٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
133
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى ـ روى إسرائيل عن سِمَاك عن نَوْف الشاميّ قال: مكث موسى صلى الله عليه وسلم في آل فرعون بعد ما غلب السحرةَ أربعين عاماً. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن مِنجاب: عشرين سنة، يريهم الآيات: الجراد والقُمَّل والضفادع والدّم. الثانية ـ قوله تعالى: {ٱلطُّوفَانَ} أي المطر الشديد حتى عامُوا فيه. وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت قال الأخفش: واحدته طوفانة. وقيل: هو مصدر كالرُّجْحَان والنُّقْصان؛ فلا يطلب له واحد. قال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان مُهْلِكاً من موت أو سَيْل؛ أي ما يطيف بهم فيهلكهم. وقال السُّدِّي: ولم يُصِب بني إسرائيل قطرةٌ من ماء، بل دخل بيوتَ القبط حتى قاموا في الماء إلى تَراقِيهم، ودام عليهم سبعةَ أيام. وقيل: أربعين يوماً. فقالوا: ٱدع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك؛ فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا. فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم يُنبته قبل ذلك من الكلأ والزرع. فقالوا: كان ذلك الماء نعمة؛ فبعث الله عليهم الجراد وهو الحيوان المعروف، جمع جرادة في المذكر والمؤنث. فإن أردت الفصل نعتَّ فقلت رأيت جرادة ذكراً ـ فأكل زروعهم وثمارهم حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدِم ديارهم. ولم يدخل دُور بني إسرائيل منها شيء. الثالثة ـ وٱختلف العلماء في قتل الجراد إذا حَلّ بأرض فأفسد؛ فقيل: لا يقتل. وقال أهل الفقه كلهم: يُقتل. ٱحتج الأوّلون بأنه خَلْق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا يَجْرِي عليه القلم. وبما روي: «حديث : لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظمُ»تفسير : . وٱحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله؛ فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها. ألا ترى أنهم قد ٱتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب؟ لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد. روى ٱبن ماجه عن جابر وأنس بن مالك حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال: «اللَّهُمّ أهلك كباره وٱقتل صغاره وأفسده بيضه وٱقطع دابره وخُذْ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء». قال رجل: يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال: «إن الجراد نَثَرة الحوت في البحر».تفسير : الرابعة ـ ثبت في صحيح مسلمحديث : عن عبد الله بن أبي أَوْفَى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معهتفسير : . ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة، وأنه إذا أخذ حيّاً وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق. وأنّ ذلك يتنزل منه منزلة الذكاة فيه. وإنما ٱختلفوا هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صِيد أم لا؛ فعامّتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات. وحكمه عندهم حكم الحِيتان، وإليه ذهب ٱبن نافع ومُطَرِّف وذهب مالك إلى أنه لا بُدّ له من سبب يموت به؛ كقطع رؤوسه أو أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يُسْلق أو يطرح في النار؛ لأنه عنده من حيوان البر فَمَيْتَتُه محرّمة. وكان اللّيث يكره أكل ميت الجراد، إلا ما أخذ حيّاً ثم مات فإن أخذه ذكاة. وإليه ذهب سعيد بن المُسَيِّب. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أحِلّ لنا ميتتان الحُوت والجراد ودمان الكَبِد والطِّحال»تفسير : . وقال ابن ماجه: حدّثنا أحمد بن مَنيع حدّثنا سفيان بن عُيينة عن أبي سعيد سمع أنس بن مالك يقول: كُنّ أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يتهادَيْن الجراد على الأطباق. ذكره ابن المنذر أيضاً. الخامسة ـ روى محمد بن المنْكَدِر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى خلق ألف أُمّة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر وإن أوّل هلاك هذه الأُمم الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعت الأُمم مثل نظام السِّلك إذا انقطع»تفسير : . ذكره الترمذيّ الحكيم في (نوادر الأُصول) وقال: وإنما صار الجراد أوّل هذه الأُمم هلاكاً لأنه خُلق من الطينة التي فَضَلت من طينة آدم. وإنما تهلك الأُمم لهلاك الآدميّين لأنها مسخّرة لهم. رجعنا إلى قصة القبط ـ فعاهدوا موسى أن يؤمنوا لو كُشف عنهم الجراد، فدعا فكشف وكان قد بَقِيَ من زروعهم شيء فقالوا: يكفينا ما بَقِيَ؛ ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم القُمّل، وهو صغار الدَّبَى؛ قاله قَتادة. والدَّبَى: الجراد قبل أن يطير، الواحد دَباة. وأرض مَدْبِيّة إذا أكل الدَّبَى نباتها. وقال ابن عباس: القُمّل السُّوس الذي في الحِنطة. وقال ابن زيد: البراغيث. وقال الحسن: دوابّ سود صغار. وقال أبو عبيدة: الحَمْنَان، وهو ضرب من القُرَاد، واحدها حَمْنانة. فأكلت دوابَّهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها الجُدَريّ عليهم، ومنعهم النومَ والقرار. وقال حبيب بن (أبي) ثابت: القُمّل الجِعلان. والقُمّل عند أهل اللغة ضرب من القِردان. قال أبو الحسن الأعرابِيّ العدويّ: القُمّل دواب صغار من جنس القردان؛ إلا أنها أصغر منها، واحدتها قُمّلة. قال النحاس: وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير؛ لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلّها أرسلت عليهم، وهي أنها كلها تجتمع في أنها تؤذيهم. وذكر بعض المفسرين أنه كان «بعَيْن شمس» كَثِيب من رمل فضربه موسى بعصاه فصار قَمَّلاً. وواحد القَمْل قَمْلة. وقيل: القُمَّلُ القَمْلُ، قاله عطاء الخُراسانيّ. وفي قراءة الحسن «والقَمْل» بفتح القاف وإسكان الميم. فتضرّعوا فلما كُشف عنهم لم يؤمنوا؛ فأرسل الله عليهم الضفادع، جمع ضِفْدِع وهي المعروفة التي تكون في الماء، وفيه مسألة واحدة وهي أن النهي ورد عن قتلها؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح. أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وابن ماجه عن محمد بن يحيى النيسابورِيّ الذُّهْليّ عن أبي هريرة قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصُّرَد والضِّفْدع والنّملة والهُدهدتفسير : . وخرج النسائِيّ عن عبد الرحمن بن عثمان: حديث : أن طبيباً ذكر ضِفْدعاً في دواء عند النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهتفسير : . صححه أبو محمد عبد الحق. وعن أبي هريرة قال: الصُّرَد أوّل طير صام. ولَمّا خرج إبراهيم عليه السلام من الشأم إلى الحرم في بناء البيت كانت السَّكِينة معه والصرد؛ فكان الصُّرد دليلَه إلى الموضع، والسّكِينة مقداره. فلما صار إلى البقعة وقعت السَّكِينة على موضع البيت ونادت: ٱبْنِ يا إبراهيم على مقدار ظِلِّي؛ فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل الصَرد لأنه كان دليل إبراهيم على البيت، وعن الضفدع لأنها كان تصبّ الماء على نار إبراهيم. ولَمّا تسلّطت على فرعون جاءت فأخذت الأمكنة كلها، فلما صارت إلى التَّنُّور وَثَبَتْ فيها وهي نار تسعر، طاعة لله. فجعل الله نقِيقها تسبيحاً. يقال: إنها أكثر الدواب تسبيحاً. قال عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الضّفدع فإن نقيقه الذي تسمعون تسبيح. فرُوي أنها ملأت فرشَهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم؛ فكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، وإذا تكلّم وثب الضّفدع في فيه. فشكَوْا إلى موسى وقالوا: نتوب؛ فكشف الله عنهم ذلك فعادوا إلى كفرهم؛ فأرسل الله عليهم الدّم فسال النيل (عليهم) دَماً. وكان الإسرائيليّ يغترف منه الماء، والقبطيُّ الدّمَ. وكان الإسرائيلي يَصُبّ الماء في فم القبطي فيصير دَماً، والقبطيُّ يصب الدّم في فم الإسرائيلي فيصير ماء زلالاً. {آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ} أي مبيَّنات ظاهرات؛ عن مجاهد. قال الزجاج: «آيات مفصّلات» نصب على الحال. ويروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام. وقيل: أربعون يوماً. وقيل: شهر؛ فلهذا قال «مفصلات». {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي ترفّعوا عن الإيمان بالله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ} ماء طاف بهم وغشي أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل. وقيل الجدري. وقيل الموتان. وقيل الطاعون. {وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ} قيل هو كبار القردان، وقيل أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. {وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ} روي: أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم فلم يدخل فيها قطرة، وركد على أراضيهم فمنعهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعاً فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم ونبت لهم من الكلأ والزرع ما لم يعهد مثله ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زروعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب ففزعوا إليه ثانياً فدعا وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها فلم يؤمنوا، فسلط الله عليهم القمل فأكل ما أبقاه الجراد وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين أثوابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تمتلىء منها مضاجعهم وتثب إلى قدورهم وهي تغلي، وأفواههم عند التكلم ففزعوا إليه وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم ثم نقضوا العهود، ثم أرسل عليهم الدم فصارت مياههم دماً حتى كان يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على إناء فيكون ما يلي القبطي دماً وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإِسرائيلي فيصير دماً في فيه. وقيل سلط الله عليهم الرعاف. {ءايَـٰتُ} نصب على الحال. {مّفَصَّلاَتٍ} مبينات لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته عليهم، أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل اثنتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعاً، وقيل إن موسى لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل. {فَٱسْتَكْبَرُواْ} عن الإِيمان. {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ } وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام {وَٱلْجَرَادَ } فأكل زرعهم وثمارهم كذلك {وَٱلْقُمَّلَ } السوس أو هو نوع من القراد فتتبع ما تركه الجراد {وَٱلضَّفَادِعَ } فملأت بيوتهم وطعامهم {وَٱلدَّمَ } في مياههم {ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلاَتٍ} مبينات {فَٱسْتَكْبَرُواْ } عن الإِيمان بها {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {الطُّوفَانَ} الغرق بالماء الزائد، أو الطاعون، أو الموت، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطوفان: الموت"تفسير : أو أمر من الله ـ تعالى ـ طاف بهم، أو المطر والريح، أو عذاب، "قيل: دام بهم ثمانية أيام من السبت إلى السبت، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: فما زال الطوفان حتى خرج زرعهم حسناً، فقالوا: هذه نعمة فأرسل الله ـ تعالى ـ عليهم الجراد بعد شهر فأكل جميع نبات الأرض وبقي من السبت إلى السبت، ثم طلع بعد الشهر من الزرع ما قالوا هذا يكفينا فأرسل الله ـ تعالى ـ عليهم القُمَّل فسحقها"، وهو الدبا صغار الجراد لا أجنحة له، أو سوس الحنطة، أو البراغيث، أو القردان، أو ذوات سود صغار. {وَالدَّمَ} الرعاف، أو صار ماء شربهم دماً عبيطاً. {مُّفَصَّلاتٍ} مبينات لنبوة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو انفصل بعضها عن بعض فكان بين كل آيتين شهر. {فَأسْتَكْبَرُواْ} عن الإيمان بموسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو عن الاتعاظ بالآيات.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ...} الآية: الطُّوفانُ: مصْدَر مِنْ قولك: طَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ إِلاَّ أن ٱستعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره: الطُّوفَان في هذه الآية: هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالَىٰ عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم، وقيل: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة رضي اللَّه عنها، عن النَبيِّ صلى الله عليه وسلم: ( حديث : إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو المَوْتُ ». تفسير : قُلْتُ: ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مُجْمَلاً وروي أن اللَّه عز وجل لما والَىٰ عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا: يا موسىٰ ٱدع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتاً حسناً، فنكَثُوا، وقالوا: ما نودُّ أنَّا لم تمْطَرْ، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ الجَرَادَ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ؛ أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق، فقالوا لموسى: ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدُّبَّىٰ صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير؛ قاله ابن عباس وغيره، وقرأ الحسن: «القَمْل» ـــ بفتح القاف، وسكون الميم ـــ فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشَىٰ بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ، فضربَهُ، فٱنتشر كُلُّه قُمَّلاً في مِصْر، ثم إِنهم قالوا: ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إِلىٰ طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم الضَّفَادَع، فكانَتْ تدخلُ في فَرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ. قال ابن جُبَيْر: كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع. وقال ابنُ عبَّاس: لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ الماء، فقالوا: يا موسَىٰ، ٱدع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم الدَّم، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دماً، فرويَ أنه كان يَسْتَقِي القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دماً، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين. وقال زيدُ بن أسْلَمَ: إِنما سلط عليهم الرُّعَاف، فهذا معنى قوله: {وَٱلدَّمَ }، وقوله: {آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ} التفصيل: أصله في الأجرام: إِزالة ٱلاتصالِ، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ ٱشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها. وقالتْ فرقةٌ: {مُّفَصَّلاَتٍ} يراد بها: مفرَّقات في الزمَن. قال الفخر: قال المفسِّرون: كان العذابُ يَبْقَىٰ عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنَىٰ قوله: {آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ}، على هذا التأويل، أي: فصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ؛ أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد. انتهى. وقوله عز وجل: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ...} الآية: «الرّجز»: العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره. وقال قوم: [إن] الرجْزَ هنا طاعونٌ أنزل اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إِلَىٰ سندٍ، وقولهم: {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسَىٰ من طاعةٍ من موسَىٰ ونعمةٍ من اللَّه تبارك وتعالَىٰ، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم علىٰ جهَةِ القَسَمِ عَلَىٰ موسَى، وقولُهم: {لَئِن كَشَفْتَ } أي: بدعائك، {لَنُؤْمِنَنَّ } {وَلَنُرْسِلَنَّ } قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث، و«إذا» هنا للمفاجأة، والأَجَلُ: يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ؛ كما تقول: أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتاً بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّداً مَّا، {وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ } أي: غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدىٰ. وقوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا...} الآية: {ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} كنايةٌ عن بني إسرائيل، و{مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا }. قال الحسنُ وغيره: هي الشامُ. وقالتْ فرقة: يريد الأرضَ كلَّها؛ وهذا يتَّجه إِمَّا على المَجازِ؛ لأنه ملَّكهم بلاداً كثيرة، وإِما على الحقيقة في أَنَّه ملك ذرِّيَّتهم، وهمْ سليمانُ بنُ دَاوُدٌ، ويترجَّح التأويل الأَول بوَصْف الأرض بأنها التي بَارَكَ فيها سبحانه. وقوله سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ }، أي: ما سبق لهم في علمه وكلامِهِ في الأزلِ من النَّجَاة من عدوِّهم، والظهور عليه؛ قاله مجاهد، و{يَعْرِشُونَ } قال ابن عباس ومجاهد: معناه: يبنون. قال * ع *: رأيتُ للحسنِ البصريِّ رحمه اللَّه؛ أنَّه احتجَّ بقوله سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ...} إلى آخر الآية؛ على أنه ينبغي أَلاَّ يخرج عن ملوك السُّوء، وإِنما ينبغي أنْ يُصْبَر عليهم؛ فإِن اللَّه سبحانه يدمِّرهم، ورأَيْتُ لغيره؛ أنه إِذا قابل الناسُ البلأَ بمثله، وَكَّلَهُمُ اللَّهُ إلَيْه، وإِذا قابلوه بالصبر، وانتظارِ الفَرَجِ، أتى اللَّه بالفَرَج، ورُوِي هذا أيضاً عن الحسن.
البقاعي
تفسير : ولما بارزوا بهذه العظمية، استحقوا النكال فسبب عن ذلك قوله: {فأرسلنا عليهم} أي عذاباً لهم - لما يفهمه حرف الاستعلاء {الطوفان} أي الرعد والبرق والنار مع المطر والبرد الكُبار الذي يقتل البقر فما دونها، والظلمة والريح الشديدة التي عمت أرضهم وطافت بها؛ ولما كان ذلك ربما أخصبت به الأرض، أخبر أنه أرسل ما يفسد ذلك فقال: {والجراد}. ولما كان الجراد ربما طار وقد أبقى شيئاً، أخبر بما يستمر لأزقاً في الأرض حتى لا يدع بها شيئاً فقال: {والقمل} قال في القاموس: القمل كالسكر: صغار الذر والدبى الذي لا أجنحة له - وهو أصغر الجراد أو شيء صغير بجناح أحمر، وشيء يشبه الحلم خبيث الرائحة أو دواب صغار كالقردان يعني القراد. وقال البخاري في بني إسرائيل من صحيحه: القمل: الحمنان يشبه صغار الحلم. ولما ربما كان عندهم شيء مخزوناً لم يصل إليه ذلك، أخبر بما يسقط نفسه في الأكل فيفسده أو ينقصه فقال: {والضفادع } فإنها عمت جميع أماكنهم، وكانت تتساقط في أطعمتهم، وربما وثبت إلى أفواههم حين يفتحونها للأكل. ولم تم ما يضر بالماكل، أتبعه ما أفسد المشرب فقال: {والدم} فإن مياههم انقلبت كلها دماً منتناً، وعم الدم الشجر والحجارة وجميع الأرض في حق القبط، وأما بنو إسرائيل فسالمون من جميع ذلك. ولما ذكر تعالى هذه الآيات العظيمة، نبه على عظمتها بذكر حالها فقال: {آيات} أي علامات على صدقه عظميات {مفصلات} أي يتبع بعضها بعضاً، وبين كل واحدة وأختها حين يختبرون فيه مع أن مغايرة كل واحدة لأختها في غاية الظهور، وكذا العلم بأنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره. ولما كانت حقيقة بان يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب، سبب عنها قوله: {فاستكبروا} مبيناً أن الذي منعهم من الإيمان مرض القلب بالكبر والطغيان {وكانوا قوماً مجرمين*} أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع قوتهم على ما يحاولونه. ولما كان هذا في الحقيقة نقضاً لما أخذه الله على العباد بعهد العقل، أتبعه نقضاً حقيقياً، فقال مبيناً لحالهم عند كل آية، ولعله عبر بما يشملها ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق: {ولما وقع عليهم الرجز} يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب {قالوا يا موسى ادع لنا ربك} أي المحسن إليك، ولم يسمحوا كبراً وشماخة أن يعرفوا به ليقولوا: ربنا {بما عهد عندك} أي من النبوة التي منها هذا البر الذي تراه يصنعه بك؛ ثم أكدوا العهد بقولهم استئنافاً أو تعليلاً: {لئن كشفت عنا الرجز} أي العذاب الذي اضطربت قلوبنا وجميع أحولنا له {لنؤمنن لك} أي لنجعلنك آمناً من التكذيب بإيقاع التصديق، ويكون ذلك خالصاً لأجلك وخاصاً بك {ولنرسلن معك} أي في صحبتك، لا نجس أحداً منكم عن الآخر {بني إسرائيل*} أي كما سألت؛ ودل على قرب الإجابة بالفاء في قوله: {فلما كشفنا} أي بعظمتنا {عنهم الرجز} كرره تصريحاً وتهويلاً، ومددنا الكشف {إلى أجل} أي حد من الزمان {هم بالغوه} أي في علمنا {إذا هم} أي بضمائرهم التي تجري ظواهرهم على حسبها {ينكثون*}. ولما أخبر أنهم فاجؤوا النكث وكرروه، سبب عنه قوله: {فانتقمنا منهم} أي انتقاماً ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به، بل انتقام إهلاك عبرة لوصولهم بعد كشف جميع الشبه إلى مخص العناد؛ ثم فسره بقوله: {فأغرقناهم} بما لنا من العظمة {في اليم} أي في البحر الذي يقصد لمنافعة {بأنهم} أي بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة بما عرف من صحة نسبتها إلينا، ودل سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهة عرضت لهم بل عناداً بقوله: {وكانوا } أي جبلة وطبعاً {عنها غافلين*} أي يكون حالهم بعدها كحالهم قبلها، فكأنها لم تأتهم أصلاً فاستحقوا الأخذ لوقوع العلم بأن الآيات لا تفيدهم. ولما أخبر عن إهلاكهم، عطف عليه ما صنع ببني إسرائيل فقال: {وأورثنا} أي بعد إهلاكهم بما لنا من العظمة {القوم} ولما اشار بهذه العبارة - التي معناها أنه كانت فيهم قوة وكثرة وشدة عزم على ما يحاولونه ويقومون به - إلى أنه هو الذي أذلهم لا فرعون، أتبعه ما يدل عليه فقال: {الذين كانوا يستضعفون} أي يطلب ضعفهم ويوجد بالشوكة واجتماع الكلمة بحاكم قد تمكنت عظمته في القلوب التي الوهم غالب عليها، وهم بنو إسرائيل {مشارق الأرض} أي الكاملة لبركاتها {ومغاربها} أي أرض الشام من الفرات إلى بحر سوف: الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله - كما مضى نقله في المائدة عن التوارة، يعني حكمنا بإيراثهم ذلك وأنجزناه لأبناء الذين خرجوا من مصر بعد إهلاكهم في التيه؛ ثم وصفها تغبطاً بها بقوله: {التي باركنا فيها} أي في أرضها بالمياه والأشجار والثمار والخصب، وفي أرزاقها بالكثرة والطيب، وفي رجالها بالعلم والنبوة وفي طباعهم بالاستقامة، وفي عزائمهم بالنجدة والشجاعة والمكارم، وفي جميع أحوالهم بأنه لا يبغيهم ظالم إلا عوجل بالنقمة {وتمت} أي وجدت صحتها لوجود مضمونها في عالم الشهادة وظهوره من ستور الغيب {كلمت ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذه الأنباء على هذه الوجوه المفيدة مع إعجازها لغاية العلم والحكمة {الحسنى} مستعلية {على بني إسرائيل*} أي التي هي أحسن الكلام وهي وعده سبحانه لهم بالخلاص من العبودية وإيراثهم مساكن آبائهم كما كانوا يسمعون من أسلافهم، وإذا استعلت عليهم منعت أعداءهم من الوصول إليهم {بما صبروا} أي بسبب صبرهم على الاستعباد وذبح الأولاد وما حصل بعد ذلك من طويل الأنكاد {ودمرنا} أي أهلكنا إهلاكاً عظمياً جعل يدمره كالرماد، لا خير فيه أصلاً {ما كان يصنع} أي صنعاً بغاية الإقبال عليه حتى كأنهم خلقوا لهم {فرعون وقومه} أي من الصنائع الهائلة المعجبة لكل من يراها أو يسمع بها مع أنهم قد مرنوا عليها فصارت أسهل شيء عندهم {وما كانوا} أي بما هو كالجبلة والطبع {يعرشون*} أي من الجنان والقصور العالية الأركان، وكفى بهذه الآية حاثة على الصبر وضامنة على كل حائز للأجر بالتفريج عن المظلوم ونصره وإهلاك الظلوم وقهره. شرح ما يحتاج إلى شرحه هنا من التوراة الموجودة الان بين أظهر اليهود، قال مترجماً في الأصحاح الثالث من السفر الثاني ما نصه: وقال الرب لموسى في مدين: انطلق راجعاً إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا يطلبون نفسك قد هلكوا جميعاً، فانطلق موسى بامرأته وبينه وحملهم على حماره وأخذ بيده عصا الرب، وقال الرب الموسى: انظر كل آية أجريتها على يدك فاصنعها أمام فرعون وأنا أقسي قلبه فلا يرسل الشعب وقل لفرعون: هكذا يقول الرب: ابني بكري إسرائيل، أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكري، فلما صار موسى في الطريق في المبيت لقيه ملاك الرب فأخذت صفورا حجراً من حجارة المروة فحشت غرلة ابنها وأخذت برجليه - وفي نسخة السبعين: ووقعت عند رجليه - وقالت: إن اليوم عرس الدم - تعني الختان، فقال الرب لهارون: اخرج فتلق أخاك في القفر، فخرج فلقيه في جبل الله في حوريب فعانقه وقبله، فأخبر موسى هارون بجميع قول الرب الذي أرسله فيه وما أمره من الآيات، وانطلق موسى وهارون، فجمع أشياخ بني إسرائيل، فقص عليهم جميع ما قال الرب لموسى، وحرج جرائح وآيات قدام الشعب - وفي نسخة السبعين: فجمعا مشايخ بني إسرائيل وتكلم هارون بجميع الكلام الذي كلم الله به موسى وعمل الآيات قدام الشعب - فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم، وجثا الشعب وسجدوا للرب، ومن بعد هذه الآيات والخطوب دخل موسى وهارون وقالا لفرعون: هكذا يقول الله رب إسرائيل: أرسل شعبي يحجون إلى القفر - وفي نسخة السبعين: ليعبدوني في البرية - عوض: يحجون إلى القفر، فقال فرعون: ومن هو الرب حتى أطيعه؟ لا أعرف الرب ولا أرسل بني إسرائيل، وقالا له: الرب إله العبرانيين اعتلن لنا، فننطلق مسيرة ثلاثة أيام القفر ونذبح الذبائح لله ربنا لكيلا ينزل بنا الحزن والوباء - وفي نسخة السبعين: لئلا يفاجئنا موت أو قتل - قال فرعون: ما بالكما تبطلان الشعب من أعمالهم؟ فأمر فرعون ولاة الشعب وكتبتهم وقال لهم: لا تعودوا أن تعطوا الشعب تبناً لضرب اللبن كما كنتم تعطونهم، بل هم ينطلقون فيجمعون لأنفسهم التبن، وخذوهم بحساب اللبن على ما كنتم تأخذونهم به أمس وأول من أمس - ونسخة السبعين: في كل يوم لا تنقصوهم شيئاً من عملهم لأنهم بطروا لذلك يصيحون فيقولون: ننطلق فنذبح للرب إلهنا - فليشتد العمل على الرجال - ونسخة السبعين - فليتضاعف عمل هؤلاء القوم - حتى يهتموا به ولا يهتموا بكلام الباطل، فخرج ولاة الشعب وكتبتهم يما قال فرعون، فتقرق الشعب في جميع أرض مصر في جميع التبن، وجعل ولاتهم يلحون عليهم ويقولون: ارفعوا إلينا العمل كما كنتم ترفعون من قبل حيث كنتم تعطون التبن، فزادت كتبة بني إسرائيل وعوقبوا من الذين ولوهم عليهم وقالوا: لم لم ترفعوا إلينا حساب اللبن كما كنتم ترفعون، فأتى كتبة بني إسرائيل فشكوا إلى فرعون وقالوا: ما بال عبيدك يصنع بهم هذا الصنيع؟ فقال فرعون: أنتم قوم بطرون، تقولون: ننطلق لنذبح لربنا، فسار - أي الكتبة - في بني إسرائيل وقالوا لهم: لا تنقصوا من لبنكم شيئاً، بل ارفعوا إلينا كما كنتم ترفعون كل يوم، فلقوا موسى وهارون وهما واقفان أمامهم - وفي نسخة السبعين: وهما يجيئان نحوهم إذ خرجوا من بين يدي فرعون - فقالوا لهما: الله يحكم بيننا وبينكما لأنكما حرضتما علينا فرعون وعبيده حتى ضيق علينا بأن يضع السلاح فينا فيقتلنا، فرجع موسى إلى الرب وقال: يارب! لم أسأت بشعبك وأضررت به؟ لأني ساعة أن أتيت فرعون فذكرت اسمك أساء بهذا الشعب وشق عليهم وأنت تخلص شعبك، فقال الرب لموسى: الآن ترى ما أصنع بفرعون لأنه سيرسلهم - وفي نسخة السبعين: وسوف ترى ما أصنع بفرعون وكيف يرسلهم بيد منيعة وبذراع عظيمة يخرجهم من أرض مصر! أنا الرب الذي اعتلنت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وسميت بإله المواعيد ولم أعلمهم اسم الرب - وفي نسخة السبعين: واسمي الرب فلم أظهره لهم - وأثبت عهدي أيضاً ووعدتهم أن أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي سكنوها؛ وقد سمعت ضجيج بني إسرائيل من تعبد أهل مصر، وأنجيكم من أعمالهم واخلصكم بيد منيعة وذراع عالية وبأحكام عظيمة، وأختصكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً، وتعرفون أني أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من تعبد المصريين وأقبل بكم إلى الأرض التي رفعت يدي لأعطيها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأجعلها لكم ميرثاً إلى الدهر، أنا الرب! فقال موسى لبني إسرائيل هذه الأقاويل فلم يسمعوا من موسى ولم يطيعوه من شدة حزنهم واستيقاد نفوسهم من الكد الشديد، وكلم الرب موسى وقال له: انطلق إلى فرعون ملك مصر وقل له فيرسل بني إسرائيل - من أرض مصر، فقال موسى للرب: إن بني إسرائيل لا يسمعوني ولا يطيعوني، وأنا أرتّ المنطق ثقيل اللسان فكيف يطيعني فرعون ويسمع مني! فقال الرب لموسى: انظر، إني قد جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبياً عليك، أنت تقضي جميع ما آمرك به، وهارون أخوك يقول لفرعون - وفي نسخة السبعين: وهارون أخوك يكون لك نبياً وأنت تتكلم بجميع ما آمرك به وهارون أخوك يكلم فرعون - ليرسل بني إسرائيل من أرضه وأنا أقسي قلب فرعون فأكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، فلا يطيعكما فرعون ولا يسمع منكما فأمد يدي على مصر وأخرج جميع جنودي وشعبي بني إسرائيل من أرض مصر بالأحكام العظام، فيعرف أهل مصر أني أنا الرب، فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب وانتهيا إلى أمره، وكان قد أتى على موسى ثمانون سنة، وكان ابن ثلاث وثمانين سنة إذ كلما فرعون، فقال الرب لموسى وهارون، إن قال لكما فرعون: أظهرا لي آية وجريحة، قل لهارون: خذ عصاك وألقها بين يدي فرعون فتكون تنيناً عظيماً، فأتى موسى وهارون إلى فرعون فصنعا كما أمرهما الرب، فألقى عصاه - وفي نسخة السبعين: فألقى هارون عصاه - بين يدي فرعون وأمام أمرائه- وفي نسخة السبعين: وعبيده - فصارت تنيناً عظيماً، فدعا فرعون بالحكماء والسحرة، فصنع سحرة مصر أيضاً بسحرهم كذلك، فألقى كل امرىء منهم عصاه فصارت تنيناً فابتلعت عصا هارون عصيهم، فقسا قلب فرعون وأبى أن يرسلهم كما قال الرب، وقال الرب لموسى: إن قلب فرعون قد قسا وأبى أن يرسل الشعب، انطلق إلى فرعون بالغداة، هو ذا يخرج ليغتسل على شاطىء البحر، وخذ العصا التي تحولت في يدك ثعباناً وقل: وإن الرب إله العبرانيين أرسلني إليك، يقول لك: أرسل شعبي حتى يعبدني في البرية لأنك حتى الآن لا تسمع ولا تطيع، هكذا يقول الرب: بهذا تعلم أني أنا الرب، هأنذا أضرب ماء النهر بعصاي فيصير دماً، وتموت الحيتان التي في النهر وينتن - وفي نسخة السبعين: ولا يقدر أهل مصر أن يشربوا الماء من هذا النهر - وقال الرب لموسى: مر هارون أن يأخذ عصاه، وارفع يدك على ماء المصريين على أنهارهم وعلى غدرانهم وعلى آجامهم وعلى دواليب مياههم - وفي نسخة السبعين: وقال الرب لموسى: قل لهارون: خذ عصاك ومد يدك على ماء مصر وعلى أنهارها وآجامها ونقارها وعلى كل مائها المستنقع - فيتحول دماً، فيصير الدم في جميع أهل مصر في الأرض والخسب والحجارة، فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب، فرفع هارون العصا التي في يده فضرب بها ماء النهر وفرعون وعبيده ينظرون، فتحول ماء النهر فصار دماً، وماتت الحيتان التي بالنهر، ففسد ماء النهر وأنتن، ولم يقدر أهل مصر على شرب الماء من الدم،فصار الدم في جميع أرض مصر وقسا قلب فرعون فلم يطعهما كالذي قال الرب، فانصرف فرعون فدخل منزله ولم يفكر في شيء من ذلك وتهاون به، وكملت سبعة أيام من بعد ما ضرب الرب النهر، وقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون وقل له: هكذا يقول الرب: أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله فإني أضرب جميع حدودك بالضفادع فتدب الضفادع فتصعد فتدخل إلى بيتك وقيطونك وفي مبيتك وعلى مضجعك وأسرتك في بيوت عبيدك وشعبك ومخادعك وبيوت طعامك، وتدب الضفادع عليك وعلى جميع شعبك، وقال الرب لموسى: قل لهارون أخيك أن مد يدك بعصاك على الأنهار وعلى الدواليب وعلى الآجام فأصعد الضفادع على أرض مصر، فرفع هارون يده على مياه المصريين فأصعد الضفادع فغشيت أرض مصر، فدعا فرعون موسى وهارون وقال لهما: صليا بين يدي الرب فتنصرف الضفادع عني وعن شعبي حتى أرسل الشعب فيذبحوا بين يدي الرب، فقال موسى لفرعون: سل وقتاً أصلي عليك فيه وعلى عبيدك وشعبك فتنصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة السبعين: عنك وعن قومك وعن بيوتك - فقال له غداً فقال له موسى: سيكون كما سألت فتعلم أنه لا إله غير إلهنا، فيصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة السبعين: بيوتك وعن عبيدك وعن شعبك ما خلا الضفادع التي في النهر - فخرج موسى وهارون من بين يدي فرعون، فصلى موسى بين يدي الرب فاستجاب الرب لموسى، فماتت الضفادع في الدور والبيوت والرياض فجمعوها أنابير أنابير فأصلّت الأرض وأجنت - وفي نسخة السبعين: فجمعوها صبباً صبباً فأنتنت الأض - فرأى فرعون الفرج والراحة وجفا قلبه فلم يطعهما كالذي قال الرب، فقال الرب لموسى: مر هارون فيرفع عصاه ليضرب ثرى الأرض فيكون القمل في جميع أرض مصر، ففعل ذلك فدب القمل في الناس والبهائم وصار جميع ثرى الأرض قملاً في جميع أرض مصر، فصنع مثل ذلك السحرة بسحرهم فلم يقدروا أن يصرفوا القمل في الناس والبهائم، فقالت السحرة لفرعون: إن هذا فعل رب العالمين، فقسا قلب فرعون ولم يطعهما كما قال الرب، فقال الرب لموسى: أدلج باكراً وقف بين يدي فرعون، وهو ذا يخرج يغتسل - وفي نسخة السبعين: فإنه يخرج إلى الماء - فقل له: هكذا يقول الرب: أرسل شعبي فيعبدوني، فإن أنت أبيت فهأنذا مرسل - وفي نسخة السبعين: فإني مرسل - عليك وعلى شعبك وعلى أهل بيتك هوام وحشرة من كل جنس فتمتلىء - وفي نسخة: ذباب الكلب فتمتلىء - بيوت المصريين من الهوام والحشرة مثل ثرى الأرض التي هم عليها، وأميز في ذلك اليوم أرض جاسان التي يسكنها شعبي، فلا يكون فيها من الهوام والحشرة شيء لتعلم أني أنا الرب، وأميز بين شعبي وشعبك، وتكون هذه الآية غداً، وفعل الرب كذلك وأنزل الهوام على بيت - وفي نسخة: بيوت - فرعون وعبيده وعلى جميع أرض مصر، ففسدت الأرض بالهوام، فدعا فرعون موسى وهارون وقال لهما: انطلقوا فاذبحوا الذبائح لله ربكم في هذه الأرض، فقال موسى: لا يحسن بنا أن نفعل ذلك لأنا إنما نذبح للرب إلهنا من نجاسة المصريين وبدعهم، فإن نحن ذبحنا أمام آلهة المصريين رجمونا، بل ننطلق مسيرة ثلاثة أيام في القفر فنذبح هنالك للرب إلهنا على ما يأمرنا ويقول لنا، فقال فرعون: أنا أرسلكم فتذبحوا الذبائح للرب إلهكم في البرية، ولكن لا تنطلقوا فتتوانوا، بل صلوا عليّ أيضاً - وفي نسخة السبعين: ولكن لاتبعدوا وصلوا عليّ أيضاً إلى ربكم - فقال موسى لفرعون: هأنذا أخرج من بين يديك فأصلي بين يدي الرب، فيصرف الهوام والحشرة عن فرعون وعن عبيده وعن شعبه غداً، ولكن لا يعود فرعون أن يكذب في قوله ويأبى أن يرسل الشعب ليذبحوا الذبائح، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فقبل الرب صلاة موسى وصرف الهوام فلم يوجد منها ولا واحد، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضاً ولم يرسل الشعب، فقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون وقل له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله - وفي نسخة السبعين: وتمسكت به، فإن يد الرب تضرب ماشيتك التي في القفر من الخيول والحمير والبقر والغنم، فيقع فيها الوباء العظيم الصعب الشديد، ويميز الرب بين دواب بني إسرائيل وبين بهائم أهل مصر، فلا يموت من بهائم آل إسرائيل ولا واحد، ووقت الرب وقتاً ليكمل فيه هذا القول على الأرض، فأكمل الرب هذا الأمر من غد ذلك اليوم، فماتت جميع بهائم المصريين ولم يمت من دواب بني إسرائيل ولا واحد، وأرسل فرعون فإذا أنه لم يمت من دواب بني إسرائيل ولا دابة، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضاً فأبى أن يرسل الشعب، فقال الرب لموسى وهارون: خذا في حقيبتكما من رماد الأتون فيذره موسى إزاء السماء نحو فرعون، فيكون العجاج في أرض مصر، فيضرب الناس والبهائم جميعاً قروح ناتية رخوة في أرض مصر كلها، فأخذا رماد الأخدود ووقفا بين يدي فرعون فذره موسى نحو السماء أمام فرعون فظهرت قروح ناتية رخوة، فاستعلت في الناس والبهائم، فلم يقدر السحرة على الوقوف بين يدي موسى من كثرة القروح التي ظهرت في السحرة وفي جميع أهل مصر، فقسى الرب قلب فرعون فلم يسمع لهما ولم يطعهما كالذي قال الرب لموسى، فقال الرب لموسى: أدلج باكراً وقف بين يدي فرعون وقل له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: أرسل شعبي فيعبدوني وإلا فأنا مرسل في هذا الوقت ضربتي على قلبك وعلى عبيدك وعلى شعبك لتعلم أنه لا إله غيري على الأرض كلها، لأني مجمع من الآن أن أمد يدي فأضربك وشعبك بالوباء، وتبيد عن جديد الأرض، وإنما بغيتك بهذا الأمر لأظهر لك عزي وقدري ولينادي باسمي في الأرض كلها، وأنت حتى الآن تتمسك بالشعب وتأبى أن ترسله، وغداً في هذا الوقت أهبط البرد العظيم الشديد ما لم يكن - وفي نسخة السبعين: الذي لم يكن مثله - بمصر منذ اليوم الذي أسست فيه قواعدها إلى يوم الناس هذا، والآن أرسل فأدخل جميع دوابك وكل مالك في الحقل لأن كل بهيمة أو إنسان يلقى في الحقل ولا يدخل البيت يهبط عليهم البرد فيموتون، وكل من خاف كلمة الله من عبيد فرعون نقل عبيده وبهائمه إلى البيوت، والذي لم يفكر في كلمة الله وتهاون بها ترك دوابه وعبيده في الحقل، وقال الرب لموسى: ارفع يدك إلى السماء يهبط البرد على جميع أرض مصر على الناس والبهائم وجميع الحقول - وفي نسخة السبعين: على الناس والدواب وجميع نبات الصحراء - فرفع موسى عصاه نحو السماء فأرجفهم الرب بالرعد والبرد، وجعلت النار تضطرم على الأرض، فأهبط الرب البرد وكان البرد يهبط والنار تضطرم في البرد، وكان شديداًعظيماً،ولم يكن مثله في جميع أرض مصر منذ اليوم الذي سكنها بنو البشر، فضرب البرد جميع أرض مصر لكل من كان في الحقل من الناس والبهائم، وأهلك الرب جميع عشب الحقل وحطم جميع أشجار الغياض، فأما أرض جاسان التي كانت آل إسرائيل يسكنونها فلم يهبط عليها البرد، فأرسل فرعون فدعا موسى وهارون فقال لهما: قد خطئت في هذه المرة أيضاً، والرب بار وأنا وشعبي منافقون - وفي نسخة السبعين: إني قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار- فصليا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال وأناة فيصرف عنا الرجفة والرعد والبرد فأرسلكم فلا تعودوا أن تتأخروا - وفي نسخة السبعين: وأنا أرسلكم ولا أعود أن أوخركم - فقال موسى لفرعون: إذا ما خرجت من القرية أبسط يدي للرب فيصرف عنكم صوت الرعد والرجفة، ولا يعود البرد يهبط أيضاً لكي تعلم أن الأرض وما عليها لله. وأنا أعلم أنك وعبيدك إلى الآن لم ترهبوا الله ولم تخافوا عقابه، وقد هلك الكتان والشعير - وفي نسخة السبعين: وضرب البرد الشعير والكتان - لأن الشعير كان قد بدأ أن يسبل، والكتان قد بدأ أن يبزر، فأما زرع الحنطة والكثيب فلم يهلك لأنه كان متأخراً، فلما جاء موسى من القرية من بين يدي فرعون بسط - وفي نسخة السبعين: فأما زرع الحنطة والذرة فإنه لم يضرهما لأنهما كانا لقسا، وخرج موسى من عند فرعون خارج المدينة فبسط - يديه بين يدي الله نحو السماء فصرف عنهم الرعد والبرد، وانقطع المطر عن الأرض، فرأى فرعون أن القطر والبرد والرعد قد انقطع وسكن فعاد وخطأ وقسا قلب فرعون وعبيده - وفي نسخة السبعين: وقسا قلبه وقلب عبيده وجفا - ولم يرسل بني إسرائيل كرسالة الرب - وفي نسخة السبعين: على ما تكلم به الرب على يد موسى - فقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون لأني أنا الذي أقسي قلبه وقلوب عبيده، فأظهر هذه الآيات لتجر بنيك وبني بنيك بما صنعت بأهل مصر من الآيات الكثيرة التي أظهرت، فيعلموا أني أنا الرب، فأتى موسى وهارون إلى فرعون وقالا له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: حتى متى تأبى أن تخافني وترهبني! أرسل شعبي ليعبدوني، فإن أبيت أن ترسل شعبي فهأنذا محدر على جميع تخومك الجراد - وفي نسخة السبعين: فإني أجلب عليك غداً هذا الوقت جراداً عظيماً على جميع حدودك - فيغطي عين الأرض فلا يقدر إنسان على النظر إلى الأرض، فمهما أبقى لكم البرد أكله، ويأكل جميع الشجر التي تنبت لكم في الحقل، ويمتلىء منه بيوتك وبيوت عبيدك وبيوت جميع المصريين ما لم ير مثله آباؤك وأجدادك من اليوم الذي أسست الأرض إلى يوم الناس هذا، ورجعا من بين يدي فرعون فقالفرعون لعبيده: حتى متى يكون لنا هذه العثرة! يرسل القوم فيعبدون - وفي نسخة السبعين: فقال عبيد فرعون لفرعون: حتى متى يكون لنا هذا البلاء! أرسل القوم فيعبدوا - الرب إلههم أما تعلم - وفي نسخة السبعين: أو ما عملت - أن مصر قد خربت، فردوا موسى وهارون إلى فرعون فقال لهم: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، ولكم من منكم ينطلق؟ فقال له موسى: إنا ننطلق بشباننا وشيوخنا وبنينا وبناتنا وبغنمنا وبقرنا، لأنه عيد لنا للرب، فقال لهما: ليكن كما قلتما، والله يصحبكما إذا ما أرسلتكم وحشمكم، لعله أن يعرض لكم في الطريق آفة، ولكن ليس هكذا، انطلقوا الآن معاشر الرجال! اعبدوا بين يدي الرب لأنكم إنما تطلبون بذلك الراحة، فأخرجوهما من بين يدي فرعون، فقال الرب لموسى: ارفع يدك على أرض مصر فيأتي الجراد فيصعد على أرض مصر فيأكل عشب الحقل وجميع ما نجا من البرد، فرفع موسى عصاه على ارض مصر، فأهبَّ الرب على الأرض ريح السموم جميع ذلك اليوم - وفي نسخة السبعين: والرب جلب ريحاً قبلية على الأرض نهار ذلك اليوم - وتلك الليلة، فلما كان بالغداة احتملت ريح السموم الجراد، فصعد الجراد - وفي نسخة السبعين أخذت الريح القبلية الجراد وأصعدته - على جميع أرض مصر، فسقط على جميع تخوم أرض المصريين، وكان منيعاً عظيماً جداً، ولم يكن مثل ذلك الجراد فيما خلا ولا يكون مثله فيما بعده، فغطى جميع عين الأرض فأظلمت الأرض، وأكل جميع عشب الحقل وجميع الشجر التي نجت من البرد، ولم يبق في الشجر غصن ولا ورق ولا في الحقل عشب في جميع أرض مصر، فاستعجل فرعون ودعا موسى وهارون وقال لهما: قد خطئت بين يدي الله إلهكما، والآن اعفوا عن ذنبي وجهلي هذه المرة، وصليا بين يدي الرب إلهكم فيصرف عني هذه الآفة والموت، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فعاد الرب بريح السموم عاصفاً فاحتملت الجراد فقذفت به في بحر سوف - وفي نسخة السبعين: فغير الرب تلك الريح بريح من البحر شديدة فأخذت الجراد وألقته في البحر الأحمر - ولم يبق في جميع تخوم المصريين شيء من الجراد، فقسى الرب قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل، فقال الرب لموسى: ارفع يدك إلى السماء فليكن الدجى والحنادس على جميع أرض مصر فتذلهم الظلمة، فرفع موسى يده إلى السماء فكانت الظلمة والدجى - وفي نسخة السبعين: فصارت ظلمة وزوبعة - على جميع أرض مصر، ولم ير المرء منهم صاحبه ثلاثة أيام، فأما جميع بني إسرائيل فكان لهم الضياء والنور في مساكنهم، فدعا فرعون موسى فقال له: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، فأما بقركم وغنمكم فدعوها هاهنا، وأما حاشيتكم فانطلقوا بها معكم، فقال موسى لفرعون: وأنت أيضاً تعطينا من الذبائح فنذبح لله ربنا، وبهائمنا أيضاً تنطلق بها معنا، ولا يبقى منها هاهنا ظلف على الأرض لأنا إنما نأخذ من مالنا لنذبح بين يدي الرب إلهنا، ولسنا نعلم بماذا نعبد الله إذا بلغنا هناك، فقسى الرب قلب فرعون وأبى أن يرسلهم، فقال فرعون لموسى: اخرج من بين يدي واحذر أن تتراءى لي أيضاً لأن اليوم الذي تتراءى لي بين يديّ تموت فيه، قال له موسى: ما أحسن قولك! لست بعائد أن أرى وجهك، قال الرب لموسى: إني أعود أيضاً فانزل بفرعون والمصريبن ضربة واحدة، وعند ذلك أرسلكم من هاهنا، فإذا أرسلتكم فاخرجوا كلكم، وأمر الشعب وقال لهم: ليستعر المرء منكم من صاحبه والمرأة من جارتها حلي ذهب وفضة - وفي نسخة السبعين: آنية الفضة وآنية الذهب - والكسوة، وجعل الرب للشعب في قلوب المصريين محبة ورحمة، وموسى كانت له هيبة وكرامة عظيمة في جميع أرض مصر - وفي نسخة السبعين: عند المصريين وعند فرعون وعند جميع عبيده - فقال موسى: هكذا يقول الرب: إني خارج نصف الليل فأجوز في أرض مصر فأتوفى جميع أبكار مصر بكر فرعون الجالس على منبره إلى بكر الأمة التي في بيت الرجل، وتموت جميع أبكار البهائم فتسمع الولولة العظيمة والصراخ والأنين الفظيع ما لم يسمع مثله أيضاً- وفي نسخة السبعين: ولا يعود أيضاً أن يكون مثلها- فأما آل إسرائيل فلا يصاب منهم ولا الناس ولا البهائم ولا الكلب بلسانه- وفي نسخة السبعين: ولا يعوي من جميع بني إسرائيل كلب بلسانه - ليعلموا أن الرب ميز بين المصريين وآل إسرائيل، فهبط جميع عبيدك هؤلاء فيسجدون لي ويقولون: اخرج أنت وجميع الشعب معك، وعند ذلك أخرج، فخرج موسى من بين يدي فرعون بغضب شديد، فقال الرب لموسى: إن فرعون لا يطيعكما، ذلك أني مكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، وإن موسى وهارون جرحا هذه الجرائح وأظهرا هذه الآيات كلها بين يدي فرعون، فقسى الرب - وفي نسخة السبعين: وأقسى الرب - قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل عن أرضه، وقال الرب لموسى وهارون بأرض مصر: هذا الشهر- أي نيسان - يكون لكم رأس الشهور، ويكون هذا أول شهور السنة، قل لجميع جماعة بني إسرائيل في عشر من هذا الشهر فليأخذ الرجل منهم حملاً- وفي نسخة السبعين: خروفاً - لبيته وحملاً لآل أبيه، وإن كان آل البيت قليلاً لا يحتاجون إلى حمل فليشرك هو وجاره القريب إلى بيته على عدة الناس، وعدوا كل امرىء منهم على قدر أكله من الحمل، حملاً بلا عيب فيه ذكراً بيناً، يكون الحمل حويلاً من الخراف والجدي وتأخذونه، ويكون محفوظاً لكم حتى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر، ويذبحه كل جماعة من كنيسة بني إسرائيل أصيلاً، ويأخذون من دمه ويضعونه على القائمين والعتبة من البيت الذي تأكلون فيه، أي علامة - للملائكة الذين يؤمرون بقتل أبكار المصريين، وتأكلون اللحم في هذه الليلة مشوياً بفطير، ولا تأكلوا منه نيئاً ولا مطبوخاً بالماء، ولاتبقوا منه شيئاً لغد، ولا تكسروا منه عظماً، وما فضل منه إلى غد فأحرقوه بالنار، وكلوه وأنتم قيام وقد شددتم أو ساطكم ونعالكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم وكلوه بعجلة، فإنه فصح للرب، وأنا فإني أعبر في أرض مصر في هذه الليلة وأضرب كل بكر بأرض مصر من الناس والبهائم، وأعمل نقمة من جميع آلهة المصريين، أنا الرب! ويكون لكم هذا اليوم ذكراً وتعيدونه عيداً للرب لدهوركم إلى الأبد وتعيدونه سبعة أيام، وتأكلون فطيراً وتعزلون الخمير من بيوتكم من أول يوم، وكل من يأكل خميراً فإن تلك النفس تبيد من إسرائيل من اليوم الأول إلى اليوم السابع، وكل عمل يعمل فلا تعملوه فيها، واحفظوا هذه الوصية، ففي هذا اليوم خرج عسكركم من مصر، فاجعلوا هذا اليوم لدهوركم سنة، فإذا بدأ اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من العشيّ كلوا فطيراً إلى يوم إحدى وعشرين من الشهر إلى العشاء، ولا يوجد خمير في بيوتكم سبعة أيام، وكل من يأكل مخمراً فإن تلك النفس تبيد من جماعة بني إسرائيل من الملة والذمة ومن سكان الأرض، ما كان خميراً فلا تأكلوه وكلوا فطيراً في جميع مساكنكم، فدعا موسى جميع أشياخ بني إسرائيل وقال لهم: عجلوا فخذوا غنماً لقبائلكم واذبحوا الفصح وخذوا حزمة من ريحان الأدبان واغمسوها بدم الحمل ورشوا على معاقم أبوابكم ومعاضدها - وفي نسخة السبعين: على العتبة وكلا القائمين - من الدم الذي في الإناء، ولا يخرج أحد منكم من باب بيته إلى غدوة - وفي نسخة السبعين: إلى الصباح - فتحفظون هذه السنة والوصية أنتم وبنوكم إلى الأبد، وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الرب كما وعدكم فاحفظوا هذا العمل، وإذا سأل بنوكم فقالوا لكم: ما هذا الفعل؟ فقولوا لهم: هذه ذبيحة فصح الرب إذ أفصح على بيوت بني إسرائيل بمصر إذ قتل المصريين وخلص بيوتنا، فركع الشعب كله ساجداً لله وانطلق بنو إسرائيل فصنعوا كما أمر الله موسى وهارون، وفي بيوت بني إسرائيل فلما كان عند نصف الليل قتل الرب أبكار أرض مصر- وفي نسخة السبعين: كل بكر بأرض مصر - من بكر فرعون الجالس على منبره - وفي نسخة السبعين: على كرسيه - وحتى بكر السبي المحبوس في السجن وجميع أبكار البهائم فوثب فرعون في تلك الليلة هو وجميع عبيده وكل أرض مصر - وفي نسخة السبعين: وجميع المصريين - وكانت ولولة عظيمة في جميع أرض مصر لأنه لم يوجد بيت لم يكن فيه ميت، فدعا فرعون بوسى وهارون في تلك الليلة وقال لهما: انهضا فاخرجا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل أيضاً وانطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب كقولكما، وسوقوا غنمكم وبقركم أيضاً كما قلتما، وانطلقوا وصلوا عليّ أيضاً وادعوا لي، فألح المصريون على الشعب ليخرجوهم عن الأرض مسرعين لأنهم قالوا: إنا جميعاً سنموت، فحمل الشعب عجينهم قبل أن يختمر، والبارد من فطيرهم مشدوداً في عمائمهم ملقى أعناقهم، وصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى، واستعاروا من المصريين حلي ذهب وفضة وكسوة - وفي نسخة السبعين: آنية الفضة والذهب والكسوة - وجعل الرب للشعب في أعين المصريين محبة ورحمة فأعاروهم، فحربوا المصريين، وظعن بنو إسرائيل من رعمسيس - وعلى حاشية نسخة السبعين أنها عين شمس - يطلبون ساخوت ستمائة ألف رجل سوى الحشم والعيال، وصعد معهم من الغرباء أيضاً من كل خلط ومن البقر والغنم والماشية كثيراً جداً، فاختبزوا العجين الذي أخرجوه معهم من مصر رغفاً - وفي نسخة السبعين: فرانيّ - فطيراً لم يختبزوه - وفي نسخة السبعين: لم يختمر- وذلك لأن المصريين أخرجوهم فلم يقدروا أن يلبثوا، ولم يتزودوا زاداً للطريق أيضاً، وكان مسكن بني إسرائيل في أرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة، في هذا اليوم خرج جميع جنود الرب من أرض مصر- وفي نسخة السبعين: ليلاً - كان الرب وقت في سابق علمه حفظ تلك الليلة التي خرجوا فيها من مصر، وكانت هذه الليلة محفوظة معروفة لدى الرب لهلاك أبكار مصر ولإخراج جميع بني إسرائيل ليكون ذكر ذلك في جميع أحقابهم وخلوفهم، وقال الرب لموسى وهارون: هذه سنة الفصح، لا يأكل منه غريب، وكل عبد لرجل اشتراه إذا ختنه عند ذلك فأطعمه الفصح، والأجير والساكن فلا يأكل منه، في بيت واحد فليؤكل - وفي نسخة السبعين: وكل عبد لرجل اشتراه فليختتن ثم يأكل منه، الملجىء والأجير لا يأكلان منه، وليؤكل في بيت واحد - ولا تخرجوا من اللحم خارجاً من البيت شيئاً ولا تكسروا فيه عظماً، وإذا سكن معكم غريب فختن كل ذكر في بيته عند ذلك فليقترب - وفي نسخة السبعين، وليختن منهم كل ذكر ثم يدنون - من بعد ذلك إلى أكل الفصح، وليكن عند ذلك بمنزلة أهل الأرض، ولا يأكل منه أغرل، ولتكن سنة واحدة لأهل الأرض والغرباء الذين يسكنون معكم، وصنع جميع بني إسرائيل كما أمر موسى وهارون، وفي هذا اليوم أخرج الرب بني إسرائيل من أرض مصر وجميع جنودهم، وقال الرب لموسى: طهر لي كل ذكر ذكر ويفتح كل رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم يكونون لي، فقال موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، لأن الرب أخرجكم من هاهنا بيد منيعة - إلى آخر ما مضى في سورة البقرة؛ ثم ذكر في الخامس علة الفصح فقال: احفظوا شهر البهار فاعملوا فصحاً لله ربكم لأنه إنما أخرجكم من أرض مصر في شهر البهار ليلاً، فاذبحوا فصحاً لله ربكم من البقر والغنم في الموضع الذي يختار الله ربكم، فلأ تأكلوا فيه خميراً بل كلوا فطيراً سبعة أيام خبزاً يدل على التواضع لأنه إنما خرجتم من أرض مصر بعجلة لتذكروا اليوم الذي أخرجتم فيه من مصر كل أيام حياتكم، ولا يرى الخمير في حدودكم سبعة أيام، ولا يحل لكم أن تأكلوا الفصح في قرية من القرى التى يعطيكم الله ربكم، ولكن في الموضع الذي يختار الله ربكم أن يصير فيه اسمه ففيه اذبحوا الفصح، ويذبح عند غروب الشمس في الوقت الذي خرجتم من أرض مصر، ثم قال: وأحصوا سبعة سوابيع من بعد عيد الفصح، ثم اعملوا عيد السوابيع وائتوا بخواص غلاتكم للرب، كما بارك لكم الله ربكم في الموضع الذي يختار الرب أن تصيروا اسمه فيه واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر، فاحفظوا هذه السنن كلها واعملوا بها، واعملوا عيد المظال سبعة أيام إذا ما دخلتم بيادركم وخزنتم معاصركم ليبارك الله ربكم في جميع غلاتكم وفي كل عمل أيديكم، وتكونوا فرحين، ويروى ذكركم أمام الله ربكم في الموضع الذي يختار ثلاث مرات في السنة: عيد الفطر وعيد السوابيع وعيد المظال - انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إضافة - الابن في قوله: ابني بكري، وهو مؤوّل بأنه يكرمه إكرام الولد، وإطلاق الإله على غير الله سبحانه مراد به الحاكم، ولا يجوز هذا الإطلاق عندنا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الطوفان: الموت " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال {الطوفان} الموت . وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال {الطوفان} الموت على كل حال. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال {الطوفان} الغرق . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال {الطوفان} أن يمطروا دائماً بالليل والنهار ثمانية أيام، والقمل الجراد الذي ليس له أجنحة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {الطوفان} أمر من آمر ربك، ثم قرأ {أية : فطاف عليها طائف من ربك} تفسير : [القلم: 9] . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أرسل الله على قوم فرعون الطوفان ــ وهو المطر ــ فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزرع والكلأ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه عليهم ، فلما رأوه عرفوا أنه لا يبقي الزرع قالوا مثل ذلك، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد ، فداسوه وأحرزوه في البيوت فقالوا: قد أحرزنا ، فأرسل الله عليهم القمل : وهو السوس الذي يخرج من الحنطة ، فكان الرجل يخرج بالحنطة عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها بثلاثة أقفزة ، فقالوا مثل ذلك، فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل، فبينا موسى عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع من نهر فقال: يا فرعون ما تلقى أنت وقومك من هذا الضفدع؟ فقال: وما عسى أن يكون عند هذا الضفدع؟ فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ، وما منهم من أحد يتكلم إلا وثب ضفدع في فيه ، وما من شيء من آنيتهم إلا وهي ممتلئة من الضفادع. فقالوا مثل ذلك ، فكشف عنهم فلم يفوا ، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت أنهارهم دماً، وصارت آبارهم دماً، فشكوا إلى فرعون ذلك فقال: ويحكم قد سحركم؟! فقالوا: ليس نجد من مائنا شيئاً في اناء ولا بئر ولا نهر إلا ونجده طعم الدم العبيط. فقال فرعون: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنهم الدم فلم يفوا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فأرسلنا عليهم الطوفان} وهو المطر حتى خافوا الهلاك، فأتوا موسى فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر، فانا نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم المطر، فأنبت الله به حرثهم وأخصبت بلادهم ، فقالوا: ما نحب أنا لم نمطر ولن نترك إلهنا ونؤمن بك ، ولن نرسل معك بني إسرائيل . فأرسل الله عليهم الجراد فأسرع في فساد زروعهم وثمارهم ، قالوا : يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الجراد، فانا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، وكان قد بقي من زرعهم ومعائشهم بقايا، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فلن نؤمن لك ، ولن نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل الله عليهم القمل وهو الدبا فتتبع ما كان ترك الجراد، فجزعوا وخشوا الهلاك فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الدبا فإنا سنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الدبا فقالوا: ما نحن لك بمؤمنين، ولا مرسلين معك بني إسرائيل. فأرسل عليهم الضفادع فملأ بيوتهم منها، ولقو منها أذى شديداً لم يلقوا مثله فيما كان قبله، كانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفىء نيرانهم ، قالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الضفادع فقد لقينا منها بلاء وأذى، فانا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربه فكشف عنهم الضفادع، فقالوا: لا نؤمن لك ، ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل الله عليهم الدم فجعلوا لا يأكلون إلا الدم ولا يشربون إلا الدم، قالوا يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الدم ، فانا سنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا ربه فكشف عنهم الدم ، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك ولن نرسل معك بني إسرائيل. فكانت آيات مفصلات بعضها أثر بعض لتكون لله الحجة عليهم ، فأخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم في اليم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فأرسلنا عليهم الطوفان} قال: الماء والطاعون والجراد. قال: تأكل مسامير رتجهم : يعني أبوابهم وثيابهم ، والقمل الدبا ، والضفادع تسقط على فرشهم وفي أطعمتهم ، والدم يكون في ثيابهم ومائهم وطعامهم . وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال: بلغني أن الجراد لما سلط على بني إسرائيل أكل أبوابهم حتى أكل مساميرهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الجراد نترة من حوت في البحر . وأخرج العقيلي في كتاب الضعفاء وأبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجراد؟ فقال: إن مريم سألت الله أن يطعمها لحماً لا دم فيه فاطعمها الجراد ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن أبي أمامة الباهلي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مريم بنت عمران سألت ربها أن يطعمها لحماً لا دم فيه فاطعمها الجراد، فقالت: اللهم اعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياع ــ يعني الصون ــ قال الذهبي: اسناده أنظف من الأول " . تفسير : وأخرج البيهقي في سننه عن زينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : إن نبياً من الأنبياء سأل الله لحم طير لا ذكاة له ، فرزقه الله الحيتان والجراد . وأخرج أبو داود وابن ماجة وأبو الشيخ في العظمة والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن سلمان قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد؟ فقال "أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه" . تفسير : وأخرج أبو بكر البرقي في معرفة الصحابة والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لا تقاتلوا الجراد فإنه جند من جند الله الأعظم " تفسير : قال البيهقي: هذا إن صح أراد به إذا لم يتعرض لإِفساد المزارع، فإذا تعرض له جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال والقتل، أو أراد تعذر مقاومته بالقتال والقتل . وأخرج البيهقي من طريق الفضيل بن عياض عن مغيرة عن ابراهيم عن عبد الله قال: وقعت جرادة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الا نقتلها يا رسول الله؟ فقال " حديث : من قتل جرادة فكأنما قتل غوريا " تفسير : قال البيهقي: هذا ضعيف بجهالة بعض رواته، وانقطاع ما بين إبراهيم وابن مسعود . وأخرج الحاكم في تاريخه والبيهقي بسند فيه مجهول عن ابن عمر قال: وقعت جرادة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتملها فإذا مكتوب في جناحها بالعبرانية: لا يعني جنيني ولا يشبع آكلي، نحن جند الله الأكبر لنا تسع وتسعون بيضة، ولو تمت لنا المائة لأكلنا الدنيا بما فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : اللهم أهلك الجراد اقتل كبارها، وأمت صغارها، وأفسد بيضها، وسدَّ أفواهها عن مزارع المسلمين وعن معايشهم إنك سميع الدعاء ، فجاءه جبريل فقال: إنه قد استجيب لك في بعض " تفسير : قال البيهقي: هذا حديث منكر . وأخرج الطبراني وإسمعيل بن عبد الغافر الفارسي في الأربعين والبيهقي عن الحسين بن علي قال: حديث : كنا على مائدة أنا، وأخي محمد بن الحنفية، وبني عمي عبد الله بن عباس، وقثم، والفضل، فوقعت جرادة فأخذها عبد الله بن عباس، فقال للحسين: تعلم ما مكتوب على جناح الجرادة؟ فقال: سألت أبي فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي "على جناح الجرادة مكتوب: إني أنا لا الله لا إله إلا أنا رب الجرادة ورازقها، إذا شئت بعثتها رزقاً لقوم، وإن شئت على قوم بلاء. فقال ابن عباس: هذا والله من مكنون العلم" . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس: مكتوب على الجرادة بالسريانية: إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، الجراد جند من جندي أسلطه على من أشاء من عبادي . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن المسيب قال: لما خلق الله آدم فضَّل من طينته شيء فخلق من الجراد . وأخرج عن سعيد بن أبي الحسن . مثله . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال {الطوفان} المطر {والجراد} هذا الجراد. {والقمل} الدابة التي تكون في الحنطة . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: القمل: الجراد الذي لا يطير . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القمل: هو القمل . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: زعم بعض الناس في القمل أنها البراغيث . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت قال: القمل: الجعلان . وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل {والقمل والضفادع} قال: القمل: الدبا. والضفادع: هي هذه. قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول : شعر : يبادرون النحل من أنها كأنهم في الشرف القمل تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: القمل: الجنادب بنات الجراد . وأخرج أبو الشيخ عن عفيف عن رجل من أهل الشام قال: القمل: البراغيث . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف نفسها في القدر وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: لم يكن شيء أشد على آل فرعون من الضفادع، كانت تأتي القدور وهي تغلي فتلقي أنفسها فيها، فأورثها الله برد الماء والثرى إلى يوم القيامة . وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: لا تقتلوا الضفادع فانها لما أرسلت على آل فرعون انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار، طلبت بذلك مرضاة الله فأبدلهن الله أبرد شيء نعلمه الماء، وجعل نعيقهن التسبيح . وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي. أن طبيباً ذكر ضفدعاً في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: سالت النيل دماً فكان الاسرائيلي يستقي ماء طيباً ويستقي الفرعوني دماً، ويشتركان في اناء واحد فيكون ما يلي الاسرائيلي ماء طيباً وما يلي الفرعوني دماً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: أرسل الله عليهم الدم فكانوا لا يغترفون من مائهم إلا دماً أحمر، حتى لقد ذكر لنا أن فرعون كان يجمع بين الرجلين على الاناء الواحد القبطي والإِسرائيلي، فيكون ما يلي الإِسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {والدم} قال: سلط الله عليهم الرعاف. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف الشامي قال: مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات، الجراد والقمل والضفادع والدم فيأبون أن يسلموا . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة أربعين سنة يريهم الآيات، الجراد والقمل والضفاع . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {آيات مفصلات} قال: كانت آيات مفصلات بعضها على أثر بعض ليكون لله الحجة عليهم . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {آيات مفصلات} قال: يتبع بعضها بعضاً، تمكث فيهم سبتاً إلى سبت ثم ترفع عنهم شهراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان بين كل آيتين من هذه الآيات ثلاثون يوماً . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كانت الآيات التسع في تسع سنين ، في كل سنة آية .
ابو السعود
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} عقوبةً لجرائمهم لا سيما لقولهم هذا {ٱلطُّوفَانَ} أي الماءَ الذي طاف بهم وغشِيَ أماكنَهم وحروثَهم من مطر أو سَيل، وقيل: هو الجُدَريّ. وقيل: المَوَتان. وقيل: الطاعون {وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ} قيل: هو كبارُ القردان وقيل: أولادُ الجراد قبل نباتِ أجنحتِها {وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ} رُوي أنهم مُطروا ثمانيةَ أيام في ظلمة شديدةٍ لا يستطيع أن يخرُج أحدٌ من بـيته ودخل الماءُ بـيوتَهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بـيوتَ بني إسرائيلَ منه قطرةٌ وهي في خلال بـيوتِهم وفاض الماءُ على أرضهم وركدَ فمنعَهم من الحرْث والتصرّف ودام ذلك سبعةَ أيام فقالوا له عليه الصلاة والسلام: ادعُ لنا ربك يكشفْ عنا ونحن نؤمنُ بك فدعا فكُشف عنهم فنبت من العشب والكلأ ما لم يُعهَدْ قبله، ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجرادَ فأكل زروعَهم وثمارَهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابَهم ففزِعوا إليه عليه الصلاة والسلام لما ذكر فخرج إلى الصحراء وأشار بعصاه نحو المشرقِ والمغربِ فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها فلم يؤمنوا فسلط الله تعالى عليهم القُمّلَ فأكل ما أبقته الجرادُ وكان يقع في أطعمتهم ويدخُل بـين ثيابهم وجلودِهم فيمُصّها ففزِعوا إليه ثالثاً فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحرٌ ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ثوبٌ ولا طعام إلا وجدت فيه وكانت تمتلىء منها مضاجعُهم وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وإلى أفواههم عند التكلم ففزعوا إليه رابعاً وتضرعوا فأخذ عليهم العُهود فدعا فكشف الله عنهم فنقضوا العهدَ فأرسل الله عليهم الدمَ فصارت مياههم دماءً حتى كان يجتمع القِبطيُّ والإسرائيليُّ على إناء فيكون ما يليه دماً وما يلي الإسرائيليّ ماءً على حاله ويمص من فم الإسرائيليِّ فيصير دماً في فيه، وقيل: سلط الله عليهم الرُّعاف {ءايَـٰتٍ} حال من المنصوبات المذكورة {مّفَصَّلاَتٍ} مبـينات لا يشكل على عاقل أنها آيات الله تعالى ونقمته وقيل: مفرقات بعضها من بعض لامتحان أحوالهم وكان بـين كل آيتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها أسبوعاً وقيل: إنه عليه السلام لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي عن الإيمان بها {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرّجْزُ} أي العذاب المذكور على التفصيل فاللامُ للجنس المنتظمِ لكل واحدةٍ من الآيات المفصلة، أي كلما وقع عليهم عقوبةٌ من تلك العقوبات قالوا في كل مرة {قَالُواْ يا مُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي بعهده عندك وهو النبوةُ أو بالذي عهِد إليك أن تدعوَه فيجيبَك كما أجابك في آياتك، وهو صلةٌ لادْعُ أو حالٌ من الضمير فيه، بمعنى ادعُ الله متوسلاً إليه بما عهد عندك، أو متعلقٌ بمحذوف دل عليه التماسُهم، مثلُ أسعِفْنا إلى ما نطلب بحق ما عندك أو قسم أجيب بقوله تعالى: {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرّجْزَ} الذي وقع علينا {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} أي أقسَمْنا بعهد الله عندك لئن كشفت الخ.
القشيري
تفسير : جَنَّسَ عليهم العقوباتِ لمَّا نوَّعُوا وجَنَّسوا فنونَ المخالفات، فلا إلى التكفير عادوا، ولا إلى التطهير تصدوا، وعوقبوا بِصَرْفِ قلوبهم عن شهود الحقائق وذلك أبلغُ مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا.... ونعوذُ بالله من السقوط عن عين الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {فارسلنا عليهم} -روى- ان القوم لما عالجهم موسى بالآيات الاربع العصا واليد والسنين ونقص الثمرات فكفروا ودعا وكان حديدا قال يا رب ان عبدك فرعون علا فى الارض وبغى وعتا وان قومه نقضوا عهدك فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومى عظة ولمن بعدهم عبرة فارسل الله عليهم عقوبة لجرائمهم {الطوفان} اى الماء الذى طاف بهم واحاط وغشى اماكنهم وحرثهم من مطر او سيل {والجراد} فى التفسير الفارسى [ملخ برنده]. وفى حياة الحيوان الجراد البرى اذا خرج من بيضته يقال له الدباء فاذا بدت فيه الالوان واصفرت الذكور واسودت الاناث يسمى جرادا حينئذ وفى الحديث "حديث : لا تقتلوا الجراد فانه جند الله الاعظم " . تفسير : وهذا ان صح اراد به اذا لم يتعرض لافساد الزرع فان تعرض له جاز دفعه بالقتل وغيره وحديث : وقعت بين يدى النبى عليه السلام جرادة فاذا مكتوب على جناحيها بالعبرانية نحن جند الله الاكبر ولنا تسع وتسعون بيضة ولو تمت لنا المائة لاكلنا الدنيا وما فيها فقال النبى عليه السلام "اللهم اهلك الجراد اقتل كبارها وامت صغارها افسد بيضها وسد افواهها عن مزارع المسلمين وعن معايشهم انك سميع الدعاء" فجاء جبرائيل عليه السلام فقال انه قد استجيب لك فى بعضه ". تفسير : وعن حسن بن على كنا على مائدة نأكل انا واخى محمد بن الحنفية وبنوا عمى عبد الله وقثم الفضل بنى العباس فوقعت جرادة على المائدة فاخذها عبد الله وقال لى مكتوب عليها انا الله لا اله انا رب الجراد ورازقها وان شئت بعثتها رزقا لقوم وان شئت بعثتها بلاء على قوم فقال عبد الله هذا من العلم المكنون وليس فى الحيوان اكثر فسادا لما يقتاته الانسان من الجراد. واجمع المسلمون على اباح اكله قال الاربعة يحل اكله سواء مات حتف انفه او بذكاة او باصطياد مجوسى او مسلم قطع منه شيء اولا والدليل على عموم حله قوله عليه السلام "حديث : احلت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال والسمك والجراد " . تفسير : واذا تبخر انسان بالجراد البرى نفعه من عسر البول. وقال ابن سينا اذا اخذنا منها اثنا عشر ونزعت رؤسها واطرافها وجعل معها قليل آس يابس وشرب للاستسقاء نفعه. واما الجراد البحرى فهو من انواع الصدف كثير بساحل البحر ببلاد المغرب ويأكلونها كثيرا مشويا ومطبوخا ولحمها نافع للجذام {والقمل} فى التفسير الفارسى [ملخ بياده] وقيل هو كبار القردان وهو جمع قراد يقال له بالتركى "كنه" مسلط على البعير وفى الامثال اسمع من قراد وذلك انه يسمع صوت اخفاف الابل من مسيرة يوم فيتحرك وقيل هو السوس الذى يخرج من الحنطة وقيل انه شيء يقع فى الزرع وليس بجراد فيأكل السنبلة وهى غضة قبل ان تقوى فيطول الزرع ولا سنبل له وقرأ الحسن والقمل بفتح القاف وسكون الميم يريد به القمل المعروف الذى يقع فى بدن الانسان وثوبه واذا القيت القملة حية اورثت النسيان. قال الجاحظ وفى الحديث "حديث : اكل الحامض وسؤر الفار ونبذ القمل يورث النسيان " . تفسير : واذا اردت ان تعلم هل المرأة حامل بذكر او انثى فخذ قملة واحلب عليها من لبنها فى كف انسان فان خرجت من اللبن فهى جارية وان لم تخرج فهو ذكر وان حبس على انسان بوله فخذ قملة من قمل بدنه واجعلها فى احليله فانه يبول من وقته والقمل المعروف يتولد من العرق والوسخ اذا اصاب ثوبا او ريشا او شعرا حتى يصير المكان عفنا. قال الجاحظ وربما كان للانسان قمل الطباع وان تنظف وتعطر وبدل الثياب كما عرض لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام حيث استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى لباس الحرير فاذن لهما فيه ولولا انهما كانا فى حد ضرورة لما اذن فى ذلك من التشديد فيجوز لبس الثوب الحرير لدفع القمل لانه لا يقمل بالخاصية. قال فى انوار المشارق والاصح ان الرخصة لا تختص بالسفر انتهى. وفى الواقعات المحمودية ان القمل يكون من البرودة ولذلك يكثر فى الشتاء ولا يكون فى الصيف. قال السيوطى ولم يقع على ثيابه عليه السلام ذباب قط ولا اذاه القمل {والضفادع} جمع ضفدع مثل خنصر وهو الاشهر الصحيح من حيث اللغة والانثى ضفدعة وناس يقولون بفتح الدال كدرهم وانكره الخليل حيث قال ليس فى الكلام فعلل الا اربعة احرف درهم وهجدم وهبلع وبلعم وهواسم والضفادع انواع كثيرة ويكون من سفاد وغير سفاد فالذى من سفاد يبيض فى البر ويعيش فى الماء والذى من غير سفاد يتولد فى المياه القائمة الضعيفة الجرى ومن العفونات وغب الامطار الغزيرة حتى يظن انه يقع من السحاب لكثرة ما يرى منه على الاسطحة عقيب المطر والريح وليس ذلك عن ذكر وانثى وانما الله تعالى يخلقه فى تلك الساعة من طباع تلك التربة وهى من الحيوانات التى لا عظام لها وفيها ما ينق وفيها ما لا ينق والذى منها يخرج صوته من قرب اذنه وتوصف بحده السمع اذا تركت النقيق وكانت خارج الماء واذا ارادت ان لا تنق ادخلت فكها الاسفل فى الماء ومتى دخل الماء فى فيها لا تنق وما اظرف قول بعض الشعراء وقد عوتب فى كلامه شعر : قالت الضفدع قولا فسرته الحكماء فى فمى ماء وهل ينطق من فى فيه ماء تفسير : قال سفيان يقال انه ليس شيء اكثر ذكر الله منه. قال الزمخشرى تقول فى نقيقها سبحان الملك القدوس -روى- ان داود عليه السلام قال لا سبحن الله الليلة تسبيحا ما سبحه احد من خلقه فنادته ضفدع من ساقيه فى داره يا داود أتفخر على الله تعالى بتسبيحك وان لى لسبعين سنة ما جف لى لسان من ذكر الله وان لى لعشر ليال ما طعمت خضراء ولا شربت ماء اشتغالا بكلمتين قال ما هما قالت يا مسبحا بكل لسان ومذكورا بكل مكان فقال داود فى نفسه وما عسى ان اكون ابلغ من هذا وعن انس لا تقتلوا الضفادع فانها مرت بنار ابراهيم عليه السلام فحملت فى افواهها الماء وكانت ترشه على النار. وقال ابن سينا اذا كثرت الضفادع فى سنة وزادت على العادة يقع الوباء عقيبه. وفى الواقعات المحمودية تعبير الضفدع انه نقصان خفى فانه يذكر انه كان فى الاصل كيالا فلاجل نقصانه فى الكيل ادخل فيه. ومن خواصه انه اذا اخذت امرأة ضفدع الماء وفتحت فاه وبصقت فيه ثلاث مرات ورمته الى الماء فانها لا تحبل ودمه اذا طلى به الموضع الذى نتف شعره ولم ينبت ابدا وشحم الضفادع الاجامية اذا وضع على الاسنان قلعها من غير وجع. قال القزوينى ولقد كنت بالموصل ولنا صاحب فى بستان بنى مجلسا وبركة فتولدت فيها الضفادع وتأذى سكان المكان بنقيقها وعجزوا عن ابطاله حتى جاء رجل وقال اجعلوا طشتا على وجه الماء مقلوبا ففعلوا فلم يسمعوا الها نقيقا بعد ذلك {والدم} - روى - انهم مطروا ثمانية ايام فى ظلمة شديدة لا يستطيع ان يخرج واحد من بيته ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه الى تراقيهم وهى جمع ترقوة وهى العظم الذى بين ثغرة النحر والعاتق وهو موضع الرداء من المنكب ولم يدخل بيوت بنى اسرائيل منه قطرة مع انها كانت مختلطة ببيوت القبط فاض الماء على ارضهم وركد فمنعهم من الحرث والتصرف ودام سبعة ايام فقالوا له عليه السلام ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك فدعا فكشف عنهم فنبت من العشب والكلاء ما لم يعهد مثله فقالوا هذا ما كنا نتمناه وما كان هذا الماء الا نعمة علينا وخصبا فلا والله لا نؤمن بك يا موسى فنقضوا العهد واقاموا على كفرهم شهرا فبعث الله عليهم الجراد بحيث وقع على الارض بعضه على بعض ذراعا فاكل زروعهم وثمارهم وابوابهم وسقوفهم وثيابهم ولم يدخل بيوت بنى اسرائيل منه شيء ففزعوا اليه عليه السلام كما ذكر فخرج الى الصحراء واشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الى النواحى التى جاء منها بعد ان اقام فى ارضهم سبعة ايام فلم يبق جرادة واحدة ثم نظروا فاذا فى بعض المواضع من نواحى مصر بقية كلاء وزرع فقالوا هذا يكفينا بقية عامنا هذا فلا والله لا نؤمن بك فسلط الله عليهم القمل فمكث فى ارضهم سبعة ايام فلم يبق لهم عودا اخضر ولحس جميع ما فى اراضيهم مما ابقاه الجراد وكان يقع فى اطعمتهم ويدخل بين ثيابهم وجلودهم فيمصها وينهشهم ويأكل شعورهم وحواجبهم واشفار عيونهم ومنعهم النوم والقرار وظهر بهم منه الجدرى. قال الحدادى فى تفسيره هم اول من عذبوا بالجدرى وبقى فى الناس الى الان ثم فزعوا اليه عليه السلام ثالثا فرفع عنهم فقالوا قد تحققنا الان انك ساحر قالوا وما عسى ربك ان يفعل بنا وقد اهلك كل شيء من نبات ارضنا فعلى اى شيء نؤمن بك اذهب فما استطعت ان تفعل فافعله ثم ارسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ثوب ولا طعام الا وجدت فيه وكانت تمتلئ منها مضاجعهم وتثب الى قدورهم وهى تغلى والى افواههم عند التكلم وكان بعضهم لا يسمع كلام بعض من كثرة صراخ الضفادع وكانوا اذا قتلوا واحدا منها خافوا ما حول محله حتى لا يستطيعون الجلوس فيه ففزعوا اليه رابعا وتضرعوا فاخذ عليهم العهود فدعا فكشف الله عنهم بريح عظيمة نبذتها فى البحر فنقضوا العهد فارسل الله عليهم الدم فصارت مياههم وآبارها وانهارها دما احمر عبيطا حتى كان يجتمع القبطى والاسرائيلى على اناء فيكون ما يليه دما وما يلى الاسرائيلى ماء على حاله ويمص الماء من فم الاسرائيلى فيصير دما فيه شعر : قوم موسى شو بخور اين آب را صلح كن بامه ببين مهتاب را تفسير : ثم ان فرعون اجهده العطش وكانوا يأتونه باوراق الاشجار الرطبة فيمصها فتصير دما عبيطا او اجاجا وكانوا لا يأكلون ولا يشربون سبعة ايام الا الدم فقال فرعون اقسم بالهك يا موسى لئن كشفت عنا هذا الدم لنؤمنن لك فدعا فعذب ماؤهم فعادوا لكفرهم الى ان كان من امر الغرق ما كان {آيات مفصلات} حال من مفعول ارسلنا اى ارسلنا عليهم هذه الاشياء حال كونها آيات وعلامات مبينات لا يشكل على عاقل انها آيات الله ونقمته وقيل معنى مفصلات مفرقات ومنفصلات بان فصل بعضها عن بعض بزمان لامتحان احوالهم هل يعتبرون او يستمرون على المخالفة والعناد وما كان بين كل اثنين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها اسبوعا {فاستكبروا} اى تعظموا عن الايمان بها {كانوا قوما مجرمين} [كروهى مجرم يعنى معانددر كفركه باوجود تظاهر آيات وتتابع آن ايمان نياوردند].
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى إِنه لما قال فرعون وقومه ما قالوا - من أنهم لا يؤمنون، وان أتى بجميع الآيات، فانهم لا يصدقونه على نبوته - أنه أرسل عليهم الطوفان، وهو السيل الذي يعم بتفريقه الأرض، وهو مأخوذ من الطوف فيها، وقيل: هو مصدر كالرجحان والنقصان. وقال الاخفش: واحده طوفانة، وأما المفسرون فانهم اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس في بعض الروايات عنه: إِنه الغرق. وقال مجاهد: هو الموت. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان أمراً من الله تعالى طاف بهم، وقال تعالي في قصة نوح {أية : فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}تفسير : وقال الحسن بن عرفطة: شعر : غيَّر الجدة من آياتها خرق الريح بطوفان المطر تفسير : وقال الراعي: شعر : تضحى إِذا العيس أدركنا نكائثها خرقاء يعتادها الطوفان والزُّؤد تفسير : الزؤد الفزع، وقال أبو النجم: شعر : قد مدَّ طوفان فبث مددا شهراً شآبيب وشهراً بردا تفسير : وقال أبو عبيدة: الطوفان من السيل البعاق، ومن الموت الذريع. وقوله تعالى {والقمل} فاختلفوا في معناه، فقال ابن عباس - في رواية عنه - وقتادة ومجاهد: إِنه بنات الجراد، وهو الدبا صغار الجراد الذي لا أجنحة له. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد: أنه السوس الذي يقع في الحنطة. وقال ابن زيد هو البراغيث. وقال أبو عبيدة: هو الحمنان واحده حمنة. وقيل: حمنانة وهو كبار القردان. وقال الحسن وسعيد بن جبير: هو دواب صغار سود واحدته قملة، قال الأعشى: شعر : قوم تعالج قملاً أبناؤهم وسلاسلاً أجداً وباباً مؤصدا تفسير : وقوله {والضفادع} فهو جمع ضفدع، فهو ضرب من الحيوان يكون في الماء له نقيق واصطخاب، وهو معروف. وقيل: إِنه كان يوجد في فرشهم وأبنيتهم ويدخل في ثيابهم، وفيشتد أذاهم به. و {الدم} معروف وقد حده الرماني: بأنه جسم مائع أحمر مسترق عرض له الجمود كهذا الذي يجري في العروق. وقيل: إِن مياههم كانت عذبة طيبة فانقلبت دماً، فكان الاسرائيلي اذا أغترف صار ماء، واذا اغترف القبطي كان دماً، حتى ان المرأة القبطية تقول للمرأة الاسرائيلية مجِّي من فيك في فمي فاذا فعلت ذلك تحول دماً، وقال زيد بن أسلم: الذي سلط الله عليهم، كان الرعاف. وقوله {آيات مفصلات} نصب على الحال، قال مجاهد: معجزات مبينات ظاهرات وأدلة واضحات. وقال غيره: لأنها كانت تجيء شيئاً بعد شىء، وقيل: إِنها كانت تمكث من السبت الى السبت، ثم ترفع شهراً - في قول ابن جريج. قوله {فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين} معناه إِنهم مع مشاهدتهم لهذه الآيات العظيمة والمعجزات الظاهرة، أنفوا من الحق وتكبروا عن الاذعان والانقياد له، وكانوا قوماً عصاة مرتكبين للاجرام والآثام.
الأعقم
تفسير : {فأرسلنا عليهم الطوفان} ما طاف بهم وعليهم من مطر أو سيل، وعن ابن عباس: كان أول الآيات الطوفان وهو الماء، قيل: طفى الماء فوق حروثهم وذلك انهم مروا ثلاثة أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ولا يقدر أحد أن يخرج من داره، وقيل: أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم فركد ومنعهم من الحرث ودام عليهم سبعة أيام، وقيل: هو الموت، وقيل: هو الطاعون، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن لك، فدعا فرفع الله ذلك عنهم فما آمنوا، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهدوا بمثله، فأقاموا شهراً، فبعث الله عليهم {الجراد} فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب وسقوف البيوت والنبات، ولم يدخل بيوت بني اسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة، فكشف الله عنهم بعد سبعة أيام، فخرج موسى (عليه السلام) فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى المواضع التي جاء منها، فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا فأرسل الله عليهم {القُمَّل}، قيل: هو كبار القردان، وقيل: الدبا وهو أولاد الجراد التي لا أجنحة لها، وقيل: البراغيث، وقيل: السوس فأكل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده وبين قميصه، وكان إذا أكل أحدهم طعاماً يمتلئ طعامه قملاً فصاحوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزّة فرعون لا نصدقك أبداً، فأرسل الله بعد شهر عليهم الضفادع فدخل المدنية حتى ملأ الدور والفرش والآنية، ودخلت طعامهم وشرابهم حتى كانوا يجلسون عليها، وربما كانت تدخل فم المتكلم وكانت تمتلئ منها مضاجعهم فلا يقدر أحد على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي، فأقامت سبعة أيام فشكوا إلى موسى (عليه السلام) وقالوا: ارحمنا هذه المرة فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم {الدم} فصارت مياههم دماً، فشكوا إلى فرعون فقال: إنه سحركم فكان يجتمع الإِسرائيلي والقبطي على إناء فيكون ما يلي الإِسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً، ويستقيان من إناء واحد فيكون للقبطي الدم وللإِسرائيلي الماء، وروي أن المرأة الاسرائيلية تمج في فم القبطية فيصير دماً في فيها، أقاموا سبعة أيام كذلك، ثم أتوا موسى (عليه السلام) وعاهدوه وقالوا: {لئن كشفت عنَّا} إلى آخر الآية {آيات مفصلات} يتبع بعضها بعضاً {فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين} وروي أن موسى (عليه السلام) نكث فيهم بعدما غلب السحرة يريهم هذه الآيات عشرين سنة {ولما وقع عليهم الرجز} يعني نزل بهم العذاب وهو ما ذكر الله سبحانه من الطوفان وغيره، وقال عكرمة: الزجر الدم {قالوا يا موسى ادع لنا ربك} الآيات {فأغرقناهم في اليمِّ} وهو البحر الذي لا يدرك قعره.
الهواري
تفسير : قال الله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ}. قال بعضهم: فمطروا الليل والنهار ثمانية أيام ولياليهن لا يرون فيها شمساً ولا قمراً، فصرح الناس إلى فرعون، وخافوا الغرق. فأرسل فرعون إلى موسى فأتاه فقال له: يا موسى اكشف عنا فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأقلعت السماء ونَشِفَت الأرض ماءها، وأنبتت من الكلأ والزرع ما لم يروا مثله قط في مصر. فقالوا: لا والله، لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل. ولقد جزعنا من أمر كان خيراً لنا فنكثوا وعصوا. فأرسل الله عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض وبقي الجراد عليهم ثمانية أيام ولياليها لا يرون الأرض. وركب الجراد بعضه بعضاً ذراعاً. وفي تفسير مجاهد، إن الجراد أكل مسامير أبوابهم وبنيانهم. قال الله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى}... الآية. قال الكلبي: فصرخ أهل مصر إلى فرعون فأرسل إلى موسى فقال: أيها الساحر، {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} فدعا موسى ربه فأرسل الله ريحاً شديدة فاحتملت الجراد فألقته في البحر، فلم تبقِ منه جرادة واحدة. فنظر أهل مصر فإذا قد بقيت لهم بقية من زروعهم وكلإهم ما يكفيهم عامَهم ذلك. فقالوا له: والله لقد بقي لنا ما يكفينا هذه السنة، فلا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إِسرائيل. فأرسل الله عليهم القمَّل، وهو الدبى فلم يُبْقِ في أرضهم عوداً أخضر إلا أكله. فصرخوا إلى فرعون. فأرسل إلى موسى فأتاه، فقال: يا موسى اكشف عنا هذا الدبى فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأمات الدبى حتى لم تبقَ منه واحدة. فلما نظر القوم أنه لم يبقَ لهم شيء يعيشون به قالوا: يا موسى، هل تستطيع أن تفعل بنا أسوأ مما فعلت، فوالله لا نؤمن لك، ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل الله عليهم الضفادع، فدبت في أرضهم وبيوتهم ومخادعهم وظهور بيوتهم، حتى جعل الرجل منهم يستيقظ وعليه منهم ما لا يحصى. فصرخوا إلى فرعون. فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: ادع لنا ربك فليهلك هذه الصفادع من أرضنا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأذهب الضفادع من أرضهم، فأماتها. ثم أرسل مطراً فاحتملها فألقاها في البحر. فقالوا: لا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل عليهم الدم فجرت أنهارهم دماً، ودكا ماؤهم، فلم يكونوا يقدرون على الماء، وأنهار بني إسرائيل تجري ماء عذباً طيباً. فإذا دخل الرجل من آل فرعون في أنهار بني إسرائيل صار ما دخل فيه دماً، والماء من بين يديه ومن خلفه صافٍ عذب لا يقدر منه على شيء. فمكثوا ثمانية أيام ولياليهن، لا يذوقون الماء حتى بلغهم الجهد. فصرخ أهل مصر إلى فرعون: إنا قد هلكنا وهلكت دوابنا ومواشينا من الظمإ، فأرسل فرعون إلى موسى فدعاه. فأتاه فقال: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الرجز ونعطيك ميثاقنا لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
اطفيش
تفسير : {فأرْسَلنا عَليهُم الطُّوفانَ} قال فى عرائس القرآن: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم: دخل حديث بعض فى بعض لما آمن السحرة وصلبهم عدو الله فرعون، وانصرف موسى وهارون إلى عسكر بنى إسرائيل، أمر فرعون أن يكلف بنى إسرائيل ما لا يطيقونه، وكان الرجل من القبط يجىء إلى الرجل من بنى إسرائيل فيقول له: انطلق معى فاكنس خبثى، أو اعلف دوابى، واستق لى، وتجىء القبطية إلى الكريمة من بنى إسرائيل فتكلفها ما لا تطيق، ولا يطعمونهم شيئا، فإذا انتصف النهار قالوا: اذهبوا فاكسبوا لأنفسكم، ومر ما يخالف هذا فشكوا ذلك لموسى فقال: استعينوا بالله الخ، فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا الخ كنا نطعم إذا استعملونا ولا يطعمونا الآن، قال: {أية : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض} تفسير : يعنى مصر والشام {أية : فينظر كيف تعملون}. تفسير : فلما أبى فرعون وقومه إلا التمادى فى الشر والإصرار، دعا موسى ربه وكان حديدا مجاب الدعاء، وكان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا لشدة غضبه فيما قيل، قال: رب إن عبدك فرعون طغى فى الأرض وعتا عتوا كبيرا، وإن قومه نقضوا عهدك، وأحلفوا وعدك، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومى عظة، ولمن بعدهم من الأمم عبرة، فتابع عليهم الآيات: السنين، ونقص الثمرات، والطوفان، وغير ذلك، والطوفان هو كل طافٍ بالشىء وأتى عليه، والمراد هنا الماء من مطر وسيل، كثر عليهم حتى كادوا يهلكون، وكانت بيوت القبط يدخلها الماء حتى يصل إلى صدر القبطى، فلو جلس غرق، ولم يدخل بيوت بنى إسرائيل قطرة وبيوتهم مختلطة ببيوت القبط، وفاض الماء على وجه أرض القبط وحروثهم، فلم يقدروا على الحرث، ولا على عمل شىء، وجهدوا ودام ذلك عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء فنؤمن بك، ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل، وعادوا إلى شر ما كانوا عليه. وروى أنهم مطروا ثمانية أيام فى ظلمة شديدة، ولا يرون شما ولا قمرا، ولا يقدر أحد أن يخرج من داره، وبذلك قال ابن عباس، وقال مقاتل: الطوفان ماء طفا فوق حرثهم فأهلكها، وقال الضحاك: الغرق، وقال مجاهد وعطاء: الموت الذريع، وهو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روتها عائشة رضى الله عنها، وقيل: الموتان بضم الميم وهو هلاك الدواب. وعن ابن عباس، والضحاك، ومجاهد: المطر الشديد تولى عليهم حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم، وقيل: أفيض النيل عليهم. وعن ابن عباس: مصدر معمى عنى به شىء أطافه الله بهم، يعنى أنه مصدر من طاف يطوف فهو عام فى كل ما يطوف، وعن الأخفش: جمع طوفانة. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن، قيل: أرسل إلى أبكارهم فلم تبق واحدة، وفى الحديث: "حديث : الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به فى الأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه" تفسير : وقال أبو قلابة: الجدرى، ولم يكن قبل ذلك، قيل: صرخ الناس إلى فرعون وخافوا الغرق، فأرسل فرعون إلى موسى فأتاه فقال: يا موسى اكشف عنا هذا فنؤمن ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا فأقلعت السماء وانشقت الأرض ماءها، وأنبتت من الكلأ والزرع ما لم يروا مثله قط فى مطر، فقالوا: لا والله لا نؤمن ولا نرسل بنى إسرائيل، ولقد جزعنا من أمر كان خيرا لنا، فنكثوا وعصوا فأقاموا شهرا فى عافية، ثم بعث الله عليهم الجراد كما قال الله سبحانه: {والجَرادَ} الواحدة جرادة للمذكر والمؤنث، فأكل عامة زروعهم وثمارهم، وورق الشجر، وأكل الأبواب ومسامير الحديد التى فيها، والسقوف والخشب، والأمتعة والثياب، ابتلاه الله بالجوع، فكان لا يشبع، ولم تصب بنى إسرائيل جرادةٌ وكتب فى صدر كل جرادة جند الله الأعظم، وكثر فيهم حتى ركب بعضه بعضا ذراعا. وروى "حديث : أن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يدعو على الجراد ويقول: "اللهم اقطع الجراد، اللهم اقطع دابره، اللهم اعقم كباره، وأمت صغاره، وأفسد بيضه، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء" فقيل: كيف تدع على جند من جنود الله بذلك؟ فقال، "إنما الجراد نثر حوت من البحر"" تفسير : قال أبو قلابة: حدثنى من رأى الحوت ينثره، وقلَّ الجراد فى سنة من خلافة عمر رضى الله عنه، فأرسل راكبا إلى اليمن، وراكباً إلى الشام، وراكبا إلى العراق، فأتاه الراكب إلى اليمن بقبضة منه فكبر ثلاثا، وقال: خلق الله ألف أمة ستمائة فى البحر وأربعمائة فى البر، وأول أمة تهلك الجراد، فتتابع غيره كالنظام إذا قطع. وسألت مريم ربها أن يطعمها لحما بلا دم فأطعمها الجراد فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياح، أى صوت. وعن الأوزاعى بيروت رجل صالح راكب على جرادة، عليه خفان طويلان، قال الراوى: أظنه قال أحمران أيضا، يقول: الدنيا باطل ما فيها، ويشير بيده إلى موضع فينساق إليه الجراد، وذلك ملك الجراد، وأقام عليهم سبعة أيام من سبت لسبت، وقيل ثمانية، فضجوا إلى موسى لئن كشفته عنا لنؤمنن ولنرسلنّ معك بنى إسرائيل، وقيل: ضجوا إلى فرعون فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: ادع ربك يكشفه عنا نؤمن ونرسل، فدعا فكشف. وروى أنه خرج إلى الفضاء فأشار بعصاه إلى المشرق والمغرب، فرجع الجراد من حيث جاء وقالوا: قد بقى لنا ما يكفينا من الزرع والثمر، فلا نترك ديننا ولا نرسلهم، وروى أنه بقى لهم ما يقوم به رمقهم، فعادوا إلى شر ما كانوا، وقاموا شهرا فى عافية، فأرسل الله سبحانه عليهم القمل كما قال: {والقُمَّل} قال ابن عباس، وابن جبير: هو السوس الذى يخرج من الحنطة، كان يخرج أحدهم إلى الرحى عشرة أجرية ولا يرد منها إلا يسيرا، أو روى يخرج عشرة أقفزة فيرد ثلاثة، وروى أن موسى مشى بأمر الله إلى قرية من قرى مصر تسمى عين الشمس، فضرب بعصاه كثيب رمل أعفر بجانبها فانهال، فملأ فأكلُ ما بقى من زرعهم وثمارهم وشجرهم حتى لحس الأرض، ويدخل بين الثوب والجلد، فيعض ويأكل أحدهم طعاما ويمتلئ قملا. وقال ابن عباس فى رواية، ومجاهد وقتادة والسدى والكلبى: الجراد الذى يثب ولا يطير فهو كما قيل عن قتادة: أولا الجراد، وكما قيل عن على: الجراد التى لا أجنحة له، يعنى لما تنبت ولم يُبق لهم عودا أخضر، وقال أبو عبيدة: صغار القردان، وقيل: كباره، يأكل ويعض، وعن أبى العالية: أرسل صغار القردان على دوابهم فأهلكها، فلم يستطيعوا الميرة، وقال عبد الرحمن بن أسلم: البراغيث، وقال حبيب بن أبى ثابت الجعلان، وقال عطاء الخراسانى: هو القمل بفتح القاف وإسكان الميم كما قرأه الحسن، لزم جلودهم كأنه الجدرى، ومنعهم النوم والقرار، وأخذت أشعارهم وحواجبهم وأشفار عيونهم، ويمتلئ طعامهم، ويبنى أحدهم أسطوانة من جص ويزلقها حتى لا يرقاها شىء، ويجعل عليها طعامه فيجده ممتلئا قملا، وما أصيبوا ببلاء أشد عليهم منه. وقيل: حيوان صغير جدا أسود، وإن فى أرض مصر منه الآن شيئا، فجزعوا وضجوا، لئن كشف ليؤمنن وليرسلن، وقد قام فيهم سبعة أيام، وقيل ضجوا إلى فرعون، وأرسل إلى موسى مثل ما مر، فدعا فكشف فانتشر إلى أطراف الأرض، ونقضوا العهد، ورجعوا أخبث مما كانوا، وقالوا تحققنا الآن أنه ساحر، حيث جعل الرمل دواب، كيف نؤمن ونرسل وقد أهلك زرعنا وأشجارنا وأموالنا، فماذا يفعل أسوأ من ذلك، لا نؤمن به وعزة فرعون، وبقوا شهرا، وقيل: أربعين يوما فى عافية، فأرسل الله عليهم الضفادع كما قال: {والضَّفَادِعَ} أوحَى الله سبحانه أن يقوم على ضفة النيل فيغرز عصاه فيه، ويشير بالعصى إلى أدناه وأقصاه وأسفله وأعلاه ففعل، فتداعت له الضفادع بالنقيق من كل جانب، وأسمع بعضها بعضا، وخرجت من النيل كالبحر سراعا نحو باب المدينة، فدخلت عليهم بيوتهم، وامتلأت أفنيتهم وأبنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحد ثوبا ولا إناء ولا شرابا إلا وجد فيه ضفادع، وكان الضفدع يراعى ذقن الرجل إذا هم أن يتكلم وثب فيه وينام على فراشه وسريره، فيستيقظ وقد ركبته الضفادع حتى لا يستطيع أن ينصرف للشق الآخر، ولا يعجنون عجينا إلا انشدخت فيه، ولا يطبخون قدرا إلا امتلأت، وكانت تثب فى نيرانهم فتطفيها، وفى طعامهم فتفسده. وعن عكرمة، عن ابن عباس: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على فرعون سمعت وأطاعت، وجعلت تقذف نفسها فى القدور وهى تفور، وفى التنانير وهى مسحورة، أثابها - بحسن طاعتها - برد الماء، وعن ابن جبير: كان الرجل يجلس فى الضفادع إلى ذقنه، وإذا فتح فاه يتكلم أو يأكل وثبت فيه، وضجوا إلى موسى أو إلى فرعون، فأرسل إلى موسى كما مر، وقالوا: هذه المرة لا نعود، فأخذ مواثيقهم وكانت طرقهم ودورهم مملوءة بما مات منها بأرجلهم، فدعا موسى فلحق ما حيى منها بالبحر، وأرسل الله الريح فنقلت عنهم ما مات، وقيل: المطر وقد قامت عليهم من سبت لسبت، وقاموا فى عافية شهرا، وقيل أربعين يوما وقد نقضوا العهد، فأرسل الله سبحانه عليهم الدم كما قال: {والدَّمَ} صارت مياههم كلها دما، روى أن الله جل جلاله أمر موسى عليه السلام أن يضرب النيل بعصاه ففعل، وسال عليهم دما عبيطا فشكوا إلى فرعون لا شراب لنا إلا الدم، فقال: إنه سحركم فيجتمع الإسرائيلى والقبطى على إناء ماء، فيخرج للقبطى دم وللإسرائيلى ماء، ويأتى القبطى أو القبطية إلى إسرائيلى أو إسرائيلية، يصب من مائه فى القربة، فيصير فى الوعاء دما، ومن فيه فى فمه فيصير فى فم القبطى دما، وكذا المرأة والنيل يسقى الزرع والشجر على حاله، واعترى فرعون العطش، فكان يمص الأشجار فيصير ماؤها، فى فمه دما، وقيل ملحا أجاجا، وقال زيد بن أسلم: الدم الذى سلط عليهم هو الرعاف، وكانوا فى ذلك سبعة أيام من سبت لسبت، وقيل ثمانية، فضجوا إلى موسى أو لفرعون، فأرسل إلى موسى كما مر، فدعا فكشف عنهم ونقضوا، قال كعب: لبث موسى فى آل فرعون سنة بعد ما غلب السحرة يريهم الآيات: الطوفان وما بعده آية بعد أخرى كما قال الله سبحانه: {آياتٍ} حال من الطوفان وما بعده {مُفَصَّلاتٍ} واحدة بعد أخرى، يقومون فى كل واحدة سبعة أيام، وبينها وبين الأخرى شهر، وقيل ثمانية أيام أو غير ذلك مما مر، وقد قيل قعد فيهم يريهم الآيات عشرين سنة بعد ما أمر السحرة، ووجه الفصل بينهن بالزمان امتحان أحوالهم أيفون أم ينقضون، أو معنى مفصلات مبينات لا يشك عاقل فيها. {فاسْتَكبرُوا} عن الإيمان {وكانُوا قَوماً مُجْرمين * ولما وَقَعَ عَليهم الرِّجْز} هو العذاب بتلك الآيات، فكأنه قيل: لما وقعت تلك الآيات، وهذا لا يلزم منه أنهم لم يطلبوا الكشف إلا بعد وقوعها كلها، ولكنه أخبر عن نقض العهد الذى هو آخر يترتب عليه إغراقهم، وهذا كما تقول: جاء زيد وقت العصر مع أنه قد جاء وقت الظهر أيضا، ورجع وقرأ ابن محيصن، ومجاهد، وابن جبير: الرجز بضم الراء فى جميع القرآن إلا {أية : رجز الشيطان} {أية : والرجز فاهجر} تفسير : فكسرهما ابن محيصن، قال أبو حاتم: رآهما بمثابة النتن الذى يجب التطهر منه، وقال قوم منهم سعيد بن جبير: الرجز الطاعون، وأنه عذاب سادس بعد الخمس، مات به منهم فى اليوم الواحد سبعون ألفا، وروى فى ليلة واحدة، ويجمع بينهما بأن مراد من عبر باليوم هو اليوم العام لليل والنهار، فلم يستطيعوا التدافن. وروى أن موسى أمر بنى إسرائيل أن يذبحوا كبشا كبشا، ويضمخوا أبوابهم بالدم فرقا بينهم وبين القبط فى نزول العذاب، قال عياض: وهذا ضعيف، وهذه الأخبار وما شاكلها إنما تؤخذ من كتب بنى إسرائيل، فلذلك ضعف، وفى اختصاص هذه الآيات بالقبط مع اختلاط إسرائيليين بهم معجزة عظيمة، وفى توالى هذه المعجزات مع علم الله أنهم لا يؤمنون تقوية العذاب عليهم فى الآخرة حيث لم يؤمنوا بواحدة منهن مع كثرتهن ووضوحهن، وحيث ازدادوا كفرا عند كل واحدة، هذا هو الحق، وزعم بعض أهل السنة أن الجواب فى تواليها، أن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، وكونه يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل حق، لكن الجواب به فيه ضعف وقصور، قال ذلك البعض، وأما على قول المعتزلة فى رعاية المصلحة فلعله تعالى علم من قوم فرعون أن بعضهم كان يؤمن بتواليها. {قالُوا يا موسَى ادْعُ لنا ربَّك بما عَهِدَ عِنْدكَ} ما مصدرية أو اسم موصول، أى بعهده عندك، أو بالذى عهد عندك، وكل من العهد أو الذى عهده النبوة، أو دعاء عهد أن يجيبه إذا دعا به كما أجاب فى مجىء الآيات، أو جمع ما يتوسل به من طاعة ونعمة من الله، أو ما أوصاك أن تدعو به، قال شيخ الإسلام: سميت النبوة عهدا لأن الله عهد أن يكرم النبى وهو عهد أن يستقل باعبائها أو لأن فيها كلفه واختصاصا، كما بين المتعاهدين أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد، أو لأنها كعهد ومنشور يكتب للولاة ا هـ. والياء متعلق بادع، وبمحذوف حال من ضمير ادع، أى متوسلا أو مأتيا بما عهد عندك وجملة: {لَئِن كشفْتَ عنَّا الرِّجْز لنُؤمننَّ لكَ} ننقاد لك مقدر قبلها قسم، ويجوز جعل الباء للقسم، فجوابها فى تلك الجملة.
الالوسي
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} عقوبة لجرائمهم لا سيما قولهم هذا {ٱلطُّوفَانَ} أي ما طاف بهم وغشي أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل فهو اسم جنس من الطواف، وقيل: إنه في الأصل مصدر كنقصان، وهو اسم لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم كالماء الكثير والقتل الذريع والموت الجارف وقد اشتهر في طوفان الماء وجاء تفسيره هنا بذلك في عدة روايات عن ابن عباس، وجاء عن عطاء ومجاهد تفسيره بالموت، وأخرج ذلك ابن جرير وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً، وعن وهب بن منبه أنه الطاعون بلغة اليمن وعن أبـي قلابة أنه الجدري، وهم أول / من عذبوا به، وهذان القولان ينجران إلى الخبر المرفوع {وَٱلْجَرَادَ} هو المعروف واحده جرادة سمي به لجرده ما على الأرض وهو جند من جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من عباده، وأخرج أبو داود وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن أبـي زهير النميري مرفوعاً النهي عن مقاتلته معلللاً بما ذكر، وذكر البيهقي أن ذلك إن صح مراد به إذا لم يتعرض لإفساد المزارع فإذا تعرض له جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال والقتل أو أريد به الإشارة إلى تعذر مقاومته بذلك، وأخرج أبو داود ومن معه عن سليمان قال: «حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال أكثر جنود الله تعالى لا آكله ولا أحرمه» تفسير : وزعم أنه مخلوق من ذنوب ابن آدم مؤول {وَٱلْقُمَّلَ} بضم القاف وتشديد الميم قيل: هو الدبـى وهو الصغار من الجراد ولا يسمى جراداً إلا بعد نبات أجنحته، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وقيل هو القردان جمع القراد المعروف، وقيل: صغار الذر، وعن حبيب بن أبـي ثابت أنها الجعلان، وعن ابن زيد قال: زعم بعض الناس أنها البراغيث، وعن سعيد بن جبير أنها السوس وهي الدابة التي تكون في الحنطة وغيرها، ويسمى قملاً بفتح فسكون وبذلك قرأ الحسن. {وَٱلضَّفَادِعَ} جمع ضفدع كزبرج وجعفر وجندب ودرهم وهذا أقل أو مردود الدابة المائية المعروفة {وَٱلدَّمَ} معروف وتشديد داله لغة. وروي أن موسى عليه السلام لما رأى من فرعون وقومه العناد والإصرار دعا وقال: يا رب إن فرعون علا في الأرض وإن قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فأرسل الله تعالى عليهم المطر ثمانية أيام في ظلمة شديدة لم يستطع أحد لها أن يخرج من بيته فدخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منه قطرة وكانت مشتبكة في بيوتهم وفاض الماء على أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والتصرف ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا ذلك ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فنبت من العشب والكلأ ما لم يعهد مثله قبله، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا فبعث الله تعالى عليهم الجراد فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم وأمتعتهم حتى أكل مسامير الحديد التي في الأبواب ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء، فعجوا وضجوا إلى موسى عليه السلام، وقالوا له كما قالوا أولاً فخرج عليه السلام إلى الصحراء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع إلى النواحي التي جاء منها، وقيل: جاءت ريح فألقته في البحر فلم يؤمنوا، فسلط الله تعالى عليهم القمل فأكل ما أبقى الجراد وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه وإذا أراد أن يأكل طعاماً امتلأ قملاً، وقال ابن المسيب: ابتلوا بالسوس فكان الرجل منهم يخرج بعشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد إلا بثلاث أقفزة منها وأخذ حواجبهم وأشفار عيونهم وسائر شعورهم وفعل في جلودهم ما يفعله الجدري ومنعهم النوم والقرار ففزعوا إلى موسى عليه السلام فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع فامتلأت بيوتهم وأفنيتهم وأمتعتهم وآنيتهم منها فلا يكشف أحد إناء إلا وجدها فيه، وكان الرجل يجلس / في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا أراد أن يتكلم يشب الضفدع فيدخل في فيه؛ وكانت تشب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفىء نيرانهم، وإذا اضطجع أحدهم ركبته حتى تكون عليه ركاماً فلا يستطيع أن ينقلب وإذا أراد أن يأكل سبقته إلى فيه ولا يعجن عجيناً إلا امتلأ منها ففزعوا إليه عليه السلام وتضرعوا فأخذ عليهم العهود والمواثيق ودعا فكشف الله تعالى عنهم ذلك فنقضوا العهد، فأرسل الله تعالى عليهم الدم فسال النيل عليهم دماً عبيطاً وصارت مياههم دماء فكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للقبطي دم وللإسرائيلي ماء حتى إن المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل فتقول لها استقيني ماء فتصب لها من قربتها فيصير في الإناء دماً حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ فتفعل ذلك فيصير دماً. وقال ابن ابن أسلم: إن الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف. {ءايَـٰتُ} حال من الأشياء المتقدمة. {مّفَصَّلاَتٍ} مبينات لا يشك عاقل أنها آيات إلهية لا سحر كما يزعمون، أو مميزاً بعضها من بعض منفصلة بالزمان لامتحان أحوالهم وكان بين كل اثنين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها شهراً كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس، وأخرج ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كانت الآيات التسع في تسع سنين في كل سنة آية، وأخرج أحمد في «الزهد» وغيره عن نوف الشامي قال: مكث موسى عليه السلام في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات الجراد والقمل الخ فأبوا أن يسلموا. وفي رواية أبـي الشيخ عن ابن عباس أنه مكث عليه السلام بعد أن غلب أربعين سنة يريهم ما ذكر، ورأيت في «مسامرات الشيخ ابن العربـي» قدس سره أن موسى عليه السلام مكث ينذر آل فرعون ستة عشر شهراً إلى أن أغرقوا فأدخلوا ناراً ولم ينتفعوا بما رأوا من الآيات {فَٱسْتَكْبَرُواْ} عن الإيمان بها. {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها.
الواحدي
تفسير : {فأرسلنا عليهم الطوفان} ودام ذلك سبعة أيَّام، فقالوا: {يا موسى ادعُ لنا ربك} يكشف عنا فنؤمن لك، فدعا ربَّه فكشف، فلم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت عامَّة زروعهم وثمارهم، فوعدوه أن يؤمنوا إن كشف عنهم، فكشف فلم يؤمنوا، فبعث الله عليهم القمَّل، وهو الدّباء الصِّغار [البق] التي لا أجنحة لها، فتتبَّعَ ما بقي من حروثهم وأشجارهم، فصرخوا فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فعادوا بكفرهم، فأرسل الله عليهم الضَّفادع تدخل في طعامهم وشرابهم، فعاهدوا موسى أن يؤمنوا، فكشف عنهم فعادوا لكفرهم، فأرسل الله عليهم الدَّم، فسال النِّيل عليهم دماً، وصارت مياههم كلُّها دماً، فذلك قوله: {آيات مفصلات} مبيَّنات {فاستكبروا} عن عبادة الله. {ولما وقع عليهم الرجز} أَيْ: العذاب، وهو ما كانوا فيه من الجراد وما ذكر بعده {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} بما أوصاك به وتقدَّم إليك أن تدعوه به {لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل} وقوله: {إلى أجل هم بالغوه} يعني: إلى الأجل الذي غَرَّقهم فيه {إذا هم ينكثون} ينقضون العهد ولا يوفون. {فانتقمنا منهم} سلبنا نعمتهم بالعذاب {فأغرقناهم في اليم} في البحر {بأنهم كذبوا بآياتنا} جزاء تكذيبهم {وكانوا عنها غافلين} غير معتبرين بها. {وأورثنا القوم} ملَّكناهم {الذين كانوا يستضعفون} بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم {مشارق الأرض ومغاربها} جهات شرق أرض الشَّام، وجهات غربها، {التي باركنا فيها} بإخراج الزُّروع والثِّمار، والأنهار والعيون {وتمت كلمة ربك الحسنى} مواعيده التي لا خلف فيها بما كانوا يحبُّون، وذلك جزاء صبرهم على صنيع فرعون {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} أهلكنا ما عمل فرعون وقومه في أرض مصر {وما كانوا يعرشون} وما بنوا المنازل والبيوت. {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} عبرنا بهم البحر {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} يعبدونها مقيمين عليها {قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً} من دون الله {كما لهم آلهة قال إنكم قومٌ تجهلون} نعمة الله عليكم وما صنع بكم، حيث توهَّمتم أنَّه يجوز عبادة غيره. {إنَّ هٰؤلاء} يعني: الذين عكفوا على أصنامهم {متبَّرٌ ما هم فيه} مهلَكٌ ومدَمَّرٌ {وباطل ما كانوا يعملون} يعني:إنَّ عملهم للشَّيطان، ليس لله فيه نصيبٌ. {قال أغير الله أبغيكم} أطلب لكم {إلهاً} معبوداً {وهو فضلكم على العالمين} على عالمي زمانكم بما أعطاكم من الكرامات.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتٍ} {مُفَصَّلاَتٍ} (133) - فَعَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جَرَائِمِهِمْ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِم الفَيَضَانَاتِ النَّاجِمَةَ عَنِ الأَمْطَارِ الغَزِيرَةِ (الطُّوفَانَ)، وَأَرْسَلَ الجَرَادَ يَأْكُلُ زُرُوعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ، وَأَرْسَلَ القُمَّلَ (وَهُوَ السُّوسُ الذِي يَأْكُلُ الحُبُوبَ)، وَابْتَلاَهُمْ بِالضَّفَادِعِ التِي أََخَذَتْ تَمْلأُ بُيُوتَهُمْ وَتُزْعِجُهُمْ، ثُمَّ ابْتَلاَهُمْ بِالدَّمِ، فَخَالَطَ طَعَامَهُمْ وَشَرَابَهُمْ (وَقَِيلَ إِنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ النَّزيفَ الدَّمُوِيَّ الذِي يَنْجُمُ عَنْ أَمْراضٍ كَثِيرَةٍ ابْتُلُوا بِهَا). وَكَانَتْ تِلْكَ كُلُّهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، إِذْ كَانَ تَوَعَّدَهُمْ بِوُقُوعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَقَبْلَ وُقُوعِها، لِتَكُونَ دَلاَلَةً عَلَى صِدْقِهِ لاَ تَحْتَمِلُ تَأْويلاً، فَاسْتَكْبَرُوا عَنِ الإِيمَانِ بِهَا لِعُتُوِّهِمْ وَرُسُوخِهِمْ في الإِجْرَامِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَ رِسَالَتِهِ، وَصِحَّةَ قَوْلِهِ. الطُّوفَانُ - المَاءُ الكَثِيرُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "الطوفان" يراد بها طغيان ماء، والماء - كما نعلم - هو سبب الحياة، وقد يجعله الله سبباً للدمار حتى لا تفهم أن المسائل بذاتيتها، بل بتوجيهات القادر عليها، وعندما ننظر إلى الطوفان الذي أغرق من قبل قوم نوح، ولم ينج أحد إلا من ركب مع نوح في السفينة؛ وهنا مع قوم موسى لا توجد سفينة، لأن الله يريد أن يؤكد لهم العقاب على طغيانهم. وإذا كان الطوفان قد أصاب آل فرعون ومعهم بنو إسرائيل لدرجة أن الواحد منهم كانت المياه تبلغ التراقي فيبقى واقفاً لأنه لو جلس يموت، ويظل هكذا، وأمطرت عليهم السماء سبعة أيام، لا يعرفون فيها الليل من النهار ويرون أمامهم بيوت بني إسرائيل لا تلمسها المياه، وهذه معجزة واضحة، لقد عمّ الطوفان وأراد الحق أن ينجي بني إسرائيل منه دون حيلة منهم حتى لا يقال آية كونية جاءت على هيئة طوفان وانتهت المسألة، لكن الطوفان جاء لبيوتهم ولم يلمس بني إسرائيل. وقال الرواة: إن الطوفان دخل على فرعون حتى صرخ واستنجد بموسى، وقال له: كف عنا هذا ونؤمن بما جئت به، ودعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان. لكنهم عادوا إلى الكفر. وجعل الله من آياته لمحات، وإشارات، بدأت بالطوفان، وحين يوضح ربنا: أنا عذبت بالطوفان قوم نوح، وقوم فرعون، فهو يعطينا ملامح تشعرنا بصدق القضية، فيهبط السيل في أي بلد ويهدم الديار ويغرق الزرع والحيوانات، لنرى صورة كونية، وكذلك الجراد يرسله الله على فترات فيهبط في أي وقت من الأوقات، ونقيم الحملات لمكافحته، وهذا دليل على صدق الأشياء التي حكى الله عنها، فلو لم يوجد جراد ولا طوفان لكنا عرضة ألا نصدق. وابتلاهم الله بالقمل كذلك. {وَٱلْقُمَّلَ} هو غير القَمْل. فالقَمْل هو الآفة التي تصيب الإِنسان في بدنه وثيابه وتنشأ من قذارة الثياب، أما القُمَّل فقيل هو السوس الذي يصيب الحبوب، ومفردها قُمَّلَة، وقيل هو ما نسميه بالقراد، وقيل هو الحشرات التي تهلك النبات والحرث، وحين نراه نفزع ونبحث عن تخليص الزرع منه باليد والمبيدات، وكل ذلك من تنبيهات الحق للخلق، وهي مجرد تنبيه وإرشاد ولَفْتٌ للالتفات إلى الحق. وكذلك يرسل الله عليهم {وٱلضَّفَادِعَ}، وعندما يضع أي إنسان منهم يده في شيء يجد فيها الضفادع؛ فإناء الطعام يرفع عنه الغطاء فترى فيه الضفادع، والمياه التي يشربها يجد فيها الضفادع!! وإن فتح فمه تدخل ضفدعة في الفم!!. فهي آية ومعجزة، وكذلك {وٱلدَّمَ}، فكان كل شيء ينقلب لهم دماً. ويقال: إن امرأة من قوم فرعون أرادت أن تشرب ماء، فذهبت إلى امرأة من بني إسرائيل وقالت لها: خذي الماء في فمك ومُجيه في فمي، كأنها تريد أن تحتال على ربنا وتأخذ مياها من غير دم، فينتقل من فم الإسرائيلية وهو ماء، فإذا ما دخل فم المرأة التي هي من قوم فرعون صار دماً. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ...} [الأعراف: 133] وقوله سبحانه: {مُّفَصَّلاَتٍ} أي لم يأت بها جل وعلا كلها مجتمعة مع بعضها البعض لتفزعهم دفعة واحدة وتختبرهم أيعلنون الإِيمان أم لا؟ بل جاء سبحانه بكل آية مُفصلة عن الآخرى؛ فلا توجد آية مع آية أخرى في وقت واحد، أو جاء بها علامات واضحات فيها مواعظ وعبر، مما يدل على موالاة الإِنذارات للرغبة في أن يَذّكروا، وأن يرتدعوا، فلو اذكروا وارتدعوا من آية واحدة يكف عنهم سبحانه البأس. وأرسل سبحانه الآيات وهي: طوفان، جراد، قمل، ضفادع، دم، هذه آيات خمس في هذه آيات خمس في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ومن قبل قال الحق إنه أخذهم بالسنين، وكذلك نقص الثمرات، فأصبحت الآيات سبعاً، ومن قبل كانت عصا موسى التي كانت تلقف ما صنعه السحرة فصارت ثماني آيات، وكذلك "اليد البيضاء" التي أراها موسى لفرعون وملئه فيصبح العدد تسع آيات، إذن فالآيات بترتيبها هي: العصا، واليد، والأخذ بالسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. والآيات المفصلات.. هي عجائب؛ كل منها عجيبة يسلطها الله على مَن يريد إذلاله، ويبتلي الله بها نوعا من الناس ولا يبتلي بها قوماً آخرين. فماذا كان موقفهم من الآيات العجائب؟ نجد الحق يذيل الآية: {فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}. إنهم لم يؤمنوا، بل تكبروا وأجرموا في حق أنفسهم وقطعوا ما بينهم وبين الإِيمان. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلطُّوفَانَ}. قال: الطوفان الموت على كل حال. {وَٱلْجَرَادَ} تأْكل مسامير أبوابهم وثيابهم، {وَٱلْقُمَّلَ}: الدبى. {وَٱلضَّفَادِعَ}، تسقط على فرشهم وفي طعامهم {وَٱلدَّمَ}، يكون في ثيابهم ومائهم وطعامهم [الآية: 133].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ} معناهُ الموتُ الذريعُ. ويقالُ: الماءُ. فأَمطرنَا عَلَيهم مَطراً دَائِماً ثَمانية أَيام بِلِيالِيهَا. {ٱلْقُمَّلَ} السّوسُ ويقالُ: الجَرادُ الذي لاَ أجنِحَةَ لَهُ وهو الدُّبَى. ويقالُ: هي بَناتُ الجَرادِ. والقُمَّلُ. ضَربٌ مِن القِردَانِ. {ٱلرِّجْزَ} الطَّاعونُ. تفسير : وقوله تعالى: {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} معناه بَمَا أَوصاكَ بِهِ.
همام الصنعاني
تفسير : 928- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلطُّوفَانَ}: [الآية: 133]، قال: أرسل الله عليهم الماء، حتى قاموا فيه قياماً، ثم كشف عنهم فلم ينتهوا. وأخصبت بلادُهم خصْباً لم تُخْصَب مثله فأرسل الله عليهم الجراد فأكلته إلا قَلِيلاً فلم يؤمنوا فأرسَلَ الله عليهم القُمَّل، وهي الدبى أولاد الجراد فأكَلَتْ ما بقى من زرعهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع فدخلت عليهم بيوتهم ووقعت في آنِيَتِهِم وفرشهم فلم يؤمنوا، ثم أرسل الله تعالى عليهم الدم فكانوا إذا أراد أحدهم أن يشرب ماء تحول الماء دماً، قال الله تعالى: {آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَٱسْتَكْبَرُواْ}: [الآية: 133] {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ}: [الآية: 134]، يقول: العذاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):