٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
136
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن المعنى أنه تعالى، لما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات ولم يمتنعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم بلغوا الأجل المؤقت انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق، والانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب، واليم البحر، قال صاحب «الكشاف»: اليم البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه، واشتقاقه من التيمم، لأن المستقين به يقصدونه وبين تعالى بقوله: {بأَنَّهُمْ كَذّبوا بِئَايَٰتِنَا} أن ذلك الانتقام هو لذلك التكذيب. وقوله: {وَكَانُواْ عَنهَا غَـٰفِلِينَ } اختلفوا في الكناية في عنها فقيل أنها عائدة إلى النقمة التي دل عليها قوله: {ٱنتَقَمْنَا } والمعنى وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين، وقيل الكناية عائدة إلى الآيات وهو اختيار الزجاج. قال: لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم. فإن قيل: الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على الغفلة. قلنا: المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها، فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها. فإن قيل: أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة؟ فكيف يكون الانتقام لهذين دون غيرهما. قلنا: ليس في الآية بيان أنه تعالى انتقم منهم لهذين معاً دلالة على نفي ما عداه، والآية تدل على أن الواجب في الآيات النظر فيها، ولذلك ذمهم بأن غفلوا عنها، وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم.
البيضاوي
تفسير : {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} فأردنا الانتقام منهم. {فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ} أي البحر الذي لا يدرك قعره. وقيل لجته. {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. وقيل الضمير للنقمة المدلول عليها بقوله: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ}.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا، مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة، واحدة بعد واحدة، انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم، وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما استكملوا فيه، ارتطم عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها، وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون، وهم بنو إسرائيل، مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } تفسير : [القصص: 5-6] وقال تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ } تفسير : [الدخان: 25-28] وعن الحسن البصري وقتادة في قوله: {مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} يعني: الشام، وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} قال مجاهد وابن جرير: وهي قوله تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } تفسير : [القصص: 5-6] وقوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} أي: وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} قال ابن عباس ومجاهد: {يَعْرِشُونَ}: يبنون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِي ٱلْيَمِّ } البحر المالح {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَٰفِلِينَ } لا يتدبرونها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يستقلون. والثاني: يستذلون وهم بنو إِسرائيل. {مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يريد الشرق والغرب، قاله ابن عيسى. والثاني: أرض الشام ومصر، قاله الحسن. والثالث: أرض الشام وحدها شرقها وغربها، قاله قتادة. {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} فيه قولان: أحدهما: بالخصب. والثاني: بكثرة الأنهار والأشجار والثمار. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} فيها قولان: أحدهما: أن تمام كلمة الحسنى ما وعدهم من هلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض بقوله: {عَسَى رَبُّكُم أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُم وَيَسْتَخْلِفَكُم} وسماها الحسنى لأنه وعد بما يحبون. والثاني: هو قوله تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِنَ لَهُم فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} تفسير : [القصص: 5،6]. وفي قوله: {بِمَا صَبَرُواْ} وجهان: أحدهما: بما صبروا على أذى فرعون. والثاني: بما صبروا على طاعة الله.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: فانتقم الله منهم بعد ذلك فأغرقهم في اليم . وأخرج ابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال {اليم} البحر . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال {اليم} هو البحر . قوله تعالى {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} . أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الحسن في قوله {مشارق الأرض ومغاربها} قال: هي أرض الشام . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن قتادة في قوله {مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} قال: هي أرض الشام . وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن شوذب في قوله {مشارق الأرض ومغاربها} قال: فلسطين. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله {التي باركنا فيها} قال: قرى الشام . وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش . وأخرج ابن عساكر عن أبي الأغبش، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنه سئل عن البركة التي بورك في الشام أين مبلغ حده؟ قال: أول حدوده عريش مصر، والحد الآخر طرف التنية، والحد الآخر الفرات، والحد الآخر جعل فيه قبر هود النبي عليه السلام . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان قال: إن ربك قال لإِبراهيم عليه السلام: أعمر من العريش إلى الفرات الأرض المباركة، وكان أول من اختتن وقرى الضيف . وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: دمشق بناها غلام إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان حبشياً وهبه له نمرود بن كنعان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق فسماها على اسمه، وكان إبراهيم جعله على كل شيء له، وسكنها الروم بعد ذلك بزمان . وأخرج ابن عساكر عن أبي عبد الملك الجزري قال: إذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كان الشام في رخاء وعافية ، وإذا كان الشام في بلاء وقحط كانت فسلطين في رخاء وعافية ، وإذا كانت فلسطين في بلاء وقحط كان بين المقدس في رخاء وعافية، وقال: الشام مباركة، وفلسطين مقدسة، وبيت المقدس قدس ألف مرة . وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت لأبي سلام الأسود ما نقلك من حمص إلى دمشق؟ قال: بلغني أن البركة تضعف بها ضعفين . وأخرج ابن عساكر عن مكحول. أنه سأل رجلاً أين تسكن؟ قال: الغوطة. قال له مكحول: ما يمنعك أن تسكن دمشق؟ فإن البركة فيها مضعفة . وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: مكتوب في التوراة أن الشام كنز الله عز وجل من أرضه بها كنز الله من عباده ، يعني بها قبور الأنبياء إبراهيم وإسحق ويعقوب . وأخرج ابن عساكر عن ثابت بن معبد قال: قال الله تعالى : يا شام أنت خيرتي من بلدي أسكنك خيرتي من عبادي . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والروياني في مسنده وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال " حديث : طوبى للشام. قيل له : ولم؟ قال: أن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم " . تفسير : وأخرج البزار والطبراني بسند حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : إنكم ستجندون أجناداً، جنداً بالشام ومصر والعراق واليمن. قلنا : فَخِرْ لنا يا رسول الله. قال: عليكم بالشام فإن الله قد تكفل لي بالشام " . تفسير : وأخرج البزار والطبراني بسند ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : إنكم ستجندون أجناداً. فقال رجل : يا رسول الله خِرْ لي . فقال: عليك بالشام فإنها صفوة الله من بلاده فيها خيرة الله من عباده ، فمن رغب عن ذلك فليلحق بنجدة فإن الله تكفل لي بالشام وأهله " . تفسير : وأخرج أحمد وابن عساكر عن عبد الله بن حوالة الأزدي. أنه قال: يا رسول الله خرْ لي بلداً أكون فيه. فقال " حديث : عليك بالشام ان الله يقول : يا شام أنت صفوتي من بلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي. ولفظ أحمد. فإنه خيرة الله من أرضه يجتبي إليه خيرته من عباده ، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله " . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن وائلة بن الأسقع "حديث : سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: عليكم بالشام فانها صفوة بلاد الله يسكنها خيرته من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه ويسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله " . تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن حوالة الأزدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إنكم ستجندون أجناداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن. فقال الحوالي : خر لي يا رسول الله. قال: عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله " . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام. وأخرج ابن عساكر عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله على بعض الأنبياء: إن الله يقول: الشام كنانتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم . وأخرج ابن عساكر والطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم " حديث : ستفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكاً، فإذا فتحها فاحتلها فأهل الشام مرابطون إلى منتهى الجزيرة ، فمن احتل ساحلاً من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجة وابن عساكر عن قرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة " . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام ، فإن لم يكن منها أسريَ به إليها . وأخرج الحافظ وأبو بكر النجاد في جزء التراجم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بينا أنا نائم رأيت عمود الإِسلام احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فاتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا فإن الإِيمان حين تقع الفتن بالشام " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الشام أرض المحشر والمنشر " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أيوب الأنصاري قال: ليهاجرن الرعد والبرق والبركان إلى الشام . وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم بن عبد الرحمن قال: مد الفرات على عهد عبد الله، فكره الناس ذلك فقال: يا أيها الناس لا تكرهوا مده فإنه يوشك أن يلتمس فيه طست من ماء فلا يوجد، وذلك حيث يرجع كل ماء إلى عنصره، فيكون الماء وبقية المؤمنين يومئذٍ بالشام . وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: أحب البلاد إلى الله الشام، وأحب الشام إليه القدس، وأحب القدس إليه جبل نابلس، ليأتين على الناس زمان يتماسحونه كالحبال بينهم . وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : دخل إبليس العراق فقضى منها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بيسان، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقرية " . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: دخل الشيطان بالمشرق فقضى قضاءه، ثم خرج يريد الأرض المقدسة الشام فمنع، فخرج على ساق حتى جاء المغرب فباض بيضه وبسط بها عبقرية . وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: إني لأجد تردد الشام في الكتب، حتى كأنه ليس الله حاجة إلا بالشام . وأخرج أحمد وابن عساكر عن ابن عمر " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا. قالوا: وفي نجدنا. وفي لفظ: وفي مشرقنا. قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان. زاد ابن عساكر في رواية: وبها تسعة اعشار الشر " . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر وقال: قال رسول الله صلى عليه وسلم " حديث : الخير عشرة أعشار تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان، والشر عشرة اعشار واحد بالشام وتسعة في سائر البلدان، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم " . تفسير : وأخرج الطبراني وابن عساكر عن عبد الله بن مسعود قال: قسم الله الخير فجعله عشرة أعشار، فجعل تسعة اعشاره بالشام وبقيته في سائر الأرضين، وقسم الشر فجعله عشرة أعشار، فجعل تسعة اعشاره بالشام وبقيته في سائر الأرضين . وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: نجد هذه الأرض في كتاب الله تعالى على صفة النسر فالرأس الشام، والجناحان المشرق والمغرب ، والذنب اليمن، فلا يزال الناس بخير ما بقي الرأس، فإذا نزع الرأس هلك الناس، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا تبقى جزيرة من جزائر العرب إلا وفيهم مقنب خيل من الشام يقاتلونهم على الإِسلام لولاهم لكفروا . وأخرج ابن عساكر عن إياس بن معاوية قال: مثلت الدنيا على طائر فمصر والبصرة والجناحان، والجزيرة الجؤجؤ، والشام الرأس، واليمن الذنب . وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: رأس الأرض الشام . وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: إني لاجد في كتاب الله المنزل: إن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عاماً . وأخرج ابن عساكر عن بحير بن سعد قال: تقيم الشام بعد خراب الأرض أربعين عاماً . وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ستخرج نار من حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس. قلنا يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: يوشك أن تخرج نار من اليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدوا معهم إذا غدوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتروح معهم إذا راحوا، فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام . وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فاتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وان الإِيمان إذا وقعت الفتن بالشام " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الليث بن سعد في قوله {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} قال: هي مصر ، وهي مباركة في كتاب الله . وأخرج ابن عبد الحكم في تاريخ مصر ومحمد بن الربيع الجيزي في مسند الصحابة الذين دخلوا مصر عن عبد الله بن عمرو قال: مصر أطيب أرض الله تراباً وأبعده خراباً، ولن يزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرضين بركة . وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو قال: من أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها وتنور ثمارها . وأخرج ابن عبد الحكم عن كعب الأحبار قال: من أراد أن ينظر شبه الجنة فلينظر إلى أرض مصر إذا أزهرت . وأخرج ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة قال: كان عمرو بن العاصي يقول: ولاية مصر جامعة لعدل الخلافة . وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي.... قال : خلقت الدنيا على خمس صور على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الأيمن العراق، والجناح الأيسر السند والهند، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشر ما في الطير الذنب . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن نوف قال: إن الدنيا مثلت على طير فإذا انقطع جناحاه وقع، وإن جناحي الأرض مصر والبصرة، فإذا خربا ذهبت الدنيا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وتمت كلمة ربك الحسنى} قال: ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن موسى بن علي عن أبيه قال: كانت بنو إسرائيل بالربع من آل فرعون ووليهم فرعون أربعمائة وأربعين سنة، فاضعف الله ذلك لبني اسرائيل فولاهم ثمانمائة عام وثمانين عاماً. قال: وإن كان الرجل ليعمر ألف سنة في القرون الأولى ، وما يحتلم حتى يبلغ عشرين ومائة سنة . وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: لو أن الناس إذ ابتلوا من سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه ، والله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا هذه الآية {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا} . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: ما أوتيت بنو اسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم ، وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير . وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: إذا جاء أمر لا كفاء لك به فاصبر وانتظر الفرج من الله . وأخرج أحمد عن بيان بن حكيم قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فشكا إليه جاراً له قال: اصبر فإن الله سيجيرك منه، فما لبث أن أتى معاوية فحباه وأعطاه ، فأتى أبا الدرداء فذكر ذلك له قال: إن ذلك لك منه جزاء . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} قال: إن الله تعالى لا يملي للكافر إلا قليلاً حتى يوبقه بعمله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما كانوا يعرشون} قال: يبنون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وما كانوا يعرشون} قال: يبنون البيوت والمساكن ما بلغت، وكان عنبهم غير معروش. والله أعلم .
اسماعيل حقي
تفسير : {فانتقمنا منهم} الفاء لسببية النكث للانتقام والعقاب واريد بالانتقام نتيجته وهو الاهلاك ومثله الغضب لان التشفى فى حقه تعالى محال. قال ابن الشيخ الانتقام العقاب الواقع على مجازاة السيئة بالسيئة وانما اسند الانتقام الى ذاته الانبياء وكمل الاولياء كانوا فانين عما سوى الله باقين بالله فكان الله خليفتهم فى اخذ الانتقام من اعدائهم. والمعنى فاردنا الانتقام منهم اى من فرعون وقومه لما اسلفوا من المعاصى والجرائم فانه قوله تعالى {فاغرقناهم} عين الانتقام منهم فلا يصح دخول الفاء بينهما فاطلق اسم المسبب على السبب تنبيها على ان الانتقام لم ينفك عن الارادة ويجوز ان يكون المراد مطلق الانتقام. والفاء تفسيرية كما فى قوله تعالى {أية : ونادى نوح ربه فقال رب} تفسير : [هود: 45]. الخ {فى اليم} اى فى البحر الذى لا يدرك قعره او فى لجته ولجة البحر معظم مائه. قال الحدادى فى اليم اى فى البحر لبسان العبرانية وهى لغة اليهود وفى التفسير الفارسى {فى اليم} [در درياى قلزم بنزديك مصر] وذلك ان الله تعالى امر موسى ان يخرج ببنى اسرائيل فاستعار نسوة بنى اسرائيل من نساء آل فرعون حليهم وقلن ان لنا خروجا الى عيد فخرج ببنى اسرائيل فى اول الليل وهم ستمائة الف من رجل وامرأة وصبى فبلغ الخبر فرعون فركب ومعه الف الف ومائتا الف فادركهم فرعون حين طلعت الشمس وانتهى موسى الى البحر فضرب البحر فانفلق اثنى عشر طريقا وكانت بنو اسرائيل اثنى عشر سبطا فعبر كل سبط طريقا فاقبل فرعون ومن معه فدخلوا بعدهم من حيث دخلوا فلما صاروا جميعا فى البحر امر الله البحر فالتطم عليهم فغرقوا {بانهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} تعليل للاغراق اى كان اغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات التسع التى جاء بها موسى واعراضهم عنها وعدم تفكرهم فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية والفاء وان دلت على ترتيب الاغراق على ما قبله من النكث لكنه صرح بالتعليل ايذانا بان مدار جميع ذلك تكذيب آيات الله والاعراض عنها ليكون ذلك مزجرة للسامعين عن تكذيب الآيات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والاعراض عنها.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه بعد أن أظهر الآيات التي مضى ذكرها وفزع قوم فرعون الى موسى ليسأل الله أن يرفع عنهم العذاب، فانهم اذا رفع عنهم ذلك آمنوا، ففعل موسى، ورفع الله عنهم ذلك، ولم يؤمنوا ونكثوا ما عهدوا به من القول وأنه انتقم منهم، ومعناه سلب نعمهم بانزال العذاب عليهم وحلول العقاب بهم. وقوله {فأغرقناهم في اليم} فالاغراق في الأمر أو النزع، فهو مشبه بالاغراق في الماء. و {اليم} البحر في قول الحسن وجميع أهل العلم - قال ذو الرمة: شعر : دِّويَّة ودجى ليل كأنهما يمّْ تواطن في حافاته الروم تفسير : وقال الراجز: شعر : كبازخ اليم سقاه اليم تفسير : وقوله تعالى {بأنهم كذبوا بآياتنا} معناه إِنا فعلنا بهم ذلك جزاء بما كذبوا من آيات الله وحججه وبراهينه الدالة على نبوة موسى وصدقه {وكانوا عنها غافلين} معناه أنهم أنزل عليهم العذاب وكانوا غافلين عن نزول ذلك بهم. والغفلة حال تعتري النفس تنافى الفطنة واليقظة تقول: غفل يغفل غفولا، وغفلا وغفلة، وتغافل تغافلاً وأغفل الأمر إِغفالاً، واستغفله استغفالا، واغتفله اغتفالا وتغفل تغفلا، وغفله تغفيلا وهو مغفل. فإِن قيل كيف جاء الوعيد على الغفلة، وليست من فعل البشر؟! قلنا عنه ثلاثة أجوبة: أحدها - أنهم تعرضوا لها حتى صاروا، لا يفطنون بها. الثاني - أن الوعيد على الاعراض عن الآيات حتى صاروا كالغافلين عنها. الثالث - أن المعنى وكانوا عن النعمة غافلين ودل عليه (انتقمنا).
الجنابذي
تفسير : {فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} من عطف التّفصيل على الاجمال او بتضمين انتقمنا معنى اردنا {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} من حيث انّها آيات ولذلك كّذبوا بها فيكون من العطف للتّعليل، ورد فى الخبر: انّ السّحرة لمّا سجدوا لموسى (ع) وآمن به النّاس قال هامان لفرعون: انّ النّاس قد آمنوا بموسى (ع) فانظر من دخل فى دينه فاحبسه فحبس كلّ من آمن به من بنى اسرائيل فجاء اليه موسى (ع) فقال له: خلّ عن بنى اسرائيل؛ فلم يفعل، فأنزل الله عليهم فى تلك السّنَة الطّوفان فخرّب دورهم ومساكنهم حتّى خرجوا الى البرّيّة وضربوا الخيام، فقال فرعون لموسى (ع): ادع حتّى يكفّ عنّا الطّوفان حتّى اخلّى عن بنى اسرائيل واصحابك، فدعا موسى (ع) ربّه فكفّ عنهم الطّوفان وهمّ فرعون ان يخلّى عن بنى اسرائيل فقال هامان: ان خلّيت عن بنى اسرائيل غلبك موسى (ع) وازال ملكك فقبل منه ولم يخلّ عن بنى اسرائيل، فانزل الله عليهم فى السّنة الثّانية الجراد فجرّدت كلّ شيءٍ كان لهم من النّبت والشّجر حتّى كانت تجرّد شعرهم ولحيتهم، فجزع فرعون لذلك جزعاً شديداً وقال: يا موسى ادع ربّك ان يكفّ عنّا الجراد حتّى اخلّى عن بنى اسرائيل واصحابك، فدعا موسى ربّه فكفّ عنهم الجراد فلم يدعه هامان ان يخلّى عن بنى اسرائيل، فأنزل الله عليهم فى السّنة الثّالثة القمّل فذهبت زروعهم واصابتهم مجاعة شديدة؛ فقال مقالته السّالفة فكشف عنهم القمّل وقال: اوّل ما خلق الله القمّل فى ذلك الزّمان فأرسل عليهم بعد ذلك الضّفادع فكانت تكون فى طعامهم وشرابهم ويقال: انّها تخرج من ادبارهم وآذانهم وآنافهم فجزعوا وقالوا مثل مقالتهم الاولى ولم يفوا؛ فحوّل الله عليهم النّيل دماً فكان القبطىّ رآه دماً والاسرائيلى ماءً، والقبطىّ يشربه دماً والاسرائيلىّ ماءً، فيقول القبطّى للاسرائيلىّ: خذ الماء فى فمك وصبّه فى فىّ فكان اذا صبّه فى فمه يحول دماً، فجزعوا وقالوا كما قالوا؛ ولم يفوا فأرسل الله تعالى عليهم الرّجز وهو الثّلج فماتوا وجزعوا واصابهم ما لم يعهدوه فشكف عنهم الثّلج فخلّى عن بنى اسرائيل فاجتمعوا وخرج موسى (ع) من مصر واجتمع اليه من كان هرب من فرعون وبلغ فرعون ذلك فقال هامان: قد نهيتك ان تخلّى عن بنى اسرائيل فقد استجمعوا اليه فجزع فرعون وبعث فى المدائن حاشرين وخرج فى طلب موسى (ع) فغرق فى اليم.
اطفيش
تفسير : {فانْتقَمنا مِنْهُم} أى أردنا الانتقام منهم، {فأغْرقنَاهُم} وإنما أولت الانتقام بإرادته لأنه بالإغراق، ويجوز أن يترك على حاله، فالفاء بعده لتفصيل مجمل، وقد ذكر النحاة مثل هذا {فى اليمِّ} البحر بحر القلزم، وقيل: بحر النيل، وعن بعضهم اليم البحر الذى لا يدرك قعره، وقيل اليم لجة البحر، ومعظم مائه وهو من التيمم بمعنى القصد، فإن المستنفعين به يقصدونه، وزعم بعض أن قوله تعالى: {أية : فاقذفيه فى اليم} تفسير : يدل على أن اليم هنا بحر النيل ومعظم مائه. {بأنَّهم كذَّبُوا} التاء للسببية {بآياتِنا وكانُوا} عطف على كذَّبوا، أى بتكذيبهم بآياتنا، وكونهم {عَنْها} أى عن آياتنا {غَافِلينَ} معرضين غير متفكرين فيها، كمن غفل عن شىء ولم يحضر فى قلبه، أكان أم لا، وإلا فالغفلة من الأمور الضرورية، ليست باكتساب، فضلا عن أن يكون سببا للإهلاك، وادعى بعضهم أن الضمير فى عنها للنقمة لمدلول عليها بانتقمنا.
اطفيش
تفسير : {فانْتُقَمْنَا مِنْهُمْ} أَى أَردنا الانتقام منهم لمعاصيهم وليس المراد فعلنا الانتقام وهو الإِغراق لأَنه يتكرر مع قوله: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِى اليَمِّ} وينافيه العطف بالفاء إِذ يلزم عليه عطف الشئِ على نفسه بالفاء فيكون الشئَ بعد نفسه باتصال، فكيف لو كان بانفصال، ولك اعتبار الانتقام مجملا فعطف عليه الفاء عطف مفصل على مجمل كقوله تعالى "أية : ونادى نوح ربه فقال رب" تفسير : [هود: 45] الآية.. واليم البحر مطلقا أَو قعر البحر، أَو لجته والمراد القلزم أَو النيل وهو الماء المغرق، وقيل: لا يسمى بحرًا إِن كان عذبا، وإِن قوله "أية : وما يستوى البحران" تفسير : [فاطر: 12] الآية، تغليب، ولعل الخلاف فى اليم، هل يسمى به العذب، لا فى البحر، وسمى البحر يمًّا لأَنه يقصد بالانتفاع، من معنى يمم وتيمم، أَى قصد {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بسبب تكذيبهم بآياتنا {وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} كغافل عن الشئ لم يره ولم يسمعه، فكيف يتدبره مع ذلك؟ ولا حاجة إِلى رد ضمير عنها إِلى القمة المعلومة من انتقمنا إِذ هو خلاف الأَصل لحصول الخروج عن إِشكال أَن الغفلة ضرورية لا عقاب عليها بأَن المراد شبهها لا حقيقتها.
الالوسي
تفسير : {فَٱنْتَقَمْنَا منْهُمْ} أي فأردنا الانتقام منهم، وأول بذلك ليتفرع عليه قوله سبحانه: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} وإلا فالإغراق عين الانتقام فلا يصح تفريعه عليه. وجوز أن تكون الفاء تفسيرية وقد أثبتها البعض كما في قوله تعالى: {أية : ونادى نوح ربه فقال رب} تفسير : [هود: 45] الخ وحينئذٍ لا حاجة إلى التأويل {في ٱلْيَمِّ} أي البحر كما روي عن ابن عباس والسدي رضي الله تعالى عنهم، ويقع على ما كان ملحاً زعافاً وعلى النهر الكبير العذب الماء ولا يكسر ولا يجمع جمع السلامة، وقال الليث: هو البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر وهو عربـي في المشهور. وقال ابن قتيبة: إنه سرياني وأصله كما قيل إلى ما ترى والقول بأنه اسم للبحر الذي غرق فيه فرعون غريق في يم الضعف {بأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِأَياتِنَا} تعليل للإغراق يعني أن سبب الإغراق وما استوجبوا به ذلك العقاب هو التكذيب بالآيات العظام وهو الذي اقتضى تعلق إرادة الله تعالى به تعلقاً تنجيزياً وهذا لا ينافي تفريع الإرادة على النكث لأن التكذيب هو / العلة الأخيرة والسبب القريب ولا مانع من تعدد الأسباب وترتب بعضها على بعض قاله الشهاب ونور الحق ساطع منه، وقال شيخ الإسلام: الفاء وإن دلت على ترتب الإغراق على ما قبله من النكث لكنه صرح بالتعليل إيذاناً بأن مدار جميع ذلك تكذيب آيات الله تعالى (وما عطف عليه) ليكون ذلك مزجرة للسامعين عن تكذيب الآيات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى، وفيه مناقشة لا تخفى. {وَكَانُوا عَنْهَا غَافلينَ} الضمير المجرور للآيات، والغفلة مجاز عن عدم الذكر والمبالاة أي بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم مبالاتهم بها وتفكرهم فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية وإلا فالمكذب بأمر لا يكون غافلاً عنه للتنافي بين الأمرين، وفي ذلك إشارة إلى أن من شاهد مثلها لا ينبغي له أن يكذب بها مع علمه بها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير للنقمة وأريد بها الغرق كما يدل عليه ما قبله، وعليه فيجوز أن تكون الجملة حالية بتقدير قد، ولا مجاز في الغفلة حينئذٍ والأول أولى كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : هذا محل العبرة من القصة، فهو مفرع عليها تفريع النتيجة على المقدمات والفذلكة على القصة، فإنه بعد أن وصف عناد فرعون وَمَلَئهِ وتكذيبَهم رسالة موسى واقتراحهم على موسى أن يجيء بآية ومشاهدتهم آية انقلاب العصا ثعباناً، وتغيير لون يده، ورميَهم موسى بالسحر، وسوء المقصد، ومعارضة السحرة معجزة موسى وتغلب موسى عليهم، وكيف أخذ الله آل فرعون بمصائِب جعلها آيات على صدق موسى، وكيف كابروا وعاندوا، حتى ألْجِئوا إلى أن وعدوا موسى بالإيمان وتسريح بني إسرائيل معه وعاهدوه على ذلك، فلما كشف عنهم الرجز نكثوا، فأخبر الله بأن ذلك ترتب عليه استئصال المستكبرين المعاندين، وتحريرُ المؤمنين الذين كانوا مستضعفين. وذلك محل العبرة، فلذلك كان الموقع في عطفه لفاء الترتيب والتسبب، وقد اتبع في هذا الختام الأسلوبُ التي اختتمت به القصص التي قبل هذا. والانتقام افتعال، وهو العقوبة الشديدة الشبيهة بالنّقْم. وهو غضب الحنق على ذنْببِ اعتداء على المنتقممِ ينكر ويَكْرَه فاعلَه. وأصل صيغة الافتعال أن تكون لمطاوعة فَعَل المتعدي بحيث يكون فاعل المطاوعة هو مفعول الفعل المجرد، ولم يسمع أن قالوا نَقَمَه فانتقم. أي أحفظه وأغضبه فعاقب، فهذه المطاوعة أميت فعلها المجردُ، وعدوه إلى المعاقب بمن الابتدائية للدلالة على أنه منشأ العقوبة وسببها وأنه مستوجبها، وتقدم الكلام على المجرد من هذا الفعل عند قوله تعالى آنفاً: {أية : وما تَنَقم منا إلاّ أن آمنا بآيات ربنا}تفسير : [الأعراف: 126]. وكان إغراقهم انتقاماً من الله لذاته لأنهم جحدوا انفراد الله بالإلاهية، أو جحدوا إلاهيته أصلاً، وانتقاماً أيضاً لبني إسرائيل لأن فرعون وقومه ظلموا بني إسرائيل وأذلوهم واستعبدوهم باطلاً. والإغراقُ: الإلقاء في الماء المستبحر الذي يغمر المُلْقَى فلا يترك له تنفساً، وهو بيان للانتقام وتفصيل لمجمله، فالفاء في قوله: {فأغرقناهم} للترتيب الذكري، وهو عطف مفصّل على مجمل كما في قوله تعالى: {أية : فتوبوا إلى بارئكم فاقتُلوا أنفسكم}تفسير : [البقرة: 54]. وحَمَل صاحب «الكشاف» الفعل المعطوف عليه هنا على معنى العزم فيكون المعنى: فأرْدنا الانتقام منهم فأغرقناهم، وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: {أية : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} تفسير : في سورة البقرة (54). واليمّ: البحر والنهر العظيم، قيل هو كلمة عربية. وهو صنيع «الكشاف» إذ جعله مشتقاً من التيمم لأنه يُقصد للمنتفعين به، وقال بعضْ اللغويين: هو معرب عن السريانية وأصله فيها (يَمّا) وقال شَيْدَلَةُ: هو من القبطية، وقال ابن الجوزي: هو من العبرية، ولعله موجود في هذه اللغات. ولعل أصله عربي وأخذته لغات أخرى ساميّة من العربية والمراد به هنا بحر القُلْزُم، المسمى في التوراة بحر سُوف، وهو البحر الأحمر. وقد أطلق (اليم) على نهر النيل في قوله تعالى: {أية : أن اقذفيه في التابوت فاقْذفيه في اليَمّ}تفسير : [طه: 39] وقوله: {أية : فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليمّ}تفسير : [القصص: 7]، فالتعريف في قوله: {اليَمّ} هنا تعريف العهد الذهني عند علماء المعاني المعروف بتعريف الجنس عند النحاة إذ ليس في العبرة اهتمام ببحر مخصوص ولكن بفرد من هذا النوع. وقد أغرق فرعون وجنده في البحر الأحمر حين لحق بني إسرائيل يريد صدهم عن الخروج من أرض مصر، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة البقرة وسيأتي تفصيله عند قوله تعالى: {أية : حتى إذا أدركه الغرق} تفسير : في سورة يونس (90). والباء في {بأنهم} للسببية، أي: أغرقناهم جزاء على تكذيبهم بالآيات. والغفلة ذهول الذهن عن تذكر شيء، وتقدمت في قوله تعالى: {أية : وإن كنا عن دراستهم لغافلين} تفسير : في سورة الأنعام (156)، وأريد بها التغافل عن عمد وهو الإعراض عن التفكر في الآيات، وإباية النظر في دلالتها على صدق موسى، فإطلاق الغفلة على هذا مجاز، وهذا تعريض بمشركي العرب في إعراضهم عن التفكر في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالة معجزة القرآن، فلذلك أعيد التصريح بتسبب الإعراض في غرقهم مع استفادته من التفريع بالفاء في قوله: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم} تنبيهاً للسامعين للانتقال من القصة إلى العبرة. وقد صيغ الإخبار عن إعراضهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على أن هذا الإعراض ثابت لهم، وراسخ فيهم، وأنه هو علة التكذيب المصوغغِ خبرُه بصيغة الجملة الفعلية لإفادة تجدده عند تجدد الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} {بِآيَاتِنَا} {غَافِلِينَ} (136) - بَعْدَ أَنِ ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِالآيَاتِ الوَاحِدَةِ بَعْدَ الأُخْرَى، وَبَعْدَ أَنْ نَكَثُوا بِوُعُودِهِمْ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّةِ، انْتَقَمَ اللهُ مِنْهُمْ بِأَنْ أَغْرَقَهُمْ فِي البَحْرِ (اليَمِّ) الذِي فَرَقَهُ مُوسَى بِضَرْبَةٍ مِنْ عَصَاهُ، فَتَجَاوَزَهُ هُوَ وَبَنُو إِسْرائيلَ إِلى الطَّرفِ الآخَرِ مِنْهُ، ثُمَّ وَرَدَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَمِيعُهُم دَاخِلَهُ، أَطْبَقَ عَلَيْهِم المَوْجُ فَغَرِقُوا جَمِيعاً. وَقَدْ فَعَلَ اللهُ بِهِمْ ذَلِكَ لأَِنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَتَغَافَلُوا عَنْها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويوضح هنا سبحانه أنه مادام قد أخذهم بالعقاب في ذواتهم، وفي مقومات حياتهم، وفي معكرات صفوهم لم يبق إلا أن يهلكوا؛ لأنه لا فائدة منهم؛ لذلك جاء الأمر بإغراقهم، لا عن جبروت قدرة، بل عن عدالة تقدير؛ لأنهم كذبوا بالآيات وأقاموا على كفرهم. ويلاحظ هنا أن أهم ما في القضية وهو الإِغراق قد ذكر على هيئة الإِيجاز، وهو الحادث الذي جاء في سورة أخرى بالتفصيل، فالحق سبحانه يقول: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ} تفسير : [الشعراء: 52] ولم يأت الحق هنا بتفاصيل قصة الإِغراق؛ لأن كل آية في القرآن تعالج موقفاً، وتعالج لقطة من اللقطات؛ لأن القصة تأتي بإجمال في موضع وبإطناب في موضع آخر، وهنا يأتي موقف الإِغراق بإجمال: {فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ}. وكلمة {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} لها قصة طويلة معروفة ومعروضة عرضاً آخر في سورة أخرى، فحين خرج موسى وبنو إسرائيل من مصر خرج وراءهم فرعون، وحين رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا بمنطق الأحداث: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}. مدركون من فرعون وقومه لأن أمامهم البحر وليس عندهم وسيلة لركوب البحر. لكن موسى المرسل من الله علم أن الله لن يخذله؛ لأنه يريد أن يتم نعمة الهداية على يديه، كان موسى عليه السلام ممتلئاً باليقين والثقة لذلك قال بملء فيه: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] هو يقول: "كلا" أي لن يدركوكم لا بأسبابه، بل أسباب من أرسله بدليل أنه جاء بحيثيتها معها وقال: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. لقد تكلم بمنطق المؤمن الذي أوى إلى ركن شديد، وأن المسائل لا يمكن أن تنتهي عند هذا الوضع؛ لأنه لم يؤد المهمة بكاملها، لذلك قال: "كلا" يملء فيه، مع أن الأسباب مقطوع بها. فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم، وأتبع ذلك بقوله: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} بالحفظ والنصرة.. أي أن الأسباب التي سبق أن أرسلها معي الله فوق نطاق أسباب البشر، فالعصا سبق أن نصره الله بها على السحرة، وهي العصا نفسها التي أوحى له سبحانه باستعمالها في هذه الحالة العصيبة قائلاً له: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ...} تفسير : [الشعراء: 63] ونعرف أن البحر وعاء للماء، وأول قانون للماء هو السيولة التي تعينه على الاستطراق، ولو لم يكن الماء سائلاً، وبه جمود وغلظة لصار قطعاً غير متساوية، ولكن الذي يعينه على الاستطراق هو حالة السيولة، ولذلك حين نريد أن نضبط دقة استواء أي سطح نلجأ إلى ميزان الماء. وقال الحق سبحانه لموسى عليه السلام: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ} تفسير : [الشعراء: 63] وحين ضرب موسى بعصاه البحر امتنع عن الماء قانون السيولة وفقد قانون الاستطراق، ويصور الله هذا الأمر لنا تصويراً دقيقاً فيقول: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}. أي صار كل جزء منه كالطود وهو الجبل، ونجد في الجبل الصلابة، وهكذا فقد الماء السيولة وصار كل فرق كالجبل الواقف، ولا يقدر على ذلك إلا الخالق، لأن السيولة والاستطراق سنة كونية، والذي خلق هذه السنة الكونية هو الذي يستطيع أن يبطلها. وحين سار موسى وقومه في اليابس، وقطع الجميع الطريق الموجود في البحر سار خلفهم فرعون وجنوده وأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ليعود إلى السيولة وإلى الاستطراق حتى لا يتبعه فرعون وجنوده، وهذا تفكير بشري أيضاً، ويأتي لموسى أمر من الله: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً...} تفسير : [الدخان: 24] أي اترك البحر ساكناً على هيئته التي هو عليها ليدخله فرعون وقومه، إنه سبحانه لا يريد للماء أن يعود إلى السيولة والاستطراق حتى يُغري الطريق اليابس فرعون وقومه فيأتوا وراءكم ليلحقوا بكم، فإذا ما دخلوا واستوعبهم اليابس؛ أعدنا سيولة الماء واستطراقه فيغرقون؛ ليثبت الحق أنه ينجي ويهلك بالشيء الواحد، وكل ذلك يجمله الحق هنا في قوله: {فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ}. و"اليم" هو المكان الذي يوجد به مياه عميقة، ويطلق مرة على المالح، ومرة على العذب، فمثلاً في قصة أم موسى، يقول الحق: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ...} تفسير : [القصص: 7] وكان المقصود باليم هناك النيل، لكن المقصود به هنا في سورة الأعراف هو البحر. ويأتي سبب الإِغراق في قوله: {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}. كيف إذن يعذبهم ويغرقهم نتيجة الغفلة، ونعلم أن الغفلة ليس لها حساب؟ بدليل أن الصائم قد يغفل ويأكل ويصح صيامه. ويقال إن ربنا أعطى له وجبة تغذيه بالطعام وحسب له الصيام لأنه غافل. لكن هنا يختلف أمر الغفلة؛ فالمراد بـ"غافلين" هنا أنهم قد كانوا قد كذبوا بآيات الله ثم أعرضوا إعراضاً لا يكون إلا عن غافل عن الله وعن منهجه، ولو أنهم كانوا عباداً مستحضرين لمنهج الله لما صح أن يغفلوا، وهذا القول يحقق ما سبق ان قاله سبحانه: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ...} تفسير : [الأعراف: 129] ثم يأتي بعد ذلك القول الذي يحقق ما سبق أن قاله سبحانه: {أية : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 129] ويقول الحق تأكيداً لذلك: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: { فِي ٱلْيَمِّ} معناهُ فِي البَحْرِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):