كل عذابين إِلزاماً للحجة عليهم، ويقال: بقى موسى فيهم بعد إِيمان السحرة عشرين سنة، وقيل أَربعين سنة، وقيل ستة عشر شهرا يريهم الآيات على مهل {فاسْتَكْبَرُوا} عن الإِيمان بها وبموسى {وَكَانُوا قَومًا مُجْرِمِينَ} عادتهم الإِجرام من قبل مستمرين عليه.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ} شروع في بيان بعض آخر مما أخذوا به من فنون العذاب التي هي في أنفسها آيات بينات وعدم إرعوائهم عما هم عليه من الكفر والعناد أي قالوا بعد ما رأوا ما رأوا من العصا والسنين ونقص الثمرات {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ} كلمة مهما مما اختلف فيها فقيل هي كلمة برأسها موضوعة لزيادة التعميم. وقيل: هي مركبة من مه اسم فعل للكف إما باق على معناه أو مجرد عنه وما الشرطية. وقال الخليل: أصلها ما ما على أن الأولى شرطية والثانية إبهامية متصلة بها لزيادة التعميم فقلبت ألف ما الأولى هاء فراراً من بشاعة التكرار، وأسلم الأقوال كما قال غير واحد القول بالبساطة. وفي «حاشية التسهيل» لابن هشام ينبغي لمن قال بالبساطة أن يكتب مهما بالياء ولمن قال أصلها ماما أن يكتبها بالألف، وفي «الشرح» وكذا إذا قيل أصلها مه ما. وتعقب ذلك الشمني بأن القائلين بالأصلين المذكورين متفقون على أن مهما أصل آخر فما ينبغي في كتب آخرها على القول الأولى ينبغي على القول الثاني، وفيه نظر. وهي اسم شرط لا حرف على الصحيح، ومحلها الرفع هنا على الابتداء وخبرها إما الشرط أو الجزاء أو هما على الخلاف أو النصب على أنها مفعول به لفعل يفسره ما بعد أي أي شيء تحضره لدينا تأتنا به، ومن الناس من جوز مجيئها في محل نصب على الظرفية، وشدد الزمخشري الإنكار عليه في «الكشاف»، وذكر ابن المنير أنه غير القائل بظرفيتها كلام الخليل أو شبهها بمتى ما، وخالف ابن مالك في ذلك وقال: إنه مسموع عن العرب كقوله:شعر : وإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا تفسير : ويوافقه كما قال الشهاب استعمال المنطقيين لها بمعنى كلما وجعلها سور الكلية فإنها تفيد العموم كما صرحوا به وليس من مخترعاتهم كما توهم، وأنت تعلم أن كونها هنا ظرفاً مما لا ينبغي الإقدام عليه بوجه لإباء قوله تعالى: {مِّنْ ءَايَةٍ} عنه لأنه بيان لمهما وليس بزمان، وتسميتهم إياها آية من باب المجاراة لموسى عليه السلام والاستهزاء بها مع الإشعار بأن هذا العنوان لا يؤثر فيهم وألا فهم ينكرون كونها آية في نفس الأمر ويزعمون أنها سحر كما ينبىء عنه قولهم {لّتَسْحَرَنَا بِهَا} والضميران المجروران راجعان إلى {مَهْمَا}، وتذكير الأول لرعاية جانب اللفظ لإبهامه، وتأنيث الثاني للمحافظة على جانب المعنى لأنه إنما رجع إليه بعدما بين بآية، وادعى ابن هشام أن الأولى عود الضمير الثاني إلى آية، ولعله راعى القرب والذاهب إلى الأول راعى أن {ءَايَةٍ} مسوقة للبيان فالأولى رجوع الضمير على المفسر المقصود بالذات وإن كان المآل واحداً أي لتسحر بتلك الآية أعيننا وتشبه علينا {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي بمصدقين لك ومؤمنين بنبوتك أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {وقالوا} معطوفة على جملة {أية : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين}تفسير : [الأعراف: 130] الآية، فهم قابلوا المصائب التي أصابهم الله بها ليذكّروا، بازدياد الغرور فأيسوا من التذكر بها، وعاندوا موسى حين تحداهم بها فقالوا: مَهْما تأتنا به من أعمال سحرك العجيبة فما نحن لك بمؤمنين، أي: فلا تتعب نفسك في السحر. و{مهما} اسم مضمن معنى الشرط، لأن أصله (ما) الموصولة أو النكرة الدالة على العموم، فركبّت معها (ما) لتصييرها شرطية كما ركبت (ما) مع (أي) و(متى) و(أيْنَ) فصارت أسماء شرط، وجعلت الألف الأولى هاء اسْتثقالاً لتكرير المتجانسين، ولقرب الهاء من الألف فصارت مهما، ومعناها: شيء ما، وهي مبهمة فيؤتى بعدها بمن التبْيينية، أي: إن تأتنا بشيء من الآيات فما نحن لك بمؤمنين. و{مهما} في محل رفع بالابتداء، والتقدير: أيّما شيء تأتينا به، وخبره الشرط وجوابه، ويجوز كونها في محل نصب لفعل محذوف يدل عليه {تأتنا به} المذكور. والتقدير: أي شيء تُحضرنا تأتينا به. وذُكّر ضمير {به} رعياً للفظ {مهما} الذي هو في معنى أي شيء، وأنّث ضمير {بها} رعياً لوقوعه بعد بيان {مهما} باسم مؤنث هو {آية}. و{من آية} بيان لإبهام {مهما}. والآية: العلامة الدالة، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : والذين كفروا وكذبوا بآياتا أولئك أصحاب النار} تفسير : في سورة البقرة (39)، وفي قوله تعالى: {أية : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه} تفسير : في سورة الأنعام (37). وسموا ما جاء به موسى آية باعتبار الغرض الذي تحداهم به موسى حين الإتيان بها، لأن موسى يأتيهم بها استدلالاً على صدق رسالته، وهم لا يعدونها آية ولكنهم جارَوْا موسى في التسمية بقرينة قولهم {لتسحرنا بها}، وفي ذلك استهزاء كما حكى الله عن مشركي أهل مكة وقالوا: {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : [الحجر: 6] بقرينة قولهم: إنك لمجنون. وجملة {فما نحن لك بمؤمنين} مفيدة المبالغة في القطع بانتفاء إيمانهم بموسى لأنهم جاءوا في كلامهم بما حوته الجملة الاسمية التي حَكَتْهُ من الدلالة على ثبوت هذا الانتفاء ودوامه. وبما تفيده الباء من توكيد النفي، وما يفيده تقديم متعلق مؤمنين من اهتمامهم بموسى في تعليق الإيمان به المنفي باسمه. والفاء في قوله: {فأرسلنا} لتفريع إصابتهم بهذه المصائب على عتوهم وعنادهم. والإرسال: حقيقته توجيه رسول أو رسالة فيعدى إلى المفعول الثاني (بإلى) ويضمّن معنى الإرسال من فوق، فيعدى إلى المفعول الثاني (بعَلى)، قال تعالى: {أية : وأرسل عليهم طيراً أبابيل}تفسير : [الفيل: 3]، {أية : وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم}تفسير : [الذاريات: 41] فحرف (على) دل على أن جملة أرسلنا مفرعة تفريع العقاب لا تفريغ زيادة الآيات. والطوفان: السَيْح الغالب من الماء الذي يغمر جهات كثيرة ويطغى على المنازل والمزارع، قيل هو مشتق من الطواف لأن الماء يطوف بالمنازل، أي: تتكرر جريته حولها، ولم يدخل الطوفان الأرض التي كان بها بنو إسرائيل وهي أرض (جاسان). والجراد: الحشرة الطائرة من فصيلة الصرصر والخنافس له أجنحة ستة ذات ألوان صفر وحمر تنتشر عند طيرانه، يكون جنوداً كثيرة يسمى الجند منها رِجْلا. وهو مهلك للزرع والشجر، يأكل الورق والسنبل ووَرَق الشجر وقشره، فهو من أسباب القحط. أصاب أرض قوم فرعون ولم يصب أرض بني إسرائيل. والقُمّلُ: ــــ بضم القاف وتشديد الميم المفتوحة في القراءات المشهورة ــــ اسم نوع من القراد عظيم يسمى الحُمْنان ــــ بضم الحاء المهملة وميم ساكنة ونونين ــــ واحدته حمنانة وهو يمتص دم الإنسان (وهو غير القَمْل ــــ بفتح القاف وسكون الميم ــــ الذي هو من الحشرات الدقيقة التي تكون في شعر الرأس وفي جلد الجسد يتكون من تعفن الجلد لوسخه ودسومته ومن تعفن جلد الرأس كثيراً)، أصاب القبط جند كثير من الحمنان عسر الاحتراز عنه ولعله أصاب مواشيَهم. والضفادع: جمع ضَفْدَع وهو حيوان يمشي على أرجل أربع ويسحب بطنه على الأرض ويسبح في المياه، ويكون في الغدران ومناقع المياه، صوته مثل القراقر يسمى نقيقاً، أصابهم جند كثير منه يقع في طعامهم يرتمي إلى القدور، ويقع في العيون والأسقية وفي البيوت فيفسد ما يقع فيه وتطؤه أرْجُل الناس فتتقذر به البيوت، وقد سلمت منه بلاد (جاسان) منزل بني إسرائيل. والدم معروف، قيل: أصابهم رعاف متفش فيهم، وقيل: صارت مياه القبط كالدم في اللون، كما في التوراة، ولعل ذلك من حدوث دود أحمر في الماء فشبه الماء بالدم، وسلمت مياه (جاسان) قرية بني إسرائيل. وسمى الله هاته {آيات} لأنها دلائل على صدق موسى لاقترانها بالتحدي، ولأنها دلائل على غضب الله عليهم لتظافرها عليهم حين صمموا الكفر والعناد. وانتصب {آيات} على الحال من الطوفان وما عطف عليه، و{مفصّلات} اسم مفعول من فصّل المضاعف الدال على قوة الفصل. والفصل حقيقته التفرقة بين الشيئين بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر، ويستعار الفصل لإزالة اللبس والاختلاط في المعاني فــــ {مفصلات} وصف لــــ {آيات}، فيكون مراداً منه معنى الفصل المجازي وهو إزالة اللبس، لأن ذلك هو الأنسب بالآيات والدلائل، أي: هي آيات لا شبهة في كونها كذلك لمن نَظر نَظر اعتبار. وقيل: المراد أنها مفصول بعضها عن بعض في الزمان، أي لم تحدث كلها في وقت واحد، بل حدث بعضها بعد بعض، وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على تراخي المدة بين الواحدة والأخرى، ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد وأطول زمناً كما دل عليه قوله تعالى: {أية : وما نريهم من آية إلاّ هي أكبر من أختها}تفسير : [الزخرف: 48]، قيل: كان بين الآية منها والأخرى مدة شهر أو مدة ثمانية أيام، وكانت تدوم الواحدة منها مدة ثمانية أيام وأكثر، وعلى هذا الوجه فالأنسب أن يجعل {مفصلات} حالاً ثانية من الطوفان والجراد، وأن لا يجعل صفة {آيات}. والفاء في قوله: {فاستكبروا} للتفريع والترتب، أي: فتفرع على إرسال الطوفان وما بعده استكبارهم، كما تفرع على أخذهم بالسنين غرورُهم بأن ذلك من شؤم موسى ومن معه، فعُلم أن من طبع تفكيرهم فسادَ الوضع، وهو انتزاع المدلولات من أضداد أدلتها، وذلك دليل على انغماسهم في الضلالة والخذلان، وبعدهم عن السعادة والتوفيق، فلا يزالون مورطين في وحل الشقاوة. فالاستكبار: شدة التكبر كما دلت عليه السين والتاء، أي: عدَ أنفسهم كبراء، أي تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك الآيات المفصلات. وجملة: {وكانوا قوماً مجرمين} معطوفة على جملة {فاستكبروا}، فالمعنى: فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف الإجرام فيهم، وتمكنه منهم، ورسوخه فيهم من قبل حدوث الاستكبار، وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم، فــــ (كان) دالةٌ على استمرار الخبر وهو وصف الإجرام. والإجرام: فعل الجرم وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نجزي المجرمين} تفسير : في هذه السورة (40).

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 132- ولهذه الفكرة السيئة عندهم أصروا على الجحود، وقالوا عند رؤيتهم لآيات موسى: إنك مهما جئتنا بكل نوع من أنواع الآيات التى تستدل بها على حقيقة دعوتك - لأجل أن تصرفنا بها عما نحن عليه من ديننا ومن استعباد قومك - فما نحن لك بمصدقين ولا مذعنين. 133- فأنزل اللَّه عليهم مزيدا من المصائب والنكبات: بالطوفان الذى يغشى أماكنهم، وبالجراد الذى يأكل ما بقى من نبات أو شجر، وبالقمل وهو حشرة تفسد الثمار وتقضى على الحيوان والنبات، وبالضفادع التى تنتشر فتنغص عليهم حياتهم وتذهب بصفائها، وبالدم الذى يسبب الأمراض الكثيرة كالنزيف من أى جسم، والدم الذى ينحبس فيسبب ضغطا أو ينفجر فيسبب شللا، ويشمل البول الدموى بسبب البلهارسيا ونحوها، أو الذى تحول إليه ماؤهم الذى يستخدمونه فى حاجات معاشهم، أصابهم اللَّه بهذه الآيات المميزات الواضحات فلم يتأثروا بها، وجمدت قرائحهم وفسد ضميرهم، فعتوا عن الإيمان والرجوع إلى الحق من حيث هو حق، وكانوا قوما موغلين فى الإجرام كما هو شأنهم. 134- ولفرط تقلبهم حسب الدواعى، كانوا كلما وقع عليه نوع من العذاب قالوا لشدة تأثيره فيهم وتألمهم به: يا موسى، سل ربك لنا بالذى عهد به إليك أن تدعوه به فيعطيك الآيات ويستجيب لك الدعاء، أن تكشف عنا هذا العذاب، ونحن نقسم لك لئن أزلته عنا لنخضعن لك، ولنطلقنَّ معك بنى إسرائيل كما أردت. 135- فلما كشفنا عنهم العذاب مرة بعد أخرى إلى وقت هم منتهون إليه فى كل مرة، إذا هم ينقضون عهدهم ويحنثون فى قسمهم، ويعودون إلى ما كانوا عليه، ولم تُجْد فيهم هذه المحن الزاجرة. 136- فأنزلنا عليهم نقمتنا، فأغرقناهم فى البحر بسبب استمرارهم على التكذيب بآياتنا، وتمام غفلتهم عما تقتضيه هذه الآيات من الإيمان والإذعان.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةٍ} (132) - وَقَالَ هؤلاءِ لِمُوسَى: إِنَّهُمْ لَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَهْما أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتٍ وَحُجَجٍ وَبَراهينَ، يُدَلِّلُ بِهَا عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبيلِ السِّحْرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي وقال قوم فرعون لموسى عليه السلام: أي شيء تأتينا به من المعجزات لتصرفنا عما نحن فلن نؤمن لك، وسموا ما جاء به موسى "آية" استهزاء منهم وسخرية. وكل هذه مقدمات تبرز الإِهلاك الذي قال الله فيه: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ...} تفسير : [الأعراف: 129] وأعلنوا أن ما جاء به موسى هو سحر على الرغم من أنهم رأوا السحرة الذين برعوا في السحر وعرفوا طرائقه وبذّوا فيه سواهم قد خروا ساجدين وآمنوا، كيف يحدث هذا والسحرة كلهم جُمِعوا إلى وقت معلوم؟ وشهد كل الناس التجربة الواقعية التي ابتلعت فيها عصا موسى كل سحر السحرة فآمنوا وسجدوا، فكيف يتأتى لمن لا يعرفون السحر أن يتهموا موسى بالسحر؟ وكيف يظنون أن ما يأتي به من آيات الله هو لون من السحر؟. إنهم يقولون كلمة "مهما" وهي تدل على استمرارية العناد في نفوسهم مثلما يقول واحد لآخر: لقد صممت على ألا أقبل كلامك، فيكرر الرجل: انتظر لتسمع حجتي الثانية فقد تقنعك، فيقول: مهما تأتني من حجج فلن أسمع لك، وهذا يعني استمرارية العناد والجحود والتمرد ويقدمون حيثيات هذا الجحود فيقولون: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 132] وإذا كانوا يظنون أن آيات الله التي مع موسى من السحر، فهل للمسحور إرادة مع الساحر؟. لو كانت المسألة سحراً لسحركم وانتهى الأمر. وقلنا قديماً في الرد على الذين قالوا: إن محمداً يسحر ليؤمنوا به، قلنا إذا كان هو قد سحر الناس ليؤمنوا به، فلماذا لم يسحركم لتؤمنوا وتنفض المسألة؟ إن بقاءكم على العناد دليل على أنه لا يملك شيئاً من أمر السحر. وأنت ساعة تسمع كلمة "مهما" تعرف أن هناك شرطاً، وله جواب، ويقول العلماء: إن أصلها "مه" أي كُفّ عن أن تأتينا بأية آية فلن نصدقك. وهذا يعني أن هناك إصرار وعناداً على عدم الإِيمان. ويبين الحق عقابه لهم على ذلك: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ...}

الأندلسي

تفسير : {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ} الضمير في وقالوا عائد على آل فرعون لم يزدهم الأخذ بالجدوب ونقص الثمرات إلا طغياناً وتشدداً في كفرهم وتكذيبهم ولم يكتفوا بنسبة ما يصيبهم من السيئات إلى أن ذلك بسبب موسى عليه السلام ومن معه حتى واجهوه بهذا القول الدال على أنه لو أتى بما أتى من الآيات فإِنهم لا يؤمنون بها وأتوا بمهما التي تقتضي العموم، ثم فسروا بآية على سبيل الاستهزاء في تسميتهم ذلك آية، كما قالوا في قوله: {أية : إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 157] وتسميتهم لها بآية. أي على زعمك، ولذلك عللوا الإِتيان بقولهم: لتسحرنا بها، وبالغوا في انتفاء الإِيمان بأن صدروا الجملة بنحن فادخلوا الباء فى بمؤمنين أي إن إيماننا لك لا يكون أبداً ومهما مرتفع بالابتداء أو منتصب بإطمار فعل يفسره فعل الشرط فيكون من باب الاشتغال أي أيَّ شىء تحضر بإِتيانه. والضمير في به عائد على مهما وفي بها عائد أيضاً على معنى مهما، لأن المراد به أيّةُ وآية كما عاد على ما في قوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} تفسير : [البقرة: 106]. ومهما كلمة بسيطة ليست مركبة من مَهْ اسم الفعل وما ولا أنّ أصلها ما ما فأبدلت ألفها هاء فقيل: مهما، وقد جاء في الشرط مهما، قال الشاعر: شعر : أماوي مهما يستمع في صديقه أقاويل هذا الناس ماوى يندم تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ} الآية قال الأخفش: الطوفان جمع طوفانة، عند البصريين وعند الكوفيين مصدر. قال ابن عباس: الطوفان الماء المفرق. وقال جماعة: هو المطر أرسل عليهم دائماً الليل والنهار ثمانية أيام، وقيل ذلك مع ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ولا يقدر أحد أن يخرج من داره، وقيل: أمطروا حتى كادوا يهلكون وبيوت القبط وبني إسرائيل مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماءً حتى قاموا فيه إلى تراقيهم فمن جلس غرق ولم يدخل بيوت بني إسرائيل قطرة من الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف ودام عليهم سبعة أيام. {وَٱلْجَرَادَ} جمع جرادة وهي اسم جنس بينه وبين مفرده تاء التأنيث وابتلوا بالجراد بعد ابتلائهم بالطوفان سبعة أيام فأكلت عامة زرعهم وثمارهم ثم أكلت كل شىء حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شىء فكشف عنهم بعد سبعة أيام وسلط الله تعالى عليهم القمل. قال ابن عباس: القمل هو الدَّبا، وهو صغار الجراد قبل أن تنبت له أجنحة ولا يطير روي أن موسى عليه السلام مشى إلى كثيب أهيل فضربه بعصاه فانشر كله قملاً بمصر فأكل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض، وكان يدخل بين جلد القبطي وقميصه فيمصه ويمتلىء الطعام قملاً، وأرسل الله عليهم بعد شهر الضفادع فملأت آنيتهم وأطعماتهم ومضاجعهم ورمت بأنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، وإذا تكلم أحدهم وثبت إلى فيه ثم بعد ذلك أرسل الله تعالى عليهم الدم حتى صار ماؤهم دماً، حتى أن الإِسرائيلي ليضع الماء في فيء القبطي فيصير في فيه دماً، وعطش فرعون حتى أشرف على الهلاك فكان يمص الأشجار الرطبة فإِذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً. ومعنى تفصيل الآيات تبيينها وإزالة أشكالها وحكمة التفضيل بالزمان أنه يمتحن فيه أحوالهم أيفون بما عهدوا أم ينكثون. وانتصب آيات مفصلات على الحال والذي دلت عليه الآية أنه أرسل عليهم ما ذكر فيها. وأما كيفية الإِرسال ومكث ما أرسل عليهم من الأزمان والهيئآت فمرجعه إلى النقل عن الاخيار الاسرائيليات، إذ لم يثبت من ذلك في الحديث النبوي شىء ومع إرسال حسن الآيات استكبروا عن الإِيمان وعن قبول أمر الله تعالى. {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} إخبار منه تعالى بإجترامهم على الله تعالى وعلى عباده. {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ} الظاهر أن الرجز هو ما كان أرسل عليهم من الآيات التي تقدمت قبل. ومعنى وقع عليهم، أي نزل عليهم وثبت وفي قولهم. {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} وفي إضافة الرب إلى موسى عليه السلام عدم إقرار بأنه ربهم حيث لم يقولوا ادع لنا ربنا. ومعنى: {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} بما اختصك به ونبّأك أو بما وصاك به أن تدعوا به فيجيبك كما أجابك في الآيات، والظاهر تعلق بما عهد بادع لنا ربك، ومتعلق الدعاء محذوف تقديره ادع لنا ربك بما عهد عندك في كشف هذا الرجز. و{لَئِن كَشَفْتَ} جواب لقسم محذوف في موضع الحال من قالوا، أي قالوا ذلك مقسمين لئن كشفت. وفي قولهم: {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ} دلالة على أنه طلب منهم الإِيمان كما أنه طلب منهم إرسال بني إسرائيل وقدموا الإِيمان لأنه المقصود الأعظم الناشىء منه الطواعية، وفي إسناد الكشف إلى موسى عليه السلام حيرة عن إسناده إلى الله تعالى لعدم إقرارهم بذلك. {فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ} في الكلام حذف دل عليه المعنى وهو فدعا موسى فكشف عنهم الرجز وأسند تعالى الكشف إليه لأنه هو الكاشف حقيقة فلما كان من قولهم أسندوه إلى موسى عليه السلام وهو إسناد مجازي ولما كان إخباراً من الله تعالى أسنده تعالى إليه لأنه إسناد حقيقي. و{إِلَىٰ أَجَلٍ} متعلق بكشفنا ولا يمكن حمله على التعلق به لأن ما دخلت عليه لما ترتب جوابه على ابتداء وقوعه. والغاية بقوله: إلى أجل، ينافي التعليق على ابتداء الوقوع فلا بد من تعقل الابتداء والاستمرار حتى تحقق الغاية. و{هُم بَالِغُوهُ} جملة في موضع الصفة لأجل وهي أفخم من الوصف بالمفرد لتكرر الضمير فليس في حسن التركيب كالمفرد، وإذا للمفاجأة تدل على أنه لم يكن بعد بلوغ الأجل وبين النكث زمان يتخللهما بل بنفس ما بلغوا الأجل نكثوا ما أقسموا عليه من الإِيمان والإِرسال. {فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي أحللنا بهم النقمة وهي ضد النعمة فإِن كان الانتقام هو الإِغراق فتكون الفاء تفسيرية وذلك على رأي من أثبت هذا المعنى للفاء وإلا كان المعنى فأردنا الانتقام منهم. والباء في بأنهم سببية. والآيات هي المعجزات التي ظهرت على يد موسى عليه السلام. والظاهر عود الضمير في عنها إلى الآيات، أي غفلوا عما تضمنته الآيات من الهدى والنجاة وما فكروا فيها وتلك الغفلة هي سبب التكذيب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 132] فلمَّا رأوا الآيات بعين الجهالة والضلالة رأوها سحراً، وجعلوا الإصرار على الإنكار شعارهم، وهتكوا بألسنتهم في العتو أستارهم، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ} [الأعراف: 133] فلمَّا توغلوا في فنون المخالفات صب عليهم أنواع العقوبات، فلا في التكفير رغبوا ولا إلى التطهير قصدوا. {فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [الأعراف: 133] في أصل الخلقة، فكانت عقوباتهم بصرف قلوبهم عن شهود الآيات والحقائق أبلغ مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا ونعوذ بالله من مكامن المكر، {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ} [الأعراف: 134] وهو الغضب من الله، {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الأعراف: 134] ولم يقولوا: ربنا إذا لم يهتدوا إلى ربوبيته، وما ازدادوا بزيادة تلك المحن إلا بُعداً وأجنبية، {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} [الأعراف: 134] بأن تدعوه ويجيب لك من فضله، {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ} [الأعراف: 134]؛ يعني: لو انكشف عنا حجاب الغضب والسخط، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} [الأعراف: 134] {فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ} [الأعراف: 135]، يعني: صورة الغضب والسخط وهو العذاب، {إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} [الأعراف: 135] فلمَّا رفع عنهم صورة الرجز آمنوا بالصورة لا بالحقيقة، فلمَّا بلغوا أجل المشيئة في إغراقهم نقضوا ما عاهدوا عليه، {فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الأعراف: 136] قهراً وغضباً، {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 136] بأنهم كذبوا بآياتنا في الظاهر وفي الحقيقة، فتكذيبهم من نتائج الغضب الحقيقي، {وَكَانُواْ عَنْهَا} [الأعراف: 136]؛ يعني: من حقائق أحكامنا، {غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] فما نفعهم العهد مع الميشئة القديمة، ولا خلفهم العقل مع الإرادة الأزلية. ثم أخبر عن نتائج العناية لأهل السعادة بقوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 137]، الإشارة فيها: أن العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، ومن صبر على مقاساة الذل في الله توجه الله بتاج العزة، ويورثه عزة مذليه ومستضعفيه، كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ}؛ أي: يطلبون مذلتهم وهوانهم {مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137] بإخراجها من أيدي الكفار والظلمة والفسقة وايراثها المؤمنين الموحدين الصالحين، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} [الأعراف: 137]؛ يعني: بالكلمة الحسنى ما قدر لهم في الأزل، قال فيهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقوله: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، فإنه قدر لهم من السعادة بما صبرهم على الشدائد في الدين كقوله تعالى: {بِمَا صَبَرُواْ} [الأعراف: 137] والصبر من أعمال أهل الجنة، قال تعالى: {أية : وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً}تفسير : [الإنسان: 12]، {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} [الأعراف: 137]؛ يعني: ببني إسرائيل من الإذلال والإهانة، {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137]؛ أي: يرفعون بالتكبر والتحيز لأنفسهم، والتعريش: الارتفاع، يقال: عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على ما تحته.